رجال الستة، كما هو الشأن هنا، ولقد كان يسعهم السكوت وأن لا يتكلموا بغير علم، وبخاصة في تضعيف أحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة.
ولو أنهم كانوا على شيء من المعرفة بفن التصحيح والتضعيف؛ لأمكنهم أن يصححوه بشواهده، ولا سيما أن بعضها مما قووه هم! فالشطر الأول منه قد حسنوه (٢/١٤٦/١٧٢٠/١) تقليداً منهم للمنذري! وفيه لفظة: (المها) ، وهي منكرة عندي مع ضعف إسنادها، عند الطبراني عن ابن عباس، ولذلك أوردته في "ضعيف الترغيب "، ولكنه شاهد لا بأس به لهذا الشطر.
وله شاهد من طريق أخرى عن ابن عمرو عند البيهقي أيضاً، أخرجه قبيل حديث الترجمة، وإسناده حسن على الأقل؛ إلا أن المعلقين الثلاثة جنوا عليه أيضاً (٢/١٤٧/١٧٢٢/١) فضعفوه! للسبب الذي ذكرته آنفاً.
وأما الشطر الآخر في أن الحجر الأسود من الجنة؛ فيشهد له حديث ابن عباس، وقد حسنوه أيضاً (٢/١٤٦/١٧٢٠) ، وحديث ابن عمرو الذي حسنوه بشواهده (١٧٢٢) ، وله شاهد ثالث من حديث أنس وهو مخرج في "الصحيحة" المجلد السادس، برقم (٢٦١٨) ، وهو تحت الطبع، وسيكون بين أيدي القراء قريباً إن شاء الله تعالى (١) .
ولقد كنا خرجنا حديث الترجمة فيما سبق برقم (٢٦١٩) ، ولكن بدا لنا زيادة في التحقيق والفائدة؛ فخرجته مجدداً. فاقتضى التنبيه.
بقي النظر في أن ظاهر قوله: "ما على الأرض شيء من الجنة غيره ". مخالف لما ثبت في بعض الأحاديث أنه ذكر مع الحجر: "غرس العجوة، وأواق تنزل في الفرات كل يوم من بركة الجنة"؛ كما سبق برقم (٣١١١) ، فكيف التوفيق بينهما؟
стр. 5882
فأقول: لعل المراد بقوله: "غيره "؛ يعني: من الحجارة، وحينئذ فلا منافاة.
والله أعلم. ********
٣٣٥٦ - (من جهز غازياً في سبيل الله؛ فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في سبيل الله في أهله بخير؛ وأنفق [على أهله] ؛ فله مثل أجره) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/٢٨٣/٥٢٣٤) : حدثنا محمود بن محمد الواسطي: ثنا وهب بن بقية: أنا خالد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد بن زيد عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم، وفي عبد الرحمن بن إسحاق- وهو القرشي المدني- كلام لا يضر؛ غير محمود بن محمد الواسطي وهو ابن متويه؛ حافظ كبير مترجم في "تاريخ بغداد" (١٣/٩٤ ـ ٩٥) ، و"تاريخ الإسلام " (٢٣/٢٢٣) وغيرهما.
وبهذا الإسناد أخرجه في "المعجم الأوسط " (٨/٤٢٩/٧٨٧٩) لكنه أدخل موسى بن عقبة- بين عبد الرحمن ومحمد بن زيد- وقال: (زيد بن ثابت) مكان: (زيد بن خالد) ، والزيادة له.
وكذلك ذكره المنذري في " الترغيب " (٢/١٥٨) ، وقال.
"ورجاله رجال الصحيح ".
وكذلك قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/٢٨٣) ، ولكنه لم يذكر من
стр. 5883
الحديث إلا الشطر الأول فقط! ولعله سقط من الطابع أو الناسخ.
ولعل ذكر (زيد بن ثابت) من أوهام عبد الرحمن بن إسحاق القرشي؛ فإن الحديث مشهور عن (زيد بن خالد) من طرق صحيحة عنه، بألفاظ متقاربة، يزيد بعضهم على بعض، بعضها في "الصحيحين " وغيرهما، وقد خرجت شيئاً منها في "الروض النضير" رقم (٣٢٢) ، و"صحيح أبي داود" (٢٢٦٦) ، و"التعليق الرغيب " (٢/٩٦) ، وتجد بعض الألفاظ المشار إليها في "صحيح الترغيب والترهيب " (٢/ ٦٩/ ١٢٢٦) .
وقد وهم الحافظ السيوطي فعزا حديث الترجمة في "الجامع الكبير" (٢/٧٧٠) للدارمي أيضاً وابن حبان، وليس هو عندهما بهذا التمام، وتجد لفظهما في المكان المشار إليه من "صحيح الترغيب " معزواً لابن حبان وابن ماجه أيضاً، وقد عزاه السيوطي نفسه لابن ماجه في "الجامعين "، وهو في "صحيح الجامع الصغير" (٥/٢٨٠/٦٠٧٠) من الطبعة الأولى الشرعية!
كما أن الحافظ الهيثمي غفل؛ فلم يورده في "مجمع الزوائد"، مع أنه على شرطه، وأورد من حديث زيد بن ثابت الشطر الأول منه كما تقدم.
واغتر بقوله: "رجاله رجال الصحيح " المعلقون الثلاثة على طبعتهم الجديدة لكتاب "الترغيب " فصححوه (٢/٢١٥/١٨٦٨) ! وهذا من جهلهم بهذا العلم؛ فإنه لا تلازم بين الصحة وبين هذا القول؛ لاحتمال أن يكون فيه علة قادحة في صحته كالانقطاع والتدليس وغير ذلك، كما هو الشأن هنا؛ فإن عبد الرحمن بن إسحاق - مع كونه من رجال (الصحيح) " أي "صحيح مسلم "- ففيه ضعف كما تقدم، من أجل ذلك اقتصرت على تحسين إسناده. *******
стр. 5884
من أعلام نبوته ﷺ
٣٣٥٧ - (ليأتين على الناس زمان؛ قلوبهم قلوب الأعاجم؛ حب الدنيا، سنتهم سنة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضرراً، والزكاة مغرماً)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/٣٦/٨٢) من طريق هشام بن عمار قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا خالد بن حميد المهري قال: ثنا حميد بن هانىء الخولاني عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الصحيح؛ غير خالد بن حميد المهري، قال أبو حاتم:
"لا بأس به ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/ ٢٢١) .
وبقية إنما يخشى منه التدليس؛ وقد صرح بالتحديث كما ترى. وقد خفي هذا على الهيثمي، فقال في "المجمع " (٣/٦٥) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه بقية بن الوليد وهو ثقة؛ ولكنه مدلس، وبقية رجاله موثقون "!
وقد خولف خالد بن حميد في إسناده، فقال ابن لهيعة: حدثني حميد بن هانىء عن شفي عن عبد الله بن عمرو به مرفوعاً.
فجعل شفياً مكان: أبي عبد الرحمن- وهو عبد الله بن يزيد المعافري-، وكلاهما ثقة.
стр. 5885
وقد خالفه سعيد بن أبي أيوب في رفعه فقال: حدثني ابن هانىء: حدثني شفي عن عبد الله بن عمرو ﵄ ... قوله بهذا.
رواه أبو يعلى في "المسند الكبير"، والحارث كما في "المطالب العالية المسندة" (ق ١٠١/٢) .
وسعيد بن أبي أيوب ثقة ثبت؛ كما قال الحافظ، فهو أحفظ من ابن لهيعة ومن خالد بن حميد، فإن لم يكن هذا حفظ إسناده بذكر أبي عبد الرحمن فيه؛ فذكر شفي مكانه أصح؛ لما عرفت من ثقة سعيد بن أبي أيوب، ولا سيما وقد تابعه ابن لهيعة. وأما إيقاف سعيد إياه؛ فلا يضر؛ لأنه في حكم المرفوع؛ كما لا يخفى، وهو من أعلام صدقه ونبوته ﷺ ؛ فإن ما فيه من الغيب قد تحقق في هذا الزمان. والله المستعان.
