ومما يدل على السقط المذكور: أنه رواه غير واحد عن ابن لهيعة، منهم الوليد ابن مسلم في "تاريخ ابن عساكر" (٩/ ٨١٠) ، ومنهم محمد بن معاوية- وهو النيسابوري المتروك- عند البيهقي في "شعب الإيمان " (٧/١٢٣/٩٧١٤) .
فالظاهر أن عبد الله بن وهب رواه أيضاً عن ابن لهيعة، فإن ثبت ذلك فالسند صحيح. والله أعلم.
وأما المتابعة؛ فقد رواه ابن أبي الدنيا أيضاً (٤٢/٥) من طريق يحيى بن سُليم عن محمد بن مسلم قال: بلغني أن رجلاً ... الحديث مقتصراً على حديث الترجمة.
وهذا إسناد صالح للاستشهاد به على إعضاله؛ فإن يحيى ومحمداً- وهما طائفيان- لا صلة بينهما وبين ابن لهيعة المصري، وهما صدوقان في حفظهما ضعف، ومحمد بن مسلم من طبقة ابن لهيعة، فهو متابع له- إن شاء الله- في الجملة.
على أنه يبدو أن له متابعاً آخر، فقد أورد الهيثمي الحديث في "المجمع " (٥/٢٧٨- ٢٧٩) بسياق أتم من سياق أحمد، وعن عبادة بن الصامت، وقال:
"رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وفي الآخر سويد بن إبراهيم، وثقه ابن معين في روايتين، وضعفه النسائي، وبقية رجالهما ثقات ".
وان مما يؤسف له أن الجزء الذي فيه مسند عبادة بن الصامت من "معجم الطبراني الكبير" لم يطبع بعد، لنعلم هل هناك فرق بين الإسنادين؟! وننظر في إسناد (سويد بن إبراهيم) هل هو متابع لابن لهيعة متابعة تامة، أم أن متابعته إياه
стр. 5812
بإسناد آخر عن عبادة؟! وإنما قلت مع ذلك: إنه متابع له؛ لأنه في طبقة ابن لهيعة، وأقدم وفاة منه، فإنه توفي قبله بنحو عشر سنين؛ ثم هو مختلف فيه كما تقدم عن الهيثمي. وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق سيئ الحفظ، له أغلاط ".
فمثله يستشهد به أيضاً.
والحديث أورده المنذري أيضاً في "الترغيب " بسياق أتم أيضاً مثل سياق " المجمع "؛ وقال (٢/ ١٧٦) :
"رواه أحمد والطبراني بإسنادين، أحدهما حسن؛ واللفظ له ".
ولست أدري أي الإسنادين حسن؟! ولكن مما لا شك أنه حسن على الأقل بمجموعهما، فضلاً عما إذا أضيف إليهما ما قدمنا.
وأما المعلقون على طبعة "الترغيب " الجديدة؛ فلم يعبأوا بتصريح المنذري بالتحسين، ولا بمجموع الطريقين، ولا بكلام الهيثمي أيضاً؛ وقد نقلوه عنه كما هي عادتهم، وصدروا ذلك بقولهم: " ضعيف "!! *
٣٣٣٥ - (غنيمة مجالس الذكر؛ الجنّة) .
أخرجه أحمد (٢/١٧٧ و٠ ١٩) من طريقين عن ابن لهيعة: ثنا راشد بن يحيى المعافري: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله! ما غنيمة مجالس الذكر؟ قال: ... فذكره.
стр. 5813
قلت: وهذا إسناد ضعيف، راشد بن يحيى- ويقال: ابن عبد الله- أبو يحيى مجهول، كما قال الحسيني، ولم يرو عنه إلا ضعيفان: أحدهما: ابن لهيعة، والآخر: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، انظر "تيسير الانتفاع "، وقد سبق تخريج حديث الإفريقي عنه برقم (٢٦٣٩) لشاهد له، ولهذا أخرجت أيضاً حديثه هنا كما يأتي. وقد قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٧٨) :
"رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن "!
وكذا قال المنذري في "الترغيب " (٢/٢٣٤) ! إلا أنه لم يذكر الطبراني، وقلدهما المعلقون على الطبعة الجديدة من "الترغيب " (٢/ ٣٨١/ ٢٢٣٤) دون أي بيان كما هي عادتهم، وقد عرفت أن ما حسنوه مداره على ضعيف عن مجهول! ومن أجل ذلك كنت ذكرته في "ضعيف الجامع الصغير"، قبل أن يطبع القطعة التي فيها هذا الحديث من الجزء (١٣) من "معجم الطبراني الكبير"، فرأيته فيه (٢١/٣٦) من طريق رشدين بن سعد، وخالد بن حميد المهراني (الأصل: الهمداني) عن زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن الحبلي به.
وخالد بن حميد ثقة من رجال التهذيب، ورشدين بن سعد؛ وإن كان ضعيفاً؛ فهو متابع، ولولا أن في الطريق إليهما ضعفاً- لا أرى فائدة تذكر ببيانه- لقلت: إن الحديث صحيح، لكن حسبي أن أقف عند القول بحسنه بمجموع الطريقين عن الحبلي. وأما الشيخ أحمد شاكر ﵀؛ فقد صرح بتصحيح إسناد أحمد (١٠/١٧٩) بناء على اعتداده بتوثيق ابن حبان، ولو للمجهولين، وعدم اعتداده بأقوال الحفاظ المضعفين لابن لهيعة، حتى الذين فصلوا بين ما رواه العبادلة عنه فهي صحيحة، وبين ما رواه غيرهم! والله الموفق. *
стр. 5814
٣٣٣٦ - (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فعقد الأعرابي على يده، وقضى وتفكر ثم رجع، فتبسم النبي ﷺ قال: تفكر البائس.
فجاء فقال: يا رسول الله! سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ هذا لله، فما لي؟ فقال له النبي ﷺ :
يا أعرابي! إذا قلت: سبحان الله، قال الله: صدقت، وإذا قلت: الحمد لله، قال الله: صدقت، وإذا قلت: لا إله إلا الله، قال الله: صدقت، وإذا قلت: الله أكبر؛ قال الله: صدقت.
وإذا قلت: اللهم! اغفر لي، قال الله: قد فعلت، وإذا قلت: اللهم! ارحمني؛ قال الله: [قد] فعلت، وإذا قلت: اللهم! ارزقني، قال الله: قد فعلت. فعقد الأعرابي على سبع في يده، ثم ولّى) .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان " (١/٤٣١- ٤٣٢/٦١٩) من طريق الحسن ابن ثواب أبي علي: حدثني عمار بن عثمان الحلبي أبو عثمان- وكان أحمد بن حنبل يوثقه، وتأسف على أنه لم يكتب عنه شيئاً-: حدثني جعفر بن سليمان الضّبعي عن ثابت عن أنس قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! علمني خيراً، فأخذ النبي ﷺ بيده فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، أما من دون الحسن بن ثواب؛ فثقات حفاظ معروفون، ولذلك لم أذكرهم.
وأما الحسن بن تواب؛ فقد أضناني البحث عنه حتى وجدته، فسجدت لله
стр. 5815
شكراً على توفيقه، فأساله المزيد من فضله، فترجمه الخطيب البغدادي في "التاريخ " (١٠/ ٢٩١- ٢٩٢) برواية جمع من الحفاظ عنه، وروى عن الدارقطني أنه قال:
"بغدادي ثقة ".
