← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

ورواه عبد الرزاق (١١/١٤٢/٢١٠٤٧) من طريق قرة عن عون بن عبد الله موقوفاً. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/٢٤٨) من طريق يزيد بن هارون عن المسعودي عن عون.... فذكره- أيضاً- موقوفاً. ******** ٣٣٨٢ - (إن أولى الناس بالله؛ من بدأهم بالسّلام) . هو من حديث أبي أمامة ﵁، وله عنه طرق: الأولى: عن أبي خالد وهب عن أبي سفيان الحمصي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. أخرجه أبو داود (٩٧ ١ ٥) ، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان " (٦/٤٣٣/٨٧٨٧) . قلت: وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير أبي خالد وهب - وهو ابن خالد الحمصي-، وهو ثقة بلا خلاف. وشيخه أبو سفيان الحمصي؛ اسمه محمد بن زياد الألهاني. وله عنه طريق آخر مختصر؛ فقال ابن أبي شيبة في "المصنف " (٨/٤٣٥/٥٧٨٨) : إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة قال: أمرنا نبينا ﷺ أن نفشي السلام. ومن طريق ابن أبي شيبة: أخرجه ابن ماجه (٣٦٩٣) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٣١/ ٧٥٢٥) ، ورواه من طريقين آخرين عن إسماعيل بن عياش به. وهذا إسناد شامي صحيح.

стр. 5952

وتابعه بقية بن الوليد: حدثني محمد بن زياد به. أخرجه الطبراني أيضاً (٧٥٢٤) ، وهو صحيح أيضاً الثانية: عن أبي فروة الرّهاوي يزيد بن سنان عن سُليم بن عامر عن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله! الرجلان يلتقيان؛ أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: "أولاهما بالسلام ". أخرجه الترمذي (٢٦٩٤) ، وقال: "هذا حديث حسن ". قلت: أي: حسن لغيره؛ لأن أبا فروة هذا متفق على ضعفه. ولذلك قال الحافظ: "ضعيف" الثالثة: عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً بلفظ: "من بدأ بالسلام؛ فهو أولى بالله ورسوله ". أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤ و ٢٦١/٢٦٤ و ٢٦٩) ، والطبراني في "المعجم " (٨/٢٣٧/٧٨١٤ و ٧٨١٥) وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن يزيد- وهو الألهاني-. ونحوه- أو خير منه- عبيد الله بن زحر، وقد توبع، فقال بقية بن الوليد: عن

стр. 5953

إسحاق بن مالك عن يحيى بن الحارث عن القاسم به. أخرجه الطبراني (٨/ ٢١٠/٧٧٤٣) . قلت: بقية مدلس. وإسحاق بن مالك- وهو الحضرمي- ضعفه الأزدي، وقال ابن القطان: "لا يعرف ". وذكر له الأزدي هذا الحديث بلفظ: "البادي بالسلام أولى بالله ورسوله ". (تنبيه) من أوهام الحافظ أنه عزا في "الفتح " (١١/١٦) حديث الترجمة للترمذي! وقد عرفت أن لفظه مخالف للفظه، وأقر تحسينه دون أن يبين وجهه! ومن تخاليط المعلقين الثلاثة على "الترغيب " قولهم (٣/٤١٦/٣٩٨٩) : "حسن بشواهده، رواه أبو داود.. والترمذي.. وابن حبان (٩١١) "! فجهلوا صحة إسناد أبي داود، وحسنوه بشواهده دون أن يبينوها، أو أن يشيروا على الأقل إلى شيء منها كما هي عادتهم. ثم كذبوا في عزوهم إياه لابن حبان! فإن الرقم الذي قرنوه به إنما هو عنده لحديث ابن مسعود: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة"! فالتبس عليهم هذا بحديث الترجمة، والسبب أنهم يستعينون بل يتكئون في التخريج والعزو على الفهارس، ولا يرجعون إلى الأصول، ولو رجعوا إليها؛ لم

стр. 5954

يستطيعوا الاستفادة منها لجهلهم بهذا العلم، إنما هم مقلدة نقلة. وهذا هو الدليل بين يديك، فإسناد أبي داود صحيح كالشمس وضوحاً، ومع ذلك جهلوه، ولما توهموا أنه في "صحيح ابن حبان "؛ توسطوا في الحكم عليه، فلا هم صححوه، ولا هم ضعفوه، فقالوا: "حسن بشواهده "!! أنصاف حلول. وهذا هو الغالب عليهم: التحسين هذا أو التحسين مطلقاً في كثير مما هو صحيح، وكثير مما هو ضعيف عند التحقيق؛ ستراً لجهلهم! والله المستعان. ******* ٣٣٨٣ - (ما رأيت الذي هو أبخل منك؛ إلا الذي يبخل بالسلام) . أخرجه أحمد في "مسنده " (٣/٣٢٨) : ثنا أبو عامر العَقَديُّ: ثنا زهير عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر: أدن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلان في حائطي عِذقاً، وانه قد آذاني وشق علي مكان عذقه، فأرسل إليه النبي ﷺ " فقال: "بعني عذقك الذي في حائط فلان ". قال: لا. قال: "فهبه لي ". قال: قال: لا. قال: "فبعنيه بعذق في الجنة". قال: لا. فقال ﷺ : ... فذ كره. وهكذا أخرجه البزار (٢/٤١٧/٢٠٠٠) عن شيخين له ثقتين قالا: ثنا أبو عامر به. وقال:

стр. 5955

"لا نعلم يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد". قلت: فقوله المنذري في " الترغيب " (٣/ ٢٦٩) : "رواه أحمد والبزار، وإسناد أحمد لا بأس به "! ففيه نظر من جهة تفريقه بين رواية أحمد والبزار، وكلاهما روياه من طريق زهير- وهو ابن محمد التميمي الخراساني-، تكلموا في رواية الشاميين عنه، وهذه ليست منها؛ فإن أبا عامر العقدي بصري ثقة، واسمه عبد الملك بن عمرو. قال الحافظ- في زهير-: "رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كأن زهيراً الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه، فكثرغلطه ". وقال الذهبي في " الكاشف ": "ثقة يغرب، ويأتي بما ينكر". قلت: قد صرح غير واحد من الحفاظ بأن ما أنكر عليه هو من رواية الشاميين، فقال أحمد فيهم: "يروون عنه أحاديث مناكير.. أما رواية أصحا بنا- يعني: العراقيين- عنه فمستقيمة " عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر أحاديث مستقيمة صحاح ". وقا ل البخا ري: "ما روى عنه أهل الشام؛ فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة؛ فإنه صحيح ". إذا عرفت هذا؛ فالصواب قوله الهيثمي في "المجمع " (٨/٣٢) :

стр. 5956

"رواه أحمد والبزار، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال (الصحيح) ". وقد توبع أبو عامر العقدي، فقال عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (٣/٢٢/١٠٣٥) : حدثني موسى بن مسعود: حدثنا زهير بن محمد به. وموسى بن مسعود: هو أبو حذيفة البصري أيضاً، أخرج له البخاري في المتابعات، كما في "التقريب ". ومن طريقه أخرجه الحاكم في "المستدرك " (٢/ ٢٠) شاهداً. وتابعه يحيى بن أبي بكير: ثنا زهير بن محمد به. أخرجه البيهقي في "السنن " (٦/١٥٧- ١٥٨) . ويحيى هذا: هو الكرماني، كوفي الأصل، ثقة أيضاً من رجال الشيخين. ******* ٣٣٨٤ - (خصال ست؛ ما من مُسلم يموتُ في واحدة منْهن؛ إلا كانت ضامناً على الله أن يدْخِلََه الجنّة: ١- رجل خرج مجاهداً، فإن مات في وجْهه؛ كان ضامناً على الله. ٢- ورجل تبع جنازة، فإن مات في وجهه؛ كان ضامناً على الله. ٣- ورجل عاد مريضاً، فإن مات في وجهه؛ كان ضامناً على الله. ٤- ورجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لصلاته، فإن مات في وجهه؛ كان ضامناً على الله. ٥- ورجل أتى إماماً، لا يأتيه إلا ليعزِّره ويوقره، فإن مات في وجهه ذلك؛ كان ضامناً على الله.