(تنبيه) لقد جاء هذا الحديث في "كنز العمال " (٦٣٢٢) من رواية الطبراني
عن ابن عمر. والصواب (ابن عمرو) كما تقدم. *******
٣٣٥٨ - (إن مما تذكرون من جلال الله: التسبيح والتهليل والتحميد، ينعطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له- أو لا يزال له- من يذكر به) .
أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٩) ، وأحمد (٤/ ٢٧١) ، والطبراني في "الدعاء" (٣/١٥٦٦/١٦٩٣) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٢٦٩) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات " (ص ١٣٧) من طريق يحيى بن سعيد عن موسى بن أبي عيسى الطحان عن عون بن عبد الله عن أبيه- أو عن أخيه- عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره، واللفظ لابن ماجه.
стр. 5886
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة " (٤/١٣٢) :
"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأخو عون؛ اسمه: عبيد الله بن [عبد الله
ابن] عتبة".
قلت: وهو ثقة ففيه ثبت من رجال الشيخين، وأخوه عون ثقة من رجال مسلم، ولذلك فالشك فيها لا يضر؛ لأنه لا يعدو أحد الثقتين.
وموسى بن أبي عيسى الطحان، كذا وقع في "ابن ماجه "، ووقع في "المسند" و"الدعاء": (أبي عيسى موسى الصغير) ، وقد ذكر الحافظ في ترجمة الأول من "التهذيب " أن اسم أبي عيسى: ميسرة، وأنه روى عن عون بن عبد الله بن عتبة، وعنه يحيى بن سعيد، وكذلك ذكر الحافظ المزي في ترجمته، ومثله في ترجمة (موسى الصغير) ، واسم أبيه: مسلم؛ وكنيته: أبو عيسى الكوفي الطحان. وذكرا في "تهذيبيهما":
"موسى الصغير الذي يروي عنه أبو معاوية: هو موسى بن مسلم، وهو موسى الطحان، وهو موسى الصغير، ثقة ".
قلت: فالظاهر أن ذكر أداة النسبة: (ابن) في "سنن ابن ماجه " خطأ من الناسخ أو الطابع، وأن الصواب: (موسى أبي عيسى الطحان) بحذف النسبة، والله أعلم.
ويؤيد بعض ما تقدم رواية أخرى لأحمد قال (٤/٢٦٨) : ثنا ابن نمير: ثنا موسى- يعني: ابن مسلم الطحان- عن عون بن عبد الله عن أبيه- أو عن أخيه- به.
وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٢٨٩/٩٤٦٤ و ١٣/٤٥٥/١٦٨٨٨) ؛ إلا أنه لم يذكر (الطحان) . ومن طريقه رواه الطبراني في "الدعاء"؛ لكن وقع فيه: (موسى الجهني) !
стр. 5887
وهذا وجه آخر من الخلاف؛ فإن موسى الجهني: هو ابن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن أبو سلمة، ويقال: أبو عبد الله الكوفي؛ فهو غير موسى الصغير، ومع ذلك فقد ذكروا أنه روى عن عون بن عبد الله بن عتبة، وعنه يحيى بن سعيد!
وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/٢٦٩) من طريق ابن أبي شيبة وأحمد وغيرهما عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن نمير قالا: عن موسى بن مسلم به. وقال: "غريب من حديث عون، تفرد به عنه موسى، وهو أبو عيسى موسى بن مسلم الطحان، يعرف بـ (الصغير) ".
قلت: فما في رواية الطبراني أنه (موسى الجهني) ؛ شاذ لمخالفته لما في "المصنف " ولرواية أبي نعيم هذه عنه، وكذا لرواية أحمد. والله أعلم.
وثمة خلاف أشد؛ ترتب عليه تضعيف الحديث، فأخرجه الحاكم (١/ ٥٠٠) : حدثنا علي بن حمشاذ العدل: ثنا محمد بن عيسى بن السكن: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير: ثنا أبي: ثنا موسى بن سالم عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه به. وقال:
"صحيح الإسناد"!
ورده الذهبي بقوله:
"قلت: موسى بن سالم؛ قال أبو حاتم: منكر الحديث "! ونقله ابن الملقن في "مختصره " (١/٣٨٧) وأقره كما هي عادته! وفيه خطأن في نقدي، أحدهما من الحاكم، والآخر من الذهبي:
أما الأول؛ فهو مخالفته الروايات المتقدمة في تسميته لوالد موسى بـ (سالم) ، وبخاصة منها رواية ابن نمير، فإن الحاكم رواه من طريقه كما رأيت، وإنما جزمت
стр. 5888
بنسبة الخطأ إليه " لأن من فوقه كلهم ثقات، فشيخه (علي بن حمشاذ العدل) ثقة حافظ مترجم في "سيرأعلام النبلاء" (١٥/٣٩٨) . و (محمد بن عيسى بن السكن) ثقة؛ كما قال الخطيب في "التاريخ " (٢/ ٤٠١) . و (محمد بن عبد الله بن نمير) ثقة حافظ أيضاً من أحفظ الناس لحديث أبيه (عبد الله) . يضاف إلى ذلك كثرة الأخطاء الواقعة في "مستدركه " كما هو معروف عند العلماء، فتعصيب الخطأ به هو المتعين.
وأما الآخر؛ فخطؤه من وجهين:
أحدهما: أنه نسب إلى أبي حاتم ما ليس في كتاب ابنه "الجرح والتعديل "؛
إلا أن يكون أخذه من كتاب آخر له مثل "العلل "! لكن هذا بعيد؛ لأن الحافظ لما حكى عنه في "اللسان " نقله القول المذكور عن أبي حاتم " تعقبه بقوله:
"وقد أنكر البرزالي على الذهبي هذا النقل عن أبي حاتم، وقال: إن الذي في كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث ".
قلت: هذا ذكره عن أبيه في ترجمة (موسى بن سالم أبو جهضم) ، وزاد- بعد قوله: "صالح الحديث "-: "صدوق "، وقد ذكرها الذهبي في "الميزان " عقب الترجمة الأولى، وذكر فيها قول أبي حاتم: "صدوق " وسمى جماعة وثقوه، فهو يفرق بين الترجمتين، وكذلك اقتصر في "المغني " على الأولى دون الأخرى فلم يذكرها فيه، وإنما أوردها في "الكاشف "، وقال: "صدوق " وتبعه الحافظ في "التقريب "، وقد وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وابن حبان.
والوجه الآخر في خطأ الذهبي: أننا لو سلمنا بصحة التفريق الذي نقلته عنه؛ فلا يصح رد تصحيح الحاكم بـ (موسى بن سالم) الذي ضعفه أبو حاتم؛
стр. 5889
لاحتمال أن يكون سميه الذي وثقه أبو حاتم ومن ذكرنا معه من الأئمة، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، فكيف وليس لأحدهما علاقة بهذا الحديث؟! وإنما هو (موسى بن مسلم الطحان) الثقة؛ كما في كل الطرق المتقدمة، وَهِمَ الحاكم في اسم أبيه، ثم وَهِمَ الذهبي على وهمه، فضعف الحديث وهو صحيح. واغتر به بعض من لا علم عنده، كالمعلقين الثلاثة على طبعتهم الجديدة لكتاب "الترغيب " للحافظ المنذري، فزعموا في تعليقهم عليه (٢/٤١٧/٢٣١٢) أنه حسن بشواهده، وهذا كذب؛ فإنه لا شاهد- بله شواهد- بلفظه، بل هو غريب كما تقدم عن أبي نعيم. ثم نقلوا تعقب الذهبي ورده لتصحيح الحاكم، وأقروه!!
ومن أوهام محقق "مصنف ابن أبي شيبة": أنه- مع تصريحه بأن أصله كان فيه: (موسى بن مسلم) - جعله: (موسى بن سالم) وطبعه هكذا، وصرح في التعليق بأنه نقله من "المستدرك "! ظلمات بعضها فوق بعض. والله المستعان. *******
٣٣٥٩ - (من صلى علي مرة واحدة؛ كتب الله له بها عشر حسنات) .
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٢/١٣٠ـ١٣١/٩٠٢- الإحسان) ، وإسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " (٧/ ١١) ، وأحمد (٢/٢٦٢) ، وابن عدي في "الكامل " (٥/٢١٨) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن العلاء ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي عبد الرحمن ابن إسحاق- وهو المدني البصري- كلام لا يضر، وقد توبع؛ كما يأتي.
ورواه جماعة عن العلاء بن عبد الرحمن.. بلفظ:
стр. 5890
".. صلى الله عليه بهاعشراً ".
رواه مسلم وغيره، وصححه الترمذي، وابن حبان، وهو مخرج في "صحيح
أبي داود" (١٣٦٩) .
قلت: ورواية الجماعة لا تعل رواية عبد الرحمن بن إسحاق؛ لأنه قد توبع بطريق أخرى، وله شواهد: أما الطريق؛ فقال الإمام أحمد عقبها: ثنا أبو كامل: ثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم؛ لولا أنه منقطع بين سهيل بن أبي صالح وأبي هريرة؛ فإن سهيلاً إنما يروي عن أبيه عنه أحاديث كثيرة جداً في "مسلم " وغيره؛ فيحتمل أن يكون الأصل: (سهيل عن أبي صالح) ، فتحرف على بعض النساخ حرف (عن) إلى: (بن) ، فكان الانقطاع، ويؤيد هذا الاحتمال أن الإمام أحمد ﵀ روى عقبه بهذا الإسناد عينه حديثين على الصواب: (سهيل عن أبي صالح) ، وأحاديث أخرى عن شيخه (أبي كامل) أيضاً: ثنا زهير: ثنا سهيل عن أبيه.
فإذا صح هذا؛ فالإسناد صحيح على شرط مسلم، وقد دندن حول هذا الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (١٣/٢٨٦) ، فراجعه إن شئت.
وأما الشواهد؛ فاثنان منها في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " (رقم ١٠ و ١٢) ، والثالث في " عمل اليوم " للنسائي (رقم ٦٤ و٦٥) ، و" الترغيب " للأصبها ني (٢/٦٨٣ ـ٦٨٤) ، وأحد الشاهدين في " الترغيب " للمنذري (٢/٢٧٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأشار إلى تقويته، وكذلك أشار إلى تقوية حديث الترجمة! إلا أنه ذكر أنه: "في بعض ألفاظ الترمذي "! وهذا وهم " فليس عند
стр. 5891
الترمذي إلا اللفظ الآخر الذي عند مسلم، وإنما هو عند ابن حبان؛ فإنه ممن روى اللفظ الآخر كما قدمت.
(تنبيه) : غفل المعلق على "الإحسان " (٣/١٨٧) عن عزو الطريق الأولى لأحمد، فعزاه إليه من الطريق الأخرى فقط! ونقل عن الهيثمي أنه قال: "رجاله رجال الصحيح "! وغفل أيضاً عن الانقطاع الذي وقع فيه بين سهيل بن أبي صالح وأبي هريرة، فلم يتكلم عليه بشيء. *******
٣٣٦٠ - (من صلى علي من أمتي صلاة مخلصاً من قلبه؛ صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات) .
أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (١٦٦/٦٤) من طريق وكيع عن سعيد- وهو ابن سعيد- عن سعيد بن عمير الأنصاري عن أبيه- وكان بدرياً- قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذ كره. وقال:
"خالفه أبوأسامة حماد بن أسامة؛ رواه عن سعيد بن سعيد عن سعيد بن عمير، عن عمه ".
ثم ساقه هو (رقم ٦٥) ، والبخاري في "التاريخ " (٢/ ١/٥٠٢) ، وابن أبي عاصم
في "الصلاة على النبي ﷺ " (٣٧/٤٢) ، والبزار (٤/٤٦/٣١٦٠) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/١٩٥ـ ١٩٦) ، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (١/١١٨/١٥٦) كلهم عن أبي أسامة عن سعيد بن سعيد عن سعيد بن عمير بن عقبة بن نيارعن عمه أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ :........فذكره.
стр. 5892
وهذه الرواية؛ قال أبو زرعة الرازي: "أشبه من الرواية الأولى"، كما نقله الحافظ السحاوي في "القول البديع " (ص ٨١) .
قلت: لعل وجه هذا الترجيح تفضيل أحمد أبا أسامة في الحفظ؛ فقد قال فيه:
"كان ثبتاً، ما كان أثبته! لا يكاد يخطئ ".
وهو وان كان بالغ في الثناء على وكيع وحفظه، وفضله على كثير من حفاظ زمانه؛ إلا أنه قد قال فيه:
"أخطأ في خمس مئة حديث ".
وهذا وان كان لا يعد شيئاً في كثرة أحاديثه البالغة ألوفاً مؤلفة؛ فإنه يدل
- بمقابلته بقوله في أبي أسامة: "لا يكاد يخطئ "- أن هذا أرجح عنده في الحفظ من وكيع، فإذا اختلفا فيكون له الفلج.
قلت: لعل هذا هو سبب ترجيح أبي زرعة لرواية أبي أسامة؛ إلا أنني أرى أن الأشبه رواية وكيع؛ لأنني رأيت أنه قد تابعه محمد بن ربيعة الكلابي عن أبي الصّبّاح النميري قال: حدثني سعيد بن عمير عن أبيه به.
أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب " (٢/٦٨٣ـ ٣٨٤/١٦٤٦) .
على أنني أقول: وسواء كان الراجح هذا أو عكسه؛ فهو اختلاف لا يضر؛ لأن كلاً من عمير أبي سعيد، وأبي بردة بن نيار من الصحابة، وكلهم عدول كما هو معلوم، وإنما يبقى النظر في (سعيد بن عمير) نفسه، والراوي عنه (سعيد بن سعيد) ، وكلاهما موثق.
أما سعيد بن عمير؛ فذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/٢٨٧ و ٢٨٨) ، وقال
стр. 5893
يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٣/١٠١)
"لا بأس به"
وروى عنه جمع من الثقات، وراجع له "تهذيب المزي " والتعليق عليه (١١/٢٥ ـ ٢٧) .
وأما سعيد بن سعيد؛ فهو أبو الصّبّاح التغلبي الكوفي، فذكره ابن حبان أيضاً في "الثقات " (٦/٣٦٤) ، لكن وقع فيه ".. ابن أبي سعيد الثعلبي "! وهو خطأ كما بينت في "تيسير الانتفاع "، وقد تبين من هذا التخريج أنه روى عنه ثلاثة من الثقات، وهم: وكيع، وأبو أسامة، ومحمد بن ربيعة الكلابي، فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، وهذا الثالث منهم لم يذكر في "التهذيبين "؛ فيستدرك عليهما، والله الموفق.
وله شاهد مختصر بلفظ:
"من صلى علي من تلقاء نفسه؛ صلى الله بها عليه عشراً ".
أخرجه البزار (٤/٤٦/٣١٦١) من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه مرفوعاً به.
وعاصم ضعيف؛ كما قال الهيثمي (١٠/١٦١) وغيره. وقال الحافظ في "مختصر الزوائد " (٢/٤٤٠) مستدركاً عليه:
"قلت: لكنه اعتضد".
ولعله يعني: بالحديث الأول، وهو صحيح دون قوله: "من تلقاء نفسه "، وتقدم تخريج بعضها قريباً. *******
стр. 5894
٣٣٦١ - (الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك شبهات، فمن أوقع بهن؛ فهو قمن أن يأثم، ومن اجتنبهن؛ فهو أوفر لدينه، كمرتع إلى جنب حمى، أوشك يقع فيه، لكل ملك حمى، وحمى الله الحرام) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/٤٠٤ـ ٤٠٥/١٠٢٤) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٧/ ١) من طريقين عن الوليد بن شجاع بن الوليد: حدثني أبي: ثنا سابق الجزري أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب أخبره عن عبد الرحمن ابن الحارث عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد عزيز صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح "؛ غير سابق الجزري- وهو ابن عبد الله الرقي-، وثقه ابن حبان (٦/٤٣٣) ، وقال:
"روى عنه الأ وزاعي وأهل الجزيرة".
