← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بن بشر بن سعد المرثدي حدثنا سعد بن زنبور حدثنا إسماعيل بن مجالد عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي هريرة مرفوعا به. وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن: علي بن أحمد الرزاز قال الذهبي صدوق وله ترجمة عند الخطيب (١١ / ٣٣٠ - ٣٣١) وقال: كتبنا عنه، وكان كثير السماع كثير الشيوخ وإلى الصدق ما هو، مات سنة (٤١٩) . وعبد الصمد الطستي ترجمه الخطيب أيضا (١١ / ٤١) وقال: وكان ثقة سمعت البرقاني ذكره فأثنى عليه وحثنا على كتب حديثه. وأحمد بن بشر بن سعد المرثدي روى الخطيب (٤ / ٥٤) عن ابن خراش أنه كان يثني عليه، وعن علي ابن المنادي أنه قال: هو أحد الثقات مات سنة (٢٨٦) ، وسعد بن زنبور روى الخطيب أيضا عن ابن معين أنه قال: هو ثقة ما أراه يكذب، مات سنة (٢٣٠) وبقية رجال الإسناد معروفون من رجال التهذيب وهم من رواة الصحيح غير أن إسماعيل بن مجالد مع كونه من رجال البخاري فهو متكلم فيه من قبل حفظه، وفي " التقريب ": " أنه صدوق يخطىء ". قلت: فمثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن لاسيما وأنه لم ينفرد به بل رواه

стр. 667

غيره بإسناد آخر بهذا اللفظ تماما كما يأتي. قال الحافظ العراقي (٣ / ١٥٣) : " رواه الطبراني والدارقطني بسند ضعيف ". وله شاهد آخر بنحوه بلفظ: " يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما يخشى الله من عباده العلماء ". قال في " المجمع " (١ / ١٢٨) : " رواه الطبراني في " الكبير " عن معاوية مرفوعا وفيه رجل لم يسم، وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان وضعفه جماعة ". قلت: وفي " التقريب ": " وهو صدوق يخطىء كثيرا ". وقال المناوي: " رواه ابن أبي عاصم أيضا قال ابن حجر في " المختصر ": إسناده حسن لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر ". قلت: وكأن الحافظ أشار بذلك الوجه إلى حديث أبي هريرة. وقد أخرجه ابن عساكر أيضا في " تاريخ دمشق " (٦ / ١١٧ / ١) من طريق أخرى عن إسماعيل ابن مجالد به. ٣٤٣ - " كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا، أطولهم جوعا يوم القيامة ". روي من حديث ابن عمر وأبي جحيفة، وابن عمرو، وابن عباس، وسلمان. ١ - حديث ابن عمر. يرويه عبد العزيز بن عبد الله القرشي حدثنا يحيى البكاء

стр. 668

عن ابن عمر قال: " تجشأ رجل عند النبي ﷺ ، فقال " فذكره. أخرجه الترمذي (٢ / ٧٨) وابن ماجه (٣٣٥٠) وقال الترمذي: " حديث غريب من هذا الوجه ". قلت: يعني ضعيف، وذلك لأن يحيى بن مسلم البكاء ضعيف. وعبد العزيز بن عبد الله القرشي منكر الحديث كما في " التقريب ". وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٣٩) عن أبيه: " هذا حديث منكر ". ٢ - حديث أبي جحيفة، وله عنه طرق: الأولى: عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: " أكلت خبز بر بلحم سمين، فأتيت النبي ﷺ فتجشأت فقال: احبس أو اكفف جشاءك ... " الحديث وزاد: " قال: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا ". أخرجه ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٢ / ٢) من طريق الوليد بن عمرو ابن ساج عنه. قلت: والوليد هذا ضعيف، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما. لكنه لم يتفرد به، فقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٢٣) : " سمعت أبي وذكر حديثا كان في كتاب عمرو بن مرزوق ولم يحدث به عن مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة ... (فذكره) فسمعت أبي يقول: هذا

стр. 669

حديث باطل، ولم يبلغني أن عمرو بن مرزوق حدث به قط ". كذا قال، وسيأتي عن الإمام أحمد أنه ابن مرزوق كان يحدث به ثم ترك. وعمرو بن مرزوق ثقة له أوهام كما في " التقريب "، فلعله بدى له، أو عرض له شيء من الشك فترك التحديث به، والله أعلم. الثانية: عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة به. أخرجه الحاكم (٤ / ١٢١) عن فهد بن عوف حدثنا فضل بن أبي الفضل الأزدي أخبرني عمر بن موسى: أخبرني علي بن الأقمر ... وقال: " صحيح الإسناد ". ورده الذهبي بقوله: " قلت: فهد قال المديني: كذاب، وعمر هالك ". وتعقبه المنذري أيضا فقال في " الترغيب " (٣ / ١٢٢) : " بل واه جدا، فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى ". قلت: وعمر هذا هو ابن موسى الوجيهي وهو متهم أيضا، وروي من طريق غيره، فقال ابن قدامة في " المنتخب " (١٠ / ١٩٤ / ١) : " قال مهنا: سألت أحمد ويحيى، قلت: حدثني عبد العزيز بن يحيى حدثنا شريك عن علي بن الأرقم ... (فذكره) ؟ فقالا: ليس بصحيح. قلت لأحمد: يروى من غير هذا الوجه؟ قال: كان عمرو بن مرزوق يحدث به عن مالك بن مغول عن علي بن الأرقم عن أبي جحيفة ثم تركه بعد. ثم سألته بعد؟ فقال: ليس بصحيح ". قلت: وعبد العزيز بن يحيى هو المدني كذبه إبراهيم بن المنذر الحزامي. وقال البخاري:

стр. 670

يضع الحديث. وأخرجه تمام في " الفوائد " (٩٩ / ١) من طريق أبي ربيعة. حدثنا عمر بن الفضل عن رقبة عن علي بن الأقمر به. وهذا رجاله ثقات، لكن أبو ربيعة هو فهد بن عوف نفسه، وقد عرفت ضعفه. الثالثة: عن أبي رجاء عمن سمع أبا جحيفة به. وزاد في آخره: " قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة ". أخرجه ابن أبي الدنيا (١ / ٢) . وفيه الرجل الذي لم يسم. لكن قال المنذري مستدركا على طريق الحاكم الواهية: " رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات ". وقال الهيثمى (٥ / ٣١) : " رواه الطبراني في " الأوسط " و " الكبير " بأسانيد، وفي أحد أسانيد " الكبير " محمد بن خالد الكوفي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات ". ٣ - حديث ابن عمرو قال: " تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: اقصر من جشئك فإن.." الحديث. قال الهيثمي: " رواه الطبراني عن شيخه مسعود بن محمد وهو ضعيف ".

