من هذه السلسلة وغيرها كثيراً من جهلهم وتعديهم على السنة تصحيحاً وتضعيفاً. والله المستعان.
والآن؛ لننظر ماذا في "تهذيبهم" مما يؤكد ما سبق من وصفهم دون التوسع في نقدهم لضيق المجال؟! فأقول:
إن مما يلفت نظر القارئ اللبيب والمطلع على "ترغيبهم" البالغ أربع مجلدات كبار: أن تهذيبهم الذي "يحتوي على الأحاديث الصحيحة والحسنة" كما قالوا في المقدمة (ص ٦) ؛ إنما هو في مجلد واحد فقط! ومجموع أحاديثه (١٢٨٤) فقط، من أصل مجموع أحاديث أصله "الترغيب" (٥٥٨٠) ، أي: أقل من الربع! فهل هذا يمثل واقع عدد الأحاديث الصحيحة في "الترغيب" أو يقارب ذلك؟ الأمر ليس كذلك ألبتة، يوضح لك ذلك أن المجموع المذكور يقارب عدد أحاديث تأليفي للمجلد الأول من "صحيح الترغيب والترهيب"؛ وإنما يزيد عليه بنحو (٢٠٠) حديث، وهو مجلد من ثلاث مجلدات فيما أقدر؛ لأن البقية تحت الطبع، أي: بنسبة ثلث من ثلاثة!
ويؤكد هذه النسبة مثال آخر؛ وهو أن مجموع الأحاديث التي صححوها أو حسنوها في "الترغيب" بلغ (٧١) حديثاً من كتاب (الإخلاص) - وهو أول كتاب فيه-؛ وعددها فيه من "تهذيبهم" (٢١) ! أي: بنسب الثلث أيضاً، فقد أطاحوا بنحو ثلاثة أرباع ما صححوا من الأحاديث في هذا الكتاب الواحد، فكم سيكون مجموع الأحاديث التي أطاحوا بها من الكتب الأخرى؟! لا شك أنها ستكون قريباً من ألفين! بل وأكثر لولا الأحاديث المكررة في الأصل، فهي مما أسقطوه. ويؤيد ذلك أن رقم آخر حديث في كتابي "صحيح الترغيب " وفي التجربة التي تحت يدي: هو (٣٦٩١) ، قد تزيد قليلاً، أو ينقص بعد تصحيح التجربة الأخيرة.
стр. 6057
وهنا سؤال يطرح نفسه- كما يقال اليوم-: ما الذي حمل هؤلاء على طرح أكثر الأحاديث التي صححوها مما سموه بـ "التهذيب"؟!
لا شك أن الجواب واضح لكل ذي بصيرة، وهو تصغير حجم الكتاب وإيهام الناس أنه جمع أحاديث "الترغيب" الصحيحة في مجلد واحد، فيقبلون على شرائه! والله أعلم بما في قلوبهم!
على أننا لو فرضنا فيهم الإخلاص في عملهم هذا وفي "الترغيب"؛ فذلك مما لا يسوغ لهم عملهم؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، وقد قدمنا عشرات الأمثلة، وبعضها مضحك مُبكٍ في آن واحد! وحديث الترجمة من تلك الأمثلة، فلم يحسّنوا إسناده، وهو حسن عند العلماء، بل وعند المبتدئين في هذا العلم، ثم حسنوه لشواهده- ولا شاهد له ولا واحد كما تقدم-، ثم هو من تلك الألوف من تلك الأحاديث التي طرحوها! هداهم الله. *
٣٤٢٠ - (مرحباً بكِ من بيتٍ، ما أعظمَكِ، وأعظمَ حرمَتَكِ! وللمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند اللهِ منكِ، إن اللهَ حرّم منكِ واحدةَّ، وحرّمَ مِنَ المؤمنِ ثلاثاً: دمَه، ومالَه، وأن يُظَنَّ به ظنُّ السُّوءِ) .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/٢٩٦-٢٩٧/٦٧٠٦) من طريقين عن حفص بن عبد الرحمن عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال:
نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة فقال:
"ما أعظم حرمتك! ".
وفي الطريق الأخرى:
стр. 6058
لما نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة قال:
"مرحباً بك ... " إلخ.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير حفص بن عبد الرحمن- وهو النيسابوري القاضي-؛ قال الذهبي في " الكاشف"، والعسقلاني في " التقريب ":
" صدوق ".
وللحديث طريق أخرى؛ يرويه مجالد عن الشعبي عن ابن عباس:
أنه نظر إلى الكعبة فقال:
ما أعظم حرمتك ... الحديث.
هكذا قال مجالد- وهو ابن سعيد-، وليس بالقوي، ولكنه في حكم المرفوع، ولا سيما وقد رفعه من هو أوثق منه من الطريق الأولى.
وهذه أخرجها ابن أبي شيبة في "المصنف " (٩/٣٦٢/٧٨٠٤) ، ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير مجالد، وقد عرفت حاله، وأزيد هنا بأنه أخرجه مسلم متابعة؛ كما في " الميزان " وغيره.
وله شاهد موقوف خير منه من رواية الترمذي (٢٠٣٢) عن ابن عمر في حديث له بإسناد حسن، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وهو مخرج في "غاية المرام " (٢٤٠/٢٤٠) ، و"التعليق الرغيب " (٣/١٧٧/١٠) .
ثم وجدت له طريقاً ثالثاً، من رواية الحسن بن أبي جعفر: ثنا ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس قال:
стр. 6059
نظر رسول الله إلى الكعبة، فقال:
"لا إله إلا الله، ما أطيبك، وأطيب ريحك، وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك ... " الحديث نحوه.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٧/١٠٩٦٦) .
وإسناده ضعيف، لكنه ليس شديد الضعف، فيستشهد به.
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو- أو ابن عمر- مرفوعاً.
أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٣) من طريق نصر بن محمد بن سليمان الحمصي: ثنا أبي: ثنا عبد الله بن أبي قيس النصري: ثنا عبد الله بن عمرو قال:
رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ... فذكره.
ورجاله ثقات؛ غير نصر هذا، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، وبه أعله العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ١٤١) ، وقال الحافظ في "التقريب":
"ضعيف"
قلت: لكنه يتقوى بحديث الترجمة على الأقل.
هذا؛ وقد كنت ضعفت حديث ابن ماجه هذا في بعض تخريجاتي وتعليقاتي قبل أن يطبع "شعب الإيمان"، فلما وقفت على إسناده فيه، وتبينت حسنه؛ بادرت إلى تخريجه هنا تبرئة للذمة، ونصحاً للأمة داعياً: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، وبناء عليه؛ ينقل الحديث من "ضعيف الجامع الصغير" و"ضعيف سنن ابن ماجه " إلى "صحيحيهما ". *
стр. 6060
٣٤٢١ - (الذِي يطعُنُ نفسه؛ إنّما يطعنها في النّارِ، والذي يتقحَّم فيها يتقحَّمُ في النّارِ، والذي يخنقُ نفسه يخنقها في النّار) .
أخرجه أحمد (٢/٤٣٥) : ثنا يحيى عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ : ... فذكره.
وتابعه الليث عن ابن عجلان به، ولفظه:
"من خنق نفسه في الدنيا فقتلها؛ خنق نفسه في النار ... " والباقي نحوه.
أخرجه ابن حبان (٥٩٥٥- الإحسان) .
وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلا أن ابن عجلان أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم متابعة.
لكن تابعه مالك وغيره عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٧٣) بتمامه.
وقد تابعه شعيب عن أبي الزناد به مثل لفظ يحيى دون جملة التقحم، وبتقديم الجملة الثالثة على الأولى.
أخرجه البخاري (١٣٦٥) ، وإليه عزاه المنذري في "الترغيب" (٣/٢٠٥/٢) لكن بزيادة جملة التقحيم، وجعلها في آخره! فتعقبه الناجي في "العجالة" (ق١٨٨/١) بأنها مقحمة فيه بلا شك ولا خفاء عند أهل العلم.
قلت: وخفي عليه ثبوتها في "المسند"، و"صحيح ابن حبان"، ومن الظاهر عندي أنها من ملحقات المصنف نفسه، لكنه أوهم أنها من رواية البخاري، فكان عليه أن ينبه على أنها زيادة لغيره؛ كما ينص على مثل ذلك كثيراً، وأن يعزوها لأحمد، أو غيره.
стр. 6061
ويشهد له عموم قوله ﷺ في حديث ثابت بن الضحاك بلفظ:
"ومن قتل نفسه بشيء؛ عذب به يوم القيامة ".
رواه الشيخان وغيرهما في رواية، فالبخاري (٦٠٤٧و٦١٠٥و٦٦٥٢) ، ومسلم (١/٧٣) ، وأبو عوانة (١/ ٤٥) ، والترمذي (٢٦٣٦) ؛ وقال:
"عذبه الله بما قتل به نفسه ... ". وقال:
"حديث حسن صحيح ".
وللشيخين وغيرهما فيه ألفاظ أخرى، خرجت بعضها في "الإرواء" (٨/٢٠١/٢٥٧٥) .
(تنبيهان) :
أحدهما: يبدو أن الوهم الذي وقع فيه المنذري في عزو الحديث للبخاري؛ قد وقع فيه غيره أيضاً، كالهيثمي مثلاً؛ فإنه لم يورده في "مجمع الزوائد"، ولا في "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان "، وما ذاك إلا لظنه أنه في "البخاري" كما قال المنذري! وعليه لا يكون على شرط "الزوائد"! فخفيت عليه الزيادة، كما خفيت على الشيخ الناجي الذي انتبه لخطأ المنذري، ولكنه لم يتنبه لثبوت الزيادة في "المسند"، وإلا؛ لعزاها إليه ولم يسكت. ولهذا؛ كان هذا الحديث من جملة ما استدركته من الأحاديث في كتابي "صحيح موارد الظمآن"؛ يسر الله تعالى طبعه ونشره.
ونحو ذلك ما فعله المعلق على "الإحسان" (١٣/٣٢٨- المؤسسة) ؛ فإنه عزاه للبخاري دون أن يبين أن الزيادة ليست عنده، وأعاد الخطأ في تعليقه على "مشكل الآثار" (١/١٨٣/١٩٥- المؤسسة) ، فلم يبين أيضاً الفرق بين روايته
стр. 6062
ورواية البخاري! وهناك خطأ آخر لا فائدة تذكر في بيانه.
والآخر: أن الشاهد المتقدم من حديث ثابت بن الضحاك؛ قد أخرجه البغوي في "شرح السنة" (١٠/١٥٤/٢٥٢٤) جملة مستقلة عما قبلها وما بعدها، وقال: "حديث صحيح أخرجه مسلم "!
ففاته أنه في "البخاري " أيضاً، كما فات المعلق عليه " فعزاه للشافعي ومسلم فقط!
هذا؛ وقد تحرفت جملة التقحُّم على بعض الضعفاء فرواها بلفظ:
"من تقحم في الدنيا؛ فهو يتقحم في النار".
ولذلك كنت خرجتها في "الضعيفة" برقم (٤٥٧٦) . *
٣٤٢٢ - (لا تحقِرنَّ شَيئاً من المعروفِ أن تأتيَه؛ ولو أن تَهَبَ صِلَةَ الحبلِ، ولو أن تُفرغَ من دلوكِ في إناءِ المستقِي، ولو أن تلقَى أخاك المسلمَ ووجهُك بسطٌ إليه، ولو أن تؤنِس الوَحشان بنفسكَ، ولو أن تهَبَ الشِّسعَ) .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٤٨٦-٤٧٨/٩٦٩٤) من طريق سهم بن المعتمرعن الهُجَيمي:
أنه قدم المدينة، فلقي النبي ﷺ في بعض أزقة المدينة، فوافقه؛ فإذا هو مؤتزر بإزار قطن (١) قد انتثرت حاشيته، وقال: عليك السلام يا رسول الله! فقال رسول الله- ﷺ :
стр. 6063
"عليك السلام تحية الموتى"
فقال: يا رسول الله! أوصني؟ فقال: ... فذكره. وقال النسائي:
"سهم بن المعتمر ليس بمعروف ".
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/٤٣٠) على قاعدته في توثيق المجهولين؛ فإن سهماً هذا لم يرو عنه غير عبد الملك بن الحسن الجاري- راوي هذا الحديث عنه-. ولذلك أشار الذهبي في "الكاشف" إلى تمريض هذا التوثيق بقوله: " وُثِّقَ ".
وقال الحافظ في "التقريب ":
"مقبول ".
يعني: عند المتابعة. وقد وجدت له متابعاً قوياً، فقال أحمد (٣/٤٨٢) : ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: ثنا سعيد الجريري عن أبي السَّليل عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه قال:
لقيت رسول الله ﷺ في بعض طرق المدينة، وعليه إزار من قطن منتشر الحاشية، فقلت: عليك السلام يا رسول الله! فقال:
"إن عليك السلام تحية الموتى"؛ قلت: كررها ثلاثاً، ثم قال:
"سلام عليكم، سلام عليكم "- مرتين أو ثلاثاً. قال: سألت عن الإزار؛ فقلت: أين أتزر؟ فأقنع ظهره بعظم ساقه وقال:
"ههنا ائتزر؛ فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك؛ فإن أبيت فههنا فوق الكعبين، فإن أبيت؛ فإن الله لا يحب كل مختال فخور".
стр. 6064
قال: وسألته عن المعروف؟ فقال: ... فذكر الحديث، وزاد:
"ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم.. ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه.. وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه؛ فلا تسبه؛ فيكون أجره لك، ووزره عليه، وما سر أذنك أن تسمعه فاعمل به، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه ".
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وقد أخرجه النسائي بروايات وطرق أخرى يزيد بعضهم على بعض في المتن، وقد كنت خرجت بعضها قديماً فيما تقدم من هذه السلسلة (١١٠٩ و ١٣٥٢) من طريق أبي تميمة الهجيمي وغيره عن أبي جُري الهجيمي- وهو صاحب القصة- يزيد بعضهم على بعض، لكن ليس فيها جملة الحبل والوحشان والشسع.
قوله: (صِلَة الحبل) ؛ أي: ما يوصل بالحبل.
وقوله: (الوحشان) ؛ أي المُغتَمَ، من الوحشة ضد الأُنس. *
٣٤٢٣ - (ثلاثٌ من كنَّ فيه؛ وجدَ حلاوةَ الإِيمانِ وطعمَه:
أن يكونَ اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مّما سواهما.
وأن يحبَّ في الله ويبغضَ في الله.
وأن توقَدَ نارٌ عظيمةٌ فيقعَ فيها؛ أحبُّ إليه من أن يشركَ بالله شيئاً) .
أخرجه النسائي في "سننه " (٢/٢٦٣- ٢٦٤) من طريق جرير عن منصور عن طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- ﷺ : ... فذكره.
стр. 6065
وأخرجه ابن أبي الدنيا في "الإخوان" (٦١/١٦) من طريق أبي المُحَيَّاة عن منصور به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، وسكت عنه الحافظ في "الفتح" (١/٦٢) ، وقد عزاه للنسائي، لكن قوله:
"ويبغض في الله " غريب، فقد جاء الحديث من طرق عن أنس نحوه بلفظ:
"وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله "؛ لم يذكر البغض.
أخرجه البخاري (١٦ و ٢١) ، ومسلم (١/٤٨) من طريقين، وزاد مسلم ثالثاً، والنسائي وغيره رابعاً؛ كلهم عن أنس لم يذكروا البغض.
لكني وجدت له طريقين آخرين جاء فيهما هذه الزيادة، فاطمأننت لها، وخرج بذلك عن كونه بها شاذاً:
الأول: عن سعيد بن أبي مريم: ثنا موسى بن يعقوب الزَّمعِي أن أبا الحويرث عبد الرحمن بن معاوية أخبره أن نُعَيم بن المُجمِر أخبره أن أنس بن مالك أخبره به.
أخرجه الطبراني في "معاجيمه " الثلاثة: "الكبير" (١/٢٢٤/٧٢٤) ، و"الأوسط " (٥/٤٦٩/٤٩٠٢) ، و"الصغير" (ص ١٥٠- هند) ؛ وقال:
"لم يروه عن أبي الحويرث إلا موسى، تفرد به ابن أبي مريم ".
قلت: هو ثقة، لكن الزمعي وأبو الحويرث فيهما ضعف من قبل الحفظ؛ كما بينت في "الروض النضير" (رقم ٥٢) ، فيستشهد بهما.
والآخر: يرويه سعيد بن منصور: نا أبو معشر عن محمد بن قيس عن أنس ابن مالك به.
стр. 6066
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/٧٠/٩٥١٢) .
وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن؛ حاله كحال المذكورين.
فهذه ثلاثة طرق جاءت فيها الزيادة؛ فهي محفوظة إن شاء الله تعالى، ولعله لذلك سكت عنه الحافظ، وتقدمه إلى ذلك الحافظ المنذري، ولكنه وقع في وهم نبه عليه الشيخ إبراهيم الناجي في "عجالة الإملاء" (ق٢٠٢/٢) ، وهو أنه ذكره أولاً بلفظ الشيخين دون عزو، ثم ساقه بلفظ النسائي، وقال عقبه (٤/٤٥/١) :
" رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي "!
فأوهم أن اللفظ الثاني هو عندهم جميعاً، وليس كذلك كما علمت، ولذلك قال الناجي:
"وكان ينبغي للمصنف بعد سياق اللفظ الأول أن يعزوه إلى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ثم يقول: وفي رواية له؛ لا بالعكس ".
وقد غفل عن هذا التنبيه المعلقون الثلاثة على "الترغيب "، كما هي عادتهم، فلم يعلقوا على هذا الوهم بشيء؛ هداهم الله، وعرّفهم بنفوسهم!
وكذلك صنع المعلق على كتاب "الإخوان" المسمى بـ (مصطفى عبد القادر عطا) ؛ فإنه عزاه لأكثر من عشرة مصادر- منها الشيخان طبعاً-؛ فأوهم وهم المنذري نفسه! وزاد وهماً آخر: أنه عزاه لابن حبان في "صحيحه": "موارد الظمآن" (٢٨٥) ؛ كذا قال! وليس هو فيه، لا بهذا الرقم ولا بغيره، بل هو ليس على شرطه؛ لأنه في "الصحيحين"؛ اللهم! إلا حديث الترجمة، ولكنه ليس فيه، ولا في أصله "صحيح ابن حبان"، وإنما روى فيه حديث الشيخين (١/٤٧٣-٤٧٤/٢٣٧و٢٣٨- الإحسان/ المؤسسة) . وقد خلط المعلق عليه أيضاً، لكن خلطاً آخر معاكساً لما
стр. 6067
تقدم؛ فإنه لما خرجه من رواية الشيخين وغيرهما؛ خرج أيضاً طريق طلق بن حبيب، ونعيم المجمر، ولم يبين الفرق بين روايتهما ورواية الشيخين التي رواها ابن حبان! وهذا إن دل على شيء؛ فإنما يدل على الحداثة، أو قلة الفقه أو النباهة!. *
٣٤٢٤ - (يوشكُ أن يؤَمَّرَ عليهمُ الرُّوَيجل، فيجتمعُ إليه قومٌ محلّقةُ أقفيتُهم، بيضٌ قمُصُهم، فإذا أمَرهم بشيء حضَرُوا) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢/٤٠/٢) : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة: ثنا أبي: ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال:
كان عبد الله بن وزاج قديماً له صحبة، فحدثنا أن النبي ﷺ قال: ... فذكره. فشاء ربك أن عبد الله بن وزاج ولي على بعض المدن، فاجتمع إليه قوم من الدهاقين محلقة أقفيتهم، بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا، فيقول: صدق الله ورسوله!
قلت: وهذا إسناد شامي جيد. وقال الهيثمي (٦/٢١٢) :
"رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
قلت: وكلهم مترجمون في "التهذيب ". ورواه أبو موسى المديني من طريق الطبراني أيضاً، كما في "الإصابة "؛ وقال:
" وقوله: "حضروا "؛ أي: أسرعوا المشي ".
وقوله: (وزاج) هكذا وقع في " المعرفة " و"أسد الغابة " بالزاي والجيم! وقيده في "الإصابة" براء ثقيلة ثم حاء مهملة.
стр. 6068
قلت: ولم يذكره الذهبي في "المشتبه "، ولا غيره فيما علمت، وأنا أخشى أن يكون لقباً لوالد (عبد الله بن حوالة) ؛ فقد جاء الحديث من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن جبير أتم منه. فقال يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/٢٨٨- ٢٨٩) ، وعنه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/٣٢٧- ٣٢٨) : حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة يرد الحديث إلى جبير بن نفير قال: قال عبد الله بن حوالة:
كنا عند رسول الله ﷺ ، فشكونا إليه العُري والفقر وقلة الشيء، فقال رسول الله- ﷺ :
"أبشروا؛ فوالله! لأنا من كثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله! لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله أرض فارس، وأرض الروم، وأرض حِمير، وحتى تكونوا أجناداً ثلاثة: جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن، وحتى يعطى الرجل المئة فيسخطها".
قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله! ومن يستطيع الشام؛ وبه الروم ذوات القرون؟! قال:
"والله! ليفتحنَّها الله عليكم، حتى تظل العصابة البيض منهم قُمُصُهم، الملحمة أقفاؤهم قياماً على الرويجل الأُسَيوِد المحلوق، ما أمرهم من شيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالاً لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل ".
قال ابن حوالة: فقلت: يا رسول الله! اختر لي إن أدركني ذلك؟ قال:
"إني أختار لك الشام؛ فإنه صفوة الله من بلاده، وإليه يحشر صفوته من عباده.
يا أهل اليمن! عليكم بالشام؛ فإنه صفوة الله من أرض الشام، ألا
стр. 6069
فمن أبى؛ فليسق من غدُر اليمن؛ فإن الله قد تكفل بالشام وأهله ".
قال أبو علقمة: فسمعت عبد الرحمن بن جبير يقول:
يعرف أصحاب رسول الله ﷺ نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكان إذا راحوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياماً حوله، فعجبوا لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم!
وأخرجه الطحاوي في "مشكل الاًثار" (٢/٣٥- ٣٦) ، والطبراني في "مسند الشاميين " (٣/٣٩٥/ ٢٥٤٠) ، وأبو نعيم في "الحلية " (٢/٣- ٤) - مختصراً-، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/٧٣- ٧٥) - وزاد هو والطحاوي-:
وكان أُويْدِماً قصيراً، فكانوا يمرون وتلك الأعاجم قيام، لا يأمرهم بالشيء إلا فعلوه، فيتعجبون من هذا الحديث!
قلت: وإسناد هـ صحيح رجاله كلهم ثقات؛ ونصر بن علقمة، وإن كان أبو حاتم قال:
"لم يدرك جبير بن نفير"!
فقد قال في آخر الحديث: إن الواسطة بينه وبين جبير: هو ابنه عبد الرحمن ابن جبير، وبذلك اتصل الإسناد، وصح إن شاء الله تعالى.
وأما الهيثمي؛ فقال (٦/٢١٢) :
"رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال "الصحيح "؛ غير نصر بن علقمة، وهو ثقة"!
وأما قول الحافظ في "التقريب " فيه:
"مقبول "!
стр. 6070
فمن أوهامه؛ لأنه قد وثقه ابن حبان (٧/٥٣٧) ، وأخرج له حديثاً في " صحيحه " (٥١٠/ ٢٠٩٠- الموارد) ، لكن في الطريق إليه ضعف، ولذلك خرجته في "الضعيفة " (٥٧٦٦) ، وكذلك وثقه دُحيم، وروى عنه جمع من الثقات؛ كما ذكر ذلك الحافظ نفسه في "التهذيب ". ولذلك قال الذهبي في "الكاشف":
" ثقة "
(ذوات القرون) ؛ أي: الحصون، جمع (القرن) .
(الملحمة أقفاؤهم) : هي بمعنى الرواية الأخرى:
"المحلقة أقفاؤهم "؛ فظهر لحمها.
(المحلوق) ؛ أي: شعر الرأس كله.
(القردان) جمع (قُرادة) : دويبة متطفلة ذات أرجل كثيرة، تعيش على الدواب والطيور، ومنها أجناس. " المعجم الوسيط ". *
بشرى لأهل الشام المؤمنين
٣٤٢٥ - (لا تزالُ من أمَّتي عِصابةٌ قوَّامةٌ على أمْرِ الله ، لا يضرُّها من خالفَها؛ تقاتلُ أعداءها، كلما ذهبَ حربٌ نشِبَ حربُ قومٍ آًخرين، يزيغُ اللهُ قلوب قوم ليرزقَهم منه، حتى تأتيهم الساعةُ، كأنّها قطعُ الليلِ المظلمِ، فيفزعونَ لذلك؛ حتّى يلبسُوا له أبدانَ الدُّروع، وقال رسول الله ﷺ : همْ أهلُ الشّامِ، ونكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ بإصبعِه؛ يومئُ بها إلى الشّامِ حتّى أوجَعها) .
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٢/٢/٢٤٨) ، ويعقوب بن سفيان في
стр. 6071
" المعرفة " (٢/٢٩٦- ٢٩٧) بإسناد واحد قالا- والسياق ليعقوب-، ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر في "التاريخ " (١/٥٢٨) : حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة الحضرمي- من أهل حمص- أن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي قالا: إن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان:
لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: ... فذ كره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، ومنهم نصر بن علقمة، كما بينت في الحديث الذي قبله.
وقد جاء في أهل الشام وأنهم الطائفة المنصورة أحاديث أخرى في أسانيدها ضعف؛ كنت أشرت إليها في "الضعيفة" تحت الحديث (٦١٠٤) ، ثم وقفت على هذا، فبادرت لإخراجه هنا لصحة إسناده.
واعلم أن (الشام) هو الإقليم الشمالي من (شبه جزيرة العرب) ، ويشمل سوريا ومنها أنطاكية، والأردن، وفلسطين إلى عسقلان؛ كما في "معجم البلدان ". *
٣٤٢٦ - (إنّ الله لا يحبّ هذا وضَرْبَهُ (١) ؛ يلوُون ألسنتَهم للنّاس ليّ البقرة لسانَها بالمرعى! كذلك يلوي الله ألسنتهم ووجوهَهم في النّارِ) .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/٧٠/١٧٠) من طريق أبي مسهر وهشام بن عمار قالا: ثنا صدقة بن خالد قال: حدثني زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن واثلة بن الأسقع قال:
стр. 6072
كنت في أصحاب الصُّفة، فلقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تامٌ، وأخذ العرق في جلودنا طرفاً (١) من الغبار والوسخ؛ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال:
"ليبشر فقراء المهاجرين ".
إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة، فجعل النبي ﷺ لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه [أن] يأتي بكلام يعلو كلام النبي ﷺ ! فلما انصرف قال: ... فذكره.
وروى منه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢١- ٢٢) الطرف الأول إلى جملة البشارة، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٤/ ٢٥١/٤٩٧٣) ما بعدها.
قلت: والإسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري. وقال المنذري في " الترغيب " (٤/٩٣/٤١) :
"رواه الطبراني بأسانيد؛ ورجال أحدها رجال (الصحيح) "!
ونحوه قول الهيثمي (١٠/ ٢٦١) :
"رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما رجال (الصحيح) "!
وقولهما: " بأسانيد" موهم، وإنما هما طريقان عن صدقة بن خالد؛ كما تقدم. *
٣٤٢٧ - (صلاحُ أول هذه الأمّة بالزهد واليقين، ويهلك آخرُها بالبخل والأمل) .
أخرجه أحمد في "الزهد" (ص ١٠) ، والطبراني في "المعجم الأ وسط " (٨/٣١٦/٧٦٤٦) ، وابن عدي في "الكامل" (٦/١٢٧) ، والبيهقي في"الشعب "
стр. 6073
(٧/٤٢٧/١٠٨٤٥) ، والخطيب في "التاريخ " (٧/١٨٦) من طرق عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وسقط من "الزهد" قوله: "عن أبيه ".
قلت: وهذا إسناد حسن لغيره على الأقل؛ لأن محمد بن مسلم- وهو الطائفي- فيه كلام من قبل حفظه، وروى له مسلم متابعة على التحقيق، وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يخطئ من حفظه ".
قلت: وقد أمنا خطأه بمتابعة ابن لهيعة الآًتية. وقد روى الخطيب عن علي ابن محمد بن بشار الجنابي- وهوأجمع من جمع-: أنه ما سمع في الزهد أحسن من هذا الحديث.
ورواه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب به؛ ولفظه: "نجا أول هذه الأمة ... " الحديث.
أخرجه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل " (٣٦/٢٠) و"اليقين " (١٧/٣) ، ومن طريقه: الأصبهاني في "الترغيب " (١/٩٨/١٦٤ و٢/٢٥١٥) ، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس" (٣/١٠٤) - من طريق مروان بن محمد-، والبيهقي (١٠٨٤٤) - من طريق المعافى- عن ابن لهيعة به.
وابن لهيعة ثقة، لكن قد عرض له سوء الحفظ؛ فحديثه حسن على الأقل بما قبله. وقد أشار إلى ذلك الحافظ بسكوته عنه في "الفتح" (١١/٢٣٧) . وسبقه
стр. 6074
إلى ذلك الحافظ المنذري بتصديره إياه بقوله (٤/١٣١/١٤) :
"وعن عبد الله بن عمرو ... ". وقوله في تخريجه:
"رواه الطبراني، وفي إسناده احتمال للتحسين. ورواه ابن أبي الدنيا والأصبهاني كلاهما من طريق ابن لهيعة عن ... ".
وكذا عزاه لابن أبي الدنيا: الحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/٤٥٤) ، وسكت عنه.
ومن حداثة المشتغلين بالتعليق على الأحاديث وتخريجها: قول المعلق على هذه الطريق في "قصر الأمل ":
"الحديث مرسل كما يلاحظ، قال الحافظ العراقي ... "!! *
٣٤٢٨ - (هل تدرُون ما هذا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ! قال: هذا الإنسانُ، وهذا أجلُه، وهذا أملُه، يتعاطَى الأملَ، يختلجُه [الأجلُ] دون ذلك) .
أخرجه الإمام أحمد (٣/١٨) : ثنا عبد الملك بن عمرو: ثنا علي بن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري:
أن النبي ﷺ غرز بين يديه عوداً (١) ، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالث فأبعده، ثم قال: ... فذكره.
قلت: وتابعه حَرَمِيُّ بن عُمارة عن علي بن علي الرفاعي به.
стр. 6075
أخرجه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل " (٣١- ٣٢/١١) .
وأبو نعيم عنه؛ رواه الرامهرمزي في "الأمثال" (١٧٠/٧٤) .
وأبو غسان مالك بن إسماعيل؛ عند البيهقي في "الزهد" (١٩٠/٤٥٧) .
وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير علي بن علي الرفاعي، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن مرتبة الحسن، كما كنت حققته في "إرواء الغليل" (٢/٥١- ٥٢) . ولذلك قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٤٥٣) :
"أخرجه أحمد، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل "، والرامهرمزي في "الأمثال".. وإسناده حسن، ورواه ابن المبارك في"الزهد"، وابن أبي الدنيا أيضاً من رواية أبي المتوكل مرسلاً".
وقال تلميذه الهيثمي في "المجمع " (١٠/٢٥٥) :
"رواه أحمد، ورجاله رجال"الصحيح "؛ غير علي بن علي الرفاعي؛ وهو ثقة ".
والمرسل الذي أشار إليه الحافظ العراقي: أخرجه ابن أبي الدنيا (٣١/١٠) ، وابن المبارك في "الزهد" (٨٦/٢٥٤) ، وكذا وكيع في "الزهد" أيضاً (٢/٤٣٦/١٨٩) - قال هذان-: أخبرنا علي بن علي عن أبي المتوكل قال:
أخذ رسول الله ﷺ ثلاثة أعواد، فغرز عوداً بين يديه، والآخر إلى جنبه، فأما الثالث فأبعده فقال ... فذكره نحوه، وقال:
".. وذلك الأمل، يتعاطاه ابن اًدم، ويختلجه الأجل دون ذلك ".
واللفظ لابن المبارك. وقال الآخران:
".. دون أمله ".
стр. 6076
قلت: وهذا المرسل صحيح أيضاً، ولا يعل به الموصول؛ لأنه من رواية جماعة من الثقات، ومعهم زيادة؛ فهي مقبولة اتفاقاً.
وللحديث شواهد منها:
عن أنس قال:
جمع رسول الله ﷺ أنامله، فنكتهن في الأرض، فقال:
"هذا ابن اًدم "، وقال بيده خلف ذلك، وقال: "هذا أجله "، وأومأ بين يديه، قال: "وثم أمله " (ثلاث مرات) .
أخرجه أحمد (٣/١٢٣و١٣٥) - والسياق له-، والترمذي رقم (٢٣٣٤) ، وابن ماجه (٤٢٣٢) ، وابن حبان (٢٥٥٤) من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك ... وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
وأقول: حماد بن سلمة- مع جلالة قدره- تكلم بعضهم في روايته عن غير ثابت، فالإسناد حسن، وحديثه صحيح. وقد عزاه المنذري في "الترغيب " (٤/١٣٢/٢٢) للنسائي أيضاً، وتبعه الحافظ المنذري في "تحفة الأشراف "؛ وقيده بقوله (١/٢٨٦) :
"في الرقائق (في الكبرى) ".
وكتاب "الرقائق " ليس في كتابه "السنن الصغرى" المعروف بـ "المجتبى"، ولذلك؛ قيده المحقق الفاضل عبد الصمد شرف الدين بـ (في الكبرى) ، ولا يوجد في النسخة المطبوعة من "السنن الكبرى" هذا الكتاب: (الرقائق) ، وقد مر بي غير
стр. 6077
ما حديث عزاه المزي إليه، فلم أجده فيه- وهذا منه-، وبعد المزيد من التفتيش عنه في مظانه، والاستعانة عليه بفهارسه الموضوعة له.
وبهذه المناسبة أقول:
إن من تخاليط المعلقين الثلاثة على "الترغيب ": أنهم قالوا في تخريج حديث أنس هذا (٤/ ١٤١- ١٤٢) :
"والنسائي في "الكبرى"؛ كما في "تحفة الأشراف " (٧/٢٥) "!
والرقم المذكور إنما يشير إلى حديث عبد الله بن مسعود المذكور في "الترغيب " قبل هذا بحديث! وهناك عزوه أيضاً لـ"التحفة" بنفس الرقم المذكور، إلا أن رقم (٥) تحرف من الطابع إلى (١) فصار (٢٠) ؛ فما أشد غفلتهم!
ثم إن لحديث أنس هذا طريقاً آخر؛ يرويه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه نحوه؛ دون جملة الأنامل والأرض.
أخرجه البخاري (٦٤١٨) ، والبيهقي في " السنن " (٣/٣٦٨) ، وفي " الزهد " (١٨٩/٤٥٣) .
ومن شواهده: حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ :
أنه خط خطاً مربعاً، وخط [خطاً] وسط الخط المربع، وخطوطاً [صغاراً] إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، وخطاً خارجاً من الخط المربع، فقال: "أتدرون ما هذا؟ ".
قالوا: الله ورسوله أعلم! قال:
"هذا الإنسان؛ الخط الأوسط، وهذه الخطوط إلى جنبه: الأعراضُ تنهشه
стр. 6078
من كل مكان، فإن أخطأه هذا؛ أصابه هذا، والخط المربع: الأجل [المحيط به] ، والخط الخارج: الأمل ".
أخرجه البخاري (٦٤١٧) ، وابن ماجه (٤٢٣١) - والسياق له-، وأحمد (١/ ٣٨٥) .
(فائدة) : قد ذكر الحافظ صوراً خمساً لصفة الخط، وأقْرَبُها عندي إلى الصواب الصفة الآتية:
الأجل المحيط
ــ
الأجل الأجل
ــ
стр. 6079
(تنبيه) : ومن الحداثة قول المعلق على "قصر الأمل ":
"لم أره بهذا اللفظ، لكن عند البخاري من رواية أنس ... "! *
٣٤٢٩ - (إنّ في النّار حيّاتٍ أمْثالَ أعْناقٍ البُخت؛ يلْسعْن اللسعَة؛ فيجدُ حُمُوَّتها أربعينَ خريفاً.
وإنَّ فيها لَعقارب كالبغالِ الموكِفةِ؛ يلْسَعْنَ اللسعةَ، فيجدُ حُمُوَّتها أربعينَ خَريفاً) .
أخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (٢٩٨/٦١٦) من طريق الحاكم بسنده الصحيح عن أصبغ بن الفرج: ثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أخبره أن درّاج أبا السمح حدثه أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جَزْءِ الزبيدي- صاحب النبي ﷺ - يقول عن رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات؛ على الخلاف المعروف في دراج أبي السمح، والراجح أنه مستقيم الحديث عن غير أبي الهيثم، وهذا منه، فقد رواه عن عبد الله بن الحارث بن جزء سماعاً.
وقد أخرجه الحاكم (٤/٥٩٣) - من طريق بَحْر بن نَصْر-، وابن حبان (٢٦١٣ـ الموارد) - من طريق حرملة- قالا: ثنا ابن وهب به؛ دون الشطر الثاني منه. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
وتابعه ابن لهيعة عن دراج به بشطريه.
أخرجه أحمد (٤/ ١٩١) .
стр. 6080
قلت: وهذه متابعة قوية من ابن لهيعة؛ فإنما يخشى من سوء حفظه إذا تفرد. وقال المنذري في "الترغيب " (٤/٢٣٣/١) وقد ذكره بشطريه:
"رواه أحمد، والطبراني من طريق ابن لهيعة عن دراج عنه.
ورواه ابن حبان في "صحيحه "، والحاكم من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عنه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ... ".
(تنبيه) : لقد خرج حديث ابن حبان: المعلق على "الإحسان " (١٦/٥١٢- طبع المؤسسة) ، والمعلق على"الموارد" (٨/٣٢٥- طبعة الثقافة) ، وعزواه لأحمد والبيهقي، دون أن ينبها على زيادة الشطر الثاني التي عندهما! *
وصيته ﷺ بالأنصار في آخر خطبة له
٣٤٣٠ - (أمّا بعدُ؛ أيّها الناسُ! إنّ النّاس يكثرون وتقلُّ الأنصارُ؛ حتى يكونُوا كالملح في الطعامِ، فمن وَليَ منكُم أمراً [من أمّةِ محمّدِ ﷺ ، فاستطاعَ أن] يضرّ فيه أحداً أو ينفعَه؛ فليقبلْ من محسنِهم، ويتجاوزْ عن مُسيئهم) .
أخرجه البخاري في "صحيحه " (٩٢٧ و٣٦٢٨ و ٣٨٠٠) ، - والسياق والزيادة له-، والحاكم (٢/٧٨- ٧٩) - وصححه؛ ووافقه الذهبي-، والبزار في " مسنده " (٣ /٣٠١/٢٧٩٨) - والزيادة الآتية له- عن ابن عباس ﵁ قال:
[أُتِيَ النبي ﷺ فقيل له: هذه الأنصار؛ رجالها ونساؤها في المسجد يبكون! قال:
"وما يبكيها؟! ".
стр. 6081
قال: يخافون أن تموت، قال: فـ] خرج رسول الله ﷺ وعليه ملحفة متعطفاً بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء، حتى جلس على المنبر، [وكان آخر مجلس جلسه] ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ... فذكره.
قلت: واسناد البزار صحيح على شرط البخاري، وخفي ذلك على الهيثمي.
وإسناده هكذا: حدثنا ابن كرامة: ثنا ابن موسى: ثنا ابن الغسيل- واسمه عبد الرحمن- عن عكرمة عن ابن عباس ...
فقال الهيثمي (١٠/٣٧) :
"رواه البزار عن ابن كرامة عن ابن موسى، ولم أعرف الآن أسماءهما، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "!
فعقب عليه الحافظ في "مختصر الزوائد" بقوله (٢/٣٧١) :
"قلت: ابن كرامة: هو محمد بن عثمان بن كرامة. وابن موسى: هو عبيد الله، وكلاهما من شيوخ البخاري في "صحيحه "، والإسناد على شرط البخاري؛ فإنه أخرجه عن ثلاثة من مشايخه عن ابن الغسيل ".
قلت: وأخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٢/٢٥٢) : أخبرنا عبيد الله بن موسى به.
ثم قال البزار:
"قد روي نحوه من وجوه بألفاظ ".
قلت: فأذكر ما تيسر لي منها:
стр. 6082
١ـ منها: ما أخرجه البزار نفسه من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الربير عن عروة عن عائشة قالت:
فخرج رسول الله ﷺ فصلى بالناس، ثم أوصى بالناس خيراً، تم قال: "أما بعد ... " الحديث نحوه مختصراً. وقال الهيثمي:
" رواه البزار، ورجاله رجال (الصحيح) "!
كذا قال! وفيه تساهل معروف منه؛ فإن ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، يضاف إلى ذلك أنه مدلس، وقد عنعنه. وأغرق منه بالتساهل قول الحافظ في "المختصر" (٢/٣٧٢) :
"قلت: هو إسناد صحيح عندي "!
إلا أن يكون عنى أنه صحيح لغيره! وهذا بعيد. والله أعلم.
٢- ومنها: عن أنس بن مالك قال:
مر أبو بكر بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال! ما يبكيكم؟! قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك؟! فخرج النبي ﷺ ؛ فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كَرِشي وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم ".
أخرجه البخاري (٣٧٩٩) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (٥/٩١/٨٣٤٦) .
٣- ومنها: عن أبي قتادة الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر للأنصار:
стр. 6083
"ألا إن الناس دثاري، والأنصار شعاري.. " الحديث وفيه:
"فمن ولي من أمرهم شيئاً (١) ؛ فليحسن إلى محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ومن أفزعهم؛ فقد أفزع هذا الذي بين هاتين "؛ وأشار إلى نفسه ﷺ . ولفظ "الأوسط ": وأشار إلى صدره، يعني: قلبه.
أخرجه أحمد (٥/٣٠٧) ، والطبراني في "الأوسط " (٩/٤١٤- ٤١٥/ ٨٨٩٢) ؛ وقال:
"لم يروه عن أبي قتادة إلا يحيى بن النضر، تفرد به أبو صخر".
قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، وكذا من دونه.
وابن النضر ثقة أيضاً، فالسند صحيح، وقد صححه الحاكم (٤/٧٩) ، ووافقه الذهبي.
٤- ومنها: عن زيد بن سعد عن أبيه:
أن النبي- ﷺ لما نعيت إليه نفسه؛ خرج متلفعاً في أخلاق ثياب عليه، حتى جلس على المنبر، فسمع الناس به، وأهل السوق، فحضروا المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس! احفظوني في هذا الحي من الأنصار؛ فإنهم كَرِشي التي آكل فيها، وعيبتي، اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٤٠/٥٤٢٥) من طريق ابن أبي
стр. 6084
فُدَيك عن ابن أبي حبيبة عن زيد بن سعد ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ زيد بن سعد؛ ليس له ذكر في كتب الرجال.
وابن أبي حبيبة- واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة-؛ ضعيف؛ كما في "التقريب ". وأما قول الهيثمي (١٠/٣٦) :
"رواه الطبراني، وزيد بن سعد بن زيد الأشهلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات "!
فالظاهر أنه تبنى قول أحمد في (ابن أبي حبيبة) أنه ثقة! لكن الاعتماد على قول من ضعفه- وهو الجمهور- أولى، ولا سيما وهو المطابق لقاعدة: (الجرح مقدم على التعديل) ، وبخاصة أن بعضهم قد ضعفه جداً، ومنهم الدارقطني الذي قال فيه:
" متروك ".
وهو الذي تبناه الذهبي في "الكاشف ".
(تنبيه) : ترجم الحافظ في "الإصابة" لصحابي هذا الحديث (سعد بن زيد الأشهلي) ترجمة مختصرة جداً، وساق له طرف حديث آخر له من طريق آخر عنه، وذكر عن البغوي أنه قال:
"لا أعلم له غيره ".
وأقره: فيستدرك عليه هذا الحديث.
٥- ومنها: كعب بن مالك قال:
إن آخر خُطبة خطبنا رسول الله ﷺ قال:
стр. 6085
"يا معشر المهاجرين! إنكم قد أصبحتم تزيدون ... " الحديث نحوه مختصراً.
أخرجه الحاكم (٤/٧٨) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٧٩) من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
قلت: وسفيان بن حسين في روايته عن الزهري ضعف. وقد خالفه معمر، فقال: عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه- وكان أبوه أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- عن رجل من أصحاب النبي ﷺ :
أن النبي ﷺ قام خطيباً ... الحديث.
أخرجه عبد الرزاق (١١/٦٣/١٩٩١٧) ، وعنه الطبراني (١٩ /٧٩/١٥٩) ، لكن لم يذكر الرجل الصحابي.
ورواه شعيب عن الزهري بإسناده عن الصحابي الذي لم يسم، لكنه لم يقل: عن أبيه.
أخرجه أحمد (٣/٥٠٠) ، وفي "فضائل الصحابة " (٢/٧٩٠- ٧٩١/١٤١٢) . *
٣٤٣١ - (خيرُ النّاسِ قرني الذي أنا منهم، ثمّ الذين يلونَهم، [ثمّ الذين يلونَهم] ، ثم ينشَأ أقوامٌ يفشُو فيهم السِّمَنُ، يشهدُون ولا يُستشهَدون، ولهم لَغَطٌ في أسواقِهم) .
أخرجه البزار في "البحر الزخار" (١/٣٧٠ /٢٤٨) من طريق أبي داود الطيالسي، وهذا في "مسنده " (ص ٦/٣٢) : ثنا حماد بن يزيد- بصري، روى عنه
стр. 6086
جماعة-: ثنا معاوية بن قرة عن كَهْمَس الهلالي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره.
وسقط من "البحر"، وكذا من "كشف الأستار" (٣/٢٨٩/٢٧٦٤) الزيادة، واستدركتها من "المسند"؛ وهي عنده بلفظ:
"ثم الثاني، ثم الثالث ".
وقال البزار:
"لا نعلم أسند كهمس عن عمر إلا هذا، وكهمس قد روى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً".
قلت: وهذا إسناد جيد، ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير حماد بن يزيد البصري، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة؛ كما تقدم في إسناد البزار، وهو - كما يبدو- من قوله، وقد مضى تسمية بعض من روى عنه في تخريج الحديث الواحد الذي أشار إليه البزار- برقم (٢٦٢٣) ، ونقلنا هناك عن البزار أنه قال:
"لا بأس به "،
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٩) :
"رواه البزار- واللفظ له-، وله عند الطبراني في "الأوسط ": "خير قرن؛ القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع لا يعبأ الله بهم شيئاً".
قلت: عند ابن ماجه طرف منه، ورجال البزار ثقات، وفي رجال الطبراني إسحاق بن إبراهيم صاحب الباب (!) ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات ".
قلت: هو في "الأوسط " (٤/٢٥٥/٣٤٤٩) من طريق الفيض بن وثيق الثقفي
стр. 6087
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم صاحب الباز (!) قال: حدثنا الأعمش عن زيد ابن وهب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. وقال:
"لا يروى عن الأعمش إلا من هذا الوجه ".
قلت: وهو ضعيف لجهالة إسحاق هذا، وابن الوثيق قد ضعف؛ كما تراه في "الميزان "، و"لسانه ".
ثم إن قوله: "خير قرن،.. " منكر؛ لأن المحفوظ في الأحاديث الصحيحة: "خير الناس ... " في "الصحيحين " وغيرهما، وقد مضى تخريج بعضها برقم (٦٩٩ و ٧٠٠) .
(تنبيه) : تحرف اسم والد (حماد بن يزيد) في "مسند الطيالسي " إلى: (زيد) ! ولم يتنبه له مرتبه الشيخ أحمد البنا الساعاتي في "منحة المعبود" في موضعين منه (٢/٧١ و١٩٩) !! رحمه الله تعالى.
وسقط من إسناد "الكشف " اسم (أبي داود) الراوي عن (حماد بن يزيد) ، ولم يتنبه له محققه الشيخ الأعظمي رحمه الله تعالى. *
٣٤٣٢ - (طوبَى له، ثم طوبَى له، ثم طوبى له. يعنِي: من آمنَ به ﷺ ولم يَره) .
أخرجه أحمد (٤/١٥٢- مسند عقبة بن عامر) : ثنا محمد بن عبيد: ثنا محمد- يعني: ابن إسحاق-: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مَرْثَدِ بن عبد الله اليَزَني عن أبي عبد الرحمن الجُهني قال:
بينا نحن عند رسول الله ﷺ ؛ طلع راكبان، فلما رآهما قال:
"كنديان مَذْحِجيان ".
стр. 6088
حتى أتياه؛ فإذا رجال من (مذحج) ، قال: فدنا إليه أحدهما ليبايعه، قال:
فلما أخذ بيده قال:
يا رسول الله! أرأيت من رآك فآمن بك وصدقك واتبعك؛ ماذا له؟ قال:
"طوبى له ".
قال: فمسح يده، فانصرف.
ثم أقبل الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه، قال: يا رسول الله! أرأيت من اًمن بك وصدقك واتبعك، ولم يرك؟ قال: ... فذكر الحديث؛ قال: فمسح على يده فانصرف.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلا أنهما لم يحتجا بابن إسحاق، فالبخاري روى له تعليقاً، ومسلم متابعة، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، وقد فعل. وقال الهيثمي (١٠/٦٧) :
"رواه أحمد، ورجاله رجال "الصحيح "؛ غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع ".
قلت: فكان من تمام الفائدة أن يصرح بحسن إسناده، وقد فعل ذلك في الرواية الآتية فما أحسن؛ لما يأتي.
والحديث أخرجه البزار (٣/٢٩٠-٢٩١/ ٢٧٦٩) ، والطبراني في " المعجم الكبير" (٢٢/٣٨٩/٧٤٢) من طريقين آخرين عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب به؛ إلا أنه قال في الرجل مثل ما قال في الرجل الأول سؤالاً وجواباً. وقال الهيثمي (١٠/١٨) :
стр. 6089
"رواه البزار والطبراني، وإسناده حسن "!
وكذا حسنه الحافظ في "مختصر الزوائد" (٢/٣٦٦) ! فغضَّا البصر عن عنعنة ابن إسحاق، وكان عليهما هنا أن يلفتا النظر إلى تصريحه بالتحديث في رواية أحمد المتقدمة، ولكن هكذا قُدِّرَ.
ولا اختلاف بينهما وبين رواية الآخرين؛ لإمكان الجمع بينهما، وذلك بضم ما في إحداهما إلى الأخرى، فيقال: إن الرجل الآخر سأل ما سأل الأول، وزاد عليه أنه سأل أيضاً عمن آمن به ﷺ و ... ولم يره، ويكون حاصل الجواب: طوبى لمن راًني، وطوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن لم يرني،! هذا ما يقتضيه علم (مختلف الحديث) . والله أعلم.
وقد روى ابن لهيعة شيئاً من ذلك مع مخالفته لابن إسحاق في سنده؛ فقال ابن لهيعة: عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن بَيْهَس الثقفي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه- لا أعلم ذلك إلا- عن رسول الله ﷺ :
أنه قيل له: يا رسول الله! أرأيت من آمن بك ولم يرك، وصدقك ولم يرك (!) ماذا لهم؟ قال:
"طوبى لهم (مرتين) ، أولئك منا، أولئك منا".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/١٨٢/٥٧٦) .
وأخرجه في "الأوسط " (٩/٢٨٣/٨٦١٩) من طريق أخرى عن ابن لهيعة قال: حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج به؛ فأسقط منه يزيد بن أبي حبيب! ولعله من تخاليط ابن لهيعة.
стр. 6090
وللزيادة التي في "المسند" شاهد حسن بلفظ:
".. وطوبى لمن اًمن بي ولم يرني سبع مرات ".
وسبق تخريجه تحت الحديث (٢٨٨٨) . *
٣٤٣٣ - (مَنْ أَخافَ هذا الحيُّ من الأنصارِ؛ فقدْ أخافَ ما بين هذين؛ يعني: جَنْبَيْه) .
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٢٤٢/ ١٧٦٠) ، ومن طريقه: البزار في "مسنده " (٣/٣٠٤ /٢٨٠٥) - والسياق له-: حدثنا طالب بن حبيب عن عبد الرحمن ابن جابر بن عبد الله عن أبيه:
أنه خرج يوم الحَرَة، فكبت قدمه [بحجر] ، فقال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ ! [قلت: ومن أخاف رسول الله ﷺ ؟] قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره " والزيادات من الطيالسي.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير طالب بن حبيب، وهو صدوق يهم؛ كما في "التقريب ". وقال البزار عقبه:
"لا نعلم يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد"!
قلت: قد جاء بإسناد آخر يرويه محمد بن كليب- وهو ثقة؛ كما قال أبو زرعة- عن محمود ومحمد ابني جابر سمعا جابراً قال: سمعت النبي ﷺ يقول:
"من أخاف الأنصار ... " الحديث.
أخرجه البخاري في "التاريخ " (١/ ١/٥٣/١١٠ و٤/١/ ٤٠٤/١٧٦٧) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٦/١٤٣/٥٢٩٣) بلفظ: قالا:
стр. 6091
خرجنا يوم دخل جيش ابن دلجة المدينة بعد الحرة بعام، فدخل المدينة حتى ظهر المنبر، ففزع الناس، فخرجنا بجابر في الحرة؛ وقد ذهب بصره، فنكبه الحجر، فقال: أخافه الله من أخاف رسول الله ﷺ ! فقالها مرتين أو ثلاثاً قبل أن نسأله، فقلنا: يا أبتاه: ومن أخاف رسول الله ﷺ ؟! فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال:
"لا يروى هذا الحديث عن محمد ومحمود ابني جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى بن شيبة".
قلت: وهو لين الحديث؛ كما في "التقريب "، ولكنه شاهد جيد لحديث طالب بن حبيب.
ومحمد ومحمود؛ ذكرهما ابن حبان في "الثقات "؛ كما تقدم تحت الحديث (٢٣٠٤) ، فأحدهما يقوي الآخر.
وقد أخرجه البخاري (١/ ١/٥٣/ ١١٠) ، والطبراني في "الأوسط " أيضاً (٢/٥٤- ٥٥/١٠٩٣) ، وكذا أحمد في "فضائل الصحابة" (٢/٧٩٤/١٤٢١) من طريق يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنس أبي زكريا الأنصاري قال: حدثني محمد بن جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري عن أبيه جابر مرفوعاً مثل حديث الترجمة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٣٨) :
" رواه الطبراني في " الأوسط "، والبزار، ورجال البزار رجال" الصحيح"؛ غير طالب بن حبيب، وهو ثقة، وأحمد بنحوه إلا أنه قال: "من أخاف أهل المدينة ... "، ورجال أحمد رجال (الصحيح) ".
قلت: لفظ أحمد إسناده منقطع كما كنت بينت في المكان المشار إليه آنفاً
стр. 6092
من "الصحيحة"، وهو رواية عن محمد بن جابر بن عبد الله عن أبيه؛ كما تراه مخرجاً هناك.
(تنبيه) : إنما آثرت أن أسوق حديث الترجمة- مع مناسبته- من رواية البزار دون رواية الطيالسي- مع أنها الأصل-؛ لأنه سقط منها التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ ، وكذلك وقع في ترتيبه "منحة المعبود" (٢/١٣٨/٢٥١١) . *
٣٤٣٤ - (ما ضرّ امرأةً نزلتْ بين بَيتينِ من الأَنصار، أو نزلتْ بين أبويْها) .
أخرجه ابن حبان (٢٢٩٦) ، والحاكم (٤/٨٣) ، وأحمد (٦/٢٥٧) ، وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٩/٢٢٤) ، والبزار في مسنده (٣/٣٠٤- ٣٠٥/٢٨٠٦) من طريق روح بن عبادة: حدثنا هشام بن حسان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال البزار:
"لا نعلم أحداً رواه هكذا إلا هشام بن حسان، ولا عنه إلا روح ".
قلت: هو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما، وكذلك من فوقه، فهو صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال الحاكم. وبيض له الذهبي!
وقال الهيثمي (١٠/ ٤٠) :
"رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال (الصحيح) "!
قلت: البزار رواه عن شيخه يحيى بن حبيب: ثنا روح بن عبادة ... ويحيى ليس من رجال "الصحيح "، فالصواب أن يقال: "ورجال أحمد رجال (الصحيح) ".
стр. 6093
والحديث أعله أبو حاتم بالمخالفة والوقف، فذكر ابنه في "العلل" (٢/٣٥٣- ٣٥٤) أنه سأل أباه عنه؟ وعما رواه يحيى بن معين عن السكن بن إسماعيل الأصم عن هشام بن حسان عن هشام بن عروة عن يحيى بن سعيد عن عائشة قالت:
ما ضر امرأة كانت بين حيين من الأنصار أن لا تكون بين أبويها؟
فأجاب أبو حاتم بقوله:
"هذا الحديث أفسد حديث روح بن عبادة، وبيّن علته، وهذا الصحيح، ولا يحتمل أن يكون عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ "!
قلت: وهذا- في نقدي- إعلال غريب، يخالف المعروف والمقرر في علم الحديث من ترجيح الأحفظ والأوثق على من دونه، والسكن هذا- وإن كان ثقة-؛ فليس هو مثل روح بن عبادة. ونظرة سريعة في ترجمتيهما تظهر الفرق بينهما، فالأول احتج به الأئمة كما تقدم، والآخر لم يخرجوا له ألبتة، اللهم! إلا أبو داود، فأخرج له في "فضائل الأنصار"، فأين الثريا من الثرى؟! *
٣٤٣٥ - (شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ يدعُو لهذا الحيِّ من (النَّخَع) ، أو قال: يُثني عليهم؛ حتّى تمنيتُ أنّي رجلٌ منهم) .
أخرجه الإمام أحمد (١/٤٠٣) : حدثنا طلق بن غنام بن طلق: ثنا زكريا بن عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: حدثني شيخ من بني أسد- إما قال: شقيق، وإما قال: زر- عن عبد الله قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "؛ غير زكريا ابن عبد الله بن يزيد- وهو الصهباني النخعي-؛ ترجمه ابن أبي حاتم (١/٢/٥٩٨)
стр. 6094
برواية جمع من الثقات، ويضم إليهم طلق هذا، وما يأتي متابعاً له، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأورده ابن حبان في كتابه "الثقات " (٨/٢٥٢) من رواية أحد الثقات قتيبة بن سعيد.
وتردد عبد الله بن يزيد في شيخه؛ هل هو (شقيق) أو (زر) ؟! مما لا يؤثر في صحة الحديث؛ لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة؛ كما قال الشيخ أحمد شاكر- ﵀ في تعليقه على "المسند" (٥/٣١٧) .
على أن الراجح عندي أنه (زر بن حبيش) ؛ لأنه قد جاء ذلك من طريقين آخرين عن ابنه زكريا بن عبد الله:
أحدهما: عن يحيى بن أبي زكريا: ثنا زكريا بن عبد الله بن يزيد الصهباني به. أخرجه البزار (٤/٢٣٥/١٨٤٨- البحر الزخار) نحوه. وقال:
"لا يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بهذا الإسناد".
والآخر: عن يحيى الحمّاني: ثنا زكريا بن عبد الله الصهباني به.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/١٦٣/١٠٢١٢) .
قلت: والحماني، ويحيى بن أبي زكريا- وأظنه الغساني (١) - فيهما ضعف، لكن أحدهما يقوي الآخر، فيصلح الترجيح بمجموعهما. والله أعلم.
والحديث قال الهيثمي (١٠/٥١) :
"رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال أحمد ثقات ".
قلت: وقد فاتت رواية أحمد هذه جماعة من المؤلفين في الرجال، ابتداءً من
стр. 6095
الأزدي، وانتهاءً بالعسقلاني؛ فقد أورد الذهبي في "ميزانه " (زكريا بن عبد الله بن يزيد الصهباني) ، وقال:
"حدث عنه يحيى الحماني، قال الأزدي: منكر الحديث ".
وأقره العسقلاني في "اللسان "؛ وزاد عليه، فقال:
"أورد له [يعني: الأزدي] عن زر بن حبيش ... ".
قلت: فساق الحديث! وهذا من الغرابة بمكان أن يخفى عليهم رواية أحمد من طريق طلق بن علي من جهة، وترجمة ابن أبي حاتم لزكريا هذا برواية جمع عنه- كما تقدم- من جهة أخرى، فلا يلتفت إلى قول الأزدي فيه: "منكر الحديث "؛لأنه وهم ناشئ من عدم اطلاعه على رواية الثقات والمشار إليهم عن (زكريا) ، وظنه أنه لم يرو عنه إلا (يحيى الحماني) ؛ ولا سيما وهو معروف بأن في جرحه عنتاً وشدة!! والله أعلم. *
٣٤٣٦ - (غِلَظُ القلوبِ والجفاءُ في المشْرقِ، والإيمانُ في أهْل الحِجاز) .
هو من حديث جابر- ﵁، وله عنه طرق:
الأولى: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ .... فذكره.
أخرجه مسلم (١/٥٣) ، وأبو عوانة (١/٦٠) ، وابن حبان (٩/ ٢٠٤/٧٢٥٢) ، وأحمد في "المسند" (٣/٣٣٥) و"فضائل الصحابة" (٢/٨٦٣/ ١٦١١) من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير به.
وتابعه موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر به؛ إلا أنه قال: