لموافقتها لرواية أحمد (٤/٢٣٩و٢٤٠) التي أشار إليها المنذري، ومثلها رواية ابن حبان (٤٨/٧٩) من طريق عاصم عن زر عن صفوان به نحوه.
وتابعه عبد الوهاب بن بَخت عن زر به نحوه.
أخرجه الحاكم- وصححه-، ووافقه الذهبي.
وقصة توقيت المسح على الخفين معروفة في "السنن " من طريق عاصم، وهي مخرجة في " الإرواء " (١/١٤٠- ١٤١) .
ثم إن الحديث قال الهيثمي في "المجمع " (١/١٣١) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله رجال (الصحيح) ".
وفي الوصية بطالب العلم والترحيب به حديث آخر يشبه هذا من حديث أبي سعيد الخدري، تقدم تخريجه برقم (٢٨٠) . *
٣٣٩٨ - (من توضَّأَ فأحسنَ وضوءَه، ثمّ قامَ فصلّى ركعتين- أو أربعاً؛ شكَّ سهلٌ-، يُحسنُ فيها الذِّكر والخُشوعَ، ثم استغفرَ الله؛ غُفِرَ له)
أخرجه أحمد في "المسند" (٦/ ٤٥٠) : ثنا أحمد بن عبد الملك: حدثني سهل بن أبي صدقة قال: حدثني كثير بن الفضل الطَّفاوي: حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام قال:
أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قُبض فيه، فقال لي: يا ابن أخي! ما أعمدك إلى هذا البلد، أو ما جاء بك؟ قال: قلت: لا؛ إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام، فقال أبو الدرداء: بئس ساعة الكذب هذه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
стр. 5987
قال عبد الله بن أحمد عقبه:
"وثناه سعيد بن أبي الربيع السمان، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل الهُنائي ... ".
قال عبد الله: "وأحمد بن عبد الملك وهم في اسم الشيخ فقال: (سهل بن أبي صدقة) ، وإنما هو (صدقة بن أبي سهل الهنائي) ".
قلت: وهذا هو الصواب؛ لأن سعيد بن أبي الربيع السمان- مع كونه ثقة (انظر الحديث المتقدم ٣١٥٤) -؛ فقد تابعه غير واحد، فقال البخاري في "التاريخ" (٢/٢/٢٩٧/٢٨٩١) تحت ترجمة (صدقة بن أبي سهل البصري) :
"سمع كثيراً أبا الفضل، روى عنه مسلم بن إبراهيم وقتيبة.
قال أبو كامل: نا صدقة: نا كثير عن يوسف بن عبد الله بن سلام: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي مات فيه ".
وأبو كامل هذا؛ يغلب على ظني أنه فضيل بن حسين الجَحدري الثقة، فقد ذكر المزي في ترجمته أنه:
"روى عنه البخاري تعليقاً، ومسلم، و.. و.. ". (١)
وتابعه أيضاً خالد بن خِداش، وهو ثقة أيضاً من شيوخ مسلم، فقال الطبراني في "المعجم الأوسط " (٦/١٤/٥٠٢٢) : حدثنا محمد بن النضر الأزدي قال: حدثنا خالد بن خِداش قال: حدثنا صدقة بن أبي سهل أبو سهل الهُنائي قال: حدثني كثير أبو الفضل عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال:
стр. 5988
أتيت أبا الدرداء وهو بالشام، فقال: ما جاء بك يا بني! إلى هذه البلدة، وما عناك إلى ذلك (١) ؟ قلت: ما جاء بي إلا صلة ما كان بينك وبين أبي، فأخذ بيدي فأجلسني، فساندته، ثم قال: بئس ساعة الكذب على رسول الله ﷺ ، سمعت النبي ﷺ -يقول:
"ما من مسلم يذنب ذنباً، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين، أو أربعاً، مفروضة أو غير مفروضة، ثم يستغفر الله؛ إلا غفر الله له " (٢) . وقال:
"لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به صدقة ابن أبي سهل ".
قلت: وهو ثقة على ما يأتي بيانه، وسائر رجاله ثقات، فهو إسناد صحيح. وقال المنذري في "الترغيب " (١/١٠٦و ١٤٦) :
"رواه أحمد بإسناد حسن ".
وقال الهيثمي (٢/٢٧٨- ٢٧٩) - وتبعه الحافظ العسقلاني في "نتائج الأفكار" (٢/٢٢٩) -:
"رواه أحمد والطبراني في "الكبير".. وإسناده حسن ".
ثم نسي الهيثمي هذا في موضعين آخرين! فقال (١٠/٢٠٧) :
стр. 5989
"رواه أحمد، وفيه من لم أعرفه "!
وهو يشير إلى (صدقة) ! فقد قال (١/٣٠١) :
"رواه الطبراني في "الأوسط "، وقال: "تفرد به صدقة بن أبي سهل ". قلت: ولم أجد من ذكره "!
قلت: وهذا من غرائبه؛ فإنه مترجم عند البخاري- وتقدمت عبارته- وغيره ممن جاء بعده، ومنهم ابن حبان في "ثقاته "، الذي كان الهيثمي نفسه قد رتبه؛ ثم نسي! وجل من لا ينسى.
ولكنهم جَرَوْا على التفريق بين صدقة بن أبي سهل البصري- راوي هذا الحديث عند البخاري كما تقدم-، وبين الذي قبله عنده، قال:
"صدقة أبو سهل الهنائي، سمع عتبة (١) ، وابن سيرين، وأبا عمرو الجملي-
قال عبد الصمد: هو القطان-. روى عنه موسى، يعد في البصريين ".
وتبعه على التفريق ابن أبي حاتم (٢/١/٤٣١و٤٣٤/١٩٠٧) لكنه في كل من الترجمتين وقع عنده (صدقة أبو سهل الهنائي) ! ونظر فيه محققه اليماني ﵀، ومال إلى أن الصواب ما في "التاريخ ": "صدقة بن أبي سهل " يعني: البصري. وكذلك عزاه في "التعجيل " إلى ترجمة البخاري، وتبعه في التفريق ابن حبان أيضاً، فأوردهما في طبقة (أتباع التابعين) (٦/٤٦٨) ، وانتصر لهم الحافظ، وختم كلامه بقوله:
"وصنيع الحسيني يقتضي أنهما واحد؛ وليس كذلك؛ فإنه ذكر في ترجمة
стр. 5990
(سهل بن أبي صدقة) أنه هُنائي، وأن ابن معين وثقه. وإنما قال ابن معين: صدقة أبو سهل الهنائي؛ ثقة".
قلت: لم أجد فيما ذكر الحافظ- فضلاً عمن تقدمه- ما يدل على التفريق المذكور؛ سوى اختلاف شيوخ المترجمين والرواة عنهما، وهذا لا يكفي في ذلك، ولا سيما وكلاهما بصري؛ كما صرح البخاري، ومن طبقة واحدة؛ كما عند ابن حبان، وبخاصة أن ابن أبي حاتم ذكر في كل منهما أنه (أبو سهل الهُنائي) ، فالظاهر أنهما واحد؛ كما ذهب إليه الحسيني. وإن مما يؤيد ذلك أن أبا أحمد الحاكم في "الكنى"، والذهبي في "المقتنى" ذكرا في كنية (أبي سهل) : صدقة الهنائي الراوي عن ابن سيرين وعنه موسى بن إسماعيل. وقد مر بك في رواية "الأوسط " التصريح بأن الراوي هنا عن كثير أبي الفضل: هو (صدقة بن أبي سهل أبو سهل الهنائي) ، فهذا يدل على أن (صدقة أبا سهل) يروي أيضاً عن كثير أبي الفضل كما روى عن ابن سيرين.
وعليه؛ فيكون قد روى عن صدقة جماعة من الثقات، وهم:
١- مسلم بن إبراهيم الفراهيدي.
٢- قتيبة بن سعيد.
٣- أبو كامل الجَحدري.
٤- موسى بن إسماعيل.
٥- أحمد بن عبد الملك.
٦- سعيد بن أبي الربيع السمان.
стр. 5991
٧- خالد بن خِداش.
٨- ومحمد بن معاذ العنبري.
٩- ومعاوية بن الحارث بن شيطا.
١٠- وداود بن منصور المِصِّيصِيُّ.
فخذها فائدة محررة لا تجدها في مكان آخر، ومن تمامها أن توثيق ابن معين
إياه ينبئ عن بالغ معرفته بالرجال. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(تنبيه) : وقع في كل المصادر المتقدمة: (صدقة بن أبي سهل) ومنها رواية عبد الله بن أحمد عن سعيد بن أبي الربيع، فخطأها الحافظ، فقال في "التعجيل "
(ص٣٥٠) :
"كذا وقع عنده! والصواب: عن (صدقة أبي سهل) ، و (أبو سهل) كنيته، لا كنية أبيه، واسم أبيه (سهل) ، فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه. وقد أخرج حديثه المذكور في "المسند"، والطبراني في "الدعاء".. "، فذكر أنه فيه: "صدقة بن سهل الهنائي "!
فأقول: هذا مخالف لما في "الدعاء" المطبوع كما تقدم، ولما في "المسند" معاً، وكذلك هو مخالف لترجمته المتقدمة عند البخاري، ولرواية "الأوسط " التي فيها الرد الصريح عليه: "صدقة بن أبي سهل أبو سهل "؛ فهو ممن وافقت كنيته كنية أبيه لا اسم أبيه. فأتعجب من جزم الحافظ بالخطأ المذكور مع مخالفته لهذه المصادر، ودون أن يذكر حجته في ذلك! نعم، قد وقع في "ثقات ابن حبان " المطبوع: (صدقة بن سهل) ، وأنا أجزم بخطئه لمخالفته لما ذكرت، فتحرفت أداة الكنية: (أبو) إلى: (ابن) أو سقطت من الناسخ، فيكون الصواب: (صدقة أبو
стр. 5992
سهل) أو (صدقة بن [أبي] سهل) ولعله أقرب، وهكذا صححته في كتابي الجديد "تيسير الانتفاع ". والله أعلم.
ومن الأوهام " قول الدكتور محمد البخاري في تعليقه على "الدعاء"؛ فإنه بعد أن عزا الحديث لأحمد، قال:
"وقال: ثناه سعيد بن الربيع ... "!
وهذا من رواية ابنه عبد الله، فالظاهر أنه سقط ذكره من قلمه.
ثم إن الحديث قد روي عن يوسف بن عبد الله بن سلام من طريق أخرى وبلفظ آخر فوجب بيان حاله.
قال الإمام أحمد (٦/٤٤٢-٤٤٣) : ثنا محمد بن بكر قال: ثنا ميمون- يعني: أبا محمد المرائي التميمي- قال: ثنا يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال:
صحبت أبا الدرداء أتعلم منه، فلما حضره الموت قال: آذنِ الناس بموتي، فآذنت الناس بموته، فجئت وقد ملئ الدار وما سواه، قال: أخرجوني، فأخرجناه، قال: أجلسوني، قال: فأجلسناه، قال: يا أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ -يقول:
"من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى ركعتين يتمهما؛ أعطاه الله ما سأل معجلاً أو مؤخراً ". قال أبو الدرداء:
يا أيها الناس! إياكم والالتفات في الصلاة؛ فإنه لا صلاة للملتفت، فإن غُلبتم في التطوع؛ فلا تغلبن في الفريضة.
стр. 5993
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، غير ميمون أبي محمد المرائي؛ فإنه مجهول؛ قال ابن معين عنه:
" لا أعرفه ".
قال ابن عدي في "الكامل " (٦/٤١٦) - بعد أن روى هذا عن يحيى بن معين-: "وإذا لم يعرفه يحيى؛ يكون مجهولاً ".
وقال الهيثمي في "المجمع " (٢/٢٧٨) :
"رواه أحمد، والطبراني في "الكبير"، وفيه ميمون أبو محمد؛ قال الذهبي: لا يعرف ".
ولهذا أشار المنذري في "الترغيب " (١/١٩١) إلى ضعفه، لكنه عزاه للطبراني وحده في "الكبير" وعقبه بقوله:
"وفي رواية له أيضاً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قام في الصلاة فالتفت؛ رد الله عليه صلاته " ... ".
وقال الهيثمي في هذه الرواية (٢/٨١) :
"وفيه يوسف بن عطية، وهو ضعيف ".
قلت: بل هو ضعيف جداً، قال الحافظ:
" متروك ".
قلت: ومما عرفت من حال (المَرائي) هذا؛ يتبين لك خطأ السيوطي في تحسينه لإسناده في "اللآلىء " (٢/٤٧) . *
стр. 5994
٣٣٩٩ - (مَن بنَى مسجداً لا يريد به رِياءً ولا سُمعةً؛ بنى اللهُ له بيتاً في الجنة) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٨/٥/٧٠٠١) من طريق محمد بن عيسى بن سُمَيع عن المثنى بن الصَّبَّّاح عن عطاء عن عائشة عن النبي- ﷺ : ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن المثنى إلا محمد بن عيسى، تفرد به هشام بن عمار، ولم يروه عن عطاء عن عائشة إلا كثير بن عبد الرحمن الكوفي، والمثنى بن الصباح ".
قلت: قال الذهبي في "الكاشف " في المثنى:
"قال أبو حاتم وغيره: لين الحديث ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"ضعيف اختلط بأخرة".
قلت: فمثله يستشهد به إن شاء الله، وقد أشار إلى ذلك ابن معين فقال:
"يكتب حديثه ولا يترك ".
ومثله الراوي عنه محمد بن عيسى بن سميع، فقد قال الذهبي في "المغني ":
"قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال ابن عدي: لا بأس به ".
وأما هشام بن عمار؛ فثقة من شيوخ البخاري، وفيه كلام معروف.
وأما كثير بن عبد الرحمن الكوفي الذي ذكره الطبراني متابعاً لابن الصباح؛ فهو العامري المؤذن، فقد ساق حديثه الطبراني في "الأوسط " أيضاً (٧/٣٠٤/٦٥٨٢)
стр. 5995
من طريق قيس بن الربيع عنه عن عطاء عن عائشة به دون قوله:
".. لا يريد به رياء ولا سمعة".
وقال:
"لم يروه عن عطاء إلا كثير بن عبد الرحمن ".
كذا قالت! وهو مخالف لروايته المتقدمة، ولما عقب عليها، من متابعة المثنى لكثيرهذا.
وقيس بن الربيع ضعيف؛ لكنه قد توبع من قبل عبيد الله بن موسى: حدثنا كثير بن عبد الرحمن به وزاد:
قلت: يا رسول الله! وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: "وتلك ".
أخرجه البخاري في " التاريخ " (١/١/٣٣٢) - ولم يذكر الزيادة-، والبزار في "مسنده " (١/٢٠٥/٤٠٤) ، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/٣/١٥٥٤) ، والبيهقي في "الشعب " (٣/٨١/٢٩٣٩) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/١٣/١٥٥٦) .
وتابعه آخران عند ابن أبي شيبة (١/٣١٠) . وقال العقيلي:
"كثير لا يتابع عليه. وهذا يروى بغير هذا الإسناد بإسناد أصلح من هذا".
قلت: يعني دون هذه الزيادة، ودون زيادة (الرياء) أيضاً، وذلك عن جماعة من الصحابة، منهم عثمان بن عفان ﵁، وحديثه في "الصحيحين " وغيرهما، وهو مخرج مع غيره في "الروض النضير" (٨٨٣و٩٥٣و٩٥٤) ؛ ولفظه: "من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة".
стр. 5996
فقوله: "لله "؛ أي: مخلصاً له، فهو شاهد قوي لقوله:
"لا يريد به رياء ولا سمعة".
وبمعناه حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ:
"من بنى مسجداً يراه الله؛ بنى الله له بيتاً في الجنة ... " الحديث.
أخرجه الطبراني في "الأوسط " أيضاً (٩/٢١٦/٨٤٧١) من طريق عمران بن عبيد الله- مولى عبيد الصِّيد- قال: سمعت الحكم بن أبان يحدث عن عكرمة عن ابن عباس ...
