نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا نهلوا؛ عبث
بعضهم ببعض، فلما صحوا؛ جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته،
فيقول: قد فعل بي هذا أخي- وكانوا إخوةً ليس بينهم ضغائن-! والله! لو كان
بي رؤوفاً رحيماً ما فعل بي هذا! فوقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله عز
وجل: " إنما الخمر والميسر" إلى قوله: "فهل أنتم منتهون".
فقال ناس: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم
أحد؟! فأنزل الله : "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات".
أخرجه النسائي في «الكبرى» (١١١٥١) ، والحاكم (٢/ ١٤١- ١٤٢) ، والبيهقي
(٨/ ٢٨٥- ٢٨٨) ، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٥٦ ـ ٥٧/١٢٤٥٩) .
وصححه الحاكم، وقال الذهبي في «تلخيصه» :
«قلت: على شرط مسلم» .
وقال الهيثمي (٧/١٨) :
«رواه الطبراني، ورجاله رجال (الصحيح) » .
قلت: وهو كما قالا؛ لكن في ربيعة بن كلثوم بن جبر وأبيه كلام يسير لا
ينزل به حديثهما عن مرتبة الحسن. وصححه الحافظ في «الفتح» (١٠/٣١) .
وقد تابعه سماك عن عكرمة عن ابن عباس بالشطر الأخير منه في نزول آية:
"ليس على الذين آمنوا ... ".
أخرجه الترمذي (٣٠٥٢) ، والحاكم (٤/١٤٣) ، وا بن جرير (٧/ ٢٤) ، وأحمد
(١/٢٩٥) . وقال الترمذي:
стр. 6232
«حسن صحيح» ! وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد» ! ووافقه الذهبي، وكذا الحافظ، فقال في «الفتح»
(١٠/٣١) بعدما عزاه لأحمد:
«وسنده صحيح» !
وكل ذلك وهم؛ فإن الحافظ نفسه قال في «التقريب» :
«سماك بن حرب صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير
بأخرة، فكان ربما تلقن» .
٤- وأما حديث البراء بن عازب؛ فيرويه إسرائيل وشعبة عن أبي إسحاق
عنه بالشطر الأخير المشار إليه آنفاً.
أخرجه الترمذي (٣٠٥٠، ٣٠٥١) ، وابن حبان (٥٣٥٦ و ٥٣٥٧) ، والطيالسي
في «مسنده» (٧١٥) ، ومن طريقه: ابن أبي حاتم (رقم ٦٧٧٥) ، وأبو يعلى (١٧١٩-
١٧٢٠) ، والرُّوياني (١/٢٢٩/٣٢٤) . وزاد أبو يعلى في رواية صحيحة إلى شعبة قال:
قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا.
وهذا معناه أنه دلس الواسطة بينه وبين البراء، فهو معلول بجهالة الواسطة.
وقد تجاهل هذا الأخ الداراني في تعليقه على «أبي يعلى» فقال:
«إسناده صحيح» !
وأكد تجاهله المذكور في تعليقه على «الموارد» ؛ فقال (٤/٣٤٠) :
«إسناده صحيح، شعبة قديم السماع من أبي إسحاق السبيعي..» ، ثم أخذ
في تخريجه باختصار على خلاف عادته؛ لأنه عزاه لأبي يعلى، وقال:
стр. 6233
«وهناك استوفينا تخريجه» !
فلم يستفد من الإحالة عليه إلا تأكيداً لغفلته، وتغريراً بقرائه، والله المستعان!
نعم؛ الحديث صحيح بالشواهد التي قدمتها بين يديه.
٥- وأما حديث جابر؛ فيرويه سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن
عبد الله يقول:
اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ ، ثم قُتلوا شهداء يوم أحد،
فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم! فأنزل الله: "ليس
على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا".
رواه أبو بكر البزار في «مسنده» ، ثم قال:
«وهذا إسناد صحيح» ؛ كما في «تفسير ابن كثير» (٢/٩٥) ؛ وقال:
«وهو كما قال، ولكن في متنه غرابة» .
قلت: لعل وجهه أن البخاري أخرجه في «صحيحه» من طرق عن سفيان -وهو
ابن عيينة - دون جملة اليهود، وزاد في رواية له (٤٦١٨) :
وذلك قبل تحريمها.
وإنما نقلته من «التفسير» ؛ لأني لم أره في «كشف الأستار عن زوائد البزار»
للهيثمي، ولا في «مختصره» للحافظ العسقلاني، وكنت أود الرجوع إلى أصله
«البحر الزخار» المعروف بـ «مسند البزار» ، وقد صدر منه حتى الآن ثمانية أجزاء،
ليس فيها مسند جابر ﵁، وقد عزاه إليه الحافظ أيضاً في «الفتح»
(٨/٢٧٩) ! والله أعلم. *
стр. 6234
٣٤٨٧ ـ لما انتهيْنا إلى بيْتِ المقْدِس؛ قال جبريلُ بإصبعهِ فخرجَ
به الحَجَر، وشدّ به البُراق) .
أخرجه الترمذي (٣١٣٢) ، وا بن حبان (٣٤- موارد) ، والحاكم (٢/ ٣٦٠) من طريق أبي تُمَيْلة عن الزبير بن جنادة عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله
ﷺ : ... فذكره. وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو تميلة، والزبير؛ مروزيان ثقتان» .
ووافقه الذهبي.
وأما الترمذي؛ فقال:
«حسن غريب» . ولم ترد كلمة: «حسن» في بعض النسخ منه، ولا ذكرها
المزي في «التحفة» .
(تنبيه) : كنت ضعفت الحديث في بعض التعليقات القديمة، ولما قسمت
السنن الأربعة إلى قسمين «الصحيح» و «الضعيف» ، ومنها «سنن الترمذي» ؛
اقتضاني إعادة النظر في بعض أحاديثه ومنها هذا، فثبتت لي صحته، وأن قول
الذهبي في (الزبير بن جنادة) من «المغني» :
«فيه جهالة» ! وإشارته إلى تمريض توثيق ابن حبان بقوله في ترجمته من
«الكاشف» :
«وثق» ! ومثله قول الحافظ في «التقريب» :
«مقبول» ! أن ذلك كله مرجوح عندي لتوثيق ابن معين للزبير هذا، وبخاصة
لما رأيت الذهبي نفسه قد خطأ من قال: «فيه جهالة» ؛ يعني: ابن الجوزي، فكأنه
كان اتبعه في قوله هذا، فلما تبين له خطؤه رجع عنه؛ فكأنه أصابه ما أصابني!
стр. 6235
ولذلك بادرت يومئذ إلى تدارك الخطأ في تحقيقي الثاني على «مشكاة المصابيح»
أداةً للأمانة العلمية، ثم أكدت ذلك في مقدمتي لكتابي الحديث «صحيح موارد
الظمآن» ، وهو تحت الطبع؛ يسر الله إتمامه ونشره بمنه وكرمه. *
٣٤٨٨ ـ (كان يصلِّي الهَجِيرَ (١) ، ثمّ يصلِّي بعدَها ركعتَينِ، ثم يصلِّي
العصْرَ، ثم يصلِّي بعدَها ركعتَينِ) .
أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسند عائشة» (٣/٨٩٤/٠٣١ ١) ، ومن طريقه:
السَّرَّاج في «مسنده» (ق ١٣١/٢) قال إسحاق: أخبرنا عبيد الله (زاد السراج: ابن
موسى، والنضر بن شميل، قالا:) نا إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه قال:
سألت عائشة عن صلاة رسوله الله ﷺ : كيف كان يصلي؟ فقالت: ...
فذكره. قلت: فقد كان عمر يضرب عليهما، وينهى عنهما؟! فقالت:
كان عمر ﵁ يصليهما، وقد علم أن رسوله الله ﷺ كان يصليهما،
ولكن قومك أهل اليمن قوم طَغَام، يصلون الظهر، ثم يصلون ما بين الظهر والعصر، ويصلون العصر، ثم يصلون ما بين العصر والمغرب (٢) ، فضربهم عمر، وقد أحسن.
قلت: وهذا إسناد صحيح عزيز، رجاله كلهم ثقات رجاله الشيخين؛ غير المقدام بن شريح عن أبيه، وهما ثقتان من رجال مسلم.
وقد أخرجه أحمد (٦/١٤٥) ، والطحاوي، وابن حبان من وجه آخر عن
المقدام به مختصراً قال:
سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؟ فقالت:
стр. 6236
صلِّ! إنما نهى رسول الله ﷺ قومك أهل اليمن عن الصلاة إذا طلعت
الشمس. انظر «صحيح الموارد» (٦٢٥) .
ثم روى أحمد (٦/٢٥٤) طرفاً آخر منه. ومن وجه آخر عن إسرائيل به، وهو صلاته ركعتي الهجير.
وفي قول عائشة الموقوف فائدة عزيزة لم يذكرها الحافظ في «فتح الباري» ، وهي
أن عمر ﵁ لم ينه عن الركعتين بعد العصر إنكاراً لشرعيتهما، وإنما من باب سد الذريعة، وخشية أن يصلوها في وقت التحريم، وهو عند غروب الشمس. وقد جاء ما يشهد له من رواية تميم الداري، وزيد بن خالد الجهني، وقد سكت عنهما الحافظ في «الفتح» (٢/٦٥) ، وحسن إسناد زيد: الهيثميُّ؛ كما يأتي.
أما حديث تميم؛ فيرويه هشام بن عروة عن أبيه قال:
خرج عمر على الناس يضربهم على السجدتين بعد العصر، حتى مربـ (تميم
الداري) ، فقال:
لا أدعهما، صليتها مع من هو خير منك؛ رسول الله ﷺ !
فقال عمر: إن الناس لو كانوا كهيئتك لم أبالِ.
أخرجه أحمد (٤/١٠١) بإسناد رجاله ثقات رجال الشيخين. لكن قال
الهيثمي (٢/٢٢٢) :
«وعروة لم يسمع من عمر» .
لكن رواه عبد الله بن صالح: حدثني الليث عن أبي الأسود عن عروة بن
الزبير أنه قال: أخبرني تميم الداري - أو أخبرت-:
стр. 6237
أن تميماً الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد
العصر، فأتاه عمر، فضربه بالدَّرَّة، فأشار إليه تميم: أن اجلس، وهو في صلاته،
فجلس عمر حتى فرغ تميم، فقال لعمر: لم ضربتني؟! قال: لأنك ركعت هاتين
الركعتين؛ وقد نهيت عنهما، قال: ... (فذكره، وزاد) فقال عمر:
إني ليس بي إياكم أيها الرهط! ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون بعد
العصر إلى المغرب؛ حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله ﷺ أن تصلوا فيها، كما
يصلون بين الظهر والعصر، ثم يقولون: قد رأينا فلاناً وفلاناً يصلون بعد العصر!
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢/٤٨/ ٢٨١ ١) ، و «الأوسط» (٨/٢٩٦/٨٦٨٤ - الحرمين) ، وقال:
«لا يروى عن تميم إلا بهذا الإسناد، تفرد به الليث» .
قلت: هو ومن فوقه ثقات رجال الشيخين، فهو إسناد صحيح إن سلم من
الانقطاع، ومن ضعف في ابن صالح - وهو كاتب الليث-.
وبه أعله الهيثمي، فقال بعدما عزاه لـ «المعجمين» :
«وفيه عبد الله بن صالح، قال فيه عبد الملك بن شعيب: «ثقة مأمون» ،
وضعفه أحمد وغيره» .
وأما حديث زيد بن خالد الجهني؛ فيرويه أبو سعد الأعمى عن رجل يقال
له: السائب مولى الفارسيين عنه:
أنه رآه عمر بن الخطاب - وهو خليفة- ركع بعد العصر ركعتين، فمشى إليه
فضربه بالدرة، وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال زيد: اضرب يا أمير المؤمنين!
стр. 6238
فو الله! لا أدعهما أبداً بعد إذ رأيت رسول الله ﷺ يصليهما، قال: فجلس إليه
عمر، وقال:
يا زيد! لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سُلَّماً إلى الصلاة حتى الليل؛ لم
أضرب فيهما.
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٤٣١- ٤٣٢) - والسياق له-، وعنه وعن
غيره: أحمد (٤/١١٥) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (٥/٢٦٠/٥١٦٦ و ٦٧ ٥١) .
وقال الهيثمي بعدما عزاه لأحمد والطبراني:
«وإسناده حسن» .
قلت: أبو سعد الأعمى لم يوثقه أحد ولا ابن حبان، ولذلك قال الحافظ في
«التقريب» :
«مجهول» .
فلعل الهيثمي يعني أنه حسن لغيره بالنظر إلى ما تقدم. والله أعلم.
هذا.. وقد روي عن عائشة ما يخالف استحسانها المتقدم، وهو ما رواه المغيرة
عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها قالت:
أتضرب عليهما؟! ما دخل علي رسول الله ﷺ قط إلا صلاهما.
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٣/٥٢/ ١٥٧٠- الإحسان) من طريق خالد
ابن عبد الله عن المغيرة به.
قلت: ورجاله كلهم ثقات.
وقد خالفه جرير فقال: عن مغيرة به دون جملة الضرب.
стр. 6239
أخرجه النسائي (١/٦٧) .
ورجاله ثقات أيضاً.
وخالفهما في إسناده إسرائيل فقال: عن المغيرة عن أم موسى قالت:
سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت:
ما أتاني رسول الله ﷺ في يوم؛ إلا صلى بعد العصر ركعتين.
أخرجه أحمد (٦/١٠٩) .
قلت: فهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من طرق عنها، دون جملة الضرب،
فإن كانت محفوظة في طريق خالد عن المغيرة؛ فالعلة منه؛ وهو المغيرة بن مقسم
الضبي؛ فإنه كان يدلس وبخاصة عن إبراهيم؛ كما في «التقريب» .
وإبراهيم- وهو ابن يزيد النخعي- لا يحتمل مثل هذا الشذوذ والمخالفة.
وتخريج ابن حبان لـ (المغيرة) هذا الحديث بخاصة، وأحاديث أخرى له
بعامة: مما ينافي شرطه الخامس الذي وضعه في مقدمة «صحيحه» لأحاديثه، وهو
أن يتعرى الخبر عن التدليس! لأن (المغيرة) هذا مدلس عنده أيضاً! بل هو قد
أخل بسائر شروطه، كما حققته في مقدمتي لـ «صحيح الموارد» ، و «ضعيف الموارد» ؛ فلتراجع فإنها هامة جدّاً. *
٣٤٨٩ ـ (لَتَنهكُنَّ الأصابعَ بالطَّهور؛ أو لَتَنْهَكَنَّها النّارُ) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/١٢٢ /٢٦٧٤) : حدثنا إبراهيم
قال: نا شيبان بن فَرُّوخ قال: نا أبو عوانة عن أبي مسكين عن هُزَيل بن شُرَحْبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ﷺ : ... فذكره. وقال:
стр. 6240
«لم يروه عن أبي عوانة إلا شيبان» .
قلت: وهما ثقتان، أبو عوانة: هو الوضاح اليشكري؛ ثقة ثبت من رجال
الشيخين.
وشيبان بن فروخ؛ من رجال مسلم، وفيه كلام لا ينزل حديثه عن مرتبة
الحسن، ولذلك قال الحافظ:
«صدوق يهم» .
وسائر الرواة ثقات: أما هزيل بن شرحبيل؛ فثقة من رجال البخاري. وأما أبو
مسكين؛ فهو حُرّ بن مسكين؛ فقال ابن معين:
«ثقة»
وقال أبو حاتم:
«لا بأس به» .
وذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/٢٣٩) .
وخفي حاله على الحافظ، فلم يذكر في ترجمته من «التهذيب» إلا ما ذكره
ابن حبان، ففاته أنه روى عنه جماعة من الثقات، وتوثيق ابن معين وأبي حاتم
إياه! ولذلك قال في «التقريب» :
«مقبول» !
فتنبه.
وأما إبراهيم شيخ الطبراني؛ فهو: إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، وثقه
الدارقطني؛ كما في «تاريخ بغداد» .
стр. 6241
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/٢٣٦) :
«رواه الطبراني في «الأوسط» ، ووقفه في «الكبير» على ابن مسعود؛ وإسناده
حسن» !
فأقول: إسناد «الكبير» صحيح؛ فإنه أخرجه (٩/ ٢٨٢/ ١ ٩٢١ و ٢ ٩٢١) من طريق الثوري وزائدة عن أبي مسكين به موقوفاً؛ ولكنه في معنى المرفوع فلا يعل
به المرفوع، كما هو ظاهر.
ثم رأيت ما تقدم عن الهيثمي قد ذكره المنذري في «الترغيب» (١/١٠٣/٤) ،
بل ظننت أنه تابع له، إلا أنه زاد عليه؛ فقال:
«وفي رواية له في «الكبير» موقوفة: قال:
خللوا الأصابع الخمس؛ لا يحشوها الله ناراً» .
قلت: أخرجه الطبراني (٩٢١٣) من طريق طلحة بن مُصَرِّف قال: حُدِّثتُ
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ... فذكره.
ورجاله ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسم. ثم قال المنذري:
«قوله: «لتنتهكنها» ؛ أي: لتبالغن في غسلها، أو لتبالغن النار في إحراقها.
و (النهك) : المبالغة في كل شيء» .
وتفسير (النهك) بما ذكر معروف، لكنه لا يتناسب مع اللفظ الذي وقع عنده
في الحديث، ولذلك تعقبه الحافظ الناجي بقوله في «عجالته» (ص ٤٢) :
«قوله: «لتنتهكن الأصابع بالطهور، أو لتنتهكنها النار» ، وتفسيره لذلك -
بزيادة تاء وكسر الهاء - من (الانتهاك) ليس مراداً هنا قطعاً.
стр. 6242
ثم قوله: «والنهك: المبالغة في كل شيء» تناقض عجيب وتصحيف! وقد
رأيته في الحديث المذكور كذلك في «مجمع الزوائد» للهيثمي! ولعله قلده أو وقع
كذلك في نسختهما بالأصل، وليس كذلك بلا إشكال. وإنما هو: «لتنهكن» ،
أو: «لَتَنهَكَنَّها» بلا تاء أخرى وبفتح الهاء، مأخوذة من (النَّهك) الذي ذكره بعد.
وهكذا ذكره أهل اللغة والغريب بلا نزاع بينهم. وقد أعاد المصنف في «الجهاد
والترغيب في الشهادة» تفسير (النهك) ، ووقع له وهم في ضبط قوله: «انهكوا» ،
أشبعنا الكلام عليه هناك؛ والله المستعان» .
قلت: ومن الغرائب تتابع كثير من المصادر على هذا التصحيف؛ غير «الترغيب» و «المجمع» ؛ فإنه كذلك وقع في مصدر الحديث «المعجم الأوسط» في الموضع المشار إليه
آنفاً، وأعني طبعة الحرمين، وكذلك هو في طبعة المعارف (٢٦٩٥) ، وفي النسخة
المصورة التي عندي منه (١/١١٥٠/٢٨٣٢) بترقيمي لكن بالمثناة من تحت:
«لينتهكن» أو: «لينتهكنها» ، وهكذا هو في الرواية الموقوفة في «المعجم الكبير» .
لكنه على الصواب وقع في «مجمع البحرين» (١/٣٤٠ - تحقيق عبد القدوس
نذير) ، وكذلك في نسخة مخطوطة من «الترغيب» أشار إليها في الهامش المعلقون
الثلاثة، ورمزوا إليها بحرف (ب) ، ولكنهم- لجهلهم- لم يتبنوها، فأثبتوا اللفظ
المحرف؛ تقليداً لما في «مجمع الزوائد» !
(تنبيه) : كنت منذ نحو أربعين سنة- وقبل تحصيلي على كتاب ابن أبي حاتم
«الجرح والتعديل» - ذهبت إلى تضعيف حديث الترجمة، مستنداً على ما جاء في
كتاب «تهذيب الحافظ» و «التقريب» مما تقدمت الإشارة إليه، ولذلك؛ لم أودعه
في الطبعات السابقة من كتابي «صحيح الترغيب والترهيب» . والآن ونحن في
صدد إعادة النظر في بعض كراريس قسيمه «ضعيف الترغيب» ، والتحقيق في
стр. 6243
ضبط الكلمة التي وقع فيها التصحيف من الحديث؛ وجدت في «التعليق
الرغيب» ما حفزني إلى إعادة النظر في سنده، فانكشف لي تقصير الحافظ في
ترجمة (أبي مسكين) الراوي له، وأنه ليس مجهولاً؛ كما كنت استلزمت ذلك
عنه، بل هو ثقة؛ كما قدمت.
وكان قد انضم إلى التقصير المذكور ما كنت نقلته في «التعليق الرغيب» عن
ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: «حديث منكر» ؛ فربطت يومئذ بين هذا، وبين
مستندي المذكور، فظننت أن النكارة سببها الجهالة، الأمر الذي دعمت به التضعيف.
والآن؛ فقد تبين لي شيء جديد يدعم صحة الحديث، ويخالف النكارة
المدعاة، ذلك أن ابن أبي حاتم قد ساق إسناد الحديث من طريق آخر غير طريق
شيبان المتقدم، فذكر في «العلل» (١/ ٧٠/١٧٦) أنه سأل أباه عن حديث رواه يزيد
ابن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن أبي مسكين ... به مرفوعاً؟ فقال:
«سمعت أبي يقول: رفعه منكر» .
فتبين لي بهذا التخريج، ومقابلة هذا الطريق بما تقدم: أن علة النكارة عنده
ليست الجهالة؛ كما ظننت يومئذٍ، وإنما المخالفة. وكأن أبا حاتم يشير إلى ما قدمته
من طريقي الثوري وزائدة عن أبي مسكين ... موقوفاً، وأتبعتهما بقولي: «إنه لا
مخالفة بين المرفوع والموقوف» .
والآن - وبعد وقوفي علي هذا الطريق الآخر - قد ازددت ثقة بصحة المرفوع،
وأنه لا وجه لإعلاله بالنكارة؛ لهذه المتابعة القوية من الثوري لأبي عوانة؛ فإن
الذي رفعه عن الثوري - زيد بن أبي الزرقاء- ثقة بلا خلاف، بل إن له خصوصية
قلما تذكر في غيره من الرواة عن سفيان؛ وقد كان عنده «جامع سفيان» ، فهو من
أعرف الناس به، وأحفظ الناس لحديثه، يضاف إلى ذلك قول أحمد بن أبي رافع:
стр. 6244
«كان زيد يُلقي ما في الحديث من غلط وشك، ويحدث بما لا شك فيه» ؛
كما في ترجمته من «التهذيبين» .
(فائدة) : (الطُّهور) بالضم: التطهر، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به كـ (الوُضوء)
و (الوَضوء) ، و (السُّحور) و (السَّحور) : «نهاية» . *
٣٤٩٠ - (لا آمرُ أحَداً أنْ يسجُدَ لأحَدٍ، ولو أمرْتُ أحداً أنْ يسجُدَ
لأحدٍ؛ لأمرتُ المرأةَ أن تسْجدَ لزوجِها) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/٣٥٦/١٢٠٠٣) : حدثنا العباس
ابن الفضل الأسفاطي: ثنا أبو عون الزِّيَادي: ثنا أبو عَزَّة الدَّبَّاغ عن أبي يزيد
المديني عن عكرمة عن ابن عباس ﵄:
أن رجلاً من الأنصار كان له فحلان؛ فاغتلما فأدخلهما حائطاً، فسدَّ عليهما
الباب، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فأراد أن يدعو له، والنبي ﷺ قاعد ومعه نفر من
الأنصار، فقال: يا نبيَّ الله! إني جئت في حاجة، وإن فحلين لي اغتلما،
فأدخلتهما حائطاً، وسددت الباب عليهما، فأحب أن تدعو لي أن يسخِّرهما الله
لي! فقال لأصحابه:
«قوموا معنا» .
فذهب حتى أتى الباب، فقال:
«افتح» .
ففتح الباب؛ فإذا أحد الفحلين قريب من الباب، فلما رأى النبي ﷺ سجد
له، فقال النبي ﷺ :
стр. 6245
«ائتني بشيء أشد به رأسه، وأمكنك منه» .
فجاء بخِطام، فشد به رأسه وأمكنه منه.
ثم مشيا إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه؛ وقع له ساجداً، فقال
للرجل:
«ائتني بشيء أشد به رأسه» .
فشد رأسه، وأمكنه منه، وقال:
«اذهب؛ فإنهما لا يعصيانك» .
فلما رأى أصحاب النبي ﷺ ذلك «قالوا: يا رسول الله! هذان فحلان لا
يعقلان سجدا لك؛ أفلا نسجد لك؟ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون، وإليك البيان:
١ - عكرمة - وهو مولى ابن عباس-؛ ثقة ثبت من رجال الشيخين، أشهر من
أن يذكر.
٢ - أبو يزيد المديني؛ ثقة روى له البخاري؛ كما في «الكاشف» . وأما قول
الحافظ فيه:
«مقبول» !
فهو مرفوض! كيف لا وقد وثقه ابن معين وأحمد، وروى له البخاري؟!
٣- أبو عَزَّة الدباغ، اسمه الحكم بن طهمان، وهو ثقة، وثقه جماعة منهم
ابن حبان. انظر «تيسير الانتفاع» .
стр. 6246
٤- أبو عون الزيادي؛ اسمه محمد بن عون، وثقه أبو حاتم، وكذا أبو زرعة
بروايته عنه.
٥ - العباس بن الفضل الأسفاطي؛ لم يذكر السمعاني هذه النسبة، واستدركها
عليه ابن الأثير في «لبابه» ، وقال:
«هذه النسبة إلى بيع (الأسفاط) (١) وعملها» .
ثم ذكر هذا الشيخ العباس، ثم قال:
«سمع أبا الوليد الطيالسي، وعلي بن المديني، وغيرهما. روى عنه أبو القاسم
الطبراني» .
قلت: وسمع منه أحمد بن عبيد في إسناد آخر للبيهقي في «السنن الكبرى»
(٨/٦٥) ؛ فأرى أنه من شيوخ الطبراني المستورين؛ فقد روى له في «المعجم الأوسط»
اثنين وعشرين حديثاً، وثلاثة أخرى في «مسند الشاميين» ، وكلها معروفة المتون،
وإن كان بعض أسانيدها لا تخلو من ضعف أو علة، فلا تُعصب به، ثم الله أعلم
بعدد ما روى له من الأحاديث في «المعجم الكبير» غير هذا، والغالب على الظن
أنها أكثر بكثير، ولهذا؛ فقد اطمأننت لثبوت حديثه هذا؛ لا سيما وله شواهد:
منها عن أبي هريرة عند ابن حبان نحوه بسند حسن، وهو مخرج في «الإرواء»
(٧/٥٤) ، وعن أنس عند أحمد، جود إسناده المنذري في «الترغيب» (٣/٧٥) .
ثم رأيت للأسفاطي متابعاً لا بأس به في الشواهد على الأقل، يقوي ما
ذكرت فيه آنفاً؛ فقد ساق حديثه الحافظ ابن كثير في «البداية» (٦/١٣٦) برواية
الطبراني، وعقب عليهما بقوله:
стр. 6247
«هذا إسناد غريب، ومتن غريب» !
كذا قال! أما الإسناد؛ فالظاهر أنه لم يعرف بعض رجاله؛ مثل (الزيادي)
و (الدباغ) ؛ فإنهما ليسا من رجال «التهذيب» .
وأما المتن؛ فما وجه الغرابة فيه مع وجود الشاهدين اللذين أشرت إليهما آنفا؟!
ثم قال الحافظ ابن كثير:
«ورواه الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه «دلائل النبوة» عن أحمد
ابن حمدان الحيري (الأصل: السحري) عن عمر بن محمد بن بجير البجيري
(الأصل: البحتري!) عن بشر بن آدم عن محمد بن عون أبي عون الزيادي به.
وقد رواه أيضاً من طريق مكي بن إبراهيم عن فائد أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي
أوفى عن النبي ﷺ بنحو ما تقدم عن ابن عباس» .
قلت: أبو الورقاء هذا متروك؛ فلا يستشهد به، وحديثه عند أبي نعيم في
«دلائل النبوة» (ص ٣٢٩) .
والشاهد من قول الحافظ: رواية بشر بن آدم - وهو البصري-؛ قال الحافظ
العسقلاني:
«صدوق فيه لين» .
فهو شاهد قوي لحديث شيخ الطبراني العباس بن الفضل الأسفاطي، ودليل
على أنه قد حفظه، فلا وجه لاستغراب إسناده ومتنه، وبخاصة وقد شهد له ما
تقدمت الإشارة إليه. والله أعلم.
ثم وجدت له شاهداً ثالثاً قوياً، يرويه عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني
سلمة - ثقة- عن جابر بن عبد الله:
стр. 6248
أن ناضحاً لبعض بني سلمة اغتلم فصال عليهم ... الحديث نحوه وفيه:
فقالوا: سجد لك يا رسول الله حين رآك! فقال:
«لا تقولوا ذلك لي، لا تقولوا ما لم أبلغ، فلعمري ما سجد لي؛ ولكن الله عز
وجل سخَّره لي» .
أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٦/٢٨) .
قلت: ورجال إسناده كلهم ثقات، فهو إسناد جيد؛ على الخلاف المعروف في
توثيق من لم يسم، وهو الرجل من بني سلمة. ولكنه - على كل حال- تابعي،
ومن قبيلة جابر بن عبد الله الأنصاري السَّلمي، فالنفس تطمئن لرواية مثله، لا
سيما في الشواهد والمتابعات. والله أعلم.
ثم دلّني بعض الأخوة - جزاه الله خيراً - على ما يزيدني اطمئناناً لما ذهبت
إليه من الوثوق بحديث (العباس الأسفاطي) ، وهو أن الدارقطني قال في «سؤالات
الحاكم له» (ص ١٢٩) :
«صد وق» .
فالحمد الله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله! *
٣٤٩١ - (يا أبا ذرّ! ما أحبُّ أنّ لي أُحُداً ذهَباً وفضّة أُنفقُه في سبيلِ اللهِ؛ أموتُ يومَ أموتُ فأدعُ منه قِيراطاً، قلتُ: يا رسولَ اللهِ! قِنطاراً؟ قالَ: يا أبا ذرّ! أَذهبُ إلى الأقلِّ وتذهبُ إلى الأكثَر؟! أريد الآخرة وتريد الدنيا؟! قيراطاً؛ فأعادها عليَّ ثلاث مرات) .
قلت: هو من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ في بعض الروايات، وله
بهذا التمام طريقان:
стр. 6249
الأولى: عن سعيد بن كثير المدني قال: حدثني كلثوم بن جبر وموسى- ولم
ينسبه- أنهما سمعا عبيد الله بن عباس قال:
قال لي أبو ذر: يا ابن أخي! كنت مع رسول الله ﷺ آخذاً بيده، فقال: ...
فذكره.
أخرجه البزار في «مسنده» (٩/٣٤٢/٣٨٩٩) ، (٤/٢٥٢/ ٣٦٥٧- كشف
الأستار) ، (٢/٤٩٢/٢٢٧٧ - مختصر الزوائد) من طريق سعيد بن كثير المدني،
قال: ... فذكره. وقال البزار:
«قد روي عن أبي ذر من غير وجه، ولا نعلم روى عبيد الله بن عباس عن
أبي ذر إلا هذا الحديث» .
قلت: وهذا إسناد مشكل؛ فإني لم أجد لسعيد بن كثير المدني ترجمةً في
شيء من كتب الرجال التي عندي، حتى ولا في «ثقات ابن حبان» ، ولعل
نسبة: (المدني) محرفة من: (الملائي) ؛ فإنه من هذه الطبقة، وهو ثقة. ولعله
لذلك قال المنذري في «الترغيب» (٢/٤٣/٢٣) :
«رواه البزار بإسناد حسن» .
وكذا قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/٢٣٩) .
وأشكل منه أن عبيد الله بن عباس لم يذكروا له رواية عن أبي ذر، وإنما ذكروا
أخاه عبد الله بن عباس، فلعله لذلك جعله المنذري عبد الله بن عباس! لكن
الحديث هنا - كما ترى- إنما هو من رواية كلثوم بن جبر وموسى - معاً-؛ ولم يذكروا
أحداً منهما في الرواة عن عبد الله بن عباس، بل ذكر الحافظ المزي في ترجمة
موسى بن جبر أنه:
стр. 6250
«روى عن عبيد الله بن عباس، وقيل: عن عباس بن عبيد الله بن عباس،
وهو الصحيح» .
وتبناه الحافظ ابن حجر في «تهذيبه» ؛ فذكره في شيوخه، وإذا كان الأمر
كذلك؛ فهو يعني: أنه سقط من الناسخ أو بعض الرواة، فهو: عباس بن عبيد الله
ابن عباس.
وله حديث آخر من روايته عن الفضل بن عباس؛ وأعلوه بالانقطاع، وهو
مخرج في «ضعيف أبي داود» برقم (١١٤) . وأما إعلال ابن القطان إياه بقوله: «لا
يعرف حاله» ، ونحوه قول الحافظ فيه: «مقبول» ؛ فهو مردود، ومستدرك برواية
أربعة من الثقات عنه، وذكر ابن حبان إياه في «الثقات» (٥/٢٥٨) .
ونحوه موسى - وهو ابن جبر الأنصاري-؛ فقد قال فيه ابن القطان أيضاً: «لا
يعرف حاله» ، وقال الحافظ:
«مستور» ! مع أنه قد روى عنه جمع كبير من الثقات، لكن قال ابن حبان
في «ثقاته» :
«ثقة يخطئ» ! وهذا لا يضره، فهو وسط؛ لا سيما وقرينه كلثوم بن جبر أخرج
له مسلم ووثقه جمع، فالإسناد حسن؛ كما تقدم عن المنذري والهيثمي، إن كان
سعيد بن كثير المدني هو الملائي.
ومهما يكن من أمر؛ فهو قوي بالطريق الآتية، وهي:
الثانية: ما يرويه محمد بن فضيل قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة وأبو منصور
الجهني عن زيد بن وهب عن أبي ذر ... فذكره نحوه ولفظه: قال: قال رسول الله:
стр. 6251
«أي جبل هذا؟» ، قلت: أحد. قال:
«والذي نفسي بيده! ما يسرني أنه لي ذهباً قطعاً أنفقه في سبيل الله؛ أدخر
منه قيراطاً» ، قال: قلت: قنطاراً؟ قال:
«قيراطاً» . قال: قلت: قنطاراً؟ قال:
«قيراطاً» . قال: قلت: قنطارا؟ قال مراراً، فقال: «إنما أقول الذي هو أقل، ولا
أقول الذي هو أكثر» .
أخرجه أحمد (٥/١٤٩) ، وابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند ابن
عباس) (ص ٢٤٧/ ٤٠٧) ، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/٢٨٤/٣١٥٩) .
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ لأن أبا منصور الجهني ـ واسمه ميمون ـ؛ ثقة؛
كما قال ابن معين، ولا يضره ضعف سالم بن أبي حفصة؛ فإنه مقرون.
والحديث مخرج في «الصحيحين» وغيرهما أتم منه، دون قول أبي ذر: قلت:
يا رسول الله! قنطاراً ... إلخ.
وهو مخرَّج في الباب السادس من كتاب (٢٤- كتاب التوبة والزهد) من
«صحيح الترغيب» . *
٣٤٩٢ ـ (أمّا إبراهيمُ؛ فانْظُروا إلى صاحِبكم، وأمّا مُوسى؛ فرجُلٌ
آدمُ جعْدٌ على جَمَل أحمر مخطومٍ بخُلْبةٍ، كأنِّي أنظرُ إليه إذا انحدرَ
في الوادي يُلبّي)
أخرجه البخاري (٣٣٥٥ و ٥٩١٣) ، ومسلم (١/١٠٦) ، والبيهقي (٥/١٧٦) ، وأحمد (١/٢٧٧) عن مجاهد قال:
стр. 6252
كنا عند ابن عباس ﵄، فذكروا الدجال، فقال:
إنه مكتوب بين عينيه: كافر. قال: فقال ابن عباس:
لم أسمعه قال ذاك، ولكنه قال: ... فذكره.
(تنبيه) : أورد الحديث السيوطي برواية أحمد والشيخين عن ابن عباس بشيء
من التقديم والتأخير لا يوافق سياق أحدهم. *
٣٤٩٣ - (أمّا أولُ أشْراطِ السّاعةِ؛ فنارٌ تخرجُ من المشْرقِ، فتحشرُ
النّاسَ إلى المغربِ، وأمّا أوّلُ ما يأْكلُ منه أهْلُ الجنّة؛ زيادةُ كبِدِ
الحوتِ، وأمّا شَبَهُ الولَد أباهُ وأمَّه؛ فإذا سبقَ ماءُ الرجُل ماءَ المرأةِ؛ نزعَ
إليه الولدُ، وإذا سبقَ ماءُ المرأةِ ماءَ الرجُل؛ نزعَ إليها) .
أخرجه أحمد (٣/١٠٨) قال: ثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس:
أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال:
يا رسول الله! إني سائلك عن ثلاث خصال، لا يعلمهن إلا نبي؟ قال:
«سَلْ» .
قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكل منه أهل الجنة؟ ومن أين يشبه
الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ :
«أخبرني بهن جبريل ﵇ آنفاً» .
قال: ذلك عدو اليهود من الملائكة! قال: ... فذكر الحديث. قال: أشهد أن
لا إله إلا الله، وأنك رسول الله؛ وقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بُهُتٌ، وإنهم
إن يعلموا بإسلامي يبهتوني عندك، فأرسل إليهم، فاسألهم عني: أي رجل ابن
стр. 6253
سلام فيكم؟ قال: فأرسل إليهم، فقال:
«أي رَجُلٍ عبد الله بن سلام فيكم؟» .
قالوا: خيرنا وا بن خيرنا، وعالمنا وا بن عالمنا، وأفقهنا. قال:
«أرأيتم إن أسلم تسلمون؟» .
قالوا: أعاذه الله من ذلك! قال:
فخرج ابن سلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
قالوا: شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا.
فقال ابن سلام: هذا الذي كنت أتخوف منه!
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه البخاري (٣٣٢٩ و ٣٩٣٨ و٤٤٨٠) ، والنسائي في «السنن الكبرى»
(٥/٣٣٨/٩٠٧٤) ، وابن حبان (٩/١٤٦/٧١١٧) ، وأحمد أيضاً (٣/١٨٩ و٢٧١)
من طرق أخرى عن حميد به.
وتابعه ثابت عن أنس.
أخرجه ابن حبان (٧٣٨٠) . *
٣٤٩٤ ـ (أمّا بعدُ: فو الله! إنِّي لأعْطي الرجُلَ و [أدعُ الرجلَ] ،
والذي أدعُ أَحَبُّ إليَّ من الذي أعطي، ولكنْ أُعْطي أقواماً لِما أرى
في قلوبهم من الجَزَع والهلَعِ، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جَعَل اللهُ في قلوبهم
من الغنَى والخير، منهم: عمرو بنُ تغْلب) .
أخرجه البخاري (٩٢٣ و٣١٤٥ و ٧٥٣٥) ، والطيالسي رقم (١١٧٠) ، وأحمد
стр. 6254
(٥/٦٩) كلهم من طريق الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب:
أن رسول الله ﷺ أُتيَ بمال- أو سَبْي - فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً،
فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: ... فذكر الحديث.
قال عمرو: فو الله! ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْرَ النَّعَمْ!
والزيادة بين المعكوفتين رواية للبخاري. *
٣٤٩٥ - (أمّا قطْعُ السّبيل؛ فإنّه لا يأْتي عليك إلا قليلٌ حتّى تخرجَ
العيرُ إلى مكةَ بغير خَفيرٍ.
وأمّا العَيلةُ؛ فإن السّاعةَ لا تقومُ حتّى يطوفَ أحدُكم بصدَقته؛ لا
يجدُ من يقبلُها منه، ثم لَيَقِفَنَّ أحدُكم بين يديِ اللهِ ليس بينَه وبينَه
حجابٌ ولا تُرجُمان يترجمُ له، ثم ليقولنّ له:
أَلم أُوتكَ مالاً؟! فليقولنَّ: بلى. ثمّ ليقولنّ:
ألمْ أرْسل إليكَ رسُولاً؟! فليقولَنّ: بلى. فينظرُ عن يمينه؛ فلا يرى
إلا النّار، ثم ينظرُ عن شِمالِه؛ فلا يرى إلا النّار.
فلْيَتقيَنَّ أحدُكم النّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فإنْ لم يجدْ؛ فبكلمةٍ طيّبةٍ) .
أخرجه البخاري (١٤١٣) ، وا بن حبان (٧٣٣٠) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٧/٩٤/٢٢٤) كلهم من طريق مُحِل بن خليفة الطائي قال: سمعت عدي بن
حاتم ﵁ يقول:
كنت عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر
يشكو قطع السبيل! فقال رسول الله ﷺ : ... فذكره. *
стр. 6255
٣٤٩٦ - (إن تَطعنوا في إمارتِه - يريدُ أسامةَ بنَ زيدٍ-؛ فقدْ طعنتُم في
إمارةِ أبيه من قبْلِه، وايْمُ اللهِ! إنّ كان لَخليقاً لها، وايم اللهِ! إنْ كان لأحبَّ
الناسِ إليَّ، وايمُ اللهِ! إنّ هذا لَخليقاً لها- يريد أسامةَ بن زيدٍ- وايْمُ اللهِ!
إنْ كان لأحبَّهم إليَّ من بعدِه؛ فأُوصِيكم به؛ فإنه من صَالحيكم) .
أخرجه مسلم (٧/ ١٣١) ، وابن سعد (٤/٦٦) ، وأحمد (٢/٨٩ و ١٠٦) من
طريق سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: ... فذكره.
وتابعه عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر به، دون قوله في آخره:
«فأوصيكم به ... » .
أخرجه البخاري (٣٧٣٠ و٤٢٥٠ و ٤٤٦٩ و ٦٦٢٧ و٧١٨٧) ، ومسلم (٧/١٣١) ، وابن حبان (٧٠٠٤ و ٧٠١٩) ، والترمذي (٣٨١٦) - وصححه-، وابن سعد (٤/٦٥) ، والبيهقي (٣/١٢٨ و ٨/١٥٤ و ١٠/٤٤) ، وأحمد (٢/١٠ و ١١٠) كلهم من طريق عبد الله بن دينار به. *
٣٤٩٧ - (إنْ يَعشْ هذا الغلامُ؛ فعسَى أنْ لا يدركَه الهَرَمُ حتّى
تَقومَ السّاعةُ) .
ثبت من حديث أنس، وعائشة.
أما حديث أنس؛ فله طرق:
الأولى: عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك:
أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : متى تقوم الساعة؟ وعنده غلام من الأنصار
ـ يقال له: محمد ـ، فقال له رسول الله ﷺ : ... فذكره.
стр. 6256
أخرجه مسلم (٨/٢٠٩) ، وأحمد (٣/٢٢٨ و ٢٦٩) .
الثانية: عن قتادة عن أنس:
أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! متى الساعة
قائمة؟ قال:
«ويلك! وما أعددت لها؟!» . قال: ما أعددت لها؛ إلا أني أحب الله
ورسوله. قال:
«إنك مع من أحببت» .
فقلنا: ونحن كذلك؟ قال:
«نعم» . ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً، فمر غلام للمغيرة- وكان من أقراني- فقال:
«إن أُخِّر هذا؛ فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» .
أخرجه البخاري (٦١٦٧) ، ومسلم، وأحمد (٣/١٩٢) .
الثالثة: عن الحسن عن أنس:
أن أعرابيّاً سأل رسول الله عن قيام الساعة؟ فقال له النبي ﷺ :
«ما أعددت، لها؟!» .
قال: لا؛ إلا أني أحب الله ورسوله. قال:
«المرء مع من أحب» ، ثم قال:
«أين السائل عن الساعة؟» . قال: وثَمَّ غلام، فقال:
«إن يعش هذا؛ فلن يبلغ الهرم حتى تقوم الساعة» .
أخرجه أحمد (٣/٢١٣ و ٢٨٣) ، وزاد في الرواية الثانية:
стр. 6257
قال الحسن:
وأخبرني أنس: أن الغلام كان يومئذٍ من أقراني.
قلت: وإسناده حسن، وانظر الحديث المتقدم (٣٢٥٣) .
وأما حديث عائشة؛ فيرويه هشام بن عروة عن أبيه عنها قالت:
كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ ؛ سألوه: متى الساعة؟ فنظر إلى
أحدث إنسان منهم، فقال:
«إن يعش هذا، فلم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم» .
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٦٨/١٩٤٠٥) ، ومن طريقه: مسلم. *
٣٤٩٨ - (انتدبَ اللهُ لمن خرجَ في سبيله ـ لا يخرجُ إلا
جِهاداً في سبيلي، وإيماناً بِي ,وتصدِيقاً برسولِي ـ؛ فهو عليَّ ضامنٌ أنْ
أدْخلَه الجنّةَ، أو أَرجِعَهُ إلى مَسْكنهِ الذي خرجَ منهُ؛ نائلاً ما نالَ من أَجْرٍ
أو غنيمةٍ. والذي نفْس محمّدٍ بيده! ما من كَلْمٍ يُكْلَمُ في سبيل الله؛
إلا جاءَ يومَ القيامةِ كهيئتهِ يومَ كُلِمَ؛ لوْنه لونُ دمٍ، وريحُه ريحُ مسكٍ.
والذي نفسُ محمّدٍ بيدِه! لولا أنْ أشقَّ على المسلِمينَ؛ ما قعدتُ
خلافَ سَرِيَّة تغزُو في سبيلِ اللهِ أبداً؛ ولكنِّي لا أجدُ سَعَة فيتبعُوني،
ولا تطيبُ أنفُسُهم فيتخلفونَ بعْدي.
والذي نفسُ محمّد بيدِه! لوددتُ أنْ أغزوَ في سبيلِ اللهِ فأُقْتَل، ثمَّ أغزُوَ فأُقتل، ثم أغزُوَ فأُقتل) .
أخرجه البخاري (٣٦) ، ومسلم (٦/٣٣) ، وأبو عوانة (٥/٢٤) ، والبيهقي
стр. 6258
(٩/١٥٧) ، وأحمد (٢/ ٢٣١ و ٣٨٤) من طريق عمارة بن القعقاع: ثنا أبو زرعة
- واسمه هَرِمُ بن عمرو بن جرير- أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكروه، يزيد بعضهم على بعض، والسياق للإمام أحمد.
وللحديث طرق كثيرة عن أبي هريرة، مطولَا ومختصراً، يطول الكلام جدّاً
بتخريجها، وبيان الفرق بينها، تقدم بعضها تحت رقم (٢٨٩٦) . *
٣٤٩٩ - (أُنْزل عليَّ آيات لم يُرَ مثلُهنَّ [قطّ] : "قُل أعوذُ بربّ الفلقِ"
إلى آخر السورة، و "قلْ أعوذُ بربّ الناس" إلى آخر السورة) .
قلت: هو من حديث عقبة بن عامر، وله عنه طرق:
الأولى: عن قيس عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
أخرجه مسلم (٢/٢٠٠) ، والد ارمي (٢/ ٤٦٢) ، والترمذي (٢٩٠٢ و ٣٣٦٧)
- وصححه-، والنسائي (١/ ١٥١ و ٢/٣١٣) - والسياق له-، وأحمد (٤/١٤٤ و١٥٠ و١٥١و ١٥٢) .
الثانية: عن أبي عمران عن عقبة بن عامر أنه قال:
اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني
سورة هود، أو سورة يوسف، فقال:
«لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من "قل أعوذ برب الفلق"، [فإن استطعت أن
لا تفوتك؛ فافعل] » .
أخرجه النسائي أيضاً، وابن حبان (٢/ ٨٤/٧٩٢) ، والحاكم (٢/٥٤٠) ، وأحمد (٤/١٤٩ و ١٥٩) - والسياق له-.
стр. 6259
وقال الحاكم - والزيادة له -:
«صحيح الإسناد» . ووافقه الذهبي.
الثالثة: عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال:
بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب؛ إذ قال لي:
«يا عقبة! ألا تركب؟!» . قال: فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه، ثم
قال:
«يا عقيب! ألا تركب؟!» . قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل
الرسول ﷺ وركبت هُنيَّة، ثم ركب، ثم قال:
«يا عقيب! ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟!» . قال:
قلت: بلى يا رسول الله! قال:
فأقرأني "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس"، ثم أقيمت
الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي، قال:
«كيف رأيت يا عقيب؟! اقرأ بهما كلما نِمْتَ، وكلما قُمْتَ)) .
أخرجه أبو داود (١٤٦٢) ، وأحمد (٤/١٤٤) - والسياق له-.
الرابعة: عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن
عقبة نحوه.
رواه أبو داود (١٤٦٣) . وا بن إسحاق مدلس.
الخامسة: عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر أنه قال:
إن الرسول ﷺ أهديت له بغلة شهباء فركبها، فأخذ عقبة يقودها له؛ فقال
رسول الله ﷺ لعقبة:
стр. 6260
«اقرأ» . فقال: وما أقرأ يا رسول الله؟! قال النبي ﷺ :
«اقرأ: "قل أعوذ برب الفلق"» ؛ فأعادها عليه حتى قرأها، فعرف أني لم
أفرح بها جدّاً! فقال:
«لعلك تهاونت بها! فما قمت تصلي بشيء مثلها» .
رواه أحمد (٤/ ١٤٩) . *
٣٥٠٠ - (إنّ آثارَكم تُكْتَبُ) .
أخرجه الترمذي (٣٢٢٦) ، والطبري في «التفسير» (١٠/١٠٠) ، وابن أبي حاتم
في «التفسير» (٠ ١/٣١٩٠) ، والحاكم (٢/٤٢٨) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/٦٧/٢٨٩٠) كلهم من طريق أبي سفيان طَرِيف بن شهاب عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال:
كانت بنو سَلِمَة في ناحية المدينة، فأرادوا النُّقلة إلى قرب المسجد، فنزلت
هذه الآية: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم"، فقال رسول الله
ﷺ : ... فذ كره، قال:
فلم ينتقلوا.
وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد» ! ووافقه الذهبي.
وأما الترمذي؛ فقال:
«حديث حسن غريب» .
стр. 6261
قلت: وقد بين وجه الغرابة: الحافظ ابن كثير فقال في «التفسير» :
«وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، والله أعلم» .
قلت: وإسناده ضعيف؛ لضعف طريف. لكن يقويه أن له شاهداً من حديث
ابن عباس؛ يرويه سماك عن عكرمة عنه قال:
كانت الأنصار بعيدةً منازلُهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت:
"ونكتب ما قدموا وآثارهم".
قال: فثبتوا.
أخرجه ابن ماجه (٧٨٥) ، وابن جرير أيضاً.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ لكن تكلم بعضهم في سماك،
لا سيما في روايته عن عكرمة. ومع ذلك قال المنذري في «الترغيب» (١/٢٧/ ١٠) :
«رواه ابن ماجه بإسناد جيد» ! وقواه الحافظ في «الفتح» !
فالحديث بمجموع الطريقين صحيح، لا سيما وله شواهد أخرى مختصرة،
دون ذكر الآية.
منها: عن أنس ﵁ قال:
أراد بنو سَلِمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ عن أن تعرى
المدينة وقال:
«يا بني سَلِمة! ألا تحتسبون آثاركم؟!» . فأقاموا.
أخرجه البخاري (٦٥٥ و ٦ ٦٥ و ١٨٨٧) ، وابن ماجه (٧٨٤) ، والبيهقي في
«شعب الإيمان» (٣/٦٦/٢٨٨٧) ، وأحمد (٣/١٠٦ و ١٨٢ و ٢٦٣) .
стр. 6262
ومنها: عن جابر من طرق عنه نحو حديث أنس.
أخرجه مسلم (٢/١٣١) ، وأبو عوانة (١/٣٨٧) ، وابن حبان (٢٠٤٠) ، وأحمد
(٣/٣٣٢ و ٣٧١ و٣٩٠) . *
٣٥٠١ - (إنّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ، ودعا لها، وحرَّمْتُ المدينةَ، كما
حرّمَ إبراهيمُ مكةَ، ودعوتُ لها في مُدِّها وصاعِها، مثلَ ما دعا إبراهيمُ
﵇ لمكةَ) .
أخرجه البخاري (٢١٢٩) ، ومسلم (٤/١١٢) ، والبيهقي (٥/١٩٧) ، وأحمد (٤/٤٠) كلهم من طريق عَبَّاد بن تميم الأنصاري عن عبد الله بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... فذكره.
ورواه مسلم أيضاً، والبيهقي (٥/١٩٧ و١٩٨) ، وأحمد (٤/١٤١) من حديث
رافع بن خَدِيج مختصراً بلفظ:
«إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أُحرّم ما بين لابَتَيْهَا» - يريد المدينة-.
وأخرجه مسلم (٤/١١٨) من حديث أبي سعيد الخدري مثله. *
٣٥٠٢ - (إنَّ أتقاكم وأعلمَكم باللهِ أنا) .
أخرجه البخاري (٢٠) ، وأحمد (٦/٥٦ و٦١) من حديث هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال ما يطيقون. قالوا: إنا لسنا
كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!
стр. 6263
فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: ... فذكره.
والسياق للبخاري.
ولفظ أحمد في الموضع الثاني:
«والله! إني لأعلمكم بالله ، وأتقاكم له قلباً» . *
٣٥٠٣ - (إنّ أدنَى أهلِ الجنَّةِ منزلةً: رجلٌ صرفَ اللهُ وجهَه عن
النارِ قِبَل الجنةِ، ومثّل له شجرةً ذاتَ ظلٍّ، فقالَ: أيْ ربِّ! قدِّمني
إلى هذه الشجرةِ؛ فأكونَ في ظلِّها! فقال الله:
هل عسيتَ إن فعلتُ أن تسألني غيرها؟
قال: لا وعزَّتكَ! فقدَّمه اللهُ إليها، ومثّل له شجرةً ذاتَ ظلٍّ وثَمرٍ،
فقال: أيْ ربِّ! قدّمني إلى هذِه الشجرةِ؛ أكونُ في ظلّها، وآكلُ من
ثَمَرها! فقال اللهُ له:
هل عسيْتَ إن أعطيتُك ذلكَ أن تسأَلني غيرَه؟
فيقولُ: لا وعزَّتك! فيقدِّمه اللهُ إليها، فتُمثّل له شجرةٌ أخرى
ذات ظلٍّ وثمرٍ وماءٍ، فيقولُ: أيْ ربّ! قدّمني إلى هذه الشّجرةِ؛ أكونُ
في ظلّها، وآكلُ من ثمرها، وأشربُ من مائها! فيقولُ له:
هل عسيتَ إن فعلتُ أن تسأَلني غيرَه؟
فيقولُ: لا وعزَّتك! لا أسأَلكَ غيرَه. فيقدِّمه اللهُ إليها، فيبرز له
بابُ الجنّةِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! قدّمني إلى بابِ الجنّة؟ فأكونَ تحتَ
стр. 6264
نجافِ الجنّة، وأَنظرَ إلى أهلها! فيقدّمه اللهُ إليها، فيرَى أهلَ الجنّةِ وما
فيها، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدْخِلني الجنّةَ. قال: فيدخلُه اللهُ الجنّةَ، قال:
فإذا دخلَ الجنّةَ قال: هذا لي؟! قال: فيقولُ الله له: تمنَّ!
فيتمنَّى، ويذكِّره اللهُ: سلْ من كذا وكذا؛ حتّى إذا انقطعت به
الأمانيُّ؛ قال اللهُ : هو لكَ، وعشَرةُ أمثالهِ.
قال: ثمّ يدخلُ الجنّةَ، يدخلُ عليه زوجتَاه من الحورِ العين،
فيقولانِ له: الحمْدُ لله الذي أَحياك لنا، وأحيانا لكَ! فيقولُ: ما
أُعطِيَ أحدٌ مثْلَ ما أُعطيتُ!
قال: وأَدنى أهلِ النّار عذَاباً؟ يُنْعَلُ من نارٍ بنعلينِ؛ يغْلي دماغُه
من حرارةِ نعْلَيه) .
أخرجه مسلم (١/ ٠ ٢ ١ و٥ ٣ ١) ، وأبو عوانة (١/١٦٣) ، وأحمد (٣/٢٧) ،
- والسياق لأحمد - كلهم عن النعمان بن أبي العياش عن أبي سعيد الخدري أن
رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
وله طريق أخرى مختصرة عند ابن حبان رقم (٧٣٣٥) .
وله شاهد من حديث ابن مسعود تقدم برقم (٣١٢٩) . *
٣٥٠٤ - (إنّ الأشْعريّين إذا أرملُوا في الغزْو، أو قلَّ طعامُ عِيالهم
بالمدينةِ؛ جمعُوا ما كانَ عندَهم في ثوْبٍ واحدٍ، ثم اقتسمُوه بينهم في
إناءٍ واحدٍ بالسَّوِيَّةِ، فهم منّي وأنا منهم) .
أخرجه البخاري (٢٤٨٦) ، ومسلم (٧/ ١٧١) ، والبيهقي (١٠/ ١٣٢) ، والبغوي
стр. 6265
في "شرح السنة" (١٠/٢١٥) كلهم من طريق أبي بردة عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : ... فذكره. *
٣٥٠٥ - (إنّ الشهر يكون تسعةً وعشرينَ يوماً) .
حديث متواتر جاء عن جماعة من الصحابة:
أخرجه البخاري (١٩١٠ و ٥٢٠٢) ، ومسلم (٣/١٢٦) ، وابن ماجه (٢٠٦١) ، وأحمد (٦/٣١٥) كلهم عن أم سلمة ﵂:
أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهراً، فلما مضى تسعة وعشرون يوماً؛ غدا- أو راح-، فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهراً؟! فقال: ... فذكره.
٢- أخرجه البخاري (٣٧٨ و١٩١١ و٥٢٠١ و ٦٦٨٤) ، والترمذي (٦٩٠) ، وابن حبان (٤٢٦٣) ، والبيهقي (٧/٣٨١) ، وابن أبي شيبة (٣/٨٥) كلهم عن أنس بن مالك بمثله.
٣- أخرجه مسلم (٣/١٢٥ و ٤/١٩٤) ، والبيهقي في "السنن " (٧/٣٨) وفي "الدلائل " (١/٣٣٦) ، وأحمد (٦/١٠٥ و١٦٣ و ٢٤٣) . وفيه عند مسلم قصة الإيلاء مطولاً، وفيه عن عائشة قالت:
لما مضى تسع وعشرون ليلة؛ دخل عليّ رسول الله ﷺ بدأ بي. فقلت:
يا رسول الله! إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدّهن؟! فقال: ... فذكره.
ورواه أحمد (٢/٥٦) من طريق أخرى عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " الشهر تسع وعشرون "؛ فذكروا ذلك لعائشة؟! فقالت:
стр. 6266
يرحم الله أبا عبد الرحمن! وهل هجر رسول الله ﷺ نساءه شهراً، فنزل لتسع وعشرين؟! فقيل له؟! فقال:
"إن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين ".
قلت: وإسناده حسن. لكن توهيل عائشة لابن عمر غير وجيه؛ فإنه قد صح عن ابن عمر مثل ما قالت عائشة.
رواه الشيخان، وغيرهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٠٠٨) .
٤- أخرجه مسلم (٣/١٢٥) ، وابن حبان (٣٤٤٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ يقول:
اعتزل النبي ﷺ نساءه شهراً، فخرج إلينا صباح تسع وعشرين، فقال بعض القوم:
يا رسول الله! إنما أصبحنا لتسع وعشرين؟! فقال النبي ﷺ :
"إن الشهر يكون تسعاً وعشرين "، ثم طبق النبي ﷺ بيديه ثلاثاً مرتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها. *
٣٥٠٦ - (إن الشيطانَ إذا سمعَ النِّداء بالصّلاة؛ ذهبَ حتّى يكون مكانَ الرّوحاء) .
أخرجه مسلم (٢/٥) ، وأبو عوانة (١/٣٣٣) ، وابن خزيمة في "صحيحه " (١/ ٢٠٥/٣٩٣) ، وابن حبان (١٦٦٢) ، والبيهقي (١/ ٤٣٢) ، والبغوي في "شرح السنة" (٢/٢٧٦) ، وابن أبي شيبة (١/٢٢٨- ٢٢٩) ، وأحمد (٣/٣١٦) كلهم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ... فذكره.
стр. 6267
قال سليمان- هو الأعمش-: فسألته عن الروحاء؟ فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاًً.
ثم رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة نحوه أتم منه؛ دون ذكر الروحاء، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" برقم (٥٢٩) .
والحديث له طريق أخرى رواه ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير عن جابر مرفوعاً نحوه.
أخرجه أحمد (٣/٣٣٦) . *
٣٥٠٧ - (أليسَ الذي أمشاهُ على الرِّجلين في الدُّنيا قادراً على أن يُمشِيَهُ على وجْههِ يومَ القيامة؟!) .
أخرجه البخاري (٤٧٦٠ و٦٥٢٣) ، ومسلم (٨/١٣٥) ، وابن حبان (٧٢٧٩) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/٤٢٠/١١٣٦٧) ، والطبري في "التفسير" (١٩/٩) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/٣٤٣) ، والبغوي في"شرح السنة" (١٥/١٢٦) ، وأحمد (٣/٢٢٩) كلهم من طريق قتادة: حدثنا أنس بن مالك ﵁:
أن رجلاً قال: يا نبي الله! يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟! قال: ... فذكره.
قال قتادة: بلى وعزة ربنا!
ولفظ النسائي من بينهم جميعاً:
"إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ".
وبنحو هذا اللفظ أورده السيوطي في "الزيادة" من رواية الشيخين وأحمد والنسائي!
стр. 6268
وإنما قلت: بنحو ... ؛ لأنه ساقه بلفظ:
"أقدامهم " وزاد: "في الدنيا" و: "يوم القيامة "؛ لفّقهما من رواية الجماعة!
وله طريق أخرى عن أنس لا يفرح بها: يرويها إسماعيل بن أبي خالد عن أبي داود السبيعي عنه.
أخرجه الحاكم (٢/٤٠٢) ، وصححه هو والذهبي؛ توهماً منهما أن (أبا داود السبيعي) هو غير (أبي داود الأعمى) ! وهو هو، واسمه (نُفيع) ؛ ذكروه في الرواة عن أنس، وفي شيوخ إسماعيل بن أبي خالد. *
٣٥٠٨ - (١- تعبدُ (وفي رواية: اعبد) الله ولا تشركُ به شيئاً.
٢- وتقيمُ الصلاة المكتوبة.
٣- وتؤدّي الزكاة المفروضة.
٤- وتصومُ رمضان.
٥- وتحجّ وتعتمرُ.
٦- وانظر ما تحبّ من النّاس أن يأتوه إليك؛ فافعله بهم، وما كرهت أن يأتوه إليك؛ فذرهم منه) .
أخرجه الدّولابي في "الكنى" (١/٥٦) من طريق ابن عون قال: ثنا محمد أبن جُحادة عن رجل عن زميل له من بني العنبر عن أبيه- وكان يكنى: أبا المنتفق- قال:
أتيت مكة، فسألت عن رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: هو بعرفة، فأتيته؛ فذهبت أدنو منه فمنعوني، فقال:
стр. 6269
"اتركوه ". فدنوت منه، حتى إذا اختلفت عنق راحلته وعنق راحلتي، فقلت: يا رسول الله! نبئني بما يباعدني من عذاب الله، ويدخلني الجنة؟ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير (الزميل) ؛ فهو مجهول.
وأما قوله: (عن رجل) فأظنه مقحماً؛ فإن أصل النسخة غير جيدة! يؤيده: أن الحافظ ابن حجر ساقه في ترجمة (أبي المنتفق) من "الإصابة" من رواية الطبراني من طريق عبد الله بن عون به دون قوله: (عن رجل) .
ويشبه هذا التحريف ما وقع في "مجمع الزوائد" (١/٤٣- ٤٤) :
"وعن حجير عن أبيه- وكان يكنى (أبا المنتفق) - قال:
أتيت مكة ... " فساق الحديث. وقال:
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده حجير- وهو ابن الصحابي-، ولم أر من ذكره "!
كذا قال! ثم ذكر حديثاً يشبهه، فقال:
"وعن سويد بن حجير، قال: حدثني خالي قال:
لقيت النبي ﷺ ! بين عرفة والمزدلفة، فأخذت بخطام ناقته، فقلت:
يا رسول الله! ما يقربني من الجنة؟ وما يباعدني من النار؟ فقال:
"أما لئن كنت أوجزت المسألة؛ قد أعظمت وأطلت:
أقم الصلاة المكتوبة.
وأدّ الزكاة المفروضة.
وحُجّ البيت.
وما أحببت أن يفعله الناس بك؛ فافعله بهم، وما كرهت أن يفعله الناس بك؛ فدع الناس منه. خلّ زمام الناقة ". وقال:
"رواه الطبراني في "الكبير"؛ وفي إسناده قزعة بن سويد؛ وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره ".
وللحديث طريق أخرى عن أبي المنتفق- ويقال: ابن المنتفق-؛ لا بأس بها، من رواية المغيرة بن عبد الله اليشكري عن أبيه قال:
انطلقت إلى الكوفة لأجلب بغالاً، فقال: فأتيت السوق ولم تقم. قال؛ قلت لصاحب لي:
لو دخلنا المسجد- وموضعه يومئذ في أصحاب التمر-؛ فإذا فيه رجل من قيس- يقال له: ابن المنتفق-، وهو يقول: وصف لي رسول الله ﷺ ، وحُلِّيَ لي. فطلبته بمنى، فقيل لي: هو بعرفات. فانتهيت إليه فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عن طريق رسول الله ﷺ ! فقال:
"دعوا الرجل، أربٌ ما له ". قال:
فزاحمت عليه، حتى خلصت إليه. قال: فأخذت بخطام راحلة رسول الله ﷺ ـ أو قال: زمامها؛ هكذا حدث محمد- حتى اختلفت أعناق راحلتينا. قال: فما يزعني رسول الله ﷺ - أو قال: ما غير عليّ؛ هكذا حدث محمد-، قال: قلت: اثنتان أسألك عنهما:
стр. 6270
ما يُنَجِّيني من النار؟ وما يدخلني الجنة؟
قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء، ثم نكس رأسه، ثم أقبل علي بوجهه، قال:
"لئن كنت أوجزت في المسألة؛ لقد أعظمت وأطولت، فاعقل عني إذاً:
اعبد الله لا تشرك به شيئاً.
وأقم الصلاة المكتوبة.