"أنت الحنان المنان "؛ جمع بين الاسمين، لكن ليس في "زوائد ابن حبان " (٢٣٨٢) للهيثمي إلا:
"أنت المنان ".
وهو المحفوظ، وزيادة: " الحنان " شاذة باعتبارين:
أحدهما: عدم ورودها مطلقاً في حديث الترجمة وغيره، كما سبق.
والآخر: مخالفتها لكل الطرق الدائرة على (خلف) ، فليس فيها الجمع المذكور. ومما يؤكده أن راويه في "صحيح ابن حبان" عن (خلف) هو قتيبة بن سعيد، وعنه رواه النسائي دون الزيادة، فكان هذا مما يرجح ما في "زوائد ابن حبان " على ما في "الإحسان ".
من أجل ذلك؛ يبدو جلياً خطأ المعلقين الثلاثة الذي سكتوا في تعليقهم على "الترغيب" عن هذه الزيادة، وليس ذلك غريباً عنهم؛ فإنهم لا يحسنون غيره لجهلهم، ولكن الغريب أن يلحقها بـ "زوائد ابن حبان" (٢/١٠٧٥- طبع المؤسسة) المعلقان عليه، ويجعلاها بين معكوفتين: [الحنان] ، وهي لا تصح لشذوذها ومخالفتها للطرق عن (خلف) ، ومنها طريق قتيبة، ولمباينتها لسائر الطرق على أنس، وبخاصة طريق حديث الترجمة. *
٣٤١٢ - (لا صلاةَ بعدَ العصر حتّى تغربَ الشمسُ، ولا بعْدَ الفجْرِ حتّى تطلعَ الشمسُ إلا بمكةَ، إلا بمكةَ، [إلا بمكةَ] ) .
أخرجه أحمد (٥/١٦٥) : ثنا يزيد، والدارقطني في "سننه " (١/٤٢٤/٦) ، والبيهقي (٢/٤٦١) من طريق محمد بن إدريس الشافعي، والبيهقي أيضاً
стр. 6022
والطبراني في "المعجم الأوسط " (١/٤٦٨/٨٥١) عن سنيد بن سليمان؛ ثلاثتهم عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر:
أنه أخذ بحلقة باب الكعبة، فقال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ... فذكره. وقال الطبراني:
"لم يروه عن قيس بن سعد إلا حميد بن قيس الأعرج، تفرد به عبد الله بن المؤمل المخزومي "!
كذا قال! وقد توبع كما يأتي؛ فانتظر.
وخالف هؤلاء الثلاثة سعيد بن سالم القدََّاح، فقال: عن عبد الله بن مؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد به؛ لم يذكر: قيس بن سعد.
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه " (٤/٢٢٦/٢٧٤٨) ، وابن عدي في "الكامل " (٤/١٣٧) . وقال ابن خزيمة:
"أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر".
قلت: لعل مستند هذا الشك ما أخرجه ابن عدي (٧/٢٨٩) ، ومن طريقه البيهقي قال: حدثنا محمد بن يونس العُصفُرِي: حدثنا محمد بن موسى الحَرَشِيُّ: حدثني اليَسَعُ بن طلحة القرشي- من أهل مكة-: سمعت مجاهداً يقول: بلغنا أن أبا ذر قال ... فذكر الحديث مختصراً جداً بلفظ:
"لا صلاة بعد العصر إلا بمكة ".
لكن اليسع بن طلحة هذا ضعيف جداً، قال البخاري وأبو زرعة:
"منكر الحديث ".
стр. 6023
وقال البيهقي عقبه:
"اليسع بن طلحة ضعفوه، والحديث منقطع؛ مجاهد لم يدرك أبا ذر، والله أعلم".
قلت: نفيه الإدراك قد سبق إليه من غير ما واحد من الحفاظ. وقد جاء في "نصب الراية" للزيلعي (١/٢٥٤) عقب النفي المذكور:
"قال الشيخ (يعني: ابن دقيق العيد) في "الإمام ": وحديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أشياء:
أحدها: انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر.. (ثم ذكر كلام البيهقي) .
والثاني: اختلاف في إسناده؛ فرواه سعيد بن سالم عن ابن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد عن أبي ذر، لم يذكر فيه قيس بن سعد. أخرجه كذلك ابن عدي في "الكامل ". قال البيهقي:
"وكذلك رواه عبد الله بن محمد الشامي عن ابن المؤمل عن حميد الأعرج عن مجاهد".
والثالث: ضعف ابن المؤمل، قال النسائي وابن معين: "ضعيف ". وقال أحمد: "أحاديثه مناكير". وقال ابن عدي: "عامة حديثه الضعف عليه بيِّن ".
الرابع: ضعف حميد مولى عفراء، قال البيهقي: "ليس بالقوي ". وقال أبو عمر بن عبد البر: "هو ضعيف ". انتهى"!
قلت: هذه العلل عندي واهية جداً؛ باستثناء الأولى والثالثة ففيهما نظر يأتي بيانه، وأوهاها رابعها؛ فإن حميداً هذا- وهو ابن قيس الأعرج المكي القاري-
стр. 6024
قد وثقه جمهور الأئمة المتقدمين، ومنهم البخاري، ولم يضعفه أحد منهم إلا أحمد في رواية؛ فإنه قال ما قاله البيهقي، وهذا وإن كان لا يعني أنه "ضعيف " كما أطلق ابن عبد البر، لما هو معلوم من الفرق بين هذا وبين ما لو قال: "ليس بقوي"، ولا سيما وقد قال أحمد في رواية أخرى عنه:
"ثقة". وقال ابن معين فيه:
ولذلك أخرج له الشيخان في "الصحيحين "؛ فقد جاوز القنطرة يقيناً.
ونحوه في الضعف الوجه الثاني؛ لأن مثل هذا الاختلاف لا قيمة له؛ بل لا ينبغي أن يذكر؛ لأن سعيد بن سالم- لو كان ثقة- فلا ينبغي أن يلتفت إلى مخالفته للثلاثة الثقات الذين تقدم ذكرهم، وبخاصة منهم الإمام الشافعي، فكيف وهو مضعف من قبل حفظه؟!
ومثله يقال- ومن باب أولى- في متابعة (عبد الله بن محمد الشامي) - وفي "سنن البيهقي ": (الشافعي) -؛ فإنه غير معروف في كتب الرجال، مع احتمال أن يكون الذي في "الميزان ":
"عبد الله بن محمد بن حجر الشامي، نزيل رأس العين، ضعفه الأزدي ".
وزاد عليه الحافظ وفي "اللسان" أنه ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأنه قال:
"يغرب وينفرد".
وقد ذكره في الطبقة الرابعة منه (٨/٣٤٩) .
ثم إنه لو سلمنا جدلاً أن لمثل هذه المخالفة قيمة تذكر؛ فيمكن الترجيح من
стр. 6025
جهة أخرى- غير الأكثر والأوثق- بأن يقال: إن هؤلاء معهم زيادة، وزيادة الثقة مقبولة. وفي الجواب التالي ما يؤكد ذلك.
وأما الجواب عن الوجه الثالث؛ فهو عند البيهقي نفسه؛ فإنه بعد أن ساق رواية عبد الله بن المؤمل وضعفه؛ قال معقباً عليه:
"إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد، وأقام إسناده ".
ثم ساقه عنه: ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد قال:
جاءنا أبو ذر، فأخذ بحلقة الباب، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ -بأذني هاتين ... فذكر حديث الترجمة بالزيادة.
ثم أعله بضعف (حميد) - وسبق الجواب عنه-، وبالانقطاع، وبقوله:
"ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: "جاءنا" يعني: جاء بلدنا. والله أعلم"!
لقد صرح مجاهد بقوله: "جاءنا أبو ذر"؛ فهذا تصريح منه بلقياه إياه وسماعه منه في مكة، ومجاهد مكي كما هو معروف، والسند إليه بذلك صحيح، والتأويل الذي ذكره البيهقي؛ إنما يصح المصير إليه؛ إذا ثبت بإسناد صحيح أيضاً ولا يقبل التأويل، كما لو ثبت أنه ولد بعد وفاة أبي ذر، أو كان صغيراً، أو نحو ذلك من الأمور التي يصلح الاعتماد عليها بعد ثبوتها؛ ففي هذه الحالة يمكن القول بالتأويل المذكور. والله أعلم.
ومع ذلك؛ فمن المسلَّم عند العلماء أن مراسيل مجاهد خير من مراسيل غيره من التابعين كعطاء وغيره، فإن لم يثبت سماعه للحديث من أبي ذر؛ فهو مرسل صحيح، يمكن تقويته ببعض الشواهد:
стр. 6026
فمنها: ما رواه عبد الله بن باباه عن أبي الدرداء:
أنه طاف بعد العصر عند مغارب الشمس، فصلى ركعتين قبل غروب الشمس، فقيل له: يا أبا الدرداء! أنتم أصحاب رسول الله ﷺ تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال:
إن هذه البلدة بلدة ليست كغيرها.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (١/٣٩٦) ، والبيهقي أيضاً (٢/٤٦٣) ، وإسناده صحيح، ولذلك لم يسعه إلا أن يقول بصحة الاستثناء المذكور في حديث الترجمة، فقال:
"وهذا القول من أبي الدرداء يوجب تخصيص المكان بذلك. والله أعلم ".
وهناك آثار أخرى تشهد لصحة الاستثناء، ولذلك رأيت الحافظ ابن عبد البر - مع تضعيفه لسند الحديث وإعلاله إياه بما تقدم- مع الرد عليه-؛ قال في "التمهيد" (١٣/٤٥) :
"وهذا حديث وإن لم يكن بالقوي- لضعف حميد مولى عفراء، ولأن مجاهداً لم يسمع من أبي ذر-؛ ففي حديث جبير بن مطعم ما يقويه، مع قول جمهور علماء المسلمين به، وذلك أن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، والحسن، والحسين، وعطاء، وطاوس، ومجاهداً، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير " كانوا يطوفون بعد العصر، وبعضهم بعد الصبح أيضاً، ويصلون بإثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود بن علي ... ".
ثم ذكر من خالفهم، فمن شاء رجع إليه فإن فيما ذكر من الحجة ما يغني عن حكاية أقوال المخالفين، ولا سيما وقد قال في بعضها:
стр. 6027
"وهذا لا وجه له في النظر؛ لأن الفرق بين ذلك لا دليل عليه من خبر ثابت، ولا قياس صحيح. والله أعلم ".
وحديث جبير بن مطعم الذي أشار إليه كاف في إقامة الحجة على المخالفين إذا وقفوا عليه، وأنصفوا ولم يقلدوا، ونصه:
"يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى؛ أية ساعة شاء؛ من ليل أو نهار".
وقد صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وهو مخرج في " الإرواء " (٢/٢٣٨- ٢٣٩) .
واعلم أن الباعث على تخريج حديث الترجمة في هذه السلسلة: أنني كنت علقت عليه في "المشكاة" (١/٣٣١) من رواية أحمد بأن: "إسناده ضعيف، لكن يشهد له الحديث المتقدم (١٠٤١) "؛ وفاتني أن أعطف على هذا الرقم رقماً آخر وهو (١٠٤٥) ، فرد علي بعض المعاصرين بأدب ولطف في رسالة له أسماها: "الإعلام في إيضاح ما خفي على الإمام "! بأن الحديث المشار إليه (١٠٤١) ليس فيه ما يشهد للاستثناء: "إلا بمكة"، ولقد صدق، وقالت (ص٣٠) :
"وهو استثناء ضعيف سنداً ومتناً، والصحيح القول بالعموم، والله أعلم. وانظر"نصب الراية " (١/٢٥٤) ، و"البيهقي " (٢/٤٦١) "!
فعجبت من غضه نظره عن حديث جبير بن مطعم المؤيد للاستثناء الذي عليه جمهور العلماء كما تقدم، ومن أمره بالنظر في المصدرين المذكورين، وفيهما حديث جبير وغيره من الطرق والشواهد.
(تنبيه) : ليس في إسناد حديث الترجمة في "مسند أحمد" ذكر لـ (حميد
стр. 6028
مولى غفرة) ، فظننت أنه سقط من الطابع، فرجعت للتأكد إلى "جامع المسانيد" لابن كثير؛ في ترجمة (مجاهد عن أبي ذر) (١٣/٧٦٨) ؛ فلم أجده فيه، فكأنه سقط عنه، ثم رجعت إلى "أطراف المسند" لابن حجر العسقلاني (٦/١٨٥/٨٠٧١) ، فوجدته كما هو في "المسند"، فترجح عندي أنه سقط قديم، فيمكن أن يكون من بعض النساخ، أو من عبد الله بن المؤمل نفسه، أثبته تارة، وأسقطه تارة، وذلك مما يؤكد ضعفه. والله أعلم.
لكني رأيت الهيثمي قال في "المجمع " (٢/٢٢٨) :
"رواه أحمد، والطبراني في "الأوسط "، وفيه عبد الله بن المؤمل المخزومي؛ ضعفه أحمد وغيره، ووثقه ابن معين في رواية وابن حبان، وقال: "يخطئ"، وبقية رجال أحمد رجال (الصحيح) "!
قلت: فلم يفرق الهيثمي بين رواية أحمد والطبراني، فإما أن تكون روايتهما واحدة، في الأولى ما في الأخرى من ثبوت ذكر (حميد) في الإسناد، فتكون نسخة الهيثمي من "المسند" على خلاف نسخة الحافظ في "الأطراف"، أو يكون حمل رواية "المسند" على رواية الطبراني، مع ما فيها من السقط، فعل ذلك تسامحاً أو سهواً! وهذا هو الأقرب. والله أعلم. *
مِن كَرَمِهِ ﷺ وحُسنِ قَضَائِه
٣٤١٣ - (نِصفٌ لك قضاءٌ، ونصفٌ لك نائلٌ منِّي) .
أخرجه البيهقي في "السنن " (٥/٣٥١) ، و"شعب الإيمان " (٧/٥٣١/١١٢٣٧)
من طريقين عن أبي عبد الله البُوشَنجي محمد بن إبراهيم: ثنا أبو صالح الفراء
стр. 6029
محبوب بن موسى: أنا عبد الله بن المبارك عن حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:
أتى رجل رسول الله ﷺ -يسأله، فاستسلف له رسول الله ﷺ -شطر وَسقٍ، فأعطاه إياه، فجاء الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقاً، وقال: ... فذكره.
وقد توبع البوشنجي- وهو ثقة حافظ- بأتم منه، فقال البزار في "مسنده" (٢/١٠٣-١٠٤/١٣٠٦- كشف الأستار) : حدثنا محمد بن أبي غالب: ثنا أبو صالح الفراء به، ولفظه:
أتى النبي ﷺ رجل يتقاضاه، قد استسلف منه شطر وسق، فأعطاه وسقاً، فقال:
"نصف وسق لك، ونصف وسق لك من عندي ".
ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه، فأعطاه وسقين، فقال رسول الله- ﷺ :
"وسق لك، ووسق من عندي ".
وقال البزار:
"لا نعلمه رواه عن حبيب هكذا إلا حمزة الزيات، ولا عنه إلا ابن المبارك ".
قلت: وكلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حمزة الزيات؛ فهو من رجال مسلم، وفيه كلام يسير أشار إليه الحافظ بقوله في "التقريب ":
"صدوق زاهد، ربما وهم ".
ولذلك قال المنذري في "الترغيب " (٣/٢٠/١٤) :
"رواه البزار، وإسناده حسن إن شاء الله ".
стр. 6030
وأما الهيثمي، فقال في "المجمع " (٤/١٤١) :
"رواه البزار، وفيه أبو صالح الفراء، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "!
وأقره الشيخ الأعظمي في تعليقه علي "كشف الأستار"! وقلده المعلقون الثلاثة على "الترغيب" (٢/٥٥٣) ، فضعفوا الحديث! وفاتهم جميعاً رواية البيهقي المصرحة بأنه (محبوب بن موسى) ، وهو معروف من شيوخ أبي داود، وقد وثقه الذهبي في "الكاشف ". وقال الحافظ في "التقريب ":
" صدوق ".
قلت: ولذلك لما نقل الحافظ في "مختصر زوائد مختصر البزار" قول شيخه الهيثمي المتقدم في (أبي صالح) : "ولم أعرفه "؛ قال (١/٥٢٩) متعقباً عليه: "قلت: هو محبوب بن موسى؛ ثقة صالح ".
ثم أقول: لقد رمى ابن خزيمة وابن حبان (حبيب بن أبي ثابت) بالتدليس، وقال الحافظ في "التقريب ":
"ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس ".
قلت: ولم يعرج الحافظ الذهبي في كل كتبه التي ترجم له فيها على وصفه بالتدليس، مثل: "تذكرة الحفاظ "، "وسير أعلام النبلاء "، و"تاريخ الإسلام "، و"الكاشف"، وغيرها، ولما أورده في "الميزان"؛ وصفه بقوله:
"من ثقات التابعين، وثقه ابن معين وجماعة، واحتج به كل من أفرد الصحاح بلا تردد".
ثم اعتذر عن إيراده فيه بقوله:
"ولولا أن الدولابي وغيره ذكروه، لما ذكرته ".
стр. 6031
فلعل إعراض الذهبي عن وصفه بالتدليس؛ لقلته في جملة ما روى من الأحاديث، فمثله مما يغض النظر عن عنعنته عند العلماء؛ إلا إذا ظهر أن في حديثه شيئاً يستدعي رده من نكارة أو شذوذ أو مخالفة، أو على الأقل يقتضي التوقف عن تصحيح حديثه. ولعل هذا هو السبب في أن ابن حبان وشيخه قد أخرجا له في "صحيحيهما" بعض الأحاديث معنعنة، كالحديث الآتي بعد هذا وغيره، فانظر "صحيح ابن حبان " (٣٧٥و٤٢٠) ، و"صحيح ابن خزيمة" (٢٣و١١٧٢و١٦٨٤) ، وهو السبب أيضاً في تحسين المنذري حديثه هذا كما تقدم. والله أعلم. *
٣٤١٤ - (من قالَ حين يأوي إلى فراشِه:
"لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَه لا شريكَ لهُ، له الملكُ، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، سبحانَ اللهِ، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبرُ".
غُفِرت له ذنوبُه- أو قالَ: خطاياهُ، شكّ مِسعَر- وإن كانَت مثلَ زَبَدِ البحرِ) .
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٥٨٧/٢٣٦٥) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة " (٢٢٩/٧١٦) ، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/٢٦٧) من طريق مسعر بن كِدام عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن باباه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
وتابعه شعبة وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت به نحوه، إلا أنهما لم يرفعاه.
أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (٤٧١/٨١١) ، وقال:
стр. 6032
"ليس في حديث شعبة: (عند منامه) ".
قلت: سفيان أحفظ من شعبة، لا سيما وزيادة الثقة مقبولة، فكيف وقد رفعه مسعر أيضاً؟! تم رأيت الأعمش قد رواه عن حبيب به موقوفاً؛ عند ابن أبي شيبة (٩/٧٣-٧٤و١٠/٢٥٠) ، فالحكم للزيادة؛ ولا سيما أنه لا يقال بمجرد الرأي كما هو ظاهر، والسند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم؛ لولا أن حبيب بن أبي ثابت كان يدلس؛ كما قال ابن حبان نفسه تبعاً لشيخه ابن خزيمة، لكن سبق مني بيان ما يرجح أن تدليسه قليل، وأن مثله يمشي العلماء حديثه حتى يتبين أن فيه علة قادحة، وأنه لذلك أخرج له ابن حبان أحاديث معنعنة في "صحيحه"، وهذا منها، فانظره في الحديث الذي قبله.
على أن في هذا ما يؤمننا من تدليسه، وهو رواية شعبة عنه عند النسائي كما تقدم؛ فإنه من المعروف عنه حرصه في عدم التحديث عن المعروف بالتدليس إذا لم يصرح بالتحديث، كما في "تقدمة الجرح والتعديل " (١٦١ و١٦٩) :
"وقال شعبة: كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: "سمعت " أو "حدثنا"؛ حَفِظتُ، وإذا قال: "حدث فلان "؛ تَرَكتُه "، وانظر (٢/٣٥) منه؛ تزدد يقيناً.
(تنبيه) : تناقض في هذا الحديث المعلق على "الإحسان " (١٢/٣٣٨) ، فأعله بعنعنة (حبيب) ، وأما في تحقيقه لكتاب "موارد الظمآن " (٢/١٠٦٦) ، فقال: إنه "حسن"! ولم يبين وجه ذلك بعد ذلك الإعلال ومع الإحالة عليه!! وقلده المعلقون الثلاثة في التحسين وبدون بيان أيضاً؟ كما هي عادتهم!
وأما المعلقان على الطبعة السورية لـ "الموارد"؛, فجريا على الجادة، فضعفا إسناده بعلة العنعنة! *
стр. 6033
فضل قضاء الدَّين عن الميت
٣٤١٥ - (ها هنا أَحدٌ من بني فُلانٍ؟ إن صاحبَكم محبُوسٌ ببابِ الجنّةِ بدَينٍ عليه)
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (١٢١/٨٩١) : حدثنا شعبة قال: أخبرني فراس قال: سمعت الشعبي قال: سمعت سمرة بن جندب يقول:
صلى رسول الله ﷺ الصبح فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، مسلسل بالسماع. وقد رواه بعضهم عن الشعبي عن سمعان بن مشنَّج عن سمرة مختصراً ومطولاً، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص ٢٦- المعارف) ؛ وقلت هناك:
"وهو على الوجه الأول صحيح على شرط الشيخين، كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط ".
وذلك؛ لأن سمعان هذا قد وثقه جماعة، مع أنهم لم يذكروا له راوياً غير الشعبي؛ وما ذاك إلا لإجلالهم وإكبارهم للشعبي، حتى قال ابن معين:
"إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه؛ فهو ثقة يحتج بحديثه ".
وقال العجلي في "ثقاته " (٢٤٤/٧٥١) :
"مرسل الشعبي صحيح، لا يرسل إلا صحيحاً صحيحاً ".
ومع ذلك كله؛ فقد أعله البخاري بالانقطاع، فقال في ترجمة (سمعان) من "التاريخ الكبير" (٢/٢/٢٠٤) :
"ولا نعلم لسمعان سماعاً من سمرة، ولا للشعبي من سمعان "!
стр. 6034
قلت: وهذا الإعلال منسجم مع مذهب البخاري المعروف في اشتراطه معرفة اللقاء كشرط في الاتصال، لكن الجمهور على خلافه، فإنهم يكتفون بإمكان اللقاء لمجرد المعاصرة، وإن كان شرط البخاري أحوط، فهو شرط كمال- عندنا- وليس شرط صحة، وعلى هذا فإعلال البخاري غير وارد في هذا الحديث.
ونحوه قول أبي حاتم في "المراسيل " (ص ١٠٢) :
"لا أدري سمع الشعبي من سمرة أم لا؟ لأنه أدخل بينه وبينه رجلاً".
قلت: وهذا الشك لا ينفي الاتصال؛ لأنه ليس علماً، فلا إشكال، وإنما الإشكال في جزمه بالنفي في ترجمة الشعبي؛ كما رواه عنه ابنه في "الجرح والتعديل " (٣/٣٢٣) :
"ولم يسمع من سمرة بن جندب، وحديث شعبة عن فراس عن الشعبي: سمعت سمرة.. غلط، بينهما سمعان بن مشنج ".
قلت: وجود واسطة بينهما في بعض الروايات لا ينفي أنه سمع من سمرة؛ لاحتمال أنه سمعه منه فيما بعد، ما دامت المعاصرة متحققة، وقد ذكر ابن أبي حاتم نفسه في أول ترجمة الشعبي: أنه رأى علي بن أبي طالب. بل قال الحافظ العلائي في "جامع التحصيل في أحكام المراسيل " (ص ٢٤٨/٣٢٢) :
"روى عن علي ﵁، وذلك في "صحيح البخاري " (١) ، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء كما تقدم ".
قلت: وعلي ﵁ توفي سنة (٤٠) ، وسمرة سنة (٥٨) ، فإمكان اللقاء والسماع منه متحقق، فالجزم بعدم سماعه منه لمجرد وجود الواسطة بينهما
стр. 6035
مردود؛ لما ذكرته من الاحتمال، هذا إذا لم يثبت تصريحه بسماعه منه، فكيف وقد صرح به في رواية الحافظ الطيالسي. وقول أبي حاتم بأنه "غلط"! مردود أيضاً؛ لأنه لا يجوز رد رواية الثقة ما دام الجمع بينها وبين الرواية الأخرى التي أثبتت الواسطة ممكناً بما قدمت.
على أن هذه الرواية قد أشار النسائي إلى شذوذها؛ فقد قال عقب الحديث في " السنن الكبرى " (٤/٥٨) :
"وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن سمرة، وقد روي أيضاً عن الشعبي عن النبي ﷺ مرسلاً. ولا نعلم أحداً قال في هذا الحديث: [عن] (سمعان) ؛ غير سعيد بن مسروق ". وأقره الحافظ المزي.
فإن صح هذا؛ فبها، وإلا؛ ففيما تقدم من الجواب كفاية وبركة. *
من أعلام نبوته ﷺ
٣٤١٥/٢ - (بينَ يدَيِ السّاعةِ يظهرُ الرِّبا، والزِّنى، والخمرُ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط " (٨/٣٤٠/٧٦٩١) : حدثنا محمد بن داود بن جابر الأحمسي البغدادي قال: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير أبي إسماعيل عن سَيَّار عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن بشير أبي إسماعيل إلا حاتم بن إسماعيل ".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وبشير أبو إسماعيل- وهو ابن سلمان- ثقة من رجال مسلم.
стр. 6036
وسيار: هو أبو حمزة الكوفي، وثقه ابن حبان، وصحح له الحاكم (١/٤٠٨) ، ووافقه الذهبي؛ فهو حسن الحديث.
ومحمد بن عباد المكي ثقة أيضاً من رجال الشيخين.
وأما محمد بن داود بن جابر الأحمسي " فأورده الخطيب في "التاريخ" (٥/٢٦٣- ٢٦٤) ، وساق له حديثاً من طريق الطبراني أيضاً غير هذا، ولم يزد؛ فهو مجهول. لكنه قد توبع، فأخرجه الشَّجَري في "الأمالي " (٢/٢٧٣) من طريق أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا محمد بن عباد المكي به.
وأحمد بن عبد الجبار، قال الذهبي في "المغني":
"حديثه مستقيم، وضعفه غير واحد".
وتابعه أيضاً غيره، فقال الطبراني في "الأوسط " أيضاً (٩/٧٣/٨١٥٤) : حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا محمد بن عباد المكي به؛ غير أنه لم يذكر: "الزنى".
وموسى بن هارون: هو الحمال، ثقة حافظ.
وبهذا التخريج يتبين أن الحديث رجال إسناده رجال "الصحيح"؛ غير سيار أبي حمزه الكوفي، وقد سبق أنه حسن الحديث. وقد أشار المنذري في "الترغيب" (٣/٥٢/٢٣) إلى تقوية الحديث.
وأما قول الهيثمي في "المجمع " (٤/١١٨) :
"رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله رجال (الصحيح) "!
فهذا التعميم- فيما يبدو لي- يعني أن (سياراً) هذا هو أبو الحكم العنزي الواسطي؛ فإنه من رجال الشيخين، لكن الإمام أحمد وغيره جزم بأن (سياراً)
стр. 6037
الذي يروي عنه بشير بن سلمان هو أبو حمزة الكوفي، وليس هو أبا الحكم، وإن جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات عن بشير؛ انظر الحديث المخرج تحت الحديث (٢٧٦٧) ، فلهذا اقتصرت على التحسين. لكن الحديث صحيح، ومن دلائل نبوته ﷺ ؛ فقد جاء مفرقاً في أحاديث تقدم بعضها، فانظر مثلاً حديث ابن عمر المتقدم برقم (١٠٧) ، وحديث ابن عباس المخرج في "غاية المرام" (٢٠٣/٣٤٤) ، وحديث عبادة بن الصامت في "الصحيحة" برقم (١٦٠٤) وغيرها.
ومن ذلك قوله- ﷺ :
"إن من أشراط الساعة: أن يُرفَعَ العِلمُ، ويَظهَرَ الجَهلُ، ويَفشُوَ الزِّنى، وتُشرَبَ الخمرُ ... " الحديث.
أخرجه الشيخان في "العلم "، وأصحاب "السنن "- غير أبي داود-، وصححه الترمذي (٢٢٠٥) . *
٣٤١٦ - (ما من مسلِمَينِ يموتُ لهما ثلاثةُ أطفالٍ لم يبلغُوا الحنثَ،
إلا جِيءَ بهم حتّى يُوقفُوا على باب الجنّة، فيقالُ لهم: ادخلوا الجنّة، فيقولون: أندخلُ ولم يدخل أبوانَا؟! فيقالُ لهم- فلا أدري في الثّانيةِ-: ادخلوا الجنة وآباؤكم، قال: فذلك قولُ الله : (فما تنفعُهم شفاعةُ الشّافِعين) ؛ قالَ: نفعَتِ الآباءَ شفاعةُ أولادِهم) .
أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده " (٤/٢٣٠/٢) : أخبرنا النضر بن شُمَيلٍ: نا أبان بن صَمعة: نا محمد بن سيرين عن حبيبة- أو أم حبيبة- قالت:
كنا في بيت عائشة، فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: ... فذكره.
стр. 6038
وهكذا أخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٨/٤٤٦) فقال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا أبان بن صمعة قال: سمعت محمد بن سيرين- ودخل علينا في السجن على يزيد بن أبي بكر [ة]- فقال: حدثتني حبيبة:
أنها كانت في بيت النبي ﷺ ، فجاء النبي- ﷺ ... الحديث إلى قوله: "ادخلوا أنتم وآباؤكم " دون ما بعده، وزاد:
فقالت عائشة للمرأة: أسمعت؟ فقالت: نعم.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/٢٢٤/٥٧٠) ، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢/٣٤٢/٢) من طرق أخرى عن أبان بن صمعة مختصراً به.
ثم أخرجه الطبراني من طريقين عن عبد الرزاق قال: سمعت هشام بن حسان يحدث عن محمد بن سيرين عن يزيد بن أبي بكرة قال: حدثتني حبيبة أنها كانت عند عائشة.. الحديث إلى قوله:
"ادخلوا أنتم وآباؤكم الجنة ".
وقال الهيثمي في "المجمع " (٣/٧) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله رجال "الصحيح "، خلا يزيد بن أبي بكرة، ولم أجد له ترجمة، وأعاده بإسناد آخر، ورجاله ثقات، وليس فيه (يزيد بن أبي بكرة) ، والله أعلم "!
قلت: يزيد بن أبي بكرة الثقفي؛ ذكره ابن سعد في أولاد أبي بكرة الثقفي ﵁؛ في كتابه "الطبقات" (٧/١٩١) ، ولم يترجم له. وأورده ابن حبان في "الثقات " (٥/٥٣٤) ، وقال:
"روى عنه أهل البصرة".
стр. 6039
فالعجب من الهيثمي كيف خفي عليه هذا، ومن كتبه "ترتيب ثقات ابن حبان"! وأما المنذري؛ فكأنه كان على علم بهذا التوثيق؛ فقد رأيته يقول في "الترغيب" (٣/٩١/١٠) -وقد ساقه بلفظ عبد الرزاق-:
"رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن جيد".
وأنا أخشى أن يكون ذكر (يزيد بن أبي بكرة) بين ابن سيرين وحبيبة خطأ من عبد الرزاق أو غيره؛ لرواية أبان بن صمعة الخالية منه، وبخاصة رواية ابن سعد عنه؛ فإنها صريحة بأن ابن سيرين حدث به يزيد بن أبي بكرة في السجن، ولذلك قال ابن سعد عقبها:
"هكذا رواه محمد بن سيرين عن (حبيبة) ، ولم ينسبها، فلا ندري: هي بنت سهل أو غيرها؟! ".
قلت: بل هي (حبيبة بنت أبي سفيان) ؛ كما جاء مصرحاً به في رواية الأنصاري عند الطبراني، وأورد الحديث تحت اسمها. وذكر أبو نعيم أنها خادمة عائشة، وجاء في آخر حديثها عنده:
فقالت لي عائشة: أسمعت؟ قلت: نعم، قالت: فاحفظي إذاً.
وهكذا أخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده"؛ كما في "الإصابة"، وجزم بأنها (حبيبة بنت أبي سفيان) ، ورد على من ظن خلاف ذلك؛ فراجعه إن شئت.
وأبان بن صمعة- وهو الأنصاري- وثقه جمع، وروى له مسلم حديثاً واحداً - متابعة-:
"اعزل الأذى عن طريق المسلمين "، ومضى تخريجه برقم (٢٣٧٢) ، وغاية ما قيل فيه أنه كان اختلط، ولذلك قال ابن عدي في "الكامل " (١/٣٩٢) :
стр. 6040
"له من الروايات قليل، وإنما عيب عليه اختلاطه لما كبر، ولم ينسب إلى الضعف؛ لأن مقدار ما يرويه مستقيم غير منكر؛ إلا أن يدخل في حديثه شيء بعدما تغير واختلط ".
قلت: ويدل على استقامة حديثه هذا- وأنه قد حفظه- أمران:
أحدهما: متابعة هشام بن حسان المتقدمة عند عبد الرزاق.
والآخر: أن له شواهد، فأذكر بعضها:
١- عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم:
"صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه- أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه- أو قال: بيده-، كما آخذ أنا بصَنِفة ثوبك هذا، فلا يتناهى- أو قال: فلا ينتهي- حتى يدخله الله وأباه الجنة".
أخرجه مسلم (٨/٤٠) ، وأحمد (٢/٥١٠) . وروى منه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٧/١٤٥) إلى قوله: "صغاركم دعاميص الجنة ".
٢- قال ابن سيرين أيضاً:
جاء الزبير بابنه عبد الله إلى النبي ﷺ ، فقال النبي- ﷺ :
"ما من مؤمنين يموت لهما ثلاثة إلا أدخلهم الله الجنة، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: وآباؤنا؟! فيقال لهم في الثالثة: وآباؤكم ".
أخرجه عبد الرزاق (١١/١٣٩/٢٠١٣٨) ، وإسناده ثقات؛ فهو صحيح مرسل.
стр. 6041
٣- عن قرة المزني في قصة وفاة ابن صغير له، وتعزية النبي ﷺ إياه، وفيه قوله- ﷺ :
"يا فلان! أيهما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك يفتحه لك؟! ".
قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي؛ لهو أحب إلي! قال:
"فذاك لك ".
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! جعلني الله فداك! أله خاصة أو لكلنا؟ قال:
"بل لِكُلِّكُم ".
صححه الحاكم والذهبي،، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص٢٠٥) ، وصححه الحافظ أيضاً في "الفتح " (٣/١٢١) . *
٣٤١٧ - (إنّ الذِي يشربُ في إناءِ الفضّةِ [والذهبِ] إنما يُجرجرُ
في بطنهِ نارَ جهنّم؛ إلا أن يتوبَ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٨٨-٣٨٩/٩٢٨) : حدثنا أحمد ابن زهير التستري: ثنا عبيد الله بن سعد: ثنا أبي: حدثنا أبي عن صالح بن كيسان: أنا نافع أن زيد بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره أن أم سلمة أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ باستثناء شيخ
стр. 6042
الطبراني التستري- وهو أحمد بن يحيى بن زهير التستري- نسب إلى جده، وهو ثقة حافظ، وهو مترجم في "تذكرة الحفاظ " وغيره.
وعبيد الله بن سعد؛ وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهم كلهم من رجال البخاري، يروي بعضهم عن بعض؛ إلا أن (سعداً) والد (عبيد الله) روى له البخاري مقروناً. وقوله: "حدثني أبي " كان الأصل: "حدثني عمي "؛ فغلب على ظني أن قوله: "عمي "؛خطأ من الناسخ أو الطابع؛ لأن أحداً ممن ترجم لـ (سعد) هذا لم يذكر له أنه روى عن عمه، وإنما ذكروا أنه روى عن أبيه (إبراهيم بن سعد بن إبراهيم) . ومما أكد لي الخطأ المذكور: أن (إبراهيم) هذا هو الذي ذكره الحافظ المزي في الرواة عن (صالح بن كيسان) شيخه في هذا الحديث، ولم يذكر غيره من آل (الزهري) .
هذا ما أدى إليه اجتهادي وبحثي وتحقيقي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفره من ذنبي، خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
وكان الباعث على تخريج الحديث: أنني كنت خرجته قديماً في"إرواء الغليل" (١/٦٨-٧٠/٣٣) ، و"غاية المرام" (٩٠/١١٦) من رواية مسلم وغيره بالزيادة التي بين المعكوفتين دون الاستثناء، مع أن السيوطي كان قد أورد الحديث في "الجامع الصغير" برواية مسلم، عازياً الاستثناء للطبراني، ولما ألفت "صحيح الجامع "؛ ذكرت تحته المصدرين المذكورين آنفاً، والآن في صدد إعادة النظر في أحاديث "صحيح الترغيب " لإعادة طبع الجزء الأول منه بتحقيق جديد، ومفيد جداً، مع طبع سائره؛ اقتضاني ذلك مراجعة المصدرين المشار إليهما، فلما لم أجد فيهما تخريجاً بل ولا ذكراً لهذا الاستثناء؛ بادرت إلى تخريجه الآن. وغالب الظن أن عدم تخريجه قديماً؛ إنما كان بسبب أن المجلد الذي فيه أحاديث أم سلمة لم يكن
стр. 6043
مطبوعاً يومئذ، ولا هو مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق؛ والله أعلم، فاعتمدت آنئذ على سكوت السيوطي عنها، وإن كنت أعلم أن فيما يسكت عنه نظراً كبيراً، لكن في مثل هذه الحالة لا يسعني ولا غيري من الطلاب المعتدلين إلا الاعتماد على العلماء ما لم يتبين خطؤهم، على هذا جريت في كل تآليفي، ولا سيما أن (الاستثناء) هنا شواهده في الكتاب والسنة لا تعد ولا تحصى. والله ولي التوفيق.
(تنبيه) : ذكرت آنفاً أن مسلماً وغيره أخرج الحديث- دون الاستثناء- عن أم سلمة، ثم وجدت له شاهداً من حديث ابن عباس، أورده الهيثمي في "المجمع " (٥/٧٦- ٧٧) ، وقال:
"رواه أبو يعلى، والطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن يحيى بن أبي سمينة، وقد وثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله ثقات "!
فرابني هذا الحكم منه حين قابلته بإسناد الطبراني في "المعجم الصغير" وتخريجي إياه في "الروض النضير" (٤٢٠) ؛ فإن إسناده ضعيف جداً، وقد شمله بحكمه السابق، فظننت أن فيه خطأ يقيناً- على الأقل- من حيث التعميم، فرأيت أنه لا بد من متابعة البحث عن إسناد أبي يعلى، والطبراني في "الأوسط " أيضاً، فتكشفت لي أوهام للهيثمي، وأخرى لبعض المعاصرين الذي لهم مشاركة ما في هذا العلم.
فرأيت إسناد "الأوسط " هو عين إسناد "الصغير"، فقال (٤/٢٠٤/٣٣٥٧) : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدثنا محمد بن بحر التميمي، قال: حدثنا سليم بن مسلم الخشاب قال: حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس.
стр. 6044
ثم رجعت إلى "مسند أبي يعلى"، فرأيته لا يختلف إسناده عن الذي قبله إلا في الراوي عن (سليم الخشاب) ، فقال أبو يعلى (٥/١٠١/٢٧١١) : حدثنا محمد بن يحيى: حدثنا سليم بن مسلم المكي: حدثنا نضر بن عربي به.
قلت: فتبين لي أن شكي في توثيق الهيثمي للرجال- غير محمد بن يحيى- كان في محله؛ فإن مدار الإسناد عند أبي يعلى على سليم الخشاب أيضاً، وهو غير ثقة، قال الذهبي في "الميزان":
"سليم بن مسلم المكي الخشاب الكاتب.. قال ابن معين: جهمي خبيث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئاً ".
ثم ألقي في النفس شك آخر، وهو تفسير الهيثمي لشيخ أبي يعلى: (محمد ابن يحيى) بأنه: (ابن أبي سمينة) ، وخشيت أن يكون (يحيى) محرفاً من (بحر) وهو (التميمي الهجيمي) كما تقدم، وقد حملني على ذلك أمور:
أولاً: قول الطبراني في "المعجمين " عقب الحديث:
"لم يروه عن النضر بن عربي إلا سليم بن مسلم، تفرد به محمد بن بحر الهجيمي ".
ثانياً: قول ابن حبان في "ضعفائه " في ترجمة (محمد بن بحر البصري) (٢/٣٠٠) :
"شيخ كان ينزل في (بَلهُجَيم) بالبصرة، أخبرنا عنه أبو يعلى الموصلي، يروي عن الضعفاء أشياء لم يحدث بها غيره عنهم، حتى يقع في القلب أنه كان يقلبها عليهم، فلست أدري البلية في تلك الأحاديث منه أو منهم؟! ومن أيهم كان؛ فهو ساقط الاحتجاج حتى يتبين عدالته بالاعتبار بروايته عن الثقات ".
стр. 6045
قلت: ولذلك جزم الذهبي برواية أبي يعلى عن ابن بحر هذا، وهو وابن حبان من أعرف الناس بتراجم شيوخ ابن حبان، فلو أنهما كانا يعلمان أن ابن يحيى بن أبي سمينة يروي أيضاً عن (سليم بن مسلم الخشاب) لذكراه أيضاً. ويؤيده:
ثالثاً: أن الحافظ المزي لم يذكر (الخشاب) هذا في شيوخ (ابن يحيى) من "تهذيب الكمال"، ومن عادته أنه يستقصي فيه أسماء، ء شيوخ المترجم استقصاء واسعاً جداً لا نعرفه لغيره.
من أجل ذلك؛ ظننت أن (ابن يحيى) محرف من (ابن بحر) ، كان مما يساعد على ذلك قوة التشابه بين الاسمين، وبخاصة مع إهمال إعجامهما؛ ولذلك وقع التحريف المذكور في قول الطبراني أيضاً الذي نقلته في (أولاً) مع وقوعه على الصواب في إسناده هذا في "المعجم الأوسط "، أما في "الصغير"؛ فهو على الصواب في الموضعين. وكذلك هو في "المعجم الكبير" (١٢/٣٧٣/١٢٠٤٦) في السند فقط؛ لأن من عادته فيه أنه لا يعقب على الأحاديث بكلام، خلافاً لـ "المعجمين" الآخرين.
ولتمام البحث والتحقيق؛ رجعت إلى كتاب الحافظ ابن حجر "المطالب العالية" المسند (١/٢/١) ، فرأيته قد ساق إسناد الحديث برواية أبي يعلى كما هو في "مسنده"، وفيه (يحيى) ، وكذلك هو في "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي" لشيخه الهيثمي (٢/٢٧١-٢٧٢/١٥٢٢) ، فظننت أنه تحريف قديم. والله أعلم.
والآن، أبدأ بالتنبيه على بعض الأوهام التي مرت بي فأقول:
١- جاء حديث الهجيمي هذا في "مجمع البحرين" للهيثمي (٧/١٠٥/٤١٢٥) مرموزاً له بحرف ﷺ ، أي: أن الحديث من أفراد "الصغير"؛ وهو تحريف أيضاً،
стр. 6046
الصواب (ق) ؛ أي: هو في "الأوسط" كما هو اصطلاحه الذي نص عليه في المقدمة.
٢- اقتصر المعلق على "مسند أبي يعلى" على قوله:
"إسناده ضعيف، سليم بن مسلم المكي؛ قال أحمد: لا يساوي حديثه شيئاً "!
قلت: استدلاله بقول أحمد هذا ينافي اقتصاره، فحقه أن يقول: "ضعيف جدّاً "، لاسيما وقد قال فيه النسائي: "متروك الحديث " كما تقدم.
وقلده في هذا الخطأ من الاقتصار: المعلق على "المقصد العلي"!
٣- قال المعلق على "أبي يعلى" بعد اقتصاره على التضعيف:
"ويشهد له حديث أم سلمة عند البخاري في "الأشربة" (٥٦٣٤) .. وعند مسلم في "اللباس" (٢٠٦٥) .. "!
وهذا من غفلته أو حداثته أو تساهله؛ فإنه ليس عند البخاري لفظة: "الذهب"، والغريب أن الحافظ ابن حجر سبقه إلى ذلك في تعقيبه على الحديث في "المطالب العالية "! وتنبه لذلك الحافظ المنذري في "الترغيب" (٣/١١٧/١) ، ففرق بين رواية الشيخين الخالية من اللفظة، ورواية مسلم التي فيها اللفظة.
(تنبيه) : للهجيمي حديث مخرج برقم (٦٥٤٢- "الضعيفة") . *
٣٤١٨ - (بايعنَا رسولَ الله ﷺ -على السمعِ والطّاعةِ في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكره، وعلى أثَرةٍ علينا، وعَلى أن لا نُنازعَ الأمرَ أَهله، [إلا أن ترَوا كُفراً بَواحاً، عندكم من اللهِ فيه بُرهانٌ] ، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينَما كنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومة لائمٍ) .
هو من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وله عنه طريقان:
стр. 6047
الأول: يرويه عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: ... فذكره، دون الزيادة التي بين المعكوفتين.
أخرجه البخاري (٧١٩٩ و٧٢٠٠) - باختصار-، ومسلم (٦/١٦) ، وأبو عوانة (٤/٤٥٤) - والسياق لهما-، وابن حبان (٧/٣٩-٤٠/٤٥٣٠) ، والنسائي (٢/١٨٠-١٨١) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٤٩٤-٤٩٥/١٠٢-١٠٣٢) ، والبيهقي في "السنن" (٨/١٤٥و١٠/١٥٨) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥/٥٧/١٩١٠٤) ، والحميدي في "مسنده" (١٩٢/٣٨٩) ، وأحمد (٥/٣١٤و٣١٦و٣١٩) .
ولم يذكر بعضهم (الوليد بن عبادة) في الإسناد- ومنهم ابن حبان-، وقال هذا:
"سمع عبادة بن الوليد عبادة بن الصامت ".
والطريق الأخرى: يرويها جُنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت به نحوه مختصراً، وفيه الزيادة.
أخرجه البخاري (٧٠٥٥ و٧٠٥٦) ، ومسلم (٦/١٦-١٧) ، وأبو عوانة (٤/٤٥٦) ، وابن حبان (٧/٤٥/٤٥٤٣) ، وابن أبي عاصم (٢/٤٩٢/١٠٢٦و٤٩٣/١٠٢٨و٤٩٥/١٠٣٣و١٠٣٤) ، وابن أبي شيبة (رقم ١٩١٠٥) ، وأحمد (٥/٣٢١) ، والبيهقي (٨/١٤٥) من طرق عنه.
وأخرجه البزار في "البحر الزخار" (٧/١٤٣-١٤٤/٢٦٩٨-٢٧٠٠) من الطريقين.
هذا؛ ولقد كان الباعث على تخريج الحديث وتتبعه في هذه المصادر الكثيرة - التي قلما تراها مجموعة في كتاب-: أنني رأيت الحافظ المنذري قد ساق الحديث
стр. 6048
في "الترغيب" (٣/١٦٧/٢) كما ترى أعلاه معزواً للشيخين، فشككت في ذلك، فتبين أن فيه تسامحاً؛ لأنه ليس عندهما بهذا السياق، ولاسيما البخاري؛ فإنه عنده مختصر، والسياق لمسلم دون الزيادة، وهي عندهما في الطريق الأخرى كما تقدم، فقد ركب منهما سياقاً لا وجود له في شيء من تلك المصادر الكثيرة إطلاقاً، وكثيراً ما يفعل مثله، ويتعقبه الحافظ الناجي في "عجالته "، أما هنا فلم يتعرض له؛ لذلك كان هذا التحقيق.
ولقد كان من تمامه: أنني رأيت المعلقين الثلاثة قلدوا المنذري في ذاك التركيب، وزادوا فعزوا للشيخين بالأرقام- كما هي عادتهم، ولا يحسنون إلا هذا، بل إنهم لا يحسنون حتى هذا! - ففد قالوا (٣/١٧٦) :
"رواه البخاري (٧٠٥٦) ، ومسلم (١٧٠٩) "!
فإذا رجعت إلى الرقم الأول؛ وجدته يبتدئ بقوله:
"فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة ... " الحديث! فمن بالغ غفلتهم أنهم لم يذكروا مع الرقم المذكور الرقم الذي قبله- كما تقدم مني-؛ فهو يبدأ بإسناد البخاري الذي ينتهي إلى جنادة عن عبادة قال: دعانا النبي- ﷺ فبايعناه ...
هكذا طبع الحديث برقم البخاري بشرح "الفتح" برقمين، وهو حديث واحد! ليضل به هؤلاء الجهلة المعتدين على السنة، ولا ينتبهوا بسببه لأول الحديث؛ لأن هدفهم التظاهر بمظهر الباحثين، وليس المحققين، وتسويد السطور بالأرقام!! وقد قدمت أن حديث جنادة هذا مختصر، فليس فيه الجملة الأخيرة: "وعلى أن نقول الحق.. " إلخ. وإنما هي في حديث عبادة بن الوليد بن عبادة، الذي لم يشيروا إليه برقمه عند البخاري ولا عند مسلم، أما البخاري؛ فواضح من اقتصارهم على الرقم المتقدم، والذي لا يشير إلى الحديث بكامله!
стр. 6049
وأما مسلم؛ فالرقم الذي سودوه (١٧٠٩) أعجب من سابقه؛ لأن أوله عند مسلم (٦/١٢٧) :
"تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ... " الحديث (١) ، وهذا حديث آخر لعبادة من طريق أخرى عنه، وليس فيه ولا جملة واحدة مما في حديث الترجمة! فما عسى أن يقول الناقد الناصح في أمثال هؤلاء الجهلة الذين يتاجرون بجهلهم؟! ولو أنهم كانوا علماء وتاجروا بعلمهم؛ لنفعوا الناس، وأضروا بأنفسهم، أما هم: "فضلوا وأضلوا"! نعوذ بالله منهم جميعاً.
ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم، وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".
والذي يهمني منها هنا: أن فيه رداً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنه لم يروا منه (كفراً بواحاً) ، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر ﵁ لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينج منهم إلا القليل، ثم غدروا به ﵁ كما هو معروف في التاريخ.
والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة، وجعلوا الخروج على حكام المسلمين ديناً على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي- ﷺ -منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله- ﷺ .
" الخوارج كلاب النار" (٢) .
стр. 6050
ورغم أنهم لم يروا كفراً بواحاً منهم، وإنما ما دون ذلك من ظلم وفجور وفسق. واليوم- والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون-، فقد نبتت نابتة من الشباب المسلم، لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا قليلاً، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم، وأثاروا فتناً عمياء، وسفكوا الدماء، في مصر، وسوريا، والجزائر، وقبل ذلك فتنة الحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج.
ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه الله، ولكنه شُبِّهَ له الأمر أو غرر به؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة، يتعرفون بها خطأهم، ولعلهم يهتدون.
فأقول: من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) [آل عمران: ٩٧] وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل.
والذي يحتاج إلى التفصيل؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين:
الأولى: أن قتال أعداء الله- من أي نوع كان- يتطلب تربية النفس على الخضوع لأحكام الله واتباعها؛ كما قال- ﷺ :
"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله " (١) .
والأخرى: أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي؛ الذي ينكأُ أعداء الله؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين فقال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
стр. 6051
رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) [الأنفال: ٦٠] . والإخلال بذلك مع الاستطاعة؛ إنما هو من صفات المنافقين، ولذلك قال فيهم رب العالمين: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدَّةً) [التوبة: ٤٦] .
وأنا اعتقد جازماً أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من المؤمنين دون علم من حكامهم- كما هو معلوم-، وعليه؛ فقتال أعداء الله من جماعة ما سابق لأوانه، كما كان الأمر في العهد المكي، ولذلك؛ لم يؤمروا به إلا في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] .
وعليه؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد، والمخلص حقاً لرب العباد: أن يلتفتوا لإصلاح الداخل، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه، وهذا يتطلب عملاً دؤوباً، وزمنا طويلاً؛ لتحقيق ما أسميه بـ (التصفية والتربية) ؛ فإن القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء، والمربين الأتقياء، فما أقلهم في هذا الزمان، وبخاصة في الجماعات التي تخرج على الحكام!
وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية، كما هو واقع بعض الأحزاب الإسلامية، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها، فانحرفوا إلى العمل السياسي أو الجهاد، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية، وكلهم واهمون في ذلك، فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعاً بسبب الإخلال بواجب التصفية، وركونهم إلى التقليد والتلفيق، الذي به يستحلون كثيراً مما حرم الله! وهذا هو المثال: الخروج على الحكام؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح.
وختاماً أقول: نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم؛ كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان، والأضاحي في عيد الأضحى، وغير
стр. 6052
ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث، ولكن بشرط الاستطاعة كما تقدم.
لكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة، والسافكين لدماء المسلمين أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة، لا مجال الآن لبيانها، من أهمها أن جند ذاك الحاكم من إخواننا المسلمين، وقد يكون جمهورهم- أو على الأقل الكثير منهم- عنه غير راضين، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس اليهود، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟! أظن أن سيكون جوابهم عدم الاستطاعة بالمعنى المشروح سابقاً، والجواب هو جوابنا، والواقع يؤكد ذلك؛ بدليل أن خروجهم- مع تعذر إمكانه- لم يثمر شيئاً سوى سفك الدماء سُدى! والمثال - مع الأسف الشديد- لا يزال ماثلاً في الجزائر، فهل من مدَّكر؟!. *
٣٤١٩ - (مَن تركَ الصّلاةَ سُكراً مرةً واحدةً؛ فكأنما كانت له الدُّنيا وما عليها فَسُلِبها، ومَن تركَ الصّلاةَ سُكراً أربعَ مرّاتٍ؛ كان حقاً على الله أن يُسقِيَه من طِينةِ الخَبَالِ. قيل: وما طينةُ الخَبَالِ يا رسولَ اللهِ؟! قال: عُصارةُ أهلِ جهنّم) .
أخرجه الحاكم (٤/١٤٦) ، وأحمد (٢/١٧٨) - والسياق له-، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/٣٨٩) ، و"شعب الإيمان" (٥/٨-٩/٥٥٨٢) من طرق عن ابن وهب: حدثني عمرو- يعني: ابن الحارث- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: ... فذكره. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! وقال الذهبي عقبه:
"سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جداً "!
стр. 6053
كذا قال! وهو يعني- والله أعلم- غرابة المتن، ومع ذلك؛ فذلك لا يعني أنه ضعيف؛ كما لا يخفى على أهل العلم؛ لأن الغرابة قد تجامع الصحة، والترمذي يجمع بينهما في كثير من أحاديثه الصحيحة. ويؤيد ما قلت؛ أن الذهبي قد أورد الحديث في كتابه "الكبائر" (ص ٧١- تحقيق الأخ مشهور) ، وقالت:
"سنده صحيح ".
وكذا قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (١٠/١٨٧) ! والصواب أنه حسن؛ للخلاف المعروف في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو.
تنبيهات:
أولاً: روى الطبراني الحديث في "المعجم الأوسط " (٧/١٩٣/٦٣٦٧) من طريق موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث به. ثم قال:
"لم يروه عن عمرو بن الحارث إلا موسى بن أعين "!
قلت: هذا حسبما أحاط به علمه، وإلا؛ فهو عند أحمد وغيره من غير طريقه؛ كما سبقت الإشارة إليه في أثناء التخريج.
ثانياً: لم يعزه المنذري في "الترغيب" (٣/١٨٩/٥١) إلا للحاكم؛ إلا أنه قال: "وروى أحمد منه: "من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة؛ فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها". ورواته ثقات"!
قلت: وهذا من أوهام المنذري ﵀، فالحديث عند أحمد بتمامه كما رأيت، ولم يذكره في مكان آخر من "المسند" مختصراً كما عزاه المنذري ﵀.
стр. 6054
ومن غرائب الهيثمي: أنه قلده في "مجمع الزوائد" (٥/٦٩- ٧٠) ، فقال:
"رواه أحمد، ورجاله ثقات "!
ولم يذكر منه إلا طرفه الأول! وقد تعقبه الشيخ أحمد شاكر، فقال:
"ولا أدري لم ترك باقيه؟! فإني لم أجده فيه في موضع آخر".
وفاته أنه قلد في ذلك المنذري! وقد جاء الحديث بتمامه في "جامع المسانيد" لابن كثير (٢٦/١٦٠/٣٠٩٥) ، و"أطراف المسند" لابن حجر (٤/٢٨/٥١٦٠) .
ثالثاً: من جهل المعلقين الثلاثة؛ قولهم في التعليق على الحديث في طبعتهم لـ" الترغيب والترهيب " (٣/٢٢٧) :
"حسن بشواهده، رواه الحاكم (٤/١٤٦) وصححه، وقال الذهبي: سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جداً، ورواه أحمد (٢/١٧٨) ، وقال الهيثمي (٥/٦٩- ٧٠) : رواه أحمد، ورجاله ثقات "!
قلت: وفي هذا التعليق بلايا وجهالات:
الأولى: قولهم: "حسن بشواهده " كذب مخالف للواقع؛ فليس له شواهد، بل ولا شاهد واحد، ولذلك استغربه الذهبي كما تقدم.
الثانية: قولهم: وقال الذهبي: "سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جداً " من الأدلة الكثيرة على أنهم يهرفون بما لا يعرفون، وينقلون ما لا يفهمون، فكأنهم أشد عجمة من الأعاجم؛ وإلا فمن من العرب الأقحاح- فضلاً عن الأعاجم المستعربين من أمثالي (!) - يستطيع أن يفهم مرجع ضمير (عنه) ؟! بينما هو مفهوم جداً أنهم نقلوا الإسناد كما فعلت فيما تقدم، وأنه يرجع إلى (عمرو بن الحارث) ، وإذا
стр. 6055
كان لا يهمهم الإسناد ولا يروق لهم، لأنهم لا يفهمونه؛ فكان بحسبهم أن يستروا جهلهم وعجمتهم بأن يقتصروا على نقل قول الذهبي فقط: "وهو غريب جداً "!
الثالثة: أنه كان بإمكانهم أن لا يقعوا في ذاك الكذب؛ لو كانوا على علم بهذا الفن الشريف، وذلك بتحسينهم لإسناد الحديث كما يقتضيه علم الحديث، أو بتقليدهم لمن صحح الحديث كما تقدم ذكره، ولكنهم- مع الأسف الشديد-، لا يحسنون حتى التقليد! فكيف لهم بالعلم؟!
الرابعة: لقد وقفت اليوم على كتاب لهم جديد؛ فهم يتسابقون مع الناشرين والمؤلفين من أمثالهم في إصدار مؤلفات جديدة مزوقة؛ لعرضها في المعارض التي تقام ما بين آونة وأخرى في بلاد مختلفة. هذا الكتاب كانوا عملوا له دعاية طنانة في أواخر مجلدات طبعتهم لـ "الترغيب والترهيب " الممتلئة بالأوهام والجهل والأكاذيب- وهذا الحديث مثال ظاهر في ذلك-؛ سموه "تهذيب الترغيب والترهيب من الأحاديث من الصحاح "! وهذا الاسم وحده يكفي الباحث المنصف أن يستدل به على جهلهم وعجمتهم؛ لأنه كما يقال في بعض البلاد: (المكتوب مُبَيَّن من عنوانه) ! ذلك لأنهم يعنون خلاف ما عَنْوَنُوا! فقد كتبوا تحته: "طبعة محققة متميزة بصحاح الأحاديث ... "! فإذن قصدهم يخالف لفظهم، فهم يعنون: تهذيبه من الأحاديث الضعيفة، وليس من الصحيحة!!
فلما وقفت اليوم على "تهذيبهم " المزعوم؛ هالني ما رأيت فيه من إعراضهم عن الأحاديث الثابتة التي كانوا قد صححوها في التعليق على "الترغيب"، وجزمت بما كان يغلب على ظني أنهم ما قاموا بطبع الكتاب في أربع مجلدات كبار إلا جشعاً وركضاً وراء المال الحرام، بتظاهرهم بمظهر الباحثين والمصححين والمحققين، وهم كما يقال: (ليسوا في العير ولا في النفير) ، وقد بينت فيما سلف
стр. 6056
من هذه السلسلة وغيرها كثيراً من جهلهم وتعديهم على السنة تصحيحاً وتضعيفاً. والله المستعان.
والآن؛ لننظر ماذا في "تهذيبهم" مما يؤكد ما سبق من وصفهم دون التوسع في نقدهم لضيق المجال؟! فأقول:
إن مما يلفت نظر القارئ اللبيب والمطلع على "ترغيبهم" البالغ أربع مجلدات كبار: أن تهذيبهم الذي "يحتوي على الأحاديث الصحيحة والحسنة" كما قالوا في المقدمة (ص ٦) ؛ إنما هو في مجلد واحد فقط! ومجموع أحاديثه (١٢٨٤) فقط، من أصل مجموع أحاديث أصله "الترغيب" (٥٥٨٠) ، أي: أقل من الربع! فهل هذا يمثل واقع عدد الأحاديث الصحيحة في "الترغيب" أو يقارب ذلك؟ الأمر ليس كذلك ألبتة، يوضح لك ذلك أن المجموع المذكور يقارب عدد أحاديث تأليفي للمجلد الأول من "صحيح الترغيب والترهيب"؛ وإنما يزيد عليه بنحو (٢٠٠) حديث، وهو مجلد من ثلاث مجلدات فيما أقدر؛ لأن البقية تحت الطبع، أي: بنسبة ثلث من ثلاثة!
ويؤكد هذه النسبة مثال آخر؛ وهو أن مجموع الأحاديث التي صححوها أو حسنوها في "الترغيب" بلغ (٧١) حديثاً من كتاب (الإخلاص) - وهو أول كتاب فيه-؛ وعددها فيه من "تهذيبهم" (٢١) ! أي: بنسب الثلث أيضاً، فقد أطاحوا بنحو ثلاثة أرباع ما صححوا من الأحاديث في هذا الكتاب الواحد، فكم سيكون مجموع الأحاديث التي أطاحوا بها من الكتب الأخرى؟! لا شك أنها ستكون قريباً من ألفين! بل وأكثر لولا الأحاديث المكررة في الأصل، فهي مما أسقطوه. ويؤيد ذلك أن رقم آخر حديث في كتابي "صحيح الترغيب " وفي التجربة التي تحت يدي: هو (٣٦٩١) ، قد تزيد قليلاً، أو ينقص بعد تصحيح التجربة الأخيرة.
стр. 6057
وهنا سؤال يطرح نفسه- كما يقال اليوم-: ما الذي حمل هؤلاء على طرح أكثر الأحاديث التي صححوها مما سموه بـ "التهذيب"؟!
لا شك أن الجواب واضح لكل ذي بصيرة، وهو تصغير حجم الكتاب وإيهام الناس أنه جمع أحاديث "الترغيب" الصحيحة في مجلد واحد، فيقبلون على شرائه! والله أعلم بما في قلوبهم!
على أننا لو فرضنا فيهم الإخلاص في عملهم هذا وفي "الترغيب"؛ فذلك مما لا يسوغ لهم عملهم؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، وقد قدمنا عشرات الأمثلة، وبعضها مضحك مُبكٍ في آن واحد! وحديث الترجمة من تلك الأمثلة، فلم يحسّنوا إسناده، وهو حسن عند العلماء، بل وعند المبتدئين في هذا العلم، ثم حسنوه لشواهده- ولا شاهد له ولا واحد كما تقدم-، ثم هو من تلك الألوف من تلك الأحاديث التي طرحوها! هداهم الله. *
٣٤٢٠ - (مرحباً بكِ من بيتٍ، ما أعظمَكِ، وأعظمَ حرمَتَكِ! وللمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند اللهِ منكِ، إن اللهَ حرّم منكِ واحدةَّ، وحرّمَ مِنَ المؤمنِ ثلاثاً: دمَه، ومالَه، وأن يُظَنَّ به ظنُّ السُّوءِ) .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/٢٩٦-٢٩٧/٦٧٠٦) من طريقين عن حفص بن عبد الرحمن عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال:
نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة فقال:
"ما أعظم حرمتك! ".
وفي الطريق الأخرى:
стр. 6058
لما نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة قال:
"مرحباً بك ... " إلخ.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير حفص بن عبد الرحمن- وهو النيسابوري القاضي-؛ قال الذهبي في " الكاشف"، والعسقلاني في " التقريب ":
" صدوق ".
وللحديث طريق أخرى؛ يرويه مجالد عن الشعبي عن ابن عباس:
أنه نظر إلى الكعبة فقال:
ما أعظم حرمتك ... الحديث.
هكذا قال مجالد- وهو ابن سعيد-، وليس بالقوي، ولكنه في حكم المرفوع، ولا سيما وقد رفعه من هو أوثق منه من الطريق الأولى.
وهذه أخرجها ابن أبي شيبة في "المصنف " (٩/٣٦٢/٧٨٠٤) ، ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير مجالد، وقد عرفت حاله، وأزيد هنا بأنه أخرجه مسلم متابعة؛ كما في " الميزان " وغيره.
وله شاهد موقوف خير منه من رواية الترمذي (٢٠٣٢) عن ابن عمر في حديث له بإسناد حسن، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وهو مخرج في "غاية المرام " (٢٤٠/٢٤٠) ، و"التعليق الرغيب " (٣/١٧٧/١٠) .
ثم وجدت له طريقاً ثالثاً، من رواية الحسن بن أبي جعفر: ثنا ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس قال:
стр. 6059
نظر رسول الله إلى الكعبة، فقال:
"لا إله إلا الله، ما أطيبك، وأطيب ريحك، وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك ... " الحديث نحوه.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٧/١٠٩٦٦) .
وإسناده ضعيف، لكنه ليس شديد الضعف، فيستشهد به.
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو- أو ابن عمر- مرفوعاً.
أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٣) من طريق نصر بن محمد بن سليمان الحمصي: ثنا أبي: ثنا عبد الله بن أبي قيس النصري: ثنا عبد الله بن عمرو قال:
رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ... فذكره.
ورجاله ثقات؛ غير نصر هذا، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، وبه أعله العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ١٤١) ، وقال الحافظ في "التقريب":
"ضعيف"
قلت: لكنه يتقوى بحديث الترجمة على الأقل.
هذا؛ وقد كنت ضعفت حديث ابن ماجه هذا في بعض تخريجاتي وتعليقاتي قبل أن يطبع "شعب الإيمان"، فلما وقفت على إسناده فيه، وتبينت حسنه؛ بادرت إلى تخريجه هنا تبرئة للذمة، ونصحاً للأمة داعياً: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، وبناء عليه؛ ينقل الحديث من "ضعيف الجامع الصغير" و"ضعيف سنن ابن ماجه " إلى "صحيحيهما ". *
стр. 6060
٣٤٢١ - (الذِي يطعُنُ نفسه؛ إنّما يطعنها في النّارِ، والذي يتقحَّم فيها يتقحَّمُ في النّارِ، والذي يخنقُ نفسه يخنقها في النّار) .
أخرجه أحمد (٢/٤٣٥) : ثنا يحيى عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ : ... فذكره.
وتابعه الليث عن ابن عجلان به، ولفظه:
"من خنق نفسه في الدنيا فقتلها؛ خنق نفسه في النار ... " والباقي نحوه.
أخرجه ابن حبان (٥٩٥٥- الإحسان) .
وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلا أن ابن عجلان أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم متابعة.
لكن تابعه مالك وغيره عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٧٣) بتمامه.
وقد تابعه شعيب عن أبي الزناد به مثل لفظ يحيى دون جملة التقحم، وبتقديم الجملة الثالثة على الأولى.
أخرجه البخاري (١٣٦٥) ، وإليه عزاه المنذري في "الترغيب" (٣/٢٠٥/٢) لكن بزيادة جملة التقحيم، وجعلها في آخره! فتعقبه الناجي في "العجالة" (ق١٨٨/١) بأنها مقحمة فيه بلا شك ولا خفاء عند أهل العلم.
قلت: وخفي عليه ثبوتها في "المسند"، و"صحيح ابن حبان"، ومن الظاهر عندي أنها من ملحقات المصنف نفسه، لكنه أوهم أنها من رواية البخاري، فكان عليه أن ينبه على أنها زيادة لغيره؛ كما ينص على مثل ذلك كثيراً، وأن يعزوها لأحمد، أو غيره.