مات سنة (٢٦٨) .
ومن جملة من روى عنه أبو بكر الخلال، وقال:
"كان شيخاً جليل القدر، وكان له بأبي عبد الله أنس شديد، قال لي: كنت إذا دخلت إلى أبي عبد الله يقول لي: إني أفشي إليك ما لا أفشيه إلى ولدي، ولا إلى غيره. فأقول له: لك عندي ما قال العباس لابنه عبد الله: إن عمر بن الخطاب يكرمك ويقدمك، فلا تفشين له سرّآ، فإن أمت فقد ذهب، وإن أعش فلن أحدث بها عنك يا أبا عبد الله! فيفشي إليه أشياء كثيرة. وكان عنده عن أبي عبد الله جزء كبير، فيه مسائل كبار لم يجئ بها غيره مشبعة".
ثم ساق عنه بعض المسائل.
وأما عمار بن عثمان الحلبي؛ فهو بصري روى عنه أيضاً "حميد بن الربيع وأهل العراق " كما في "ثقات ابن حبان " (٨/٥١٨) ؛ ووثقه الإمام أحمد أيضاً كما ترى في إسناد الحديث، والظاهر أنها من الفوائد التي تلقاها الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد، ولعلها في الجزء الذي أشار إليه أبو بكر الخلال ﵀.
وبالجملة؛ فهذا الإسناد صحيح كما يتبين من هذا التحقيق، وهو من نفائس هذا الكتاب بفضل الله؛ فإن المنذري في "الترغيب " أشار إلى تضعيفه بتصديره إياه بقوله "وروي عن أنس.. "، وقال:
"رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي، وهو في "المسند"، و"سنن النسائي " من حديث أبي هريرة بمعناه "!
стр. 5816
وأما المعلقون الثلاثة على "الترغيب " في طبعتهم الجديدة الحسناء! فقد اهتبلوا الإشارة المذكورة ليتظاهروا أنهم على معرفة بهذا العلم، فكشفوا عن جهلهم به حيث قالوا:
"وفيه جعفر بن سليمان الضّبعي: ينفرد بأحاديث عُدت مما ينكر: "ميزان الاعتدال " (١/٤٠٨) ".
هكذا نقلوا من "الميزان "! وهو نقل مبتور، لعله غير مقصود! متوهمين أنهم نقلوا ما يؤيد تضعيفهم للحديث، وذلك من الأدلة الكثيرة على جهلهم بهذا العلم، وتطفلهم عليه؛ فإن العبرة بكون الراوي ثقة أو صدوقاً، ولا يضره بعد ذلك أن يكون له أحاديث أنكرت عليه، فإن الجرح لا يثبت بهذا، وإنما إذا كثرت مناكيره، وحينئذ يقال في مثله: منكر الحديث؛ وجعفر هذا ليس كذلك، والعجيب أن كلام الذهبي يدل على ذلك ويؤكده! فإنه قال- بعد أن ذكر كلام الأئمة فيه كالمخلص لها-:
"وهو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث غدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها، منها ... " ثم ساق ستة أحاديث، وعقب عليها بقوله:
"وغالب ذلك في "صحيح مسلم " ... ".
قلت: وبعضها عنده من روايته عن جعفر عن ثابت عن أنس، وهو حديث: "إنه حديث عهد بربه "؛ وهو مخرج في "الإرواء" (٣/١٤٣/٦٧٨) (١) ، و"مختصر
стр. 5817
العلو" (٩٣/٢٥) ، و"ظلال الجنة" (١/٢٧٦/٦٢٢) ، وهذا الحديث واحد من ستة أحاديث عند مسلم بهذه الرواية، ولقد كان هذا وحده يكفي رادعاً لهؤلاء الجهلة عن تضعيفهم لحديث الترجمة بجعفر هذا، لو كانوا يعلمون! فكيف وهناك عشرات الأحاديث من رواية جعفر هذا اتفق الحفاظ على تصحيحها قديماً وحديثاً، كالترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي والعسقلاني وغيرهم؟! وهي معروفة مبثوثة في مختلف أبواب كتب السنة. ولذلك قال الذهبي في ترجمة جعفر من "المغني ":
"صدوق، صالح، ثقة، ضعفه يحيى القطان وغيره، فيه تشيع، وله ما ينكر".
وقال في "الكاشف ":
"ثقة، فيه شيء، مع كثرة علومه ".
ولذلك أورده في كتابه "معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد" (ص ٨١ - ٨٢) ، وذكر فيه نحو ما تقدم.
وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع ".
والخلاصة: أن الرجل صدوق حجة ما لم يظهر خطؤه؛ كسائر الثقات الذين فيهم شيء من الضعف، فتضعيفهم للحديث به مما يشعر أنهم يظنون- لبالغ جهلهم- أن كل كلام في الراوي هو جرح مقبول، وهذا ما لا يقبله حتى من كان مبتدئاً في هذا العلم. والله المستعان. *
٣٣٣٧ - (قُولي (وفي رواية: تقولين) : اللهم! إنك عفوٌّ تحبُّ العفو؛ فاعف عني) .
أخرجه الترمذي (٠٨ ٢٥) والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (٨٧٢- ٨٧٥) ،
стр. 5818
ومن طريقه ابن السني (٢٤٦/٧٦٣) ، وابن ماجه (٠ ٣٨٥) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٣/٣٣٨- ٣٣٩) ، و"الأسماء والصفات " (ص ٥ ٥) ، والأصبهاني في "الترغيب " (٢/٧٢٨/١٧٧٢) ، وأحمد (٦/١٧٠ و ١٨٢ و ١٨٣ و ٢٠٨) من طرق عن ابن بريدة- وقال بعضهم: عبد الله بن بريدة- عن عائشة قالت:
قلت: يا رسول الله! أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟ قال: ... فذكره.
والسياق للنسائي والترمذي، وقال:
"حديث حسن صحيح ".
وأقره المنذري في "الترغيب " (٤/ ١٤٤) ، والنووي في "الأذكار"، و" المجموع " (٦/٤٤٧) ، وهو حري بذلك؛ فإن عبد الله بن بريدة ثقة من رجال الشيخين.
وقد أعل بما لا يقدح، فقال الدارقطني في "سننه " (٣/٢٣٣) - وتبعه البيهقي (٧/١١٨) - في حديث آخر لعبد الله بن بريدة (١) :
"لم يسمع من عائشة شيئاً "!