стр. 5957

٦- ورجل في بيته، لا يغتاب مسلماً، ولا يجرُّ إليهم سخطاً ولا نقمة، فإن مات؛ كان ضامناً على الله) . أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " (٤/٤٩١ /٣٨٣٤) من طريق الحكم ابن بشير بن سلمان عن عمرو بن قيس المُلائي عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعاً. وقال: "لم يروه عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (كذا) إلا عمرو بن قيس، تفرد به الحكم بن بشيربن سلمان ". قلت: الحكم هذا صدوق. وشيخه عمرو بن قيس الملائي ثقة متقن من رجال مسلم. وشيخه عيسى بن عبد الرحمن: هو ابن فروة- ويقال: ابن سبرة- الأنصاري، ضعيف جداً، قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث ". وقال ابن حبان في "الضعفاء" (٢/١٢٠) : "كان ممن يروي المناكير عن المشاهير، روى عن الزهري ما ليس من حديثه من غير أن يدلس عنه، فاستحق الترك ". قلت: وهو الذي ذكروا في ترجمته أنه روى عن الزهري، وعنه عمرو بن قيس الملائي. فما جاء في تعقيب الطبراني أنه (ابن أبي ليلى) ! وهم ظاهر، لعله

стр. 5958

من الناسخ، ويؤيده قول الهيثمي في "مجمع الزوئد" (٧/٢٧٨) : "رواه الطبراني في "الأوسط "، وفيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي (كذا) فروة، وهو متروك ". كذا وقع فيه بزيادة؛ (أبي) ، فلعلها من النساخ أيضاً. ثم وجدت للحديث شواهد تدل على صحته، وتوجب علينا ضمه إلى "الصحيحة"، فقال الإمام أحمد (٥/٢٤١) : ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عُلَيِّ بن رَبَاح عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن معاذ قال؛ عهد إلينا رسول الله ﷺ في: "خمس من فعل منهن كان ضامناً على الله ... " فذكر الخصال المتقدمة إلا الرابعة، وقد جاءت في طريق أخرى سأذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه لم يخرج لابن لهيعة إلا مقروناً؛ لما هو معروف من سوء حفظه، بيد أن هذا مأمون هنا؛ لأن رواية قتيبة بن سعيد عنه صحيحة، كما تقدم بيانه مراراً. وقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٣٧-٣٨) من طرق أخرى عن ابن لهيعة به. وتابعه عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "من جاهد في سبيل الله؛ كان ضامناً على الله...... " الحديث فذكر بقية الخصال إلا الثانية: خصلة الجنازة. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (١٤٩٥) ، ومن طريقه ابن حبان (١٥٩٥) ، والبيهقي في"السنن" (٩/١٦٦- ٦٧ ١) ، والطبراني أيضاً (٢٠/٣٧/٥٤) ، والحاكم

стр. 5959

(٢/٩٠) ببعض فقراته؛ كلهم عن الليث بن سعد عن الحارث بن يعقوب عن قيس بن رافع القيسي عنه. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير قيس بن رافع القيسي، وهو تابعي ثقة روى عنه من الثقات سبعة، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/٣١٥) ، ووثقه الحاكم أيضاً في جملة من المصريين (١/٢١٢) . ولجملة المسجد- الرابعة- شاهد من حديث أبي أمامة مرفوعاً بلفظ: "ثلاثة كلهم ضامن على الله.. " الحديث وفيه: "ومن خرج إلى المسجد؛ فهو ضامن على الله ... " الحديث. أخرجه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبان، والحاكم، والذهبي، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٢٥٣) وغيره. (تنبيه) : إن من عجائب السقط وقلة الانتباه والتحقيق: أن حديث الترجمة رغم كونه مصدراً بلفظ: "خصال ست "، فلم تقع هذه الخصال ستاً في طبعة حسام الدين المقدسي لـ "مجمع الزوائد"! فليس فيه الفقرة (٣) و (٥) ! ويبدو أن السقط قديم من الهيثمي نفسه أو بعض نساخ كتابه؛ فإنه وقع كذلك في "الجامع الصغير" للسيوطي، وهذا مما يدل على أنه كثير النقل منه والاعتماد عليه، وأنه لا ينقل من الأصول مباشرة، ولذلك تتشابه أخطاؤه مع أخطاء غيره، وكذلك وقع في "كنز العمال " (٥/٨٩٤/٤٣٥٣٦) . ثم جرى عليه المناوي في شرحيه لـ "الجامع الصغير": "الفيض " و"التيسير"، فشرحه دون أن ينتبه لمخالفة المعدود للعدد! بل وأورده كذلك في كتابه الذي أسماه "الجامع الأزهر" (١/٢٥٥/١) ، مقروناً بما يدل

стр. 5960

على أنه نقله من "المجمع "؛ لأنه نقله بالخطأ الذي فيه: (.. أبي فروة) ! ولذا؛ فقد كان من الطبيعي جدّاً أن يقع النقص المذكور في كتابي "ضعيف الجامع " (٢٨٢٨) ؛ لأنه لم يكن همي فيه- أعني "الجامع "- إلا فرز "الصحيح " عن "الضعيف "، وطبع كل منهما على حدة. ولذلك فلست مسؤولاً عما قد يقع فيهما من خطأ في المتن أو العزو تبعاً لأصلهما، كما هو ظاهر. وكذلك الشأن في كل ما ألفته أو أؤلفه على هذا النمط من الفرز. ومع ذلك فقد تفضل الله علي كثيراً، فنبهت على كثير من الأوهام التي وقعت فيهما أو في غيرهما تبعاً للأصل، كما يعلم ذلك العارفون المطلعون على كتبي. هذا؛ وبعد أن تبين في هذا التخريج والتحقيق أن الحديث صحيح بطريقه وشاهده " فقد وجب نقله من "ضعيف الجامع " إلى "صحيح الجامع " مع استدراك الفقرتين إليهما، فمن كان يملكها فليصحح، وجزاه الله خيراً. ولقد كان ينبغي أن يكون هذا التحقيق والتنبيه قبل هذا بزمن بعيد، ولكن الأمر كله بيد الله، (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) . (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) . ******* ٣٣٨٥ - (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فهو كقتله، ولعْنُ المؤمنِ كقتله) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكببر" (١٨/١٩٣- ١٩٤) : حدثنا عبدان بن أحمد: ثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان: ثنا بشر بن مبشر الواسطي: ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلّب عن عمران ابن حصين عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، عبدان بن أحمد ثقة حافظ مشهور، ومن فوقه ثقات

стр. 5961

معروفون من رجال "التهذيب "، غير بشر بن مبشر الواسطي، وثقه ابن حبان (٨/١٣٨) ، وروى عنه جمع من الثقات، كما في "تيسير الانتفاع "؛ فمثله جيد الحديث إن شاء الله تعالى. ولا سيما وقد توبع. فأخرجه البزار مفرقاً (٢/ ٤٣١-٤٣٢ /٢٠٣٤- ٢٠٣٥) من طريق إسحاق بن إدريس: ثنا حماد بن سلمة به. لكن إسحاق هذا- وهو الأسواري- متروك، وقد اضطرب قول الهيثمي فيه في الباب الواحد من "مجمعه "، فقال في الشطر الثاني منه (٨/٧٣) "لعن المؤمن كقتله "-: "رواه البزار، وفيه إسحاق بن إدريس، وهو متروك ". وقال في الشطر الأول آخر الباب: "رواه البزار، ورجاله ثقات "! وهو في هذا متابع للمنذري في "الترغيب " (٣/٢٨٥) ! وذلك من أوهامهما التي تقلدها المعلقون الثلاثة على "الترغيب " (٣/٤٥٨/٤٠٩١) ! وسببه أنه وقع (إسحاق) غير منسوب، فوثقاه ظنّاً منهما أنه من الثقات، وهو هو؛ لأنه بإسناد واحد عند البزار من شيخه إلى منتهاه، غاية ما في الأمر أنه نسب إلى أبيه (إدريس) في شطر، ولم ينسب في الشطر الآخر! ثم إن حماد بن سلمة قد خولف في إسناده، فرواه البخاري (٦١٠٥) عن وهيب، ومسلم (١/٧٣) عن شعبة وغيره؛ كلهم عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت ابن الضحاك الأنصاري مرفوعاً به في حديث مخرج في "الإرواء" (٨/ ٢٠١) ، فجعلوا صحابي الحديث (ثابت بن الضحاك) ، وأسقطوا بينه وبين أبي قلابة (أبا المهلب) ،

стр. 5962

وصرح بالتحديث عن ثابت في رواية، فإن كان حماد بن سلمة حفظ إسناده، فيكون لأيوب إسنادان؛ وإلا فلا ضير؛ لأنه انتقال من صحابي إلى آخر، وكلهم عدول. وإذا عرفت هذا؛ فمن الغرائب قول البزار عقب حديث عمران: "لا نعلمه يروى إلا عن عمران، وثابت بن الضحاك؛ وحديث عمران أحسن إسنادآ (كذا) ، وعمران أجل، ولا نعلم روى هذا إلا حماد"! قلت: حماد إمام وله أوهام عن غير ثابت البناني، ومع ذلك كيف يقف أمام الجماعة الذين خالفوه في إسناده؟ ! فالحق أن روايتهم أرجح، وروايته حسبها أن تكون محفوظة، أما أنها أحسن؛ فلا! ******* ٣٣٨٦ - (لا يزالُ النّاس بخير؛ ما لم يتحاسدوا) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٣٦٩/٨١٥٧) : حدثنا الحسن بن جرير الصُّوريُّ: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي بحرية عن ضمرة بن ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال "التهذيب "، وفي بعضهم خلاف لا يضر؛ غير شيخ الطبراني الحسن بن جرير الصوري، وهو من شيوخه المشهورين، ترجم له الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٤/٤١٩) بروايته عن جمع من الثقات، وعنه نحو عشرين من الشيوخ بعضهم من الحفاظ، ووصفه الحافظ الذهبي في"سير أعلام النبلاء" (١٣/٤٤٢) بـ: "الإمام المحدث ". على أنه قد توبع، فقال أبو الشيخ ابن حيان في "التوبيخ " (١٠٨/٧٨) : حدثنا أبو الجارود: ثنا أبو سيار: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش: ثنا أبي به.

стр. 5963

ومحمد بن إسماعيل تكلموا فيه، ولا يضر ذلك هنا؛ لأنه متابع. وأبو سيار هذا؛ الظاهر أنه الذي في "كنى أبي أحمد الحاكم " (١/) : "أبو سيار العلاء بن محمد بن سيار، يروي عن أبي المثنى محمد بن عمرو ابن علقمة الليثي، حدث عنه إسحاق بن إبراهيم الصواب (١) البصري، حديثه في البصريين ". (تنبيه) : تكلم الأخ حسن أبو الأشبال على بعض رجال "التوبيخ" مصرحاً بضعف إسناده، ثم أتبعه بذكر ما قاله مراجع كتابه الشيخ (محمد عمرو بن عبد اللطيف) ، فقال: " [لكن أخشى أن لا يكون (شريح بن عبيد) قد سمعه من (أبي بحرية) ؛ فإنه كثير الإرسال، وقال ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص ٩٠) : "شريح بن عبيد الحمصي، لم يدرك أبا أمامة، ولا الحارث بن الحارث، ولا المقدام ". قلت: وتوفي أبو أمامة سنة (٨٦) ، وتوفي أبو بحرية سنة (٧٧) ، أي: قبلهما بسنين. فأخشى أن لا يكون أدركه أيضاً. (م) ] "!! فأقول: هذه الخشية غير واردة هنا في نقدي؛ لأن الإدراك الذي نفاه أبو حاتم لا يعني أنه لم يدركهم ولم يعاصرهم، وسنة وفاتهم المتقاربة تؤكد ذلك، وإنما يعني أنه لم يسمع منهم، وعليه فليس يعني أنه لم يسمع من كل من عاصرهم، فهذا هو الإمام البخاري يصرح أنه سمع من معاوية، وقد توفي سنة (٦٠) ، فإمكان سماعه من أبي بحرية ظاهر جداً وأولى. فإذا لم يكن لدينا نص من حافظ

стр. 5964

نقاد بأنه لم يسمع منه؛ فيكفينا في هذه الحالة ثبوت المعاصرة وإمكان اللقاء " كما هو المختار عند جماهير العلماء بشرط السلامة من التدليس، ولم يُرْمَ (شريح) بشيء من التدليس فيما علمت، ولا تلازم بينه وبين الإرسال عند أهل العلم، فكم من راو ثقة وصف بالإرسال، ومع ذلك فحديثه صحيح عند الشيخين فضلاً عن غيرهم، ولو كانت روايته معنعنة! هذا أمر لا يخفى إن شاء الله على من مارس هذا العلم وعرفه حق المعرفة. والله أعلم. والحديث؛ قال المنذري مشيراً إلى تقويته (٤/١٢/٤) : "رواه الطبراني، ورواته ثقات ". وكذا قال الهيثمي في "المجمع " (٨/٧٨) . ******** ٣٣٨٧ - (من أتى كاهناً، فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد) . أخرجه البزار في "مسنده " (٣/ ٤٠٠/٣٠٤٥) : حدثنا عقبة بن سنان: ثنا غسان بن مضر: ثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : ... فذ كره. وقال: "لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، ولم نسمع أحداً يحدث به عن غسان إلا عقبة". قلت: قال الحافظ في "مختصر الزوائد" (١/٦٤٧/١١٧١) : "قال الشيخ- يعني: الهيثمي-: وهو ثقة". قلت: وهذا هو الصواب، خلافاً لقول الهيثمي الآخر في "مجمع الزوائد" (٥/١١٧) :

стр. 5965

"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا عقبة بن سنان، وهو ضعيف ". وقد كنت شككت في هذا التضعيف في "غاية المرام " (١٧٤/٢٨٥) ؛ لأسباب كنت ذكرتها هناك، فمن شاء راجعها، وخلاصتها أنه لا وجه لهذا التضعيف؛ لأنه ليس فيمن يسمى بـ (عقبة بن سنان) مضعف؛ فإنهم ثلاثة، أحدهم: مجهول الحال، وهو أعلى من هذا طبقة، والآخران: ثقتان، أحدهما: (عقبة بن سنان بن عقبة الهدادي البصري) روى عن غسان بن مضر؛ فهو هذا، وقد قال فيه أبو حاتم: " صد وق ". وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين؛ غير غسان بن مضر؛ وهو ثقة من شيوخ النسائي. وقد وهم الهيثمي في عدم استثنائه إياه مع عقبة بن سنان، في قوله المتقدم. فالإسناد جيد؛ كما قال المنذري في "الترغيب " (٤/٥٢/٧) ، وتبعه الحافظ في "الفتح " (١٠/٢١٧) . وللحديث شواهد كثيرة يزداد بها قوة، خرجت بعضها في "إرواء الغليل " (٧/٦٨ـ ٧٠) ، و"غاية المرام " (٧٢ ١-١٧٣/٢٨٤) ، و"آداب الزفاف " (١٠٥ـ١٠٧) . (فائدة) : قال ابن الأثير في "النهاية": "الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجن وزئيّآ يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو من فعله، أو حاله، وهذا يخصّونه بالعراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما. والحديث الذي فيه: "من أتى كاهنا ... " قد يشتمل على إتيان