قال الهيثمي (٢/٨) في عمران هذا:
"ذكره البخاري في "تاريخه "، وقال: "فيه نظر"، وضعفه ابن معين أيضاً، وذكره ابن حبان في (الثقات) ".
وقال في تخريج حديث عائشة الذي قبله:
"رواه البزار، والطبراني في "الأوسط "- باختصار- وفيه كثير بن عبد الله، ضعفه العقيلي، وذكره ابن حبان في (الثقات) ".
وسكت عنه ابن أبي حاتم (٣/١/٣٠١) .
والخلاصة: أن الحديث حسن أو صحيح بهذه الشواهد. والله أعلم. *
٣٤٠٠ - (إنّه ليسَ من مصلٍّ إلا وهو يناجِي ربَّه؛ فلا يجهر بعضُكم على بعضٍ بالقراءَةِ) .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٢/٢٦٤/٣٣٦٠) ، وابن عبد البر في
стр. 5997
"التمهيد" (٣٢/٣١٧و٣١٨) من طرق عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار من بني بَياضة: أنه سمع رسول الله- ﷺ -وهو مجاور في المسجد يوماً-؛ فوعظ الناس وحذرهم ورغبهم، ثم قال: ... فذكره.
ثم رواه النسائي من طرق أخرى عن محمد بن إبراهيم مختصراً ومطولاً، ومرسلاً ومتصلاً.
وهذا إسناد متصل صحيح؛ كما قال ابن عبد البر؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وقد رواه مالك في "الموطأ" (١/١٠١-١٠٢) ، وعنه أحمد (٤/٣٤٤) عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي حازم التمار عن البياضي: أن رسول الله- ﷺ ... الحديث.
ورواه عبد ربه بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم به، وعن محمد ابن إبراهيم عن غير أبي حازم، على وجوه ذكرتها قديماً في "الصحيحة" (١٥٩٧) ، فأعللته باضطراب (عبد ربَّه) ، وبأن البياضي لم يسم؛ فهو مجهول، لكني صححت الحديث هناك بشاهده من حديث أبي سعيد الخدري المخرج في "صحيح أبي داود" برقم (١٢٠٣) . ومع ذلك استدرك علي بعض الإخوان- جزاه الله خيراً- بحديث مالك المذكور هنا عن البياضي، وأنه يدفع الاضطراب الذي في حديث عبد ربه، ويرجح روايته عن محمد عن أبي سلمة عن البياضي.
وهذا صحيح، ولكنه أخطأ في قوله: إن البياضي هذا هو (سلمة بن صخر البياضي) الذي ظاهر من امرأته! فإنهم ذكروا أنه ليس له من الحديث إلا حديث المظاهرة. وقد قال ابن عبد البر تحت حديث مالك:
стр. 5998
"وأما البياضي؛ فيقولون: اسمه (فروة بن عمرو بن وَدقَة) .. فَخِذٌ من الخزرج ".
وجزم بهذا في ترجمة (فروة..) من "الاستيعاب "، وقال:
"ولم يختلف في اسم البياضي هذا".
قلت: وسواء ثبت هذا أم لا؛ فإن المهم أن نتأكد من كون راوي هذا الحديث عنه- ﷺ صحابياً، وليس تابعياً مجهولاً، كما كنت ذكرت هناك. فلما ورد علي الاستدراك المشار إليه؛ حفزني إلى أن أتتبع الموضوع من جديد، ولا سيما وقد ساعد على ذلك صدور بعض الأصول الحديثية التي لم تكن مطبوعة من قبل، فوجدت تصريح البياضي بسماعه الحديث من النبي ﷺ ، فهو صحابي؛ سواء علينا أعرفنا اسمه أم لم نعرف؛ لأن أصحاب النبي ﷺ كلهم عدول، فهم من هذه الحيثية يختلفون عمن بعدهم، كما هو مقرر عند أهل السنة، خلافاً للمبتدعة والرافضة، وهذا هو الوجه لإخراج إمام السنة لحديث البياضي هذا في "مسنده " ولغيره. والله ولي التوفيق. *
٣٤٠١ - (إنّ للمساجدِ أوتاداً، الملائكةُ جلساؤُهم، إن غابُوا يفتقدُونهم، وإن مرضُوا عادُوهم، وإن كانُوا في حاجة أعانُوهم. وقال: جليسُ المسجدِ على ثلاثِ خصالٍ: أخٍ مستفادٍ، أو كلمةِ حكمةٍ، أو رحمةٍ مُنتَظرةٍ)
أخرجه الإمام أحمد (٢/٤١٨) : ثنا قتيبة قال: حدثني ابن لهيعة عن دراج عن ابن حُجيرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ -قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ فإن دراجاً مستقيم الحديث إلا ما كان عن أبي
стр. 5999
الهيثم؛ كما قال أبو داود، وتبعه الحافظ؛ وهو الذي اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر أخيراً، كما كنت بينته تحت الحديث المتقدم (٣٣٥٠) ، وابن حجيرة هو الأكبر، واسمه عبد الرحمن؛ وهو ثقة من رجال مسلم، وكأنه لما ذكرت أعله المنذري بقوله (١/١٣٢) :
"رواه أحمد من رواية ابن لهيعة".
مشيراً إلى ما فيه من الضعف. وصرح بذلك الهيثمي فقال (٢/٢٢) :
"رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام ".
فلم يعلاه بـ (دراج) ، وما ذلك إلا لما تقدم. والله أعلم.
وأما إعلالهما إياه بـ (ابن لهيعة) ؛ فقد سلكوا فيه الجادة، ولم يتنبهوا أنه من رواية قتيبة- وهو ابن سعيد المصري-، وروايته عنه صحيحة كرواية العبادلة عنه؛ كما تقدم التنبيه على ذلك غير ما مرة.
وله شاهد قوي من حديث عبد الله بن سلام قال: ... فذكره موقوفاً؛ ليس فيه رفعه، ولكنه في حكمه؛ لأنه لا يقال بالرأي، وليس فيه:
"جليس المسجد ... " إلخ.
أخرجه الحاكم (٢/٣٩٨) من طريق الحسن بن مُكرَم البزاز: أنبأ يزيد بن هارون: أنبأ أبو غسان محمد بن مُطَرِّف الليثي: ثنا أبو حازم عن سعيد بن المسيَّب عنه. وقال:
"صحيح على شرط الشيخين موقوف ". ووافقه الذهبي. وأقره المنذري! وأقول: إنما هو صحيح فقط؛ لأن الحسن بن مُكرَمٍ البزاز ليس من رجال
стр. 6000
الشيخين، ويزيد بن هارون ليس من شيوخهما، وهذا من شرطه الذي عرفناه بالاستقراء: أن ينتهي إسناده عن شيخه ومن فوقه إلى شيخ من شيوخ الشيخين، ويكون من فوقه من رجالهما أيضاً، وإن كان هذا قد أخل به كثيراً كما هو معروف عند الحذاق بهذا الفن. على أن ما ذكرته من الشرط هو اصطلاح خاص به، اصطلح هو عليه؛ وإلا فهو لا يستقيم إلا حين يكون رجال الإسناد كلهم على شرط الشيخين، وهذا لا يمكن إلا إذا كان المسند من طبقتهما كما هو ظاهر عند العلماء، وكذلك رأيناه- في كثير مما صححه على شرطهما أو أحدهما- لا يصح إسناده إلى شيخهما!!
ثم إن الحديث- دون (جملة الجليس) - أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/٢٩٧/٢٠٥٨٥) عن معمر عن عطاء الخراساني ... رفع الحديث فذكره نحوه.
وعطاء هذا تابعي ضعيف، قال الحافظ:
"صدوق يهم كثيراً، ويرسل، ويدلس ".
(تنبيه) : عرفت أن حديث عبد الله بن سلام موقوف عند الحاكم، وقد عزاه إليه المنذري دون قوله: "موقوف "؛ فأضفته إليه في كتابي "صحيح الترغيب والترهيب " (١/٢٠٣/٣٢٤) ؛ فإنه قال:
"رواه أحمد من رواية ابن لهيعة، ورواه الحاكم من حديث عبد الله بن سلام
دون قوله: "جليس المسجد ... " إلى آخره، وقال: "صحيح على شرطهما"!
