Полный текст (6 550 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار
المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس ".
٢ - جواز الشرب بنفس واحد، لأن النبي ﷺ لم ينكر على الرجل
حين قال: " إني لا أروى من نفس واحد "، فلو كان الشرب بنفس واحد لا يجوز،
لبينه ﷺ له، ولقال له مثلا: " وهل يجوز الشرب من نفس واحد
؟ ! ".
وكان هذا أولى من القول له: " فأبن القدح ... "، لو لم يكن ذلك جائزا، فدل
قوله هذا على جواز الشرب بنفس واحد، وأنه إذا أراد أن يتنفس تنفس خارج الإناء
وهذا ما صرح به حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
" إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود، فلينح الإناء،
ثم ليعد، إن كان يريد ".
٣٨٦ - " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد
إن كان يريد ".
أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٧) والحاكم (٤ / ١٣٩) من طريق الحارث بن أبي ذباب عن
عمه عنه.
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
وسكت عنه الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٨١) وإسناده حسن عندي، فإن الحارث
هذا هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، ليس به بأس كما قال
أبو زرعة.
وعمه ذكره ابن منده في الصحابة وسماه عياضا كما قال الحافظ في " التهذيب ".
وقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٢٠٦ / ٢) :
" هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وعم الحارث اسمه عبد الله بن عبد الرحمن ابن
الحارث ".
стр. 737
وقال الحافظ في " الفتح ":
" واستدل به لمالك على جواز الشرب بنفس واحد، وأخرج ابن أبي شيبة الجواز عن
سعيد بن المسيب وطائفة، وقال عمر بن عبد العزيز:
" إنما نهي عن التنفس داخل الإناء، فأما من لم يتنفس، فإن شاء فليشرب بنفس
واحد ".
قلت: وهو تفصيل حسن، وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة
مرفوعا. أخرجه الحاكم، وهو محمول على التفصيل المذكور ".
قلت: لم أر الحديث المشار إليه عند الحاكم من حديث أبي قتادة، وإنما هو عنده
من حديث أبي هريرة، وهو الذي سقت لفظه آنفا من رواية ابن ماجه، ولفظه عند
الحاكم:
" لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب منه، ولكن إذا أراد أن يتنفس
فليؤخره عنه ثم يتنفس ".
فأنا أظن أنه هو الذي أراده الحافظ، لكنه وهم في عزوه لحديث أبي قتادة.
والله أعلم.
ثم إن ما تقدم من جواز الشرب بنفس واحد، لا ينافي أن السنة أن يشرب بثلاثة
أنفاس، فكلاهما جائز لكن الثاني أفضل لحديث أنس بن مالك ﵁ قال:
" كان إذا شرب تنفس ثلاثا، وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ ".
٣٨٧ - " كان إذا شرب تنفس ثلاثا، وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ ".
أخرجه مسلم وأبو داود (٣٧٢٧) والنسائي في " الكبرى " (ق ٦٥ / ٢)
والترمذي (١ / ٣٤٤) وحسنه، وأحمد (٣ / ١١٨ - ١١٩، ١٨٥، ٢١١، ٢٥١)
عن عبد الوارث بن سعيد أبي عصام عنه.
стр. 738
وتابعه ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس به، دون قوله:
" وقال: هو أهنأ ... ".
أخرجه مسلم والنسائي والترمذي وأحمد (٣ / ١١٤، ١٢٨، ١٨٥) . وفي رواية
للنسائي من الطريق الأولى بلفظ:
" إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاث مرات فإنه أهنأ وأمرأ ".
وإسناده هكذا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال:
حدثني هشام بن أبي عبد الله به.
قلت: وهذا سند صحيح، وكل من هشام وعبد الوارث بن سعيد ثقة ثبت، وقد
اختلفا في لفظه على أبي عصام، فرواه أحدهما من فعله ﷺ ،
والآخر من قوله. ويرجح الأول الطريق الثانية عن أنس فإنها من فعله أيضا.
(تنبيه)
عزى السيوطي في " الجامع الصغير " الحديث لـ (ق، ٤) ولم أره في البخاري
وابن ماجه. والله أعلم.
٣٨٨ - " نهى عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب ".
أخرجه أبو داود (٣٧٢٢) وابن حبان (١٣٦٦) وأحمد (٣ / ٨٠) وكذا ابنه
عبد الله من طريق قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: فذكره مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم رجال مسلم لولا ما في قرة بن عبد الرحمن
من الكلام.
وقال الحافظ:
стр. 739
" اسمه يحيى، صدوق، وله مناكير ".
قلت: لكن لحديثه شواهد تدل على صحته، وأنه قد حفظه.
أما الشطر الثاني منه، فله شواهد كثيرة تقدم ذكر أحدها في الحديث الذي قبله.
وأما الشطر الأول، فيشهد له حديث أبي هريرة قال:
" نهى أن يشرب من كسر القدح ".
قال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ٧٨) :
" رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات رجال الصحيح ".
وحديث سهل بن سعد:
" أن النبي ﷺ نهى أن ينفخ في الشراب وأن يشرب من ثلمة
القدح ". " رواه الطبراني، وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل وهو ضعيف ".
وعن ابن عباس وابن عمر قالا:
" يكره أن يشرب من ثلمة القدح، وأذن القدح ".
" رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ".
٣٨٩ - " إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى
أنضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ".
أخرجه أحمد (٥ / ٣٣١) حدثنا أنس بن عياض حدثني أبو حازم لا أعلمه إلا عن
سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ .
стр. 740
ومن هذا الوجه أخرجه الروياني أيضا في " مسنده " (٢٩ / ١٩٧ - ١٩٨) والبيهقي
في " الشعب " (٢ / ٣٨٤ / ١ مصورة المكتب الإسلامي) .
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند أحمد ثلاثي.
وقال الهيثمي (١٠ / ١٩٠) :
" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين،
ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم وهو ثقة ".
٣٩٠ - " كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه ".
أخرجه النسائي (١ / ٥٠) : أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد قال: حدثنا عبد الله
بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة ﵂:
" أن رسول الله ﷺ كان ... ".
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عبيد وهو
أبو جعفر أو أبو يعلى النحاس الكوفي وهو صدوق.
وتابعه سويد بن نصر قال أنبأنا عبد الله عن يونس به.
أخرجه النسائي وفي " الكبرى " أيضا (ق ٦٥ / ٢) .
стр. 741
وسويد بن نصر ثقة. وتابعه علي بن إسحاق قال: أنبأنا عبد الله به. وتابعه
محمد بن بكر قال: أنبأنا يونس به. أخرجه أحمد (٦ / ١١٨ - ١١٩، ١١٩)
فالحديث صحيح على شرطهما، وقد صححه ابن حبان (٢٣١) .
قلت: وهذا حديث عزيز جيد، فيه سنية غسل اليدين قبل الطعام فهو يغني عن
الحديث المشهور في الباب بلفظ:
" بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ".
وقد تكلمنا عليه في " الأحاديث الضعيفة " (رقم ١٦٨) .
