← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

خرجنا يوم دخل جيش ابن دلجة المدينة بعد الحرة بعام، فدخل المدينة حتى ظهر المنبر، ففزع الناس، فخرجنا بجابر في الحرة؛ وقد ذهب بصره، فنكبه الحجر، فقال: أخافه الله من أخاف رسول الله ﷺ ! فقالها مرتين أو ثلاثاً قبل أن نسأله، فقلنا: يا أبتاه: ومن أخاف رسول الله ﷺ ؟! فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره. وقال: "لا يروى هذا الحديث عن محمد ومحمود ابني جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى بن شيبة". قلت: وهو لين الحديث؛ كما في "التقريب "، ولكنه شاهد جيد لحديث طالب بن حبيب. ومحمد ومحمود؛ ذكرهما ابن حبان في "الثقات "؛ كما تقدم تحت الحديث (٢٣٠٤) ، فأحدهما يقوي الآخر. وقد أخرجه البخاري (١/ ١/٥٣/ ١١٠) ، والطبراني في "الأوسط " أيضاً (٢/٥٤- ٥٥/١٠٩٣) ، وكذا أحمد في "فضائل الصحابة" (٢/٧٩٤/١٤٢١) من طريق يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنس أبي زكريا الأنصاري قال: حدثني محمد بن جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري عن أبيه جابر مرفوعاً مثل حديث الترجمة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٣٨) : " رواه الطبراني في " الأوسط "، والبزار، ورجال البزار رجال" الصحيح"؛ غير طالب بن حبيب، وهو ثقة، وأحمد بنحوه إلا أنه قال: "من أخاف أهل المدينة ... "، ورجال أحمد رجال (الصحيح) ". قلت: لفظ أحمد إسناده منقطع كما كنت بينت في المكان المشار إليه آنفاً

стр. 6092

من "الصحيحة"، وهو رواية عن محمد بن جابر بن عبد الله عن أبيه؛ كما تراه مخرجاً هناك. (تنبيه) : إنما آثرت أن أسوق حديث الترجمة- مع مناسبته- من رواية البزار دون رواية الطيالسي- مع أنها الأصل-؛ لأنه سقط منها التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ ، وكذلك وقع في ترتيبه "منحة المعبود" (٢/١٣٨/٢٥١١) . * ٣٤٣٤ - (ما ضرّ امرأةً نزلتْ بين بَيتينِ من الأَنصار، أو نزلتْ بين أبويْها) . أخرجه ابن حبان (٢٢٩٦) ، والحاكم (٤/٨٣) ، وأحمد (٦/٢٥٧) ، وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٩/٢٢٤) ، والبزار في مسنده (٣/٣٠٤- ٣٠٥/٢٨٠٦) من طريق روح بن عبادة: حدثنا هشام بن حسان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال البزار: "لا نعلم أحداً رواه هكذا إلا هشام بن حسان، ولا عنه إلا روح ". قلت: هو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما، وكذلك من فوقه، فهو صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال الحاكم. وبيض له الذهبي! وقال الهيثمي (١٠/ ٤٠) : "رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال (الصحيح) "! قلت: البزار رواه عن شيخه يحيى بن حبيب: ثنا روح بن عبادة ... ويحيى ليس من رجال "الصحيح "، فالصواب أن يقال: "ورجال أحمد رجال (الصحيح) ".

стр. 6093

والحديث أعله أبو حاتم بالمخالفة والوقف، فذكر ابنه في "العلل" (٢/٣٥٣- ٣٥٤) أنه سأل أباه عنه؟ وعما رواه يحيى بن معين عن السكن بن إسماعيل الأصم عن هشام بن حسان عن هشام بن عروة عن يحيى بن سعيد عن عائشة قالت: ما ضر امرأة كانت بين حيين من الأنصار أن لا تكون بين أبويها؟ فأجاب أبو حاتم بقوله: "هذا الحديث أفسد حديث روح بن عبادة، وبيّن علته، وهذا الصحيح، ولا يحتمل أن يكون عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ "! قلت: وهذا- في نقدي- إعلال غريب، يخالف المعروف والمقرر في علم الحديث من ترجيح الأحفظ والأوثق على من دونه، والسكن هذا- وإن كان ثقة-؛ فليس هو مثل روح بن عبادة. ونظرة سريعة في ترجمتيهما تظهر الفرق بينهما، فالأول احتج به الأئمة كما تقدم، والآخر لم يخرجوا له ألبتة، اللهم! إلا أبو داود، فأخرج له في "فضائل الأنصار"، فأين الثريا من الثرى؟! * ٣٤٣٥ - (شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ يدعُو لهذا الحيِّ من (النَّخَع) ، أو قال: يُثني عليهم؛ حتّى تمنيتُ أنّي رجلٌ منهم) . أخرجه الإمام أحمد (١/٤٠٣) : حدثنا طلق بن غنام بن طلق: ثنا زكريا بن عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: حدثني شيخ من بني أسد- إما قال: شقيق، وإما قال: زر- عن عبد الله قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "؛ غير زكريا ابن عبد الله بن يزيد- وهو الصهباني النخعي-؛ ترجمه ابن أبي حاتم (١/٢/٥٩٨)

стр. 6094

برواية جمع من الثقات، ويضم إليهم طلق هذا، وما يأتي متابعاً له، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأورده ابن حبان في كتابه "الثقات " (٨/٢٥٢) من رواية أحد الثقات قتيبة بن سعيد. وتردد عبد الله بن يزيد في شيخه؛ هل هو (شقيق) أو (زر) ؟! مما لا يؤثر في صحة الحديث؛ لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة؛ كما قال الشيخ أحمد شاكر- ﵀ في تعليقه على "المسند" (٥/٣١٧) . على أن الراجح عندي أنه (زر بن حبيش) ؛ لأنه قد جاء ذلك من طريقين آخرين عن ابنه زكريا بن عبد الله: أحدهما: عن يحيى بن أبي زكريا: ثنا زكريا بن عبد الله بن يزيد الصهباني به. أخرجه البزار (٤/٢٣٥/١٨٤٨- البحر الزخار) نحوه. وقال: "لا يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بهذا الإسناد". والآخر: عن يحيى الحمّاني: ثنا زكريا بن عبد الله الصهباني به. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/١٦٣/١٠٢١٢) . قلت: والحماني، ويحيى بن أبي زكريا- وأظنه الغساني (١) - فيهما ضعف، لكن أحدهما يقوي الآخر، فيصلح الترجيح بمجموعهما. والله أعلم. والحديث قال الهيثمي (١٠/٥١) : "رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال أحمد ثقات ". قلت: وقد فاتت رواية أحمد هذه جماعة من المؤلفين في الرجال، ابتداءً من

стр. 6095

الأزدي، وانتهاءً بالعسقلاني؛ فقد أورد الذهبي في "ميزانه " (زكريا بن عبد الله بن يزيد الصهباني) ، وقال: "حدث عنه يحيى الحماني، قال الأزدي: منكر الحديث ". وأقره العسقلاني في "اللسان "؛ وزاد عليه، فقال: "أورد له [يعني: الأزدي] عن زر بن حبيش ... ". قلت: فساق الحديث! وهذا من الغرابة بمكان أن يخفى عليهم رواية أحمد من طريق طلق بن علي من جهة، وترجمة ابن أبي حاتم لزكريا هذا برواية جمع عنه- كما تقدم- من جهة أخرى، فلا يلتفت إلى قول الأزدي فيه: "منكر الحديث "؛لأنه وهم ناشئ من عدم اطلاعه على رواية الثقات والمشار إليهم عن (زكريا) ، وظنه أنه لم يرو عنه إلا (يحيى الحماني) ؛ ولا سيما وهو معروف بأن في جرحه عنتاً وشدة!! والله أعلم. * ٣٤٣٦ - (غِلَظُ القلوبِ والجفاءُ في المشْرقِ، والإيمانُ في أهْل الحِجاز) . هو من حديث جابر- ﵁، وله عنه طرق: الأولى: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ .... فذكره. أخرجه مسلم (١/٥٣) ، وأبو عوانة (١/٦٠) ، وابن حبان (٩/ ٢٠٤/٧٢٥٢) ، وأحمد في "المسند" (٣/٣٣٥) و"فضائل الصحابة" (٢/٨٦٣/ ١٦١١) من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير به. وتابعه موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر به؛ إلا أنه قال:

стр. 6096

"والإيمان يمان، والسكينة في أهل الحجاز". أخرجه البزار (٣/ ٣١٥- كشف الأستار) من طريق إسماعيل بن أبي أويس: ثنا ابن أبي الزناد عنه. وقال: "قد روي عن جابر من غير وجه ". قلت: وهو من هذا الوجه ضعيف؛ قال الهيثمي (١٠/٥٣) : "رواه البزار، وفيه ابن أبي الزناد، وفيه خلاف، وبقية رجاله (رجال الصحيح) "! قلت: نعم؛ لكن إسماعيل بن أبي أويس ليس أحسن حالاً من ابن أبي الزناد- واسمه عبد الرحمن-، قال الحافظ: "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً". وقال في إسماعيل بن أبي أويس: "صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه ". وقال في "مقدمة البخاري " ما خلاصته: "لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في (الصحيح) ". قلت: فأخشى أن يكون وهم في متن هذا الحديث؛ فزاد فيه: "والإيمان يمان"، وهذا قد ثبت في أحاديث؛ فانظر الحديث المتقدم (١٧٧٠) ، فكأنه دخل عليه حديث في حديث؛ كما أنه غلط فجعل "السكينة في أهل الحجاز"، مكان: "الإيمان ". وتابعه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر به؛ إلا أنه قال: "والإيمان والسكينة في أهل الحجاز".

стр. 6097

وهذا من تخاليط ابن لهيعة. أخرجه أحمد (٣/٣٤٥) ، والطبراني في "المعجم الأوسط " (١٠/٢٨/ ٩٠٦٧) . وهو مما فات الهيثمي فلم يورده في "مجمع الزوائد"! الطريق الثانية: عن سليمان عن جابر بلفظ: "الإيمان في أهل الحجاز، وغلظ القلوب والجفاء في الفدّادين؛ في أهل المشرق". أخرجه أحمد (٣/٣٣٢) وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير سليمان هذا، وهو ابن قيس اليشكري، وهو ثقة. الثالثة: عن أبي سفيان عن جابر مثله؛ إلا أنه قال: "وغلظ القلوب قبل المشرق، في ربيعة ومضر". أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/١٨٣/١٢٤٨٠) . وإسناده صحيح على شرط مسلم. * ٣٤٣٧ - (يطلُعُ عليكم أهلُ اليمن كأنّهم السّحاب، هم خيارُ من في الأرض. فقال رجلٌ من الأنصار: ولا نحنُ يا رسولَ الله؟! فسكت، قال: ولا نحن يا رسول الله؟! فسكت، قال: ولا نحن يا رسول الله؟! فقال في الثالثة كلمةً ضعيفةً: إلا أنتُم) . أخرجه أحمد في "المسند" (٤/٨٤) وفي "الفضائل " (٢/٨٦٣- ٨٦٤/١٦١٣) قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ بطريق مكة؛ إذ قال: ... فذكره.

стр. 6098

وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/١٨٣- ١٨٤/١٢٤٨٢) بنحوه مختصراً. وأخرجه أبو يعلى (١٣/٣٩٨/٧٤٠١) ، والبزار (٣/٣١٧/٢٨٣٨) - معلقاً- والطبراني (٢/١٣٤/١٥٤٩) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٣٥٣) من طرق عن يزيد بن هارون به. وقد توبع يزيد؛ فقال الطيالسي في "مسنده " (٢/١٢٧/٩٤٥) : حدثنا شعبة عن ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن به. ومن طريق الطيالسي: أخرجه البزار (٢٨٣٧) ، وكذا البخاري في "التاريخ " (١/٢/٢٧٢/٢٤٣٤) . وتابعه الحارث بن يزيد الحضرمي عن الحارث [خال] ابن أبي ذئب: أن رسول الله ﷺ رفع رأسه إلى السماء، فقال: "أتاكم أهل اليمن كقطع الليل المظلم- وفي رواية: كقطع السحاب- ... "؛ والباقي نحوه. أخرجه الطبراني (١٥٥٠) ، وأحمد (٤/٨٢) - والرواية الأخرى له-، كلاهما من طريق ابن لهيعة عنه؛ إلا أن أحمد قال: عن الحارث بن يزيد عن الحارث بن أبي ذباب- إن شاء الله- عن محمد بن جبير ... قلت: هكذا وقع في "المسند": (.. ابن أبي ذباب) ، وكذا هو في "أطراف المسند" (٢/١٨٦- ١٨٧ /٢٠٧٣) لابن حجر (١) . وفي "الطبراني ": (.. ابن أبي

стр. 6099

ذئب) ، والزيادة بين المعكوفتين ظناً مني؛ أنه الصواب بناءً على الروايتين المتقدمتين، ومنعني من الجزم بذلك رواية أحمد هذه، وأني لم أجد من ذكر (ابن أبي ذباب) في الرواة عن (محمد بن جبير بن مطعم) أو في شيوخ (الحارث بن يزيد الحضرمي) ؛ وهو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب الدوسي، وهو صدوق يهم، ومن رجال مسلم؛ كما في "التقريب "، فالله أعلم! فالأمر بحاجة إلى مزيد من التحقيق، فمن وجد فليُدْلِ به، وجزاه الله خيراً. والحديث أورده الهيثمي (١٠/٥٤- ٥٥) ، وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى..، والبزار بنحوه، والطبراني، وأحد إسنادي أحمد، وإسناد أبي يعلى والبزار رجاله رجال (الصحيح) ". (تنبيه) : ذكرت اًنفاً أن البخاري أخرج الحديث في "التاريخ "، وقد سبقني إلى العزو إلى (البخاري) الأخ الفاضل (وصي الله) في تعليقه على "الفضائل "، ولكنه أطلق العزو إليه، ولم يقيده بـ "التاريخ "، فأوهم أنه في "الصحيح "! فاقتضى التنبيه. * ٣٤٣٨ - (إنّ قوماً يأتونَ من بعْدِي، يودُّ أحدُهم أنْ يفتدِيَ برؤيتي أهلَه ومالَه) . أخرجه البزار في "مسنده " (٣/٣١٩/ ٢٨٤١) : حدثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة العُصفري: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عمرو بن أبي عمرو عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ على خلاف في عبد الرحمن بن أبي الزناد،

стр. 6100

وكلهم من رجال "التهذيب "؛ غير أحمد بن عمرو بن عبيدة العصفري؛ فإني لم أجد له ترجمة ولا ذكراً في شيء من كتب التراجم، ولا ذكروه في الرواة عن عبيد الله الحنفي، ولا فيمن نسبته (العصفري) . ومع ذلك قال الهيثمي في "المجمع " (١٠/٦٦) : "رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات "! فلا أدري هل عنى بهذا التوثيق (العصفري) هذا أم لا؟! ويبدو لي أن الحافظ ابن حجر يرى الأول؛ فإنه قال في "مختصر الزوائد" (٢/٣٨٩-٣٩٠/٢٠٧٢) : "قلت: إسناده صحيح "! نعم، الحديث صحيح؛ فقد جاء بإسناد آخر عن سهيل بن أبي صالح؛ فقال مسلم في "صحيحه" (٨/١٤٥) ، وأحمد في "مسنده " (٢/٤١٧) : حدثنا قتيبة ابن سعيد: حدثنا يعقوب (يعني: ابن عبد الرحمن) عن سهيل به، ولفظه: "من أشد أمتي حبّاً لي: ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ". وله شاهد عند أحمد من حديث أبي ذر مرفوعاً، سبق تخريجه في المجلد الثالث برقم (١٩١٨) . وأما ما أخرجه البزار (٢٨٤٢) من طريق عبد الله بن داود الحراني- وهو أخو عبد الغفار-: ثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي عُشانة قال: سمعت أبا اليقظان عمار ابن ياسر يقول:

стр. 6101

والله! لأنتم أشد حبّاً لرسول الله ﷺ ممن رآه- أو من عامة من رآه-. وقال البزار: "لا نعلم له إسناداً عن عمار إلا هذا"! قلت: وهو إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وجهالة عبد الله بن داود الحراني؛ فإني لم أجد له ترجمة، ومتنه- على وقفه- منكر. والله أعلم. وقال الهيثمي: "رواه البزار، والطبراني، وفيه عبد الله بن داود الحراني- أخو عبد الغفار-، ولم أعرفه، وبقية إسناد البزار حديثهم حسن "! * ٣٤٣٩ - (الحمّام حرامٌ على نساء أمتي) . أخرجه الحاكم (٤/٢٨٩) فقال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني: ثنا جدي: ثنا سعيد بن أبي مريم: ثنا نافع بن يزيد: حدثني يحيى بن أبي أسيد عن عبيد بن أبي سويّة أنه سمع سُبيعة الأسلمية تقول: دخل على عائشة نسوة من أهل الشام، فقالت عائشة: ممن أنتن؟ فقلن: من أهل حمص. فقالت: صواحب الحمامات؟ فقلن: نعم. قالت عائشة ﵂:! سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكر الحديث. فقالت امرأة منهن: فلي بنات أمشطهن بهذا الشراب؟ قالت: بأي الشراب؟ فقالت: الخمر! فقالت عائشة- ﵂: أَفكنتِ- طيبة النفس أن تمتشطي بدم خنزير؟ قالت: لا، قالت: فإنه مثله. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ العراقي في "تخريج

стр. 6102

الإحياء" (١/ ١٤٠) ، ثم الزبيدي في "شرح الإحياء" (١/٤٠٧) ، ومن قبلهم الحافظ المنذري في "الترغيب " (١/٨٩/ ٤) . فأقول: هذا إسناد جيد متصل إن شاء الله تعالى، ولتحقيق ذلك لا بد من الكلام على رواته فرداً فرداً: ١-عُبيد بن أبي سوية؛ نسب إلى جده، فهو: عبيد بن سوية بن أبي سوية الأنصاري أبو سوية المصري) . ذكره الحافظ في كتابه "التهذيب " برواية أربعة من الثقات عنه، وحكى خلافاً في اسمه وكنيته، وقال: " والصواب: أبو سوية ". وهكذا وقع في حديث آخر، رواه أبو داود، وابن حبان، وكذا ابن خزيمة، وقد تقدم تخريجه برقم (٦٤٢) . ثم قال: "وروى النسائي في "الكنى" من طريق يحيى بن أبي أسيد عن عبيد بن أبي سوية أنه سمع سبيعة الأسلمية أنها قالت: دخلت على عائشة ... فذكر الحديث في الحمام. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم في "المستدرك ". وقال الدولابي (١/ ٢٠١) : "أبو سوية سمع سبيعة الأسلمية". وقال ابن حبان في "الثقات" (٦/١٩٣) : "حميد (١) بن سويد أبو سويد". قال: "ومن قال: أبو سوية فقد وهم ". وقال ابن يونس: "كان رجلاً صالحاً، وكان يفسر القرآن " ... ". وقال الأمير ابن ماكولا في "الإكمال " (٤/٣٩٤) : "كان فاضلاً، روى عنه حيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث وغيرهما".

стр. 6103

قلت: إذا عرفت هذا؛ فهو معروف، فلا يضره قول ابن خزيمة في إسناد الحديث المشار إليه آنفاً: "لا أعرفه بعدالة ولا جرح "! ولذلك قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق، من الثالثة ". وكذلك لا يضره ما جاء في "التهذيب " أن روايته عن سبيعة الأسلمية مرسلة، بعد أن صرح في الحديث بسماعه منها؛ وجزم بذلك الحافظ الدّولابي؛ كما تقدم نقلاً عن "تهذيب الحافظ "، وهو لازم قوله المذكور آنفاً: "من الثالثة"؛ فتنبه. ٢- يحيى بن أبي أسيد؛ قال ابن أبي حاتم (٤/٢/١٢٩) : "مصري، روى عن أبي فراس. روى عنه عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة ". وكذا في "تاريخ البخاري " (٤/٢/٢٦١/٢٩٢٥) ، إلا أنه لم يذكر ابن لهيعة. وأورده ابن حبان في "الثقات " (٩/٢٥١) برواية الليث بن سعد وعمرو بن الحارث؛ فقد روى عنه أربعة من الثقات، ويضم إليهم خامس وهو (نافع بن يزيد) راوي هذا الحديث عنه. وله عنه حديث آخر عند الحاكم (١/٥٤٤) ، لكن شيخه فيه ضعيف، ولذلك كنت خرجته في "الضعيفة" (٣٢٠٠) . ٣ و ٤- نافع بن يزيد، وسعيد بن أبي مريم؛ ثقتان من رجال مسلم، مشهوران، فلا داعي لإطالة الكلام بترجمتيهما.

стр. 6104

٥- الفضل بن محمد الشعراني- جد إسماعيل-؛ فهو من شيوخ ابن خزيمة وغيره من الحفاظ، قال ابن أبي حاتم (١) في كتابه (٣/٢/٦٩) : "كتبت عنه بالري، وتكلموا فيه ". قلت: وهذا جرح مبهم غير مفسر، فلا يضر؛ لأنه يحتمل أنهم تكلموا فيه لمذهب له، وهذا هو الظاهر؛ فقد قال الذهبي عقبه في "سير أعلام النبلاء" (١٣/٣١٨) : "وقال أبو عبد الرحمن بن الأخرم: صدوق غالٍ في التشيع. وقال الحاكم: لم أر خلافاً بين الأئمة الذين سمعوا منه في ثقته وصدقه، رضوان الله عليه، وكان أديباً فقيهاً، عالماً عابداً ... وقال مسعود السّجزي: سألت الحاكم عن الفضل بن محمد؟ فقال. ثقة مأمون، لم يطعن في حديثه بحجة". قلت: على أنه قد توبع كما سأبينه. ٦- إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني؛ ترجمه السمعاني في مادة (الشعراني) ؛ (٣/٤٣٣) وقال: "قال الحاكم أبو عبد الله: كان كثير السماع من جده وأبيه، وكان أحد المجتهدين في العبادة، وكنت أستخير الله في إخراجه في "الصحيح "، فوقعت الخيرة على ذلك، والكلام فيه يطول ". وذكر مُختصر هذا الذهبي في "تاريخ الإسلام " (٢٥/٣٧٣- ٣٧٤) ، وزاد: "روى عنه الحاكم وقال: لم أرتب في شيء من أمره إلا روايته عن عمير بن

стр. 6105

مرداس، فالله أعلم! وسألته: أين كتبت عن عمير؟ قال: لما رحلت إلى مصر (!) ابن أيوب؛ فلعله كما قال ". قلت: وهذا لا يوجد ريبة فيمن لا شك فيمن لقيه من شيوخه، مثل جده هذا، ولا يستلزم تضعيفه مطلقاً، فالأصل فيه تسليك حديثه ولذلك لم يورده الذهبي في "المغني في الضعفاء والمتروكين "، مع أنه ذكره مختصراً جداً في " الميزان ". والله أعلم. ومع ذلك كله؛ فقد توبع، بل ربما توبع جده الفضل، كما سبقت الإشارة إليه؛ فقد تقدم أنه أخرجه النسائي في "الكنى"، وقد توفي سنة (٣٠٣) ، والحفيد توفي سنة (٢٨٢) ، فهما متعاصران، فأستبعد أن يكون رواه عنه، وإنما هو أو شيخه متابع له، فلعل النسائي رواه عن أحد شيوخه المصريين مثل (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري) ، فقد روى هذا عن (سعيد بن الحكم بن أبي مريم) الثقة، وهو (سعيد بن أبي مريم) شيخ (الفضل بن محمد الشعراني) هنا، والله أعلم. وجملة القول؛ أننا بهذا التحقيق نخلص إلى أن إسناد الحديث قوي، وأن من صححه من الحفاظ المتقدمين ما أبعد النُّجعة، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه؛ منها حديث عائشة من طريق أبي المليح قال: دخل نسوة من أهل الشام على عائشة ﵂، فقالت: ممن أنتن؟ ... الحديث نحوه، لكن لفظ المرفوع: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها؛ إلا هتكت ما بينها وبين ربها". وهو مخرج في "آداب الزفاف" (ص ١٤١) ، وانظر"صحيح الترغيب والترهيب " رقم (١٦٣) من الطبعة الجديدة لمكتبة المعارف.

стр. 6106

تنبيه وفائدة: لقد توقفت برهة مديدة من الزمن عن تصحيح هذا الحديث؛ من أجل يحيى ابن أبي أسيد هذا، من يوم بدأت بتقسيم كتاب "الترغيب " إلى قسميه: "صحيح " و"ضعيف "، وذلك قبل نحو أربعين عاماً تقريباً، ومن ذلك خلت الطبعات الثلاث منه، ولذلك أسباب كثيرة سأذكر ما يتيسر لي منها في مقدمة الطبعة الرابعة من "صحيح الترغيب " إن شاء الله . ولكني سأذكر منها سبباً واحداً يتعلق بحديثنا هذا؛ فأقول: لم تكن المراجع والمصادر التي تساعد على التحقيق في معرفة الرجال، وتمييز "الصحيح " و"الضعيف " يومئذ متوفرة، رغم أنني كنت أعيش في دار الكتب الظاهرية، وملازماً لها أكثر من موظفيها بعناية الله وفضله، وهي الدار العامرة بمختلف الكتب المطبوعة والمخطوطة، رغم ذلك كانت تنقصني كثير من المصادر، ولا يزال الأمر كذلك؛ ولو بنسبة أقل، وها هو المثال بين يدي: ترجمة (يحيى بن أبي أسيد) وحديثه هذا، فقد مررت بمراحل عدة حتى تيسرت أسباب الحكم عليه بالصحة، فلا بأس من سردها أمام القراء؛ للتاريخ والعبرة والفائدة؛ فأقول: أولاً: لما جاء دور التعليق إبان ذلك الوقت المديد في "التعليق الرغيب "؛ كتبت عليه ما نصه- بعد سوق إسناده من "الحاكم "-: "ومن هذا الوجه أخرجه النسائي في "الكنى"؛ كما في "التهذيب "، وقال الحاكم: "صحيح ". ووافقه الذهبي. قلت: ورجاله ثقات؛ غير ابن أبي أسيد هذا، فلم أر من ذكره، وقد أورده في "التهذيب " فيمن روى عن (عبيد بن أبي سوية) ".

стр. 6107

ثانياً: ثم بعد زمن؛ عقبت عليه بقولي: "ثم رأيته في "الجرح والتعديل " (٤/٢/١٢٩) من رواية ثلاثة ثقات عنه، فلعله في "ثقات ابن حبان "، ويشهد له بعض أحاديث الباب ". ثالثاً: ثم بعد هجرتي إلى (عَمان) سنة (١٤٠٠ هـ) واستقراري فيها؛ امتلكت نسخة مطبوعة في الهند من "ثقات ابن حبان "، وذلك من نحو عشر سنين، ثم رتبته على الحروف قبل أن أمتلك فهارسه المطبوعة بعنوان "الجامع ... "، ومع الزمن أخذ فهرسي يكتسي ثوباً جديداً من التعليق والتحقيق، لا يوجد مثله عند محقق "الثقات "، فضلاً عن مؤلف "الجامع "، وذلك مثل تأكيد ثقة بعض الرواة، أو تجريحهم، أو تجهيلهم، وغير ذلك من الفوائد؛ كالإشارة إلى بعض أحاديثهم. ولما كنت في هذه الأيام في صدد تصحيح تجارب الطبعة الجديدة لكتابي "ضعيف الترغيب "، والقيام على إعادة النظر في أصله "التعليق الرغيب "؛ وجدت فيه حديث الترجمة، بناء على التعليق القديم الذي سبقت الإشارة إليه في (أولاً) ، فرجعت إلى كتابي "ترتيب الثقات " (١) ، فوجدتني قد علقت عليه بنحو ما تقدم اًنفاً من رواية الثقات الخمسة عن راويه (يحيى بن أبي أسيد) ، وتصحيح الحاكم والذهبي للحديث، وختمت التعليق بقولي: ".. فهو صدوق ". فغلب على ظني أن الحديث قوي؛ لزوال جهالة (يحيى) ، ولكن من تمام التحقيق والاحتياط في حديث رسول الله ﷺ ، وأن لا ننسب إليه ما لم نتأكد من صحته؛ أوردت على نفسي سؤالاً، ألا وهو: لعل فيمن دونه من الرواة من يضعف

стр. 6108

الحديث بسببه، وبخاصة من ليس لهم ترجمة في "التهذيب "؛ لأنهم ليسوا من رجال الستة وغيرهم ممن يترجم لهم، كشيخ الحاكم وشيخ شيخه؟ فكان الجواب: أن السؤال وارد علميِّاً، وكان الجواب عملياً، وهو: رابعاً: تتبعت ترجمة الشيخين المشار إليهما، فوجدت أن حديثهما لا ينزل عن مرتبة الحسن، ولا سيما وقد توبعا من قبل الإمام النسائي على ما قدمت بيانه، فثبت الحديث، والحمد لله، فحذفته من "ضعيف الترغيب "؛ ونقلته إلى تجربة "صحيح الترغيب " الذي هو تحت الطبع؛ والله تعالى ولي التوفيق (١) . تلك هي قصة هذا الحديث والمراحل التي مررت بها حتى تمكنت من الحكم عليه بالصحة- ومثله كثير وكثير جداً-؛ فلا يستغربن أحد من القراء إذا ما عثر على حكمين مختلفين في حديث واحد صدرا من شخص واحد، كالألباني؛ فإن لذلك أسباباً كثيرة، منها ما جرى لي في هذا الحديث مما هو فوق طاقة البشر، ولا يدخل في باب التكليف، ويأتي بعد ذلك أنني بشر، أخطئ وأصيب، كما قال الإمام مالك ﵀: "ما منا من أحد إلا رَدَّ أو رُدَّ عليه؛ إلا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر النبي ﷺ . ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ !! * ٣٤٤٠ - (إن خيارَ عِباد اللهِ: الذين يراعُونَ الشّمسَ والقمرَ والنُّجومَ والأظلّة؛ لذكر الله . أخرجه ابن شاهين في "الأفراد" (ق ٥/١) ، والبزار في "مسنده" (١/١٨٦/٣٦٦) ، والطبراني في "الدعاء" (٣/١٦٣٧/١٨٧٦) ، والحاكم (١/٥١) ، ومن طريقه:

стр. 6109

البيهقي في "السنن" (١/٣٧٩) من طريق سفيان بن عيينة عن مسعر عن إبراهيم السَّكْسَكِي عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال البزار: "لا نعلم رواه عن مسعر إلا سفيان، والصحيح أنه موقوف على أبي الدرداء". وقال ابن شاهين: "تفرد به سفيان عن مسعر، ما حدث به عنه غيره، وهو حديث غريب صحيح حسن "! وقال الحاكم: "هذا إسناد صحيح، وقد احتج مسلم والبخاري بإبراهيم السكسكي، واذا صح مثل هذه الاستقامة؛ لم يضره توهين من أفسد إسناده ". ثم ساقه من طريق عبد الله عن مسعر عن إبراهيم السكسكي قال حدثني أصحابنا عن أبي الدرداء أنه قال ... فذكر موقوفاً نحوه. وقال: "هذا لا يفسد الأول، ولا يعلله؛ فإن ابن عيينة حافظ ثقة، وكذلك عبد الله ابن المبارك ". قلت: وسكت عن الحديث الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٢٠٨) ! ولي هنا ملاحظات لا بد لي من ذكرها: أولاً: قول البزار: "والصحيح موقوف "! فأقول: لا وجه لهذا التصحيح؛ فقد رأيت أن مدار المرفوع والموقوف على (إبراهيم السكسكي) ؛ فإن كان حجة؛ فالأمر كما قال الحاكم: الموقوف لا يفسد المرفوع؛ لأن الإسناد إليه بكل منهما صحيح. فتأمل!

стр. 6110

ثانياً: تصحيح الحاكم والذهبي وابن شاهين لإسناده؛ فيه نظر قوي! ذلك؛ لأن (السكسكي) وإن أخرج له البخاري؛ ففيه كلام من قبل حفظه، يمنع من الحكم على إسناده بالصحة. أما الحسن فيمكن، قال الذهبي نفسه في "الميزان ": "كوفي صدوق، لينه شعبة والنسائي، ولم يترك، قال النسائي: ليس بذاك القوي. وخرج له البخاري. وقال أحمد: ضعيف. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًًاً منكر المتن ". وقال في "الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد" (ص ٥٥) : "لينه شعبة، وضعفه أحمد، حديثه حسن ". وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق، ضعيف الحفظ "؛ وانظر "إرواء الغليل " (٢/١٢) ؛ فإن له فيه حديثًاً صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود. ثالثاً: قول الحاكم: "وقد احتج به مسلم "! خطأ لعله من بعض النساخ؛ فإن المنقول عن الحاكم خلافه؛ فقد ذكر الحافظ في ترجمة (السكسكي) هذا من كتابه "مقدمة الفتح " (ص ٣٨٨) : "قال الحاكم: قلت للدارقطني: لم ترك مسلم حديثه؟ قال: تكلم فيه يحيى ابن سعيد. قلت: بحجة؟ قال: هو ضعيف ". رابعاً: ومع هذا كله؛ فإن في سكوت الحافظ عن الحديث ما يشير إلى تقويته، وذلك في مرتبة الحسن، كما في عبارة ابن شاهين المتقدمة، وهذا عند الحافظ: لذاته، أو لغيره، وهو الأقرب عندي؛ فقد ذكر له البيهقي شاهداً من

стр. 6111

رواية واصل بن أيوب الأسواري عن أبي هريرة موقوفاً عليه. والأسواري هذا لم أجد من ذكره؛ ولا السمعاني في هذه النسبة. وكذلك أشار إلى تقويته الحافظ المنذري أيضاً في "الترغيب " (١/١٠٩/١٤) بتصديره إياه بقوله: "وعن.. "، وسكوته أو إقراره لتصحيح الحاكم وابن شاهين، وذكر له شاهداً من حديث أنس ﵁، وقد خرجته في الكتاب الآخر برقم (٥٠٣٨) ، مع بيان ضعفه، وإعلال الهيثمي إياه. وأما هذا فقد قال فيه (١/٣٢٧) : "رواه الطبراني في " الكبير"، والبزار، ورجاله موثقون، لكنه معلول "! قلت: يشير إلى الخلاف في رفعه ووقفه، وفي توثيق إبراهيم السكسكي، وقد حررت القول في ذلك كله، وتبيين- إن شاء الله تعالى- صوابه من خطئه. ثم لا بد لي بهذه المناسبة من كلمة حول هذا الحديث وما فيه من الفقه، فأقول: ليس يخفى على أهل العلم أن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، وأنه قد جاء في فضله أحاديث كثيرة معروفة في "الصحاح " و "السنن " وغيرها، وإنما قصدت هنا تخريج هذا من بينها لسببين اثنين: أحدهما: تحقيق الكلام في إسناده، والنظر في الذين صححوه؛ هل أصابوا أم أخطؤوا؟! ثم الحكم عليه بما تقتضيه القواعد العلمية الحديثية من صحة، أو حسن، أو ضعف، وقد فعلت، راجياً من الله تعالى أن أكون قد وفقت للصواب الذي يرضيه . والآخر: التذكير بما أصاب هذه الشعيرة الإسلامية من الاستهانة بها، وإهمالها، وعدم الاهتمام بها، وتعطيلها في بعض المساجد التي يجب رفع الأذان فيها من

стр. 6112

مؤذنيها، اكتفاءً بأذان إذاعة الدولة التي يذاع بواسطة الكهرباء من مكبرات الصوت المركبة على المآذن في بعض البلاد الإسلامية، وبناءً على التوقيت الفلكي، الذي لا يوافق التوقيت الشرعي في بعض الأوقات، وفي كثير من البلاد، فقد علمنا أن الفجر يذاع قبل الفجر الصادق بنحو ربع ساعة أو أكثر، يختلف ذلك باختلاف البلاد، والظهر قبل ربع ساعة، والمغرب بعد نحو عشر دقائق، والعشاء بعد نصف ساعة! وهذا كما ترى يجعل بعض الصلوات تصلى قبل الوقت الشرعي مما لا يخفى فساده، والسبب واضح، وهو الجهل بالشرع؛ والاعتماد على علم الفلك حساباته التي تخالف الشرع؛ الأمر الذي صيّر المؤذنين الذين قد يؤذنون في مساجدهم، ولا يكتفون بالأذان المعلن من إذاعة الحكومة يجهلون كلّ الجهل المواقيت الشرعية المبنية على الرؤية البصرية، التي يسهل على كل مكلف أن يعرفها، لا فرق في ذلك بين أمي وغيره، بعد أن يكون قد عرفها من الشرع، فالفجر عند سطوع النور الأبيض وانتشاره في الأفق، والظهر عند زوال الشمس عن وسط السماء، والعصر عند صيرورة ظل الشيء مثله، بالإضافة إلى ظل الزوال، والمغرب عند غروب الشمس وسقوطها وراء الأفق، والعشاء عند غروب الشفق الأحمر. وإن مما لا شك فيه: أن هذه المواقيت تختلف باختلاف الأقاليم والبلاد ومواقعها في الأرض؛ من حيث خطوط الطول والعرض من جهة، ومن حيث انخفاضها وارتفاعها من جهة أخرى، الأمر الذي يوجب على المؤذنين مراعاتها والانتباه لها، فمدينة كبيرة كالقاهرة مثلاً؛ يطلع الفجر في شرقها قبل مغربها، وهكذا يقال في سائر الأوقات، بل قد تكون البلدة ليست في اتساعها كالقاهرة، كدمشق مثلاً، فمن كان في جبل قاسيون مثلاً تختلف مواقيته عمن كان في وسطها، أو في مسجدها مسجد بني أمية، أو في الغوطة منها مثلاً، ومع ذلك

стр. 6113

فأهلها جميعاً من كان في الأعلى أو الأدنى من مناطقها يصلون ويصومون ويفطرون على أذان مسجدها! وما لنا نذهب بعيداً؛ فقد شاهدت أنا وغيري في بعض قرى عمان؛ (الناعور) - لما ذهبنا إلى صلاة المغرب في مسجدها- الشمس لما تغرب بعد، والأذان يعلن من مكبر الصوت الذي على المنارة مذاعاً من إذاعة الدولة من بعض مناطق عمان! وتتكرر هذه المشاهد المخالفة في كثير من البلاد كما رأينا وسمعنا مثله من غيرنا؛ وقد بينت هذا في مكان آخر من التعليقات والتوجيهات. والمقصود: أن الثناء المذكور على المؤذنين في هذا الحديث؛ صاروا اليوم غير مستحقين له؛ بسبب أنهم لا يراعون الشمس و.. ولمعرفة أوقات الصلاة التي ائتمنوا عليها، ودعا لهم رسول الله ﷺ : بالمغفرة لو قاموا بها في قوله ﷺ : "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم! أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين " (١) . فلعل من كان يملك أذانه من المؤذنين، ومن كان من الحكام الغيورين على أحكام الدين يهتمون بالمؤذنين وتوجيههم أحكام دينهم وأذانهم، ويمكنونهم من أداء الأمانة التي أنيطت بهم، وهم يعلمون قوله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد﴾ ! * ٣٤٤١ - (ما منكنّ امرأةٌ يموتُ لها ثلاثةٌ؛ إلا أدخلَها الله الجنة، فقالت أجلُّهن امرأة: يا رسولَ الله! وصاحبةُ الاثنينِ في الجنّة؟! قال: وصاحبة الاثنين في الجنة) . أخرجه أحمد (١/ ٤٢١) : حدثنا عبد الصمد: حدثنا حماد: حدثنا عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود:

стр. 6114

أن رسول الله ﷺ خطب النساء فقال لهن: ... فذكره. وتابعه زائدة عن عاصم به نحوه. رواه البزار في " البحر الزخار" (٥/١٣٩/١٧٢٩) ، وأبو يعلى (٥٠٨٥) . قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أن عاصماً - وهو ابن بهدلة - إنما أخرج له مقروناً. وحماد: هو ابن سلمة، وقد توبع. فقال الطبراني في "المعجم الأوسط " (٧/٤٤/٦٠٧٣) : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي سُويد قال: حدثنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا أبي عن عاصم به. وقال: "لم يروه عن عاصم إلا الهيثم بن جهم، تفرد به عثمان بن الهيثم ". قلت: وهذا إسناد حسن أيضاً؛ غير ابن أبي سويد هذا، فقد ضعفه ابن عدي؛ كما بينته تحت حديث آخر له بهذا الإسناد في "الضعيفة" (٦٨١٧) . لكنه قد توبع فقال الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/٢٣٢/١٠٤١٤) : حدثنا إبراهيم بن صالح الشيرازي: ثنا عثمان بن الهيثم المؤذن به؛ إلا أنه قال: "ليس من أجلهن "! فلعل "ليس " مقحمة. قلت: وابراهيم بن صالح الشيرازي لم يترجموه؛ إلا الذهبي في "تاريخ الإسلام " ترجمة مختصرة جداً، ليس فيها سوى أنه حدث بمكة عن حجاج بن نصير الفساطيطي، وعنه الطبراني. ولم يزد عليه شيئاً الشيخ الأنصاري في "بلغته " (ص ١٦) ! مع أن تحديثه المذكور عن حجاج إنما استفاده الذهبي من "المعجم الصغير" للطبراني، وفيه فائدة أخرى وهي تاريخ سنة التحديث والوفاة،

стр. 6115

فقال (٣٦٢- الروض) : ثنا إبراهيم بن صالح الشيرازي- بمكة سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وفيها مات-: ثنا حجاج بن نصير ... إلخ. ويبدو لي أنه ليس من مشايخه المشهورين " فإنه قليل التحديث عنه، لم يرو عنه في "المعجم الأوسط " (٣/٤٤٧/٢٩٥٩) إلا حديثاً واحداً، وفي "الدعاء" حديثين (رقم ١٦٠ و ١١٤١) . لكن يظهر أن الحديث معروف عن (عثمان بن الهيثم) ؛ فقد علقه عليه بعض الحفاظ، فقال ابن أبي حاتم في "العلل " (١/٣٥٣/١٠٤١) : "سألت أبي عن حديث رواه عثمان المؤذن عن أبيه ... فذكره) ؟ قال أبي: رواه حماد عن عاصم عن أبي وائل.. أن النبي ﷺ . قلت لأبي: أيهما الصحيح؟ قال: قد توبع الهيثم بن جهم في هذه الرواية موصولاً". وكذلك علقه الإمام الدارقطني، فقال في "العلل " (٥/٥٨) - بعد أن ذكره من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد عن عاصم عن زر عن عبد الله موقوفاً-: "ورواه زائدة وهيثم بن جهم البصري- والد عثمان بن الهيثم المؤذن؛ ثقة لا بأس به (١) - عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعاً. ولعل عاصماً حفظ عنهما. والله أعلم ". والحديث صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (٦/٤٠) ، وقال:

стр. 6116

"وهذا لم يرو في الكتب الستة، ولم يذكر في "مجمع الزوائد"، فيستدرك عليه" قلت: وكذلك على كتابه الآخر: "كشف الأستار"، فإنه لم يذكره فيه، وقد عرفت أنه في "مسند البزار". ثم قال الشيخ: " (أجلهن امرأة) ؛ أي: أكبرهن وأعظمهن. وفي ك: "أجلدهن امرأة". وفي نسخة بهامشها: (أجملهن) ". قلت: ويرجح الأولى موافقتها لروايتي الطبراني " فتأمل! والحديث صحيح؛ فإن له شواهد كثيرة في "الصحيحين "، وغيرهما، تجد بعضها في "أحكام الجنائز" (ص ٣٤- المعارف) ، و"صحيح الترغيب " كتاب النكاح رقم (١٩٩٩) . * ٣٤٤٢ - (ما مِن امرأةٍ تنزعُ ثيابَها في غيرِ بيتها؛ إلا هتكتْ ما بينها وبينَ اللهِ من سترٍ) . أخرجه أحمد في "المسند" (٦/٣٦٢) ، والدّولابي في "الأسماء والكنى" (٢/١٣٤) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/٢٥٥/٦٥٢) من طرق عن عبد الله ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح قال: حدثني أبو صخر أن يُحنّس أبا موسى حدثه أن أم الدرداء حدثته: أن رسول الله ﷺ لقيها يوماً، فقال: "من أين جئت يا أم الدرداء؟! ".

стр. 6117

قالت: من الحمّام، فقال لها رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجاله مسلم، وفي بعضهم كلام لا يضر؛ وهو مخرج تخريجاً مختصراً في "آداب الزفاف " (ص ١٤٠) ، و"غاية المرام" (ص ١٣٦-١٣٧) ، و"التعليق الرغيب " (١/٩٠/٨) . وقال المنذري فيه: " رواه أحمد، والطبراني في " الكبير" بأسانيد، رجالها رجاله (الصحيح) "! كذا قال! وفيه سقط بينه قول الهيثمي في "المجمع " (١/٢٧٧) : ".. ورجال أحدها رجال (الصحيح) ". على أن قولهما: "بأسانيد" خطأ، والصواب: "بإسنادين"؛ لأنه ليس له عندهما إلا إسناد آخر؛ يرويه عبد الله بن لهيعة عن زَبّان بن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه أنه سمع أم الدرداء تقول: خرجت يوماً من الحمام، فلقيني رسول الله ﷺ فقال: "من أين يا أم الدرداء؟ ! ". قالت: من الحمام، فقال: "والذي نفسي بيده! ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها؛ إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن ". أخرجه أحمد (٦/٣٦١- ٣٦٢) ، والطبراني (٢٤/٢٥٢ -٢٥٣/٦٤٥) . وتابعه رِشْدين بن سعد عن زبان بن فائد به. أخرجه الطبراني (٦٤٦) .

стр. 6118

قلت: وهذا إسناد يمكن الاستشهاد به؛ فإن زبان بن فائد ليس شديد الضعف؛ فقد قال الذهبي في "الكاشف ": "فاضل، خيّر، ضعيف ". وقال في "المغني ": "ضُععِّف، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ". وقال الحافظ في "التقريب ": "ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته ". فقوله في آخر ترجمة أم الدرداء- واسمها خيرة- من "الإصابة " بعدما عزاه للطبراني فقط: "وسنده ضعيف جداً"! فهو مردود بقوله في "التقريب "، وبالطريق الأولى، فهي شاهد قوي له. ويبدو أن الحافظ لم يستحضرها، وإلا؛ كان اكتفى بها دون الأخرى التي ضعفها جداَ، هذا هو اللائق بحفظه وعلمه، ولكن جل من أحاط بكل شيء علماً! وأعجب من ذلك: الخبط والخلط الذي وقع فيه تلميذه الشيخ إبراهيم الناجي على خلاف عادته وتحقيقه-؛ فإنه قال متعقباً لقول المنذري المتقدم (ق ٣٧/ ١) : "فإن كان ذكر (الأسانيد) يعود إلى الطبراني دون أحمد، وإلا؛ فهو غير مُسلم، وقد عزاه الشيخ نور الدين الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد" إليهما؛ لكن لم يذكر (الأسانيد) ، وقال: "رجالهما ثقات "، وعزاه شيخنا الحافظ ابن حجر في مصنفه في أسماء الصحابة في ترجمة (أم الدرداء الكبرى) إلى أبي يعلى والطبراني، وذكر

стр. 6119

أنهما أخرجاه من طريق زبان، وسنده ضعيف جداً انتهى. فإن كان الطبراني أخرجه من غير هذه الطريق- وما أظن ذلك- ولا سيما راواية (كذا) ابن لهيعة له عن زبان عن سهل، وإلا؛ فما قاله المصنف والهيثمي مردود؛ إذ (زبان) وشيخه (سهل) من الرواة المختلف فيهم الذين أفردهما المصنف في آًخر هذا الكتاب، فقال.. ". قلت: ثم أطال النفس في نقل أقوال الحفاظ في (زبان) في توثيقه وتضعيفه في غير طائل في نحو نصف صفحة، لأنه على التسليم بضعفه، فقد قدمت الجواب عنه، فلا نعيده، ولكن لا بد من بيان ما يتعجل صدوره منه: أولاً: أنه لم يعد إلى "مسند أحمد"، و"معجم الطبراني " ليتبين له أنه لا فرق بين روايته ورواية أحمد! ثانياً: ما نسبه للهيثمي في "المجمع " لم أره، وهو خلاف ما نقلته اًنفاً عنه، وأخشى أن يكون قد انتقل بصره عند الكتابة إلى حديث آًخر، كما حكى هو مثله مراراً عن المنذري. ثالثاً: قوله: "وما أظن ذلك " مما يؤكد ما ذكرته في (أولَا) ، وإلا؛ لعرف أنه رواه الطبراني وكذا أحمد من غير طريق (زبّان) . رابعاً: ما نسبه لابن حجر أنه عزاه لأبي يعلى؛ ليس في النسخة المطبوعة من "الإصابة"، فإن كان ذلك في بعض النسخ منه؛ فهو وهم من مؤلفه، وإلا؛ فمن أوهام الناجي؛ فإن المؤلف لم يذكره في "المطالب العالية" المجردة، ولا في؛ "المسندة". خامساً: من آثار عدم رجوعه إلى "المسند" و"الطبراني ": أنه أقر شيخه على قوله: "وسنده ضعيف جداً"، وذلك يستلزم تضعيفه للحديث، ولذلك بنى عليه قوله فيما بعد (٣٧-١/٢) :

стр. 6120

"ومقتضى الحديث المذكور: أنه كان في زمنه ﵊ بالمدينة حمام، والوارد خلافه، وأنه أخبر بفتح بلاد الشام من ذوات الحمام بعده ودخولهم (هنا كلمتان لم أستطع قراءتهما أصابتهما الماء) جماعات من الصحابة حينئذٍ، وهكذا قالت عائشة وأم سلمة لأولئك النسوة دخلن عليها بعد موته ممن يدخلها (!) ، وهذا كله ظاهر غير خافٍ "! كذا قال! ومع ما في العبارة من خفاء بعض الألفاظ؛ فالمقصود منه ظاهر؛ وهو في ذلك تابع لبعض المتقدمين أقدمهم- فيما علمت- الخطيب؛ فإنه قال في كتابه "الموضح " (١/٣٦٢) بعد أن ضعف حديث (زبان) : "مع أن الحديث تبعد صحته؛ لأن المدينة لم يكن بها حمام على عهد رسول الله ﷺ ، والحمامات إنما كانت في ذلك الوقت ببلاد الشام، وبلاد فارس "! ثم احتج لما قال بما رواه من طريق الإفريقي عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إنها ستفتح لكم أرض الأعاجم، وستجدون فيها بيوتاً يقال لها: الحمامات ... " الحديث. قلت: وهذا من الغرابة بمكان؛ أن يحتج بمثل هذا الحديث، والإفريقي ضعيف، وكذا شيخه، كما كنت نقلته عن الحافظ في "غاية المرام " (١٩٢) ، ثم زدته بياناً في "الضعيفة" (٦٨١٩) . وأغرب منه: تجاهل الشيخ الناجي هذا الضعف، وقد أشار إليه المنذري (١/٨٨/٢) ، ولم يتعقبه الناجي بشيء! تجاهله بجزمه نسبته إلى النبي ﷺ بقوله المتقدم:

стр. 6121

"وأنه أخبر بفتح ... " إلخ. وكذلك تجاهل الخطيب حديث الترجمة المصرح بصحبة أم الدرداء، مع كونه في "سنن أبي داود" مما لا يخفى على من هو دونه حفظاً، وأوهم أنه ليس له طريق إلا طريق (زبان) ، وجزم بأن أم الدرداء هذه لا صحبة لها، مع أنه ذكر لها حديثاً آخر صرحت فيه بسماعها من النبي ﷺ ؛ وقال فيه (١/٣٦٣) : "هذا حديث متصل الإسناد صالح الرجال "! وتعقبه الشيخ المعلمي في تعليقه عليه بأن فيه شهر بن حوشب، وأنه سماها في رواية أحمد (أسماء بنت يزيد) : أنها سمعت النبي ﷺ ... ، فراجعه. ثم حكى الخلاف في صحبتها عن الحفاظ، فمن مثبت، ومن ناف، ولا أشك في أن الإثبات أصح لحديث الترجمة، ولأن الحفاظ أكثرهم عليه وعلى رأسهم علي بن المديني، كما في "الإصابة"، وذكرها في الصحابة ابن حبان في "الثقات " (٣/١١٦ و٣٥٨) ؛ وبذلك جزم الذهبي في "التجريد" (٢/٢٦٦/٣٢٠٢) . وأما ابن الجوزي؛ فقد تعنّت وبالغ؛ فأورد الحديث في "العلل " (١/ ٣٤١) من رواية أحمد، فقال: "وأما أبو صخر؛ فاسمه (حميد بن زياد) ، ضعفه يحيى. وهذا الحديث باطل، لم يكن عندهم حمام في زمن رسول الله ﷺ "! قلت: هذا تعنت ظاهر؛ فإن الرجل مختلف فيه، ولا يجوز الاعتماد على قول المضعف إلا بعد الموازنة بينه وبين قول من وثقه، وإلا؛ لم يسلم لنا من الحديث إلا القليل، ولذلك قال الذهبي في "الكاشف ": "مختلف فيه، قال أحمد: ليس به بأس ".

стр. 6122

ولذلك؛ أورده في "الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد" (٩٣/٩٧) . ونحوه قول الحافظ في "التقريب ": "صدوق يهم ". ثم هو ممن احتج بهم مسلم في "صحيحه "، فروى له غير ما حديث، منها حديث أبي هريرة في اتباع الجنازة والصلاة عليها، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص ٨٩) ، وصحح له ابن حبان والحاكم وغيرهما. قلت: فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، فكيف وتشهد له الطريق الأخرى كما تقدم؟! فكيف وله طريق ثالث؛ يرويه محمد بن حمير عن أسامة بن سهل عن أبيه أنه سمع أم الدرداء تقول: خرجت من الحمام، فلقيني رسول الله ﷺ ... الحديث. أخرجه الخطيب في "الموضح " (١/٣٩٥) ، وأعله بقوله (ص ٣٦٢) : "أسامة بن سهل مجهول ". قلت: وهو مما يستفاد ويستدرك على كتب التراجم المعروفة؛ فإنها قد خلت منه، حتى "الجرح والتعديل "، و"ثقات ابن حبان "، و"لسان الميزان " وغيرها! ولا ينافيه حديث عائشة الذي تشبث به الشيخ الناجي وغيره، على أن ابن الجوزي قد تعنّت فيه أيضاً (١) ، ولفظه: دخل نسوة من أهل الشام على عائشة- ﵂، فقالت: ممن أنتن؟

стр. 6123

قلن: من أهل الشام، قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمام؛ قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها ... "الحديث. قلت: هذا لا ينافي حديث الترجمة المثبت لوجود الحمام في المدينة زمن النبي ﷺ ؛ إذ غاية ما فيه أن حمص كانت مشهورة بدخول النساء الحمامات، بخلاف المدينة، فقالت السيدة عائشة ما قالت. وقد صح أن جماعة من الصحابة دخلوا الحمام، مثل عبد الله بن عمر، وأبي الدرداء، وبلوه وعرفوا فائدته، فقال أبو هريرة وابن عمر: نِعْمَ البيتُ الحمامُ؛ يذهب الدرن، ويذكِّر بالنار (١) . فإن كان هذا بعد فتح دمشق وحمص؛ فذلك لا ينفي أن يكونوا بدؤوا بإنشائها في المدينة، ولو في آخر حياته ﷺ ، فالقضية تاريخية ليست فقهية، فلا يكفي فيها الاستنباط وعدم العلم، بل لا بد من النص النافي الذي لا يقبل التأويل، فكيف والنص المثبت ثابت؟! فتأمل! هذا ما تحرر عندي في هذه القضية؛ فإن أصبت فمن الله، وان أخطأت فمن نفسي؛ والله تعالى أسأل أن يسدد خطاي لما يحب ويرضى. (تنبيه) : لقد سقط حديث الترجمة من طبعة الثلاثة المعلقين لكتاب "الترغيب "، دون أن يشيروا أدنى إشارة إلى ذلك، وهو مما يدل على أنهم أبعد ما يكونون عن التحقيق الذي زعموه في المقدمة قائلين:

стр. 6124

"مستفيدين من النسخ الخطية المشرقية، ومعتمدين أسلوب الجمع الضوئي الحديث، واضعين نصب أعيننا تحقيق النصوص وسلامتها أولاً.. "! وما أحسن ما قيل: اقرأ تفرح، جرب تحزن! والله المستعان. * ٣٤٤٣ - (كان يقولُ حينَ يريدُ أنْ ينامَ: اللهمَ! فاطرَ السماواتِ والأرضِ! عالمَ الغيبِ والشهادةِ! ربَّ كلّ شيءٍ! وإله كلِّ شيءٍ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ، وحدَك لا شريكَ لك، وأنَّ محمّداً عبدُك ورسولُك، والملائكة يشهدون، اللهم! إنِّي أعوذُ بك من الشيطانِ وشِرْكِه، وأعوذُ بك أن أقرِفَ على نفْسي إثْماً، أو أردَّه إلى مسلم) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/٤٠/٩٤) وفي "الدعاء" (٢/٩١٣/٢٦٣) من طريق ابن وهب: حدثني حُييُّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال: ... فذكره. وتابعه ابن لهيعة: ثنا حُييُّ بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاساً، وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول ... فذكر الدعاء مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ؛ وزاد: قال أبو عبد الرحمن: كان رسول الله ﷺ يعلمه عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام. أخرجه أحمد (٢/١٧١) : حدثنا حسن عن ابن لهيعة به.

стр. 6125

وقال المنذري (١/٢١١/١٣) - وتبعه الهيثمي (١٠/١٢٢) ، وقلدهما المقلدون الثلاثة (١/ ٤٧١) ، فقالوا -: "رواه أحمد بإسناد حسن "! قلت: ابن لهيعة سيىء الحفظ معروف بذلك، فهو حسن بالمتابع الذي قبله، وبما يأتي. وقد توبع حيي بن عبد الله؛ فقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، فذكره نحو حديث ابن لهيعة. أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (١/٣٠١/٣٣٨) ، والطبراني أيضاً (١٣/٢٦/٥٢) ، والبيهقي في " الدعوات الكبير" (٢/١١٢/٣٥٣) ؛ وعندهما جملة التعليم لأبي بكر. واسناده ضعيف؛ ابن أنعم- وهو الإفريقي- ضعيف. وله طريق أخرى: عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟؛ فألقى بين يدي صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ ؛ فنظرت فيها؛ فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قالت: يا رسول الله! علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فقال رسول ﷺ : "يا أبا بكر! قل ... " فذكر الدعاء إلى قوله: "وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجرّّه إلى مسلم ".

стр. 6126

أخرجه أحمد (٢/١٩٦) ، والبيهقي في "الدعوات " (١/ رقم ٣٠) . قلت: وإسناده حسن. وله شاهد صحيح من حديث أبي هريرة، وزاد في آخره: "قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك ". وقد مضى تخريجه مبسطاً (٢٧٥٣ و ٢٧٦٣) . وبالجملة؛ فالحديث عن ابن عمرو صحيح بهذه الطرق والشاهد. * ٣٤٤٤ - (من قال إذا أوَى إلى فراشه: الحمد لله الذي كفاني وآواني. الحمد لله الذي أطعمني وسقاني. الحمد لله الذي مَنَّ عليَّ وأفضلَ، اللهم! إنِّي أسألك بعزَّتك أنْ تُنَجِّيَني من النّار؛ فقدْ حَمِدَ الله بجميع محامدِ الخلقِ كلِّهم) . أخرجه الحاكم (١/٥٤٥ -٥٤٦) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة " (٢٢٩/٧١٤) والبيهقي في "الشعب " (٤/٩٣/٤٣٨٢) من طرق عن موسى بن إسماعيل: ثنا خلف بن المنذر: ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين " غير خلف بن المنذر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/٢٧١) ، وقال:

стр. 6127

"روى عنه موسى بن إسماعيل وأهل بلده ". وقال البخاري في "التاريخ ": ".. موسى بن إسماعيل، ومسلم ". والظاهر أنه يعني: مسلماً الفراهيدي؛ فإنه من أهل بلده: البصرة. ولم يعرفه المنذري؛ فقال في "الترغيب " (١/٢١١/١٥) : "رواه البيهقي، ولا يحضرني إسناده الآن "! * ٣٤٤٥ - (من بنَى للهِ مسجداَ بنَى اللهُ له بَيتاً في الجنّة أوسعَ منْه) . أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٢٦٧ -٢٦٨/٧٨٨٩) من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ علي بن يزيد- وهو الألهاني-، ضعيف. وعثمان بن أبي العاتكة؛ صدوق، ضعفوه في روايته عن الألهاني هذا، كما قال الحافظ في "التقريب ". لكن له شاهدان من حديث عبد الله بن عمرو، وأسماء بنت يزيد بن السكن. أما حديث ابن عمرو، فيرويه الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ به. أخرجه أحمد (٢/ ٢٢١) . ورجاله ثقات " فهو حسن الإسناد؛ لولا أن الحجاج- وهو ابن أرطاة- مدلس؛

стр. 6128

وقد عنعنه، ومع ذلك صحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (١٢/١٦) ! وقد تابعه جرير بن حازم عن عمرو بن شعيب به؛ إلا أنه خالفه في لفظه فقال: ".. ولو قدر مفحص قطاة؛ بنى الله له بيتاً في الجنة"؛ فلم يذكر: ".. أوسع منه ". أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/٩٥) . ٢- وأما حديث أسماء بنت يزيد؛ فيرويه محمود بن عمرو الأنصاري عنها مرفوعاً به. أخرجه أحمد (٦/٤٦١) ، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/١٢٦) ، والطبراني في "الكبير" (٢٤/١٦٥/٤٦٨) و"الأوسط " (٩/٢٠٩/٨٤٥٤) ؛ لكن لم يقع فيهما: "أوسع منه ". قلت: وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير محمود بن عمرو الأنصاري، وقد وثقه ابن حبان (٥/٤٣٤) ، وروى عنه اثنان، مع ملاحظة أنه من التابعين، وقال الذهبي: "فيه جهالة". وقال الحافظ في "التقريب ": "مقبول ". ولذلك " قال الهيثمي (٢/٨) بعدما عزاه للطبراني وأحمد: " ورجاله موثقون ".

стр. 6129

وبالجملة؛ فالحديث بهذين الشاهدين يرتقي إن شاء الله تعالى إلى مرتبة الحسن، ولا سيما وفي معناه حديث واثلة بن الأسقع مرفوعاً بلفظ: "بنى الله له بيتاً أفضل منه". أخرجه أحمد، والبخاري في "التاريخ " وغيرهما؛ لكن في إسناده ضعف وجهالة، ولذلك؛ خرجته في " الضعيفة " (٦٧١٦) . ولعله لما ذكرته من الشواهد؛ سكت الحافظ في "الفتح " (١/٥٤٦) عن حديث الترجمة، وعن حديث واثلة. والله أعلم. * ٣٤٤٦ - (من خرجَ حتى أتَى هذا المسجدَ- مسجدَ قُباء- فصلّى فيه؛ كان له عِدْل عمْرةٍ) . أخرجه البخاري في "التاريخ " (١/١/٩٦) ، والنسائي (١/١١٣ - ١١٤) ، وابن ماجه (١٤١٢) ، والحاكم (٣/١٢) ، ومن طريقه: البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٤٩٩/٤١٩١) ، وأحمد (٣/٤٨٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٩٠-٩١/٥٥٥٨ و٥٥٥٩ و٥٥٦١و٥٥٦٢) من طرق عن محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حُنيف قال: قال أبي: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"؛ ووافقه الذهبي، وأقره المنذري في "الترغيب " (٢/١٣٨-١٣٩) . قلت: وهو كما قالوا؛ فإن الكرماني هذا قد وثقه ابن حبان (٧/٣٧٢) ، وروى عنه جماعة من الثقات، عددهم في "التهذيب " ستة، وصحح له الحاكم والذهبي كما رأيت. فقوله في "الكاشف ":

стр. 6130

"وثق "! ليس عندي كما ينبغي، ومثله قول الحافظ: "مقبول "، وحقه أن يقولا: "صدوق " كما قالوا فيمن هو أدنى منه شهرة، وأقل عنه رواية. وقد خالفه في متنه بعض الضعفاء، فقال موسى بن عُبيدة: أخبرني يوسف ابن طهمان عن أبي أمامة بن سهل به، ولفظه: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم دخل مسجد قباء، فركع فيه أربع ركعات؛ كان ذلك عدل رقبة". أخرجه الطبراني (٥٥٦٠) ، والعقيلي (٤/ ٤٥٠) مختصراً بلفظ: "من توضأ في منزله، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه أربع ركعات؛ كان ذلك كعدل عمرة". أورده في ترجمة (يوسف بن طهمان) من طريق البخاري؛ وقال: "لا يتابع عليه ". ثم ساقه من طريق البخاري. وقال الذهبي في ترجمته من "الميزان "، و"المغني ": "واهٍ ". وسبقه إلى ذلك المنذري؛ كما يأتي. ثم قال العقيلي: "وقد روي من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا، خلاف هذا اللفظ ". قلت: يشير إلى حديث الترجمة. والله أعلم. وموسى بن عُبيدة: هو الربذي؛ ضعيف.
следующие страницы →