стр. 5966

الكاهن، والعراف، والمنجم ". قلت: فإذا عرفت هذا؛ فمن (الكهانة) ما كان يعرف ب (التنويم المغناطيسي) ، ثم بـ (استحضار الأرواح) ، وما عليه اليوم كثير من الناس- وفيهم بعض المسلمين الطيبين- ممن اتخذوا ذلك مهنة يعتاشون منها، ألا وهو القراءة على الممسوس من الجني، ومكالمتهم إياه، وأنه يحدثهم عن سبب تلبسه بالإنسي؛ حبّاً به أو بغضاً! وقد يزعمون أنهم يسألونه عن دينه، فإذا أخبرهم بأنه مسلم؛ صدقوه في كل ما ينبئهم به! وذلك منتهى الغفلة والضلال؛ أن يصدقه وهو لا يعرفه ولا يراه، فكن حذراً منهم أيها الأخ المسلم! ولا تأتهم ولا تصدقهم " وإلا صدق فيك هذا الحديث الصحيح وما في معناه. ************* ٣٣٨٨ - (قالت قريش للنبيّ ﷺ : ادع لنا ربّك أن يجْعل لنا الصّفا ذهباً ونؤمن بك! قال: وتفعلون؟ . قالوا: نعم. فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السّلام ويقول: إن شِئت أصبح لهم (الصّفا) ذهباً، فمن كفر بعد ذلك منهم؛ عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة) . أخرجه الحاكم (١/٥٣و٤/٢٤٠) ، والبيهقي في "الدلائل " (٢/٢٧٢) ،

стр. 5967

وأحمد (١/٢٤٢ و٣٤٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/١٥٢/١٢٧٣٦) من طرق منها: وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم (وفي رواية: أبي الحكم) السلمي عن ابن عباس قال: ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح محفوظ من حديث الثوري عن سلمة بن كهيل ". وهو كما قال، ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عمران أبي الحكم السلمي - وهو الصواب من الروايتين-؛ فهو من رجال مسلم، وكأن الحاكم ذهل عن ذلك؛ فإنه في الموضع الثاني اقتصر على قوله: "صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي! والصواب أنه صحيح على شرط مسلم. وقد أشار إلى هذا المنذري بقوله في "الترغيب " (٤/ ٧٥/ ١٢) : "رواه الطبراني، ورواته رواة (الصحيح) ". وكذا قال الهيثمي في "المجمع " (١٠/١٩٦) . وقد غفلا عن عزوه لأحمد- فضلاً عن الحاكم-، وهذا على شرط المنذري دون الهيثمي كما لا يخفى على العارفين بكتابيهما ومنهجيهما فيهما. والحديث أخرجه البزار في "مسنده " (٣/٥٥/٢٢٢٤- كشف الأستار) قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي: ثنا وكيع: ثنا سفيان ... بإسناده المتقدم؛ لكن بلفظ: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يحوّل الجبال عنهم حتى يزدرعوا، فقيل: إن شئت أن نؤتيهم الذي سألوه؛ فإن كفروا أهلكوا كما هلك

стр. 5968

من كان قبلهم، فأنزل الله ﵎: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة) !. قلت: وفي هذا السياق ما يخالف سياق حديث وكيع ومن معه زيادة ونقصاً، وهو من أخطاء (محمد بن يزيد الرفاعي) ؛ فإنه قد ضعفه جمع مع أنه من شيوخ مسلم، لكن الذين سبروا أحاديثه وتتبعوها؛ نسبوه إلى الخطأ والمخالفة، وإلى سرقة حديث غيره، انظر " التهذيب ". وهذا الحديث مما يؤكد ذلك؛ فإن حديث وكيع يختلف عن هذا زيادة ونقصاً كما رأيت، فهو إما أن يكون مما سرقه الرفاعي وألصقه بوكيع، وإما أن يكون وهم عليه فيه، وخالف أحمد وغيره في روايته عنه باللفظ المذكور أعلاه. وأصل حديث الرفاعي؛ إنما يعرف من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوه؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان قبلهم، [وإن شئت أن أستأني بهم؛ لعلنا نستحيي منهم] ، قال: "لا، بل أستأني بهم ". فأنزل هذه الآية ... " فذكرها. أخرجها النسائي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٨٠/١١٢٩٠) ، والحاكم (٢/٣٦٢) وابن جرير في "التفسير" (١٥/ ٧٤) ، والبيهقي أيضاً، وأحمد (١/٢٥٨) - والسياق له، والزيادة للحاكم وغيره-، والبزار أيضاً (٢٢٢٥) ، والضياء المقدسي في "المختارة" (١٠/٧٨- ٧٩- ط) . وقال الحاكم:

стр. 5969

"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي! وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ -من وجه صحيح إلا من هذا الوجه ". قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ فهو على شرطهما. (تنبيه) : لقد ساق الهيثمي في تفسير سورة الإسراء من "المجمع " (٧/٥٠) هذه الرواية أولاً، ثم أتبعها بقوله: "وفي رواية: فدعا فأتاه جبريل ... " فذكرها، وهي رواية عمران المتقدمة، ثم قال: "ورجال الروايتين رجال "الصحيح "، إلا أنه وقع في أحد طرقه: عمران بن الحكم، وهو وهم، وفي بعضها: عمران أبو الحكم- وهو ابن الحارث-، وهو الصحيح، ورواه البزار"! والمقصود أنه لم يذكر من أخرج الروايتين، فالظاهر أنه كان في الأصل: "رواه أحمد"؛ لأنه هو الذي أخرج الروايتين كما تقدم، فسقط ذلك من الناسخ أو الطابع. والله أعلم. ******* ٣٣٨٩ - (مَن أحسن فيما بقِيَ؛ غُفرَ له ما مضَى، ومن أَساءَ فيما بقيَ؛ أُخِذَ بما مضَى وما بقيَ) . أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٧/٤١٣/٦٨٠٢) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٨/٣٧٧) من طريقين عن سليمان بن عبد الرحمن قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن الوَضين بن عطاء عن يزيد بن مرثد عن أبي ذر قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره. وقال الطبراني:

стр. 5970

"لم يروه عن الوضين بن عطاء إلا يحيى بن حمزة ". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وسائر الرجال ثقات، وفي الوضين، وسليمان بن عبد الرحمن- وهو ابن بنت شرحبيل- كلام من جهة حفظهما , لا ينزل به حديثهما عن درجة الحسن. ولذلك قال المنذري في "الترغيب " (٤/٧٩) - وتبعه الهيثمي (١٠/٢٠٢) -: "رواه الطبراني بإسناد حسن ". ورواه الأصبهاني في "الترغيب " (١/٩٤/١٥١) مقطوعاً من قول الفضيل بن عياض، وفيه: ثم بكى الفضيل، فقال: أسال الله أن يجعلنا وإياكم ممن يحسن فيما بقي. وقد خفي رفعه على بعض المتأخرين، فقد أورده الشيخ العجلوني في "كشف الخفاء "، وقال (٢/٢٢٥) : "قال النجم: لم أجده في الحديث المرفوع، وإنما أخرجه الأصبهاني في "الترغيب " عن الفضيل بن عياض من قوله. وفي معناه ما أخرجه الشيخان وابن ماجه عن ابن مسعود ... "، ثم ذكر الحديث الآتي بعد هذا! وروى الدارمي في أول "سننه " (١/٣- ٤) من طريق أخرى عن الوَضين: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يوماً، فاتبعتني، فمررت حتى أتيت بئراً من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها؛ فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول:

стр. 5971

يا أبتاه! يا أبتاه! فبكى رسول الله ﷺ -حتى وَكَفَ دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء رسول الله- ﷺ : أحزنت رسول الله ﷺ -فقال له: "كف؛ فإنه يسأل عما أهمه ". ثم قال له: "أعد عليَّ حديثك "، فأعاده، فبكى حتى وَكَفَ الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: "إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف العمل ". ويشهد له حديث ابن مسعود الآتي: ******* ٣٣٩٠ - (مَن أحسنَ في الإِسلام، لم يُؤاخَذ بما عمِلَ في الجاهليّةِ، ومن أساءَ في الإِسلام؛ أُخِذَ بالأوّل والآخرِ) . أخرجه البخاري (٦٩٢١) ، ومسلم (١/٧٧- ٧٨) ، وأبو عوانة (١/٧١) والدارمي (١/٣) ، وابن ماجه (٤٢٤٢) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٢١١) ، والبيهقي في " السنن " (٩/١٢٣) ، و" الشعب " (١/٥٧/٢٣) ، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٠/٤٥٤/١٩٦٨٦) ، وأحمد (١/٤٠٩و٤٣١) من طريق منصور والأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: ... فذكره. ******* ٣٣٩١ - (نَعَم، تفعلُ الخيرات، وتتركُ السيئات، فيجعلُهنَّ اللهُ لكَ خيراتٍ كلَّهنَّ) . أخرجه البزار في "مسنده " (٤/٧٩-٨٠/٣٢٤٤- كشف الأستار) ، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني " (٥/١٨٨-١٨٩/٢٧١٨) ، ومن طريقه ابن الأثير في

стр. 5972

" أسد الغابة " (٢/٣٧٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٣٧٥-٣٧٦/٧٢٣٥) ، ومن طريقه أبو نعيم في ("معرفة الصحابة"/ شَطْب) من طريقين عن أبي المغيرة: ثنا صفوان بن عمرو: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير عن أبي طويل شَطب الممدود: أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها؛ فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجَةً إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: " فهل أسلمت؟ ". قال: أما أنا؛ فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، قال: ... فذ كره. قال: وغدراتي، وفجراتي؟ قال؛ "نعم ". قال: الله أكبر! فما زال يكبر حتى توارى. وأخرجه ابن عبد البر في "الاستيعاب " من طريق أبي علي سعيد بن عثمان بن سكن عن محمد بن هارون أبي نشيط- أحد الطريقين عن أبي المغيرة-. ثم قال: "قال أبو علي: لم أجد لشطب الممدود أبي طويل غير هذا الحديث ". قلت: وأما الحافظ؛ فنقل في "الإصابة" عن ابن السكن أنه قال: "لم يروه غير أبي نشيط " يعني: عن أبي المغيرة عن صفوان بن عمرو! فتعقبه الحافظ بقوله: "قلت: وهو حصر مردود، فقد أخرجه الطبراني من غير طريقه، وقال ابن منده: "غريب، تفرد به أبو المغيرة". قلت: هو على شرط "الصحيح "، وقد وجدت

стр. 5973

له طريقاً أخرى قال ابن أبي الدنيا في كتاب "حسن الظن " (١) : حدثنا عبيد الله بن جرير: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا نوح بن قيس عن أشعث بن جابر عن مكحول عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: إن شيخاً كبيراً أتى النبي فيما، وهو يدَّعم على عصا، فقال: يا نبي الله! إن لي غدرات وفجرات، فهل تُغفر لي؟ ... الحديث. وهذا ليس فيه [غير] انقطاع بين مكحول وعمرو بن عبسة". قلت: ولي هنا ملاحظات: الأولى: لعل الأولى أن يقال: وقد وجدت له شاهداً؛ لأنه أوضح للمراد كما هو ظاهر. الثانية: أنه قد أبعد النُّجعة في عزوه لابن أبي الدنيا، فأوهم أنه لم يروه من هو أعلى طبقة وأشهر! وليس كذلك، فقد أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٤/٣٨٥) : ثنا سُرَيجُ بن النعمان: ثنا نوح بن قيس به. الثالثة: أنه ليس فيه حديث الترجمة؛ خلافاً لما يوهمه قوله: ".. الحديث "! الرابعة: قوله: "ليس فيه غير انقطاع ... " يشعر أن رجاله ثقات، وأنه لولا الانقطاع كان صحيح الإسناد، فهذا يخالف قول شيخه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٣٢) : "رواه أحمد والطبراني، ورجاله موثقون؛ إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو ابن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا؟ ".

стр. 5974

قلت: هو معروف بالتدليس والإرسال، فما لم يصرح بالتحديث فهو منقطع، ولا سيما أن عمرو بن عبسة لم يذكر في جملة الصحابة الذين سمع منهم، على قلتهم. ثم إن قوله: "ورجاله موثقون " فيه نظر، لأنه يشعر بأن في بعضهم كلاماً، ولا شيء من ذلك، وبخاصة رجال إسناد أحمد؛ فإنهم ثقات كلهم، فعبارة الحافظ أدق وأصح. وقال الهيثمي في حديث الترجمة: "رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال "الصحيح "، غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة". وقال المنذري (٤/٨٠-٨١/٤١) : "رواه البزار، والطبراني- واللفظ له-، وإسناده جيد قوي، و (شَطب) قد ذكره غير واحد في (الصحابة) ؛ إلا أن البغوي ذكر في "معجمه " أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلاً: أن رجلاً أتى النبي- ﷺ -طويلاً شطباً ... و (الشطب) في اللغة: الممدود، فصحَّفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل. والله أعلم "! قلت: هذا الإعلال مردود؛ لأنه مجرد دعوى، وتوهيم للثقة بدون بينة أو حجة. والذي نقله الحافظ عن البغوي أنه قال: "أظن أن الصواب ... " وهذا أقرب إلى ما ذكرته. والله أعلم. * ٣٣٩٢ - (والله! للدُّنيا أهونُ على اللهِ من هذه السَّخلةِ على أهلِها، فلا أُلفينَّها أهلكت أحداً منكم) . أخرجه البزار في "مسنده " (٤/٢٦٨/٣٦٩٠- الكشف) : حدثنا محمد بن

стр. 5975

عامر: ثنا الربيع: حدثني محمد بن مهاجر عن يونس بن حَلبَسَ عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال: مر النبي ﷺ بِدِمنةِ قوم، فيها سخلة ميتة، فقال: "ما لأهلها فيها حاجة؟ ". قالوا: يا رسول الله! لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، فقال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين؛ غير محمد ابن عامر- وهو الأنطاكي-، روى عنه جماعة من الحفاظ منهم النسائي؛ وقال: "ثقة". وكذا قال الحافظ. والحديث ذكره المنذري في "الترغيب " (٤/١٠١/٣٩) من حديث أبي الدرداء، وقال: "رواه البزار، والطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر بنحوه، ورواتهما ثقات ". وكذا قال الهيثمي (١٠/٢٧٨) ؛ لكنه عزاه إلى "الأوسط " أيضاً، وهو عنده (٣/٤٣٣/٢٩٣٤) ، وفيه (سُقير) والد (بكار) ، ولم يوثقه غير ابن حبان (٤/٣٥٠) ، ولم يرو عنه غير ابنه، وليس فيه قوله: "فلا ألفينها.. " إلخ. والأحاديث بدون هذه الزيادة كثيرة عن جمع من الصحابة، خرجت طائفة منها في "الصحيحة" (٢٤٨٢) . ثم استدركت فقلت: قال البزار عقب الحديث: "قد روي هذا الحديث من وجوه، وأعلى من رواه أبو الدرداء، وإسناده صحيح شاميون، وفيه زيادة: "فلا ألفينها أهلكت أحداً منكم " ... ". *******

стр. 5976

٣٣٩٣ - (إنّ اللهَ ليبتَلي عبدَه بالسَّقمِ، حتّى يُكفِّر ذلكَ عنه كلَّ ذَنبٍ) . أخرجه الحاكم (١/٣٤٧- ٣٤٨) من طريق عبد الرحمن بن سلمان الحَجَرِيِّ عن عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال: "صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي! وأقره المنذري في "الترغيب " (٤/١٥٣/٦٣) ! فأقول: عبد الرحمن بن سلمان الحجري لم يخرج له البخاري مطلقاً، بل قال "فيه نظر". ووثقه غيره، وضعفه بعضهم، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث ". وفي " التقريب ": "لا بأس به ". فالإسناد حسن، وعلى شرط مسلم. وخالفه يعقوب بن عبد الرحمن- وهو ثقة من رجال الشيخين- فقال: عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرحمن بن الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره.

