← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 945

فقه النوازل في العبادات

خالد المشيقح

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حديث الدجال، فإن النبي ﷺ أخبر الصحابة عن مكث الدجال وقال " يمكث أربعين يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة " فقالوا يا رسول الله: هذا اليوم الذي كسنة أي كفينا فيه صلاة يوم قال: لا، اقدروا له قدره". كيف نقدر له قدر، ذكر النووي وغيره من أهل العلم كيف يقدر لهذا اليوم الذي كطول سنة. فكذلك في مثل هذه الأيام التي يحتاج الناس فيها إلى الحساب بسبب توسع المدن وانتشار الأنوار. وقد اتفق الأئمة أن الحساب معتبر في الصلاة مع أنهم في رمضان لا يعتبرونه ويقولون بأنه إذا عرف وقت الصلاة إما عن طريق صناعة أو ورد مجرب فإن الإنسان له أن يصلي. فتبين لنا أن الاعتماد على مثل هذه الآلات تورد الظن بدخول الوقت، والظن بدخول الوقت هذا يجوز أن يعمل به في الشريعة، ودليل ذلك حديث أسماء في صحيح البخاري (١) ، فإن أسماء ذكرت أنهم أفطروا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس. هذا يدل على أنهم بنوا على الظن. فلو بنوا على اليقين لم تطلع الشمس لكن كون الشمس تطلع هذا يدل على أنهم ظنوا أن الشمس قد غربت ومع ذلك أفطروا، فدل ذلك على الاعتماد على الظن في دخول الوقت وكذلك أيضاً في خروجه. ثانياً: ما يتعلق بستر العورة. المسألة الثانية: الصلاة بالبنطال . الصلاة بالبنطال هذا لم يكن موجوداً في الأزمنة السابقة ولهذا اختلف فيه المتأخرون. البنطال هذا نوع من السروايل إلا أنه يتميز ضيق وسميك، ويستر من السرة إلى الكعب، وقد يكون أنزل من الكعب. والصلاة في البنطال هذا أمر مستجد وهذا لم يكن موجوداً عند المسلمين في الأزمنة السالفة, وإنما انتقل إلى المسلمين من الغرب, وقال الألباني ﵀: إن هذا البنطال فيه مصيبتان: المصيبة الأولى أن فيه تشبهاً بالكفار ,والمصيبة الثانية أن فيه تحجيماً للعورة.

стр. 37

أما بالنسبة لما يتعلق بالتشبه بالكفار فإنه أصبح الآن في بعض البلدان الإسلامية من ألبسة المسلمين، وأصبح منتشراً ولهذا أصبح ليس من خصائص الكفار. والسلف كرهوا لباس البرنس ومع ذلك سئل الإمام مالك ﵀ عن لباس البرنس فقال لا بأس به ,فقالوا النصارى يلبسونه قال: يلبس هاهنا. فدل ذلك على أن الشيء إذا انتشر بين المسلمين ولم يكن من خصائص الكفار أنه لا بأس به ما لم يكن ذلك متضمناً محظوراً شرعياً، ككونه من الأمور والشعائر الدينية. أما ما يتعلق بالمصيبة الثانية التي ذكرها الشيخ الألباني ﵀ وهي أنه يحجم العورة بتحجيمه, نقول أما بالنسبة لتحجيمه للعورة فإن الفقهاء ﵏ يتفقون على أن الصلاة في الثوب الضيق أنها جائزة ولا بأس بها هذا من حيث الصلاة بخلاف اللُّبس هذا كثير من العلماء يكرهون ذلك، وإن كان يؤدي إلى فتنة فإن هذا محرم ولا يجوز. والدليل على أن لبس الثوب الضيق أنه جائز حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: في الثوب "إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به " (١) . والبخاري بوب: باب الصلاة في الثوب الضيق. وعلى هذا نقول من صلى في هذا البنطال فإن صلاته صحيحة وجائزة، لكن لبس هذا البنطال الضيق أقل أحواله الكراهة لأن العلماء ﵏ كرهوا ذلك.لكن من ابتلي بهذا البنطال كمن اعتاد لبسه أو مثل أصحاب الوظائف المهنية نقول بأنه يجتهد بأن يوسع هذا البنطال ولا يجعله يصف العورة ويحجمها. المسألة الثالثة: حمل المصلي للصور . أغلب الناس ابتلوا بحمل الصور قد يكون حمل الصور في البطاقات وقد يكون حمل الصور في النقود، وقد يكون حمل الصور أيضاً في بطاقات الوظائف كما يوجد أن بعض الموظفين قد يضع الصورة في جيبه أو على أمامه ويلزم بهذا.

стр. 38

فحكم حمل هذه الصور فيه رأيان للعلماء: الرأي الأول: المشهور من مذهب الحنابلة كراهة صلاة من يحمل الصورة. الرأي الثاني: الحنفية والشافعية قالوا: إن هذا جائز ولا يكره. والأصل في ذلك حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري، أنا النبي ﷺ قال: " أميطي عنا قرامك (١) فإن تصاويره لا تزال تعرض لي في صلاتي" (٢) . قال العيني ﵀ في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري " إذا كان هذا النهي في البيت الذي يصلي فيه، فكونه في الثوب الذي يصلي فيه المصلي وفيه تصاوير هذا من باب أولى. والأقرب في هذه المسألة: أن مثل هذه الصور جائزة، ولا بأس بها كما هو في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد (٣) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: لكن الأشياء الضرورية التي دخلت على الناس وعمت بها البلوى كالصور في النقود والكبريت والجوزات، فالذي يظهر أن هذا من باب الاضطرار وعموم البلوى يرجى فيها العفو من الله، ويسهل الأمر فيه. ويستدل العلماء ﵏ على أن مثل هذه الأمور يسهل فيها أن السلف ﵏ حملوا النقود الإفرنجية وهذه النقود الإفرنجية كانت تحمل صور الملوك وكذلك أيضاً تحمل صور الحيوانات، فيدل ذلك على أن مثل هذا جائز ولا بأس به. وهناك دليل أن هذه الأشياء ممتهنة بالأخذ والإعطاء. وكذلك أن أيضاً قال بعض العلماء إنما المشركين كانوا يعبدون الصور الكبار، وأما مثل هذه الصور فإنها صور صغيرة فانتفت المشابهة يعني لا يكون من حمل هذه الصورة متشبها بعباد الأوثان.

стр. 39

وعلى هذا نقول مثل هذه الأشياء يظهر أنها جائزة ولا بأس بها ولا تكره لكن بعض الموظفين ابتلي بتعليق الصورة فنقول هذه الصورة عند الصلاة الأحسن أن يجعلها مستورة في جيبه لأن كثيراً من العلماء علل بجواز مثل هذه الصور التي في النقود والبطاقات الغالب أنها تكون مستورة وليست ظاهرة. ثالثاً: المسائل المتعلقة بالآذان: المسألة الرابعة: الآذان عن طريق المسجل . هل هذا يكون عبادة يكتفى به عن فرض الكفاية وأيضاً هل نقول بمتابعته إذا سمعناه؟ أو نقول بأنه ليس عبادة وليس مشروعاً؟ نقول هذا الآذان الذي يكون عن طريق المسجل هذا ليس مشروعاً ويخشى أن يكون بدعة والدليل على ذلك: أن العبادات توقيفية. والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (١) . ويقول : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) . أن الآذان عبادة يحتاج إلى نية لحديث " إنما الأعمال بالنيات " (٣) , ومثل ذلك لا يحصل من هذا المسجل. وكذلك أيضاً ما ذكره بعض العلماء المتأخرين أن الاعتماد على مثل هذا المسجل يفوت كثيراً من سنن المؤذن وآدابه وأحكامه، لأن المؤذن له سنن وله آداب وله شروط , فمن السنن:الالتفات يميناً وشمالاً والطهارة واستقبال القبلة..إلخ فلا توجد هذه الأشياء في هذا المسجل , ومن شروط الآذان أن يكون الآذان من مسلم ذكر عاقل وهذا لا ينطبق على المسجل. ولهذه الأمور التي ذكرت فالآذان من هذا المسجل غير صحيح ولا يُكتفى به في فرض الكفاية ولا يكتفى به في المشروعية إذا كان هناك من يؤذن وسقط فرض الكفاية ولا تترب عليه أحكام الآذان من إجابة المؤذن إلى آخره. المسألة الخامسة: هل يشرع متابعة المؤذن الذي يؤذن عن طريق الآلات مثل المذياع ..

стр. 40

إذا نقل الآذان عن طريق المذياع فهل له حكم الآذان من حيث أنه يتابع إذا سمعناه أو أنه لا يأخذ حكم الآذان قلا نتابعه فمثلاً إنسان فتح المذياع وسمع أنه يؤذن في البلد الفلاني فهل يتابع هذا المؤذن وهل يقول أذكار الآذان والدعاء؟ أو نقول بأنه لا يتابع هذا الآذان. فنقول هذا الآذان الذي نقل ينقسم إلى قسمين (١) : القسم الأول: أن يكون منقولاً نقلاً مباشراً، فهذا يتابع فإذا سمعتَ المؤذن فإنك تتابعه وتجيبه ودليل ذلك عموم قول النبي " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (٢) .وهذا يشمل ما إذا أذن في بلد الإنسان أو أذن في بلد آخر. وذكر شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ أنه يستحب أن يجيب مؤذناً ثانياً وثالثاً ورابعاً، لأن هذا الآذان ذكر والذكر هذا مأمور به ويدخل ذلك تحت قول النبي ﷺ : " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (٣) . القسم الثاني: أن يكون هذا الآذان تسجيلاً كما تقدم كما تسلكه بعض الإذاعات نقول هذا لا تشرع إجابته وذكرنا فيما تقدم أن أصل هذا الآذان غير مشروع وأنه يخشى أن يكون بدعة لأن العبادات توقيفية كما ذكرنا. المسألة السادسة: الالتفات أثناء الأذان في مكبرات الصوت هل يشرع أم لا ؟ كان في الزمن السابق المؤذن يصعد على المنارة أو على الصومعة ويؤذن ,ويدل لهذا أن بلالاً ﵁ كان يؤذن على بيت امرأة من بني النجار وكان بيتها أعلى بيت عند المسجد" (٤) .

стр. 41

ومن هذا أخذ العلماء ﵏ أنه يستحب أن يؤذن على مرتفع ويؤيد ذلك أنه أبلغ في النداء وفي الإعلام وتنبيه الناس بالصلاة لأن المقصود من الآذان هو إعلام الناس بالصلاة لكي يحضروا إليها. فأصبح الآن في كثير من البلدان لا يعتمدون على هذا ولا تجد المؤذن يصعد على الصومعة أو على مكان مرتفع لكي يؤذن وإنما يكتفي بالآذان في الأسفل ويؤذن عن طريق مكبرات الصوت التي وجدت على الصومعة ويكون فيها رفع الآذان. فإذا كان يؤذن على المنارة أو على مكان مرتفع فالسنة أن يلتفت , وهذه السنة دل لها حديث أبي جحيفة " أنه رأى بلال يؤذن فجعلت أتتبع فاه هاهنا يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الفلاح " (١) . لكن بالنسبة الآن الذي يؤذن في مكبرات الصوت , هل نقول السنة له أن يلتفت أو نقول السنة أن يترك الالتفات؟ هذا موضع خلاف بين العلماء المتأخرين ﵏: الرأي الأول: أنه يترك الالتفات. أدلتهم: منها: إن الحكمة من كون المؤذن يلتفت يميناً وشمالاً لكي يبلغ سائر الجهات،من جهة اليمين ,من جهة الشمال ,من جهة الأمام ومن جهة الخلف فيشرع له أن يلتفت وأما الآن انتفت الحكمة فلا يشرع أن يلتفت. منها: قالوا أيضاً: كونه يلتفت يميناً أو شمالاً فهذا يضعف الصوت لأنه سينحرف فلا يشرع أن يلتفت. الرأي الثاني: البقاء على أصل السنية ,لأن هذه سنة ثابتة في الصحيحين فيشرع للمؤذن أن يلتفت.

стр. 42

والأقرب والله أعلم في هذه المسألة أن يقال ينظر إلى إضعاف الصوت إن كان الصوت يضعف،فإن المؤذن لا يلتفت لأن رفع الصوت هذا هو ركن الآذان، وإن كان الصوت لا يضعف بالالتفات فنقول الأصل بقاء السنية وأنه يلتفت, وعندنا قاعدة وهي أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص النص ,فقولهم أن الحكمة كي يبلغ الجهات نقول هذه علة مستنبطة قد تكون هذه حكمة وقد تكون هناك أيضاً حكم أخرى منها تنبيه غير المؤذن أن هذا الشخص يؤذن وانه دخل وقت الآذان..إلخ. المسألة السابعة:من النوازل التي حدثت في الآذان وكذلك في الصلاة ما يتعلق بالصدى يعني وضع جهاز يفخم صوت القارئ أو صوت المؤذن. نقول بالنسبة لهذا الصدى ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يترتب على هذا الصدى ترديد وتكرار للحرف فنقوا بأن هذا محرم ولا يجوز لما في ذلك من عدم احترام كتاب الله وتعظيمه حق التعظيم وأيضاً فيه شيء من الابتذال بهذا العمل. والأصل في القرآن هو التدبر والتذكر لأن الله قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١) . ومراعاة مثل هذه الأمور تصرف هذه المصلحة الكبيرة بحيث يكون المراد من القراءة أو من الآذان ونحو ذلك من بقية الأذكار الشرعية هو مجرد الظاهر دون الباطن وهذا خلاف ما أراده الشارع. القسم الثاني: أن لا يترتب عليه ترديد للحرف وتكرار له وهذا لا بأس به وجائز. والأولى أن تكون عناية المصلي وكذلك أيضاً الإمام هي ما يتعلق بالتدبر والتذكر وعدم التعلق بالظاهر دون الباطن. رابعاً: ما يتعلق باستقبال القبلة المسألة السابعة: تحديد القبلة بالأجهزة الحديثة . استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، والعلماء ﵏ يجمعون على أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ودليل ذلك:

стр. 43

قول الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ يَعْمَلُونَ﴾ (١) . وأيضاً في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن النبي ﷺ قال:" إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " (٢) . كذلك أيضاً ما قلنا في دخول الوقت بالنسبة للصلاة نقوله في استقبال القبلة. القبلة الشارع جعل لها علامات، وقد ذكر العلماء ﵏ أن من العلامات الكونية الأفقية للاستدلال على القبلة: مثل القطب والنجوم والشمس والقمر، وأيضاً ذكر بعض العلماء مصاب الأنهار الكبار، ووجوه الجبال أيضاً يستدل بها على القبلة ومهاب الرياح وكذلك أيضاً محاريب المسلمين..إلخ. والفقهاء يجمعون على أنه لا بأس من الاعتماد على الآلات في تحديد القبلة، قالوا: لأنها تفيد الظن، وقد وُجِد ما يسمى بالبوصلة, ووجد الآن ما يسمى بالبوصلة الإلكترونية، والبوصلة الإلكترونية هذه تقوم بتحديد جهة الشمال وجهة الجنوب بدقة تامة ولا تتأثر بمؤثرات أخرى كالكهرباء والمغناطيس وإذا حصل فيها تأثر فإنها توضح ذلك. وأما البوصلة القديمة قد يعترض عليها بأنه يحصل فيها شيء من التأثر بالكهرباء أو المغناطيس أما بالنسبة للبوصلة الإلكترونية فإنها تقوم بتحديد جهة الشمال والجنوب بدقة تامة، وإذا كان كذلك فإنها تفيد الظن والظن كم ذكرنا أنه معتبر في باب العبادات لما تقدم من حديث أسماء ﵂ عند البخاري (٣) .

стр. 44

المسألة الثامنة: الصلاة في السفينة والطائرة . استقبال القبلة في الفرض شرط، وأما في النافلة فيسقط استقبال القبلة وهذا ليس شرطاً وليس واجباً لكن يستحب فقط في تكبيرة الإحرام استقبال القبلة كما في حديث أنس أن يستفتح الصلاة إلى جهة القبلة، والنبي ﷺ كان يصلي حيث توجه به ركابه، وأما في الفريضة فاستقبال القبلة شرط فنقول الإنسان يجتهد في استقبال القبلة، فإذا كان يتمكن من استقبال القبلة فإنه كما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ :" إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " (٢) . فإذا انحرفت السفينة فإن قدر أن ينحرف معها فلينحرف معها , المهم أن هذا متعلق بالاستطاعة فإذا كان هناك مكاناً يتمكن فيه من استقبال القبلة فإنه يستقبل , وإن أخر الصلاة إلى أن ينزل إذا كان سينزل في الوقت أو كانت الصلاة تجمع مع ما قبلها كالظهر تجمع إلى العصر فهذا أحسن, وأما إذا كان سينزل بعد خروج الوقت مثلاً لو كان سينزل بعد طلوع الشمس بالنسبة لصلاة الفجر فهذا لا يجوز له أن يؤخر الصلاة بل يجب عليه أن يصلي. ولو صلى مع أنه يعلم أنه سوف ينزل قبل خروج الوقت فصلاته صحيحة. والعلماء مجمعون على صحة الصلاة في السفن، لأن السفن كانت موجودة في وقتهم. وذكر النووي ﵀ في كتابه المجموع قال: وتصح صلاة الرجل المحمول على سرير في الهواء (٣) ، وأخذ منه المتأخرون الآن أن الصلاة في الطائرة هذه جائزة وأنه لا بأس بذلك. ما يتعلق بصلاة الجماعة المسألة الأولى: حضور من ابتلي بشرب الدخان لصلاة الجماعة في المسجد . هل يجب عليه أن يحضر لصلاة الجماعة أو أن حضور الجماعة ساقط عنه.

стр. 45

تعريف الدخان: الدخان (التبغ) هو نبات من الفصيلة الباذنجانية تشتمل على أكثر النباتات السامة كالبْلادونا والبنج. وأصل هذه النباتات في بلاد الغرب، ولم يعرفها المسلمون إلا في نهاية القرن العاشر وأدخل الإنجليز الدخان على المسلمين في عهد الدولة العثمانية، وأدخله إلى بلاد المغرب رجل يهودي يزعم أنه حكيم يداوي الناس، ثم بعد ذلك جُلب إلى بقية بلاد المسلمين كمصر وبلاد الحجاز وغالب بلاد المسلمين. لما ظهر هذا الدخان اختلف العلماء ﵏ في شربه هل هو محرم أو مكروه أو مباح؟ على ثلاثة آراء، والصواب في هذه الآراء أنه محرم: والدليل على ذلك: أن الله قال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (١) . وثبت طبياً أن هذا الدخان يحمل سموماً قاتلة للإنسان، والإحصائيات الطبية تذكر أنه ما يقرب من خمسة وعشرون مليون شخص يموتون سنوياً في العالم بسب الدخان، فهذا من قتل النفس والله يقول: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) . وأيضاً لما في ذلك من الأضرار التي يتفق عليها الأطباء، للقاعدة الشرعية:" لا ضرر ولا ضرار". وأيضاً لأن هذا البدن لا يملكه الإنسان. ولأنه أيضاً من الخبائث ومن صفات النبي ﷺ أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. -- وهذا الدخان له رائحة كريهة. وبعض العلماء قال يحرم عليه حضور صلاة الجماعة وبعض العلماء قال يكره. والأقرب في ذلك الإيذاء فإذا كان يؤذي فإنه لا يجوز له أن يحضر صلاة الجماعة ويدل لهذا:

стр. 46

حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من أكل من هذه الشجرة-يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا " (١) ، وإنما نهى النبي ﷺ عن ذلك هذا لأن هذا يؤذي وإيذاء المسلم لا يجوز والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ (٢) . وفي الحديث القدسي: " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب " (٣) . وعلى هذا نقول بأن حضور الجماعة لمن شرب هذا التبغ ليس أو الدخان أن هذا محرم ولا يجوز وليس هذا تخفيفاً عليه وإنما تنكيلاً وتعزيراً لفعله فيحرم هذا الفضل العظيم والبركات الكثيرة المترتبة على حضور صلاة الجماعة. المسألة الثانية: فصل مصلى النساء عن مصلى الرجال في المساجد . أبو داود ﵀ بوب في سننه " باب اعتزال النساء في المسجد عن الرجال"، وذكر حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال " لو تركنا هذا الباب للنساء " قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. فهذا التبويب من أبي داود تفقه منه بأن النساء يعتزلن في مكان خاص في المسجد ,وأيضاً قول النبي ﷺ " لو تركنا هذا الباب للنساء"، يدل ترك هذا الباب الخاص بالنساء يدخلن منه ويخرجن منه أنه يشرع أن يكون مصلى النساء خاص بهن. ويدل لهذا حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صحيح البخاري قالت:" كان النساء في عهد الرسول ﷺ إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن معه من الرجال ما شاء الله , فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال".

стр. 47

وهذا الحديث يدل على منع اختلاط الرجال بالنساء في المسجد، حتى في الأسواق، ولهذا كان النبي ﷺ يثبت في مكانه ومن معه من الرجال حتى تنصرف النساء. وإذا كان ذلك ممنوعاً في الرجال فكذلك أيضاً في المساجد. ويدل لهذا أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال"خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها أولها وشرها أولها" أخرجه مسلم في صحيحه. وهذا يدل على أن النساء يعزلن وكلما كان الرجال أبعد عن النساء فإن ذلك خير لهن. هذه الأدلة وغيرها تدل على اعتزال النساء في مكان خاص وأنهن لا يختلطن بالرجال. ولذلك ما يوجد في بعض المساجد الكبار من اختلاط الرجال بالنساء هذا من الخطأ. المسألة الثالثة:الضرب بين مصلى الرجال وبين مصلى النساء بحائل وهذا الحائل فإما أن يكون جداراً وإما أن يكون من غير جدار كأن يكون من البلاستيك أو القماش أو نحو ذلك,. فهل هذا جائز أو أنه ليس بجائز مع أنه لم يرد في عهد النبي ﷺ أنه كان يفصل بين الرجال والنساء بحائل؟. هذا موضع خلاف بين المتأخرين: والذي يظهر أن هذا جائز ولا بأس به بل ذهب بعض العلماء إلى وجوبه كالغزالي ﵀ فإنه نص في إحياء علوم الدين على وجوب ضرب مثل هذا الحائل فقال: ((ويجب أن يُضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإنه مظنة الفساد)) (١) . وأما كون مثل هذا الحائل لم يوجد في عهد النبي ﷺ نقول:

стр. 48

الوجه الأول: المتأمل للسنة يجد أن النساء إنما كن يشهدن مع النبي ﷺ صلاة العشاء وصلاة الفجر , ووقتهما يكون فيه ظلام ولا حاجة إلى ضرب مثل هذا الحائل , ولهذا كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها " كن نساء المؤمنات يشهدن الصبح مع النبي ﷺ متلفعات بمروطهن ثم ينصرفن لا يعرفهن أحد من الغلس " (١) . وأيضاً قول النبي ﷺ : " أيما امرأة مست بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة " (٢) . فإن هاذين الحديثين هما اللذان ورد فيهما التصريح بهاتين الصلاتين، صلاة الفجر وصلاة العشاء، فالمكان مظنة الظلام، وعدم المشاهدة، ولو كان هناك نور فهو نور يسير ولم يكن في عهد النبي ﷺ مثل وقتنا اليوم من الأنوار الكثيرة التي تجعل الليل كالنهار ولم يكن هناك حاجة إلى مثل ذلك. الوجه الثاني:أنه لا مقارنة بين تلك القرون المفضلة وبين عصورنا هذه، فذلك القرن هو قرن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن تبعهم وهم خير الأمة، وعندهم من قوة الإيمان والعلم وتعظيم الله ما يمنعهم ويصدهم ويدرأ عنهم الفتنة بخلاف وقتنا الحاضر فإن ضعف الإيمان موجود، وكذلك أيضاً إثارة الفتنة والشهوات والغرائز التي لم تكن في ذلك الزمن..إلخ. الوجه الثالث: أن هذا الباب من الوسائل، والوسائل يتوسع فيها ما لا يتوسع في المقاصد، والعلماء ﵏ يتوسعون في الوسائل مالا يتوسع في المقاصد. المسألة الرابعة: متابعة الإمام عبر وسائل الإعلام الموجودة اليوم سواء كانت هذه الوسائل مرئية أو كانت مسموعة.

стр. 49

فإذا كانت الصلاة تنقل نقلاً مباشراً فهل تصح الصلاة خلف هذا الإمام الذي تنقل صلاته، أو نقول بأن هذه الصلاة غير صحيحة؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء المتأخرون ولهم في ذلك قولان: القول الأول:أن هذا غير جائز ,وهذا قال به أكثر العلماء ﵏. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أن الصلاة عبادة والعبادات توقيفية كما قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (١) . وأيضاً قول الله : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) .وكون الإنسان يتابع الإمام وهو في بلد والإمام في بلد آخر نقول أن هذا محدث ولم يرد عن النبي ﷺ . أن صلاة الجماعة وردت في الشرع على هيئة معينة، وهذه الهيئة أن يكون هناك اجتماع بين الإمام والمأمومين في مكان واحد وفي زمان واحد،وهيئات العبادة توقيفي والنبي ﷺ قال " لا صلاة لمنفرد خلف الصف " (٣) .فإذا كان المنفرد خلف الصف لا تصح صلاته , قال ابن القيم: [فكيف بمن كان منفرداً عن الصف وعن الجماعة!] (٤) . قالوا بأن هذا يلزم منه تعطيل صلاة الجماعة ولأدى ذلك أيضاً إلى أن يصلي الناس في بيوتهم وأيضا تتعطل الآثار والفوائد المترتبة على صلاة الجماعة من تلاقي الناس في المسجد وبعث المودة والمحبة والألفة وأخوة الرابطة. قالوا بأنه قد يحصل خلل في هذه الوسيلة التي نقلت الصلاة كأن ينقطع التيار أو أن ينقطع البث ثم بعد ذلك تتعطل المتابعة. الرأي الثاني: قالوا بالصحة استدلوا بأدلتهم.

стр. 50

قالوا إن الفقهاء نصوا على أن صلاة الجمعة وصلاة الجماعة تصح في البيوت المجاورة للمسجد والقريبة منه. ونوقش بأن هذا غير مُسَلَّم وإنما نص العلماء عن ذلك للحاجة مثلاً إذا امتلأ المسجد وامتلأت الطرقات واتصلت الصفوف فالبيوت التي وصلتها الصفوف فلا بأس أن يصلي أصحابها فيها لكن بشرط أن لا يكون منفرداً إذا كان رجلاً. قالوا بأنه إذا نزل المطر فإن النبي ﷺ -أَذِن للناس أن يصلوا في رحالهم وهم يسمعون صوت النبي ﷺ ويقتدون به. ونوقش بأن هذا الدليل غير صحيح , بل المراد كما ورد في "حديث بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كان في ليلة ذات برد ومطر أن يقول ألا صلوا في الرحال" (١) ، فالمقصود بذلك أنه تسقط عنهم صلاة الجماعة للمشقة وليس المراد أنهم يتابعون النبي ﷺ , ولم يرد ذلك أنهم كانوا يتابعون النبي ﷺ . قالوا أن العبرة في الإئتمام هو الاقتداء وإن كان المتابعة والآن تهيأت المتابعة يعني الذي يسمع صوت المذياع يقتدي بالإمام يركع معه ويسمع صوته. ونوقش هذا الدليل بأنه غير صحيح بل العبرة هو أن يجتمع الإمام والمأموم في مكان واحد وزمان واحد وهذه هي العبرة التي دلت لها السنة. المسألة الخامسة: متابعة المأموم للإمام إذا كان يسمعه عن طريق مكبرات الصوت . أو المرأة التي في بيتها وتسمع مكبرات الصوت هل لها أن تصلي في البيت بصلاة الإمام أو نقول ليس لها أن تصلي بصلاته؟ هذه المسألة قسمها العلماء إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون جار المسجد بيته ملاصقاً للمسجد وبين المسجد والبيت منفذ. جمهور العلماء ﵏ قالوا يصح متابعة الإمام وأن صلاته صحيحة ولا تشترط الرؤية وإنما يكفي سماع الصوت.

стр. 51

لكن الحنابلة يشترطون أن تكون هناك رؤية يعني من كان في هذا البيت لابد أن يرى الإمام أو يرى المأمومين أو بعض المأمومين ولو في بعض الصلاة. والصحيح: أن هذا جائز ولا بأس به ولا تشترط الرؤية، والدليل على ذلك: حديث أسماء فإنها أتت عائشة رضي الله تعالى عنها حين خسفت الشمس والناس يصلون قياماً فإذا هي قائمة تصلي ".وهذا أخرجه البخاري في صحيحه , فهذه عائشة رضي الله تعالى عنها صلت في بيتها بصلاة النبي ﷺ . وأيضاً ما ورد في مصنف عبد الرزاق أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تصلي في بيتها بصلاة الإمام لأن بيوت النبي ﷺ كانت ملاصقات للمسجد وكان لها فتحات على المسجد. وكذلك أيضاً كانت بعض بيوت الصحابة رضي الله تعلى عنهم ملاصقة للمسجد ولها فتحات إلى المسجد فأمر النبي ﷺ أن تسد كل خَوْخَة (١) إلا خَوْخَة أبي بكر " (٢) . القسم الثاني: أن تكون هذه البيوت غير ملاصقة كما يوجد الآن في عصرنا أن أغلب البيوت ليست ملاصقة للمساجد.فهل يصح لأصحاب هذه البيوت أن يصلوا فيها وهم يسمعون الإمام أو نقول ليس لهم ذلك؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏ على ثلاثة آراء: الرأي الأول: أن الصلاة في هذه البيوت تصح ما دام أنهم يتمكنون من الاقتداء سواء كان الاقتداء بالتكبير أوبالرؤية. الرأي الثاني: أنه يشترط مع إمكان الاقتداء اتصال الصفوف وهذا قول ابن قدامة. الرأي الثالث: مذهب الحنابلة أنه لا يشترط اتصال الصفوف بل لابد من شرطين: ١ - الرؤية للإمام أو لبعض المأمومين ولو في بعض الصلاة. ٢ - سماع التكبير.

стр. 52

والصحيح في هذه المسألة: أن الصفوف إذا اتصلت فلأصحاب البيوت أن يصلوا أما إذا كانت لم تتصل فإنه لا يصح , فإننا نشترط مع إمكان الاقتداء اتصال الصفوف. والدليل على هذا ما ذكرنا أن الجماعة لها هيئة شرعية والعبادات توقيفية وهيئتها الشرعية كما ورد عن النبي ﷺ والصحابة ﵃ أنهم يجتمعون في مكان واحد وزمان واحد هذه هي الهيئة الشرعية , لكن إذا اتصلت الصفوف فإنها تأخذ حكم هذا المكان فيصبح المكانان في حكم المكان الواحد لاتصال الصفوف ففي هذه الحالة نقول بأنه لا بأس أن يصلوا في بيوتهم ويتابعوا الإمام أما ماعدا ذلك فالصواب أن المتابعة لا تصح. المسألة السادسة: وضع المدفأة أمام المصلي وما حكم ذلك هل يكره أم لا أو أن هذا جائز أو ليس جائزاً؟ هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة آراء: الرأي الأول: يكره إذا كان لها لهب مثلاً نار حطب أو شمع أو سراج،وأما إذا كان ليس لها لهب وإنما مجرد جمر قالوا بأن هذا لا يكره الحنابلة. الرأي الثاني: عكس هذا القول: إذا كانت جمراً يكره وإذا كانت لهب فلا يكره وهذا هو مذهب الحنفية. الرأي الثالث: الأصل في ذلك الجواز سواء كان لهباً أو كان جمراً ولا دليل على الكراهة والكراهة دليل شرعي يفتقر إلى الدليل الشرعي ولم يرد عن النبي ﷺ -أن كره ذلك وهو رأي الظاهرية. والخلاف بين الحنابلة والحنفية في تحقيق المناط , والعلة التي نص عليها العلماء ﵏ هي التشبه بالمجوس , والمجوس هل يعبدون الجمر أو يعبدون اللهب؟. فالحنابلة يقولون أن المجوس يعبدون اللهب ويستدلون بقول سلمان ﵁" وكنت قطن النار الذي يوقدها فلا تخبوا ". والحنفية يقولون أن المجوس يعبدون الجمر وليس اللهب. والأقرب في ذلك قول الحنابلة وهو أنهم يتعبدون باللهب. والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الظاهرية وأن هذا جائز ولا بأس به ولا كراهة.

стр. 53

لأن الأصل الجواز والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى الدليل الشرعي ولا ينتقل عنه إلا بدليل. العلة التي علل بها الحنابلة ﵏ أن المجوس يتعبدون باللهب فهذه المدفئات الموجودة الآن ليس لها لهب فانتفت مشابهة المجوس , وإن أخذنا بقول الحنفية أنهم يتعبدون بالجمر فجمر الحطب لا يشبه المدفئات الموجودة الآن التي تكون عن طريق الغاز أو عن طريق الكهرباء..إلخ وإنما هو عبارة عن احمرار بسبب التيار الكهربائي الذي ولد هذه الحرارة أي ليست لهب ولا جمر.. إلخ. المسألة السابعة: ترك حضور صلاة الجماعة لمن يحتاج إلى ذلك: مثل، الطبيب المناوب، أو رجل الإسعاف أو رجل الحريق أو الحارس ونحو ذلك ممن يحتاج إليه. هذه المسألة سهلة فالفقهاء ﵏ ينصون على أن من أعذار ترك الجماعة: الخوف سواء كان الخوف على أو الخوف على المال أو الخوف على النفس،أو الخوف على الأهل وأيضاً قالوا سواء خاف على نفسه أو خاف على نفس غيره أو خاف على ماله أو مال غيره أو خاف على أهله أو أهل غيره , كل هذا عذر يخفف في ترك الجماعة. والدليل على ذلك: قول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) . وأيضاً قول الله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢) . وأيضاً قول النبي ﷺ :" إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (٣) . ومن القواعد الفقهية قاعدة المشقة تجلب التيسير. المسألة الثامنة: جمع الصلاة في الحضر لمن احتاج إليها إما لإنقاذ معصوم مثل من يشتغل بإطفاء الحريق ولا يتمكن من أن يصلي كل صلاة في وقتها أو مثلا ًالطبيب الذي يجري العملية وقد تستغرق العملية عدة ساعات.

стр. 54

الجمع إما أن يكون في السفر وإما أن يكون في الحضر , أما في السفر فهذا جائز مطلقاً فيجوز للمسافر أن يجمع في السفر حتى وإن لم يكن هناك مشقة لأن العلماء ﵏ اعتبروا هنا المظنة وهي مظنة المشقة , إلا إذا كان داخل البلد فإنه يجب عليه أنه يصلي مع الناس الصلاة الأولى ثم بعد ذلك إن أراد أن يصلي معها الصلاة الثانية فله ذلك ,والأفضل لمن كان غير سائر أن يصلي كل صلاة في وقتها، وإن كان سائراً فالأفضل أن يجمع. أما في الحضر: فهذا موضع خلاف هل الحضر موضع للجمع أو ليس موضعاً للجمع؟ الأصل أن تؤدى الصلاة في وقتها لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ (١) ، وأيضاً أحاديث المواقيت كثيرة جداً: وورد عن عمر- ﵁ قال: " من جمع بين الصلاتين بلا عذر فقد أتى باباً من الكبائر ". وقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى:" لا يجوز أن تؤخر صلاة النهار إلى الليل لا لصنعة ولا شغل باتفاق الفقهاء" (٢) . فالأصل أن تؤدى الصلاة في وقتها لكن قد يكون هناك مشقة لتأدية الصلاة في وقتها. فالحضر هل هو محل للجمع أو ليس محلاً للجمع؟ مذهب الحنابلة هو أوسع المذاهب في هذه المسألة - الجمع في الحضر- يقولون: الجمع يجوز بين الصلاتين في كل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، وقالوا الحاجة والمشقة تبيح الجمع بين الصلاتين، وهذا قال به بعض السلف مثل: ابن سيرين والخطابي وشيخ الإسلام بن تيمية ومن المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ أحمد شاكر ﵏، واشترط بعض هؤلاء العلماء أن لا يتخذ ذلك عادة. وأضيق المذاهب في الجمع مذهب الحنفية فهم لا يجوزون الجمع لا في سفر ولا في حضر، وإنما يجوزونه فقط في عرفة ومزدلفة مع الإمام وأما ما عدا ذلك فهو عندهم جمع صوري يؤخر وقت الأولى ويعجل الثانية.

стр. 55

الشافعية أيضاً لا يجوزون الجمع في الحضر إلا المريض ويمنعونه لغيره، مثله أيضاً المالكية يقولون بالنسبة للمريض إذا خشي المانع فإنه يقدم الثانية ويصليها مع الأولى في أول وقتها. والصحيح هو ما ذهب إليه الحنابلة أنه إذا كان يلزم من ترك الجمع حرج ومشقة في الحضر فإن الجمع جائز ولا بأس به، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، - وفي رواية من غير خوف ولا سفر - , فسئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته. فدل ذلك إذا كان في الجمع حرج ومشقة فإنه يصار إليه وعلى هذا من يحتاج إليه لإنقاذ معصوم ونحو ذلك كالطبيب الذي يحتاج إلى ساعات لإجراء العملية أو المداواة..إلخ أو رجل الإسعاف أو رجل الإطفاء لإطفاء الحرق ونحو ذلك إذا كان لا يتمكن من أن يصلي كل صلاة كل صلاة في وقتها فإنه يصير إلى الجمع، وعلى هذا يحمل فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزو فتح تُسْتر فإنهم أخروا صلاة الفجر إلى الضحى حيث أنهم لم يتمكنوا أن يفعلوا الصلاة في وقتها. ما يتعلق بصلاة الجمعة المسألة الأولى: الحديث أثناء خطبة الجمعة من قِبَل القائمين على المسجد المساجد الكبار التي تؤدى فيها صلاة الجمعة بعضها قد يكون له أناس يقومون عليه ينظمون الناس ويرتبونهم إلى آخره، فما هو حكم حديثهم حال خطبة الإمام؟ الرأي الأول: جمهور أهل العلم على أن استماع الخطبة واجب. والدليل: لأن الله -قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) , فيجب السعي بحيث يتمكن الإنسان من استماع الخطبة.