стр. 671

٤ - حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة ". قال المنذري: " رواه الطبراني بإسناد حسن ". وقد أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٣ / ٣٤٥ - ٣٤٦) من طريق الطبراني، وقال: " لم يروه عن فضيل إلا يحيى بن سليمان القرشي وفيه مقال ". وقال العراقي في " تخريج الإحياء " (٣ / ٧١) : " إسناده ضعيف ". ٥ - حديث سلمان، يرويه عطية بن عامر الجهني، قال: سمعت سلمان وأكره على طعام يأكله، فقال: حسبي: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ". أخرجه ابن ماجه (٣٣٥١) من طريق سعيد بن محمد الثقفي عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن عطية ... وهكذا أخرجه ابن أبي الدنيا (١ / ٢) والعقيلي في " الضعفاء " (ص ٣٣٠) وأبو نعيم في " الحلية " (١ / ١٩٨ - ١٩٩) . وقال العقيلي: " عطية في إسناده نظر ". قلت: وتعقبه الذهبي فقال: " ليس الضعف. إلا أن الحديث انفرد به واه، وهو سعيد بن محمد الوراق ". وأقول: كلا، ليس الضعف من سعيد فقط، فإن عطية مع قول العقيلي فيه

стр. 672

ما عرفت، فلم يوثقه غير ابن حبان (١ / ١٧٣) ، ومن المعلوم أن توثيقه غير معتمد عند المحققين من العلماء والنقاد، ومنهم الذهبي نفسه، ولهذا لم يوثقه الحافظ في " التقريب "، وإنما قال فيه: " مقبول ". يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة. ومنه يتبين أن تعقب الذهبي على العقيلي مما لا طائل تحته، وأن للحديث علتين سعيد الوراق، وعطية الجهني. وجملة القول أن الحديث قد جاء من طرق عمن ذكرنا من الصحابة وهي وإن كانت مفرداتها، لا تخلو من ضعف، فإن بعضها ليس ضعفها شديدا، ولذلك فإني أرى أنه يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال. والله أعلم. ٣٤٤ - " يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٢ / ٢) : حدثنا عبيد بن غنام أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة الحديث وحدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي أنبأنا محمد بن أبي عمر العدني قالا: أنبأنا سفيان عن الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان عن عمرو بن أبي سلمة قال: " كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ ، كانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ ... " فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه من طرق عن وهب به بلفظ: " ... سم الله ... ".

стр. 673

وقد ذكرت طرقه مخرجة في " الإرواء " (٢٠٢٨) ، وإنما خرجته هنا من طريق الطبراني بهذا اللفظ لعزته، وقلة وجوده في كتب السنة المتداولة، وقد ذكره بهذا اللفظ العلامة ابن القيم في " زاد المعاد " بهذا اللفظ دون أن يعزوه لأحد كما هي عادته على الغالب. وفي الحديث دليل على أن السنة في التسمية على الطعام إنما هي " بسم الله " فقط ومثله حديث عائشة مرفوعا: " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله، فليقل: بسم الله في أوله وآخره ". أخرجه الترمذي وصححه، وله شاهد من حديث ابن مسعود تقدم ذكره مخرجا برقم (١٩٦) . وحديث عائشة قواه الحافظ في " الفتح " (٩ / ٤٥٥) وقال: " هو أصرح ما ورد في صفة التسمية " قال: " وأما قول النووي في آداب الأكل من " الأذكار ": " صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة ". فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلا خاصا ". وأقول: لا أفضل من سنته ﷺ " وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم " فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا " بسم الله "، فلا يجوز الزيادة عليها فضلا عن أن تكون الزيادة أفضل منها! لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث: " وخير الهدي هدي محمد ﷺ ".

стр. 674

٣٤٥ - " استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل ". أخرجه مسلم (٦ / ١٥٣) وأبو داود (٤١٣٣) وأحمد (٣ / ٣٣٧، ٣٦٠) والخطيب في " تاريخ بغداد " (٣ / ٤٢٥) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول في غزوة غزوناها: فذكره. قلت: وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه، لكن للحديث شواهد يتقوى بها. فمنها: عن عمران بن حصين مرفوعا به. أخرجه العقيلي (٢٣٠) والخطيب (٩ / ٤٠٤ - ٤٠٥) من طريق مجاعة بن الزبير الأسدي: حدثنا الحسن عنه. قلت: ورجاله ثقات غير مجاعة هذا، وهو حسن الحديث قال أحمد: " لم يكن به بأس ". وضعفه الدارقطني. والحسن هو البصري وهو مدلس أيضا وقد عنعنه. وقال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ١٣٨) : " رواه الطبراني وفيه مجاعة بن الزبير، لا بأس به في نفسه. وقال ابن عدي: هو ممن يحتمل ويكتب حديثه، وضعفه الدارقطني، وبقية رجاله ثقات ". ومنها عن عبد الله بن عمرو مرفوعا به. قال الهيثمي:

стр. 675

" رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف ". ٣٤٦ - " إذا حدثتكم حديثا فلا تزيدن علي وقال: أربع من أطيب الكلام وهن من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم قال: لا تسمين غلامك أفلح، ولا نجيحا، ولا رباحا، ولا يسارا (فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لا) ". أخرجه أحمد (٥ / ١١) : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن هلال بن يساف عن سمرة عن النبي ﷺ . وأخرجه الطيالسي في " مسنده " (٨٩٩، ٩٠٠) : حدثنا شعبة به مفرقا في موضعين وتابعه سفيان وهو الثوري عن سلمة بن كهيل به، دون شطره الأول، والأخير. أخرجه أحمد (٥ / ٢٠) وابن ماجه (٣٨١١) . ولشعبة فيه شيخ آخر، فقال الطيالسي (٨٩٣) : حدثنا شعبة عن منصور قال: سمعت هلال بن يساف يحدث عن الربيع بن عميلة عن سمرة به مقتصرا على تسمية الغلام.

