ورواه البخاري في "تاريخه "، وابن ماجه (٢٣٦٤) ، والبيهقي (١٠/١٥٩) ، وابن عدي في "الكامل " (١/٤١١) من طريق أبي بن العباس عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أخبرني خارجة بن زيد قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد ... به. فزاد اُبي: خارجة بن زيد!!
وهي زيادة شاذة أو منكرة؛ فاُبيٌّ لا تُحْتَمل هذه الزيادة منه؛ إذ " فيه ضعف "؛ كما قال الحافظ في "التقريب ".
فائدتان:
الأولى: في رواية الحديث؛ فقد قال الترمذي عقب روايته له:
"واختلفوا على مالك في رواية هذا الحديث: فروى بعضهم عن أبي عمرة، وروى بعضهم عن ابن أبي عَمْرَةَ؛ وهو عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري؛ وهذا أصح عندنا ... ".
وهو المذكور عن معظم الرواة عن مالك؛ كما تراه في "التمهيد" (١٧/٢٩٨) لحافظ المغرب الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
الفائدة الثانية: في دراية الحديث؛ فقد قال الإمام البغوي في "شرح السنة" (١٠/١٣٨) مُشيراً إلى الجمع بين حديث الترجمة، وحديث: "خير الناس قرني.. - وفيه- ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ... "- وهو مخرج في هذه السلسلة (٦٩٩ و٧٠٠) بألفاظ وطرق-؛ بقوله:
"واختلفوا في وجه الجمع بين الحديثين؛ قيل.. ".
فذكر أقوالاً؛ أوجهها عندي: أن الحديث الثاني محمول على شهادة الزور؛ فلا إشكال. والله الموفق.
стр. 6162
تم بحمد الله القسم الثاني
ويليه إن شاء الله القسم الثالث *
٣٤٥٩ ـ (أَلا أخبرُكم بخيْرِ دُورِ الأنصارِ ـ أو بخيْرِ الأنصار ِـ؟! قالوا: بلَى يا رسولَ الله! قال: بَنُو النّجارِ، ثمّ الذين يلونَهم؛ بَنُو عبدِ الأشهلِ، ثمّ الذين يلونَهم؛ بنُو الحارثِ بن الخزرجِ، ثمّ الذين يلونَهم؛ بنُو ساعدةَ، ثمّ قال بيدَيهِ، فقبضَ أصابِعه ثمّ بسطهُنَّ ـ كالرامي بيدهِ ـ، قال: وفي دُورِ الأنصارِ كلِّها خيرٌ) .
جاء من حديث أنس، وأبي أُسيد الساعدي، وأبي حُميد الساعدي، وأبي هريرة:
أولا: حديث أنس، وله عنه طريقان:
١ ـ يحيى بن سعيد:
رواه مسلم (٧/١٧٥) ، والترمذي (٣٩١٠) ، والنسائي في «الكبرى» (٨٣٣٦ و ٨٣٣٧) والحميدي (١١٩٧) ، وأحمد (٣/٢٠٢) ، وأبو يعلى (٣٦٥٠) و (٣٨٥٥) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٥٤) من طرق عنه به.
٢ ـ حُميد الطويل:
رواه النسائي في «الكبرى» (٨٣٣٨) وأحمد (٣/١٠٥) ، وابن حبان (٧٢٨٤ و ٧٢٨٥) والبغوي في «شرح السنة» (٣٩٧٩) .
ثانياً: حديث أبي أُسيد، ويرويه عنه جماعة:
١ ـ أنس بن مالك:
رواه البخاري (٣٧٨٩ و٣٨٠٧) ، ومسلم (٧/١٧٤) ، والطيالسي (١٣٥٥)
وأحمد (٣/٤٩٦) , والترمذي (٣٩١١) ، والنسائي في «الكبرى» (٨٣٣٩) ،
والطبراني (١٩/٥٧٩) ، والبيهقي (٦/٣٧١) من طرق عن شعبة عن قتادة عنه به.
стр. 6163
٢ ـ أبو سلمة بن عبد الرحمن:
رواه البخاري في «صحيحه» (٣٧٩٠) و (٦٠٥٣) ، وفي «التاريخ الكبير» (٧/٢٩٩) ، ومسلم (٧/١٧٥) ، وأحمد (٣/٤٩٤) ، والنسائي في «الكبرى» (٨٣٤٠ و ٨٣٤١ (١) و ٨٣٤٥) وابن قانع في «معجم الصحابة» (٩٨٤) من طرق عنه به.
٣ ـ غَزِيّة أبو عمارة:
رواه الحاكم (٣/٥١٦) ، والطبراني في «الكبير» (١٩/٥٨٨) من طريق يحي ابن بُكير عن ابن لهيعة عن عمارة بن غَزِيّة عن أبيه عنه به.
وغزيّة: هو ابن الحارث؛ صحابي ـ كما قال ابن أبي حاتم وغيره ـ وهو مترجم في «الإصابة» (٣/١٨٥) .
وابن لهيعة ساء حفظه بعد احتراق كتبه، وليس ابن بكير ممن روى عنه قبل سوء حفظه.
نعم؛ الطرق الأخرى للحديث مغنية عنه جدا.
٤ ـ إبراهيم بن محمد بن طلحة:
رواه مسلم (٧/١٧٥) من طريق عبد الرحمن بن حُميد، عنه، به.
ثالثاً: حديث أبي حميد:
رواه البخاري (١٤٨١ و ٣٧٩١) ، ومسلم (٧/٢٦١) ، وأحمد (٥/٤٢٤ ـ ٤٢٥) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٨٠٨) من طريق عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل الساعدي عنه به.
стр. 6164
رابعاً: حديث أبي هريرة:
رواه مسلم (٧/١٧٥) ، والنسائي في «الكبرى» (٨٣٤٣) ، وابن حبان (٧٢٨٦) ،
وعبد الرزاق (١٩٩١٠) ، وأحمد (٢/٢٦٧) من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبيد الله ابن عبد الله عنه به.
ولقد أورد البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/٢٩٩) حديث أبي أُسيد المتقدم، وحديث أبي هريرة ـ هذا ـ، وكلاهما من طريق أبي سلمة ثم قال:
«والأول أصح» ، يعني: حديث أبي أُسيد، والله أعلم.
(فائدة) : ذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/٢٨٨ ـ ٢٨٩) في ترجمة (موسى بن عمرو بن عبد الله بن أبي حرام النَّجَّاري الأنصاري أحد بني دينار عن أبيه عن النبي ﷺ ) ، قال:
«خير دور بني الأنصار بنو النجار ... » ، روى عنه ابن أبي أُويس.
ولم أجده مسنداً عنه فيما بحثت!
وقال ﵀ في موضع آخر من «تاريخه» (٦/٣٥٢) :
«إبراهيم بن حمزة: حدثنا عبد العزيز بن عمرو بن عبد الله الأنصاري: قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ :
«خير دور الأنصار: بني (كذا) عبد الأشهل ... » ، فقال أبو أُسيد ﵁: سمعت النبي ﷺ قال: «خير دور الأنصار: بني (كذا) النجار ... » ، وهذا أصح» .
وإبراهيم بن حمزة ـ المذكورـ من شيوخ البخاري؛ كما في «تهذيب الكمال» (٢/٧٧) ،
وهو صدوق.
стр. 6165
ولم أجد حديث ابن عباس هذا مسنداً ـ فيما بحثت ـ أيضاً!
والله الموفق. *
٣٤٦٠ ـ (لو ستَرْتَه بثوبِكَ؛ كان خيراً لكَ. قاله لهزّال) .
روي من حديث نُعيم بن هَزَّال، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن المسيَّب، كلاهما مرسلاً.
١ ـ أما حديث نعيم بن هزّال؛ فقد اختلف عليه كما يأتي:
أولاً: عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه:
أن ماعزاً أتى النبي ﷺ ، فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: ... فذكره.
أخرجه أبو داود (٤٣٧٧) ، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/٣٠٥ـ٣٠٦/٧٢٧٤) ، والحاكم (٤/٣٦٣) والبيهقي في «السنن» (٨/٢١٩ و ٢٢٨) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/٧٨ ـ ٧٩) ، وأحمد (٥/٢١٦ ـ ٢١٧ و ٢١٧) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/١٢٦) ؛ بعضهم مختصراً ـ واللفظ لأبي داود ـ وبعضهم مطولاً ـ وهو رواية لأبي داود (٤٤١٩) ـ وأتمها رواية أحمد، ولفظه:
كان ماعز بن مالك [يتيماً] في حِجْر أبي، فأصاب جارية في الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت؛ لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الثالثة، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الرابعة، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فأقم علي كتاب الله! فقال رسول الله ﷺ :
стр. 6166
«إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟» .
قال: بفلانة. قال:
«هل ضاجعتها؟» .
قال: نعم. قال:
«هل باشرتها؟ «.
قال: نعم. قال:
«هل جامعتها؟» .
قال: نعم.
قال: فأمر به فرُجم.
قال: فأخرج به إلى الحَرَّة، فلما رجم؛ فوجد حر الحجارة؛ جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، ـ وقد أعجز أصحابه ـ؛ فنزع له بوظيف بعير، فرماه به؛ فقتله.
قال: ثم أتى النبي ﷺ ، فذكر له ذلك؟! فقال:
«هلا تركتموه؟! لعله يتوب فيتوب الله عليه.»
قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين رآه:
«والله يا هزال! لو كنت سترته بثوبك؛ كان خيراً مما صنعت» (١)
стр. 6167
وقال الحاكم ـ وليس عنده هذه الجملة الأخيرة؛ ولا النسائي ـ:
«صحيح الإسناد» ؛ ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في «الفتح» (١٢/١٢٧) !
وبدونها أيضا ساقه الحافظ في «التلخيص» (٤/٥٨) ، وقال:
«رواه أبو داود وإسناده حسن» .
قلت: وهذا هو الأقرب؛ فإن فيه هشام بن سعد، وهو:
«صدوق، له أوهام» ؛ كما قال الحافظ في «التقريب» .
لكن نعيم بن هزال في صحبته اختلاف، قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» :
«روى عنه المدنيون قصة رجم (ماعز الأسلمي) ، وقد قيل: إنه لا صحبة له، وإنما الصحبة لأبيه هزال، وهو أولى بالصواب» .
وقوله: «المدنيون» يخالف ما في «تهذيب الكمال» وفروعه، و «تجريد الذهبي» ،
و «إصابة العسقلاني» ؛ فإنهم لم يذكروا عنه راوياً غير ابنه (يزيد) ، وصرح بذلك الحافظ في «التقريب» مع جزمه بصحبته؛ فقال:
«صحابي، نزل المدينة، ماله راوٍ إلا ابنه يزيد» .
قلت: ولعل سبب المخالفة هو اختلاف الروايات عن نعيم بن هزال، كما يأتي.
ثانياً: قال الليث بن سعد: عن يحيى ـ وهو ابن سعيد الأنصاري ـ عن يزيد ابن نعيم عن جده هزال:
أنه كان أمر ماعزاً أن يأتي النبي ﷺ ... الحديث مختصراً، وفيه حديث الترجمة.
أخرجه النسائي (٧٢٧٨) وابن عبد البر (٢٣/١٢٦) .
стр. 6168
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم إلا هزال؛ لكنهم لم يذكروا لحفيده يزيد بن نعيم سماعاً منه، فالظاهر أنه منقطع، وفي «التهذيب» :
«يقال: مرسل» .
ونحوه رواية يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن يزيد بن نعيم بن هزال ـ وكان هزال استرجم ماعزاً ـ قال:
كانت لأهلي جارية ترعى غنماً لهم يقال لها: فاطمة ... الحديث نحوه حديث الترجمة.
أخرجه النسائي (٧٢٨٠) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/٨٧/٩٣
و١٢/٤٦٣/٤٩٤٤) .
وأخرجه أحمد أيضاً؛ لكنه قال: عن نعيم بن هزال ... لم يذكر يزيد بن نعيم.
ونحوه رواية يحيى بن سعيد ـ وهو الأنصاري ـ عن محمد بن المنكدر عن ابن هزال عن أبيه هزال به.
أخرجه النسائي (٧٢٧٥) ـ وفي سنده خطأ مطبعي ـ، والحاكم أيضاً، والبيهقي (٨/٣٣٠ ـ ٣٣١) ، وأحمد (٥/٢١٧) ، وابن عبد البر، وقال:
«هذا الحديث محفوظ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن ابنٍ لهزال عن هزال. وعن يحيى بن سعيد عن يزيد بن نعيم بن هزال من وجوه» .
قلت: يشير إلى رواية الليث عن يحيى المتقدمة في (ثانياً) ، وظاهر أن ابن هزال هو: نعيم، وأن محمد بن المنكدر رواه عنه مباشرة، فيكون له ـ أعني: نعيماً ـ راو آخر غير ابنه يزيد بن نعيم.
стр. 6169
٢ ـ ويعكّر عليه: أن النسائي أخرجه (٧٢٧٦) من طريق ابن المبارك، والبيهقي من طريق سليمان بن بلال، كلاهما عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر:
أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أسلم ... الحديث مرسلاً. وقال البيهقي:
«هذا أصح مما قبله» .
قلت: وزادوا إلا أحمد:
قال: يحيى فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال الأسلمي فقال: هزال جدي، وهذا الحديث حق.
٣ ـ رواه مالك في «الموطأ» (٣/٣٩) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب
أنه قال:
بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أسلم ـ يقال له: هزال ـ:
يا هزال! لو سترته بردائك كان خيراً لك.
قال يحيى بن سعيد ... فذكره كما في رواية الثلاثة عنه.
وقال ابن عبد البر عقبه:
«لا خلاف في إسناده في «الموطأ» على الإرسال؛ كما ترى، وهو مسند من طرق صحاح» !
كذا قال! وليس في شيء من الطرق المتقدمة ما هو مسند صحيح على ما سبق بيانه في تنسيق وتحقيق؛ ربما لا تراه في مكان آخر، اللهم! إلا الطريق الأولى؛ فهي حسنة على الخلاف المتقدم في صحبة نعيم بن هَزّال، وتفرد ابنه
стр. 6170
يزيد بالرواية عنه، وقد صححها الحاكم والذهبي وحسنها الحافظ؛ كما رأيت، وأشار إلى ذلك عبد الحق الإشبيلى بإيراده الحديث من رواية النسائي، وسكوته عنها في كتابه «الأحكام الصغرى» (٢/٧٦٠) الذي اشترط فيه الصحة؛ كما هو معلوم من مقدمته.
وإن مما لا يرتاب فيه باحث محقق: أن توافر هذه الطرق على هذا المتن واجتماعها عليه؛ مما يلقي في الصدر الاطمئنان لصحته، ولا سيما وقد اقترن بها جزم رواية يزيد بن نعيم بن هزال بأنه حق.
ثم رأيت الشيخ ملا علي القاري نقل في «المرقاة» (٤/٨٢) عن صاحب «التنقيح» ـ
وهو ابن عبد الهادي ـ أنه قال:
«وإسناده صالح» .
ثم رأيت الحديث عند الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/٢٠١ ـ ٢٠٢) من طريق محمد بن المنكدر وعكرمة بن عمار عن يزيد بن نعيم بن هزال عن جده هزال به مختصراً ومطولاً.
قلت: وبقي شيء يتعلق بفقه الحديث، وما المراد بقوله لهزال:
«لو سترته ... » ، فإن ظاهره غير مراد على إطلاقه؟! ولذلك فسره الباجي في «المنتقى» (٧/١٣٥) بقوله:
«يريد مما أظهرته من إظهار أمره، وإخبار النبي ﷺ وأبي بكر وعمر به، فكان ستره بأن يأمره بالتوبة، وكتمان خطيئته، وإنما ذكر فيه الرداء على وجه المبالغة، بمعنى: أنه لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بأن تستره بردائك ممن يشهد عليه؛ لكان
стр. 6171
أفضل مما أتاه، وتسبب إلى إقامة الحد عليه. والله أعلم وأحكم» .
ونقله الحافظ في «الفتح» (١٢/١٢٥) عنه، وأقره.
والخلاصة؛ أن الحديث محمول على من كان مثل ماعز في الندم على ما فعل وليس من عادته الزنى، فينبغي الستر عنه، وعدم التشهير به؛ بخلاف من لا؛ ووصل أمره إلى إشاعته والتهتُّك، فهذا هو الذي لا يجوز الستر عليه، وينبغي رفع أمره إلى الحاكم ليقيم حكم الشارع الحكيم فيه. وانظر لهذا «المرقاة» (٤/٧٦) . *
٣٤٦١ ـ (ثلاثةٌ لا يدخلونَ الجنَّةَ: الشّيخُ الزّانِي، والإِمامُ الكذّابُ، والعائلُ المزهوّ) .
أخرجه البزار في «مسنده: البحر الزخار» (٦/٤٩٣/٢٥٢٩) : حدثنا العباس ابن أبي طالب قال: أخبرنا مِنْجَاب بن الحارث قال: أخبرنا حفص بن غياث عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، غير العباس بن أبي طالب، وهو ثقة، وهو: ابن جعفر بن عبد الله البغدادي أبو محمد بن أبي طالب؛ وهو من شيوخ ابن ماجه، مترجم في «التهذيب» .
وقال المنذري في الترغيب (٣/١٩٢/١٦) :
«رواه البزار بإسناد جيد» .
وقال الهيثمي (٦/٢٥٥) :
стр. 6172
«رواه البزار، ورجاله رجال «الصحيح» ؛ غير العباس بن أبي طالب، وهو ثقة» .
قلت: وهو من الأحاديث التي لم يوردها الهيثمي في كتابه «كشف الأستار» ، وهو على شرطه، ولذلك فإني مما استدركته عليه في كتابي «صحيح كشف الأستار» ؛ يسر الله لي إتمامه مع قسيمه «ضعيف كشف الأستار» بمنه وكرمه وفضله!
وعزاه الدكتور محفوظ الرحمن في تعليقه على «البحر الزخار» لمعاجم الطبراني الثلاثة، وفاته التنبيه أنه آخر، وهو:
«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائل متكبر، ورجل جعل الله له بضاعة، فلا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه» .
أخرجه في «الكبير» (٦/٣٠١/٦١١١) ، و «الأوسط» (٦/٢٨٨/٥٥٧٣) ،
و «الصغير» (١٦٩ ـ هندية) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي قال: حدثنا حفص ابن غياث به. وقال:
«لم يروه عن عاصم إلا حفص، تفرد به سعيد بن عمرو» .
قلت: وهو ثقة أيضاً من شيوخ مسلم.
ومن طريقه: أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤/٢٢٠/٤٨٥٢) .
وفي معناه أحاديث أخرى يزيد بعضهم على بعض، ساق بعضها أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/٣٧٨ ـ ٣٨١) ؛ مبيناً أنه لا اختلاف بينهما؛
فراجعه إن شئت مزيداً من الفائدة. *
стр. 6173
٣٤٦٢ ـ (لعنَ اللهُ مَنْ ذبَحَ لغيرِ اللهِ، لعَنَ اللهُ مَن غيَّرَ تُخُومَ الأرْضِ، لعَنَ اللهُ من كَمَه الأَعْمى عن السّبيلِ، لعَنَ اللهُ من سبَّ (وفي رواية: عقَّ) والديهِ، لعَنَ اللهُ مَنْ تولَّى غيْرَ موالِيه، [لعَنَ اللهُ مَنْ وَقَعَ على بهيمةٍ] ، لَعَنَ اللهُ من عمِلَ عَمَلَ قومِ لُوطٍ، [لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قوْمِ لوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ] ) .
أخرجه الحاكم (٤/٣٥٦) ـ والسياق له ـ، والبيهقي في «السنن» (٨/٢٣١) ،
و «الشعب» (٤/٢٥٤/٥٣٧٣) ، وأحمد (١/٢١٧ و ٣٠٩ و ٣١٧) ، ـ والرواية الأخرى له ـ، وعبد بن حميد (١/٥١٣/٥٨٧) ، وأبو يعلى (٤/٤١٤ ـ ٤١٥/٢٥٣٩) ، ومن طريقه ابن حبان (٤٣/٥٣) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١/٢١٨/١٧٥٤٦) من طرق عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
والزيادة الأولى للبيهقي وعبد بن حميد والطبراني ورواية لأحمد والحاكم، وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي.
والزيادة الأخرى لهم جميعاً ـ إلا الحاكم ـ، وهي والتي قبلها أخرجهما النسائي في «السنن الكبرى» (٤/٣٢٢/٧٣٣٧ و ٧٣٣٨) دون ما قبلهما، وكذا الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٢٠٣/٤٤٣) .
قلت: والحديث أعله المعلق على «مسند عبد بن حميد» بـ (عمرو بن أبي عمرو) هذا فقال:
«وثقه قوم، وضعفه آخرون» !
стр. 6174
وفيه جَنَفٌ وظلم للسُّنَّة ورواتها، فليس كل من تكلم فيه بعضهم يعل به حديثه، فكم من راوٍ من رواة الشيخين، قد تكلم فيه بعض الأئمة، ومنهم هذا، بل وشيخه عكرمة أيضاً؟! وإنما ينبغي في هذه الحالة الرجوع إلى علم الجرح والتعديل وأصوله ممن كان عالماً به، مع الاستعانة بالحفاظ الذين سبقونا في هذا المجال، خلافاً لبعض الأغرار ممن يظنون أنهم على شئ من هذا العلم، وهم لم يشموا رائحته بعد. فهذا هو الحافظ الذهبي عندما ترجم لـ (عمرو) هذا؛ صدرها بقوله:
«صدوق، حديثه مخرج في «الصحيحين» ؛ في الأصول» .
ثم ساق أقوال الأئمة فيه، ثم عقب عليها بقوله:
«حديثه صالح حسن منحط عن الدرجة العليا من الصحيح» .
ولذلك؛ أورده في رسالته القيمة «الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد» (١٥٥/٢٦٤) .
ونحوه قول الحافظ في «التقريب» .
«ثقة، ربما وهم» .
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً بتمامه؛ إلا أنه ذكر مكان جملة: «الأعمى» قوله: «ملعون من جمع بين امرأة وابنتها» ؛ وفي إسناده ضعيفان، ولذلك خرجته في «الضعيفة» (٥٣٦٨) ؛ لأني لم أجد لهذه الجملة منه شاهداً، وكذلك طرفه الأول منه.
وللجملة الأولى منه، والثانية، وكذلك الرابعة لكن بلفظ:
«لعن الله من لعن والديه» .
стр. 6175
لهذه الثلاثة شاهد صحيح من حديث علي ﵁ مرفوعاً في حديث أخرجه مسلم (٦/٨٥) وغيره، وهو مخرج في «نقد نصوص الكتاني» (ص ٤٢) .
وإن من تخاليط المعلقين الثلاثة على «الترغيب» وجهلهم بفن التخريج، فضلا عن علم الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف: قولهم في تخريج حديث الترجمة (٣/٢٤٩) :
«رواه ابن حبان في «صحيحه» ، والبيهقي في «الشعب» ، والنسائي (٧/٢٣٢) من حديث علي» !!
قلت: ففيه جهالات:
أولاً: خلطوا حديث علي مع حديث ابن عباس، فلا يدري القراء مَن مِن الثلاثة أخرج حديث علي، ومن الذي أخرج حديث ابن عباس؟!
ثانياً: اقتصارهم على النسائي في العزو لحديث علي يوهم أنه لم يروه من هو أولى بالعزو منه، وليس كذلك؛ فقد رواه مسلم أيضاً؛ كما قدمت آنفاً.
ثالثاً: يوهم أيضاً أن حديث علي فيه الفقرات السبع التي في حديث ابن عباس، والواقع أنه ليس فيه إلا ثلاث على ما سبق بيانه.
رابعاً: أغمضوا عيونهم عن تخريج رواية النسائي عن ابن عباس، وقد ذكرها المنذري في تخريجه للحديث بقوله (٣/١٩٨/٥) :
«رواه ابن حبان في «صحيحه» ، والبيهقي، وعند النسائي آخره مكرراً» .
خامساً: لم يستدركوا الزيادة الأولى التي عند البيهقي، مع أنهم عزوا الحديث إليه بالجزء والرقم! فما أنشطهم في اجترار ما يقوله المنذري من التخريج، وإعادته
стр. 6176
إياه في التعليق، وفي تسويد السطور بزيادة الأجزاء والصفحات والأرقام، نقلاً من الفهارس بدون فائدة تذكر! والله المستعان. *
٣٤٦٣ ـ (مَنْ كشَفَ سِتْراً، فأَدخَلَ بصَرَه في البيْتِ قبْلَ أن يؤْذَنَ له، فرأَى عورةَ أهلِه؛ فقدْ أتَى حدّاً لا يحلُّ له أنْ يأْتيَه؛ لو أنه حينَ أدخَلَ بصَرَهُ استقبلَه رجلٌ ففقأَ عينَه ما غَيَّرت عليه، وإنْ مرَّ الرّجلُ على بابٍ لا ستْرَ له غيرَ مغْلَقٍ فنظَر فلا خطيئةَ عليه؛ إنما الخطيئةُ على أهْلِ البيْتِ) .
أخرجه الترمذي (٢٧٠٧) : حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله ابن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وأخرجه أحمد (٥/١٨١) من طريقين آخرين عن ابن لهيعة به.
وقال الترمذي:
«حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة» .
قلت: هو صدوق ثقة؛ لكنه كان قد أصيب بسوء الحفظ، فمن حدث عنه قبل ذلك، أو من كتابه؛ فحديثه صحيح، ومنهم العبادلة، وألحق بهم بعضهم غيرهم، مثل قتيبة بن سعيد؛ كما تقدم نقله عن الحافظ الذهبي غير مرة، وهذا من روايته عنه كما ترى، فالحديث غريب صحيح، وقد كنت ضعفته في بعض التخريجات القديمة مثل «غاية المرام» (٤٢٣) ، وقبل اطلاعي على فائدة الذهبي المذكورة، ولذلك صرت بعدها أحاول الانتباه لها في كل الأحاديث التي يذكر
стр. 6177
فيها (ابن لهيعة) ؛ راجياً من الله التوفيق والسداد.
وللشطر الأول منه شاهد من حديث أبي هريرة نحوه بألفاظ متقاربة، أخرجه ابن أبي عاصم في «الديات» (٤٨) من طرق عنه، وأحدها مخرج في «الإرواء» (٥/٢٥٤/١٤٢٨) من رواية الشيخين وغيرهما.
والحديث قال المنذري في «الترغيب» (٣/٢٧٢/٢) :
«رواه أحمد، ورواته رواة «الصحيح» إلا ابن لهيعة، ورواه الترمذي وقال:
«حديث غريب حسن، لا نعرف إلا من حديث ابن لهيعة» ... » . *
من صفات المتحابين في الله ومنزلتهم عند الله
٣٤٦٤ ـ (إنّ للهِ عباداً ليسُوا بأنْبياءَ ولا شهداءَ، يغبِطُهم الشهداءُ والأنبياءُ يومَ القيامةِ؛ لقربِهم مِنَ الله تعالى ومجلِسهم منه.
فجثَا أعرابيٌّ على ركْبتيه فقالَ: يا رسولَ الله! صفْهم لنا، وجَلِّهم لنا؟! قال:
قومٌ من أفْناءِ النّاسِ؛ مِن نُزَّاعِ القَبائلِ، تصادقُوا في اللهِ، وتحابُّوا فيه، يضعُ اللهُ لهم يومَ القيامةِ منابرَ من نورٍ، يخافُ الناسُ ولا يخافونَ، هم أولياءُ اللهِ "الذين لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحْزنُون") .
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/١٧٠ ـ ١٧١) : حدثنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الزاهد الأصبهاني: ثنا أحمد بن يونس الضبي بـ (أصبهان) : ثنا أبو
стр. 6178
بدر شجاع بن الوليد قال: سمعت زياد بن خيثمة يحدث عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. وقال:
«صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالا، رجاله ثقات مترجمون في «التهذيب» ؛ إلا من دون أبي بدر.
أما أحمد بن يونس الضبي؛ فقال ابن أبي حاتم (١/١/٨١) :
«سمعنا منه، وكان محله عندنا الصدق» .
وذكره ابن حبان في «الثقات» (٨/٥١) ، وقال:
«روى عنه الأصبهانيون» .
وله ترجمة في «أخبار أصبهان» (١/٨١) ، و «تاريخ بغداد» (٥/٢٢٣ ـ ٢٢٤) ، و «أعلام النبلاء» (١٢/٥٩٥ ـ ٥٩٦) .
وأما أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني؛ فهو الصَّفَّار، أكثر عنه الحاكم، ووصفه الحافظ الذهبي في «الأعلام» (١٥/٤٣٧) بـ:
«الإمام المحدث القدوة ... » .
وللحديث شواهد:
منها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره ببعض اختصار، وقال في آخره:
«لا يخافون إن خاف الناس، ولا يحزنون إن حزن الناس» ، ثم تلا هذه الآية:
"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
стр. 6179
أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/٣٦٢/١١٢٣٦) ، وأبو يعلى في «مسنده» (١٠/٤٩٥/٦١١٠) ، ومن طريقه ابن حبان (٢٥٠٨) ، والطبري في «التفسير» (١١/٩٢ ـ الأميرية) ، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» (٤٥/٥) ، والبيهقي في «الشعب» (٦/٤٨٥/٨٩٩٧) من طرق عن محمد بن فُضَيْل عن أبيه عن عُمَارة بن القعقاع عن أبي زرعة عنه به.
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأعله البيهقي بما لا يقدح.
ومنها: عن أبي مالك الأشعري؛ يرويه عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب: ثنا عبد الرحمن بن غَنْمٍ عنه.
أخرجه أحمد (٥/٣٤٣) ، والبيهقي في «الشعب» (٦/٤٨٦/٩٠٠١) و «الأسماء والصفات» (ص ٤٦٧) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (٣/٣٢٩/٣٤٣٣) ، والبغوي في «التفسير» (٤/١٣٩ ـ١٤٠) و «شرح السنة» (١٣/٥٠/٣٤٦٤) كلهم من طريق عبد الرزاق، وهذا في «المصنف» (١١/٢٠١ ـ٢٠٢ /٢٠٣٢٤) عن معمر، وعبد الله بن المبارك في «الزهد» (٢٤٨/٧١٤) ، وابن أبي الدنيا أيضاً (٦) عن علي بن الجعد؛ ثلاثتهم (معمر وابن المبارك وابن الجعد) عن شهر به.
قلت: وهذا إسناد حسن في الشواهد؛ لسوء حفظ شهر بن حوشب.
وتسامح المنذري فقال في «الترغيب» (٤/٤٨/٢٢) :
«رواه أحمد، وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد» !
وعزوه للحاكم سهو أو تسامح آخر؛ فإنه لم يروه عن أبي مالك؛ وإنما عن ابن عمر؛ كما تقدم. *
стр. 6180
٣٤٦٥ ـ (من شَفَعَ لأَخِيه بشفَاعةٍ، فأهْدى له هديّةً عليها؛ فقَبِلها؛ فقدْ أتَى باباً عظِيماً منْ أبوابِ الرِّبا) .
أخرجه أبو داود (٣٥٤١) من طريق عمر بن مالك عن عبيد الله بن أبي جعفر عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير القاسم ـ وهو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة ـ، وهو حسن الحديث كما استقر عليه رأي الحفاظ مع الخلاف المعروف فيه قديماً. ولذلك ساقه شيخ الإسلام ابن تيمية مساق المسلمات في بعض كتاباته، انظر مثلاً «مجموع الفتاوى» (٣١/٢٨٦) .
وتابع عمرَ بنَ مالكٍ ابنُ لهيعة: ثنا عبيد الله بن أبي جعفر به.
أخرجه أحمد (٥/٢٦١) .
وتابع ابنَ أبي جعفر عبيدُ الله بنُ زَحْر عن عليّ بن يزيد عن قاسم به.
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨/٢٥١/٧٨٥٣ و ٢٨٣/٧٩٢٨) ، وعنه الشَّجَري في «الأمالي» (٢/٢٣٦) .
هذا؛ وقد ترجم أبو داود للحديث بقوله:
«باب في الهدية لقضاء الحاجة» .
وعليه أقول: إن هذه الحاجة هي التي يجب على الشفيع أن يقوم بها لأخيه، كمثل أن يشفع له عند القاضي أن يرفع عنه مظلمة، أو أن يوصل إليه حقه، ونحو ذلك مما بسط القول فيه ابن تيمية ﵀ في المكان المشار إليه آنفاً؛ فليرجع إليه من شاء.
وقد يتبادر لبعض الأذهان أن الحديث مخالف لقوله ﷺ : «من صنع إليكم
стр. 6181
معروفاً؛ فكافئوه، فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه؛ فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» . رواه أبو داود وغيره، وتقدم تخريجه برقم (٢٥٤) .
فأقول: لا مخالفة، وذلك بأن يحمل هذا على ما ليس فيه شفاعة، أو على ما ليس بواجب من الحاجة. والله أعلم.
(تنبيه) : لقد اشتط ابن الجوزي وغلا في قوله في تضعيفه لهذا الحديث وقوله في «العلل» (٢/٢٦٨) :
«عبيد الله ضعيف عظيم، والقاسم أشد ضعفاً منه» !
قلت: عبيد الله وثقه الجمهور، وقول أحمد فيه: «ليس بالقوي» ؛ لا يعني أنه ضعيف، وإنما أنه ليس صحيح الحديث، بل حسن؛ بدليل قوله في رواية عنه: «لا بأس به» ، ولذلك؛ ذكره الذهبي في «المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد» (١٤٢/٢٢٥) ، وحسبك أن الشيخين احتجا به.
وأما القاسم؛ فهو وسط كما تقدم. *
٣٤٦٦ ـ (كانُوا إذا فَزِعوا فَزِعُوا إلى الصلاةِ. يعني: الأنبياءَ) .
أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في «المعجم» (ق ٣٣/٢ ـ ٣٤/١) : حدثنا محمد ابن السَّرِيِّ: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي- ﷺ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رِجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن السري ـ وهو ابن سهل القَنْطَري أبو بكر ـ، ترجمه الخطيب في «التاريخ» (٥/٣١٨) ،
стр. 6182
وروى عن الدارقطني أنه سئل عنه؟ فقال:
«ثقة» .
والحديث قطعة من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في «المسند» قال (٦/١٦) : ثنا عبد الرحمن بن مهدي به. وقال (٤/٣٣٣) : ثنا عفان ـ من كتابه ـ قال: ثنا سليمان ـ يعني: ابن المغيرة ـ بتمامه، وهو مخرج في «الصحيحة» برقم (٢٤٥٩) . *
٣٤٦٧ ـ (لما افتَتَحَ ﷺ مكةَ؛ رَنَّ إبليسُ رنّةً اجتمعتْ إليه جنودُه، فقالَ: ايْأَسُوا أن نرى أمّةَ محمّدٍ على الشّركِ بعْدَ يومِكم هذا! ولكنِ افتنُوهم في دينِهِم، وأَفْشُوا فيهم النَّوحَ) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٢/١١/١٢٣١٨) : حدثنا عبدان بن أحمد: ثنا عمرو بن العباس الرازي: ثنا عبد الرحمن بن مهدي: ثنا يعقوب القُمِّي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ... فذكره.
ومن طريق الطبراني: أخرجه الضياء في «المختارة» (٥٩/١٢/١) ، وذلك يقتضي أنه عنده حسن على الأقل، وهو كذلك عندي؛ لولا أن عمرو بن العباس الرازي شبه مجهول؛ فإني لم أجد له ترجمة؛ إلا أن ابن حبان ذكره في «ثقاته» (٨/٤٨٦) من رواية عبدان هذا ـ وهو الجواليقي الحافظ ـ، وقاعدة ابن حبان في توثيق المجهولين معروفة، ومع ذلك فقد قال فيه:
«ربما خالف» .
فإن تبين أن للرازي هذا متابعاً؛ فينقل إلى «الصحيحة» . والله أعلم.
стр. 6183
ثم وجدت له متابعاً قويّاً، وكان ينبغي أن أتنبه له من قبل، ولكن هكذا قُدِّرَ، فقد ذكره الضياء عقب رواية الطبراني، لكن بخطه الدقيق وعلى الحاشية، رواه بإسناده عن أبي يعلى الموصلي: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة: ثنا عبد الرحمن ابن مهدي به.
وإبراهيم بن عرعرة هذا ثقة؛ كما في «التقريب» ، فثبت الحديث بهذه المتابعة والحمد لله.
وقد عزاه الحافظ في «المطالب العالية» (٤/٢٤٨/٤٣٦٣) لأبي يعلى، وكذا البوصيري في «إتحاف السادة المهرة» (٢/٩٩/١) وسكتا عنه! وقنع بذلك المعلق الشيخ الأعظمي على «المطالب» ، فسكت على سكوتهما! ثم رأيته في «المطالب العالية المسندة» (٢/٨٦/١) ، قال: قال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ... إلخ.
(فائدة) : ذكر الحافظ في «التهذيب» أن ابن حبان نقل في «الثقات» عن أحمد بن حنبل توثيق جعفر بن أبي المغيرة هذا، وهو في «ثقات ابن حبان» (٦/١٣٤) ، ولكن ليس فيه هذا التوثيق.
نعم، هو في «العلل ومعرفة الرجال» لعبد الله بن أحمد؛ قال (٢/١٥٩/١٠٥٧) : «سمعت أبي يقول: جعفر بن أبي المغيرة القمي ـ وهو جعفر المصور ـ ثقة، وهو جعفر بن دينار» . وهذه فائدة عزيزة خلت منها الأمهات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وقد مضى الكلام عليه وعلى الراوي عنه يعقوب بن عبد الله القمي تحت الحديث (٥٨٠) . *
стр. 6184
أثر الإخلاص لله في الأَعمال الصالحة والتوسل بها
٣٤٦٨ ـ (إنّ ثلاثةً كانُوا في كهْفٍ، فوقعَ الجبلُ على بابِ الكهْفِ فأَوصدَ عليهم، قالَ قائلٌ منهم: تذَاكرُوا؛ أيّكُم عملَ حَسَنَةً؛ لعلّ اللهَ برحمتِه يرحمُنا!
فقالَ رجلٌ منهم: قدْ عملتُ حسَنَةً مرّةً؛ كانَ لي أُجَراءُ يعملونَ، فجاءَ عمّالٌ لِي، فاستأْجرتُ كلّ رجلٍ منهُم بأجْرٍ معلومٍ، فجاءني رجلٌ ذاتَ يومٍ وسطَ النّهارِ، فاستأْجَرتُه بشَطْرِ أصحابِه، فعمِلَ في بقيّةِ نهارِه كما عملَ كلّ رجلٍ منهم في نهارِه كلّه، فرأيتُ عليّ في الذِّمامِ أنْ لا أنقصَه مما استأجرتُ به أصحابَه؛ لِما جَهِدَ في عملِه، فقالَ رجلٌ منهم: أتعطِي هذا مثْلَ ما أعطيتَني ولم يعملْ إلا نصْفَ نهارٍ؟! فقلتُ: يا عبدَ الله! لم أبخسْكَ شيئاً من شرْطِك، وإنّما هو مالي أحكمُ فيه ما شئتُ! قال: فغضبَ وذهبَ، وتركَ أجرَه. قال: فوضعتُ حقّه في جانبٍ من البيْتِ ما شاءَ اللهُ، ثمّ مرّتْ بي بعدَ ذلكَ بقرٌ، فاشتريتُ به فصِيلَة (١) من البقَرِ؛ فبلغتْ ما شاءَ اللهُ. فمرّ بي بعدَ حينٍ شيْخاً ضَعِيفاً لا أعرفُه، فقال: إنّ لي عندَك حقّاً؛ فذكَّرنِيه حتى عرفْته، فقلتُ: إيّاك أبْغي، هذا حقُّك، فعرضتُها عليهِ جميعها! فقالَ: يا عبدَ الله! لا تسخرْ بي! إنْ لم تصْدُقْ عليَّ فأَعطِني حقِّي، قلتُ: واللهِ! لا أسخَرُ بكَ؛ إنّها لحقّكَ، ما لي منها شيءٌ، فدفعتها إليهِ جميعاً، اللهمّ! إنْ كنتُ فَعلتُ ذلكَ لوجهِك؛ فافْرُج عنّا! قال: فانصدعَ الجبلُ حتّى رأوا منه وأَبْصَرُوا
стр. 6185
قال الآخرُ: قد عملتُ حسنةً مرّةً؛ كانَ لي فضْل، فأصابتِ الناسَ شدّةٌ، فجاءتْني امرأةٌ تطلبُ منِّي معرُوفاً، قال: فقلتُ: واللهِ ما هو دونَ نفسِكِ! فأبتْ عليّ فذهبتْ، ثم رجعتْ فذكَّرتْني باللهِ، فأَبيتُ عليها وقلت: لا واللهِ؛ ما هو دون نفسِك! فأبتْ عليّ وذهبتْ، فذكرتْ لزوجِها، فقال لها: أَعطيهِ نفسَكِ، وأَغْني عيالَك! فرجعتْ إليّ، فناشدتْني باللهِ، فأبيتُ عليها، وقلتُ واللهِ ما هو دون نفسِك! فلمّا رأتْ ذلكَ أسلمتْ إليّ نفْسها، فلمّا تكشَّفْتُها وهممت بها؛ ارتعدتْ من تَحتي، فقلتُ: ما شأْنُك؟! قالتْ: أخافُ اللهَ ربَّ العالمينَ! فقلتُ لها: خفتِيه في الشّدةِ، ولم أَخفْهُ في الرّخاءِ! فتركتُها وأعطيتُها ما يحقُّ عليّ بما تكشّفتها، اللهمّ! إنْ كنتُ فعلتُ ذلك لوجهكَ؛ فافْرُج عنّا! قال: فانصدعَ حتّى عرفُوا وتبيّن لهم.
قال الآخرُ: عملتُ حسنةً مرة؛ كانَ لي أبَوانِ شيخانِ كبيرانِ، وكانَ لي غَنَمٌ، فكنتُ أُطعِم أبويَّ وأسقِيهما، ثمّ رجعتُ إلى غنمي، قال: فأَصابني يومُ غيْثٍ حَبَسنِي، فلمْ أبْرحْ حتّى أمسيْتُ، فأتيتُ أهْلي، وأخذتُ مِحلبي، فحلبتُ غنمِي قائمةً، فمضيتُ إلى أبويّ؛ فوجدتُهما قد ناما، فشقّ عليّ أن أُوقظَهما، وشقّ أنْ أتركَ غنمِي، فما برحتُ جالساً؛ ومِحلبي على يدي حتى أيقظَهما الصبْحُ فسقيتُهما، اللهمّ! إنْ كنتُ فعلتُ ذلكَ لوجهِك؛ فافْرُج عنّا! ـ قال النعمان: لكأنِّي أسمعُ هذِه من رسولِ اللهِ ﷺ ـ قال الجبل: طاق؛ ففرج الله عنهم فخرجوا) .
أخرجه الإمام أحمد (٤/٢٧٤ ـ ٢٧٥) : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل
стр. 6186
ابن مُنَبِّه: حدثني عبد الصمد ـ يعنى: ابن معقل ـ قال: سمعت وهباً يقول: حدثني النعمان بن بشير:
أنه سمع رسول الله- ﷺ يذكر الرقيم فقال: ... فذكره.
وعن إسماعيل هذا: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٥/٢٨٤/٤١٠) ، وفي «الدعاء» أيضاً (٢/٨٦٦/١٩٠) .
وهو إسناد جيد متصل مسلسل بالتحديث.
ثم أخرجه في «الدعاء» و «المعجم الأوسط» (٣ /١٦٠ـ ١٦٢/ ٢٣٢٨ و ٢٣٢٩)
من طرق أخرى عن وهب بن منبه؛ فهو صحيح؛ لأن وهباً هذا ثقة من رجال الشيخين.
وأخرجه البزار أيضاً (٤/٥٢_ ٥٤/٣١٧٨_ ٣١٨٠) من طرق أخر عن النعمان
بن بشير نحوه.
والحديث قال الهيثمي (٨/١٤٢) :
» رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» و «الكبير» ، والبزار بنحوه من طرق، ورجال أحمد ثقات» .
ثم أخرجه من حديث أنس، وأبي هريرة، وعلي ﵃ بألفاظ متقاربة. وحديث علي أخرجه البزار أيضاً (٢/١٨٦٧) وإسناده جيد.
وهو في «الصحيحين» وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر بنحوه. وإنما آثرت هنا تخريجه من حديث النعمان بن بشير ﵁؛ لأنه حوى تفاصيل بعض الأمور التي لم ترد فيه، مع استقامة إسناده، والله سبحانه ولي التوفيق. *
стр. 6187
٣٤٦٩ ـ (يُبعَثُ الناسُ حفاةً عُراةً غُرْلاً، يُلْجِمُهم العَرَقُ، ويبلغُ شحمةَ الأُذنِ، قالتْ سَودةُ: قلت: يا رسولَ اللهِ! وا سوْءتاهُ! ينظرُ بعضُنا إلى بعْضٍ؟! قال:
شُغِلَ الناسُ عن ذلكَ. وتلا " يومَ يفرُّ المرءُ من أخِيه *وأمِّه وأبيهِ *وصاحبتهِ وبنيهِ *لكلّ امْرئٍ منهم يوْمئذٍ شأْنٌ يغْنيهِ ") .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٤/٣٤/٩١) ، والحاكم (٢/٥١٤ ـ ٥١٥) ، والبغوي في «تفسيره» (٨/٣٤٠) من طريق إسماعيل بن أبي أُويس:
حدثني أبي عن محمد بن أبي عياش عن عطاء بن يسار عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره. والسياق للحاكم، قال:
«صحيح على شرط مسلم» ! ووافقه الذهبي!
قلت: محمد بن أبي عياش ليس من رجال مسلم، ولا غيره من الستة، وذكره البخاري في التاريخ (١/ ١/٢٣٦ ـ ٢٣٧/٤١) ، وابن أبي حاتم (٤/١/٨٤/٣٥٢) ، وقالا:
«محمد بن أبي موسى ـ ويقال: ابن أبي عياش ـ. . روى عنه عبد الحميد بن سليمان، وأبو أويس» .
وكذا في «ثقات ابن حبان» (٧/٤٢٦) ؛ إلا أنه سقط منه: «ويقال» فصار أبو عياش جدَّه! ويبدو أنه سقط قديم؛ لأنه كذلك وقع في «ترتيب الثقات» ، والصواب ما في كتابي البخاري وابن أبي حاتم. والذي قال: (محمد ابن أبي موسى) هو (عبد الحميد بن سليمان) المذكور عندهما، فهو متابع لأبي أويس،
стр. 6188
ومخالف له في اسم والد (محمد) ، كما شاركه في رواية الحديث عن عطاء بن يسار به، لكنه خالفه أيضاً في متنه، فزاد في آخره جملة، وفي إسناده فجعله من مسند (أم سلمة) ﵂؛ وقد خرجته في «الضعيفة» (٥٣١٨) .
والحديث قال المنذري في «الترغيب» (٤/١٩٣/٤) :
«رواه الطبراني، ورجاله ثقات» .
ونحوه قول الهيثمي (١٠/٣٣٣) :
«رواه الطبراني، ورجاله رجال «الصحيح» ؛ غير محمد بن عباس (!) وهو ثقة» .
كذا وقع فيه: «. . بن عباس» ، وهو خطأ، ولعله من الناسخ، والصواب: «.. بن أبي عياش» كما تقدم في إسناد الحديث، وفي ترجمته.
وكذلك تحرف اسمه في حديث أم سلمة المشار إليه آنفاً إلى: (محمد بن موسى بن أبي عياش) ! وقد نبهت عليه هناك.
ثم إن توثيق الهيثمي تبعاً للمنذري لـ (محمد) هذا؛ إنما هو من تساهلهما، تابعين في ذلك لابن حبان في توثيقه! فلا غرابة حينئذٍ أن يتقلد ذلك الجهلة الثلاثة في تعليقهم على «الترغيب» (٤/ ٢٨٨) ، وأن يستلزموا من ذلك ـ كعادتهم ـ ويقولوا:
«حسن، قال الهيثمي ... » !
والصواب أن يقال: حسن لغيره؛ لأن له شاهداً من حديث عائشة ﵂؛ يرويه سعيد بن أبى هلال أنه سمع عثمان بن عبد الرحمن القرظي قال:
قرأت عائشة ﵂ قول الله : " ولقد جئتمونا فرادى كما
стр. 6189
خلقناكم أول مرة"، فقالت: يا رسول الله! وا سوءتاه! إن الرجال والنساء يحشرون
جميعاً، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض؟! فقال رسول الله:
«"لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه"، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض» .
أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٢/٩٨/٢ ـ ٩٩/ ١) ، والحاكم (٤/٥٦٥)
ـ والسياق له ـ من طريق سعيد بن أبي هلال به. وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد» . ورده الذهبي بقوله:
«قلت: فيه انقطاع» !
قلت: لم يظهر لي موضعه! والمتبادر أنه يعني: بين عثمان بن عبد الرحمن القرظي وعائشة ﵂، ولكني لم أعرف ابن عبد الرحمن هذا، ولم يسمه ابن أبي حاتم، وإنما ذكره بنسبته (القرظي) فقط، وحينئذٍ فيحتمل أن يكون هو (محمد بن كعب القرظي) ، فقد ذكروا في ترجمته ـ وهو ثقة ـ أنه روى عن عائشة ﵂، فإن ثبت أنه هو فلا انقطاع. والله أعلم.
والحديث عزاه الحافظ في «الفتح» (١١/٣٨٧) للترمذي، والحاكم! ولم أره في «سنن الترمذي» ، ولعله سبق قلم من المؤلف أو الناسخ.
وحديثها عند البخاري (٦٥٢٧) ، ومسلم (٨/١٥٩) ، والنسائي في «الكبرى»
(٦/٥٠٧ / ١١٦٤٨) ، وابن ماجه (٤٢٧٦) ، وأحمد (٦/٨٩ ـ ٩٠) ، وابن أبي الدنيا
في «الأهوال» (٢٣٦/٢٣٢) من طريق أخرى عن عائشة دون جملة الشغل.
ثم رأيت الحافظ ابن كثير قد ساقه بتمامه في «النهاية» (٢/٢٨٥) من رواية
стр. 6190
البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي أويس بإسناده المتقدم، وقال:
«إسناده جيد، وليس هو في «المسند» ، ولا في الكتب» !
كذا قال! ثم إنني لا أدري وجه تجويده لإسناده، وقد عرفت ما فيه؛ إلا أن يكون قد وجد له موثقاً غير ابن حبان، وهذا مما أستبعده! والله أعلم.
ثم ساق (١/٢٨٦ ـ ٢٨٧) من رواية أبي يعلى من طريق كوثر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً مثل حديث الترجمة دون تلاوة الآية؛ وفيه زيادة، فيها أمور منكرة. وقال:
«هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في «الصحيح» ، كما سيأتي ... » .
قلت: وعلته كوثر هذا ـ وهو ابن حكيم ـ؛ قال الحافظ الذهبي في «المغني» :
«تركوا حديثه؛ وله عجائب» .
ووقع في «النهاية» : «كرز» ! وهو خطأ من الطابع أو الناسخ، فصححته من «جامع المسانيد» (٢٩/٤٣١/٢٨٦٩) ، و «المطالب العالية المسندة» (٢/١٠٥/١) . وليس له ذكر في «مجمع الزوائد» ، ولا في «مسند أبي يعلى المطبوع فالظاهر أنه في «المسند الكبير» له، ولم يطبع، والله أعلم.
وقد خالف محمدَ بن أبي عياش في إسناده ومتنه: سعيدُ بن المَرْزُبان أبو سعد: فقال: عن عطاء عن الحسن بن علي ﵁ مرفوعاً نحو حديث الترجمة مختصراً دون ذكر الآية والشغل؛ وزاد:
قال: «إن الأبصار يومئذٍ شاخصة» .
стр. 6191
وهذه الزيادة في حديث ابن عمر المذكور آنفاً، وزاد أبو سعد أيضاً:
فرفع بصره إلى السماء. فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يستر عورتي. قال:
«اللهم! استر عورتها» .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١/١٣٣ ـ مخطوطة الظاهرية) و (٣/٩٣/٢٧٥٥ـ ط) ـ وسقط منه بعض السند ـ من طريق محمد بن الحسنالمزني عن عطاء بن أبي رباح عن الحسن بن علي. . . وهو بإسناده في «جامعالمسانيد» (٣/٤٨٧/٢١٥٧) .
وسعيد بن المرزبان؛ قال الحافظ في «التقريب» :
«ضعيف مدلس» .
قلت: وتركه بعضهم، ومع هذا الضعف والمخالفة؛ قال الجهلة الثلاثة فيتعليقهم على «الترغيب» (٤/٢٨٨) :
«حسن بشواهده» ! *
من أهوال العذاب في جهنم
٣٤٧٠ ـ (إنّ (الحميمَ) ليُصبُّ على رؤوسهم، فينفذُ (الحميمُ) حتّىيخلُصَ إلى جوْفِه؛ فيسْلُت ما في جَوْفِه؛ حتّى يَمْرُق من قدمَيْه، وهو (الصَّهر) ، ثم يعاد كما كان) .
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٨٩/٣١٢ / زوائد نعيم) . ومن طريق ابنالمبارك: رواه الترمذي (٢٥٨٢) ، والحاكم (٢/٣٨٧) ، وعنه البيهقي في «البعث»
стр. 6192
(٢٨٢/٥٧٩) ، وأحمد (٢/٣٧٤) ، وابن أبي الدنيا في «صفة النار» (ق ٥/٢) ،
وأبو نعيم في «الحلية» (٨/١٨٢) ، والبغوي في «شرح السنة» (١٥/٢٤٤/٤٤٠٦) ،
و «التفسير» (٥/٣٧٤) ، وكذا ابن جرير في «تفسيره» (١٧/١٠٠) كلهم عن ابن
المبارك: أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن ابن حُجًيْرة عن أبي هريرة عن
النبي ﷺ قال:. . . فذكره. وقال الترمذي:
«حديث حسن صحيح غريب، وابن حجيرة: هو عبد الرحمن بن حجيرة المصري، وسعيد بن يزيد: يكنى أبا شجاع، وهو مصري» .
وأقره المنذري في «الترغيب» (٤/٢٣٤/٢) . وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد» . ووافقه الذهبي!
والذي أراه ـ والله أعلم ـ أنه حسن؛ للخلاف المعروف في أبي السمح ـ واسمه
دراج ـ، وقد كنت ضعفت حديثه هذا قديماً كأحاديثه الأخرى، ثم ترجح عندي
قول أبي داود في التفريق بين ما يرويه عن أبي الهيثم؛ فضعيف، وما يرويه عن
ابن حجيرة؛ فمستقيم، كما سبق أن بينت ذلك، وهذا من روايته عنه. والله أعلم. *
٣٤٧١ ـ (إنّ في الجنّةِ لَسُوقاً يأْتونَها كلَّ جُمُعةٍ؛ (فيه كُثْبانُ
المسْكِ (، فَتَهُبُّ ريحُ الشّمالِ، فتحثُو في وُجوهِهم وثيابِهم (الْمسك (،
فيزدادونَ حُسْناً وجَمَالاً، فيرجعونَ إلى أهْليهم، وقد ازدادُوا حُسْناً
وجَمَالاً، فيقولُ لهم أهلُوهم: واللهِ! لقدِ ازددتُم بعدَنا حُسْناً وجمالاً،
فيقولونَ: وأنتُم واللهِ! لقدِ ازددتُم بعدَنا حُسْناً وجمالاً) .
أخرجه مسلم (٨/١٤٥) ، وابن حبان (٩/٢٥٦ ـ ٢٥٧/٧٣٨٢) ، وابن أبي
стр. 6193
شيبة (١٣/١٥٠/ ٩٦٢ ١٥) ، وأحمد (٣/٢٨٤ ـ ٢٨٥) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة»
(٢٥٣/٤١٧) ، و «الحلية» (٦/٢٥٣) ، والبيهقي في «البعث» (٢٠٩/٤١٥) ، والبغوي
في «شرح السنة» (١٥/٢٢٦ ـ ٢٢٧/٤٣٨٩) و «التفسير» أيضاً (١/٧٦) كلهم من
طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وقال البغوي:
«هذا حديث صحيح» .
والسياق لمسلم، والزيادتان لابن حبان وأحمد وغيرهما.
وله طريق أخرى؛ فقال الدارمي في «سننه» (٢/٣٣٨ ـ ٣٣٩) : أخبرنا يزيد
ابن هارون: أنا حميد عن أنس به نحوه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو ثلاثي؛ إن كان حميد ـ وهو الطويل ـ سمعه
من أنس؛ فإن عامة حديثه عن أنس سمعه من ثابت؛ كما قاله غير واحد.
وقد أوقفه بعضهم، فقال الحسين المروزي في «زوائد الزهد» (٥٢٤ ـ ٥٢٥/
٧٤٩١) : أخبرنا محمد بن أبي عدي: حدثنا حميد عن أنس قال:. . . فذكره
ولم يرفعه.
ورواه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٨١/٢٥٢) من طريق ابن المبارك: أنا
حميد الطويل به موقوفاً.
وتابعه عنده (٢٥١) من طريق ابن المبارك أيضاً، وهذا في «الزهد» (٧٠/٢٤١
ـ نعيم) ، وابن أبي شيبة أيضاً (١٣/١٠٢/١٥٨٢٢) كلهم من طريق سليمان التيمي
عن أنس به موقوفاً. *
стр. 6194
٣٤٧٢ ـ (كان إذا دعَا دعَا ثلاثاً، وإذا سألَ سألَ ثلاثاً) .
أخرجه مسلم (٥/١٧٩ ـ ١٨٠) عن زكريا عن أبي إسحاق عن عمرو بن
ميمون الأَوْدي عن ابن مسعود قال:
بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد
نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان
فيأخذه، فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما
سجد النبي ﷺ ؛ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل
على بعض؛ وأنا قائم أنظر؛ لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ،
والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت ـ وهي
جويرية ـ فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته؛
رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا. . . ثم قال:
«اللهم! عليك بقريش» (ثلاث مرات) .
فلما سمعوا صوته: ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال:
«اللهم! عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» ، وذكر السابع ولم
أحفظه. فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق؛ لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر،
ثم سُحبوا إلى القليب: قليب بدر.
قال أبو إسحاق: (الوليد بن عقبة) غلط في هذا الحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/٢٧٨) . وروى منه أبو
نعيم في «الحلية» (٤/١٥٣ و ٣٤٧) حديث الترجمة، وقال:
стр. 6195
«رواه سفيان الثوري، وزهير، وإسرائيل عن أبي إسحاق نحوه» .
قلت: أخرجها عنهم البخاري، وعن شعبة أيضاً (٢٤٠و٥٢٠ و٢٩٣٤و٣١٨٥
و٣٨٥٤ و٢٩٦٠) نحوه مطولاً ومختصراً، وكذا مسلم عنهم غير إسرائيل.
وأخرجه النسائي (١/٥٨) في «الكبرى» (٨٦٦٨و٨٦٦٩) ، وابن حبان
(٦٥٣٦) ، وأحمد (١/٣٩٣و٤١٧) ، والبزار (٢٣٩٨و٢٣٩٩) ، والطبراني في
«المعجم الأوسط» (٧٦٢ ـ دار الحرمين) ، والبيهقي أيضاً وفي «السنن الكبرى»
(٩/٧ ـ ٨) بعضهم من بعض الطرق المذكورة، وبعضهم من طرق أخرى.
وفي حديث سفيان عند مسلم وغيره:
وكان يستحب ثلاثً يقول: «اللهم! عليك بقريش، اللهم ... » . *
٣٤٧٣ ـ (كانَ إذا تَكلَّمَ بكلمَةٍ أعادَها ثلاثاً؛ حتّى تُفْهَمَ عنه، وإذا
أتَى على قوْمٍ فَسَلَّمَ عليهم؛ سلّم عليهم ثلاثاً) .
أخرجه البخاري (٩٤ و ٩٥ و ٦٢٤٤) ، والترمذي (٢٧٢٣ و٣٦٤٠) ، و «الشمائل»
(١٢٠/١٩٢ ـ مختصر الشمائل) ، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ » (٨٣) ،
وأحمد (٣/٢١٣و٢٢١) من طريق عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله
عن أنس عن النبي ﷺ : أنه كان ...
واللفظ للبخاري، وعنه البغوي في «شرح السنة» (١/٣٠٤/١٤١) ، وقال:
«هذا حديث صحيح، قال: تسليمه ثلاثاً عند الاستئذان إذا لم يؤذن بمرة أو
مرتين يسلم ثلاثاً، ثم ينصرف كما جاء في الحديث: الاستئذان ثلاث» .
قلت: هذا متفق عليه كما يأتي بعده. وقال الترمذي في حديث الترجمة:
стр. 6196
«حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى» .
قلت: وهو مختلف فيه، وقد ذكر الحافظ أقوال العلماء فيه ما بين موثق،
ومضعف، ومتوسط، ثم رجح توثيقه، فانظره إن شئت (١/١٨٩) .
فأقول: في اعتقادي أن الرجل فيه نوع من الضعف، وحديثه هذا يدل على
ذلك؛ فإنه اضطرب فيه اضطراباً عجيباً، ولكنه مع ذلك ليس من النوع الذي يعل
به الحديث؛ لأنه لا تضاد بين رواياته، فهو أشبه ما يكون باختلاف التنوع، وهذا
الذي خرجته نوع.
ونوع ثانٍ: مختصر عنه، ولفظه:
كان إذا سلم سلّم ثلاثاً، وإذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً.
رواه البخاري، والترمذي وغيرهما في رواية.
وثالث: أخصر منه، ولفظه:
كان يعيد الكلمة لتعقل عنه.
وهي رواية «الشمائل» ورواية له في «السنن» .
وكنت ذكرت في التعليق على «مختصر الشمائل» أن الحاكم استدركه على
الشيخين؛ وأن الذهبي تعقبه بقوله:
«أخرجه البخاري سوى قوله: (لتعقل عنه) » .
فتعقبته هناك بأنه لا وجه لهذا التعقب؛ لأن البخاري رواه ـ كما في حديث
الترجمة ـ بلفظ: (حتى تفهم عنه) ؛ والمعنى واحد.
стр. 6197
ورابع: بلفظ:
كان إذا تكلم تكلّم ثلاثاً، وكان يستأذن ثلاثاً.
وهو رواية لأحمد. وهذا في الحقيقة يفسر قوله: (فسلم عليهم) ؛ أي
«للاستئذان» وبه فسَّره الحافظ فقال (١/١٨٩) :
«قال الإسماعيلي: شبه أن يكون ذلك كان إذا سلم سلام الاستئذان على
ما رواه أبو موسى وغيره، وأما أن يمر المار مُسَلِّماً؛ فالمعروف عدم التكرار. قلت
(الحافظ) : وقد فهم المصنف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقروناً بحديث أبي
موسى في قصته مع عمر كما سيأتي في «الاستئذان» . لكن يحتمل أن يكون
ذلك كان يقع أيضاً منه إذا خشي أن لا يسمع سلامه. وما ادعاه الكرماني من أن
الصيغة المذكورة تفيد الاستمرار؛ مما ينازع فيه. والله أعلم» .
وحديث أبي موسى المشار إليه هو الآتي.
بقي شيء، وهو أن الشطر الثاني من الحديث له شاهد من حديث أبي أمامة
مرفوعاً بلفظ:
إذا تكلم تكلّم ثلاثاً؛ لكي يفهم عنه.
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨/٣٤٢/٨٠٩٥) : حدثنا أبو حبيب
زيد ابن المهتدي المروزي: ثنا علي بن خَشْرَم: ثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن
واقد عن أبى غالب عنه.
وهذا إسناد حسن؛ كما قال الهيثمي في «المجمع» (١/١٢٩) ، ورجاله كلهم
معروفون من رجال «التهذيب» ؛ غير زياد بن المهتدي المروزي، ترجمه الخطيب في
стр. 6198
«التاريخ» (٨/٤٤٨) برواية ثلاثة من الحفاظ؛ منهم الطبراني ولم يذكر فيه جرحاً
ولا تعديلاً؛ ووقع فيه: «المَرْوَ الرُّوذيّ» وهو الصواب. ويقال: (المرُّوذي) أيضاً؛ كما
في «الأنساب» و «اللباب» . فما في «المعجم الكبير» : «المروزي» بالزاي بعد الراء
خطأ! إنما هو بالذال، وانظر «الروض النضير» رقم (٣٠) . *
٣٤٧٤ ـ (إذا استأْذنَ أحدُكم ثلاثاً فلمْ يُؤذَن لَه؛ فَلْيَرْجِعْ) .
أخرجه البخاري (٦٢٤٥) ، ومسلم (٦/١٧٧ ـ ١٧٩) ، وأبو داود (٥١٨٠ ـ
٥١٨٤) ، والترمذي (٢٦٩٠) ، والدارمي (٢/٢٧٤) ، وابن ماجه (٣٧٠٦) ، وابن
حبان (٥٧٧٦) ، وأحمد (٣/٦ و١٩) عن أبي سعيد وغيره؛ قال أبو سعيد:
كنت في مجلس من مجالس الأنصار؛ إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال:
استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت:
استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ :
«إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له؛ فليرجع» .
فقال: والله! لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبيّ
ابن كعب: والله! لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه
فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك.
والسياق للبخاري، ومسلم. وفي لفظ له ـ وهو لفظ الترمذي ـ:
«الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك، وإلا؛ فارجع» .
وقال الترمذي:
«حديث حسن صحيح» .
стр. 6199
وله شاهد من حديث جندب بن عبد الله البجلي مرفوعاً باللفظ الأول.
أخرجه الطبراني في «لمعجم الكبير» (٢/١٨١/١٦٨٧) و «الأوسط» أيضاً
(٧/٣١٣/٧٥٩٧ ـ الحرمين) من طريق العباس بن محمد: ثنا شَبَابة بن سَوَّار: ثناالمغيرة بن مسلم عن يونس بن عبيد عن الوليد بن مسلم عنه.
قلت: وهذا إسناد جيد. وسكت عنه الحافظ (١١/٢٩) مشيراً إلى تقويته.
وأما قول الهيثمي (٨/٤٦) :
«رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، ورجاله رجال «الصحيح» ؛ غير
العباس بن محمد الدوري، وهو ثقة» !
ففيه تسامح؛ لأن المغيرة بن مسلم لم يرو له إلا البخاري، وفي «الأدبالمفرد» ، لا في «الصحيح» !
هذا.. وفي رواية لأبي داود (٥١٨٣) من طريق أبي بردة بن أبي موسى عنأبيه بهذه القصة، قال:
فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ -شديد.
وسنده جيد. *
٣٤٧٥ ـ (صلاةُ الرّجلِ في جماعةٍ تزيدُ على صَلاتِهِ وحدَه خمْساً
وعشرينَ دَرجَةً، وإنْ صلاها بأرضِ فلاةٍ، فأتمّ وُضوءها وركوعَها
وسجودَها؛ بلغتْ صلاتُه خمسينَ درجةٍ) .
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/٤٧٩ ـ ٤٨٠) : حدثنا أبو معاوية عن
стр. 6200
هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول
الله ﷺ : ... فذكره.
ومن طريق ابن أبي شيبة: أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢/٢٩١/١٠١١) ،
وعن هذا: ابن حبان (٤٣١ ـ موارد) .
وأخرجه أبو داود (٥٦٠) ، ومن طريقه: البغوي في «شرح السنة» (٣/٣٤١/
٧٨٨) ـ وصححه (ص ٣٣٩) ـ، والحاكم (١/٢٠٨) ، ومن طريقه: البيهقي في
«شعب الإيمان» (٣/٤٨/ ٢٨٣١) من طرق أخرى عن أبي معاوية به، إلا أن الحاكم
وقع في إسناده: (هلال بن أبي ميمونة) بزيادة: (أبي) بين الأب والابن!
ولذلك قال:
«حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال
ابن أبي هلال، ويقال: ابن أبي ميمونة، ويقال: ابن علي، ويقال: ابن أسامة:
وكله واحد» .
قلت: وقد وافقه الذهبي! وهو وهم على وهم؛ وقع للحاكم في إسناده،
خالف كل الطرق المشار إليها عن أبي معاوية ـ وهو محمد بن خازم ـ، وهذا إنما
يروي عن هلال بن ميمون ـ وهو الجهني ـ، وثقه ابن معين وغيره، ولم يذكروا
لأبي معاوية رواية عن هلال بن أبي ميمونة، فهو من أوهام الحاكم ﵀ التي
أشار إليها العلماء في ترجمته؛ مما وقع له في «مستدركه» .
وإن مما يؤكد ذلك: أن رواية البيهقي المشار إليها آنفاً عنه سالمة من هذا الخطأ.
ولم ينتبه له المعلق عليه، فقال:
«أخرجه الحاكم (١/٢٠٨) بنفس الإسناد وصححه، ووافقه الذهبي» !