ثم جاء المعلقون الثلاثة الذين أفسدوا الكتاب بتعليقاتهم الكثيرة الفجة! فخلطوا فيها تخليطاً عجيباً تدل الباحث على أنهم ما شموا رائحة هذا العلم؛ فضلاً عن أن يكونوا محققين فيه، وقد سبق أن ذكرنا نماذج من تخاليطهم، ومنها
стр. 6001
قولهم على ما ذكرنا من تخريج المنذري (١/٢٩٨) :
"موقوف صحيح، رواه أحمد (٢/٤١٨) ، والحاكم (٢/٢٩٨) ، وهو صحيح،
ولا بد من إضافة لفظة: "موقوف " بعد قول المصنف: "على شرطهما " لأن الحديث موقوف، وليس مرفوعاً "!!
فخلطوا المرفوع بالموقوف، وجعلوه كله- بجهلهم البالغ- موقوفاً! وقد عرفت أن
في المرفوع ما ليس في الموقوف، وهو قوله: "جليس المسجد ... " كما صرح المنذري، فعَمُوا عن ذلك كله، وأنكروا الحديث المرفوع جملة وتفصيلاً، فكأنهم لم يروه في الكتاب منسوباً إلى النبي صراحة وبرواية أحمد!! والله المستعان. *
٣٤٠٢ - (إنّ المسلمَ يصلِّي وخَطاياهُ مرفوعةٌ على رأسِه، كلّما سجَدَ تحاتَّت عنه، فيفرُغُ من صلاتِه؛ وقد تحاتَّت خطاياهُ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٣٠٧/٦١٢٥) ، وفي "الصغير" (ص ٢٣٧) ، وابن أبي حاتم في "العلل" (١/١٢٤/٣٢٤) ، والأصبهاني في "الترغيب" (٢/٨٠٠/١٩٥٧) من طرق عن بشر بن آدم: ثنا أشعث بن أشعث السعداني: ثنا عمران القطان: ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ... فذكره. وقال الطبراني:
"تفرد به بشر".
قلت: وهو مختلف فيه، ولخص أقوالهم الحافظ كعادته في "التقريب":
"صدوق فيه لين ".
стр. 6002
وقال الذهبي في "المغني ":
"بصري، من شيوخ النُّبَّل، ثقة، قال النسائي وأبو حاتم: ليس بقوي ".
وقال في "الكاشف ":
"صدوق".
وأعله ابن أبي حاتم بقوله:
"هذا خطأ؛ إنما هو عن سلمان قولَه، وأشعث مجهول لا يعرف "!
كذا قال! وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٢٨-١٢٩) ، وقال:
"يُغرِب ".
وأقره الحافظ في " اللسان "، وزاد:
"وقال البزار: ليس به بأس، حدث عنه أصحابنا؛ بشر بن آدم، وأحمد بن عمر بن عبيدة، وغيرهما".
قلت: ومع هذا كله مما تقدم من كلام أبي حاتم فيه، وتوثيق ابن حبان والبزار إياه؛ لم يعرفه المنذري وغيره، فقال في "الترغيب " (١/١٣٩/١٣) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، و"الصغير"، وفيه أشعث بن أشعث السعداني، لم أقف على ترجمته "!
وتبعه الهيثمي (١/ ٣٠٠) ، وقلدهما المعلقون الثلاثة على "الترغيب " (١/ ٣١١
- ٣١٢) ، فصرحوا بتضعيف الحديث! ولو أن الرجل كان مجهولً كما ظنوا؛ فلا يلزم منه ضعف الحديث؛ لأن له شاهداً من حديث ابن عمر من طرق عنه بعضها صحيح، وقد مضى بيان ذلك وتخريجه برقم (١٣٩٨) ، ولعله لذلك لم يصرح
стр. 6003
المنذري بما صرحوا به، بل إنه أشار إلى تقويته بتصديره إياه بقوله: "وعن"، دون قوله: "وروي"! فهذا مما يدل أنهم لا يحسنون حتى التقليد، فهم يخبطون خبط عشواء في الليلة الظلماء!
ثم إن الهيثمي زاد في التخريج، فعطف على "المعجمين "؛ فقال:
" والبزار"!
فأقول: في هذا العزو تسامح وتساهل لا يخفى على من وقف على رواية البزار، فقد قال في "مسنده " (٦/٤٧-٤٧٧- البحر الزخار) : حدثنا بشر بن أدم ... فساق إسناده كما تقدم إلى سلمان مرفوعاً، لكن بلفظ:
"إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس؛ تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق "؛ ثم تلا رسول الله- ﷺ : (أقم الصلاة طرفي النهار وزُلَفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) (١) .
قلت: وأنا أخشى أن يكون في المطبوعة سقط؛ فإن هذا اللفظ إنما هو من حديث علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن سلمان، كما رواه أحمد (٥/٤٣٧-٤٣٩) وغيره مثل ابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١/١٥٠/٨٣) ؛ أو هو من أوهام البزار نفسه.
وقد روي حديث الترجمة من طريق أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن مسروق عن سلمان مرفوعاً بلفظ:
"إن العبد المؤمن إذا قام في الصلاة؛ وضعت ذنوبه على رأسه؛ فتفرق عنه، كما تفرق عذوق النخلة يميناً وشمالاً".
стр. 6004
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٢٨٩-٢٩٠) .
لكن أبان هذا متروك؛ وقال الهيثمي (١/٣٠١) :
"ضعفه شعبة وأحمد وغيرهما، ووثقه سَلمٌ العلوي وغيره ".
(تنبيه) : أشعث بن أشعث؛ هكذا وقع في كل المصادر المتقدمة؛ سوى "اللسان " فهو فيه: (أشعث بن أبي أشعث) بزيادة: (أبي) بينها! وهو خطأ مطبعي؛ فليصحح. *
٣٤٠٣ - (مَن صلى الغَدَاةَ في جماعةٍ، ثمّ قعَدَ يذكرُ اللهَ حتَّى تطلعَ الشّمسُ، ثمّ صلّي، ركعتينِ؛ كانت له كأَجرِ حَجّةٍ وعُمرةٍ، تامّةٍ تامّةٍ تامّةٍ) .
أخرجه الترمذي (٥٨٦) ، والأصبهاني في "الترغيب" (٢/٧٩٠/١٩٣٠) من طريق أبي ظلال عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- ﷺ ... فذكره. وقال
الترمذي:
"حديث حسن غريب؛ وسألت محمد بن إسماعيل (يعني: الإمام البخاري) عن أبي ظلال؟ فقال: هو مارب الحديث، واسمه هلال ".
قلت: لكن الجمهور على تضعيفه، ولذلك قال الذهبي في كتابه "المغني ":
"ضعفوه".
وكذا قال في "الكاشف "، وزاد: "سوى ابن حبان ".
стр. 6005
وقال الحافظ:
"ضعيف"
لكن قد تابعه القاسم عن أبي أمامة به.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٢٠٩/٧٧٤١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن موسى بن عُلَيّ عن يحيى بن الحارث عنه.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات؛ على الخلاف المعروف في القاسم صاحب أبي أمامة.
وعثمان بن عبد الرحمن: هو الحراني، وفيه كلام لا يضر هنا. ولذلك قال المنذري (١/١٦٥) ، والهيثمي (١٠/١٠٤) :
"رواه الطبراني، وإسناده جيد".
وله طريق أخرى؛ يرويه الأحوص بن حكيم عن عبد الله بن غابر عن أبي أمامة مرفوعاً بلفظ:
"من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة، يثبت فيه حتى يصلي صلاة الضحى؛ كان كأجر حاج أو معتمر، تاماً حجته وعمرته ".
أخرجه الطبراني أيضاً (٨/١٧٤/٧٦٤٩و١٨٠-١٨١) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٧/٣٥٣- ط) .
والأحوص بن حكيم ضعيف؛ لسوء حفظه.
وعبد الله بن غابر- بالغين المعجمة-: هو أبو عامر الشامي الحمصي الألهاني،
وهو ثقة.
стр. 6006
ثم أخرجه الطبراني (١٧/١٢٩/٣١٧) ، وابن عساكر أيضاً من طريقين آخرين
عن الأحوص به؛ إلا أنه قرن مع أبي أمامة: (عتبة بن عبد السلمي) . وقال المنذري (١/١٦٥/٨) :
"رواه الطبراني، وبعض رواته مختلف فيه، وللحديث شواهد كثيرة".
قلت: يشير إلى الأحوص بن حكيم. وقد بين ذلك الهيثمي فقال:
"رواه الطبراني، وفيه الأحوص بن حكيم، وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر". *
٣٤٠٤ - (كان يصلي قبلَ الظُّهرِ- بعد الزّوالِ- أربعاً، ويقولُ: إن أبوابَ السّماءِ تُفتحُ [فيها] ، فأحبُّ أن أقدِّم فيها عمَلاً صالحاً) .
أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤١١) : ثنا أبو داود الطيالسي قال: ثنا [محمد بن] مسلم بن أبي الوضاح عن عبد الكريم عن مجاهد عن عبد الله بن السائب قال: ... فذكره.
وأخرجه الترمذي (٤٧٨) من طريق الطيالسي به. وقال:
"حديث حسن غريب، وقد روي عن النبي- ﷺ : أنه كان يصلي أربع ركعات بعد الزوال، لا يسلم إلا في آخرهن ".
قلت: وإسناد الحديث جيد، وهو على شرط مسلم.
وعبد الكريم: هو ابن مالك الجزري.
وأبو داود الطيالسي: هو الحافظ سليمان بن داود، صاحب "المسند" المعروف به، وليس الحديث فيه.
стр. 6007
والحديث الذي علقه الترمذي؛ وصله الطيالسي في "مسنده " (٨١/٥٩٧) بسند ضعيف، وقد رواه ابن ماجه وغيره أتم منه مثل حديث الترجمة، وزاد:
لا يفصل بينهن بتسليم ... وهي زيادة منكرة، وقد خرجته وتكلمت عليه في "صحيح أبي داود" (١١٦١) . ولهذه الزيادة شاهد، لكن إسنادها ضعيف جداً، ولذلك خرجت حديثها في "الضعيفة" (٦٧٢٧) . *
٣٤٠٥ - (إنّ صاحبَ المَكسِ في النّارِ) .
أخرجه أحمد (٤/١٠٩) : ثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا ابن لهيعة عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الخير قال:
عرض مَسلَمَةُ بن مَخلَدٍ- وكان أميراً على مصر- على رويفع بن ثابت أن يوليه العُشور، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن لهيعة، وهو صحيح الحديث إذا روى عنه قتيبة بن سعيد المصري وأمثاله كالعبادلة المصريين كما تقدم تقريره مراراً. ولقد كنت برهة من الدهر أعامل حديث قتيبة غير معاملتي لحديث العبادلة، حتى وقفت على كلام الحافظ الذهبي الذي بين أن حديثه عن ابن لهيعة صحيح كحديث العبادلة- جزاه الله خيراً-، فاقتضى هذا العلم الجديد إعادة النظر في كل أحاديث قتيبة عنه، وتصحيحها بعد تضعيفها إذا سَلِمَ ممن فوقه كهذا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولذلك قررت نقله من "ضعيف الجامع الصغير" إلى "صحيح الجامع "، وإيداعه في "صحيح الترغيب " بعد أن كان من المقرر إيداعه في "ضعيف الترغيب "، والحمد لله الذي هدانا لهذا؛ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 6008
ثم إن (أبا الخير) في الإسناد؛ اسمه (مرثد بن عبد الله اليزني المصري) .
وقد أخرج الحديث الطبراني أيضاً في "المعجم الكبير" (٥/١٨/٤٤٩٣) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني ابن لهيعة به؛ وزاد عقب الحديث:
"يعني: العَشَّار".
وأعله المنذري في "الترغيب " (١/٢٧٩/٣) بابن لهيعة، وتبعه الهيثمي (٣/٨٨) ، وقلدهما المعلقون الثلاثة على "الترغيب " (١/٦١٧) ، ولم يفرقوا بين رواية أحمد، ورواية الطبراني؛ ومع ذلك فالمنذري صدره بقوله:
"وعن أبي الخير ... " المشعر بأنه حسن أو قريب من الحسن عنده.
وأما المعلقون عليه؛ فجروا على الجادة في حديث ابن لهيعة، فقالوا:
"ضعيف "!. *
٣٤٠٦ - (ما تَعُدُّون الرَّقُوب فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا يولدُ له. قالَ: ليسَ ذاكَ بالرّقُوبِ، ولكنّه الرّجلُ الذي لم يقدِّم من ولده شيئاً. قال:
فما تعدُّون الصُّرَعةَ فيكُم؟ قال: قلنا: الذي لا يصرَعُه الرجِال. قال: ليسَ بذلكَ، ولكنّه الذي يملِكُ نفسهُ عند الغَضَبِ) .
أخرجه مسلم (٨/٣٠) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (رقم ١٥٣) ، والبيهقي
في " السنن " (٤/٦٨) ، و" الشعب " (٦/٣٠٦/٨٢٧٣و٧/١٣٦/٩٧٥٦) ، وأحمد (١/٣٨٢) ، وأبو يعلى (٩/٩٦-٩٧/٥١٦٢) ، ومن طريقه ابن حبان في "صحيحه " (٤/٢٦٤/٢٩٣٩) من طرق عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سُوَيد
стр. 6009
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره.
وروى منه الشطر الثاني ابن أبي شيبة في "المصنف " (٨/٣٤٤/٥٤٣٠) ، وعنه أبو داود (٤٧٧٩) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/٢٥٣- ٤ ٢٥) .
وللشطر الأول منه شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعاً: أخرجه البزار (١/٤٠٦/٨٦٠) بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو يعلى (٦/١٣٣/٣٤٠٨) من طريق أخرى عنه مع الشطر الآخر. وسنده ضعيف.
وله- أعني: الشطر الأول- شاهد ثان من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
أخرجه أبو يعلى (١٠/٦٠٣٢و٦٠٤٦) من طريق أبي خالد الأحمر عن هشام عن ابن سيرين عنه.
وإسناده صحيح.
وشاهد ثالث من حديث بريدة مرفوعاً ... وفيه قصة.
أخرجه البزار (١/٤٠٥/٨٥٧) بإسناد حسن؛ كما قال الحافظ في "مختصر الزوائد" (١/٣٤٥/٥٥٤) ، وصححه الحاكم، والذهبي، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (٢٠٧- ٢٠٨- طبعة المعارف) .
(تنبيه) : زاد البخاري وأبو يعلى في أول حديث ابن مسعود فقرة ثالثة نصها: "أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ "، قالوا: يا رسول الله! ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه! قال: "اعلموا ما تقولون! ". قالوا: ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله! قال: "ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله! "،
стр. 6010
قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: "إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر".
واللفظ لأبي يعلى، وهو أتم.
ثم استدركت فقلت:
هذا إنما ساقه أبو يعلى عقب حديث الترجمة، وبسند واحد، وإنما زاده في أوله البخاري كما ذكرت. وهذا القدر منه قد أخرجه في "صحيحه " (٦٤٤٢) مختصراً بإسناد الأعمش المتقدم. فقال الحافظ في "الفتح " (١١/٢٦٠) :
"وقد أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش به سنداً ومتناً، وزاد في آخره: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ ... " الحديث، وزاد فيه أيضاً: "ما تعدون الرقوب فيكم؟ ... " الحديث ".