стр. 676

وكذلك أخرجه أحمد (٥ / ٧) ومسلم (٦ / ١٧٢) من طرق أخرى عن شعبة به. وتابعه زهير عن منصور به أتم منه مثل رواية شعبة الأولى عن ابن كهيل، إلا أنه جعل الشطر الأول في آخر الحديث، وفيه الزيادة التي بين القوسين. أخرجه أحمد (٥ / ١٠) ومسلم. ويتبين مما سبق أن هلال بن يساف، كان تارة يرويه عن سمرة مباشرة، وتارة عن الربيع بن عميلة عنه، فلعله سمعه أولا على هذا الوجه، ثم لقي سمرة فسمعه منه مباشرة، فكان يرويه تارة هكذا، وتارة هكذا، وهو ثقة غير معروف بالتدليس، فيحتمل منه ذلك. وقد تابعه الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن سمرة بقضية التسمية فقط، إلا أنه ذكر " نافعا " مكان " نجيحا ". أخرجه مسلم وأحمد (٥ / ١٢) . وفي الحديث آداب ظاهرة، وفوائد باهرة، أهمها النهي عن الزيادة في حديثه ﷺ ، وهذا وإن كان معناه في رواية حديثه ونقله، فإنه يدل على المنع من الزيادة فيه تعبدا قصدا للاستزادة من الأجر بها من باب أولى، وأبرز صور هذا، الزيادة على الأذكار والأوراد الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، كزيادة " الرحمن الرحيم " في التسمية على الطعام، فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يروى قوله ﷺ المتقدم (٣٤٤) : " قل: بسم الله " بزيادة " الرحمن الرحيم "، فكذلك لا يجوز له، أن يقول هذه الزيادة على طعامه، لأنه زيادة على النص فعلا، فهو بالمنع أولى، لأن قوله ﷺ : " قل باسم الله " تعليم للفعل، فإذا لم يجز الزيادة في التعليم الذي هو وسيلة للفعل، فلأن لا يجوز الزيادة في الفعل الذي هو الغاية أولى وأحرى. ألست ترى إلى ابن عمر ﵁ أنه أنكر على من زاد الصلاة على النبي ﷺ بعد الحمد عقب العطاس، بحجة أنه مخالف لتعليمه ﷺ ، وقال له: " وأنا أقول: الحمد لله، والسلام على رسول الله ﷺ ، ولكن ليس

стр. 677

هكذا علمنا رسول الله ﷺ علمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: الحمد لله على كل حال ". أخرجه الحاكم (٤ / ٢٦٥ - ٢٦٦) وقال: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي. فإذا عرفت ما تقدم من البيان، فالحديث من الأدلة الكثيرة على رد الزيادة في الدين والعبادة. فتأمل في هذا واحفظه فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى في إقناع المخالفين، هدانا الله وإياهم صراطه المستقيم. وفي الحديث النهي عن التسمية بـ (يسار) و (رباح) ، و (أفلح) و (نجيح) ونحوها، فينبغي التنبيه لهذا، وترك تسمية الأبناء بشيء منه، وقد كان في السلف من دعي بهذه الأسماء، فالظاهر أنه كان ذلك لسبب عدم علمهم بالحديث إذا كان من التابعين فمن بعدهم، أو قبل النهى عن ذلك إذا كان من الصحابة رضي الله عنهم. والله أعلم. ٣٤٧ - " إذا دعا أحدكم أخاه لطعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك ". أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٤ / ١٤٨) : حدثنا يزيد قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير سمع جابرا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح مسلسل بالتحديث، ولذلك خرجته، وإلا فقد أخرجه مسلم (٤ / ١٥٣) : وحدثنا ابن نمير: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي

стр. 678

الزبير بهذا الإسناد مثله. قلت: يعني إسناد سفيان عن أبي الزبير عن جابر ساقه قبله لم يقع عنده فيه تصريح أبي الزبير بالتحديث، وتصريحه به مهم لأنه مدلس، فإذا عنعن كما وقع في " مسلم " لم تنشرح النفس لحديثه، وكذلك أخرجه أبو داود (٣٧٤٠) وأحمد (٣ / ٣٩٢) من طريق سفيان به وابن ماجه (١٧٥١) من طريق أحمد ابن يوسف السلمي حدثنا أبو عاصم به، لم يصرح أبو الزبير بالتحديث. ويزيد هو ابن سنان البصري نزيل مصر. قال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ٢٦٧) : " كتبت عنه، وهو صدوق ثقة ". ٣٤٨ - " إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة ". أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ١٤٢) : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا ابن وهب عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الربيع بن سليمان المرادي وهو ثقة. والحديث في " الصحيحين " وغيرهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج به بلفظ " لا يمش أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعا، أو ليخلعهما جميعا ". وله شاهد من حديث جابر مرفوعا بلفظ: " لا تمش في نعل واحدة ". أخرجه مسلم (٦ / ١٥٤) وأحمد (٣ / ٣٢٢) وغيرهما. قلت: فالحديث في النهي عن المشي في نعل واحدة صحيح مشهور، وإنما

стр. 679

خرجت حديث الطحاوي هذا لتضمنه علة النهي، فهو يرجح قولا واحدا من الأقوال التي قيلت في تحديدها، فجاء في " الفتح " (١٠ / ٢٦١) : " قال الخطابي: الحكمة في النهي أن النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه. وقال ابن العربي: قيل: العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال. وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب ". فأقول: الصحيح من هذه الأقوال، هو الذي حكاه ابن العربي أنها مشية الشيطان. وتصديره إياه بقوله: " قيل " مما يشعر بتضعيفه، وذلك معناه أنه لم يقف على هذا الحديث الصحيح المؤيد لهذا " القيل "، ولو وقف عليه لما وسعه إلا الجزم به. وكذلك سكوت الحافظ عليه يشعرنا أنه لم يقف عليه أيضا، وإلا لذكره على طريقته في جمع الأحاديث وذكر أطرافها المناسبة للباب، لاسيما وليس في تعيين العلة وتحديدها سواه. فخذها فائدة نفيسة عزيزة ربما لا تراها في غير هذا المكان، يعود الفضل فيها إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي، فهو الذي حفظها لنا بإسناد صحيح في كتابه دون عشرات الكتب الأخرى لغيره. (تنبيه) أما الحديث الذي رواه ليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: " ربما مشى النبي ﷺ في نعل واحدة ". فهو ضعيف لا يحتج به. أخرجه الترمذي (١ / ٣٢٩) من طريق هريم بن سفيان البجلي الكوفي والطحاوي من طريق مندل كلاهما عن ليث به.

стр. 680

وضعفه الطحاوي بقوله: " مندل ليس من أهل التثبت. وليث وإن كان من أهل الفضل فإن روايته ليست عند أهل العلم بالقوية ". قلت: مندل قد تابعه هريم وهو ثقة من رجال الشيخين، فبرئت عهدته منه، وانحصرت في الليث فهو علة الحديث، وهو ضعيف. قال الحافظ في " التقريب ": " صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك ". وإذا عرف هذا فلا يجوز معارضة حديث الباب بهذا الحديث الواهي كما فعل بعض أهل الجهل بالآثار فيما ذكره الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى. ٣٤٩ - " ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوبقه إثمه، أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزى يوم القيامة ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٧) حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن يزيد بن (أبي) مالك عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد شامي جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي يزيد وهو ابن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي القاضي كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقال فيه الحافظ في " التقريب ": " صدوق ربما وهم ". والحديث قال الهيثمي (٥ / ٢٠٥) : " رواه أحمد والطبراني وفيه يزيد بن أبي مالك وثقه ابن حبان وغيره وبقية

стр. 681

رجاله ثقات ". وقال المنذري (٣ / ١٣٢ - ١٣٣، ٤ / ٢٩٤) : " رواه أحمد، ورواته ثقات إلا يزيد بن أبي مالك، وهو ثقة، وقال بعضهم: لين ". ٣٥٠ - " إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٩٩ / ٢) من طريقين عن أحمد بن يونس أنبأنا ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عبد الله بن عمير عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات. ٣٥١ - " اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل ". رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٢٥ / ٢) : حدثنا روح بن الفرج أبو الزنباع حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث به سعد عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت مرفوعا وقال: " لم يروه عن موسى إلا هشام تفرد به الليث ". قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير روح بن الفرج وهو ثقة كما في " التقريب "

стр. 682

وقول الهيثمي في " المجمع " (٣ / ٣٠٦) : " رواه الطبراني في " الأوسط " " والكبير " ورجاله رجال الصحيح " ليس صحيحا على إطلاقه، وتلك عادة له أنه يطلق مثل هذا القول: " ورجاله رجال الصحيح " ويعني من فوق شيخ الطبراني، فاعلم هذا فإنه مفيد في مواطن النزاع والتحقيق. ثم رأيت الحديث في " تاريخ ابن عساكر " (١٦ / ٢٤١ / ٢) من طريق عيسى ابن حماد أنبأنا الليث به. ٣٥٢ - " البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا ". أخرجه ابن ماجه (٣٥٥٨) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٢٦٢) وأحمد وإسحاق في " مسنديهما " والنسائي في " الكبرى " والطبراني كلهم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: " رأى النبي ﷺ على عمر ﵁ ثوبا أبيض فقال: أجديد ثوبك هذا أم غسيل؟ فقال: بل غسيل، و (في رواية: جديدا) فقال: فذكره. زاد الدبري ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة، قال: وإياك يا رسول الله ". قال الحافظ في " نتائج الأفكار " (١ / ٢٧ / ٢) : " هذا حديث حسن غريب، ورجال الإسناد رجال الصحيح، لكن أعله النسائي فقال: هذا حديث منكر أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، قال النسائي: وقد روي أيضا عنه متصلا يعني الزهري، وروي عنه مرسلا. قال:

стр. 683

وليس هذا من حديث الزهري. قلت: وجدت له شاهدا مرسلا أخرجه بن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن إدريس عن أبي الأشهب عن رجل، فذكر المتن بنحو رواية أحمد، وأبو الأشهب اسمه جعفر ابن حيان العطاردي وهو من رجال الصحيح، وسمع من كبار التابعين، وهذا يدل على أن للحديث أصلا، وأقل درجاته أن يوصف بالحسن ". (تنبيه) اقتصر النووي في " الأذكار " في عزوه على بن ماجة وابن السني وهو قصور ظاهر تعجب منه الحافظ. ٣٥٣ - " إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٤٣، ٢٤٤) وأبو نعيم في " الحلية " (٥ / ١٥٥) من طرق عن بقية بن الوليد عن السري بن ينعم عن مريح بن مسروق عن معاذ بن جبل. " أن رسول الله ﷺ لما بعث به إلى اليمن قال: " فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات كما قال المنذري (٣ / ١٢٥) والهيثمي (١٠ / ٢٥٠) ، وسكتا عن عنعنة بقية مع كونه مشهورا بالتدليس! ولكنه قد صرح بالتحديث عند أبي نعيم، فزالت شبهة تدليسه وثبت الحديث بذلك. والحمد لله.

стр. 684

٣٥٤ - " إياك وكل ما يعتذر منه ". رواه الضياء في " المختارة " (١٣١ / ١) عن عمرو بن الضحاك حدثنا أبي الضحاك ابن مخلد أنبأ شبيب بن بشر عن أنس بن مالك مرفوعا. قلت: وهذا سند حسن رجاله ثقات وفي شبيب كلام لا يضر. وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يخطىء ". وقال المناوي: " ورواه عن أنس أيضا الديلمي في " مسند الفردوس " وسنده حسن وأخرجه الحاكم في " المستدرك " من حديث سعد، والطبراني في " الأوسط " من حديث ابن عمر وجابر ". قلت: في حديث جابر محمد بن أبي حميد، وهو مجمع على ضعفه كما في " المجمع " (١٠ / ٢٤٨) . ٣٥٥ - " مثل المؤمن مثل النحلة، لا تأكل إلا طيبا، ولا تضع إلا طيبا ". أخرجه ابن حبان (رقم ٣٠) وابن عساكر (٢ / ٤٣ / ١) من طريق مؤمل ابن إسماعيل حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله ﷺ . ثم روى ابن عساكر بسنده عن هارون الحمال قال:

стр. 685

" وذكر هذا الحديث - حديث مؤمل - لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) فقال أبو عبد الله: إنما حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: مثل المؤمن مثل النحلة ". قلت: كذا وقع في نسخة ابن عساكر: " عن يعلى بن عطاء عن عبد الله ابن عمرو ". وأخشى أن يكون سقط منها شيء فقد أخرجه ابن أبي شيبة في " كتاب الإيمان " (رقم ٨٩ - بتحقيقي) بسند أحمد مغايرا لما فيها، فقال: حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: " مثل المؤمن.... ". هكذا قال: " عن أبيه " ولم يرفعه ولعله الصواب. وإذا ثبت ذلك فالإمام أحمد يشير إلى أن مؤمل بن إسماعيل قد أخطأ في إسناد الحديث فقال: " عن وكيع بن عدس " والصواب " عن أبيه " كما قال غندر فإنه أوثق من مؤمل وأخطأ أيضا في رفعه، لأن غندرا أوقفه عند ابن أبي شيبة ولعله كذلك عند ابن عساكر، لكن بعض النساخ رفعه! نعم قد جاء مرفوعا من طريقين آخرين عن شعبة، فقال ابن السماك في " حديثه " (٢ / ٩٠ / ٢) : حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سلام بن سليمان حدثنا شعبة بإسناد غندر مرفوعا. وسلام هذا وهو أبو العباس المدائني الضرير قال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف ". ولكن تابعه حجاج بن نصير قال: أنبأنا شعبة به. أخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٠ / ١) . وحجاج ضعيف أيضا. لكن تابعه حرمي ابن عمارة بن أبي حفصة قال: أنبأنا شعبة به. أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٤ / ١ / ٢٤٨ / ١٠٥٨) . وحرمي