стр. 5977

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢/١٣٣/١٥٤٨) ، و"الأوسط " (٩/٣٤٠/٨٧٤٠) ، وقال: "لا يروى عن جبير بن مطعم إلا بهذا الإسناد". قلت: وهو ضعيف، عبد الرحمن هذا: هو ابن معاوية بن الحويرث؛ قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق، سيئ الحفظ ". وقال الهيثمي (٢/٣٠٢) : "رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط "، وفيه عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث، ضعفه ابن معين، ووثقه ابن حبان ". ومن طريق يعقوب: أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات " (١٠٧/٢٢٧) ؛ لكنه لم يقل: عن أبيه.. فأرسله. وتابعه عنده (١١٣/٢٤٨) عبد العزيز بن محمد عن عمرو به. أخرجه من طريق إبراهيم بن حمزة عنه. وإبراهيم هذا: هو الزبيري المدني، ثقة من شيوخ البخاري. وخالفه سليمان بن داود االمِنقَرِيِّ فقال: عن الدراوردي: أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً به. أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٥/٦١٥) . لكن سليمان هذا: هو الشاذكوني، متروك، رماه ابن معين بالكذب، وقال البخاري: "فيه نظر".

стр. 5978

وروي من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: "إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والهم والغم، حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفاة". أخرجه ابن عدي في "الكامل " (١/١٦٩- ١٧٠) من طريق أبي سمرة أحمد ابن سالم بن خالد بن جابر بن سمرة ... بسنده عنه. وقال: "أحمد بن سالم هذا كوفي ليس بالمعروف، وله أحاديث مناكير". وللحديث طريق آخر بسند حسن عن أبي هريرة سبق تخريجه برقم (٢٢٨٠) . ******* ٣٣٩٤ - (يا أيُّها النّاسُ! إن هذه الأمَّةَ تُبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفنَ فتفرَّق عنه أصحابُه؛ جاءه ملكٌ في يدهِ مِطراقٍ فأقعدَه، قال: ما تقولُ في هذا الرجلِ؟ فإن كان مؤمناً؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقولُ: صدقْتَ، ثم يُفتحُ له بابٌ إلى النار فيقول: هذا كان منزلَكَ لو كفرْتَ بربك؛ فأمّا إذ آمنتَ؛ فهذا منزلُكَ؛ فيُفتحُ له باب إلى الجنَّة، فيريدُ أن ينهض إليه، فيقول له: اسكنْ! ويُفسحُ له في قبره. وإن كان كافراً أو منافقاً؛ يقول له: ما تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فيقول: لا أدْري، سمعتُ النّاس يقولون شَيئاً، فيقول: لا دريْتَ ولا تليْتَ ولا اهتديْتَ! ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنّة، فيقول: هذا منزلُك لو آمنْتَ بربِّك، فأما إذ كفرتَ به، فإنّ الله أبدَلك به هذا، ويُفتحُ له باب إلى النّارِ، ثم يقمعهُ قَمْعة بالمطراقِ، يسمعُها خَلْقُ اللهِ كلّهم غيرَ الثّقلينِ.

стр. 5979

فقال بعضُ القومِ: يا رسولَ الله! ما أحد ٌيقوم عليه مَلَكٌ في يدهِ مطراقٌ إلا هَبِلَ عند ذلك؟! فقالَ رسول الله- ﷺ : (يثبتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت)) . أخرجه الإمام أحمد (٣/٣- ٤) : ثنا أبو عامر: ثنا عبَّاد بن راشد عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال رسول الله- ﷺ : ... فذكره. وكذلك أخرجه ابن جرير في "التفسير" (١٣/١٤٣) ، وابن أبي عاصم في "السنة " (٢/٤١٧-٤١٨/٨٦٥) ، والبزار (١/٤١٢-٤١٣) من طريقين آخرين عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو به. قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال المنذري (٤/١٨٣/١٠) ، وعزاه لأحمد. وقال الهيثمي (٣/٣٨) : "رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال (الصحيح) ". قلت: وفي عباد بن راشد كلام يسير لا يضر. وقد أشار لذلك ابن كثير بقوله في "تفسيره " عقب رواية أحمد (٢/٥٣٣) : "وهذا إسناد لا بأس به؛ فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقروناً، ولكن ضعفه بعضهم ". وقال الذهبي في "المغني ": " صد وق ". وكذا قال الحافظ في "التقريب "، وزاد: "وله أوهام ".

стр. 5980

ومن الغريب أنهما لم يشيرا إلى أنه مقرون عند البخاري، وقد صرح بذلك أصلهما "تهذيب الكمال " للحافظ المزي، بل صرح به الحافظ نفسه في "مقدمة الفتح "، بل أفاد أن له حديثاً واحداً في "الصحيح "؛ فقال بعد ذكر أقوال الأئمة فيه (ص ٤١٢) : "قلت: له في "الصحيح " حديث واحد في "تفسير سورة البقرة" بمتابعة يونس له عن الحسن البصري عن معقل بن يسار". قلت: وقوله في آخر الحديث: فقال بعض القوم ... لعلها عائشة، فقد روى البزار (١/٤١٠/٨٦٨) عنها قالت: قلت: يا رسول الله! أتبتلى هذه الأمة في قبورها، فكيف وأنا امرأة ضعيفة؟! قال: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) . ******* ٣٣٩٥ - (يُحشر النّاسُ على ثلاثِ طرائقَ: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثةٌ على بعير، وأربعةٌ على بعير، وعشرةٌ على بعير، ويَحشرُ بقيتَهم النّارُ، تقيلُ معهم حيثُ قالُوا، وتبيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتصبحُ معهم حيث أصبحُوا، وتُمسي معهم حيثُ أمسُوا) . أخرجه البخاري (٦٥٢٢) ، ومسلم (٨/١٥٧) ، والنسائي (١/٢٩٥) ، وابن حبان في "صحيحه " (٩/٢١٧/٧٢٩٢) ، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/٢٤٨/١٦٢٤٥) ، وابن أبي الدنيا في "الأهوال " (٢٣٩/٢٣٥) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (١/٣١٨/٣٥٩) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٦/٥٠/٥١٠٣) ، والبغوي

стр. 5981

في "التفسير" (٥/١٧٦) ، و"شرح السنة " (١٥/١٢٤-١٢٥/٤٣١٤) - وصححه- من طرق كثيرة عن وُهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. وقال الطبراني: "لم يروه عن ابن طاوس إلا وهيب وابن جريج، تفرد به حجاج الأعور عن ابن جريج ". قلت: ولم أقف على متابعة ابن جريج هذه. (تنبيه هام) : هكذا ثبت الحديث في المصادر المذكورة؛ إلا "سنن النسائي "؛ فإنه ساقه بزيادة: "يحشر الناس يوم القيامة "، فهي زيادة شاذة بلا شك، ومفسدة للمعنى أيضاً؛ فإن الركوب الوارد فيه ليس من أهوال يوم القيامة. ويعود الفضل في التنبيه على زيادة النسائي هذه إلى الحافظ إبراهيم الناجي في كتابه القيم "عجالة الإملاء" (ق٢٢٤/٢- ٢٢٥/١) ، وإن كان لم يصرح بشذوذها، ولكنه بحث في معنى الحديث، وحكى أقوال العلماء فيه، وجمع أطراف بعض الأحاديث التي تخالف الزيادة؛ وختم بحثه بقوله: "وهذا كله يدل على أن هذا في الدنيا قبل الآخرة. والله أعلم ". وهو في ذلك موافق لما انتهى إليه بحث شيخه ابن حجر في "الفتح " (١١/٣٧٩-٣٨٢) " فإنه أطال النفس جداً في حكاية أقوال العلماء المختلفة في ذلك ومناقشتها وبيان ما لها وما عليها، ورجح ما تقدم عن تلميذه؛ فليراجعه من شاء. بيد أن هذه الزيادة وقع لبعضهم أوهام حولها، فكان من المفيد بيانها، فأقول: أولاً: لقد ذكر الحديث الحافظ المنذري في "الترغيب " (٤/١٦٤/١٣) بهذه الزيادة معزوًّاً للشيخين! ولم يتنبه لذلك المعلقون الثلاثة- كعادتهم- فتابعوه في

стр. 5982

الوهم، وزادوا في الإيهام بأنهم عزوا الحديث إليهما بالأرقام! (انظر طبعتهم المنمقة ٤/٢٩٠) ! ثانياً: صرح بعض المحدثين بنسبة الزيادة إلى البخاري؛ حكاه الحافظ في "الفتح " (١١/٣٨٢) عن الطيبي أنه قال: "ثم رأيت في "صحيح البخاري " في "باب الحشر" (يعني: الذي فيه الحديث بالرقم المتقدم!) : "يحشر الناس يوم القيامة " ... "! ثالثاً: فردَّ عليه الحافظ، وعارضه، معقباً عليه بقوله: "قلت: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاري على لفظ: "يوم القيامة"؛ لا في "صحيحه " ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم والإسماعيلي وغيرهما؛ ليس فيه: يوم القيامة ". قلت: ففاتته رواية النسائي، فجل من أحاط بكل شيء علماً. ******* ٣٣٩٦ - (لو أنّ ما يُقِلُّ ظفرٌ ممّا في الجنّةِ بدَا؛ لتزخرفَت له خَوافقُ السماواتِ والأرضِ، ولو أنَّ رجُلاً من أهلِ الجنّةِ اطّلع فبدَا أساورُه؛ لطمسَ ضَوءَ الشّمسِ كما تطمسُ الشّمسُ ضَوءَ النُّجومِ) . هو من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وله عنه طريقان: الأولى: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وله عنه طريقان: ١- عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.

стр. 5983

أخرجه الترمذي (٢٥٤١) ، ونعيم بن حماد في "زوائد الزهد" (١٢٦/٤١٦) ، وأحمد (١/١٦٩و١٧١) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٩/٤٠٧/٨٨٧٥) ، والبغوي في "شرح السنة" (١٥/٢١٤/٤٣٧٧) من طرق، أحدها: عبد الله بن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر ... وقال الترمذي، والبغوي: "حديث غريب "! كذا وقع فيهما! ونقل المنذري في "الترغيب " عن الترمذي (٤/٢٧٧/٣) أنه قال: "حديث حسن غريب ". فزاد كلمة "حسن ". وهذا هو اللائق بحال إسناده؛ فإن رجاله ثقات كلهم رجال مسلم؛ غير ابن لهيعة، وحديثه صحيح إذا كان من رواية أحد العبادلة، وهذا منه كما ترى. ولقد كنت غفلت عن هذه الحقيقة في تعليقي على "المشكاة" (رقم ٥٦٣٧) ؛ لأسباب منها ما هو مذكور في المقدمة، وكان ذلك قبل نحو أربعين سنة، ولله عاقبة الأمور. ولقد قلدني في هذه الغفلة المعلقون الثلاثة على "الترغيب " (٤/٤٧٠) ، فضعفوا الحديث، مع أنهم يرون أنني صححته في "صحيح الجامع الصغير" (رقم ٥١٢٧/ الطبعة الأولى الشرعية) ، وقد ألفته بعد التأريخ المذكور ببضع سنين، وقد تنبه لهذا كله الأخ علي رضا في تعليقه على "صفة الجنة" (١/٨١) ؛ فأنصفني جزاه الله خيراً، ولم يستغل الغفلة كما يفعل كثير من المبتدعة، وبعض الحاسدين الحاقدين الجهلة. وإن من جهل أولئك الثلاثة وتقليدهم، وعدم استفادتهم مما ينقلونه بواسطة الفهارس: أنهم عزوه بواسطة " الموسوعة " إلى " البخاري في " التاريخ الكبير"

стр. 5984

(٦/٢٠٨) "، وسكتوا! مع أنه عنده من غير طريق ابن لهيعة بإسناد جيد، وبمتابعة قوية لعامر بن سعد كما سيأتي بيانه! ٢- قال البخاري في الموضع المشار إليه آنفاً من "التاريخ ": وقال ابن وهب: أخبرنا عمرو أن سليمان بن حميد حدثه أن عامر بن سعد بن أبي وقاص- قال سليمان: لا أعلمه إلا- عن أبيه عن النبي- ﷺ . وقد وصله أبو نعيم في "صفة الجنة" (١/٨٠/٥٧) من طريق حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون رجاله مسلم؛ غير سليمان بن حميد- وهو المزني-، وثقه ابن حبان (٦/٣٨٥) ، وأخرج له في "صحيحه "، وروى عنه سبعة من الثقات، وقد ترجمه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٢٢/٢٢٠-٢٢٢) وذكر أنه مدني سكن دمشق، وروى له ابن حبان في "صحيحه "، وانظر "تيسير الانتفاع ". وقد خفيت هذه الحقائق على الأخ (علي رضا) ؛ فجزم بأنه مجهول! والطريق الأخرى: قال البخاري أيضاً: قال محمد بن المثنى: حدثنا وهب ابن جرير: حدثنا أبي: سمعت يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن عمر عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي- ﷺ ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد أيضاً، رجاله ثقات رجال الشيخين! غير عمر- وهو ابن سعد بن أبي وقاص-، قال الذهبي في "الميزان ": "هو في نفسه غير متهم؛ لكنه باشر قتال الحسين، وفعل الأفاعيل ". قلت: ومع ذلك وثقه العجلي. وقال الحافظ: " صد وق ". *******

стр. 5985

٣٣٩٧ - (مرحباً بطَالبِ العلمِ، [إن] طالبَ العِلم لتحفُّه الملائكةُ وتظلٌّه بأجنحتِها، ثمّ يركبُ بعضُهم بعضاً، حتّى يبلغُوا السَّماء الدُّنيا؛ من حبِّهم لما يَطلُب) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٦٤/٧٣٤٧) ، وابن عدي في "الكامل " (٦/٣٣١) ، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (١/٣٢) عن الصَّعق ابن حزن: ثنا علي بن الحكم البُناني عن المنهال بن عمرو عن زِرِّ بن حُبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدث صفوان بن عَسال المرادي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو متكئ في المسجد على برد له [أحمر] ، فقلت له: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال: ... فذكره. قال: قال صفوان: يا رسول الله! لا نزال نسافر بين مكة والمدينة، فأفتنا عن المسح على الخفين؟! فقال له رسول الله عن: "ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم ". قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال "الصحيح "، وفي بعضهم كلام لا يضر. وقال المنذري في "الترغيب " (١/٥٤/٤) : "رواه أحمد، والطبراني بإسناد جيد- واللفظ له- وابن حبان في "صحيحه "، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد" ... ". قلت: أخرجه الحاكم (١/١٠٠-١٠١) من طرق عن زر بن حبيش، منها طريق الصعق هذه، ولكنه لم يسق لفظه، وذكر في إسناده عبد الله بن مسعود، ولم يذكره في رواية أخرى له من طريق (عارم) ، وهي رواية ابن عبد البر، وهي أصح

стр. 5986

لموافقتها لرواية أحمد (٤/٢٣٩و٢٤٠) التي أشار إليها المنذري، ومثلها رواية ابن حبان (٤٨/٧٩) من طريق عاصم عن زر عن صفوان به نحوه. وتابعه عبد الوهاب بن بَخت عن زر به نحوه. أخرجه الحاكم- وصححه-، ووافقه الذهبي. وقصة توقيت المسح على الخفين معروفة في "السنن " من طريق عاصم، وهي مخرجة في " الإرواء " (١/١٤٠- ١٤١) . ثم إن الحديث قال الهيثمي في "المجمع " (١/١٣١) : "رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله رجال (الصحيح) ". وفي الوصية بطالب العلم والترحيب به حديث آخر يشبه هذا من حديث أبي سعيد الخدري، تقدم تخريجه برقم (٢٨٠) . * ٣٣٩٨ - (من توضَّأَ فأحسنَ وضوءَه، ثمّ قامَ فصلّى ركعتين- أو أربعاً؛ شكَّ سهلٌ-، يُحسنُ فيها الذِّكر والخُشوعَ، ثم استغفرَ الله؛ غُفِرَ له) أخرجه أحمد في "المسند" (٦/ ٤٥٠) : ثنا أحمد بن عبد الملك: حدثني سهل بن أبي صدقة قال: حدثني كثير بن الفضل الطَّفاوي: حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قُبض فيه، فقال لي: يا ابن أخي! ما أعمدك إلى هذا البلد، أو ما جاء بك؟ قال: قلت: لا؛ إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام، فقال أبو الدرداء: بئس ساعة الكذب هذه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.

стр. 5987

قال عبد الله بن أحمد عقبه: "وثناه سعيد بن أبي الربيع السمان، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل الهُنائي ... ". قال عبد الله: "وأحمد بن عبد الملك وهم في اسم الشيخ فقال: (سهل بن أبي صدقة) ، وإنما هو (صدقة بن أبي سهل الهنائي) ". قلت: وهذا هو الصواب؛ لأن سعيد بن أبي الربيع السمان- مع كونه ثقة (انظر الحديث المتقدم ٣١٥٤) -؛ فقد تابعه غير واحد، فقال البخاري في "التاريخ" (٢/٢/٢٩٧/٢٨٩١) تحت ترجمة (صدقة بن أبي سهل البصري) : "سمع كثيراً أبا الفضل، روى عنه مسلم بن إبراهيم وقتيبة. قال أبو كامل: نا صدقة: نا كثير عن يوسف بن عبد الله بن سلام: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي مات فيه ". وأبو كامل هذا؛ يغلب على ظني أنه فضيل بن حسين الجَحدري الثقة، فقد ذكر المزي في ترجمته أنه: "روى عنه البخاري تعليقاً، ومسلم، و.. و.. ". (١) وتابعه أيضاً خالد بن خِداش، وهو ثقة أيضاً من شيوخ مسلم، فقال الطبراني في "المعجم الأوسط " (٦/١٤/٥٠٢٢) : حدثنا محمد بن النضر الأزدي قال: حدثنا خالد بن خِداش قال: حدثنا صدقة بن أبي سهل أبو سهل الهُنائي قال: حدثني كثير أبو الفضل عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال:

стр. 5988

أتيت أبا الدرداء وهو بالشام، فقال: ما جاء بك يا بني! إلى هذه البلدة، وما عناك إلى ذلك (١) ؟ قلت: ما جاء بي إلا صلة ما كان بينك وبين أبي، فأخذ بيدي فأجلسني، فساندته، ثم قال: بئس ساعة الكذب على رسول الله ﷺ ، سمعت النبي ﷺ -يقول: "ما من مسلم يذنب ذنباً، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين، أو أربعاً، مفروضة أو غير مفروضة، ثم يستغفر الله؛ إلا غفر الله له " (٢) . وقال: "لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به صدقة ابن أبي سهل ". قلت: وهو ثقة على ما يأتي بيانه، وسائر رجاله ثقات، فهو إسناد صحيح. وقال المنذري في "الترغيب " (١/١٠٦و ١٤٦) : "رواه أحمد بإسناد حسن ". وقال الهيثمي (٢/٢٧٨- ٢٧٩) - وتبعه الحافظ العسقلاني في "نتائج الأفكار" (٢/٢٢٩) -: "رواه أحمد والطبراني في "الكبير".. وإسناده حسن ". ثم نسي الهيثمي هذا في موضعين آخرين! فقال (١٠/٢٠٧) :

стр. 5989

"رواه أحمد، وفيه من لم أعرفه "! وهو يشير إلى (صدقة) ! فقد قال (١/٣٠١) : "رواه الطبراني في "الأوسط "، وقال: "تفرد به صدقة بن أبي سهل ". قلت: ولم أجد من ذكره "! قلت: وهذا من غرائبه؛ فإنه مترجم عند البخاري- وتقدمت عبارته- وغيره ممن جاء بعده، ومنهم ابن حبان في "ثقاته "، الذي كان الهيثمي نفسه قد رتبه؛ ثم نسي! وجل من لا ينسى. ولكنهم جَرَوْا على التفريق بين صدقة بن أبي سهل البصري- راوي هذا الحديث عند البخاري كما تقدم-، وبين الذي قبله عنده، قال: "صدقة أبو سهل الهنائي، سمع عتبة (١) ، وابن سيرين، وأبا عمرو الجملي- قال عبد الصمد: هو القطان-. روى عنه موسى، يعد في البصريين ". وتبعه على التفريق ابن أبي حاتم (٢/١/٤٣١و٤٣٤/١٩٠٧) لكنه في كل من الترجمتين وقع عنده (صدقة أبو سهل الهنائي) ! ونظر فيه محققه اليماني ﵀، ومال إلى أن الصواب ما في "التاريخ ": "صدقة بن أبي سهل " يعني: البصري. وكذلك عزاه في "التعجيل " إلى ترجمة البخاري، وتبعه في التفريق ابن حبان أيضاً، فأوردهما في طبقة (أتباع التابعين) (٦/٤٦٨) ، وانتصر لهم الحافظ، وختم كلامه بقوله: "وصنيع الحسيني يقتضي أنهما واحد؛ وليس كذلك؛ فإنه ذكر في ترجمة

стр. 5990

(سهل بن أبي صدقة) أنه هُنائي، وأن ابن معين وثقه. وإنما قال ابن معين: صدقة أبو سهل الهنائي؛ ثقة". قلت: لم أجد فيما ذكر الحافظ- فضلاً عمن تقدمه- ما يدل على التفريق المذكور؛ سوى اختلاف شيوخ المترجمين والرواة عنهما، وهذا لا يكفي في ذلك، ولا سيما وكلاهما بصري؛ كما صرح البخاري، ومن طبقة واحدة؛ كما عند ابن حبان، وبخاصة أن ابن أبي حاتم ذكر في كل منهما أنه (أبو سهل الهُنائي) ، فالظاهر أنهما واحد؛ كما ذهب إليه الحسيني. وإن مما يؤيد ذلك أن أبا أحمد الحاكم في "الكنى"، والذهبي في "المقتنى" ذكرا في كنية (أبي سهل) : صدقة الهنائي الراوي عن ابن سيرين وعنه موسى بن إسماعيل. وقد مر بك في رواية "الأوسط " التصريح بأن الراوي هنا عن كثير أبي الفضل: هو (صدقة بن أبي سهل أبو سهل الهنائي) ، فهذا يدل على أن (صدقة أبا سهل) يروي أيضاً عن كثير أبي الفضل كما روى عن ابن سيرين. وعليه؛ فيكون قد روى عن صدقة جماعة من الثقات، وهم: ١- مسلم بن إبراهيم الفراهيدي. ٢- قتيبة بن سعيد. ٣- أبو كامل الجَحدري. ٤- موسى بن إسماعيل. ٥- أحمد بن عبد الملك. ٦- سعيد بن أبي الربيع السمان.
следующие страницы →