قلت: فكان الأولى بالحافظ أن يعزوها أيضاً للبخاري أيضاً في "الأدب المفرد"، بل هو بالعزو أولى كما لا يخفى على أولي العلم والنهى، ولكن جل من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وتقدم تخريج هذه الزيادة في هذا الكتاب (برقم ١٤٨٦) . *
٣٤٠٧ - (دخلَ رجلٌ الجنَّة، فرأَى على بابها مكتوباً: الصّدقةُ بعَشرِ أَمثالها، والقرضُ بثمانية عشر) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٢٩٧/٧٩٧٦) ، والبيهقي في "الشعب" (٣/٢٨٤/٣٥٦٤) من طريقين عن سليمان بن عبد الرحمن: ثنا إسماعيل ابن عَيٌاش عن عُتبة بن حميد عن القاسم عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
стр. 6011
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي القاسم- وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي صاحب أبي أمامة- كلام معروف، وهو حسن الحديث.
وعتبة بن حميد، قال أحمد:
"ضعيف، ليس بالقوي، ولم يشته الناس حديثه ".
وقال أبو حاتم:
"صالح الحديث ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٢٧٢) . فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، لا سيما وتضعيف أحمد جرح غير مفسر، وإن كان يغمز من حديثه، ولكن ما هو السبب؟ وقد صحح له ابن حبان حديثين، أحدهما: توبع عليه في "صحيح البخاري " وغيره، والآخر: سبق تخريجه في المجلد الثاني من هذه السلسلة رقم (٧٨٩) . وقد أشار المنذري في "الترغيب " (٢/٣٤/٣) إلى تقوية الحديث بتصديره إياه بقوله:
"وعن أبي أمامة ... ".
وبتحسينه لحال عتبة هذا.
وللحديث شاهد من حديث أنس ﵁، وفي آخره زيادة، رواه ابن ماجه وغيره، لكن إسناده ضعيف جداً، ولذلك خرجته في "الضعيفة" (٣٦٣٧) . *
٣٤٠٨ - (عليكُم بغَدَاءِ السُّحور؛ فإنّه هو الغَدَاءُ المباركُ) .
أخرجه النسائي (١/٣٠٤) ، وفي " الكبرى " (٢/٧٩/٢٤٧٤) ، وأحمد (٤/١٣٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٢٧١/٦٤١) ، و"مسند الشاميين "
стр. 6012
(٢/١٧١-١٧٢/١١٣٠) من طريق عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد قال: أخبرني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات كلهم، وقد صرح بقية بالتحديث؛
فأمناً تدليسه.
ثم رواه النسائي من طريق ثور عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره مرسلاً.
وإسناده صحيح أيضاً، ولا يعل به المسند؛ لأن الذي أسنده بحير بن سعد،
ثقة ثبت؛ كما في "التقريب "، وزيادة الثقة هنا مقبولة اتفاقاً.
وله شاهدان من حديث أبي الدرداء، والعرباض بن سارية نحوه. أخرجهما ابن حبان في "صحيحه " (٨٨١و٨٨٢- موارد) بسندين يقوي أحدهما الآخر، أوردهما المنذري في "الترغيب " (٢/٩٣/٥و٦) مشيراً إلى تقويتهما، ساكتاً عن حديث الأول، ومبيناً علة حديث الآخر، وفاته حديث الترجمة، وكان ذلك من الدواعي على إخراجه وبيان صحته؛ لدعم الأحاديث الأخرى.
وحديث أبي الدرداء؛ له طريق أخرى عند الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/١٣١/٣٢٢) من طريق جُبَارة بن المُغَلِّس: ثنا بِشرُ بن عُمَارة عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد عن عتبة بن عبد وأبي الدرداء مرفوعاً بلفظ:
"تسحروا من آخر الليل ". وكان يقول:
"هو الغداء المبارك ".
стр. 6013
لكنه إسناد ضعيف أيضاً، من دون راشد ثلاثتهم ضعفاء. وأعله الهيثمي
بـ (جبارة) فقط! (٣/١٥١) .
وله شاهد قوي؛ يرويه محمد بن إبراهيم- أخو أبي معمر- قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال:
أرسل إلي عمر بن الخطاب يدعوني إلى السحور، وقال:
إن رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك.
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٢/٣٠٨/٥٠٥) ، ومن طريقه الخطيب
في " التاريخ " (١/٣٨٧) . وقال الطبراني:
"لا نعلم رواه عن ابن عيينة إلا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر".
قلت: روى الخطيب بسنده أن ابن معين سئل عنه؟ فقال:
"مثل أبي معمر لا يسأل عنه، هو وأخوه من أهل الحديث ".
وعن موسى بن هارون أنه قال فيه:
"صدوق لا بأس به ".
قلت: وبقية رجاله رجال الصحيح؛ كما قال الهيثمي (٣/١٥١) ؛ إلا شيخ الطبراني (أحمد بن القاسم بن مساور الجوهرى) ، وهو ثقة.
وشاهد آخر؛ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله- ﷺ :
"قربي إلينا الغداء المبارك "؛ يعني: السحور، وربما لم يكن إلا تمرتين.
قال الزهري: السحور سنة.
стр. 6014
أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٨/١٣٧-١٣٨/٤٦٧٩) : حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي: حدثنا معاوية عن الزهري عن عروة عن عائشة..
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي هشام الرفاعي عند الجمهور. وقال
البخاري:
"رأيتهم مجمعين على ضعفه ".
ومثله معاوية وهو ابن يحيى الصدفي، وبه فقط أعله المعلق على "مسند أبي يعلى"!
وأما قول الهيثمي:
"رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ".
فهو وهم محض لا أدري كيف صدر منه!
ومن قلة العلم والفقه، قوله المعلق المشار إليه:
"نقول: لكن يشهد له حديث أنس المتقدم ... ".
يعني: قول- ﷺ :
"تسحروا فإن في السحور بركة" متفق عليه. (الروض ٤٩ و ١٠٨٩) .
وذلك؛ لأنه شاهد قاصر ليس فيه وصف السحوربـ "الغداء المبارك " فتأمل. *
٣٤٠٩ - (إنّ اللهَ وملائكتَه يصلُّون على المتسحِّرين) .
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٨٨٠- موارد) ، والطبراني في "المعجم
стр. 6015
الأوسط " (٧/٢٢٢/٦٤٣٠) ، وأبو نعيم في "الحلية " (٨/٣٢٠) ، والأصبهاني في "الترغيب " (٢/٧٢٦/١٧٦٦) عن إدريس بن يحيى الخولاني قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عن عبد الله بن سليمان الطويل عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره. وقال الطبراني وأبو نعيم:
"تفرد به إدريس بن يحيى".
قلت: وهو ثقة، قال فيه ابن أبي حاتم:
"صدوق، قال أبو زرعة: رجل صالح من أفاضل المسلمين ".
وذكره ابن حبان في "الثقات "، وقال (٨/١٣٣) :
"مستقيم الحديث ".
وسائر رجاله ثقات معروفون من رجال "التهذيب"؛ غير عبد الله بن سليمان الطويل، ترجمه البخاري وابن أبي حاتم برواية جمع من الثقات- منهم الليث بن سعد-، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٤١) ، فالإسناد حسن.
وأما ما نقله ابن أبي حاتم في "العلل " (١/٢٤٣-٢٤٤/٧١٢) ؛ أنه سأل أباه عن هذا الحديث؟ فقال:
"هذا حديث منكر"!
فلا أدري وجهه، لا سيما وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ
"السحور أكلة بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جَرعة ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ".
стр. 6016
أخرجه أحمد (١٣/١٢و٤٤) من طريقين؛ في الأول منهما انقطاع بين يحيى بن أبي كثير وأبي رفاعة، وجهالة أبي رفاعة، ويقال: رفاعة.
وفي الآخر منهما: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وهو متروك.
وجملة الجرعة منه لها شواهد كثيرة، منها: حديث عبد الله بن عمرو عند ابن حبان (٨٨٣) بسند حسن، وقد خرجتها باختصار في "الضعيفة" تحت الحديث (١٤٠٥) .
فقول المنذري في حديث أبي سعيد (٢/٩٤/١٠) :
"رواه أحمد، وإسناده قوي "! مردود؛ وقد رده الناجي أيضاً كما نقلته عنه في "صحيح الترغيب "، لكن فاته إعلال الطريق الأول. *
٣٤١٠ - (لِيَهنِكَ العلمُ أبا المنذرِ! والذي نفسي بيده؛ إنّ لها لساناً وشَفَتَينِ تُقَدّسان الملِك عند ساقِ العرش. يعني: آيةَ الكرسيّ) .
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (٣/٣٧٠/٦٠٠١) : أخبرنا الثوري عن سعيد الجُرَيري عن أبي السَّليل عن عبد الله بن رباح عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: "أي آية في كتاب الله أعظم؟ ".
فقال: الله ورسوله أعلم! يكررها مراراً، ثم قال أُبيّ: آية الكرسي، فقال النبي ﷺ : ... فذ كره.
ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه أحمد (٥/١٤١- ١٤٢) ، وابن الضُّرَيس في "فضائل القرآن " (٩٠/١٨٦) .
وتابعه ابن أبي شيبة: نا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن الجريري به بتمامه.
стр. 6017
أخرجه البغوي في "شرح السنة" (٤/٤٥٩/١١٩٥) ، و"التفسير" (١/٣١٠) .
وهو في "صحيح مسلم " (٢/١٩٩) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة به؛ دون قوله: "والذي نفسي بيده ... " إلخ. واستدركه الحاكم (٣/٣٠٤) على مسلم؛ فوهم!
وقد أخرجه أبو داود (١٤٦٠) من طريق أخرى عن عبد الأعلى.
وتابعه إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد بن إياس الجريري به.
أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن " (١٢٢/١٣- ٣٤) .
تنبيهان:
١- قوله في الحديث: "لساناً " هو الثابت في كل مصادر التخريج؛ إلا "مصنف عبد الرزاق "، فهو فيه: "للساناً" بزيادة لام التأكيد، فمن تخاليط الشيخ الأعظمي في تعليقاته عليه: قوله:
"كذا في "مسند أحمد" (!) وفي (ص) و (ز) : للسانين "!
والذي في "المسند" إنما هو: "لساناً" بدون اللام كالمصادر الأخرى كما تقدم.
٢- عزا المنذري الحديث لابن أبي شيبة دون أن يقيده بكتاب، فتفضل المعلقون الثلاثة؛ فقيدوه (٢/٣٥١) بـ "المصنف"! وهذا منهم تخرص ورجم بالغيب، ومن الدليل على ذلك أنهم لما خرجوا الحديث من رواية مسلم وأبي داود؛ قرنوها بالأرقام، بخلاف عزوهم لـ "المصنف "؛ فلم يذكروا له رقماً.
ولعلهم لجهلهم لا يعلمون أن لابن أبي شيبة كتباً أخر؛ مثل "المسند" و"التفسير" وغيرهما، فكان بسبب ذلك تقييدهم المذكور!!. *
стр. 6018
٣٤١١ - (لقد سأَلتَ اللهَ باسمِ اللهِ الأعظَم: الذي إذا دُعيَ به أجابَ، وإذا سُئل به أعطَى) .
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٢٧٢/٩٤١٠) ، وأحمد (٣/١٢٠) قالا: ثنا وكيع: حدثني أبو خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك:
أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول:
اللهم! لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، المنّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام! فقال النبي- ﷺ : ... فذكره.
ومن طريق وكيع: أخرجه ابن ماجه (٣٨٥٨) .
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي خزيمة، قال أبو حاتم:
"لابأس به ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/٤٦٥) ، وسماه: (صالح بن مرداس) وروى عنه جمع من الثقات الحفاظ، وقال الذهبي، والحافظ:
"صدوق ".
وله طريقان آخران:
أحد هما: يرويه محمد بن إسحاق: حدثني عبد العزيز بن مسلم عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن أنس به، دون قوله:
"وحدك لا شريك لك ".
стр. 6019
أخرجه أحمد (٣/٢٦٥) ، والبخاري في " التاريخ " (٣/٢/٢٧) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٦٢) .
قلت: وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن، رجاله ثقات معروفون؛ غير عبد العزيز بن مسلم- وهو الأنصاري مولى آل رفاعة-، وثقه ابن حبان (٥/١٢٣) ، وروى عنه أيضاً معاوية بن صالح. وقال الحافظ:
"مقبول ".
والآخر: يرويه خلف بن خليفة: ثنا حفص بن عمر عن أنس به نحوه، دون قوله المذكور، وزاد بعد جملة (الجلال) :
"يا حي يا قيوم! ".
ورجاله ثقات؛ لكن خلفاً هذا كان اختلط، وقد خرجت حديثه هذا في "صحيح أبي داود" (١٣٤٢) لطرقه، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
(تنبيه) : وقع في الطريق الأولى- بين عبد العزيز بن مسلم وإبراهيم بن عبيد- زيادة: (عن عاصم) في "المسند" فقط، وهي ثابتة في "جامع المسانيد" لابن كثير (٢١/٢٢/٩) ، وكذا في "أطراف المسند" لابن حجر العسقلاني (١/٢٧١) ، والظاهر أنه خطأ قديم مقحم من بعض النساخ؛ لعدم ورودها عند البخاري والطحاوي أولاً، ولأنهم لم يذكروا (عاصماً) هذا في شيوخ عبد العزيز بن مسلم- كما تقدم-، ولا في الرواة عن إبراهيم بن عبيد ثانياً، والله أعلم.
تنبيه آخر: لقد وقع في سياق حديث الترجمة عند المنذري في "الترغيب " (٢/٢٣٤/٤) - وقد ساقه بلفظ أحمد- زيادة ونقص، فقال:
"لا إله إلا أنت، يا حنان يا منان! يا بديع ... " فزاد: "يا" النداء في الجمل
стр. 6020
الثلاثة، وزاد اسم: "حنان"! وأسقط جملة: "وحدك لا شريك لك ". ولا أصل للاسم المذكور إلا في رواية لأحمد في طريق (خلف) (٣/١٥٨) ، وأظنها خطأ أيضاً من بعض النساخ أو الرواة؛ ففي الرواية الأخرى عنده (٣/٢٤٥) : "المنان"، وهو الثابت في رواية أبي داود والنسائي والطحاوي وابن حبان والحاكم، ويشهد له حديث الترجمة.
وأظن أن ما في "الترغيب " بعضه من تلفيق المؤلف نفسه بين الروايات- وهو من عادته فيه! - وبعضه من النساخ. ولم يتنبه لهذا الخلط المعلقون الثلاثة عليه (٢/٤٨١) ، فلم ينبهوا عليه كما هو واجب التحقيق الذي ادعوه في طبعتهم الجديدة لـ "الترغيب "! بل زادوا عليه خلطاً من عندهم! فجعلوا مكان قوله: "سألت الله"- الثابت في "مسند أحمد" وغيره-: قولهم: [دعا الله] ، هكذا بين معكوفتين، وعلقوا عليه فقالوا: "ليست في (ب) "!
قلت: وهذا تعليق هزيل، فمع أن الزيادة مخالفة لرواية "المسند" " فإنها تعني أن الأصل الذي طبعوا عليه فيه سقط، وأنه بلفظ:
"لقد.. باسمه الأعظم ... ".
وهذا غير معقول ولا مفهوم! فكان عليهم أن يبينوا ماذا في نسخة (ب) ، (ذلك مبلغهم من العلم) والتحقيق المزعوم!
وزادوا- ضغثاً على إبَّالة- أنهم عزوا الحديث لأحمد (٥/٣٤٩و٣٦٠) ! وإنما هو في المجلد الثالث منه كما تقدم.
وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان " في طبعتيه، فرأيت في حديث خلف:
стр. 6021
"أنت الحنان المنان "؛ جمع بين الاسمين، لكن ليس في "زوائد ابن حبان " (٢٣٨٢) للهيثمي إلا:
"أنت المنان ".
وهو المحفوظ، وزيادة: " الحنان " شاذة باعتبارين:
أحدهما: عدم ورودها مطلقاً في حديث الترجمة وغيره، كما سبق.
والآخر: مخالفتها لكل الطرق الدائرة على (خلف) ، فليس فيها الجمع المذكور. ومما يؤكده أن راويه في "صحيح ابن حبان" عن (خلف) هو قتيبة بن سعيد، وعنه رواه النسائي دون الزيادة، فكان هذا مما يرجح ما في "زوائد ابن حبان " على ما في "الإحسان ".
من أجل ذلك؛ يبدو جلياً خطأ المعلقين الثلاثة الذي سكتوا في تعليقهم على "الترغيب" عن هذه الزيادة، وليس ذلك غريباً عنهم؛ فإنهم لا يحسنون غيره لجهلهم، ولكن الغريب أن يلحقها بـ "زوائد ابن حبان" (٢/١٠٧٥- طبع المؤسسة) المعلقان عليه، ويجعلاها بين معكوفتين: [الحنان] ، وهي لا تصح لشذوذها ومخالفتها للطرق عن (خلف) ، ومنها طريق قتيبة، ولمباينتها لسائر الطرق على أنس، وبخاصة طريق حديث الترجمة. *
٣٤١٢ - (لا صلاةَ بعدَ العصر حتّى تغربَ الشمسُ، ولا بعْدَ الفجْرِ حتّى تطلعَ الشمسُ إلا بمكةَ، إلا بمكةَ، [إلا بمكةَ] ) .
أخرجه أحمد (٥/١٦٥) : ثنا يزيد، والدارقطني في "سننه " (١/٤٢٤/٦) ، والبيهقي (٢/٤٦١) من طريق محمد بن إدريس الشافعي، والبيهقي أيضاً
стр. 6022
والطبراني في "المعجم الأوسط " (١/٤٦٨/٨٥١) عن سنيد بن سليمان؛ ثلاثتهم عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر:
أنه أخذ بحلقة باب الكعبة، فقال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ... فذكره. وقال الطبراني:
"لم يروه عن قيس بن سعد إلا حميد بن قيس الأعرج، تفرد به عبد الله بن المؤمل المخزومي "!
كذا قال! وقد توبع كما يأتي؛ فانتظر.
وخالف هؤلاء الثلاثة سعيد بن سالم القدََّاح، فقال: عن عبد الله بن مؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد به؛ لم يذكر: قيس بن سعد.
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (٤/٢٢٦/٢٧٤٨) ، وابن عدي في "الكامل " (٤/١٣٧) . وقال ابن خزيمة:
"أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر".
قلت: لعل مستند هذا الشك ما أخرجه ابن عدي (٧/٢٨٩) ، ومن طريقه البيهقي قال: حدثنا محمد بن يونس العُصفُرِي: حدثنا محمد بن موسى الحَرَشِيُّ: حدثني اليَسَعُ بن طلحة القرشي- من أهل مكة-: سمعت مجاهداً يقول: بلغنا أن أبا ذر قال ... فذكر الحديث مختصراً جداً بلفظ:
"لا صلاة بعد العصر إلا بمكة ".
لكن اليسع بن طلحة هذا ضعيف جداً، قال البخاري وأبو زرعة:
"منكر الحديث ".
стр. 6023
وقال البيهقي عقبه:
"اليسع بن طلحة ضعفوه، والحديث منقطع؛ مجاهد لم يدرك أبا ذر، والله أعلم".
قلت: نفيه الإدراك قد سبق إليه من غير ما واحد من الحفاظ. وقد جاء في "نصب الراية" للزيلعي (١/٢٥٤) عقب النفي المذكور:
"قال الشيخ (يعني: ابن دقيق العيد) في "الإمام ": وحديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أشياء:
أحدها: انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر.. (ثم ذكر كلام البيهقي) .
والثاني: اختلاف في إسناده؛ فرواه سعيد بن سالم عن ابن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد عن أبي ذر، لم يذكر فيه قيس بن سعد. أخرجه كذلك ابن عدي في "الكامل ". قال البيهقي:
"وكذلك رواه عبد الله بن محمد الشامي عن ابن المؤمل عن حميد الأعرج عن مجاهد".
والثالث: ضعف ابن المؤمل، قال النسائي وابن معين: "ضعيف ". وقال أحمد: "أحاديثه مناكير". وقال ابن عدي: "عامة حديثه الضعف عليه بيِّن ".
الرابع: ضعف حميد مولى عفراء، قال البيهقي: "ليس بالقوي ". وقال أبو عمر بن عبد البر: "هو ضعيف ". انتهى"!
قلت: هذه العلل عندي واهية جداً؛ باستثناء الأولى والثالثة ففيهما نظر يأتي بيانه، وأوهاها رابعها؛ فإن حميداً هذا- وهو ابن قيس الأعرج المكي القاري-
стр. 6024
قد وثقه جمهور الأئمة المتقدمين، ومنهم البخاري، ولم يضعفه أحد منهم إلا أحمد في رواية؛ فإنه قال ما قاله البيهقي، وهذا وإن كان لا يعني أنه "ضعيف " كما أطلق ابن عبد البر، لما هو معلوم من الفرق بين هذا وبين ما لو قال: "ليس بقوي"، ولا سيما وقد قال أحمد في رواية أخرى عنه:
"ثقة". وقال ابن معين فيه:
ولذلك أخرج له الشيخان في "الصحيحين "؛ فقد جاوز القنطرة يقيناً.
ونحوه في الضعف الوجه الثاني؛ لأن مثل هذا الاختلاف لا قيمة له؛ بل لا ينبغي أن يذكر؛ لأن سعيد بن سالم- لو كان ثقة- فلا ينبغي أن يلتفت إلى مخالفته للثلاثة الثقات الذين تقدم ذكرهم، وبخاصة منهم الإمام الشافعي، فكيف وهو مضعف من قبل حفظه؟!
ومثله يقال- ومن باب أولى- في متابعة (عبد الله بن محمد الشامي) - وفي "سنن البيهقي ": (الشافعي) -؛ فإنه غير معروف في كتب الرجال، مع احتمال أن يكون الذي في "الميزان ":
"عبد الله بن محمد بن حجر الشامي، نزيل رأس العين، ضعفه الأزدي ".
وزاد عليه الحافظ وفي "اللسان" أنه ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأنه قال:
"يغرب وينفرد".
وقد ذكره في الطبقة الرابعة منه (٨/٣٤٩) .
ثم إنه لو سلمنا جدلاً أن لمثل هذه المخالفة قيمة تذكر؛ فيمكن الترجيح من
стр. 6025
جهة أخرى- غير الأكثر والأوثق- بأن يقال: إن هؤلاء معهم زيادة، وزيادة الثقة مقبولة. وفي الجواب التالي ما يؤكد ذلك.
وأما الجواب عن الوجه الثالث؛ فهو عند البيهقي نفسه؛ فإنه بعد أن ساق رواية عبد الله بن المؤمل وضعفه؛ قال معقباً عليه:
"إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد، وأقام إسناده ".
ثم ساقه عنه: ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد قال:
جاءنا أبو ذر، فأخذ بحلقة الباب، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ -بأذني هاتين ... فذكر حديث الترجمة بالزيادة.
ثم أعله بضعف (حميد) - وسبق الجواب عنه-، وبالانقطاع، وبقوله:
"ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: "جاءنا" يعني: جاء بلدنا. والله أعلم"!
لقد صرح مجاهد بقوله: "جاءنا أبو ذر"؛ فهذا تصريح منه بلقياه إياه وسماعه منه في مكة، ومجاهد مكي كما هو معروف، والسند إليه بذلك صحيح، والتأويل الذي ذكره البيهقي؛ إنما يصح المصير إليه؛ إذا ثبت بإسناد صحيح أيضاً ولا يقبل التأويل، كما لو ثبت أنه ولد بعد وفاة أبي ذر، أو كان صغيراً، أو نحو ذلك من الأمور التي يصلح الاعتماد عليها بعد ثبوتها؛ ففي هذه الحالة يمكن القول بالتأويل المذكور. والله أعلم.
ومع ذلك؛ فمن المسلَّم عند العلماء أن مراسيل مجاهد خير من مراسيل غيره من التابعين كعطاء وغيره، فإن لم يثبت سماعه للحديث من أبي ذر؛ فهو مرسل صحيح، يمكن تقويته ببعض الشواهد: