Полный текст (6 550 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فخالف فيه محمد بن سابق ".
قلت: ثم ساق سنده إلى العطار عن إسرائيل عن محمد بن عبد الرحمن عن الحكم عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله به مرفوعا.
قلت: إسحاق بن زياد العطار هذا لم أجد من ذكره سوى الخطيب في هذا الموضع،
ومخالفته لمحمد بن سابق في إسناده، مما يستبعد أن ترجح عليه.
نعم من الممكن أن يقال: إذا كانت روايته محفوظة، فيكون لإسرائيل في هذا
الحديث إسنادان عن إبراهيم، حفظ أحدهما محمد بن سابق والآخر إسحاق ابن زياد.
وقد وجدت لروايته عن محمد بن عبد الرحمن متابعا، رواه إسماعيل بن أبان حدثنا
صباح بن يحيى عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم به.
أخرجه الحاكم (١ / ١٣) شاهدا، وقال:
" محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإن كان ينسب إلى سوء الحفظ، فإنه أحد
فقهاء الإسلام وقضاتهم ".
وللحديث طريق أخرى عن ابن مسعود يدل على أنه حديث محفوظ، وليس بمنكر،
يرويه أبو بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن محمد بن عبد الرحمن ابن
يزيد عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به.
أخرجه البخاري في " الأدب " (٣١٢) وابن حبان في " صحيحه " (٤٨) والحاكم
(١ / ١٢) وأحمد (٢ / ٤١٦) .
وقال الحاكم: " على شرطهما ".
قلت: بل هو صحيح فقط، ليس على شرطهما، فإن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد، لم
يخرجا له، وأبو بكر بن عياش، لم يخرج له مسلم.
стр. 632
٣٢١ - " إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس، فإن استوى
قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو ".
أخرجه أبو داود (١٠٣٦) وابن ماجه (١٢٠٨) والدارقطني (١٤٥) والبيهقي
(٢ / ٣٤٣) وأحمد (٤ / ٢٥٣، ٢٥٣ - ٢٥٤) من طريق جابر الجعفي، قال: حدثنا
المغيرة بن شبيل الأحمسي عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير جابر الجعفي، وهو ضعيف رافضي وقال
أبو داود عقب الحديث: " وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث ".
قلت: وقال الحافظ في " التلخيص " (٢ / ٤) : " وهو ضعيف جدا ".
قلت: قال ابن الملقن في " خلاصة البدر المنير " (ق ٦٨ / ٢) عقبه:
" قال في " المعرفة ": لا يحتج به، غير أنه روي من وجهين آخرين، واشتهر بين
الفقهاء ".
قلت: الوجهان المشار إليهما، أخرجهما الطحاوي، وأحدهما عند أبي داود وغيره
عن المغيرة.
" أنه صلى فنهض في الركعتين، فسبحوا به، فمضى فلما أتم صلاته سجد سجدتي السهو
فلما انصرف، قال: إن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ".
قال الحافظ: " ورواه الحاكم - يعني من أحد الوجهين - ومن حديث ابن عباس،
ومن
стр. 633
حديث عقبة بن عامر مثله ".
قلت: وأنت ترى أنه من فعله ﷺ ، وحديثنا قولي، وأنه ليس
فيه التفصيل الذي في هذا من الاستواء قائما أو قبله.
وقد وجدت لجابر الجعفي متابعين لم أر من نبه عليهما ممن خرج الحديث من
المتأخرين، بل أعلوه جميعا به، وسبقهم إلى ذلك الحافظ عبد الحق الإشبيلي في
" أحكامه " كما نبهت عليه في تحقيقي له، (التعليق رقم ٩٠١) ، ولذلك رأيت
لزاما علي ذكرهما حتى لا يظن ظان أن الحديث ضعيف لرواية جابر له.
الأول: قيس بن الربيع عن المغيرة بن شبيل عن قيس قال:
" صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين، فسبح الناس خلفه، فأشار إليهم
أن قوموا، فلما قضى صلاته، سلم وسجد سجدتي السهو، ثم قال:
قال رسول الله ﷺ : إذا استتم أحدكم قائما، فليصل، وليسجد
سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائما، فليجلس، ولا سهو عليه ".
والآخر: إبراهيم بن طهمان عن المغيرة بن شبيل به نحوه بلفظ:
" فقلنا: سبحان الله، فأومى، وقال: سبحان الله، فمضى في صلاته، فلما قضى
صلاته سجد سجدتين، وهو جالس ثم قال: إذا صلى أحدكم، فقام من الجلوس، فإن
لم يستتم قائما فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائما فليمض في صلاته،
وليسجد سجدتين وهو جالس ".
أخرجه عنهما الطحاوي (١ / ٣٥٥) .
وقيس بن الربيع، وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه، فإن متابعة إبراهيم بن طهمان
له، وهو ثقة، مما يقوي حديثه، وهو وإن كان لم يقع في روايته التصريح برفع
الحديث، فهو مرفوع قطعا، لأن التفصيل الذي فيه لا يقال من قبل الرأي لاسيما
والحديث في جميع الطرق عن المغيرة مرفوع، فثبت الحديث والحمد لله.
стр. 634
وهو يدل على أن الذي يمنع القائم من الجلوس للتشهد إنما هو إذا استتم قائما،
فأما إذا لم يستتم قائما فعليه الجلوس ففيه إبطال القول الوارد في بعض المذاهب
أنه إذا كان أقرب إلى القيام لم يرجع. وإذا كان أقرب إلى القعود قعد فإن هذا
التفصيل مع كونه مما لا أصل له في السنة فهو مخالف للحديث، فتشبث به وعض عليه
بالنواجذ، ودع عنك آراء الرجال، فإنه إذا ورد الأثر بطل النظر، وإذا ورد
نهر الله بطل نهر معقل.
٣٢٢ - " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشترى الرجل
البعير، فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطمين ".
أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٨) والبخاري في " التاريخ الكبير " (٣ / ٢ / ١٧٢)
والبغوي في " حديث علي بن الجعد " (١٧٢ / ٢) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان "
(٢ / ١٢٤) من طرق عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمر بن عبد الرحمن
بن عطية بن دلاف المزني عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي ﷺ
به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير عمر هذا، فقد ترجمه
ابن أبي حاتم، فقال (٣ / ١ / ١٢١) :
" روي عن أبي أمامة، وأبيه، روى عنه مالك وعبيد الله العمري وقريش
ابن حيان وعبد العزيز بن أبي سلمة ".
ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ولكن رواية مالك عنه تعديل له، فقد قال
ابن معين: " كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم ".
وكذلك قال ابن حبان.
стр. 635
وكأن هذا هو مستند الهيثمي في توثيقه إياه بقوله في
" المجمع " (٨ / ٦) :
" رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية وهو ثقة ".
٣٢٣ - " دعها عنك ـ يعني الوسادة ـ إن استطعت أن تسجد على الأرض وإلا فأوم إيماء
واجعل سجودك أخفض من ركوعك ".
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١٨٩ / ٢) : حدثنا عبد الله بن أحمد
بن حنبل: حدثني شباب العصفري أنبأنا سهل أبو عتاب أنبأنا حفص بن سليمان عن قيس
بن مسلم عن طارق بن شهاب عن ابن عمر قال:
" عاد رسول الله ﷺ رجلا من أصحابه مريضا، وأنا معه، فدخل
عليه، وهو يصلي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه فطرح العود،
وأخذ وسادة فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وإليك البيان:
أولا: طارق بن شهاب، وهو أبو عبد الله الكوفي، صحابي صغير، رأى النبي
ﷺ ، ولم يسمع منه، وهو يروي كثيرا عن عبد الله بن مسعود،
﵄. احتج به الشيخان وأصحاب السنن الأربعة.
ثانيا: قيس بن مسلم، وهو أبو عمرو الكوفي الجدلي ثقة احتج به الستة أيضا.
ثالثا: حفص بن سليمان. هو إما حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزار الكوفي
القاري، وإما حفص بن سليمان المنقري التميمي البصري، فإن كان الأول فهو
متروك الحديث، وإن كان الآخر، فهو ثقة. ولكل من الاحتمالين وجه،
стр. 636
أما
الأول فلأنه كوفي، وقيس بن مسلم كوفي أيضا، لكن الراوي عنه سهل أبو عتاب
بصري كما يأتي. وأما الآخر، فعلى العكس من ذلك، فإنه بصري والراوي عنه
كذلك، ولكن شيخه كوفي كما رأيت. ولذلك لم أستطع القطع بأنه هو، وأما
الهيثمي فقد قطع بذلك، ولا أدري ما الذي برره له، ولكنه قد وقع في وهم
عجيب فقال (٢ / ١٤٨) :
" ورواه الطبراني في " الكبير "، وفيه حفص بن سليمان المنقري، وهو متروك،
واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعفه. والله أعلم ".
قلت: فاختلط على الهيثمي حفص بن سليمان القاري الكوفي بحفص بن سليمان المنقري
البصري، فالأول هو المتروك بخلاف الآخر، كما عرفت، وهو الذي اختلفت الرواية
عن أحمد فيه. لا المنقري، فراجع ترجمته في " التهذيب " إن شئت.
رابعا: سهل أبو عتاب، وهو سهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري، وهو ثقة من
رجال مسلم والأربعة.
خامسا: شباب العصفري، وهذا لقبه واسمه خليفة بن خياط العصفري وهو ثقة من
شيوخ البخاري وممن احتج بهم في " صحيحه ".
سادسا: عبد الله بن أحمد بن حنبل، فهو ثقة مشهور احتج به النسائي.
قلت: ومن هذا التخريج يتبين أن رجال الإسناد كلهم ثقات لا شك فيهم سوى حفص
بن سليمان، فإن كان هو المنقري كما جزم به الهيثمي فالسند صحيح كما قلنا أولا
وإلا فلا.
стр. 637
وقد كنت جزمت بالأول قديما، تبعا للحافظ الهيثمي، وذلك في
كتابي " تخريج صفة صلاة النبي ﷺ "، ثم بدا لي التوقف عنه،
لهذا التحقيق الذي ذكرته.
نعم للحديث طريق أخرى عن ابن عمر يتقوى به، يرويه سريج بن يونس حدثنا قران
بن تمام عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " من استطاع منكم أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع، فلا يرفع إلى جبهته
شيئا يسجد عليه، ولكن بركوعه وسجوده يوميء برأسه ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٤٣ / ١ - من زوائده) : حدثنا محمد ابن
عبد الله بن بكير حدثنا سريج بن يونس به. وقال:
" لم يروه عن عبيد الله إلا قران تفرد به سريج ".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذا من فوقه سوى قران بضم أوله وتشديد
الراء، فهو صدوق ربما أخطأ، كما في " التقريب "، فالسند جيد، لولا أنني لم
أجد ترجمة لمحمد بن عبد الله بن بكير شيخ الطبراني، لكن الظاهر أنه لم يتفرد
به، كما يشعر به قوله " تفرد به سريج ".
ولعله لذلك قال الحافظ الهيثمي (٢ / ١٤٩) :
" رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله موثقون، ليس فيهم كلام يضر.
والله أعلم ".
стр. 638
وله شاهد من حديث جابر نحو حديث ابن عمر الأول. يرويه سفيان الثوري عن أبي
الزبير عن جابر به.
أخرجه البزار (ص ٦٦ - زوائده) والبيهقي.
ورجال إسناده ثقات، وليس له علة تقدح في صحته، سوى عنعنة أبي الزبير، فإنه
كان مدلسا، وبها أعله الحافظ عبد الحق الإشبيلي في " أحكامه " (رقم ١٣٨٣ -
بتحقيقي) ، ومع ذلك صرح الحافظ ابن حجر في " بلوغه " أنه قوي. فالله أعلم.
والذي لا شك فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح. والله تعالى هو الموفق.
وقد روى أبو عوانة في " مسنده " (٢ / ٣٣٨) عن عمر بن محمد قال:
دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شكوى قال: فحدثنا قال:
" دخل علي عمي عبد الله بن عمر قال: فوجدني قد كسرت لي نمرقة يعني الوسادة
قال: وبسطت عليها خمرة، قال: فأنا أسجد عليها، قال: فقال لي: يا ابن أخي
لا تصنع هذا، تناول الأرض بوجهك، فإن لم تقدر على ذلك، فأومئ برأسك إيماء ".
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
٣٢٤ - " من خبب خادما على أهلها، فليس منا، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا ".
أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٣٩٧) : حدثنا أبو الجواب حدثنا عمار بن رزيق عن
عبد الله بن عيسى عن عكرمة عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله
стр. 639
صلى الله عليه وسلم: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو الجواب اسمه الأحوص
بن جواب. وقد توبع، فأخرجه أبو داود (٥١٧٠) وابن حبان (١٣١٩) من طريقين
آخرين عن عمار بن رزيق به.
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا نحوه. أخرجه الضياء في " المختارة "
(٦٤ / ٢٥ / ٢) وآخر من رواية بريدة بن الحصيب بلفظ:
" ليس منا من حلف بالأمانة ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه، فليس منا ".
٣٢٥ - " ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا ".
أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٢) : حدثنا وكيع حدثنا الوليد بن ثعلبة عن عبد الله
بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وأخرجه ابن حبان (١٣١٨) من طريق وكيع به نحوه.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الوليد هذا وقد وثقه
ابن معين وابن حبان، وقد صحح إسناده المنذري في " الترغيب " (٣ / ٩٣) .
(خبب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى معناه خدع وأفسد.
стр. 640
٣٢٦ - " إن صاحبكم تغسله الملائكة. يعني حنظلة ".
رواه الحاكم (٣ / ٢٠٤) والبيهقي في " السنن " (٤ / ١٥) عن ابن إسحاق حدثني
يحيى بن عباد بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن
التقى هو وأبو سفيان بن الحارث حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله، فقال
رسول الله ﷺ : فذكره.
فسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع لهائعة وهو جنب، فقال رسول الله
ﷺ : لذلك غسلته الملائكة.
وقال: " صحيح على شرط مسلم " وسكت عنه الذهبي وإنما هو حسن فقط لأن
ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم في المتابعات.
وله شاهد أخرجه ابن عساكر (٢ / ٢٩٦ / ١) عن عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد
بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال:
" افتخر الحيان من الأوس والخزرج فقال الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة
ابن الراهب، ومنا من اهتز له عرش الرحمن، ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت
بن الأفلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، قال:
فقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحد غيرهم: زيد بن ثابت
وأبو زيد وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ".
وقال ابن عساكر: " هذا حديث حسن صحيح ".
стр. 641
٣٢٧ - " لو كان بعدي نبي لكان عمر ".
رواه الترمذي (٢ / ٢٩٣) وحسنه، والحاكم (٣ / ٨٥) وصححه، وأحمد (٤ /
١٥٤) والروياني في " مسنده " (٥٠ / ١) والطبراني كما في " المنتقى من
حديثه " (٤ / ٧ / ٢) ، وأبو بكر النجاد في " الفوائد المنتقاة " (١٧ / ١ -
٢) وابن سمعون في " الأمالي " (١٧٢ / ٢) وأبو بكر القطيعي في " الفوائد
المنتقاة " (٤ / ٧ / ٢) والخطيب في " الموضح " (٢ / ٢٢٦) وابن عساكر
(٣ / ٢١٠ / ٢) عن أبي عبد الرحمن المقري أنبأنا حيوة عن بكر بن عمرو عن مشرح
بن هاعان عن عقبة بن عامر مرفوعا.
ثم رواه النجاد من طريق ابن لهيعة عن مشرح به.
قلت: وهذا سند حسن رجاله كلهم ثقات، وفي مشرح كلام لا ينزل حديثه عن رتبة
الحسن، وقد وثقه ابن معين.
وله شاهدان أحدهما من حديث عصمة. رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار
وهو ضعيف. والآخر عن أبي سعيد الخدري. رواه الطبراني في " الأوسط ".
قال الهيثمي (٩ / ٦٨) :
" وفيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف ".
٣٢٨ - " ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه؟ ! فوالله لأنا
أعلمهم بالله وأشدهم له خشية ".
رواه مسلم (٧ / ٩٠) وأحمد (٦ / ٤٥، ١٨١) من حديث عائشة ﵂
قالت: " صنع رسول الله ﷺ أمرا فترخص فيه، فبلغ ذلك ناسا من
أصحابه، فكأنهم
стр. 642
كرهوه وتنزهوا عنه! فبلغه ذلك فقام خطيبا فقال: " فذكره.
قلت: والأمر الذي ترخص فيه رسول الله ﷺ هو التقبيل في
الصيام خلافا لما قد يتبادر لبعض الأذهان، والدليل الحديث الآتي:
" أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله ".
٣٢٩ - " أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله ".
رواه الإمام أحمد (٥ / ٤٣٤) : حدثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج: أخبرني
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار، أن الأنصاري أخبر عطاء:
" أنه قبل امرأته على عهد رسول الله ﷺ وهو صائم فأمر امرأته
فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال النبي ﷺ : إن
رسول الله يفعل ذلك، فأخبرته امرأته، فقال: إن النبي ﷺ
يرخص له في أشياء، فارجعي إليه فقولي له، فرجعت إلى النبي ﷺ
فقالت: قال: إن النبي ﷺ يرخص له في أشياء، فقال: فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح متصل.
٣٣٠ - " كنا إذا انتهينا إلى النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي ".
أخرجه زهير بن حرب في " العلم " (رقم ١٠٠ بتحقيقي) والبخاري في " الأدب
المفرد " (١١٤١) وأبو داود (٤٨٢٥) والترمذي (٢ / ١٢١) وأحمد (٥ / ٩١
، ٩٨، ١٠٧ - ١٠٨) من طريق شريك عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال:
فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح غريب، وقد رواه زهير عن سماك أيضا ".
стр. 643
قلت: شريك فيه ضعف من قبل حفظه، لكن متابعة زهير إياه تقويه، وهو زهير
بن معاوية بن خديج وهو ثقة من رجال الشيخين.
وفي الحديث تنبيه على أدب من آداب المجالس في عهد النبي ﷺ ،
طالما أهمله الناس اليوم، حتى أهل العلم، وهو أن الرجل إذا دخل المجلس،
يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولو عند عتبة الباب، فإذا وجد مثله فعليه أن يجلس
فيه، ولا يترقب أن يقوم له بعض أهل المجلس من مجلسه، كما يفعل بعض المتكبرين
من الرؤساء، والمتعجرفين من المتمشيخين، فإن هذا منهي عنه صراحة في قوله
ﷺ :
" لا يقيم الرجل الرجل من مقعده، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ".
أخرجه مسلم وزاد في رواية:
" وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه ".
٣٣١ - " إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك ".
أخرجه أبو داود (٣٨٨٣) وابن ماجه (٣٥٣٠) وابن حبان (١٤١٢) وأحمد
(١ / ٣٨١) من طريق يحيى الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة
عبد الله عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
فذكره.
قلت: ورجاله ثقات كلهم غير ابن أخي زينب قال الحافظ في " التقريب ":
" كأنه صحابي، ولم أره مسمى ".
قلت: وسقط ذكره من كتاب ابن حبان،
стр. 644
فلا أدري أكذلك الرواية عنده أم سقط من
الناسخ.
وعلى كل حال، فإن للحديث طريقا أخرى يتقوى بها، أخرجه الحاكم (٤ / ٢١٧)
من طريق قيس بن السكن الأسدي قال:
" دخل عبد الله بن مسعود ﵁ على امرأة، فرأى عليها خرزا من الحمرة،
فقطعه قطعا عنيفا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال:
كان مما حفظنا عن النبي ﷺ : فذكره. وقال:
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا.
الغريب:
(الرقى) هي هنا كان ما فيه الاستعاذة بالجن، أو لا يفهم معناها، مثل كتابة
стр. 645
بعض المشايخ من العجم على كتبهم لفظة (يا كبيج) لحفظ الكتب من الأرضة زعموا.
و (التمائم) جمع تميمة، وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع
العين، ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة.
قلت: ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان!
وتعليق بعض السائقين نعلا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على
مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل، كل ذلك من أجل العين زعموا.
وهل يدخل في (التمائم) الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على
أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ ،
للسلف في ذلك قولان، أرجحهما عندي المنع كما بينته فيما علقته على " الكلم
الطيب " لشيخ الإسلام ابن تيمية (رقم التعليق ٣٤) طبع المكتب الإسلامي.
و (التولة) بكسر التاء وفتح الواو، ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر
وغيره قال ابن الأثير:
" جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى ".
٣٣٢ - " لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر في مروطنا،
وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض ".
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٢١٤ / ١) : حدثنا إبراهيم حدثنا حماد عن عبيد
الله بن عمر عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية أن عائشة قالت: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير إبراهيم هذا وهو ابن
الحجاج، ثم هما اثنان: إبراهيم بن الحجاج بن زيد السامي أبو إسحاق البصري
وإبراهيم بن الحجاج النيلي أبو إسحاق البصري أيضا، وكلاهما يروي عنه
стр. 646
أبو يعلى، والأول، يروي عن حماد بن سلمة، والآخر عن حماد بن زيد، وكل من
الحمادين يروي عن عبيد الله بن عمر، ولذلك لم يتعين عندي أيهما المراد هنا،
ولا ضير في ذلك، فإنهما ثقتان، غير أن الأول احتج به مسلم، والآخر احتج به
الشيخان.
والحديث في " الصحيحين " دون ذكر الوجه، ولذلك أوردته، وهي زيادة مفسرة،
لا تعارض رواية الصحيحين، فهي مقبولة.
وهو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة. والأدلة على ذلك متكاثرة.
ومعنى كونه ليس بعورة، أنه يجوز كشفه، وإلا فالأفضل، والأورع ستره،
لاسيما إذا كان جميلا. وأما إذا كان مزينا. فيجب ستره قولا واحدا، ومن شاء
تفصيل هذا الإجمال، فعليه بكتابنا " حجاب المرأة المسلمة " فإنه جمع فأوعى.
٣٣٣ - " إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئا
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم
فمن ترك من ذلك شيئا، فقد ترك سهما من الإسلام ومن تركهن " كلهن "، فقد ولى
الإسلام ظهره ".
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الإيمان " (رقم الحديث ٣ بتحقيقي)
قال: حدثنيه يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن
أبي هريرة عن النبي ﷺ :
ومن طريق أبي عبيد أخرجه ابن بشران في " الأمالي " (ق ٩٨ / ٢) وعبد الغني
المقدسي في " الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 647
المنكر " (ق ٨٢ / ١) وقال: " رواه
الطبراني في السنة ".
قلت: ويحيى بن سعيد هذا شامي ضعيف. وقد خالفه جماعة في إسناده فلم يذكروا
الرجل فيه. وهو الصواب.
فمنهم الوليد بن مسلم قال: حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة
به.
أخرجه الحاكم (١ / ٢١) من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني حدثنا الوليد ابن
مسلم به. وقال:
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد روى عن محمد بن خلف العسقلاني، واحتج
بثور بن يزيد الشامي، فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة، فغير مستبدع.
فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيت سبعة عشر رجلا من
أصحاب رسول الله ﷺ ".
قلت: لقد انتقل ذهن الحاكم ﵀ من محمد بن أبي السري العسقلاني إلى محمد
بن خلف العسقلاني، ومع أن ابن خلف ليس له دخل في هذا الحديث، فلم يرو عنه
البخاري. وأما صاحب الحديث فهو ابن أبي السري كما هو مصرح به في سنده فهو
ضعيف وهو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن أبو عبد الله بن أبي السري، قال
الحافظ في " التقريب ":
" صدوق عارف له أوهام كثيرة ".
ومنهم محمد بن عيسى بن سميع عن ثور بن يزيد به.
стр. 648
أخرجه ابن شاهين في " الترغيب والترهيب " (ق ٣١٧ / ١) .
قلت: ومحمد هذا هو ابن عيسى بن القاسم بن سميع بالتصغير.
قال الحافظ: " صدوق يخطىء ويدلس ".
ومنهم روح بن عبادة حدثنا ثور بن يزيد به.
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٥ / ٢١٧ - ٢١٨) وفي " أحاديث أبي القاسم
الأصم " (١٢ / ٢) عن محمد بن يونس الكديمي حدثنا روح بن عبادة به.
قلت: والكديمي متهم، وفي " التقريب ": " ضعيف ".
قلت: لكنه لم يتفرد به، فقال أبو نعيم عقبه:
" غريب من حديث خالد، تفرد به ثور، حدث به أحمد بن حنبل، والكبار عن روح ".
قلت: وبمتابعة أحمد وغيره صح الحديث. والحمد لله.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعا بنحوه.
أخرجه ابن دوست في " الأمالي " (ق ١١٨ / ٢) من طريقين عن عبد الله ابن صالح
قال: حدثني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عنه.
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، لكن
عبد الله بن صالح وإن أخرج له البخاري فهو كما قال الحافظ:
" صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة ".
(الصوى) جمع " صوة "، وهي أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة
المجهولة، يستدل بها على الطريق وعلى طرفيها. أراد أن للإسلام طرائق،
وأعلاما
стр. 649
يهتدى بها.
كذا في " لسان العرب " عن أبي عمرو بن العلاء.
٣٣٤ - " من قال: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة ".
أخرجه أبو داود (١٥٢٩) من طريق أبي الحسين زيد بن الحباب حدثنا عبد الرحمن
بن شريح الإسكندراني: حدثني أبو هاني الخولاني أنه سمع أبا علي الجنبي أنه سمع
أبا سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي علي الجنبي واسمه عمرو
بن مالك الهمداني وهو ثقة.
واسم أبي هاني الخولاني حميد بن هاني.
وللحديث طريق أخرى عن أبي سعيد، يرويه ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن أبي
عبد الرحمن الحبلي عنه قال:
" أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: يا أبا سعيد! ثلاثة من قالهن
دخل الجنة، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: من رضي بالله ربا، وبالإسلام
دينا، وبمحمد رسولا. ثم قال: يا أبا سعيد والرابعة لها من الفضل كما بين
السماء إلى الأرض، وهي الجهاد في سبيل الله ".
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٤) .
قلت: وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.
стр. 650
٣٣٥ - " كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد
عنها طردا ".
أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢) وابن خزيمة (١ /) وابن حبان (٤٠٠) والحاكم
(١ / ٢١٨) والبيهقي (٣ / ١٠٤) والطيالسي (١٠٧٣) من طريق هارون أبي مسلم
حدثنا قتادة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: فذكره.
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
قلت: هارون هذا مستور كما قال الحافظ، لكن
стр. 651
له شاهد من حديث أنس ابن مالك
يتقوى به، يرويه عبد الحميد بن محمود قال:
" صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا،
فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ".
أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم بسند صحيح كما
بينته في " صحيح أبي داود " (٦٧٧) .
قلت: وهذا الحديث نص صريح في ترك الصف بين السواري، وأن الواجب أن يتقدم
أو يتأخر.
وقد روى ابن القاسم في " المدونة " (١ / ١٠٦) والبيهقي (٣ / ١٠٤) من طريق
أبي إسحاق عن معدي كرب عن ابن مسعود أنه قال:
" لا تصفوا بين السواري ".
وقال البيهقي:
" وهذا - والله أعلم - لأن الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف ".
وقال مالك:
" لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد ".
وفي " المغني " لابن قدامة (٢ / ٢٢٠) :
" لا يكره للإمام أن يقف بين السواري، ويكره للمأمومين، لأنها تقطع صفوفهم،
وكرهه ابن مسعود والنخعي، وروي عن حذيفة وابن عباس، ورخص فيه ابن سيرين
ومالك وأصحاب الرأي وبن المنذر، لأنه لا دليل على المنع.
ولنا ما روي عن معاوية بن قرة ... ، ولأنها تقطع الصف فإن كان الصف صغيرا،
قدر ما بين الساريتين لم يكره لا ينقطع بها ".
стр. 652
وفي " فتح الباري " (١ / ٤٧٧) :
" قال المحب الطبري: كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك، ومحل
الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع النعال.
انتهى. وقال القرطبي: روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين ".
قلت: وفي حكم السارية، المنبر الطويل ذي الدرجات الكثيرة، فإنه يقطع الصف
الأول، وتارة الثاني أيضا، قال الغزالي في " الإحياء " (٢ / ١٣٩) :
" إن المنبر يقطع بعض الصفوف، وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء
المنبر، وما على طرفيه مقطوع، وكان الثوري يقول: الصف الأول، هو الخارج
بين يدي المنبر، وهو متجه لأنه متصل، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع
منه ".
قلت: وإنما يقطع المنبر الصف إذا كان مخالفا لمنبر النبي ﷺ
فإنه كان له ثلاث درجات، فلا ينقطع الصف بمثله، لأن الإمام يقف بجانب الدرجة
الدنيا منها. فكان من شؤم مخالفة السنة في المنبر الوقوع في النهي الذي في هذا
الحديث.
ومثل ذلك في قطع الصف المدافئ التي توضع في بعض المساجد وضعا يترتب منه قطع
الصف، دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلين فيه لبعد
الناس أولا عن التفقه في الدين، وثانيا لعدم مبالاتهم بالابتعاد عما نهى عنه
الشارع وكرهه.
وينبغي أن يعلم أن كل من يسعى إلى وضع منبر طويل قاطع للصفوف أو يضع المدفئة
التي تقطع الصف، فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قوله ﷺ :
" ... ومن قطع صفا قطعه الله ".
أخرجه أبو داود بسند صحيح كما بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ٦٧٢) .
стр. 653
٣٣٦ - " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعرا ".
ورد هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو هريرة
وعبد الله ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبو سعيد الخدري وعمر وغيرهم.
١ - أما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٤ / ١٤٦) وفي " الأدب المفرد "
(٨٦٠) ومسلم (٧ / ٥٠) وأبو داود (٥٠٠٩) والترمذي (٢ / ١٣٩) وابن
ماجه (٣٧٥٩) والطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٣٧٠) وأحمد (٢ / ٢٨٨،
٣٥٥، ٣٩١، ٤٧٨، ٤٨٠) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح عنه. وقد صرح الأعمش
بالتحديث في رواية البخاري. وتابعه عاصم عن أبي صالح به عند الطحاوي.
أخرجه أحمد (٢ / ٣٣١) . وتابعه أبو معمر عن أبي صالح به.
لكني لم أعرف أبا معمر هذا.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
٢ - وأما حديث ابن عمر. فأخرجه البخاري في " الصحيح " وفي " الأدب المفرد "
(٨٧٠) والدارمي (٢ / ٢٩٧) وأحمد (٢ / ٣٩، ٩٦، ٢٢٣) عن حنظلة عن سالم
عنه.
٣ - وأما حديث سعد بن أبي وقاص، فأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه (٣٧٦٠)
وأحمد (١ / ١٧٥، ١٨١، / ٨ /) وأبو يعلى (ق ٥٣ / ١، ٥٤ / ١) وأبو
عبيد القاسم بن سلام في " غريب الحديث " (ق ٧ / ١) من طرق عن شعبة عن قتادة
عن يونس بن جبير عن محمد بن سعد عن سعد به.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
стр. 654
ورواه حماد بن سلمة فقال: عن قتادة عن عمر بن سعد بن مالك عن سعد به.
أخرجه أحمد (١ / ١٧٥) .
٤ - وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه مسلم وأحمد (٣ / ٨، ٤١) من طريق ليث عن
ابن الهاد عن يحنس مولى مصعب بن الزبير عنه قال:
" بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر، ينشد،
فقال رسول الله ﷺ : خذوا الشيطان، أو: أمسكوا الشيطان، لأن
يمتلئ ... ".
٥ - وأما حديث عمر، فأخرجه الطحاوي من طريق خلاد بن يحيى قال:
حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن حريث عن عمر بن الخطاب به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخاري.
وفي الباب عن جماعة آخرين من الصحابة، خرج أحاديثهم الحافظ الهيثمي في
" مجمع الزوائد "، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه (٨ / ١٢٠) .
قلت: وكل هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة موافقة لحديث أبي هريرة ﵁
وذلك مما يدل على صدقه وحفظه.
وقد كتبت هذا التحقيق ردا على بعض الشيعة والمتشيعين من المعاصرين الذين
يطعنون في أبي هريرة ﵁ أشد الطعن وينسبونه إلى الكذب على النبي
ﷺ والافتراء عليه، حاشاه من ذلك، فقد زعم أبو ريا من
أذنابهم - عاملهم الله بما يستحقون - أن أبا هريرة ﵁ لم يحفظ
الحديث عنه ﷺ كما نطق به، وزعم أن في آخره زيادة لم يذكرها
أبو هريرة، وهي: " هجيت به " وأن عائشة حفظت ذلك عنه ﷺ
وردت به على أبي هريرة، وكل ذلك مما لا يصح إسناده كما بينته في " سلسلة
الأحاديث الضعيفة " (رقم ١١١١) .
ونحن وإن كنا لا ننكر جواز وقوع النسيان من أبي هريرة - على حفظه - لأنه
стр. 655
ليس
معصوما، ولكنا ننكر أشد الإنكار نسبته إلى النسيان بل الكذب لمجرد الدعوى
وسوء الظن به، وهذا هو المثال بين أيدينا، فإذا كان جائزا كما ذكرنا أن
يكون أبو هريرة لم يحفظ تلك الزيادة المزعومة، فهل يجوز أن لا يحفظها أيضا
أولئك الجماعة من أصحاب النبي ﷺ ؟ !
على أن هذا الحديث في سياقه ما يدل على بطلان تلك الزيادة من حيث المعنى، فإنه
لم يذم الشعر مطلقا، وإنما الإكثار منه، وإذا كان كذلك فقوله " هجيت به "،
يعطي أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه ﷺ جائز، وهذا باطل
وما لزم منه باطل فهو باطل!
جاء في " فيض القدير ":
" وقال النووي: هذا الحديث محمول على التجرد للشعر بحيث يغلب عليه، فيشغله
عن القرآن والذكر. وقال القرطبي: من غلب عليه الشعر، لزمه بحكم العادة
الأدبية الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث، وقول بعضهم: عنى به الشعر
الذي هجي به هو أو غيره، رد بأن هجوه كفر كثر أو قل، وهجو غيره حرام وإن قل
فلا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى ".
وما ذكره عن النهي هو الذي ترجم به البخاري في " صحيحه " للحديث فقال:
" باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله ".
وتقدمه إلى ذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال بعد أن ذكر قول البعض
المشار إليه:
" والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول، لأن الذي هجى به النبي صلى الله
عليه وسلم لو كان شطر بيت لكان كفرا، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء
القلب منه أنه قد رخص في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر
حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه، فأما إذا
كان القرآن والعلم الغالبين عليه، فليس جوفه ممتلئا ".
стр. 656
٣٣٧ - " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس حريرا ولا ذهبا ".
أخرجه الحاكم (٤ / ١٩١) من طريق عمرو بن الحارث وغيره عن سليمان ابن عبد
الرحمن عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: فذكره.
وقال: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
قلت: بل هو حسن، فإن القاسم وهو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن صاحب
أبي أمامة، قد تكلم فيه بعضهم، والراجح من مجموع كلام العلماء فيه أنه
حسن الحديث، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق ".
وسليمان بن عبد الرحمن هو ابن عيسى الدمشقي خراساني الأصل، وثقه ابن معين
والنسائي وغيرهما.
وأما عمرو بن الحارث فهو أبو أيوب المصري ثقة فقيه حافظ.
وأما " غيره " الذي أشير إليه في الإسناد فالظاهر أنه عبد الله بن لهيعة، فقد
رأيناه مقرونا مع عمرو بن الحارث في غير ما حديث واحد، وقد أخرجه أحمد من
طريقه فقال (٥ / ٢٦١) : حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرني ابن لهيعة عن سليمان بن
عبد الرحمن به.
وقال المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٠٣) :
" رواه أحمد ورواته ثقات "!
стр. 657
وقال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ١٤٣) :
" رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف،
وبقية رجاله ثقات ".
قلت: ويؤخذ عليه أنه لم يعزه لأحمد، كما يؤخذ على المنذري أنه لم يعزه
للحاكم، مع أن إسناده أصح، وأنه وثق ابن لهيعة، وفيه الضعف الذي ذكره
الهيثمي.
واعلم أن الحديث فيه دلالة بينة على تحريم الذهب والحرير، وهو بعمومه يشمل
النساء مع الرجال، إلا أنه قد جاءت أحاديث تدل على أن النساء مستثنيات من
التحريم كالحديث المشهور:
" هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها ".
إلا أن هذا ليس على عمومه، فقد جاءت أحاديث صحيحة تحرم على النساء جنسا معينا
من الذهب، وهو ما كان طوقا أو سوارا أو حلقة، وكذلك حرم عليهن الأكل
والشرب في آنية الذهب كالرجال، (راجع الأدلة في " آداب الزفاف ") .
فبقي الحرير وحده مباحا لهن إباحة مطلقة لم يستثن منه شيء.
نعم قد استثنى من جنس المباح لهن أمهات المؤمنين، فقد صح عنه صلى الله عليه
وسلم أنه منع أهله منه كما في الحديث الآتي:
" كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها
فلا تلبسوها في الدنيا ".
٣٣٨ - " كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها
فلا تلبسوها في الدنيا ".
أخرجه النسائي (٢ / ٢٨٤) وابن حبان (١٤٦٣) والحاكم (٤ / ١٩١) وأحمد
(٤ / ١٤٥) من طريق عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه أنه سمع عقبة
بن عامر يخبر به.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ".
стр. 658
وتعقبه الذهبي بقوله:
" قلت: لم يخرجا لأبي عشانة ".
قلت: واسمه حي بن يؤمن، وهو ثقة.
قال السندي في حاشيته على النسائي.
" قوله: " أهله الحلية " بكسر فسكون. الظاهر أنه يمنع أزواجه الحلية مطلقا
سواء كان من ذهب أو فضة، ولعل ذلك مخصوص بهم، ليؤثروا الآخرة على الدنيا،
وكذا الحرير، ويحتمل أن المراد بـ (الأهل) الرجال من أهل البيت، فالأمر
واضح ".
قلت: هذا الاحتمال بعيد غير متبادر فالاعتماد على ما ذكره أولا والله أعلم.
وأقول: فهذا الحديث يدل على مثل ما دل عليه الحديث المشهور الذي سبق آنفا من
إباحة الحرير لسائر النساء، إلا أنه قد يقال: إن الأولى بهن الرغبة عنه وعن
الحلية مطلقا تشبيها بنسائه ﷺ ، لاسيما وقد ثبت عنه أنه
قال:
" ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر ".
٣٣٩ - " ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر ".
أخرجه ابن حبان (١٤٦٤) : أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سريج بن يونس حدثنا
عباد بن عباد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: فذكره.
وأخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " (٢ / ٢٣٠ / ٢ مصورة المكتب الإسلامي) من
طريق أبي حاتم الرازي حدثنا سريج بن يونس به.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن سفيان
وهو الفسوي ثقة حافظ مشهور.
ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة أخرج له البخاري مقرونا ومسلم ومتابعة.
وأما قول المناوي في " فيض القدير " بعد أن عزاه تبعا لأصله إلى البيهقي في
стр. 659
" شعب الإيمان ":
" وفيه عباد بن عباد، وثقه ابن معين، وقال ابن حبان: يأتي بالمناكير
فاستحق الترك. نقله الذهبي. ورواه أيضا أبو نعيم في " الصحابة " بهذا اللفظ
لكنه قال " الزعفران " بدل " المعصفر "، قال الحافظ العراقي: ضعيف ".
وأقول: ما نقله عن الذهبي هو في ترجمة عباد بن عباد الأرسوفي من " الميزان "
وليس هو المذكور في إسناد هذا الحديث، بل هو عباد بن عباد ابن حبيب المهلبي
وهو أعلى طبقة من الأرسوفي، وهو الذي ذكروا في شيوخه محمد بن عمرو بن علقمة
وفي الرواة عنه سريج بن يونس، وهو ثقة محتج به في الصحيحين، وترجمته في
" الميزان " قبيل ترجمة (الأرسوفي) وقال فيه: " صدوق ".
وقال الحافظ في " التقريب ": " ثقة ربما وهم ".
فثبت الحديث والحمد لله، وزال ما أعله به المناوي، ولعل ما نقله عن
العراقي من التضعيف إنما هو على أساس توهمه أعني العراقي أن عبادا هو الأرسوفي
فضعفه بسببه. والله أعلم.
ثم نقل المناوي في معنى الحديث عن مسند الفردوس:
" يعني يتحلين بحلي الذهب، ويلبسن الثياب المزعفرة، ويتبرجن متعطرات
متبخترات، كأكثر نساء زمننا، فيفتن بهن ".
стр. 660
٣٤٠ - " نعم ليكررن عليكم حتى يرد إلى كل ذي حق حقه ".
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٤٥ / ١) عن محمد بن عبيد حدثنا محمد ابن عمرو
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال:
" لما نزلت هذه الآية * (إنك ميت وإنهم ميتون) * قال الزبير: يا رسول الله
أيكرر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: " فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات.
ثم أخرجه (٤٦ / ١ - ٢) من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو به بلفظ:
" لما نزلت (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) ، قال الزبير:
قلت: يا رسول الله ويكرر علينا خصومتنا في الدنيا؟ قال: نعم، قال:
قلت: إن الأمر إذا لشديد ".
وأخرجه الترمذي (٢ / ٢١٦) وأحمد (١ / ١٦٤) من هذا الوجه، وزاد أحمد:
" ولما نزلت (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال الزبير: أي رسول الله أي نعيم
نسأل عنه؟ وإنما - يعني - هما الأسودان التمر والماء، قال: أما إن ذلك
سيكون ".
وهذا أخرجه الترمذي أيضا في مكان آخر (٢ / ٢٣٩) وقال عقبه:
стр. 661
" حديث حسن ". وقال في الأول: " حديث حسن صحيح ".
وأخرجه الحاكم من وجهين آخرين عن ابن عمرو به مثل لفظ محمد بن عبيد وزاد في
آخره ما عند سفيان: " فوالله إن الأمر لشديد ".
وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي!
قلت: محمد بن عمرو وهو ابن علقمة إنما أخرج له مسلم وكذا البخاري متابعة،
كما ذكره الذهبي نفسه في " الميزان ".
٣٤١ - " البذاذة من الإيمان. يعني التقشف ".
أخرجه ابن ماجه (٤١١٨) عن أيوب بن سويد عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن
أبي أمامة الحارثي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير أيوب بن سويد قال الحافظ: " صدوق يخطىء ".
قلت: فهو لا بأس به في المتابعات، وقد توبع، فأخرجه الطبراني في " المعجم
الكبير " (١ / ٤٠ / ١) من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام حدثني صالح
بن كيسان أن عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة حدثه عن أبيه به.
وتابعه زهير بن محمد عن صالح به إلا أنه قال: " صالح بن أبي صالح ".
خرجه الحاكم (١ / ٩) وقال:
" احتج مسلم بصالح بن أبي صالح السمان ".
стр. 662
ووافقه الذهبي.
قلت: قد اختلف سعيد بن سلمة وزهير بن محمد في نسبة صالح هذا، فالأول قال:
" ابن كيسان " والآخر " ابن أبي صالح ". وفي كل منهما ضعف من قبل حفظه لكن
سعيدا أحسن حالا منه، وسواء كانت روايته أرجح، أو رواية زهير فإن كلا من
الصالحين ثقة في الحديث لاسيما صالح بن كيسان فإنه محتج به في " الصحيحين ".
وإن مما يرجح أنه هو أنهم ذكروه في الرواة عن عبد الله بن أبي أمامة دون الآخر
والله أعلم.
ثم رأيت الحديث قد أخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (٦ / ٢ / ١) من طريق
زهير فقال: عن صالح بن كيسان، فجزمت بما رجحته وتبين أن ما في " المستدرك "
وهم من بعض الرواة إن لم يكن من الحاكم نفسه.
وقد أدخل بعض الرواة بين عبد الله بن أبي أمامة وأبيه رجلا، فقال محمد
ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي أمامة عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة
قال: " ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يوما عنده الدنيا، فقال
رسول الله ﷺ :
" ألا تسمعون، ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان.
يعني التقحل ".
أخرجه أبو داود (٤١٦١) .
قلت: وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
وقد توبع، فرواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن عبد الله
بن عبيد الله بن حكيم بن حزام أن أبا المنيب بن أبي أمامة (هو عبد الله
بن أبي أمامة) أخبره أنه لقي عبد الله بن كعب بن مالك: حدثني أبوك قال:
فذكره. أخرجه الطبراني.
ثم روى هو والطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٤٧٨ و ٤ / ١٥١) من طريق
стр. 663
عبد الحميد بن جعفر عن عبد الله بن ثعلبة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
قال: سمعت أباك يقول: فذكره.
قلت: ورجال هذه الطريق ثقات كلهم، بخلاف التي قبلها، ففيها عبد العزيز
ابن عبيد الله وهو الحمصي ضعيف. وشيخه عبد الله بن عبيد الله بن حكيم
بن حزام لم أجد له ترجمة.
وهي متفقة مع الطريق التي قبلها على تسمية الرجل بـ " عبد الله بن كعب "
خلافا للطريق الأخيرة، ففيها " عبد الرحمن بن كعب "، وهي أجود. وكل من
عبد الله وعبد الرحمن ثقة.
ومجموع هذه الطرق الثلاث تحملنا على الاقتناع بثبوت الواسطة بين عبد الله
بن أبي أمامة وأبيه.
ويؤيد ذلك ما روى الطبراني أيضا بسند صحيح عن المنيب بن عبد الله بن أبي أمامة
بن ثعلبة قال:
" انصرفت من المسجد، فإذا برجل عليه ثياب بيض، وقميص ورداء سابغ، وعمامة
بغير قلنسوة، قد أرخى من ورائه مثل ما بين يديه، فقال لي:
أخبرني جدك أبو أمامة بن ثعلبة عن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
والظاهر أن هذا الرجل الذي لم يسم هو ابن كعب بن مالك، وعلى هذا فيكون قد
حدث بهذا الحديث عبد الله بن أبي أمامة على ما سبق في الطرق المتقدمة، وابنه
المنيب على ما في روايته هذه، ولكن المنيب هذا مجهول ما روى عنه سوى ابنه
عبد الله، وهو الذي روى هذا الحديث عنه، ولذلك فلا يعتمد على روايته.
وخلاصة القول أن الرواة قد اختلفوا على عبد الله بن أبي أمامة في هذا
стр. 664
الحديث فأسامة بن زيد وصالح بن كيسان قالا: عنه عن أبيه. ومحمد بن إسحاق
وعبد الله بن عبيد الله بن حليم وعبد الحميد بن جعفر قالوا: عنه عن ابن كعب
بن مالك عن أبي أمامة.
ويبدو أن رواية هؤلاء الثلاثة أرجح لأنهم أكثر، ولأن معهم زيادة علم.
ومن علم حجة على من لم يعلم.
ثم اختلف هؤلاء الثلاثة في تسمية ابن كعب، فالأولان سمياه عبد الله، وسماه
عبد الحميد بن جعفر عبد الرحمن. ولا شك عندي في أن روايته أصح من روايتهما
لأنه ثقة احتج به مسلم، وكذلك سائر الرواة، فالاعتماد في تقوية الحديث على
هذا الطريق، لثقة رواتها وسلامتها من العلل، فلنسق إسنادها بكامله لزيادة
الاطمئنان لما ذكرنا. قال الطبراني ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله
الحضرمي أنبأنا أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني أنبأنا عبد الله بن حمران
أنبأنا عبد الحميد بن جعفر عن عبد الله بن ثعلبة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
قال سمعت أباك يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره باللفظ المذكور أعلاه، وهو
لفظ ابن ماجه.
ومحمد بن عبد الله الحضرمي ثقة حافظ وهو الملقب بـ (مطين) ، وترجمته في
" تذكرة الحفاظ " (٢ / ٢١٠) .
وأحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني صدوق كما قال الحافظ في " التقريب " وتابعه
إبراهيم بن مرزوق عند الطحاوي، ولا بأس، وبقية الرجال ثقات رجال مسلم غير
عبد الله بن أبي أمامة وهو صدوق أيضا.
وكان الحامل على تحرير هذا أنني رأيت الحافظ المنذري قد نقل عن بعض المحدثين
ما يشعر بتضعيفه للحديث، ولم يحرر القول فيه، ولو بإيجاز مع وقوع
стр. 665
خطأ منه،
فاقتضى تحقيق القول فيه، فقد قال: (٣ / ١٠٧) :
" رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما من رواية محمد بن إسحاق، وقد تكلم أبو عمر
النمري في هذا الحديث ".
فأقول: وغالب الظن أن الكلام المشار إليه إنما هو الاختلاف الذي في إسناده،
وقد بينا الراجح منه فلا يضره.
وأيضا فإن الحديث ليس عند ابن ماجه من رواية محمد بن إسحاق، كما سبق ذكره في
أول البحث، فاقتضى التنبيه.
ثم إن السيوطي قد عزى الحديث للإمام أحمد أيضا، ومع أن الحاكم قد أخرجه من
طريقه، فإني لم أره في " المسند " له، وهو المراد عند إطلاق العزو إليه.
وذكر المناوي في شرحه عليه:
أن الحافظ العراقي قال في " أماليه ": " حديث حسن ".
والديلمي: " هو صحيح ". وكذا قال الحافظ في " الفتح ".
ثم رأيت للحديث طريقا أخرى، فقال الحميدي في " مسنده " (٣٥٧) :
حدثنا سفيان قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن عمه أو أمه قال:
" تعلمن يا هؤلاء أن البذاذة من الإيمان ".
وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، وقد سبق من طريقه بإسناد آخر له.
٣٤٢ - " إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر
يوقه ".
أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٩ / ١٢٧) أخبرنا علي بن أحمد الرزاز حدثنا
عبد الصمد بن علي الطستي حدثنا أحمد
стр. 666
بن بشر بن سعد المرثدي حدثنا سعد بن زنبور
حدثنا إسماعيل بن مجالد عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي هريرة
مرفوعا به.
وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن: علي بن أحمد الرزاز قال الذهبي صدوق وله
ترجمة عند الخطيب (١١ / ٣٣٠ - ٣٣١) وقال: كتبنا عنه، وكان كثير السماع
كثير الشيوخ وإلى الصدق ما هو، مات سنة (٤١٩) .
وعبد الصمد الطستي ترجمه الخطيب أيضا (١١ / ٤١) وقال: وكان ثقة سمعت
البرقاني ذكره فأثنى عليه وحثنا على كتب حديثه. وأحمد بن بشر بن سعد المرثدي
روى الخطيب (٤ / ٥٤) عن ابن خراش أنه كان يثني عليه، وعن علي ابن المنادي
أنه قال: هو أحد الثقات مات سنة (٢٨٦) ، وسعد بن زنبور روى الخطيب أيضا عن
ابن معين أنه قال: هو ثقة ما أراه يكذب، مات سنة (٢٣٠) وبقية رجال الإسناد
معروفون من رجال التهذيب وهم من رواة الصحيح غير أن إسماعيل بن مجالد مع كونه
من رجال البخاري فهو متكلم فيه من قبل حفظه، وفي " التقريب ": " أنه صدوق
يخطىء ".
قلت: فمثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن لاسيما وأنه لم ينفرد به بل رواه
стр. 667
غيره بإسناد آخر بهذا اللفظ تماما كما يأتي.
قال الحافظ العراقي (٣ / ١٥٣) : " رواه الطبراني والدارقطني بسند ضعيف ".
وله شاهد آخر بنحوه بلفظ: " يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم، والفقه
بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما يخشى الله من عباده
العلماء ".
قال في " المجمع " (١ / ١٢٨) : " رواه الطبراني في " الكبير " عن معاوية
مرفوعا وفيه رجل لم يسم، وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن
حبان وضعفه جماعة ".
قلت: وفي " التقريب ": " وهو صدوق يخطىء كثيرا ".
وقال المناوي: " رواه ابن أبي عاصم أيضا قال ابن حجر في " المختصر ":
إسناده حسن لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر ".
قلت: وكأن الحافظ أشار بذلك الوجه إلى حديث أبي هريرة. وقد أخرجه ابن عساكر
أيضا في " تاريخ دمشق " (٦ / ١١٧ / ١) من طريق أخرى عن إسماعيل ابن مجالد به.
٣٤٣ - " كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا، أطولهم جوعا يوم القيامة ".
روي من حديث ابن عمر وأبي جحيفة، وابن عمرو، وابن عباس، وسلمان.
١ - حديث ابن عمر. يرويه عبد العزيز بن عبد الله القرشي حدثنا يحيى البكاء
стр. 668
عن
ابن عمر قال:
" تجشأ رجل عند النبي ﷺ ، فقال " فذكره.
أخرجه الترمذي (٢ / ٧٨) وابن ماجه (٣٣٥٠) وقال الترمذي:
" حديث غريب من هذا الوجه ".
قلت: يعني ضعيف، وذلك لأن يحيى بن مسلم البكاء ضعيف.
وعبد العزيز بن عبد الله القرشي منكر الحديث كما في " التقريب ".
وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٣٩) عن أبيه:
" هذا حديث منكر ".
٢ - حديث أبي جحيفة، وله عنه طرق:
الأولى: عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال:
" أكلت خبز بر بلحم سمين، فأتيت النبي ﷺ فتجشأت فقال: احبس
أو اكفف جشاءك ... " الحديث وزاد:
" قال: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا ".
أخرجه ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٢ / ٢) من طريق الوليد بن عمرو ابن ساج
عنه.
قلت: والوليد هذا ضعيف، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما.
لكنه لم يتفرد به، فقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٢٣) :
" سمعت أبي وذكر حديثا كان في كتاب عمرو بن مرزوق ولم يحدث به عن مالك بن
مغول عن عون بن أبي جحيفة ... (فذكره) فسمعت أبي يقول: هذا
стр. 669
حديث باطل، ولم
يبلغني أن عمرو بن مرزوق حدث به قط ".
كذا قال، وسيأتي عن الإمام أحمد أنه ابن مرزوق كان يحدث به ثم ترك.
وعمرو بن مرزوق ثقة له أوهام كما في " التقريب "، فلعله بدى له، أو عرض له
شيء من الشك فترك التحديث به، والله أعلم.
الثانية: عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة به.
أخرجه الحاكم (٤ / ١٢١) عن فهد بن عوف حدثنا فضل بن أبي الفضل الأزدي أخبرني
عمر بن موسى: أخبرني علي بن الأقمر ... وقال: " صحيح الإسناد ".
ورده الذهبي بقوله:
" قلت: فهد قال المديني: كذاب، وعمر هالك ".
وتعقبه المنذري أيضا فقال في " الترغيب " (٣ / ١٢٢) :
" بل واه جدا، فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى ".
قلت: وعمر هذا هو ابن موسى الوجيهي وهو متهم أيضا، وروي من طريق غيره،
فقال ابن قدامة في " المنتخب " (١٠ / ١٩٤ / ١) :
" قال مهنا: سألت أحمد ويحيى، قلت: حدثني عبد العزيز بن يحيى حدثنا شريك
عن علي بن الأرقم ... (فذكره) ؟ فقالا: ليس بصحيح. قلت لأحمد: يروى من غير
هذا الوجه؟ قال: كان عمرو بن مرزوق يحدث به عن مالك بن مغول عن علي بن الأرقم
عن أبي جحيفة ثم تركه بعد. ثم سألته بعد؟ فقال: ليس بصحيح ".
قلت: وعبد العزيز بن يحيى هو المدني كذبه إبراهيم بن المنذر الحزامي.
وقال البخاري:
стр. 670
يضع الحديث.
وأخرجه تمام في " الفوائد " (٩٩ / ١) من طريق أبي ربيعة. حدثنا عمر
بن الفضل عن رقبة عن علي بن الأقمر به. وهذا رجاله ثقات، لكن أبو ربيعة
هو فهد بن عوف نفسه، وقد عرفت ضعفه.
الثالثة: عن أبي رجاء عمن سمع أبا جحيفة به. وزاد في آخره:
" قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة ".
أخرجه ابن أبي الدنيا (١ / ٢) .
وفيه الرجل الذي لم يسم. لكن قال المنذري مستدركا على طريق الحاكم الواهية:
" رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات ".
وقال الهيثمى (٥ / ٣١) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و " الكبير " بأسانيد، وفي أحد أسانيد
" الكبير " محمد بن خالد الكوفي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات ".
٣ - حديث ابن عمرو قال:
" تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: اقصر من جشئك فإن.." الحديث.
قال الهيثمي:
" رواه الطبراني عن شيخه مسعود بن محمد وهو ضعيف ".
следующие страницы →