٣٩١ - " إذا أكل أحدكم الطعام فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها ولا يرفع صحفة حتى
يلعقها أو يلعقها، فإن آخر الطعام فيه بركة ".
أخرجه النسائي في " السنن الكبرى " (ق ٦٠ / ١ - الوليمة) : أخبرنا يوسف
بن سعيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال:
سمعت جابر يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير يوسف بن سعيد وهو ابن
مسلم المصيصي وهو ثقة حافظ.
стр. 742
وقد أخرجه مسلم من طريق سفيان عن أبي الزبير عن
جابر، هكذا معنعنا، وأبو الزبير مدلس معروف بذلك، ولا يحتج بحديثه إلا ما
صرح فيه بالتحديث، وقد صرح به في رواية ابن جريج هذه، وهي فائدة هامة
ولذلك أخرجتها هنا.
على أن لأبي الزبير متابعا ولحديثه شاهدا، أخرجت ذلك كله في " إرواء الغليل "
رقم (٢٠٣٠) فلا ضرورة لإعادة ذلك هنا.
وفي الحديث أدب جميل من آداب الطعام الواجبة، ألا وهو لعق الأصابع ومسح
الصحفة بها. وقد أخل بذلك أكثر المسلمين اليوم متأثرين في ذلك بعادات أوربا
الكافرة، وآدابها القائمة على الاعتداد بالمادة، وعدم الاعتراف بخالقها
والشكر له على نعمه. فليحذر المسلم من أن يقلدهم في ذلك فيكون منهم لقوله صلى
الله عليه وسلم:
" ... ومن تشبه بقوم فهو منهم ".
وإنما قلت: " ... الواجبة " لأمره ﷺ بذلك، ونهيه عن
الإخلال به.
فكن مؤمنا يأتمر بأمره ﷺ ، وينتهي عما نهى عنه، ولا تبال
بالمستهزئين الذين يصدون عن سبيل الله من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
٣٩٢ - " إنه أعظم للبركة. يعني الطعام الذي ذهب فوره ".
أخرجه الدارمي (٢ / ١٠٠) وابن حبان (١٣٤٤) والحاكم (٤ / ١١٨) وابن أبي
الدنيا في " الجوع " (١٤ / ٢) والبيهقي (٧ / ٢٨٠) عن قرة بن عبد الرحمن عن
ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر.
أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول ... فذكره.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي!
стр. 743
قلت: وذلك من أوهامهما فإن قرة بن عبد الرحمن لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج
له في الشواهد كما صرح بذلك الذهبي نفسه في " الميزان "، ثم هو في نفسه ضعيف
من قبل حفظه، وقد مضى ذكر شيء من حاله في أول الكتاب.
نعم إنه لم يتفرد به، فقد تابعه عقيل بن خالد عن ابن شهاب به.
أخرجه أحمد (٦ / ٣٥٠) : حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن لهيعة عن عقيل،
وحدثنا عتاب قال: حدثنا عبد الله، قال: أنبأنا ابن لهيعة، قال: حدثني
عقيل ابن خالد عن ابن شهاب به.
قلت: وهذا إسناد صحيح من طريق عبد الله وهو ابن المبارك، فإن ابن لهيعة
وإن كان معروفا بسوء الحفظ، لكن المحققين من العلماء على أن حديثه صحيح إذا
كان من رواية العبادلة عنه منهم عبد الله بن المبارك. وقد رواه عنه كما ترى.
وعتاب هو ابن زياد المروزي، قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ١٣) عن أبيه:
" ثقة ".
ولم يورده الحافظ في " التعجيل " مع أنه على شرطه!
وقد صح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
" لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره ".
أخرجه البيهقي بإسناد صحيح كما بينته في " الإرواء " (٢٠٣٨) .
وأخرج الحاكم من طريق محمد بن عبيد الله بن العرزمي عن عطاء عن جابر
مرفوعا بلفظ:
" أبردوا الطعام الحار، فإن الطعام الحار غير ذي بركة ".
والعرزمي هذا متروك شديد الضعف، لكن ذكر له السيوطي في " الجامع " شواهد عدة
في بعضها نظر، منها حديث
стр. 744
أسماء هذا، ولا يخفى على اللبيب أن قوله فيه
" أعظم للبركة " لا يساوي قوله " غير ذي بركة " فإن الأول يدل بمفهومه أنه دونه
في البركة، فهذا شيء، وقوله " غير ذي بركة " فليحقق النظر في الشواهد الأخرى
من حيث إسنادها ومن جهة شهادتها، فإن من تلك الشواهد ما عزاه لـ " الحلية "
من حديث أنس. ولم أره فيه بهذا اللفظ. ثم رأيت المناوي ذكر أنه يعني حديث
أنس قال: أتي النبي ﷺ بقصعة تفور، فرفع يده منها وقال:
إن الله لم يطعمنا نارا، ثم ذكره.
ولم يتكلم عن إسناده بشيء ولا رأيته في " البغية في ترتيب أحاديث الحلية ".
٣٩٣ - " كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها، ثم قال: خذوا فكلوا،
فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم أرض فارس والروم، حتى يكثر الطعام فلا
يذكر اسم الله عليه ".
صحيح، رواه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٩٨ / ١) وعنه ابن عساكر (٨ /
٥٣٢ / ٢) والبيهقي (٧ / ٢٨٣) والضياء في " المختارة " (١١٢ / ١) عن عمرو
بن عثمان حدثنا أبي حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عرق حدثنا عبد الله بن بسر
قال:
أهديت للنبي ﷺ شاة والطعام يومئذ قليل، فقال لأهله: اطبخوا
هذه الشاة وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه واطبخوا واثردوا عليه، قال:
وكان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال، فلما
أصبح وسبحوا الضحى أتى بتلك القصعة والتقوا عليها، فإذا كثر الناس جثا رسول
الله ﷺ ، فقال: أعرابي ما هذه الجلسة؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ثم قال رسول
الله ﷺ : فذكره.
وأخرجه أبو داود (٣٧٧٣) وابن ماجه مفرقا في موضعين (٣٢٦٣، ٣٢٧٥) دون
قوله: " ثم قال ... ".
стр. 745
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات وعثمان هو ابن سعيد بن كثير الحمصي.
والحديث علم من أعلام نبوته ﷺ فقد فتح سلفنا أرض فارس
والروم وورثنا ذلك منهم، وطغى الكثيرون منا فأعرضوا عن الشريعة وآدابها
التي منها ابتداء الطعام بـ " بسم الله " فنسوا هذا حتى لا تكاد تجد فيهم
ذاكرا!
٣٩٤ - " يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية أرغبت عن سنتي؟! قال: لا يا رسول الله
قال: إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن
سنتي فليس مني، يا عثمان إن لأهلك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ".
أخرجه الدارمي (٢ / ١٣٢) : حدثنا محمد بن يزيد الحزامي حدثنا يونس بن بكير:
حدثني ابن إسحاق: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد ابن أبي وقاص
قال:
" لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء، بعث إليه رسول الله
ﷺ ، فقال ... (فذكره) . قال سعد: فو الله لقد كان أجمع
رجال من المسلمين على أن رسول الله ﷺ إن هو أقر عثمان على ما
هو عليه أن نختصي، فنتبتل ".
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير ابن إسحاق، وهو ثقة
مدلس، ولكنه صرح بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه.
وله فيه إسناد آخر عن عائشة ﵂ نحوه، وتوبع عليه كما بينته في
" إرواء الغليل " (٢٠٧٥) .
стр. 746
٣٩٥ - " لا تصوم المرأة يوما تطوعا في غير رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه ".
أخرجه الدارمي في " سننه " (٢ / ١٢) : أخبرنا محمد بن أحمد حدثنا سفيان عن
أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، جميع رواته ثقات من رجاله.
والحديث أخرجه الشيخان من طرق عن سفيان دون قوله: " يوما تطوعا في غير
رمضان ".
وهي زيادة صحيحة ثابتة، ومن أجلها خرجت الحديث هنا، وقد جاءت من طريقين
آخرين عن أبي هريرة نحوه. وإسناد أحدهما صحيح، والآخر حسن، وله شاهد من
حديث أبي سعيد الخدري أتم منه وفيه بيان سبب وروده، مع فوائد أخرى ينبغي
الاطلاع عليها، وهذا نصه، قال ﵁:
" جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله
إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة
الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت؟ فقال:
يا رسول الله أما قولها: " يضربني إذا صليت "، فإنها تقرأ بسورتين،
(فتعطلني) وقد نهيتها (عنهما) ، قال: فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت
الناس.
وأما قولها " يفطرني "، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب، فلا أصبر، فقال
رسول الله ﷺ يومئذ: " لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها ".
وأما قولها " إنى لا أصلي حتى تطلع الشمس " فإنا أهل بيت قد عرف لنا
стр. 747
ذاك،
لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل ".
أخرجه أبو داود والسياق له وابن حبان والحاكم وأحمد بإسناد صحيح على شرط
الشيخين. وقد خرجته مع طرق حديث أبي هريرة في " الإرواء " (٢٠٦٣) .
٣٩٦ - " كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس، فقال: إنكم كنتم أمواتا
فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي
صلاة فليصل إذا ذكر ".
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٥٨ / ١) عن عبد الجبار بن العباس الهمداني عن
عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الجبار هذا وهو
صدوق يتشيع كما قال الحافظ في " التقريب ".
قلت: والتشيع لا يضر في الرواية عند المحدثين، لأن العبرة في الراوي إنما
هو كونه مسلما عدلا ضابطا، أما التمذهب بمذهب مخالف لأهل السنة، فلا يعد
عندهم جارحا ما لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما بينه الحافظ
ابن حجر في " شرح النخبة ".
لاسيما وهذا الحديث قد جاء معناه في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أنس
وغيره من الصحابة، وفي حديثه زيادة: " لا كفارة لها إلا ذلك ".
فقه الحديث:
وفي الحديث دلالة على أن النائم عن الصلاة أو الناسي لها لا تسقط عنه
стр. 748
الصلاة،
وأنه يجب عليه أن يبادر إلى أدائها فور الاستيقاظ أو التذكر لها.
ودلت زيادة أنس ﵁، على أن ذلك هو الكفارة، وأنه إن لم يفعل فلا
يكفره شيء من الأعمال، اللهم إلا التوبة النصوح.
وفي ذلك كله دليل على أن الصلاة التي تعمد صاحبها إخراجها عن وقتها، فلا
يكفرها أن يصليها بعد وقتها، لأنه لا عذر له، والله يقول: (إن
الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) ، وليس هو كالذى نام عنها أو نسيها،
فهذا معذور بنص الحديث، ولذلك جعل له كفارة أن يصليها إذا تذكرها.
ألست ترى أن هذا المعذور نفسه إذا لم يبادر إلى الصلاة حين التذكر فلا كفارة له
بعد ذلك، لأنه أضاع الوقت الذي شرع الله له أن يتدارك فيه الصلاة الفائتة.
فإذا كان هذا هو شأن المعذور أنه لا قضاء له بعد فوات الوقت المشروع له، فمن
باب أولى أن يكون المتعمد الذي لم يصل الصلاة في وقتها وهو متذكر لها مكلف بها
أن لا يكون له كفارة. وهذا فقه ظاهر لمن تأمله متجردا عن التأثر بالتقليد
ورأي الجمهور.
ومما سبق يتبين خطأ بعض المتأخرين الذي قاسوا المتعمد على الناسي فقالوا:
" إذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما فوجوبه على العامد
المفرط أولى "!
مع أن هذا القياس ساقط الاعتبار من أصله، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه،
فإن العامد المتذكر ضد الناسي والنائم.
على أن القول بوجوب القضاء على المتعمد ينافي حكمة التوقيت للصلاة الذي هو شرط
من شروط صحة الصلاة، فإذا أخل بالشرط بطل المشروط بداهة،
стр. 749
وقول شيخ الشمال في
نشرة له في هذه المسألة " أن المصلي وجب عليه أمران: الصلاة، وإيقاعها في
وقتها، فإذا ترك أحد الأمرين بقي الآخر ".
فهذا مما يدل على جهل بالغ في الشرع، فإن الوقت للصلاة ليس فرضا فحسب، بل
وشرط أيضا، ألا ترى أنه لو صلى قبل الوقت لم تقبل صلاته باتفاق العلماء.
لكن كلام الشيخ المسكين يدل على أنه قد خرق اتفاقهم بقوله المتقدم، فإنه صريح
أنه لو صلى قبل الوقت فإنه أدى واجبا، وضيع آخر!
وهكذا يصدق عليه المثل السائر (من حفر بئرا لأخيه وقع فيه) ! فإنه يدندن
دائما حول اتهام أنصار السنة بخرقهم الإجماع أو اتفاق العلماء، فها هو قد
خالفهم بقوله المذكور الهزيل، هدانا الله وإياه سواء السبيل.
وبعد فهذه كلمة وجيزة حول هذه المسألة المهمة بمناسبة هذا الحديث الشريف،
ومن شاء تفصيل الكلام فيها فليرجع إلى كتاب الصلاة لابن القيم رحمه الله تعالى
فإنه أشبع القول عليها مع التحقيق الدقيق بما لا تجده في كتاب.
واعلم أنه ليس معنى قول أهل العلم المحققين ومنهم العز ابن عبد السلام
الشافعي أنه لا يشرع القضاء على التارك للصلاة عمدا، أنه من باب التهوين لشأن
ترك الصلاة حاشا لله، بل هو على النقيض من ذلك، فإنهم يقولون: إن من خطورة
الصلاة وأدائها في وقتها أنه لا يمكن أن يتداركها بعد وقتها إلى الأبد، فلا
يكفر ذنب إخراج الصلاة عن وقتها إلا ما يكفر أكبر الذنوب، ألا وهو التوبة
النصوح.
ولذلك فهم ينصحون من ابتلي بترك الصلاة أن يتوب إلى الله فورا، وأن يحافظ
على أداء الصلاة في أوقاتها ومع الجماعة، وأن يكثر من الصلاة النافلة حتى
يعوض بذلك بعض ما فاته من الثواب بتركه للصلاة في الوقت (وإن الحسنات يذهبت
السيئات) وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة " انظروا هل لعبدي من تطوع فتكملوا
بها فريضته ". أخرجه أبو داود وغيره.
стр. 750
٣٩٧ - " ما صدق نبي (من الأنبياء) ما صدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته
إلا رجل واحد ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢٣٠٥ موارد) قال: أخبرنا أبو خليفة حدثنا علي
بن المديني حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن المختار بن فلفل عن أنس ابن مالك
قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه مسلم في " صحيحه " (١ / ١٣٠) حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي به وزاد في أوله:
" أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدق نبي من الأنبياء.... ".
ومن طريق مسلم أخرجه أبو بكر محمد بن الحسن الطبري في " الأمالي " (٧ / ١)
ثم رواه (٤ / ١) من طريق أخرى عن المختار به.
ويشهد للحديث ما روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان
والنبي ليس معه أحد.... " الحديث.
أخرجه الشيخان وغيرهما.
وفي الحديث دليل واضح على أن كثرة الأتباع وقلتهم، ليست معيارا لمعرفة كون
الداعية على حق أو باطل، فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع كون دعوتهم
واحدة، ودينهم واحدا، فقد اختلفوا من حيث عدد أتباعهم قلة وكثرة، حتى كان
فيهم من لم يصدقه إلا رجل واحد، بل ومن ليس معه أحد! ففي ذلك عبرة بالغة
للداعية والمدعوين في هذا العصر، فالداعية عليه أن يتذكر هذه الحقيقة،
ويمضي قدما في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، ولا يبالي بقلة المستجيبين له،
لأنه ليس عليه إلا البلاغ المبين، وله أسوة حسنة بالأنبياء السابقين
стр. 751
الذين لم
يكن مع أحدهم إلا الرجل والرجلان!
والمدعو عليه أن لا يستوحش من قلة المستجيبين للداعية، ويتخذ ذلك سببا للشك
في الدعوة الحق وترك الإيمان بها، فضلا عن أن يتخذ ذلك دليلا على بطلان دعوته
بحجة أنه لم يتبعه أحد، أو إنما اتبعه الأقلون! ولو كانت دعوته صادقة لاتبعه
جماهير الناس! والله يقول (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .
٣٩٨ - " استأمروا النساء في أبضاعهن، قيل: فإن البكر تستحي أن تكلم؟ قال: سكوتها
إذنها ".
رواه النسائي (٢ / ٧٨) وأحمد (٦ / ٤٥، ٢٠٣) عن ابن جريج قال: سمعت ابن
أبي مليكة يحدث عن ذكوان أبي عمرو مولى عائشة عن عائشة مرفوعا.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٨ / ٥٧) ومسلم
(٤ / ١٤١) وأحمد أيضا (٦ / ١٦٥) من هذا الوجه بمعناه.
وفي رواية " البكر تستأذن ".
٣٩٩ - " نهى أن يشرب من في السقاء ".
أخرجه أحمد (٢ / ٢٣٠، ٤٨٧) : حدثنا إسماعيل قال أنبأنا أيوب عن عكرمة عن
أبي هريرة مرفوعا به.
قال أيوب: أنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري وأخرجه الحاكم (٤ / ١٤٠) من هذا الوجه
وقال: " صحيح على شرط (خ) .
стр. 752
ووافقه الذهبي.
قلت: وقد أخرجه في " صحيحه " (١٠ / ٧٤) من طريق أيوب عن عكرمة به دون قول
أيوب " انبئت.... ". وكذلك أخرجه ابن ماجه (٢ / ٣٣٦) ، وهو رواية لأحمد
(٢ / ٢٤٧، ٣٢٧) .
وقد تابعه حماد بن زيد عن عكرمة به. أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٣) وإسناده على شرط
البخاري. وأورده الهيثمي في " المجمع " (٥ / ٧٨) وقال:
" رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله ثقات ".
وقد ذهل عن كونه في بعض الكتب الستة وقد ذكره المنذري في " الترغيب " (٣ /
١١٨) من رواية الحاكم دون قوله " قال أيوب " فلم يحسن لأنه بذلك صار قول أيوب
مدرجا في الحديث من قول أبي هريرة، ولا يخفى ما فيه.
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس مثل حديث أبي هريرة.
أخرجه البخاري وأبو داود (٢ / ١٣٤) والدارمي (٢ / ٨٩ - ١١٨ - ١١٩) وابن
ماجه (٢ / ٣٣٦) وأحمد (١ / ٢٢٦، ٢٤١، ٣٢١، ٣٣٩) من طريق عكرمة عنه.
وله شاهد بلفظ:
" نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه ".
٤٠٠ - " نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه ".
أخرجه الحاكم (٤ / ١٤٠) من طريق الحارث بن أبي أسامة: حدثنا روح بن عبادة:
حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا.
وقال: صحيح الإسناد.
стр. 753
وفي التلخيص: صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٧٩) :
" سنده قوي ".
٤٠١ - " إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، واجمع
الإياس مما في أيدي الناس ".
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٤٢) وأحمد (٥ / ٤١٢) وأبو نعيم في " الحلية "
(١ / ٤٦٢) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم بن عثمان بن جبير مولى أبي أيوب
عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:
عظني وأوجز. فقال: فذكره.
وهذا سند ضعيف لجهالة عثمان بن جبير قال في " الميزان ":
ما روى عنه سوى عبد الله بن عثمان بن خثيم حسب " وفي " التقريب ": " مقبول "
وبقية الرجال ثقات. وفي " الزوائد ":
إسناده ضعيف وعثمان بن جبير قال الذهبي في " الطبقات " مجهول.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري وأبو حاتم روى عن أبيه عن جده
عن أبي أيوب ".
قال المحقق السندي (رح) بعد أن نقل هذا الكلام عن الزوائد:
قلت: لكن كون الحديث من أوجز الكلمات وأجمعها للحكمة يدل على قربه
стр. 754
للثبوت
فليتأمل.
قلت: والحديث وإن كان إسناده ضعيفا فإنه لا يدل على ضعفه وعدم ثبوته في
نفسه لاحتمال أن له إسنادا حسنا أو صحيحا أو أن له شواهد يدل مجموعها على ثبوته
والواقع أن هذا الحديث كذلك فإن له شواهد تدل على أن له أصلا فقد روي من حديث
ابن عمر عند الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " ومن حديث سعد بن أبي
وقاص عند الحاكم (٤ / ٣٢٦ - ٣٢٧) وصححه ووافقه الذهبي.
٤٠٢ - " ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية! فقال رجل: يا رسول الله:
إنما هم أولاد المشركين! فقال: ألا إن خياركم أبناء المشركين، ثم قال: ألا
لا تقتلوا ذرية، ألا لا تقتلوا ذرية، قال: كل نسمة تولد على الفطرة حتى يهب
عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها ".
أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٥) والدارمي (٢ / ٢٢٣) والحاكم (٢ / ١٢٣) والبيهقي
(٩ / ٧٧) من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن الأسود بن سريع قال:
" أتيت رسول الله ﷺ وغزوت معه فأصبت ظهر أفضل الناس يومئذ
حتى
стр. 755
قتلوا الولدان وقال مرة: الذرية فبلغ ذلك رسول الله ﷺ
فقال: فذكره.
والسياق لأحمد وليس عند الدارمي منه إلا المرفوع منه دون قوله:
فقال رجل الخ.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا وقد صرح الحسن بسماعه من الأسود بن سريع في رواية الحاكم.
٤٠٣ - " إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من
خذلهم حتى تقوم الساعة ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠) من طريق الطيالسي وهو في " المسند " (ص ١٤٥ رقم
١٠٧٦) وكذا أحمد (٣ / ٤٣٦، ٥ / ٣٥) وابن حبان (٢٣١٣) من طريق شعبة عن
معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وهو على شرط الشيخين، وقد أخرج الخطيب (٨ / ٤١٧ - ٤١٨، ١٠ / ٢٨٢)
الشطر الأول منه من هذا الوجه، ورواه أبو نعيم في " الحلية " (٧ / ٢٣٠) .
والشطر الثاني أخرجه ابن ماجه (٢ / ٦ - ٧) ، وله شواهد كثيرة فراجع بعضها
فيما تقدم برقم (٢٧٠، ١١٠٨) .
٤٠٤ - " نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس
بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم
أبدا: إخلاص العمل لله،
стр. 756
ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم
تحيط من ورائهم، وقال: من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في
قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فرق الله عليه
ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ".
أخرجه أحمد (٥ / ١٨٣) واللفظ له والدارمي (١ / ٧٥) وابن حبان (٧٢، ٧٣
- موارد) وابن عبد البر في " الجامع " (١ / ٣٨ - ٣٩) عن شعبة حدثنا عمر
ابن سليمان من ولد عمر بن الخطاب ﵁ عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان
عن أبيه. أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحوا من نصف النهار، فقلنا:
ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمت إليه فسألته فقال: أجل سألنا عن
أشياء سمعتها من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول، فذكره.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وروى ابن ماجه (٢ / ٥٢٤ - ٥٢٥) الشطر
الأخير منه من هذا الوجه، وقال البوصيري في " الزوائد " (٢٥٢ / ١) :
" هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه،
ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به ".
٤٠٥ - " لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ".
أخرجه الحاكم (٢ / ٦٠٩) من طريق أبي سعيد الأشج حدثنا أبو معاوية عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ مرفوعا.
стр. 757
وقال: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
٤٠٦ - " كان يذكر الله على كل أحيانه ".
أخرجه مسلم (١ / ١٩٤) وأبو داود (١ / ٤) والترمذي (٢ / ٢٤٤ طبع بولاق)
وابن ماجه (١ / ١٢٩) وكذا أبو عوانة في " صحيحه " (١ / ٢١٧) والبيهقي
(١ / ٩٠) وأحمد (٦ / ٧٠، ١٥٣) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن
أبيه عن خالد بن سلمة عن عبد الله البهي عن عروة عن عائشة مرفوعا.
وقال الترمذي: " حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة ".
قلت: بلى قد تابعه الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني، وهو ثقة حسن الحديث
إذا لم يخالف.
стр. 758
أخرجه الإمام أحمد (٦ / ٢٧٨) : حدثنا الوليد حدثنا زكريا قال: حدثنا خالد
ابن سلمة، به.
وفيه فائدة هامة وهي تصريح زكريا بسماعه من خالد، فإنه قد قيل فيه: إنه
يدلس عن الشعبي، وبعضهم كأبي داود وغيره أطلق ولم يقيده بالشعبي.
والله أعلم.
وفي " العلل " (١ / ٥١) : " سألت أبا زرعة عن حديث خالد بن سلمة ...
(فذكره) ؟ فقال: ليس بذاك، هو حديث لا يروى إلا من هذا الوجه.
فذكرت قول أبي زرعة لأبي ﵀؟ فقال: الذي أرى أن يذكر الله على الكنيف
وغيره على هذا الحديث ".
قلت: فقد اختلف الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم في هذا الحديث، فضعفه الأول،
وصححه الآخر، كما يدل عليه احتجاجه بالحديث وعدم موافقته على قول أبو زرعة،
وذلك عجيب منه، فقد ذكروا في ترجمة البهي عنه أنه قال:
" لا يحتج به وهو مضطرب الحديث ".
والحق أن الحديث قوي لم يتكلم فيه غير أبي حاتم وقد صحح الحديث مسلم ووثق
البهي ابن سعد وابن حبان.
وفي الحديث دلالة على جواز تلاوة القرآن للجنب لأن القرآن ذكر (وأنزلنا إليك
الذكر ... ) فيدخل في عموم قولها " يذكر الله ".
نعم الأفضل أن يقرأ على طهارة لقوله ﷺ حين رد السلام عقب
التيمم:
" إنى كرهت أن أذكر الله ألا على طهارة ".
أخرجه أبو داود وغيره وهو مخرج في " صحيح أبي داود " رقم (١٣) .
стр. 759
٤٠٧ - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله
فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ".
هو حديث متواتر كما قال السيوطي في " الجامع الصغير " فقد ورد عن جمع من
الصحابة بألفاظ متقاربة.
الأول: أبو هريرة وله عنه طرق:
١ - الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال:
" لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر
من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله
ﷺ : (فذكره) ، فقال أبو بكر: والله لأقتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه
إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب:
فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه
الحق ".
أخرجه البخاري (٣ / ٢٠٦، ١٢ / ٢٣٢ - ٢٣٤، ١٣ / ٢٠٦) ومسلم (١ / ٣٨)
وأبو داود (١ / ٢٤٣) والنسائي (٢ / ١٦١) والترمذي (٢ / ١٠٠ طبع بولاق)
وأحمد (١ / ١٩، ٣٥، ٤٧ - ٤٨، ٢ / ٤٢٣، ٥٢٨) من طرق عنه.
٢ - عن الزهري أيضا عن سعيد بن المسيب عنه به.
أخرجه مسلم (١ / ٣٩) والنسائي (٢ / ١٦٢) .
٣ - عن الأعمش عن أبي صالح عنه.
أخرجه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه (٢ / ٤٧٥) .
стр. 760
٤ - عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عنه بلفظ: " أقاتل الناس ".
تفرد به مسلم.
٥ - عن سفيان عن أبي صالح مولى التوأمة عنه.
تفرد به أحمد (٢ / ٤٧٥) ، وسنده حسن.
٦ - عن محمد عن أبي سلمة عنه.
تفرد به أحمد أيضا (٢ / ٥٠٢) ، وسنده حسن.
٧ - عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عنه.
تفرد به أحمد (٢ / ٥٢٧) وسنده صحيح على شرط مسلم.
٨ - عن عاصم عن زياد بن قيس عنه بلفظ " نقاتل الناس.... ".
أخرجه النسائي وإسناده حسن.
٩ - عن همام بن منبه عنه بلفظ: " لا أزل أقاتل.... ".
أخرجه أحمد (٢ / ٣١٤) بسند على شرطهما.
١٠ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه بلفظ همام.
أخرجه أحمد (٢ / ٤٨٢) وهو على شرطهما أيضا.
١١ - عن محمد بن عجلان قال سمعت أبي عنه بلفظ العلاء ابن عبد الرحمن عن أبيه.
وقد ذكرت في محالها.
١٢ - عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه قال رسول الله ﷺ يوم
خيبر:
стр. 761
" لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله يفتح الله عليه. قال: فقال عمر:
فما أحببت الإمارة قبل يومئذ، فتطاولت لها، واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي،
فلما كان الغد دعا عليا (ع) فدفعها إليه، فقال: قاتل ولا تلتفت حتى يفتح
عليك، فسار قريبا ثم نادى: يا رسول الله علام أقاتل؟ قال: حتى يشهدوا أن لا
إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد.... " الخ.
أخرجه الطيالسي رقم (٢٤٤١) : حدثنا وهيب عن سهيل به. ومن هذا الوجه أخرجه
أحمد أيضا (٢ / ٣٨٤) واللفظ له.. وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
١٣ - عن كثير بن عبيد عنه بلفظ:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم علي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم
على الله ".
أخرجه أحمد (٢ / ٣٤٥) من طريق سعيد بن كثير بن عبيد عنه.
وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات معروفون غير كثير بن عبيد، وقد روى عنه
جماعة، ووثقه ابن حبان وقد أخرجه من هذا الوجه ابن خزيمة أيضا كما في
" الفتح " (١٢ / ٢٣٢) .
وقد ذكرت آنفا أن الحديث رواه جمع من الصحابة وذكرت الأول منهم.
والثاني: ابن عمر ولفظه:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله "
стр. 762
٤٠٨ - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ".
أخرجه البخاري (١ / ٦٣ - ٦٤) ومسلم (١ / ٣٩) من طريق شعبة عن واقد بن محمد
قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر مرفوعا.
والثالث: جابر بن عبد الله ﵁ ولفظه:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا
الله عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ثم قرأ
(إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) ".
٤٠٩ - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا
الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم قرأ * (إنما
أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) * ".
أخرجه مسلم والترمذي (٢ / ٢٣٧ طبع بولاق) وأحمد (٣ / ٣٠٠) من طريق سفيان
عن أبي الزبير عنه.
وقال الترمذي: " حسن صحيح ".
وأخرجه الحاكم (٢ / ٥٢٢) وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي وفيه نظر.
وقد تابعه ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره دون قوله: ثم قرأ الخ.
стр. 763
أخرجه أحمد (٣ / ٢٩٥) بسند صحيح على شرطهما.
وله طريقان آخران عنه:
الأول عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
والآخر عن شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنه.
أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٢، ٣٣٩، ٣٩٤) ، وهذا سند حسن، وليس فيهما الزيادة.
والرابع طارق بن أشيم الأشجعي والد أبي مالك مرفوعا دونها.
رواه الطبراني في " الكبير " قال الهيثمي (١ / ٢٥) : " ورجاله موثقون ".
قلت: وهو في مسلم وغيره بلفظ: " من وحد الله " وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والخامس: أوس بن أبي أوس الثقفي قال:
أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فكان في قبة، فنام من كان فيها
غيري، وغير رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فساره فقال: اذهب
فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكنه يقولها
تعوذا، فقال: ذره ثم قال: فذكر الحديث.
أخرجه النسائي والدارمي (٢ / ٢١٨) والطيالسي رقم (١١٠٩) وأحمد (٤ / ٨)
من طريق شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أوسا يقول:
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وقد تابعه سماك عن النعمان به. أخرجه النسائي، ثم أخرجه هو وابن ماجه
(٢ / ٤٥٧) وأحمد أيضا من طريق عبد الله بن بكر
стр. 764
السهمي قال: حدثنا حاتم بن
أبي صغيرة عن النعمان بن سالم أن عمرو بن أوس أخبره أن أباه أوسا قال: فذكره.
وهذا سند صحيح أيضا على شرط مسلم، والظاهر أن النعمان رواه أولا هكذا عن
عمرو عن أوس ثم رواه عن أوس مباشرة بدون واسطة.
والسادس: النعمان بن بشير، أخرجه النسائي والبزار في " مسنده " (ص ٤ مصورة
المكتب) من طريق إسرائيل عن سماك عنه به نحو حديث أوس.
وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح، وعزاه الحافظ في " الفتح " (١٢ / ٢٣٢)
للبزار وحده فأبعد النجعة.
السابع: أنس بن مالك ﵁ وقد مضى برقم (٣٠٣) وأزيد هنا فأقول:
وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري في " صحيحه " (١ / ٣٩٥) من
هذا الوجه إلا أنه لم يذكر فيه " لهم ما للمسلمين " الخ وزاد: " وحسابهم على
الله " وقال: قال ابن أبي مريم أخبرنا يحيى حدثنا حميد حدثنا أنس عن النبي
ﷺ .
وهذا التعليق إنما أورده البخاري ليدفع شبهة تدليس حميد وإن ثبت سماعه لهذا
الحديث من أنس، وصله ابن نصر في " الإيمان " وكذا ابن منده كما في " الفتح ".
وقد روي عن أنس مرفوعا بلفظ:
стр. 765
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها، قيل وما حقها؟ قال: زنى بعد إحصان أو كفر بعد
إسلام، أو قتل نفس فيقتل به ".
قال في " المجمع " (١ / ٢٥ - ٢٦) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه عمرو بن هاشم البيروتي والأكثر على
توثيقه ".
وفي " التقريب ": إنه صدوق يخطىء.
ثم إن الحديث قد رواه غير من ذكرنا من الصحابة، فمن شاء الاطلاع على ذلك
فليراجع " مجمع الزوائد " (١ / ٢٤ - ٢٧) .
قلت: وفي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على وجوب القتال في سبيل نشر الدعوة خلافا
لما يذهب إليه بعض الكتاب في هذا العصر.
ومن ألفاظ حديث أبي هريرة المتقدم:
" أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به،
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
٤١٠ - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما
جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على
الله ".
أخرجه مسلم (١ / ٣٩) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن
أبي هريرة مرفوعا به.
والحديث صحيح متواتر عن أبي هريرة وغيره من طرق شتى بألفاظ متقاربة وقد أشرت
إليها آنفا.
стр. 766
٤١١ - " يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟! ".
أخرجه النسائي (٢ / ٢٨٥) والطيالسي (ص ١٣٣ رقم ٩٩٠) ومن طريقه الحاكم
(٣ / ١٥٢، ١٥٣) عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أسماء عن
ثوبان قال:
" جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب (خواتيم
ضخام) فجعل النبي ﷺ يضرب يدها، فأتت فاطمة تشكو إليها،
قال ثوبان: فدخل النبي ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من
عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن، وفي يدها السلسلة، فقال
النبي ﷺ : (فذكر الحديث) ، فخرج ولم يقعد، فعمدت فاطمة
إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها، فبلغ النبي ﷺ
فقال: الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار.
وقال الحاكم وكذا الذهبي: " صحيح على شرط الشيخين ".
كذا قالا وأبو سلام واسمه ممطور وشيخه أبو أسماء واسمه عمرو بن مرثد لم
يخرج لهما البخاري في صحيحه، وإنما روى لها في " الأدب المفرد " ثم إن فيه
انقطاعا بين يحيى وأبي سلام فقد قيل إنه لم يسمع منه ثم إن يحيى مدلس، وصفه
بذلك العقيلي وابن حبان.
قلت: لكن رواه النسائي (٢ / ٢٨٤) وأحمد (٥ / ٢٧٨) من طريقين عن يحيى
قال حدثنا زيد بن سلام أن جده - يعني أبا سلام - حدثه أن أبا أسماء حدثه به.
وهذا سند موصول صحيح. وزاد أحمد بعد قوله: يضرب يدها: " أيسرك أن يجعل
الله في يدك خواتيم من نار؟ ! .
وفيه أنه ﷺ عذم فاطمة عذما شديدا.
стр. 767
٤١٢ - " يا معاذ ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به
ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو يسكت عن شر، قولوا
خيرا تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا ".
أخرجه الحاكم (٤ / ٢٨٦ - ٢٨٧) من طريق الربيع بن سليمان حدثنا عبد الله
ابن وهب أخبرني أبو هانىء عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد عن عبادة بن
الصامت ﵁:
" أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم على راحلته وأصحابه معه بين
يديه فقال معاذ بن جبل: يا نبي الله أتأذن لي في أن أتقدم إليك على طيبة نفس؟
قال: نعم، فاقترب معاذ إليه فسارا جميعا، فقال معاذ: بأبي أنت يا رسول الله
أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك، أرأيت إن كان شيء - ولا نرى شيئا إن شاء
الله تعالى - فأي الأعمال نعملها بعدك؟ فصمت رسول الله ﷺ
فقال: الجهاد في سبيل الله ثم قال رسول الله ﷺ : نعم الشيء
الجهاد، والذي بالناس أملك من ذلك، فالصيام والصدقة، قال: نعم الشيء
الصيام والصدقة، فذكر معاذ كل خير يعمله ابن آدم، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: وعاد بالناس خير من ذلك، قال: فماذا بأبي أنت وأمي عاد بالناس
خير من ذلك؟ قال: فأشار رسول الله ﷺ إلى فيه قال: الصمت
إلا من خير، قال:
стр. 768
وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا قال: فضرب رسول الله صلى
الله عليه وسلم فخذ معاذ ثم قال: فذكره.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
وأقول: كلا بل هو صحيح فقط فإن الربيع بن سليمان وعمرو بن مالك الجنبي لم
يخرج لهما الشيخان وإنما أخرج البخاري للجنبي في " الأدب المفرد " وكذلك
أخرج لأبي هانىء واسمه حميد بن هانىء، وهو من رجال مسلم فقط.
والحديث أوده الهيثمي (١٠ / ٢٩٩) بطوله وقال:
" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن مالك الجنبي وهو ثقة ".
٤١٣ - " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم
تلا: * (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما
أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) * ".
أخرجه أحمد (٤ / ١٤٥) عن رشدين بن سعد وابن جرير في " التفسير " (٧ / ١١٥)
عن أبي الصلت والدولابي في " الكنى " (١ / ١١١) عن حجاج ابن سليمان الرعيني
ثلاثتهم عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر مرفوعا.
стр. 769
وهذا إسناد قوي رجاله ثقات غير هؤلاء الثلاثة، ففيهم كلام لكن بعضهم يقوي
بعضا، وقد قال ابن جرير:
" وحدث بهذا الحديث محمد بن حرب عن ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم به نحوه ".
قلت: وهذه متابعة قوية من ابن لهيعة لحرملة، وقد رواه عنه ابن أبي الدنيا
في " كتاب الشكر " ص (٩) قال: حدثنا يعلى بن عبد الله بن يعلى الهذلي حدثنا
بشر بن عمر حدثنا ابن لهيعة به. ويعلى هذا لم أجد من ترجمه.
والحديث قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ١١٥) :
" رواه أحمد والطبراني والبيهقي في " الشعب " بسند حسن ".
قلت: وهو عندي صحيح بالمتابعة المذكورة فإن ابن لهيعة ثقة في نفسه وإنما
يخشى من سوء حفظه فإذا تابعه ثقة فذلك دليل على أنه قد حفظ. والله أعلم.
٤١٤ - " إن أناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ".
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٢٣٧) : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، ومحمد
ابن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: سمعت ابن محيريز يحدث
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ .
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وجهالة اسم الصحابي لا
تضر، كما في المصطلح تقرر.
وأبو بكر بن حفص اسمه عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص،
стр. 770
وشيخه
اسمه عبد الله بن محيريز.
وخالف شعبة بلال بن يحيى العبسي فقال: عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن
ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت به.
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٣٣١) وأحمد (٥ / ٣١٨) من طريق سعد بن أوس الكاتب عن
بلال بن يحيى العبسي.
وهذا إسناد رجاله ثقات أيضا، لكن شعبة أحفظ وأشهر من بلال بن يحيى، فروايته
أصح.
ثم وجدت الحديث في " مسند الطيالسي " (رقم ٥٨٦) :
حدثنا شعبة به إلا أنه قال: " عن رجل من أصحاب النبي ﷺ
أو رجال من أصحاب النبي ﷺ .
وروي هذا الحديث عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن زياد بن السمط عن عبادة
بن الصامت عن النبي ﷺ ".
وللحديث شاهد من حديث أبي مالك الأشعري تقدم (رقم ٩١) بلفظ:
" ليشربن ناس.... ".
وشاهد ثان من حديث أبي أمامة بلفظ: " لا تذهب الليالي والأيام ".
وقد ذكرناه تحت الحديث (٩٠) .
وله شاهد ثالث من حديث عائشة في " المستدرك " (٤ / ١٤٧) وسبق ذكره هناك.
٤١٥ - " إذا أصلح خادم أحدكم له طعامه فكفاه حره وبرده، فليجلسه معه، فإن أبى
فليناوله أكلة في يده ".
أخرجه أحمد (٢ / ٢٥٩) : حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن
أبي هريرة مرفوعا.
стр. 771
وهذا سند صحيح على شرط الستة.
وقد أخرجوه بألفاظ أخر بمعناه من طرق أخرى خرجتها في " الإرواء " (٢٢٣٨) .
٤١٦ - " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ".
أخرجه أحمد (٥ / ٢١١، ٢١٢) من طريقين عن زياد بن كليب عن الأشعث ابن قيس
مرفوعا.
قال المنذري (٢ / ٥٦) وتبعه الهيثمي (٨ / ١٨٠) : " ورجاله ثقات ".
قلت: وهم من رجال مسلم، لكنه منقطع بين زياد والأشعث، فإنه لم يدركه،
وبين وفاتيهما نحو ثمانين سنة.
لكن له شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا به.
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٣٣) وأبو داود (٢ / ٢٩٠) وابن حبان
(٢٠٧٠) والطيالسي (ص ٣٢٦ رقم ٢٤٩١) وأحمد (٢ / ٢٩٥، ٣٠٢، ٣٨٨، ٤٩٢)
من طرق عن الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة به.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وقد ورد بلفظ: (أشكر الناس لله أشكرهم للناس) . وسيأتي برقم (١٤٥٨) .
وبلفظ: " من لم يشكر الناس ... " وسيأتي أيضا إن شاء الله تعالى.
٤١٧ - " إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٧٩) وأبو داود (٢ / ٣٣٣) والترمذي
(٢ / ٦٣) وابن حبان (٢٥١٤) والحاكم (٤ / ١٧١) وأحمد (٤ / ١٣٠)
وابن السني (١٩٣) عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا ثور بن يزيد قال:
حدثنا حبيب بن عبيد عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا به.
وقال الترمذي:
стр. 772
" حديث حسن صحيح ".
وهو كما قال وسكت عليه الحاكم والذهبي، ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح،
وله شاهد بلفظ:
" إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله ".
أخرجه أحمد (٥ / ١٤٥، ١٧٣) من طريق ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن
أبا سالم الجيشاني أتى أبا أمية في منزله فقال: إني سمعت أبا ذر يقول:
إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (فذكره) ، وقد أحببتك فجئتك
في منزلك.
قال الهيثمي (١٠ / ٢٨١ - ٢٨٢) : " رواه أحمد وإسناده حسن ".
قلت: وليس بحسن فإن ابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه.
ثم رأيته من رواية ابن المبارك عنه وهي صحيحة، فانظره بالرقم (٧٩٧) .
والحديث رواه المقدسي أيضا في " المختارة " كما في الجامع، وروي بلفظ:
" إذا أحب أحدكم عبدا فليخبره فإنه يجد مثل الذي يجد له ".
رواه البيهقي في الشعب عن ابن عمر كما في " الجامع " ورمز له بالضعف وبين ذلك
المناوي فقال:
" وفيه عبد الله بن أبي مرة، أورده الذهبي في الضعفاء وقال: تابعي مجهول ".
٤١٨ - " إذا أحب الرجل الرجل فليخبر أنه أحبه ".
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٧٩) : حدثنا يحيى بن بشر قال: حدثنا
قبيصة قال: حدثنا سفيان عن رباح عن أبي عبيد الله عن مجاهد قال:
стр. 773
" لقيني رجل من أصحاب النبي ﷺ فأخذ بمنكبي من ورائي قال:
أما إني أحبك، قلت: أحبك الذي أحببتني له، فقال: لولا أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (فذكره) لما أخبرتك. قال: ثم أخذ يعرض علي الخطبة
قال: أما إن عندنا جارية، أما إنها عوراء ".
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في " صحيحه " غير رباح
وهو ابن أبي معروف بن أبي سارة المكي فمن رجال مسلم، وفيه كلام لا ينزل
حديثه عن رتبة الحسن، وفي " التقريب ": " صدوق له أوهام ".
هذا: وفي نسختنا من " الأدب ": رباح عن أبي عبيد الله كما رأيت. وهو تصحيف
لا أشك فيه فإن رباح هذا يروى عن مجاهد مباشرة بلا واسطة وعنه سفيان الثوري،
فيحتمل أن يكون حرف (عن) بين رباح وأبي عبيد الله زيادة من قلم بعض النساخ
فيكون الأصل: رباح أبي عبيد الله، فإذا صح هذا فيكون أبو عبيد الله كنية رباح
هذا وهي فائدة غزيرة، حيث لم أقف على كنيته في شيء من كتب التراجم التي عندي
. والله أعلم.
وللحديث شاهد آخر من حديث أنس قال:
" كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ مر رجل، فقال رجل من القوم:
يا رسول الله إني لأحب هذا الرجل، قال: هل أعلمته ذلك؟ قال: لا، فقال:
قم فأعلمه، قال: فقام إليه فقال: يا هذا والله إني لأحبك في الله، قال:
أحبك الذي أحببتني له ".
رواه أحمد (٣ / ١٤٠ - ١٤١) : حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين بن واقد:
حدثنا ثابت البناني حدثني أنس بن مالك. وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وصححه ابن حبان (٢٥١٣) من طريق
стр. 774
أخرى عن الحسين. وأخرجه أبو داود (٢ /
٣٣٣) والحاكم (٤ / ١٧١) وأحمد أيضا (٣ / ١٥٠) من طريق المبارك بن فضالة
عن ثابت به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
قلت: فالحديث بهذه الشواهد صحيح بلا ريب.
٤١٩ - " سيكون قوم يأكلون بألسنتهم، كما تأكل البقرة من الأرض ".
أخرجه أحمد (١ / ١٧٥ - ١٧٦) عن يعلى ويحيى بن سعيد قال يحيى:
حدثنا رجل كنت أسميه فنسيت اسمه عن عمر بن سعد قال:
" كانت لي حاجة إلى أبي سعد، قال: وحدثنا أبو حيان عن مجمع قال: كان لعمر
بن سعد إلى أبيه حاجة فقدم بين يدي حاجته كلاما مما يحدث الناس يوصلون، لم يكن
يسمعه، فلما فرغ قال: يا بني قد فرغت من كلامك؟ قال: نعم، قال: ما كنت من
حاجتك أبعد ولا كنت فيك أزهد مني منذ سمعت كلامك هذا، سمعت رسول
стр. 775
الله صلى
الله عليه وسلم يقول: فذكره.
قال الهيثمي (٨ / ١١٦) : " رواه أحمد والبزار من طرق وفيه راو لم يسم ".
قلت: الطريق الثاني طريق أبي حيان واسمه يحيى بن سعيد التيمي ليس فيه من لم
يسم، فقد رواه عنه يحيى ابن سعيد القطان، وهو رواه عن مجمع وهو ابن يحيى
ابن يزيد الأنصاري عن سعد. وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال مسلم فهو صحيح إذا
كان مجمع سمعه من سعد، ثم قال الهيثمي:
" وأحسنها ما رواه أحمد عن زيد بن أسلم عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر
بألسنتها. ورجاله رجال الصحيح إلا أن زيد بن أسلم لم يسمع من سعد.
والله أعلم ".
قلت: طريق زيد بن أسلم عند أحمد (١ / ١٨٤) : حدثنا سريج بن النعمان حدثنا
عبد العزيز يعني الدراوردي عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري غير الدراوردي فمن رجال مسلم، لكنه
منقطع كما ذكر الهيثمي.
وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق حسن إن شاء الله تعالى أو صحيح، فإن له
شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه.
أخرجه الترمذي وحسنه، وسيأتي تخريجه برقم (٨٧٨) .
следующие страницы →