قلت: وقد سمى ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٧/ ١) طائفة منهم، وأكثرهم ثقات، وترجم له ترجمة طويلة في ثمان صفحات كبار، وذكر أنه قدم على عمر ابن عبد العزيز، وأنشده أشعاراً في الزهد، وأنه كان إمام مسجد الرقة، وقاضي أهلها؛ وله ترجمة مختصرة في "تاريخ الرقة " (ص ١٢٣- ١٢٧) . ويبدو أن الحافظ ابن حجر لم يقف على ترجمته في "تاريخ ابن عساكر"، فلم يذكر في ترجمة الرجل من "اللسان " هذه الفوائد التي استفدناها منه، وتبين أنه كان معروفاً بالفضل والزهد والإمامة والقضاء، وبرواية الثقات الفضلاء عنه. كما خفي أصل ترجمته على شيخه الهيثمي، فقال في تخريجه للحديث (١٠/٢٩٤) .
"رواه الطبراني، وفيه (سابق الجزري) ، ولم أعرفه "!
وقلده المعلقون الثلاثة النقلة في تعليقهم على "الترغيب " (٢/٥٤٣) ، ولا
стр. 5895
يسعهم إلا ذلك! ولكنهم قالوا: "حسن بشاهده المتقدم "!
يعنون حديث النعمان بن بشير المتفق عليه، ولفظه يختلف عن هذا في بعض حروفه، ولولا صحة إسناده لم أستجز تحسينه به؛ لما ذكرت من الاختلاف، وهو مخرج في "غاية المرام " (٣٠/٢٠) .
وله شاهد مختصر من حديث عمار بن ياسر نحوه.
أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٣/٢١٣/١٦٥٣) ، والطبراني في "المعجم
الأوسط " (٢/٤٣٧/١٧٥٦) ؛ وقال:
"لا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد".
وكذلك أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/٢٣٦) ، وقال:
"غريب من حديث عمار، لم يروه إلا موسى".
قلت: وهو ضعيف؛ كما قال الهيثمي (٤/٧٣) - وعزاه لـ "كبير الطبراني " أيضاً-. وقال في موضع آخر (١٠/٢٩٣) :
".. وهو متروك ".
وعزاه لأبي يعلى.
ووقع في مسنده: "موسى بن عبيدة: أخبرني سعد بن إبراهيم عمن أخبره عن عمار". فأعله المعلق عليه بجهالة الخبر! ونقل عن الهيثمي عزوه لـ "المعجمين "، وقال:
"وفاته أن ينسبه إلى أبي يعلى"!
وقد عرفت أنه نسبه إليه في المكان الآخر، ولم يتنبه هو أنه فاته أنه جاء
стр. 5896
تسمية المخبر في رواية الطبراني وأبي نعيم بـ (عبد الله بن عبيدة) ؛ وهو تابعي ثقة، فالعلة أخوه (موسى بن عبيدة) ، ولذلك- والله أعلم- لم يعله الهيثمي إلا به.
وأخرجه الخطيب في "التاريخ " (٩/ ٧٠) من حديث جابر مختصراً أيضاً؛ وأعله بـ (سعيد بن زكريا المدائني) ؛ قال فيه يحيى بن معين:
"ليس بشيء".
قلت: وشيخه الزبير بن سعيد الهاشمي؛ قال الحافظ:
"لين الحديث".
وقال الحافظ السيوطي في "الجامع الكبير" (١/٤٠٨) - بعد أن عزاه لابن شاهين أيضاً وابن عساكر-:
"قال ابن شاهين: حديث غريب، لا أعلم حدث به إلا سعيد بن زكريا عن الزبير بن سعيد، والمشهور حديث الشعبي عن النعمان بن بشير". *******
٣٣٦٢ - (من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين؛ فهو خاطئ) .
أخرجه أحمد (٢/٣٥٤) ، وابن عدي (٧/٥٤) من طريق أبي معشر عن محمد ابن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت وهذا إسناد حسن في الشواهد.
وأبو معشر- واسمه نجيح السندي- فيه ضعف لا يمنع من الاستشهاد به، وهذا معنى قول الهيثمي في "المجمع " (٤/١٠١) :
стр. 5897
"رواه أحمد، وفيه أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وثق".
وقد توبع؛ لكن في الطريق إليه من كان يسرق الحديث، وهو إبراهيم بن إسحاق الغسيلي: ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي: ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو به، وزاد:
".. وقد برئ منه ذمة الله ".
أخرجه الحاكم (٢/١٢) ، وعنه البيهقي في "السنن " (٦/ ٣٠) . وأشار الحاكم إلى تضعيفه، فإنه ذكره في جملة أحاديث في النهي عن الاحتكار، وقال:
"إنها ليس على شرط الكتاب ".
وبين علته الذهبي فقال:
"قلت: الغسيلي كان يسرق الحديث ".
وكذلك قال في "الميزان "، وأقره في "اللسان "، وذكر عن ابن حبان أنه قال (١/١١٩ـ١٢٠) :
"كان يسرق الحديث، ويقلب الأخبار.. والاحتياط في أمره أن يحتج به فيما وافق فيه الثقات من الأخبار، ويترك ما تفرد به ".
ثم ذكر الحافظ عن الحاكم أنه كان: "من المجهولين ".
وأشار المنذري في "الترغيب " إلى تضعيفه، فقال- بعدما عزاه للحاكم (٣/٢٨) -:
".. وفيه مقال ".
стр. 5898
والزيادة التي زادها؛ لعله سرقها مما رواه أصبغ بن زيد بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً بلفظ:
"من احتكر طعاماً أربعين ليلة؛ فقد برئ من الله، وبرئ الله منه ... ".
وهو حديث منكر؛ كما قال أبو حاتم في "العلل " (١/٣٩٢/١١٧٤) ، وقد أعله كثير من الحفاظ بـ (أصبغ) هذا، والعلة من شيخه المجهول، وقد أخطأ بعضهم فقوى الحديث؛ وكل ذلك وهم بينته في "غاية المرام " (١٩٤- ١٩٥/٣٢٤) ، وخرجته فيه ونقلت أقوال العلماء في إسناده مبيناً الراجح منها من المرجوح بما لا تراه في غيره. والله الموفق.
ثم إن مما يشهد لحديث الترجمة: حديث معمر بن أبي معمر مرفوعاً:
"من احتكر؛ فهو خاطىء ".
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "غاية المرام " (١٦٥/٣٢٥) . وقد وقع في
" الترغيب " (٣/٢٦) معزواً لمسلم وغيره بزيادة:
".. طعاماً "!
ولا أصل لها في شيء من روايات حديث معمر هذا، كما كنت نبهت عليه
في " التعليق الرغيب " (٣/٢٦) .
وبهذه المناسبة أقول:
إن مما يحسن التنبيه له: أن نسبة (الغسيلي) في اسم (إبراهيم بن إسحاق) تحرف في "المستدرك " إلى (العسيلي) بالعين المهملة، مكان المعجمة كما هو عند البيهقي، وفي ترجمته من "الميزان، ": أنه من ولد (حنظلة الغسيل) . وعلى الصواب ذكره المنذري في "الترغيب " لكن المعلقون الثلاثة عليه حرفوه (٣/ ٥٧٠) فجعلوه
стр. 5899
بالعين المهملة في المتن والتعليق؛ جهلاً واغتراراً بما في "المستدرك "! وهكذا يكون التحقيق في هذا الزمان! *******
٣٣٦٣ - (اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب، (وفي لفظ:) للبركة) .
أخرجه أحمد (٢/٢٣٥ و ٢٤٢ و ٤١٣) ، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٩/٢٣٣) ، وابن حبان (٧/٢٠٤/٤٨٨٦) ، والبيهقي في "السنن " (٥/٢٦٥) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. واللفظ الآخر لأحمد في رواية.
وهو عند البخاري من طريق أخرى عن أبي هريرة أصح من هذه، ولفظه:
"الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة".
ورواه مسلم؛ إلا أنه قال:
".. للربح ".
وهو مخرج في "غاية المرام " (٢٠٢/٣٤٢) .
وإسناد حديث الترجمة صحيح على شرطه، ولم يخرجه الحاكم- وهو على شرطه-، ولعله لم يتنبه لزيادة: "الكاذبة" أنها لم ترد في رواية الشيخين، كما لم يتنبه لها آخرون، منهم الحافظ العراقي؛ فإن الغزالي لما أورده في "الإحياء" مثل حديث الترجمة باللفظ الآخر؛ قال العراقي في تخريجه (٢/٧٥) :
"متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ: "الحلف "؛ وهو عند البيهقي بلفظ المصنف "!
стр. 5900
ومنهم تلميذه الحافظ الهيثمي؛ فإنه لم يورده في كتابه "موارد الظمآن "؛وهو على شرطه، ولهذا استدركته عليه في كتابي "صحيح الموارد"؛ يسر الله تمام طبعه، بمنه وجوده وكرمه.
(تنبيه) : أورد الديلمي في كتابه "الفردوس " (٥/٥٤٩/٩٠٥٤) حديث الترجمة باللفظ الأول، فقال المعلق عليه:
"إسناد هذا الحديث في "زهر الفردوس " (٤/٤٣٢) قال: أخبرنا أبي وغيره - (قلت [الألباني] : فساق إسناده الطويل في ثلاثة أسطر لا طائل من ذكرها إلى:) حدثنا أبوحنيفة عن ناصح عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً ".
فأقول: الذي في نسختي المصورة من "زهر الفردوس " آخر المجلد (ص ٣٥٦) بهذا الاسناد إلى أبي هريرة بلفظ:
"واليمين الغموس تذهب بالمال، وتدع الديار بلاقع ".
وناصح هذا: هو ابن عبد الله المحلمي، قال البخاري:
"منكر الحديث ".
لكنه لم يتفرد به، فانظر الحديث المتقدم في المجلد الثاني برقم (٩٧٨) . *******
٣٣٦٤ - (من اقتطع مال امرئ مسلم؛ بيمين كاذبة؛ كانت نكتة سوداء في قلبه، لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة) .
أخرجه الحاكم (٤/٢٩٤) من طريق محمد بن سنان القزاز: ثنا عبد الرحمن ابن حمران: ثنا عبد الحميد بن جعفر: ثنا عبد الله بن ثعلبة:
стр. 5901
أنه أتى عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو في إزار جرد (١) ، فطاف خلف البيت قد التبب به، وهو أعمى يقاد، قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: عبد الله بن ثعلبة، قال: أخو بني حارثة؟ قلت: نعم، قال: وختن جهينة؟ قلت: نعم، قال: هل سمعت أباك يحدث بحديث سمعته يحدث به عن النبي ﷺ ؟ قال: لا أدري، قال: سمعت أباك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذ كره. وقال:
"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي!
قلت: وفيه نظر؛ فإن القزاز هذا مختلف فيه اختلافاً شديداً؛ فمن قائل فيه: "كذاب "، ومن قائل: "ثقة "! وقال الذهبي في "المغني ":
"مشهور، رماه بالكذب أبو داود وابن خراش ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
" ضعيف "
لكنه قد توبع، فقال الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٢٥٠/٨٠١) : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: ثنا أحمد بن عنبسة العباداني: ثنا عبد الله بن حمران به دون القصة.
وأحمد بن عنبسة؛ كذا وقع في هذه الرواية: (ابن عنبسة) منسوبآ إلى جده؛
فإ نه في " التهذيب " وفروعه:
"أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني أبو صالح نزيل بغداد".
стр. 5902
وهكذا وقع في حديث آخر عند الطبراني (٧٩١) في حديث آخر منسوباً إلى أبيه وجده (أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني) من طريق الحضرمي نفسه.
وقد روى عنه جماعة؛ منهم ابن ماجه، ولم يذكر المزي توثيقه عن أحد، لكن زاد عليه الحافظ العسقلاني؛ فقال:
"قلت: ذكره ابن حبان في (الثقات) ".
ولما عزاه المعلق على كتاب "المزي " إلى "الثقات "؛ لم يقرن معه الجزء والصفحة كما هي العادة المعروفة اليوم، وذلك لأنه وقع فيه مقلوبآ (٨/٣٠) هكذا:
"أحمد بن صالح بن عنبسة أبو عاصم العباداني.. حدثنا عنه عبد الله بن قحطبة الصالحاني ".
وقالت الحافظ في "التقريب ":
"صدوق"
قلت: وعلى هذا، فالمتابعة قوية، ولكن بقي أن نعرف حالة (عبد الله بن ثعلبة) ، فالظن أن ابن أبي حاتم لم يعرفه، لا هو ولا أبوه، فقد قالت:
"عبد الله بن ثعلبة، وهو أبو أمامة الحارثي ".
وقال قبل:
"ثعلبة والد عبد الله بن ثعلبة، قال: سمعت النبي ﷺ يقوله: "من حلف على يمين ... ". روى عبد الحميد.. " فساق إسناده المتقدم ولم يزد!
ويظهر أنه وقع منسوباً إلى جده أيضاً في هذه الرواية، فقد وقع في رواية أخرى عند الطبراني (٧٩٠) بإسناد آخر من طريق صالح بن كيسان أن عبد الله بن
стр. 5903
أبي أمامة بن ثعلبة حدثه عن أبيه ... وهكذا أورده في "التهذيب " برواية جمع آخر من الثقات عنه غير صالح بن كيسان، وقال:
"ذكره ابن حبان في (الثقات) ". وعليه قال في "التقريب ":
" صد وق ".
قلت: وهو في " الثقات" (٧/١٨) .
وعلى ما تقدم من التحقيق؛ يتبين أن الإسناد حسن على الأقل، والله أعلم.
ثم إن الحديث على شرط الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ولم يورده.
وقد رواه هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي عن ابن ثعلبة الأنصاري عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة؛ إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة ".
أخرجه الترمذي (٣٠٢٣) ، والطحاوي في " المشكل " (١/٣٨٢) ، والحاكم (٤/٢٩٦) - وصححه، ووافقه الذهبي-، والبيهقي في "الشعب " (٤/٢١٨/٤٨٤٣) ، والطبراني في "الأوسط " (٣٢٦١) ، وعنه أبو نعيم في "الحلية " (٧/٣٢٧) . وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري: هو ابن ثعلبة، ولا يعرف اسمه،
وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث ". ********
стр. 5904
٣٣٦٥ - (من غصب رجلاً أرضاً ظلماً؛ لقي الله وهو عليه غضبان) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/١٨/٢٥) : حدثنا طالب بن قرة الأذني: ثنا محمد بن عيسى الطباع. (ح) وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري: ثنا يحيى الحماني قالا: ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن علقمة بن واثل عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :....... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط مسلم من طريق الحماني، وهذا وإن كان قد اتهم بسرقة الحديث؛ فقد تابعه من الوجه الأول: محمد بن عيسى الطباع، وهو ثقة فقيه؛ كما قال الحافظ في "التقريب ".
وقد خفيت هذه المتابعة الهامة على الحافظ المنذري في "الترغيب " (٣/٥٤/٧) ، ثم الهيثمي في "المجمع " (٤/١٧٦) فذكر الحديث عن عبد الله ﵁ باللفظ المذكور؛ وقالا:
"رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني ". زاد الهيثمي:
"وهو ضعيف، وقد وثق، والكلام فيه كثير".
ثم إنهما قد وهما في نسبتهما الحديث لـ (عبد الله) ، وتابعهما الحافظ الناجي، فأخذ يفسر هذه النسبة قائلاً (ق ١٦٧/٢) :
"الظاهر أنه ابن مسعود؛ فإنه المعني عند الإطلاق "!
وجزم بذلك شيخه الحافظ العسقلاني، فقال في "مختصره " المنتقى من " الترغيب " (١٧٧/ ٦٥٨) :
"وعن عبد الله- يعني: ابن مسعود- ... " فذكر الحديث!
стр. 5905
وكل ذلك ناشئ من التقليد وحسن الظن بالمؤلف المنذري، مع كثرة أوهامه التي تعجب منها الحافظ الناجي، وكشف النقاب عن الكثير منها، وفاتته أشياء نبهت على بعضها في تعليقي على "صحيح الترغيب "، و"ضعيف الترغيب "؛ وهذا منها.
ثم وقع الناجي- من الأوهام الكثيرة! - في وهم آخر، فقال:
"ولفظ: "الغصب " لم يطلع عليه الإمام البلقيني في "تدريبه " (١) ! فقال:
"وليس في الأحاديث: "من غصب " ... ".
ولا شيخنا ابن حجر؛ تبعاً لشيخه ابن الملقن في "تخرج أحاديث الرافعي " حيث قالا: "لم يروه أحد منهم بلفظ: "من غصب " ... ".
قلت: وهذا النفي قد يرد بالنسبة للبلقيني " فإني وإن كنت لم أقف بعد على كلامه في "البدر المنير"؛ فإن المجلد الذي فيه كتاب "البيوع " منه لما يطبع ولكني رأيته في "خلاصة البدر المنير" قال (٢/٩٨/١٦٢٠) - بعد أن ذكره من حديث أبي هريرة نحوه-:
"ولا أعلم أنه ورد في رواية: "من غصب "، مع أني ذكرته في (الأصل) من طرق ليست فيها".
قلت: فاستدراك الناجي عليه وارد، بخلاف شيخه ابن حجر؛ فإنه قال بعد تخريجه لحديث أبي هريرة بألفاظ، وأحاديث أخرى خرجها دون أن يسوق ألفاظها:
стр. 5906
" (تنبيه) : لم يروه أحد منهم بلفظ: "ومن غصب "، نعم " في "الطبراني " من حديث وائل بن حجر: "من غصب ... " فذكر حديث الترجمة.
قلت: ففي هذا (التنبيه) فائدتان:
الأولى: الرد على الناجي في استدراكه المذكور على الحافظ.
والأخرى: بيان خطأ نسبة الحديث من الحافظ وغيره لرواية ابن مسعود،
والله ولي التوفيق.
ثم رأيت السيوطي قد عزاه في "الجامع الكبير" (٢/٨٠٤) للطبراني عن وائل
ابن حجر، فالحمد الله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
ولم يتنبه لهذا الخطأ، ولا لتلك المتابعة القوية المصححة للحديث المعلقون الثلاثة، فضعفوا الحديث (٢/٢٦٨) مقلدين الهيثمي في تضعيفه للحماني!! ********
٣٣٦٦ - (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدي المرأة حق زوجها؛ حتى لو سألها نفسها على قتب لأعطته) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/٢٣٦/٥١١٦) : حدثنا موسى بن هارون: ثنا أحمد بن حفص: حدثني أبي: ثنا إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن القاسم الشيباني عن زيد بن أرقم:
أن معاذاً قال: يا رسول الله! أرأيت أهل الكتاب يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، أفلا نسجد لك؟ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير القاسم
стр. 5907
الشيباني، وهو صدوق يغرب؛ كما قال الحافظ في "التقريب "، وهو من رجال مسلم، واسم أبيه: عوف.
وموسى بن هارون ثقة حافظ مشهور، مترجم في "تاريخ بغداد"، و"تذكرة الحفاظ " وغيرهما.
ثم رواه الطبراني (٥١١٧) من طريق صدقة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
وصدقة: هو ابن عبد الله السمين ضعيف.
وله طريق أخرى عن زيد بن أرقم؛ يرويه المغيرة بن مسلم عن عمرو بن دينار
عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"المرأة لا تؤدي حق الله عليها؛ حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها وهي على ظهرقتب؛ لم تمنعه نفسها".
أخرجه الطبراني (٥/٢٢٧/٥٠٨٤) .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. وقال المنذري في "الترغيب " (٣/٧٧/٢٨) :
"رواه الطبراني بإسناد جيد".
وقال الهيثمي في "المجمع " (٤/٣٠٨) :
"رواه الطبراني في " الكبير" و" الأوسط " بنحوه، ورجاله رجال " الصحيح "؛ خلا المغيرة بن مسلم، وهو ثقة".
قلت: الذي في"مجمع البحرين " (٤/١٩٣/٢٣١٧) يختلف سنده أيضاً عن
стр. 5908
هذا " ليس فيه: (المغيرة بن مسلم) ، وهو في "المعجم الأوسط " (٨/٢٠٩/٧٤٢٩- ط) من طريق أبي يزيد الكوفي بشر بن عبد الملك قال: حدثنا محمد بن سواء (الأصل: سواد!) عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم مرفوعاً مختصراً، بلفظ:
"لا تمنع المرأة زوجها نفسها؛ وإن كانت على قتب ".
وهذه متابعة قوية من محمد بن سواء؛ فإنه ثقة من رجال الشيخين.
وأما بشر بن عبد الملك؛ فقد كنت ذكرت فيما تقدم من هذا الكتاب تحت الحديث (١٢٠٣) المجلد الثالث، وقد ذكرت هذا الحديث شاهداً له؛ فقلت: "بشر هذا لم أعرفه، ويراجع له "الجرح والتعديل "؛ فإني لا أطوله الآن ".
وفي الطبعة الجديدة لهذا المجلد علقت عليه بما خلاصته أنه ثقة، فراجعه، وعليه فالسند جيد قوي. وبالله التوفيق. *******
٣٣٦٧ - (إني أجد نفس الرحمن من هنا- يشير إلى اليمن) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٦٠/٦٣٥٨) : حدثنا أبو زرعة: ثنا أبو اليمان: ثنا إسماعيل بن عياش عن الوليد بن عبد الرحمن. (ح) ثنا بكر بن سهل: ثنا عبد الله بن يوسف: ثنا عبد الله بن صالح الحمصي: حدثني إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير: حدثني سلمة بن نفيل السكوني قال:
دنوت من رسول الله ﷺ ، حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه، فقلت: يارسول الله! تركت الخيل، وألقي السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال! فقال:
стр. 5909
"كذبوا! الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمة قائمة على الحق، ظاهرة على الناس، يزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم ".
وقال وهو مول ظهره إلى اليمن: ... فذكر الحديث، وزاد:
"ولقد أوحي إلي أني مكفوف (١) غير ملبث، وتتبعوني أفناداً، والخيل معقود
في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها".
قلت: واسناده صحيح من الوجه الأول عن الوليد بن عبد الرحمن، وهو ثقة
من رجال مسلم.
وفي الوجه الآخر بكر بن سهل؛ فيه ضعف.
وشيخ عبد الله بن صالح الحمصي لم أعرفه! ثم تبين أن اسم أبيه محرف، صوابه (سالم) ، فقد رأيت البيهقي قد أخرج الحديث في "الأسماء والصفات " (ص ٤٦٢- ٤٦٣) من طريق محمد بن إسحاق الصاغاني: أنا عبد الله بن يوسف: أنا عبد الله بن سالم الحمصي: ثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس به.
قلت: فهو إسناد صحيح أيضاً؛ لأن عبد الله بن سالم الحمصي- وهو الأشعري- ثقة اتفاقاً، ومن رجال البخاري.
ومن ضلال الشيخ الكوثري، ومعاداته للسنة وأحاديث الصفات، وتضليله للقراء: تعليقه في حاشية "الأسماء" على ابن سالم هذا بقوله:
"كان أبو داود يذمه "!
стр. 5910
فتعامى عن أقوال الأئمة المجمعة على توثيقه، وتشبث بذم أبي داود إياه لمذهبه، وقد أخرج له في "سننه "، وهو يعلم أن ذلك لا يضر في عدالته وصحة حديثه عند العلماء تنصيصاً وتفريعاً، مع أن الحديث ليس له علاقة بالصفات؛ كما يأتي عن ابن تيمية.
على أنه قد توبع في الوجه الأول كما رأيت، فلا يضره الذم المذكور لو كان قدحاً في ثقته، ولكن هذا هو شأن أهل الأهواء؛ لا يخلصون للبحث العلمي، وإنما يتبعون منه ما يوافق أهواءهم! والله المستعان.
واعلم أن هذا الحديث قد جاء في بعض طرقه زيادة أخرى بلفظ:
"عقر دار المؤمنين بالشام".
وكنت خرجته في المجلد الراج (١٩٣٥) ، فأعدت تخريجه هنا لحديث الترجمة، مستدركاً به على تخريجي إياه في "الضعيفة" في المجلد الثالث (١٠٩٧) ، لكن من حديث أبي هريرة، فهذا شاهد قوي له من حديث سلمة بن نفيل، أوجب علي تخريجه هنا، والتنبيه على أن الحديث صار به صحيحاً، والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
هذا؛ ويبدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذهب إلى ثبوت الحديث، فقد رأيته سئل عن حديث: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض "، وعن هذا الحديث في "مجموع الفتاوى" (٦/٣٩٧ ـ ٣٩٨) ؟ فضعف الأول، دون هذا، وقال مبيناً معناه، وأنه ظاهر فيه؛ فقال:
"فقوله في: "اليمن " يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين
стр. 5911
قال فيهم: (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) ؛ وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري (١) . وجاءت الأحاديث الصحيحة، مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن، أرق قلوباً، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية " (٢) . وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصص ذلك بأويس؛ فقد أبعد".
قلت: وعلى هذا المعنى فليس الحديث من أحاديث الصفات، ولذلك لم يورده الحافظ الذهبي في جملة أحاديثها في كتابه "العلو" الذي كنت اختصرته، وهو مطبوع، خلافاً للشيخ زاهد الكوثري الذي غمز من صحته كما تقدم مع الرد عليه، ولذلك كذب ابن تيمية ﵀ ما حكاه الغزالي عن بعض الحنابلة أن الإمام أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء؛ منها هذا الحديث، فقال (٥/٣٩٨) :
"فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي مجهول لا يعرف ".
ثم رأيت ابن الأثير قد أورد الحديث في مادة (نفس) من "النهاية "، وقال:
"قيل: عنى به الأنصار؛ لأن الله نفس بهم الكرب عن المؤمنين، وهم يمانون؛ لأنهم من الأزد، قال الأزهري: (النفس) في الحديث اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من: (نفس ينفس تنفيساً ونفساً) ، كما يقال: (فرج يفرج تفريجاً وفرجاً) ؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن ".
стр. 5912
٣٣٦٨ - لما نزلت هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) ؛ أوْمأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال:
"هم قوم هذا ") .
أخرجه الحاكم (٢/٣١٣) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/١٢٥) ، وابن سعد في "الطبقات " (٤/١٠٧) ، وابن جرير في "التفسير" (٦/١٨٣) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/٣٧١/١٠١٦) من طرق عن شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري قال: ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي في "المجمع " (٧/١٦) :
"رواه الطبرا ني، ورجاله رجال الصحيح ".
وأقول: عياض: هو ابن عمرو الأشعري، مختلف في صحبته. فقال الحافظ
في التقريب:
"صحابي، له حديث، وجزم أبو حاتم بأن حديثه مرسل، وأنه رأى أبا عبيدة
ابن الجراح؛ فيكون مخضرماً ".
قلت: وقد جاء موصولاً؛ فقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضاً يحدث عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ... الحديث نحوه.
قلت: وهذا إسناد صحيح متصل؛ فإن أبا الوليد هذا- واسمه هشام بن
стр. 5913
عبد الملك- ثقة ثبت من رجال الشيخين؛ كما في "التقريب "، فالظاهر أن شعبة كان يرسله تارة ويسنده أخرى، فقد تابعه على إسناده عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا شعبة به:
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره " (٣/١٣/١) .
ويشهد لهذا المسند: أنه قد توبع عليه من عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب به.
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٥١) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معمر: حدثنا عبد الله بن إدريس به.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم أيضاً؛ غير عبد الله بن أحمد، وهو ثقة، وكذلك من دونه.
وللحديث شواهد:
أولاً: عن معاوية بن حفص قال: حدثنا أبو زياد- يعني: إسماعيل بن زكريا-
عن محمد بن قيس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال:
سئل رسول الله ﷺ عن قوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) ؟ قال: "هؤلاء قوم من اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب ".
أخرجه ابن أبي حاتم أيضاً، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٢٣٢/١٤١٤) ، وقال- والسياق له-:
"لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عن أبي زياد إلا معاوية، تفرد به أبو حميد".
стр. 5914
كذا قال! ولم يتفرد به- وهو ثقة-؛ فقد تابعه محمد بن المصفى عند ابن أبي حاتم، ولكنه مضعف، قال الحافظ:
"صدوق، له أوهام، وكان يدلس ".
قلت: وقد صرح بالتحديث، لكنه لم يذكر في إسناده: (محمد بن قيس الأسدي) ، فلعل ذلك من أوهامه! وعلى كل حال فالإسناد جيد، رجاله كلهم ثقات؛ غير معاوية بن حفص- وهو الشعبي الحلبي-، قال الحافظ:
" صد وق ".
ولذلك قال الهيثمي:
"رواه الطبراني في "الأوسط "، وإسناده حسن ".
ثانياً: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث جابر؛ لكنه لم يذكر: "ثم من تُجِيبَ ".
وإسناده جيد حسن؛ ومحمد بن عمرو: هو ابن علقمة المدني، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر. وقد روي عن أبيه شيء من هذا؛ وهو:
ثالثاً: أخرج البخاري في "تاريخه " عن القاسم بن مخيمرة قال:
أتيت ابن عمر، فرحب بي ثم تلا: (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي
الله بقوم يحبهم) ، ثم ضرب على منكبي؛ وقال:
أحلف بالله؛ إنهم منكم أهل اليمن (ثلاثاً) .
ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٢) .
стр. 5915
رابعاً: قال شريح بن عبيد:
لما أنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ... ) إلى آخر الآية؛ قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟! قال:
"لا، بل هذا وقومه "؛ يعني: أبا موسى الأشعري.
أخرجه ابن جرير. وإسناده مرسل صحيح رجاله كلهم ثقات؛ فهو شاهد قوي
في الجملة. والله أعلم. *******
٣٣٦٩ - (لما نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح) ، قال: أتاكم أهل اليمن؛ هم أرق قلوباً، الإيمان يمان، الفقه يمان، الحكمة يمانية) .
أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره " (٢/ ٤٠٤) ومن طريقه أحمد في "مسنده " (٢/٢٧٧) : أنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سمعت أبا هريرة يقول: ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه مسلم (١/٥٢) وغيره من طريق أخرى عن ابن سيرين به دون الآية.
وكذلك أخرجه هو، والبخاري (٤٣٨٨-٤٣٩٠) ، وابن حبان (٧٢٥٣ و٧٢٥٥
- ٧٢٥٦) ، وأبو عوانة (١/٥٩ ـ٦٠) وغيرهم من طرق أخرى عن أبي هريرة به، وهو مخرج في "الروض النضير" (١٠٤٥) .
لكن لزيادة الآية شاهد قوي من حديث ابن عباس، وله عنه طريقان، بل ثلاثة:
стр. 5916
الأولى: الحسين بن عيسى الحنفي: حدثنا معمر عن الزهري عن أبي حازم
عنه قال:
بينما النبي ﷺ بالمدينة؛ إذ قال:
"الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله، وجاء الفتح، وجاء أهل اليمن، قوم نقية قلوبهم، لينة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية ".
أخرجه ابن حبان (٢٢٩٩- موارد) ، والطبري في "تفسيره " (٣٠/٢١٥) ، والبزار (٣/٣١٦/٢٨٣٧- كشف الأستار) - مختصراً-، ولفظه:
".. إذ قال: الله أكبر (إذا جاء نصر الله والفتح) ، وجاء أهل اليمن ... ".
وقال البزار:
"لا نعلم أسند الزهري عن أبي حازم غير هذا".
قلت: ورجاله ثقات؛ غير الحسين بن عيسى، وهو ضعيف.
وقد خالفه في إسناده ابن ثور؛ فقال هذا: عن معمر عن عكرمة:
لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) ؛ قال النبي ﷺ :
"جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن ... " الحديث.
أخرجه ابن جرير، وإسناده مرسل صحيح، وقد جاء عنه مسنداً عن عكرمة
عن ابن عباس، وهو التالي:
الثانية: عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال:
لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح ... ) إلى آخر السورة؛ قال: نُعِيت
стр. 5917
لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان [قط] اجتهاداً في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك:
"جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن ".
فقال رجل: يا رسول الله! وما أهل اليمن؛ قال:
"قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان".
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٦/٥٢٥/١١٧١٢) والطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٢٨ـ٣٢٩) ، و"الأوسط " (٣/١٥/٢٠١٧) .
وروى أحمد الجملة الأولى منه (١/٢١٧) من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس. وقال الهيثمي (٧/ ١٤٤) عقبه:
"رواه أحمد، والطبراني في حديث طويل.. وفي إسناده هلال بن خباب، قال يحيى: ثقة مأمون لم يتغير، ووثقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال "الصحيح "، وفي إسناد أحمد عطاء بن السائب، وقد اختلط ".
أما حديث هلال بن خباب؛ فحسن الإسناد، وقد قال الذهبي في "الكاشف ": "ثقة".
والأقرب قول الحافظ في "التقريب ":
"صدوق تغير بأخرة". ولذلك سكت في "الفتح" (٨/ ١٠٠) عن الحديث،
وقد عزاه للبزار.
الثالثة: وهي متابعة لهلال بن خباب من عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة
عن ابن عباس قال:
стр. 5918
كنا عند النبي ﷺ فنزلت (إذا جاء) ، فقال:
"هم أهل اليمن ".
هكذا رواه البخاري في " التاريخ " (٣/٢/١٩٥) ؛ فقال: وقال عبد العزيز: حدثنا الخضر: حدثنا عمر عن عبد الملك بن أبي بشير ...
قلت: وهذا إسناد حسن أيضاً، ومتابعة قوية من عبد الملك هذا؛ فإنه ثقة، وكذلك من دونه.
وعمر: هو ابن مجاشع المدائني، وفي ترجمته ساقه البخاري ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك فعل ابن أبي حاتم، لكن ذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/١٨٤) من رواية الخضر هذا عنه- وهو ابن محمد الحراني-؛ لكن ذكر له في "اللسان " راويين آخرين، وأن ابن معين قال؛ "لا بأس به "، فراجعه إن شئت، أو "تيسير الانتفاع ".
قلت: له شاهد من حديث ميناء عن عبد الله بن مسعود به:
أخرجه أحمد (١/٤٤٩) ؛ لكن ميناء هذا متروك. وقد روي بإسناد آخر أسوأ منه عن ابن مسعود مطولاً، وقد خرجته في "الضعيفة" (٦٤٤٥) .
قلت: إن من فضل الله علي أن وفقني لتخريج هذه الفضائل لأهل اليمن وإحيائها، وبخاصة حديث الترجمة، فقد خفي على كثير من الحفاظ والمخرجين فضلاً عن غيرهم، فإنه وإن كان هناك منهم من ذكر شيئاً من طرقه وألفاظه؛ فما منهم من أحد من أحاط بطرقه وشواهده التي تقويه، ومن وجد شيئاً منها فبدون تحقيق وتصحيح، فلنذكر من وقفنا على كلامهم:
стр. 5919
أولاً: الحافظ ابن كثير؛ فإنه مع كثرة استحضاره لأحاديث "المسند" وعزوه إليه كثيراً، حتى قيل: إنه من أعلم الناس به، ومع ذلك؛ فقد فاته حديث الترجمة، فلم يذكره في تفسير سورة (النصر) (٤/٥٦٢) ، وإنما ذكر حديث ابن عباس من الوجهين عنه من رواية ابن جرير والطبراني، وحديث عكرمة المرسل، وفاتته رواية البخاري عنه عن ابن عباس!
ثانياً: الحافظ ابن حجر؛ فإنه مع توسعه المعروف في تتبع ألفاظ الحديث في "الفتح " وتخريجها، وتمييز صحيحها من ضعيفها في الغالب، بحيث إننا لا نعرف له نظيراً في ذلك، ومع ذلك؛ فقد فاته حديث الترجمة وما تحته؛ إلا حديث هلال ابن خباب، ومن رواية البزار فقط، مع أنه شرح قوله ﷺ : "أتاكم أهل اليمن.." في أكثر من موضع من "الفتح "، وأورده في "أطراف المسند" (٨/٣٦/١٠٢٢٣) من رواية عبد الرزاق، لكن دون آية النصر!
ثالثاً: الحافظ السيوطي؛ فإنه مع ذكره لحديث الترجمة في "الدر المنثور" (٦/٤٠٨) ، ولحديث ابن عباس أيضاً؛ فإنه قد أبعد النجعة في تخريجهما، فإنه عزا الأول لابن مردويه فقط! والآخر لابن عساكر فحسب! وسكت عن إسنادهما على عادته الغالبة.
رابعاً وأخيراً: قول مصحح "تاريخ البخاري " والمعلق عليه تعليقات علمية مفيدة، وهو الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني؛ قال في التعليق على قوله في الحديث (إذا جاء) :
"كذا في الأصل، ولعل ما بعد: " إذا جاء " سقط من الأصل، فالله أعلم أي: "إذا جاء " أراد".
قلت: قد تبين- والحمد لله- من هذا التحقيق والتخريج أنه أراد (إذا جاء
стр. 5920
نصر الله والفتح) وعندي أنه لا سقط فيه، وأنه من اختصار البخاري نفسه، وهي عادة له- لا تخفى على الشيخ الفاضل- في كثير من أحاديث الكتاب التي يذكر في بعض التراجم، وقد يكون الاختصار أحياناً اختصاراً شديداً يشبه اللغز، مثل قوله في ترجمة (عمر بن مسكين) :
"يروي عن نافع عن ابن عمر في الجنائز".
لكن الباحث- أو الحافظ- من السهل عليه أن يهتدي إلى الحديث المشار إليه. وبالله التوفيق. *******
٣٣٧٠ - (كُفْرٌ بامْرِئ ادِّعاءُ نَسَبٍ لا يَعْرِفُه، أو جَحْدُهُ وإن دقَّ) .
أخرجه ابن ماجه (٢/٩١٦/٢٧٤٤) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٨/٤٤٦/٧٩١٥) و"الصغير" (ص ٢٢٢ هند) من طريقين عن يحيى بن سعيد: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ !: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن. وقول الطبراني فيه:
"لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا أبو ضمرة أنس بن عياض "! فهو بالنسبة لما أحاط به علمه؛ وإلا فهو عند ابن ماجه من طريق سليمان بن بلال عن يحيى. وهذا ثبت في بعض نسخ "ابن ماجه " دون بعض؛ كما نبه على ذلك الحافظ في "النكت الظراف " (٦/ ٣٤١- ٣٤٢) ، ولذلك لم يعزه المنذري في "الترغيب " لابن ماجه؛ فقال (٣/٨٨) :
"رواه أحمد والطبراني في (الصغير) "!
وفاته عزوه لـ "الأوسط " أيضاً!
وأما أحمد؛ فرواه من طريق أخرى عن عمرو بن شعيب؛ فقال (٢/٢١٥) :