стр. 686

صدوق يهم فهو بمجموع هذه المتابعات ثابت عن شعبة. وللحديث طريق أخرى أخرجها الحسين المروزي في " زوائد الزهد لابن المبارك " (ق ١٢٣ / ١ - كواكب ٥٧٥) بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة قال: " ذكر لي أن أبا سبرة بن سلمة سمع.... عبد الله بن عمرو...... " فذكره مرفوعا وفيه قصة. وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق حسن أو صحيح. والله أعلم. ٣٥٦ - " أتاني جبريل ﵇ فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل فمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة ومر بالستر يقطع وفي رواية: إن في البيت سترا في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رءوسها فاجعلوها بساطا أو وسائد فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتا فيه تماثيل. فيجعل منه وسادتان توطآن ومر بالكلب فيخرج. ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين ﵉ تحت نضد لهما. قال: ومازال يوصيني بالجار حتى ظننت أو رأيت أنه سيورثه ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٥، ٤٧٨) والسياق له وأبو داود (٤١٥٨) والترمذي (٢ / ١٣٢) وابن حبان في " صحيحه " (١٤٨٧) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن

стр. 687

مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه الترمذي وغيره، وقد صرح يونس بالتحديث في رواية ابن حبان، وفي حفظه ضعف يسير لا يضر في حديثه، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يهم قليلا ". قلت: وقد تابعه أبو إسحاق، فقال أحمد (٢ / ٣٠٨) حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أبي إسحاق عن مجاهد به مختصرا بالرواية الثانية. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين لولا أن أبا إسحاق وهو السبيعي والد يونس، كان تغير في آخره، وقد اختلف عليه في لفظه، فرواه عنه معمر هكذا، ورواه أبو بكر عنه به نحوه بلفظ: " فإما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بساطا يوطأ ". أخرجه النسائي (٢ / ٣٠٢) . والأول أصح، لأن معمرا حفظه عن أبي بكر وهو ابن عياش الكوفي قال الحافظ: " ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح ". فقه الحديث: الأول: تحريم الصور، لأنها سبب لمنع دخول الملائكة، والأحاديث في تحريمها أشهر من أن تذكر. الثاني: أن التحريم يشمل الصور التي ليست مجسمة ولا ظل لها لعموم قول جبريل ﵇: " فإنا لا ندخل بيتا فيه تماثيل "، وهي الصور، ويؤيده أن التماثيل التي كانت على القرام لا ظل لها، ولا فرق في ذلك بين ما كان منها تطريزا على الثوب أو كتابة على الورق، أو رسما بالآلة الفوتوغرافية إذ كل ذلك صور وتصوير، والتفريق

стр. 688

بين التصوير اليدوي والتصوير الفوتوغرافي، فيحرم الأول دون الثاني، ظاهرية عصرية، وجمود لا يحمد كما حققته في " آداب الزفاف في السنة المطهرة " (ص ١١٢ - ١١٤) . الثالث: أن التحريم يشمل الصورة التي توطأ أيضا إذا تركت على حالها ولم تغير بالقطع، وهو الذي مال إليه الحافظ في " الفتح ". الرابع: أن قوله " حتى تصير كهيئة الشجرة "، دليل على أن التغيير الذي يحل به استعمال الصورة، إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة، فيغيرها حتى تصير على هيئة أخرى مباحة كالشجرة. وعليه فلا يجوز استعمال الصورة ولو كانت بحيث لا تعيش لو كانت حية كما يقول بعض الفقهاء، لأنها في هذه الحالة لا تزال صورة اسما وحقيقة، مثل الصور النصفية، وأمثالها، فاعلم هذا فإنه مما يهم المسلم معرفته في هذا العصر الذي انتشرت فيه الصور وعمت وطمت.، وإن شئت زيادة تحقيق في هذا، فراجع المصدر السابق (ص ١١١ / ١١٢) . الخامس: فيه إشارة إلى أن الصورة إذا كانت من الجمادات فهي جائزة، ولا تمنع من دخول الملائكة، لقوله " كهيئة الشجرة "، فإنه لو كان تصوير الشجر حراما كتصوير ذوات الأرواح، لم يأمر جبريل ﵇، بتغييرها إلى صورة شجرة، وهذا ظاهر، ويؤيده حديث ابن عباس ﵁ " وإن كنت لابد فاعلا، فاصنع الشجرة، وما لا نفس له ". رواه مسلم وأحمد (١ / ٣٠٨) . السادس: تحريم اقتناء الكلب لأنه أيضا سبب يمنع من دخول الملائكة، وهل يمنع لو كان كلب ماشية أو صيد، الظاهر لا، لأنه يباح اقتناؤه. ويؤيده أن الصورة إذا كانت مباحة لا تمنع أيضا من دخول الملائكة بدليل أن

стр. 689

السيدة عائشة ﵂ كانت تقتني لعب البنات، وتلعب بها هي ورفيقاتها على مرأة من النبي ﷺ ، فلا ينكرها عليها كما ثبت في البخاري وغيره، فلو كان ذلك مانعا من دخول الملائكة لما أقرها ﷺ عليه. والله أعلم. ٣٥٧ - " من أحب أن يتمثل له الناس قياما، فليتبوأ مقعده من النار ". أخرجه البخاري في " الأدب " (٩٧٧) وأبو داود (٥٢٢٩) والترمذي (٢ / ١٢٥) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٤٠) واللفظ له وأحمد (٤ / ٩٣، ١٠٠) والدولابي في " الكنى " (١ / ٩٥) والمخلص في " الفوائد المنتقاة " (ق ١٩٦ / ٢) وعبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (ق ٥١ / ٢) والبغوي في " حديث علي بن الجعد " (٧ / ٦٩ / ٢) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ٢١٩) من طرق عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال: " دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر، فقام ابن عامر، وثبت ابن الزبير، وكان أدر بهما فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: بل هو حديث صحيح، رجال إسناده ثقات رجال الشيخين، وأبو مجلز اسمه لاحق بن حميد، وهو ثقة، وحبيب بن الشهيد ثقة ثبت كما في " التقريب "، فلا وجه للاقتصار على تحسينه، وإن سكت عليه الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٢) ، لاسيما وله طريق أخرى، فقال المخلص في " الفوائد ": حدثنا عبد الله أنبأنا داود: أنبأنا مروان أنبأنا مغيرة بن مسلم السراج عن عبد الله بن بريدة قال:

стр. 690

" خرج معاوية فرآهم قياما لخروجه، فقال لهم: اجلسوا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سره أن يقوم له بنو آدم، وجبت له النار ". قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير شيخ المخلص عبد الله، وهو الحافظ أبو القاسم البغوي، ومغيرة بن مسلم السراج وهما ثقتان بلا خلاف وداود هو ابن رشيد، ومروان هو ابن معاوية الفزاري الكوفي الحافظ. وقد تابعه شبابة بن سوار حدثني المغيرة بن مسلم به إلا أنه قال: " من أحب أن يستجم له الرجال ... " والباقي مثله. أخرجه الطحاوي (٢ / ٣٨ - ٣٩) والخطيب في " تاريخ بغداد " (١٣ / ١٩٣) . وللحديث عنده (١١ / ٣٦١) شاهد مرسل في قصة طريفة، أخرجه من طريق عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد قال: سمعت أبي يقول: " لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، ثم خرج، فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد، فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ ، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول قال النبي ﷺ : (فذكره باللفظ الأول) قال: فأطرق المأمون متفكرا في الحديث، ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار ". قلت: فصدق في علي بن الجعد (وهو ثقة ثبت) قول الله : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب) .

стр. 691

ونحو هذه القصة ما أخرج الدينوري في " المنتقى من المجالسة " (ق ٨ / ١ - نسخة حلب) : حدثنا أحمد بن علي البصري قال: " وجه المتوكل إلى أحمد بن العدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم إلا أحمد بن العدل، فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوء، فقال أحمد بن العدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري من سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله تعالى، قال النبي ﷺ : " من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده في النار "، فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه ". وروى ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٩ / ١٧٠ / ٢) بسنده عن الأوزاعي حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز قال: " خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة، فلما رأيناه قمنا، فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا، ولكن توسعوا ". فقه الحديث: دلنا هذا الحديث على أمرين. الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له، وهو صريح الدلالة بحيث أنه لا يحتاج إلى بيان. والآخر: كراهة القيام من الجالسين للداخل، ولو كان لا يحب القيام، وذلك من باب التعاون على الخير، وعدم فتح باب الشر، وهذا معنى دقيق دلنا عليه راوي الحديث معاوية ﵁، وذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه له، واحتج عليه بالحديث، وذلك من فقهه في الدين، وعلمه بقواعد الشريعة، التي منها " سد الذرائع "، ومعرفته بطبائع البشر، وتأثرهم بأسباب الخير والشر، فإنك إذا تصورت مجتمعا صالحا كمجتمع السلف الأول، لم يعتادوا القيام بعضهم لبعض، فمن النادر

стр. 692

أن تجد فيهم من يحب هذا القيام الذي يرديه في النار، وذلك لعدم وجود ما يذكره به وهو القيام نفسه، وعلى العكس من ذلك إذا نظرت إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم، قد اعتادوا القيام المذكور، فإن هذه العادة لاسيما مع الاستمرار عليها فإنها تذكره به، ثم إن النفس تتوق إليه وتشتهيه حتى تحبه، فإذا أحبه هلك، فكان من باب التعاون على البر والتقوى أن يترك هذا القيام، حتى لمن نظنه أنه لا يحبه خشية أن يجره قيامنا له إلى أن يحبه، فنكون قد ساعدناه على إهلاك نفسه وذا لا يجوز. ومن الأدلة الشاهدة على ذلك أنك ترى بعض أهل العلم الذين يظن فيهم حسن الخلق، تتغير نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على فرد لم يقم له، هذا إذا لم يغضبوا عليه ولم ينسبوه إلى قلة الأدب، ويبشروه بالحرمان من بركة العلم بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم. بل إن فيهم من يدعوهم إلى القيام، ويخدعهم بمثل قوله " أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم ولحم، وإنما تقومون للعلم الذي في صدري "! ! كأن النبي ﷺ عنده لم يكن لديه علم! ! لأن الصحابة كانوا لا يقومون له، أو أن الصحابة كانوا لا يعظمونه ﵇ التعظيم اللائق به! فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم؟ ! ومن أجل هذا الحديث وغيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير كما في " الفتح " (١١ / ٤١) ثم قال: " ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام، ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس، ولو كان في شغل نفسه، فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها، فتتلقاه وتنزع ثيابه، وتقف حتى يجلس؟ فقال: أما التلقي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس فلا، فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز ". قلت: وليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلا، والذين خالفوا فذهبوا إلى جواز هذا القيام بل استحبابه، استدلوا بأحاديث بعضها صحيح، وبعضها ضعيف والكل عند التأمل في طرقها ومتونها لا ينهض للاستدلال على ذلك، ومن أمثلة القسم الأول حديث " قوموا إلى سيدكم ". وقد تقدم الجواب عنه

стр. 693

برقم (٦٧) من وجوه أقواه أنه صح بزيادة: " فأنزلوه " فراجعه. ومن أمثلة القسم الآخر حديث قيامه ﷺ حين أقبل عليه أخوه من الرضاعة فأجلسه بين يديه. فهو حديث ضعيف معضل الإسناد، ولو صح فلا دليل فيه أيضا وقد بينت ذلك كله في " الأحاديث الضعيفة " (١١٤٨) . ٣٥٨ - " ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما كانوا يعلمون من كراهيته لذلك ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٩٤٦) والترمذي (٢ / ١٢٥) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٣٩) وأحمد (٣ / ١٣٢) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ١٨٣ / ٢) واللفظ له من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ". قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وهذا الحديث مما يقوي ما دل عليه الحديث السابق من المنع من القيام للإكرام لأن القيام لو كان إكراما شرعا، لم يجز له ﷺ أن يكرهه من أصحابه له، وهو أحق الناس بالإكرام، وهم أعرف الناس بحقه عليه الصلاة والسلام. وأيضا فقد كره الرسول ﷺ هذا القيام له من أصحابه، فعلى المسلم - خاصة إذا كان من أهل العلم وذوي القدوة - أن يكره ذلك لنفسه اقتداء به ﷺ ، وأن يكره لغيره من المسلمين لقوله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير "، فلا يقوم له أحد، ولا هو يقوم لأحد، بل كراهتهم لهذا القيام أولى بهم

стр. 694

من النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك لأنهم إن لم يكرهوه اعتادوا القيام بعضهم لبعض، وذلك يؤدي بهم إلى حبهم له، وهو سبب يستحقون عليه النار كما في الحديث السابق، وليس كذلك رسول الله ﷺ ، فإنه معصوم من أن يحب مثل هذه المعصية، فإذا كان مع ذلك قد كره القيام له، كان واضحا أن المسلم أولى بكراهته له. ٣٥٩ - " نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل ". هو من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وله عنه طرق: الأولى: عن محمد بن علي عنه. أخرجه البخاري (٤ / ١٦) ومسلم (٦ / ٦٦) وأبو داود (٣٧٨٨) والنسائي (٢ / ١٩٩) والترمذي (١ / ٣٣١) والدارمي (٢ / ٨٧) والطحاوي (٢ / ٣١٨) والبيهقي (٩ / ٣٢٥) وأحمد (٣ / ٣٦١، ٣٨٥) من طرق عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي به. وتابعه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، فأسقط من الإسناد محمد ابن علي، ولفظه: " أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر ". أخرجه النسائي والطحاوي والترمذي (١ / ٣٣١) وقال: " هذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى غير واحد عن عمرو بن دينار عن جابر ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر ورواية ابن عيينة أصح. وسمعت محمدا يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد ابن زيد ". قال الحافظ في " الفتح " (٩ / ٥٥٩) :

стр. 695

" قلت: لكن اقتصر البخاري ومسلم على تخريج طريق حماد بن زيد، وقد وافقه ابن جريج عن عمرو وعلى إدخال الواسطة بين عمرو وجابر ولكنه لم يسمه، أخرجه أبو داود ". الثانية: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي ". أخرجه مسلم وأبو داود (٣٧٨٩) والنسائي وابن ماجه (٣١٩١) والطحاوي والبيهقي وأحمد (٣ / ٣٥٦، ٣٦٢) من طرق عن أبي الزبير به. ولفظ النسائي مثل لفظ ابن عيينة المتقدم بزيادة: " يوم خيبر ". ولفظ أبي داود وأحمد: " ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل ". الثالثة: عن عطاء عنه قال: " كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ " زاد في رواية: " قلت: فالبغال؟ قال: لا ". أخرجه النسائي واللفظ له وابن ماجه (٣١٩٧) والزيادة له والطحاوي (٢ / ٣١٨، ٣٢٢) والبيهقي. قلت: وإسناده صحيح. وللحديث شاهد من رواية أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت:

стр. 696

" نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه (بالمدينة) ". أخرجه البخاري ومسلم والدارمي والبيهقي وأحمد (٦ / ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٥٣) والزيادة للدارمي ورواية للبخاري. وفي الحديث جواز أكل لحوم الخيل، وهو مذهب الأئمة الأربعة سوى أبي حنيفة فذهب إلى التحريم خلافا لصاحبيه فإنهما وافقا الجمهور، وهو الحق لهذا الحديث الصحيح، ولذلك اختاره الإمام أبو جعفر الطحاوي، وذكر أن حجة أبي حنيفة حديث خالد بن الوليد مرفوعا: " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ". ولكنه حديث منكر ضعيف الإسناد لا يحتج به إذا لم يخالف ما هو أصح منه، فكيف وقد خالف حديثين صحيحين كما ترى. وقد بينت ضعفه وعلله في " السلسلة الضعيفة " رقم (١١٤٩) . ٣٦٠ - " ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " فقال (١٥٥٨ - موارد) : أخبرنا أحمد ابن علي بن المثنى حدثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي أنبأنا جرير بن عبد الحميد عن رقبة بن مصقلة عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وهو ثقة، وأحمد بن علي بن المثنى هو أبو يعلى الموصلي وهو ثقة حافظ. وقد أخرجه في " مسنده "، فقال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ٢٤٠) .

стр. 697

" رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الرحمن بن مسعود (!) وهو ثقة ". قلت: وله طريق أخرى عن أبي هريرة وحده. أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ١١٧) والخطيب في " تاريخ بغداد " عن داود بن سليمان الخراساني: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عنه. وقال الطبراني: " تفرد به داود بن سليمان، وهو شيخ لا بأس به ". قلت: وهذه فائدة عزيزة، فإن توثيق الطبراني للخراساني هذا مما لم يرد له ذكر في كتب الرجال مثل " الميزان " و " اللسان " وغيرهما، وإنما جاء فيهما أن الأزدي قال: " ضعيف جدا ". قلت: وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الستة، فهو شاهد لا بأس به عندي والله أعلم.

стр. 698

٣٦١ - " ليوشك رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا، ولم يل من أمر الناس شيئا ". أخرجه الحاكم (٤ / ٩١) من طريق عاصم بن بهدلة عن يزيد بن شريك أن الضحاك بن قيس بعث معه بكسوة إلى مروان بن الحكم فقال مروان للبواب: أنظر من بالباب؟ قال: أبو هريرة، فأذن له فقال: يا أبا هريرة حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره. وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي. قلت: وإنما هو حسن فقط للخلاف المعروف في حفظ عاصم هذا، والذهبي نفسه لما ترجمه في " الميزان "، وحكى أقوال الأئمة فيه قال: " قلت: هو حسن الحديث ". ٣٦٢ - " لا يحل للخليفة إلا قصعتان قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها ". رواه ابن أبي الدنيا في " الورع " (١٦٨ / ٢) : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: أنبأنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن زرير الغافقي قال:

стр. 699

دخلنا على علي بن أبي طالب يوم أضحى فقدم إلينا خزيرة، فقلنا يا أمير المؤمنين لو قدمت إلينا من هذا البط والوز، والخير كثير، قال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره. ورواه أحمد (رقم ١ / ٧٨) وعنه ابن عساكر (١٢ / ١٨٨ / ١) من طريقين آخرين عن ابن لهيعة به. ورواه ابن عساكر من طريق حرملة عن ابن وهب به موقوفا على علي. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وابن لهيعة إنما يخشى من سوء حفظه إذا لم يكن الحديث من رواية أحد العبادلة عنه كما صرح بذلك بعض الأئمة المتقدمين، وهذه كما ترى من رواية عبد الله بن وهب عنه. والحديث قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥ / ٢٣١) : " رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف ". وأقول: الصواب فيه أنه ضعيف الحديث في غير رواية العبادلة عنه. صحيح الحديث من رواية أحدهم عنه كما سبق. وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في " مسلم " بعض شيء مقرون ". ٣٦٣ - " أربعة يبغضهم الله : البياع الحلاف والفقير المختال والشيخ الزاني والإمام الجائر ". أخرجه النسائي (١ / ٣٥٩) وابن حبان (١٠٩٨) من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.

стр. 700

٣٦٤ - " باع آخرته بدنياه. قاله لرجل باع بثمن حلف أن لا يبيع به ". أخرجه ابن حبان (١٠٩٩) : أخبرنا عبد الله بن صالح البخاري - ببغداد - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا ابن فديك عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير عن أبي سعيد قال: " مر أعرابي بشاة، فقلت: تبيعها بثلاثة دراهم؟ فقال: لا والله، ثم باعها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال ". فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " غير عبد الله بن صالح البخاري وهو ثقة مترجم له في " تاريخ بغداد " (٩ / ٤٨١) . ٣٦٥ - " احضروا الذكر وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها ". أخرجه أبو داود (١١٩٨) والحاكم (١ / ٢٨٩) وعنهما البيهقي (٣ / ٢٣٨) وأحمد (٥ / ١١) من طريق معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده - ولم أسمعه منه: قال قتادة: عن يحيى بن مالك عن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: فذكره. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. كذا قالا، ويحيى بن مالك هذا، قد أغفله كل من صنف في رجال الستة فيما علمنا فليس هو في " التهذيب " " ولا في " التقريب " ولا في " التذهيب ".