كذا قالا! وقد كنت تبعتهما برهة من الدهر في إعلال الحديث المشار بالانقطاع، في رسالتي "نقد نصوص حديثية" (ص ٤٥) ، والآن؛ فقد رجعت عنه؛ لأني تبينت أن النفي المذكور لا يوجد ما يؤيده، بل هو مخالف لما استقر عليه الأمر في علم المصطلح أن المعاصرة كافية لإثبات الاتصال بشرط السلامة من
стр. 5819
التدليس، كما حققته مبسطاً في تخريج بعض الأحاديث، وعبد الله بن بريدة لم يرم بشيء من التدليس، وقد صح سماعه من أبيه كما حققته في الحديث المتقدم (٢٩٠٤) وغيره، وتوفي أبوه سنة (٦٣) ، بل ثبت أنه دخل مع أبيه على معاوية في "مسند أحمد" (٥/٣٤٧) ، ومعاوية مات سنة (٦٠) ، وعائشة ماتت سنة (٥٧) ، فقد عاصرها يقيناً، ولذلك أخرج له الشيخان روايته عن بعض الصحابة ممن شاركها في سنة وفاتها أو قاربها، مثل عبد الله بن مغفل، وقريب منه سمرة بن جندب مات سنة (٥٨) . بل وذكروه فيمن روى عن عبد الله بن مسعود المتوفى سنة (٣٢) ، ولم يعلوها بالانقطاع، ولعله- لما ذكرت- لم يعرج الحافظ المزي على ذكر القول المذكور، إشارة إلى توهينه، وكذلك الحافظ الذهبي في "تاريخه "، ونحا نحوهما الحافظ العلائي في "جامع التحصيل " (٢٥٢/٣٣٨) ، فلم يذكره بالإرسال إلا بروايته عن عمر، وهذا ظاهر جدّاً؛ لأنه ولد لثلاث خلون من خلافة عمر.
وما تقدم من التحقيق ونفي الانقطاع يقال، لو لم يكن هناك ما يمكن دعم الحديث به؛ فكيف وثمة أمران:
أحد هما: أن بعض الرواة سمى (ابن بريدة) : (سليمان) كما وقع في "النسائي" (٥٠٠/٨٧٧) و"المستدرك " (١/ ٥٣٠) من طريق علقمة بن مرثد عنه، وقال:
"صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وأقره المنذري.
لكن تعقبه الحافظ في "تخريج الأذكار"- كما قال ابن علان في "الفتوحات " (٤/٣٤٦) - بقوله:
"وفي ذلك نظر؛ فإن البيهقي جزم في كتاب الطلاق من "السنن " أن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة"!
стр. 5820
وأقول: سبق الجواب عن هذا، وكان الأولى أن يكون النظر من جهة أن سليمان بن بريدة ليس من رجال البخاري، وأن الأشهر- كما نقله ابن علان أيضاً من قبل عن الحافظ- أنه عن أخيه (عبد الله) .
ثم إن قوله: "كتاب الطلاق " سبق قلم، وإنما هو "كتاب النكاح "، وقد تقدمت الإشارة إلى موضعه منه جزء وصفحة.
على أن الإمام أحمد أخرج الحديث (٦/٢٥٨) من الطريق المذكورة دون تسمية ابن بريدة، وكذلك رواه الطبراني في "الدعاء" (٢/١٢٢٨/٩١٦) . فيبدو لي أن الحديث حديث عبد الله، وأن ذكر (سليمان) شاذ. والله أعلم.
وكان الغرض من ذكر الحديث من روايته دفع الإعلال بالانقطاع؛ لأن (سليمان) لم يقل فيه أحد ما قالوا في أخيه، ولكن ما دام أنه لم يصح ذكره؛ فلم يتحقق الغرض، فحسبنا ما تقدم ويأتي.
والأمر الآخر: أنه ثبت عن عائشة أنها قالت:
لو علمت أي ليلة ليلة القدر؛ لكان أكثر دعائي فيها أن أسأل الله العفو والعافية.
رواه النسائي (٨٧٨) ، والبيهقي في "الشعب " (٢ ٠ ٣٧) من طريقين عنها، ومن الظاهر أنها لا تقول ذلك إلا بتوقيف. والله أعلم.
(تنبيه) : وقع في "سنن الترمذي " بعد قوله: "عفو" زيادة: "كريم "! ولا أصل لها في شيء من المصادر المتقدمة، ولا في غيرها ممن نقل عنها، فالظاهر أنها مدرجة من بعض الناسخين أو الطابعين؛ فإنها لم ترد في الطبعة الهندية من " سنن الترمذي " التي عليها شرح "تحفة الأحوذي " للمباركفوري (٤/ ٢٦٤) ، ولا
стр. 5821
في غيرها. وإن مما يؤكد ذلك: أن النسائي في بعض رواياته أخرجه من الطريق التي أخرجها الترمذي، كلاهما عن شيخهما (قتيبة بن سعيد) بإسناده دون الزيادة.
وكذلك وقعت هذه الزيادة في رسالة أخينا الفاضل علي الحلبي: "مهذب عمل اليوم والليلة لابن السني " (٩٥/٢٠٢) ، وليست عند ابن السني؛ لأنه رواه عن شيخه النسائي- كما تقدم- عن قتيبة، ثم عزاه للترمذي وغيره! ولقد كان اللائق بفن التخريج أن توضع الزيادة بين معكوفتين كما هو المعروف اليوم [] ، وينبه أنها من أفراد الترمذي. وأما التحقيق فيقتضي عدم ذكرها مطلقاً؛ إلا لبيان أنه لا أصل لها، فاقتضى التنبيه. *
٣٣٣٨ - (يا أم رافع! إذا قمت إلى الصلاة؛ فسبحي الله عشراً، وهلِّليه عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشراً، واستغفريه عشراً، فإنك إذا سبحت عشراً قال: هذا لي، وإذا هللت قال: هذا لي، وإذا حمدت قال: هذا لي، وإذا كبرت قال: هذا لي، وإذا استغفرت قال: قد غفرت لك) .
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٧-٣٨/ ١٠٥) ، ومن طريقه الديلمي (٣/ ١ ٣١) ، والحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/٣٨٩-٣٩٠) من طريق ابن منده من طريقين عن عطاف بن خالد: حدثني زيد بن أسلم عن أم رافع ﵂ أنها قالت:
يا رسول الله! دلني على عمل يأجرني الله عليه؟ قال: ... فذكره، وقال الحافظ:
"هذا حديث حسن، ورجاله موثقون، لكن في (عطاف) مقال يتعلق
стр. 5822
بضبطه، وقد تابعه بُكير بن مسمار عن زيد بن أسلم، وسمّى (أم رافع) ؛ فقال: عن سلمى أم بني رافع ... فذكر الحديث نحوه، لكن أطلق موضع القول، والشيخ (يعني: عطافاً) حمله على الإرادة، ووقع لنا من وجه آخر ما قد يدل على أنه داخل الصلاة".
قلت: ثم ساقه من طريق ابن منده أيضاً بسنده الصحيح عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن وهب عن أم رافع أنها قالت:
يا رسول الله! أخبرني بعمل أفتتح به صلاتي ... فذكر الحديث نحوه. قال: "وأخرج الترمذي وصححه عن أنس أن أم سليم قالت:
يا رسول الله! علمني كلمات أقولهن في صلاتي ... فذكر نحوه.
وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أنس بلفظ:
"إذا صليت المكتوبة.. ".
وأفادت رواية هشام بن سعد زيادة راو بين زيد بن أسلم وأم رافع. والله أعلم ".
قلت: يشير إلى (عبد الله بن وهب) ، ولم يتكلم الحافظ عنه بشيء، ولا أستبعد أنه (عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب الأسدي الأصغر) ؛ فإنه مدني من هذه الطبقة، وروى عن أم سلمة، وروى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/٤٨) ، وحسن له الترمذي (٣٨٧٣) . وقال الحافظ في "التقريب ":
"ثقة".
وأما متابعة بكير بن مسمار التي ذكرها الحافظ؛ فقد أخرجها الطبراني في
стр. 5823
"المعجم الكبير"- بإسناد رجاله ثقات غير شيخ الطبراني- نحوه، كما قال الحافظ ولكنه مختصر عن هذا، ولذلك خرجته في الكتاب الآخر (٦٦٢٠) ، ولكنه شاهد جيد لهذا في الجملة. ومثله حديث أنس عند الترمذي وغيره، وفيه مكان الجملة الأخيرة من حديث الترجمة:
"ثم سليه حاجتك، يقول: نعم، نعم ".
وقد خرجته من أجلها هناك أيضاً (٣٦٨٨) .
وللحديث شاهد من رواية محمد بن عمرو بن عطاء قال: قال النبي ﷺ لسودة:
"سبحي الله كل غداة عشراً، وكبري عشراً، واحمدي عشراً، وقولي: اغفر لي (عشراً) ؛ فإنه يقول: قد فعلت، قد فعلت ".
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٢٩٤/٩٤٨٠) من طريق شبيب بن غرقدة عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، لكنه مرسل؛ محمد
ابن عمرو بن عطاء: هو القرشي العامري، تابعي مات في حدود العشرين بعد المائة.
وقد صح من فعله ﷺ ما يؤكد أن الذكر الوارد في الحديث أنه في الصلاة، وهو ما جاء من طرق عن عائشة قالت:
كان ﷺ إذا قام من الليل يفتتح صلاته: كان يكبر عشراً، ويحمد عشراً، ويسبح عشراً، ويهلل عشراً، ويستغفر عشراً ... الحديث، رواه أبو داود وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبو داود" (٧٤٢) ، و"صفة الصلاة".
стр. 5824
٣٣٣٩ - (كانت تأخذ رسول الله ﷺ الخاصرة، فاشتدت به جداً؛ وأخذته يوماً، فأغمي على رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أنه قد هلك على الفراش، فلددناه، فلما أفاق عرف أنّا قد لددناه، فقال: كنتم ترون أن الله كان يسلّط علي ذات الجنب؟ ما كان الله ليجعل لها عليّ سُلطاناً، والله لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس.
قالت: فما بقي في البيت أحد إلا لدّ، فإذا امرأة من بعض نسائه تقول: أنا صائمة! قالوا: ترين أنّا ندعك وقد قال رسول الله ﷺ : لا يبقى أحد في البيت إلا لُدَّ؟! فلددناها وهي صائمة) .
أخرجه أحمد (٦/١١٨) : ثنا سليمان بن داود، وابن سعد (٢/٢٣٥) : أخبرنا محمد بن الصباح، وأبو يعلى (٨/٣٥٣- ٣٥٤) : حدثنا محمد بن بكار؛ قالوا- والسياق لابن سعد-: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين " إلا أن ابن أبي الزناد إنما أخرج له البخاري تعليقاً (١) ، ومسلم في المقدمة، وذلك لأن في حفظه ضعفاً، لكن الذي رجحه الذهبي أنه حسن الحديث، وبخاصة في رواية المدنيين عنه. وإلى ذلك أشار الحافظ بقوله في "التقريب ":
"صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد".
стр. 5825
وقد استثنى من البغداديين الذين رووا عنه سليمان بن داود الهاشمي؛ فقال:
"أحاديثه عنه مقاربة".
وقال ابن معين:
"هو أثبت الناس في هشام بن عروة".
قلت: وهذا الحديث من روايته عنه كما ترى، وقد رواه عنه- عند أحمد- سليمان بن داود الهاشمي، فهو من صحيح حديثه إن شاء الله تعالى، وكأنه لذلك سكت عنه الحافظ في "الفتح " (٨/١٤٨) ، ولم يعزه إلا لابن سعد.
وله طريق أخرى، وشاهد.
أما الطريق؛ فأخرجه الحاكم (٤/٤٠٥) ، وأحمد (٦/٢٧٤) من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة: أنها حدثته:
أن رسول الله ﷺ قال- حين قالوا: خشينا أن الذي برسول الله ذات الجنب-: "إنها من الشيطان، وما كان الله ليسلطه عليّ ".
قلت: وهذا إسناد حسن؛ صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث. وقال الحاكم:
"هذا حديث على شرط مسلم "؛ ووافقه الذهبي!
وابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، لكن قد توبع في الطريق الأولى، فهو بهذا الاعتبار على شرط مسلم، والله أعلم.
وأما الشاهد؛ فيرويه أحمد (٦/٤٣٨) : حدثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن
стр. 5826
الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أسماء بنت عُمَيْس قالت:
أوذ ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، فتشاور نساؤه في لدّه، فلدّوه، فلما أفاق قال:
"ماهذا؟! ".
فقلنا (١) : هذا فعل نساء جئن من ههنا، وأشار إلى أرض الحبشة، وكانت أسماء بنت عميس فيهن، قالوا: كنا نتهم فيك ذات الجنب يا رسول الله! قال:
"إن ذلك لداء ما كان الله ليُقْرِفني به، لا يبقين في هذا البيت أحد إلا التدَّ " إلا عثم رسول الله ﷺ " يعني: العباس. قال:
فلقد التدّت ميمونة يومئذ؛ وإنها لصائمة؛ لعزمة رسول الله ﷺ .
وإسناده صحيح؛ كما قال الحافظ في "الفتح ". وقال الهيثمي (٩/٣٣) :
"ورجاله رجال الصحيح ".
وأقول هو على شرط الشيخين. ورواه الطحاوي أيضاً عن عبد الرزاق.
وقد أخرجه البخاري (٤٤٥٨) ، ومسلم (٧/٢٤) من طريق أخرى عن عائشة مختصراً بلفظ:
стр. 5827
لددنا رسول الله ﷺ في مرضه، فأشار أن لا تلُدّوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال:
"لا يبقى أحد منكم إلا لد؛ غير العباس؛ فإنه لم يشهدكم ".
واللفظ لمسلم. وزاد البخاري- بعد قوله: فلما أفاق قال-:
"ألم أنهكم أن تلدوني؟! "، أقال: أقلنا: كراهية المريض للدواء! فقال ... ".
وكذا أخرجه برقم (٢ ٥٧١ و ٦٨٩٧) .
(تنبيه) : من أوهام المعلق على "مسند أبي يعلى": أنه أخرج تحت حديث الترجمة هذا المختصر من رواية الشيخين دون أن يسوق لفظه، أو أن يبين أنه ليس فيه ما في حديث الترجمة، أو على الأقل أن يقول:
".. مختصراًً" كما قلنا!!!
ونحوه قول الحافظ في حديث الترجمة:
"ثبت في "الصحيح " ... "! فإنه يوهم أنه في أحد "الصحيحين "؛ كما نبهت عليه في "الضعيفة" تحت الحديث (٦٦٢٦) ، وقد ذكرت فيه حديث ابن لهيعة المنكر المخالف لهذا الحديث بلفظ:
مات رسول الله ﷺ من ذات الجنب.
إلا أن قول الحافظ يمكن تأويله بأنه أراد: "الحديث الصحيح "، وليس المعنى المتبادر منه " أي: أحد " الصحيحين " اصطلاحاً.
غريب الحديث
١ـ (الخاصرة) ؛ أي: وجع الخاصرة، قيل: إنه وجع الكليتين. كذا في "النهاية".
стр. 5828
وأقول: لا مسوغ لتمريض القول الثاني، فقد جاء في رواية أحمد وأبي يعلى لحديث الترجمة ما يدل على أن (الخاصرة) هي وجع الكلية، ولفظه:
كانت تأخذه (الخاصرة) ، فيشتد به جدّاً، فكنا نقول: أخذ رسول الله ﷺ عرق الكلية، لا نهتدي أن نقول: (الخاصرة) .
٢- (فلددناه) ؛ أي: جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وهذا هو
اللدود. " فتح ". *******
٣٣٤٠ - (لما سار رسول الله ﷺ إلى بدْرٍ؛ خرج فاستشار الناس، فأشار عليه أبو بكر ﵁، ثم استشارهم فأشار عليه عمر ﵁، فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم، فقالوا: [تستشيرنا] يا رسول الله؟! والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ! ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل حتى تبلغ برك الغِماد؛ لكنّا معك) .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/١٧٠/٨٥٨٠و ٦/٣٣٤/١١١٤١) ، وأحمد (٦/١٠٥ و ٨٨ ١) - والسياق والزيادة له-، وأبو يعلى (٦/٤٠٧/٣٧٦٦ و٤٣٠/٣٨٠٣) ، ومن طريقه ابن حبان في "صحيحه " (١١/٢٣/٤٧٢١-المؤسسة) من طريقين عن حميد عن أنس قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، على ما هو معروف عند العلماء من تسليك الحفاظ لعنعنة حميد عن أنس، نظراً لكون الواسطة بينهما ثابتاً البناني؛ كما في "جامع التحصيل " للعلائي (٢٠١- ٢٠٢) . وقال ابن حبان في "الثقات " (٤/١٤٨) :
стр. 5829
"كان يدلس ما سمعه من ثابت عن أنس، فيرويه هو عن أنس ".
ولذلك أكثر في "صحيحه " من الرواية عنه عن أنس، فانظر "فهرس المؤسسة " (ص ١٢٣) .
وله شاهد من مرسل علقمة بن وقاص به أتم منه.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/٣٥٥- ٣٥٦) ، وابن مردويه- كما في "الفتح " (٧/٢٨٨) - من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص [عن أبيه] (١) عن جده نحوه، وفيه أن القائل: لا نقول كما قال ... هو سعد بن معاذ.
سكت عنه الحافظ، وسنده حسن.
وأما ما رواه الطبراني في "الكبير" (٤/٢٠٩) من حديث أبي أيوب الأنصاري بهذه القصة نحوه مطولاً، وفيه أن القائل هو (المقداد بن عمرو) ؛ فلا يثبت إسناده، وان حسنه الهيثمي (٦/٧٣- ٧٤) ؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، هذا إن سلم من شيخ الطبراني (بكر بن سهل) ؛ فقد ضعفه النسائي. ثم إن فيه جملة منكرة جدّا عندي، وهو جواب الأنصار بعد استشارته ﷺ إياهم، فقالوا:
لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، لكن أردنا العير! ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ "، فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو ... ".
ثم استدركت فقلت: ليس فيه قول الأنصاري أو سعد بن معاذ جملة: برك الغماد ... وإنما فيه ما قبلها، وهذا القدر قد صار من قول المقداد في غزوة بدر، فقد روى طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول:
стр. 5830
شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً [يوم بدر] [وهو على فرس له] ، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عُدل به؛ أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: [إنا] لا نقول [لك] كما قال قوم موسى [لموسى] : (اذهب أنت وربك فقاتلا [إنا ههنا قاعدون] ) ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك! فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره- يعني: قوله-.
وفي رواية: ولكن امض ونحن معك.
أخرجه البخاري (٧/٢٨٧ و٨/ ٢٧٣) - والسياق له، وكذا الزيادات إلا الأولى والرواية الأخرى-، والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/٣٣٣/١١١٤٠) - وله الزيادة الأولى وما بعدها، وله الرواية الأخرى فقط-، وابن سعد في "الطبقات " (٣/١٦٢) - بالرواية الأولى-، وكذا الحاكم (٣/٣٤٩) - وصححه-، وأحمد (١/٣٩٠ و ٤٢٨) ، ورواه ابن جرير (٦/١١٥) باختصار.
وقد روي أن المقداد ﵁ قال ذلك في مناسبة أخرى، فقال سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا:
أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم:
"إني ذاهب بالهدي، فناحره عند البيت ".
فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب نبي الله ﷺ تتابعوا على ذلك.
أخرجه الطبري: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد.
стр. 5831
قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير بشر- وهو ابن معاذ العقدي البصري-؛ فقد ذكره الحافظ المزي في الرواة عن (يزيد بن زريع) ، وهو صدوق كما قال أبو حاتم، وتبعه الحافظ العسقلاني، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٨/١٤٤) ، وروى عنه جمع من الحفاظ كأصحاب "السنن " غير أبي داود، وابن خزيمة وابن جرير الطبري وغيرهم، وأخرج له ابن حبان في "صحيحه " أحاديث كثيرة، فانظر أرقامها إن شئت في "فهارس الرجال " (ص ١٠٧ طبع المؤسسة) .
ويزيد بن زريع ثقة ثبت، وبخاصة في روايته عن سعيد بن أبي عروبة؛ حتى قال أحمد:
"كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة؛ فلا تبالي أن لا تسمعه من أحد، سماعه من سعيد قديم ".
يشير الإمام إلى أن سعيداً هذا كان قد اختلط، وكان من أثبت الناس في روايته عن قتادة. بل قال أبو حاتم:
"كان أعلم الناس بحديث قتادة".
قلت: وقد خالفه في إسناده عبد الله بن رجاء؛ فقال: عن قتادة عن أنس به ... فأسنده عن أنس.
أخرجه البزار (٣/٢٥٤/٢٦٩٢) : حدثنا محمد بن المثنى: ثنا عبد الله بن رجاء به. وقال:
"لا نعلمه يروى عن قتادة عن أنس إلا من هذا الوجه ".
قلت: ويبدو لي أنه شاذ؛ لأن عبد الله بن رجاء- وهو الغداني؛ كما ذكر
стр. 5832
المزي في ترجمة محمد بن المثنى- وهو وإن كان صدوقاً ومن شيوخ البخاري؛ فقد كان يهم قليلاً كما قال العسقلاني في "التقريب "، فمثله لا يعارض به رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وقد ذكر هذه الحافظ ابن كثير عقب رواية ابن مسعود المتقدمة، وقال في "تفسيره " (٢/٣٩) :
"وهذا إن كان محفوظاً يوم الحديبية؛ فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قال يوم بدر".
وأما الحافظ؛ فقال في "الفتح " (٧/٢٨٨) :
"ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية".
قلت: لم أقف على هذا، والله أعلم. ********
قصة فتح مكة الرائعة وإسلام أبي سفيان في أكمل رواية صحيحة
٣٣٤١ - (مضى رسول الله ﷺ ، واستخلف على المدينة أبا رُهْمٍ كلثوم بن حُصين الغفاري.
وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ ، وصام الناس معه، حتى إذا كان بـ (الكديد) (١) ما بين (عُسْفان) و (أمَجَ) أفطر.
ثم مضَى حتى نزل (مرَّ الظّهران) (٢) في عشَرة آلاف من المسلمين؛
стр. 5833
من مزينة وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب (١) مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله ﷺ ب (مرِّ الظَّهران) ، وقد عميت الأخبار عن قريش؛ فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر، ولا يدرون ما هو فاعل؟!
خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل ابن ورقاء، يتحسسون وينظرون؛ هل يجد ون خبراً، أو يسمعون به؟! وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق.
وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ [أيضاً] فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، قال:
لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي (٢) ، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال (٣) .
فلما أخرج إليهما بذلك- ومع أبي سفيان بنيٌّ له- فقال: والله
стр. 5834
ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما، فد خلا وأسلما. (١)
فلما نزل رسول الله ﷺ بـ (مر الظهران) ؛ قال العباس: واصباح فريش! والله لئن دخل رسول الله ﷺ عنوة قبل أن يستأمنوه؛ إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء؛ فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة ليخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه، فيستأمنونه قبل أن يد خلها عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبد يل بن ورقاء؛ وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً. قال يقول بديل: هذه- والله- نيران خزاعة؛ حمشتها الحرب (٢) . قال: يقول أبو سفيان: خزاعة- والله- أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟! فقلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟! قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب
стр. 5835
معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك. قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه، فحركت به (١) ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ﵁، فقال: من هذا؟ وقام إليِّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الناقة قال؛. أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة (٢) الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عمر، فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله! إني [قد] أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه فقلت: لا والله؛ لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلاً يا عمر! والله لو كان من رجال بني عديِّ بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف! فقال: مهلاً يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب [لو أسلم] ، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 5836
اذهب به إلى رحلك يا عباس! فإذا أصبح فأتني به.
فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ قال:
ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟!.
قال: بأبي أنت وأمي، ما أكرمك [وأحلمك] وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره، لقد أغنى عني شيئاً [بعد] ، قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟!.
قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! هذه- والله- كان في نفسي منها شيء حتى الآن (١) ، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم (٢) .
قلت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. قال:
نعم، من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن.
стр. 5837
فلما ذهب لينصرف؛ قال رسول الله ﷺ :
يا عباس! احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها.
قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: (سُليم) ، فيقول: ما لي ولـ (سليم) ؟ قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: (مزينة) ، فيقول: ما لي ولـ (مزينة) ؟ حتى تفذت (١) القبائل؛ لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء (٢) فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق [من الحديد] ، قال: سبحان الله! من هؤلاء يا عباس؟! قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً! قلت: يا أبا سفيان! إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاء إلى قومك.
قال: فخرج حتى إذا جاءهم؛ صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش!
هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت:
стр. 5838
اقتلوا الدسم الأحمش (١) قبح من طليعة قوم! قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني دارك؟! قال: ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد) .
أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" (٤/١٧- ٢٤- ابن هشام) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ١٠- ١٥) - والسياق له-، والطبري في "التاريخ " (٣/ ١١٤) - ببعضه-، وكذا الحاكم (٣/٤٣- ٤٤) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٣٢) ، وأبو داود (٣٠٢١) - فقرة منه (٢) - من طريق محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس به. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي!
ونحوه قول الهيثمي في "المجمع " (٦/١٦٧) :
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ".
فأقول: محمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث - بعامة- بشرط التصريح بالتحديث كما هنا، وهو حجة في السيرة النبوية كما هو معروف عند العلماء، ولذلك نقله الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية" (٤/٢٨٨- ٢٩١) عن "السيرة" ساكتاً عنه، وكذلك الحافظ في "الفتح " (٧/٨- ١٢) قطعاً
стр. 5839
منه في شرحه لحديث عروة بن الزبير الذي أخرجه البخاري (٤٢٨٠) من طريق هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً. وفيه جمل كثيرة مما في حديث ابن إسحاق؛ فهو شاهد قوي.
وأخرجه الطبري (٣/ ٧ ١ ١- ٨ ١ ١) ، والبيهقي (٥/ ٣٦- ٣٨، ٣٨- ٣٩) - ببعضه-، والطبراني (٧٢٦٣) من طريق أخرى عن هشام به مطولاً، وفيه ابن لهيعة.
ولابن إسحاق إسناد آخر، قال: ثنا الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس نحوه.
أخرجه الطبري (٣/١١٥- ١١٧) ، والبيهقي (٥/٣٢- ٣٥) .
والحسين هذا ضعيف.
وقد خالفه أيوب فرواه عن عكرمة مرسلاً؛ لم يذكر ابن عباس.
رواه البيهقي أيضاً، ولكنه لم يسق متنه، وقال عقبه:
"وقد رواه عبد الله ابن إدريس عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس بمعناه ".
ثم رواه (٥/٣٩- ٤٦) عن موسى بن عقبة، زاد في رواية: عن ابن شهاب مرسلاً نحوه مطولاً.
وبالجملة؛ فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد، وهو أصح وأتم ما وقفت عليه مسنداً في قصة فتح مكة حرسها الله. والله أعلم. **************************
стр. 5840
٣٣٤٢ - (هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا) .
أخرجه ابن ماجه (١٣٣٨) - والسياق له-، وابن نصر في "قيام الليل " (ص ٥٥) ، وأحمد (٦/١٦٥) ، وأبو نعيم في "الحلية " (١/ ٣٧١) ، والحاكم (٣/٣٢٥) من طريقين عن حنظلة بن أبي سفيان: أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
أبطأث على عهد رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال:
"أين كنت؟ ".
قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي فقال: ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي!
كذا قالا! وفيه أمران:
الأول: أن عبد الرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئاً.
والآخر: أن ابن سابط لم أجد من صرح أنه سمع من عائشة ﵂، وقد أرسل عن كثير من الصحابة، وروى له مسلم عن عائشة فرد حديث بواسطة - كما قال الخزرجي في "الخلاصة"-؛ ففيه شبهة الانقطاع. وكأنه لذلك قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء"- بعدما عزاه لابن ماجه (١) -:
стр. 5841
"ورجال إسناده ثقات ".
قلت: فلم يصححه. وقد بين ذلك الحافظ في "تخريج الأذكار"، فقال- كما
في "شرح ابن علان " (٣/٢٦٦) -:
"تفرد به ابن ماجه، ورجاله رجال "الصحيح "؛ إلا أن عبد الرحمن بن سابط كثير الإرسال، وهو تابعي ثقة، وقد (أخرجه) ابن المبارك في "كتاب الجهاد" مرسلاً، فقال: عن ابن سابط: أن عائشة سمعت سالماً ... وابن المبارك أتقن من الوليد الذي روى الحديث موصولاً؛ لكن للحديث طريق آخر ذكر فيه الحديث دون القصة، وإذا انضم إلى السند [الذي] قبله؛ تقوى به، وعرف أن له أصلاً ".
قلت: وقوله: "وابن المبارك أتقن من الوليد"مما لا شك فيه، ولكنه يشعر (١) أن الوليد تفرد به، وليس كذلك؛ كما أشرت إليه في قولي المتقدم:
"من طريقين عن حنظلة".
وأعني بالأولى: طريق الجماعة عن (الوليد) ، وبالأخرى: طريق أحمد قال: "ثنا ابن نمير قال: ثنا حنظلة عن ابن سابط عن عائشة ... "، رواه في جملة أحاديت لابن نمير- واسمه عبد الله أيضاً-، وهو ثقة من رجال الشيخين، فهذه متابعة قوية منه للوليد بن مسلم، فالعلة شبهة الانقطاع، وليست المخالفة، والله أعلم.
ثم رأيت الحافظ قد ذكر رواية أحمد هذه في "الإصابة"، ومع ذلك نصب الخلاف بين ابن المبارك والوليد فقط، فقال:
"وابن المبارك أحفظ من الوليد"!
стр. 5842
ثم قواه بطريق البزار؛ وقال:
"ورجاله ثقات ".
وهو كما قال، لكن فيه عنعنة ابن جريج، فإنه قال: عن ابن أبي مليكة عن عائشة: أن النبي ﷺ سمع سالماً مولى أبي حذيفة يقرأ من الليل فقال: ... فذكره مختصراً.
أخرجه البزار (٣/٢٥٤/٢٦٩٤) بسند صحيح عنه. وقال الهيثمي (٩/ ٣٣٠) :
"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح ".
قلت: فهو صحيح الإسناد لولا العنعنة. لكنه شاهد قوي لحديث عائشة؛ فأحدهما يقوي الآخر. وقد قال البوصيري في "مصباح الزجاجة " (١/ ١٥٨) في حديث عائشة:
"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الحاكم ... ".
استدراك:
ثم تبينت أن رواية ابن المبارك التي اعتمدها الحافظ في إعلال رواية الثقتين: الوليد بن مسلم، وعبد الله بن نمير: مما لا يجوز الثقة بها- بله معارضة رواية الثقات بها-، وكان مفتاح ذلك أنني رأيت ابن الأثير- جزاه الله خيراً- قد ساق إسناده إلى ابن المبارك بها، في ترجمة سالم ﵁ في "أسد الغابة"، فإذا هي من طريق (سعيد بن رحمة بن نعيم) قال: سمعت ابن المبارك ...
وسعيد هذا لم يوثقه أحد، بل قال ابن حبان في "الضعفاء" (١/٣٢٨) :
"روى عنه أهل الشام، لا يجوز الاحتجاج به " لمخالفته الأثبات في الروايات ".
стр. 5843
ونقله عنه الذهبي في " الميزان "، والعسقلاني في "اللسان "، وأقراه، وذكرا أنه
هو راوي "كتاب الجهاد" عن ابن المبارك. فلا أدري كيف غاب هذا عن الحافظ، واعتمد على الكتاب المذكور فيما تقدم؟ ! ********
٣٣٤٣ - (كان يقوم فيصلِّي من الليل [على خمرته] ، (قالت ميمونة ﵂ وأنا نائمة إلى جنبه، [مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ ] ، فإذا سجد أصابني [طرف] ثوبه وأنا حائض) .
أخرجه أحمد (٦/ ٠ ٣٣- ١ ٣٣) من طرق عن عبد الواحد وغيره، عن سليمان الشيباني قال: ثنا عبد الله بن شداد قال: سمعت ميمونة زوج النبي ﷺ تقول: ... فذ كره.
والسياق لعبد الواحد- وهو ابن زياد العبدي-، وهو ثقة من رجال الشيخين، والزيادات لغيره، وكلها صحيحة.
والحديث في "الصحيحين " وأصحاب "السنن " وغيرهم بألفاظ نحوه، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٣٩٥/٦٦٣) ، لكن وقع في "مسلم " مختصراً جدّاً بلفظ:
كان يصلي وأنا حذاءه، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخمرة.
ولذلك أشكل على بعض إخواننا، وتساءل في خطاب له أرسله إلي من الرياض بتاريخ (٢/٦/١٤١٦هـ) تساءل فيه:
"هل يفهم منه أن تقف المرأة مع الإمام الرجل في صف واحد في صلاة الجماعة في النافلة، كما- ربما- أفاد عنوان الحديث وما قبله في "صحيح مسلم "؟! أم يفهم أنها كانت جالسة لا تصلي ... ؟! ".
стр. 5844
قلت: وإن مما لا شك فيه أن الأمر الأول بعيد جداً عن الحديث- على اختصاره-؛ لأنه ليس فيه: وأنا أصلي حذاءه؛ وهو خلاف المعروف من الأحاديث الصحيحة الأخرى أن المرأة تقف خلف الإمام ولو كانت وحدها، خلافاً للرجل. ومن أبواب البخاري في "صحيحه ":
"باب المرأة وحدها تكون صفاً ".
ثم ساق تحته (٧٢٧) حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي- أم سُليم- خلفنا.
ورواه مسلم أيضاً، وأصحاب " السنن " وغيرهم، وهو مخرج في "الإرواء" (٢/٣٢٩- ٣٣٠) .
وأما حديث: "المرأة وحدها صف "؛ فموضوع، كما قال ابن عبد البر، وقد عزاه إليه الحافظ (٢/٢١٢) دون أن يحكي عنه الموضع! وساكتاً عنه أيضاً! انظر "الضعيفة" (٦٦٢٨) .
أقول: فدفعاً لذاك الإشكال وجواباً عن ذاك المتسائل؛ جمعت أطراف الحديث وزوائده، وسقته سياقاً واحدً سمحًا سهلاً؛ للإطاحة بالإشكال، ولبيان أنها لم تكن جالسة، وإنما نائمة، ولا بمصلية بل وهي حائض! وإنما كان فراشها بحذاء مسجده ﷺ أي: مصلاه. وبالله التوفيق. *
٣٣٤٤ - (ذاك إبراهيم ﵇. يعني: أنّه خير البريّة) .
أخرجه مسلم (٧/٩٧) ، وأبو داود (٤٦٧٢) ، والترمذي (٣٣٤٩) ، والنسائي
في "السنن الكبرى" (٦/٥٢٠/١١٦٩٢) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١١/٥١٨/١١٨٦٥) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/٤٨- ٤٩- المؤسسة) ،
стр. 5845
وأحمد (٣/١٧٨و١٨٤) ، وأبو يعلى (٧/٣٩ - ٤٠/٣٩٤٨- ٣٩٥٠) ، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان " (١/١٢٨ و ٢/١٥٦- ٥٧ ١) ، والبيهقي في " دلائل النبوة" (٥/٤٩٧) من طرق عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال:
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
قلت: وظاهر الحديث يدل على أمرين:
أحدهما: أن إبراهيم ﵇ خير الخلق مطلقاً بما فيهم الملائكة.
والآخر: أنه أفضل من نبينا محمد ﷺ .
وأجاب العلماء عن هذا بأن النبي ﷺ قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه، أو أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه سيد الناس يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائه ﷺ ، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وبهذا أجاب الطحاوي، فراجعه فإنه هام مفيد.
وأما الأمر الأول؛ فلم يتعرض له الطحاوي، فأرى- والله أعلم- أن قوله ﷺ : "خير البرية" من حيث إنه لا يشمل الملائكة، كقوله تعالى في سورة (البينة) : (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) بعد قوله: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) ، وأن المراد بـ (خير البرية) و (شر البرية) ؛ إنما هم غير الملائكة- كما يشعر بذلك السياق-؛ فإن الملائكة (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) . وقد ذكر القرطبي أنه قد استدل بقوله تعالى: (خير البرية) من فضل
стр. 5846
بني آدم على الملائكة، ثم أحال في بيان الخلاف في ذلك على سورة البقرة (١/٢٨٩) ، وهناك ذكر الخلاف في المسألة بشيء من التفصيل، وذكر دليل من قال بذلك، والقائل بأن الملائكة أفضل، ومن ذلك قوله:
"وفي البخاري: "يقول الله تعالى: من ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم "، وهذا نص " (١) .
ثم قال:
"وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم, لأن طريق ذلك خبر الله تعالى، وخبر رسوله، أو إجماع الأمة، وليس ههنا شيء من ذلك ".
ثم رأيت العلامة ابن أبي العز الحنفي قد توسع جدا في ذكر أدلة الفريقين ومناقشتها، وبيان ما لها وما عليها في "شرح العقيدة الطحاوية" (٣٠١- ٣١١) - وتبعه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " (١٣/٣٨٤- ٣٨٨) -؛ وذكر عن أبي حنيفة ﵀ أنه لم يقطع فيها بجواب، وقال:
"وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصاً.. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادماً للنبي ﷺ ! أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب.. ".
стр. 5847
ثم شرع في البسط المذكور، وختمه بقوله:
"وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة في الجواب عنها كما تقدم. والله أعلم بالصواب ".
قلت: ولقد كان التوقف المذكور هو الذي يقتضيه النظر والتأمل في أدلة الفريقين، وجواب كل منهما عن أدلة الآخر، لولا حديث البخاري الذي قال فيه القرطبي: إنه نص في المسألة كما تقدم؛ وقد حكاه الحافظ العسقلاني عن ابن بطال أيضاً، وإن كان الحافظ تكلف في رد دلالته وتأويله:
"بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معاً؛ فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع ".
وقد كنت وقفت منذ القديم في "الترغيب والترهيب " على حديث من رواية البزار وابن حبان في "صحيحه " هو نص في الموضوع وأقوى؛ لأنه يبطل التأويل المذكور، ونصه:
"أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة:
ربنا! نحن سكان سماواتك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؛! قال: إن هؤلاء كانوا عباداً لي يعبدوني لا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور..، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك؛ فيدخلون عليهم من كل باب: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) .
стр. 5848
وقال المنذري (٤/٨٦) ، والهيثمي (١٠/٢٥٩) :
"ورجاله ثقات ".
وهو في "موارد الظمآن " (٢٥٦٥) - والسياق له-، ومخرج في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٥٥٩) . وإني لأستغرب جدا كيف فات على أولئك العلماء من الفريقين إيراده احتجاجاً ودفعاً؟! وبخاصة الحافظ ابن حجر العسقلاني، لنعلم رأيه في شهادة الملائكة أمام ربهم: أنهم خيرة خلقه، وما أظن أنه يجد له تأويلاً إلا التسليم لدلالته!
ونحوه حديث الترجمة، فما تعرض أحد منهم لذكره، ولعل ذلك لأنهم يرون أيضاً أنه خاص بالناس دون الملائكة؛ كما تقدم بيانه في طليعة هذا التخريج، وهو الذي استظهره الإمام الآلوسي في تفسيره "روح المعاني " (٣/٢٦٤) ! والله ولي التوفيق.
وأما حديث: "علي خير البرية"؛ فمن موضوعات الشيعة، وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وهو مخرج في "الضعيفة " (٥٥٩٣) ، ومن حديث جابر بن جابر برقم (٤٩٢٥) ، وذكره الآلوسي من حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم، وحديث عائشة وعلي وابن عباس عند ابن مردويه، ولم أقف على أسانيدها. ومن الظاهر أنها من عمل الشيعة أو غيرهم من الضعفاء والكذابين، ولذلك عقب الآلوسي عليها بقوله:
"وإن دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد. والله تعالى أعلم ".
ولا بد من التنبيه أنه وقع فيه حديث أبي هريرة: "مرفوعاً "، وأنا أظن أنه محرف: "موقوفاً"؛ فإن من المعروف أن مرجع المتأخرين في تخريج أحاديث التفسيرإنما هو "الدر المنثور"على الغالب، والحديث فيه (٦/٣٧٩) غيرمرفوع! *
стр. 5849
٣٣٤٥ - (لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، ما وطئوا الأرض قبلها، وقال حين دفن:
سبحان الله! لو انفلت أحد من ضغطة القبر؛ لانفلت منها سعد، [ولقد ضم ضمة، ثم أفرج عنه] ) .
أخرجه البزار (٣/٢٥٦/٢٦٩٨- كشف الأستار) من طريق أبي عَتَّاب: ثنا مسكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الخطاب: أخبرني نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون؛ غير مسكين هذا؛ فقد ذكره البخاري في "التاريخ " بروايته عن برد بن سنان، وقال:
"يعد في البصريين، روى عنه محمد بن رومي وبشر بن الحكم ".
وسكت عنه. وترجمه ابن أبي حاتم (٤/١/ ٣٢٩) برواية خمسة آخرين من الثقات، وقال:
"سألت أبي عنه؟ فقال: وهن أمر مسكين أبي فاطمة بهذا الحديث؛ حديث أبي أمامة في الغسل يوم الجمعة".
قلت: وهذا تضعيف لين؛ فإن الحديث الذي أشار إليه قد رواه أبو فاطمة عن حوشب عن الحسن قال: كان أبو أمامة يروي عن رسول الله ﷺ ... فذكره؛ وهو مخرج في "الضعيفة" (١٨٠٢) ، وتضعيفه بهذا الحديث فيه نظر عندي؛ لأنه لا ذنب له فيه؛ إنما هو راو، والعلة فيه من الحسن- وهو البصري-؛ فإنه لم يصرح بسماعه، دل قال أدو حاتم
"الحسن عن أبي أمامة لا يجيء".
стр. 5850
ثم إن بين أبي فاطمة والحسن: حوشب- وهو ابن مسلم الثقفي-، وهو دون (أبي فاطمة) في الشهرة؛ فإن ابن أبي حاتم لم يذكر عنه من الرواة مع أبي فاطمة غير ثلاثة، بينما هذا روى عنه ستة من الثقات، إذا ضم إلى الخمسة الذين ذكرهم ابن أبي حاتم (بشر بن الحكم) الذي ذكره البخاري، وفي إسناد هذا الحديث راو سابع عنه، وهو أبو عتاب- وهو سهل بن حماد-، ويمكن أن يضاف إليهم ثامن، وهو عبد الله بن عون، فقد قال ابن حبان في ترجمة (مسكين) هذا (٥/٤٤٩) :
"روى عن رجل من الصحابة، روى عن الحسن (!) ، وأحسبه: الذي روى عن علي، روى عنه عبد الله بن عون ".
وفرق البخاري، وابن أبي حاتم بين المترجم وبين هذا الذي روي عن علي، وأفرداه بالترجمة؛ إلا أنهما اختلفا، فقال البخاري:
"سمع علياً، روى عنه عبد الله بن عون ".
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"روى عن علي ﵁؛ مرسل، روى عنه ... ".
بل، ويمكن أن يلحق بهم ثقة تاسع، وهو العباس بن الوليد النرسي، كما يأتي نقلاً عن "لسان الحافظ ".
من أجل ذلك أستبعد جدّاً تعصيب علة حديث (غسل الجمعة) بأبي فاطمة هذا، وعلته من الانقطاع بين الحسن وأبي أمامة، فإن كان ولا بد من النزول عنه إلى غيره؛ فهو حوشب بن مسلم، لما ذكرت آنفاً أنه دون أبي فاطمة في الشهرة، وإن كان قد قال الحافظ فيه:
" صدوق ".