стр. 701

نعم ترجمه ابن أبي حاتم فقال (٤ / ٢ / ١٩٠) : " يحيى بن مالك، أبو أيوب الأزدي العتكي البصري المراغي، قبيلة من العرب. روى عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وابن عباس، وسمرة بن جندب، وجويرية. مات في ولاية الحجاج. روى عنه قتادة، وأبو عمران الجوني، وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل ". ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وأورده ابن حبان في " الثقات " (١ / ٢٥٦) وقال: " من أهل البصرة، يروي عن عبد الله بن عمر، روى عنه قتادة، مات أبو أيوب في ولاية الحجاج ". قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى لتابعيته، ورواية جماعة من الثقات عنه، مع تصحيح الحاكم والذهبي لحديثه. والله أعلم. وخالفه الحكم بن عبد الملك فقال: عن قتادة عن الحسن عن سمرة به. أخرجه أحمد (٥ / ١٠) وكذا الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٧٠) وقال: " لم يروه عن قتادة إلا الحكم ". قلت: وهو ضعيف كما قال الهيثمي (٢ / ١٧٧) ، وأشار المنذري في " الترغيب " (١ / ٢٥٥) إلى تضعيف الحديث وعزاه للطبراني والأصبهاني. وفاته هو والهيثمي أنه في " المسند "، بل وفي " السنن " و " المستدرك " مصداقا للقول المشهور: " كم ترك الأول للآخر ". (تنبيه) لفظ الحكم: " ... فإن الرجل ليكون من أهل الجنة، فيتأخر عن الجمعة، فيؤخر عن الجنة، وإنه لمن أهلها ".

стр. 702

وهذا مخالف للفظ هشام كما هو ظاهر، فهو منكر من أجل المخالفة. والله أعلم. ٣٦٦ - " إن التجار هم الفجار. قيل يا رسول الله: أو ليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون ". رواه أحمد (٣ / ٤٢٨) والطحاوي في " المشكل " (٣ / ١٢) والحاكم (٢ / ٦ - ٧) عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو راشد الحبراني سمع عبد الرحمن بن شبل يقول: فذكره مرفوعا. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد، وقد ذكر هشام بن أبي عبد الله سماع يحيى بن أبي كثير من أبي راشد، وهشام ثقة مأمون، وأدخل أبان بن يزيد العطار بينهما زيد بن سلام " ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ثم أخرجه الحاكم وابن عساكر (٧ / ٤٨٦ / ٢) عن أبان به. وصرح ابن عساكر بسماع يحيى من زيد بن سلام أيضا. وخالفهم معمر فقال: عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده قال: كتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل أن علم الناس ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم فقال: فذكره مرفوعا. رواه ابن عساكر.

стр. 703

ثم رواه من طريق معاوية بن سلام عن أخيه عن جده أبي سلام عن أبي راشد به مختصرا. والحديث قال المنذري (٣ / ٢٩) : " رواه أحمد بإسناد جيد ". ٣٦٧ - " إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء. يعني في الجنة ". رواه أبو نعيم في " صفة الجنة " (١٦٩ / ١ - شيخ الإسلام) والضياء في " صفة الجنة " (٨٢ / ٢) من طريق الطبراني بسندين له عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: فذكره وقال الطبراني: " تفرد به الجعفي " قال المقدسي: " قلت: ورجاله عندي على شرط الصحيح ". قلت: وهو كما قال فالسند صحيح ولا نعلم له علة. وقد وجدت له شاهدا من حديث ابن عباس مرفوعا، أخرجه الحربي في " الغريب " (٥ / ٥٢ / ٢)

стр. 704

وأبو نعيم عن زيد بن الحواري عنه، ورجاله ثقات غير زيد هذا فهو ضعيف. ٣٦٨ - " المرأة أحق بولدها ما لم تزوج ". أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤١٨) من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده. " أن امرأة خاصمت زوجها في ولدها، فقال النبي ﷺ ... ". فذكره. وكذلك رواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا المثنى بن الصباح به. وعن عبد الرزاق رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " كما في " نصب الراية " (٣ / ٢٦٥) . قال الحافظ في " التلخيص " (٤ / ١١) : " والمثنى بن الصباح ضعيف. ويقويه ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم عن عكرمة قال: " خاصمت امرأة عمر عمر إلى أبي بكر، وكان طلقها، فقال أبو بكر: هي أعطف وألطف وأرحم وأحن وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ". أقول: وهذا مع كونه موقوفا، فهو مرسل، وقد روي من وجوه أخرى مرسلا في " الموطأ " و " المصنف " لابن أبي شيبة ومن وجه آخر موصولا بإسناد ضعيف منقطع وقد خرجت ذلك كله في " إرواء الغليل " (٢٢٥٠) ، ولذلك فإني أرى أن تقوية الحديث بهذا الموقوف ليس بالقوي، فالأولى تقويته بأن المثنى قد توبع عليه من غير واحد، فتابعه ابن جريج عند أحمد (٢ / ١٨٢) والدارقطني، والأوزاعي عند أبي داود (٢٢٧٦) والحاكم (٢ / ٢٠٧) كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن

стр. 705

عمرو به أتم منه، ولفظه: " أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : أنت أحق به ما لم تنكحي ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وأقول: إنما هو حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال المحقق ابن القيم في " زاد المعاد في هدي خير العباد ": " هذا الحديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بدا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي ﷺ حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد صرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو فبطل قول من يقول: لعله محمد والد شعيب فيكون الحديث مرسلا، وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، فبطل قول من قال: إنه منقطع. وقد احتج به البخاري خارج " صحيحه "، ونص على صحة حديثه، وقال: كان الحميدي وأحمد وإسحاق وعلي بن عبد الله يحتجون بحديثه، فمن الناس بعدهم؟ ! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن عمر، وحكى الحاكم في " علوم الحديث " له الاتفاق على صحة حديثه. وقولها: " كان بطني له وعاء " إلى آخره إدلاء منها وتوسل إلى اختصاصها به كما اختص بها في هذه المواطن الثلاثة، والأب لم يشاركها في ذلك، فنبهت في هذا الاختصاص على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء والمخاصمة، وفي هذا دليل
следующие страницы →