стр. 56

وأيضاً يدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:" إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " وهذا الحديث في الصحيحين (١) ، (ومن لغا فلا جمعة له) . وأيضاً استدلوا على ذلك بقول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) .أمر الله بالإنصات قال بعض العلماء: المراد بذلك الخطبة وعُبَّر عن الخطبة بالقرآن لأنه يُكثر فيها قراءة الآيات وهذا محل نزاع. الرأي الثاني:رأي الشافعي ﵀ في الجديد، قال: بأن استماع الخطبة مستحب وليس واجباً واستدل على ذلك: بحديث أنس ﵁ المتفق عليه أن النبي ﷺ -كان قائماً يخطب فدخل رجل فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل وجاع العيال فادع الله أن يغيثنا " فرفع النبي ﷺ يديه فقال:" اللهم أغثنا اللهم أغثنا الله أغثنا". فلما كان في الجمعة الأخرى فقال يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا. فقال ﷺ الله حولينا لا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر.. . فقالوا هذا الرجل لم يستمع الخطبة وتكلم مع النبي ﷺ . وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أنس ﵁ أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فجعل الناس يشيرون إليه فقال:متى الساعة؟ فجعل الناس يشيرون إليه قال ذلك ثلاث مرات فلما كان بعد الثالثة قال له النبي ﷺ :ويحك ما أعددت لها قال: حب الله ورسوله.فقال النبي: ﷺ -أنت مع من أحببت ".فقالوا بأن هذا الرجل تكلم مع النبي ﷺ ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ بالسكوت.

стр. 57

وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عثمان ﵁ لما جاء وعمر يخطب وقد تأخر عن الخطبة فأنكر عليه عمر ﵁. والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم انه يجب الإنصات لسماع الخطبة وأما هذه الأدلة التي استدل بها الشافعي ﵀ فنقول أنها أدلة تدل على أنه يجوز للمأموم أن يتكلم مع الخطيب والخطيب لا بأس أن يكلم من شاء من المأمومين فهذا جائز. وعلى هذا لو أن الإنسان لم يفهم شيئاً من الخطبة له أن يسأل الخطيب والخطيب له أن يجيبه، وكذلك لو لم يسمع صوته وأراد أن ينبهه على شيء فله ذلك , وعلى هذا يترتب عليه كلام القائمين على المسجد أثناء الخطبة هل لهم أن يتكلموا او هل لهم لأن ينظموا الناس؟ وهذا يحدث في المساجد الكبار مثل الحرم المكي. نقول الأصل أن هذا محرم ولا يجوز لأنغ استماع الخطبة واجب لكن قد تكون المصلحة عظيمة وكبيرة يحتاج إليها، فاللجنة الدائمة للإفتاء برقم الفتوى ١٢٣٤٩ أفتوا القائمين بالمسجد الحرام الذين يرتبون الناس وينظمونهم ويمنعونهم من الجلوس بالممرات..إلخ أفتوهم بأن عملهم هذا جائز لعظم المصلحة أما ماعدا ذلك في بقية المساجد فالأصل في ذلك أنهم يستمعون ويتركون عملهم. المسألة الثانية: ما حكم العمل أثناء الخطبة من نقل الخطبة أو إصلاح مكبرات الصوت أو إصلاح أجهزة التسجيل؟ الفقهاء ﵏ يفرقون بين مسألة الكلام وبين مسألة العمل فهم يخففون في العمل يعني كون الإنسان يعمل هذا أخف من كونه يتكلم , لورود الدليل , ولأن الإنسان لا يمنعه عمله من أن يستمع إلى الخطبة. والدليل على أن العمل جائز حديث أبو هريرة أن سليك الغطفاني لما دخل والنبي ﷺ يخطب قال له الرسول ﷺ أصليت ركعتين؟ قال: لا , قال: قم فصل ركعتين ". فكونه يصلي ركعتين أثناء الخطبة فهذا عمل.

стр. 58

وكذلك مما يدل على ذلك حديث أنس المتقدم حين قال الرجل متى الساعة يا رسول الله فجعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم يشيرون إليه وهذا نوع من العمل. ومثله أيضاً حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة فجعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم يشيرون إليه أن يسكت ويضربون بأفخاذهم. والحنابلة نصوا على أن من رأى منكراً في أثناء الخطبة فله أن يشير إلى صاحب المنكر أن ينتهي عن منكره، وأيضاً نص الفقهاء قالوا لا بأس للإنسان أن يشرب الماء في أثناء الخطبة، وكذلك نصوا على أنه إذا لحقه نعاس له أن يتحول من مكان إلى مكان آخر لطرد النعاس وله أن يستاك إذا احتاج إليه لطرد النعاس , وكذلك نصوا لو أن الإنسان تصدق على فقير في أثناء الخطبة أن هذا جائز ولا بأس به. وعلى هذا نفهم أنه لا بأس على العمل على إصلاح مكبرات الصوت في أثناء الخطبة وأن هذا لا يعتبر من اللغو , أو العمل على تسجيل الخطبة أو على العمل على نقل الخطبة إلى مكان آخر فهذا كله جائز ولا بأس به. المسألة الثالثة: ترجمة الخطبة بعد الصلاة لمن لا يتكلم بالعربية . أهل العلم ﵏ اختلفوا في خطبة الجمعة هل يشترط أن تكون بالعربية أو أنها تصح بكل لسان؟ للعلماء ﵏ في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول: أنه يشترط تكون الخطبة بالعربية وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي. واستدلوا على ذلك: بحديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ -قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) . والنبي ﷺ كان يخطب بالعربية. وقالوا أيضاً بأن الأذكار توقيفية كقراءة القرآن فهذه يتوقف فيها على النص وكما أن القرآن لا يقرأ ولا يترجم ترجمة حرفية فكذلك أيضاً الخطبة. والرأي الثاني:أن الخطبة تصح بكل لغة، وهذا مذهب أبي حنفية ﵀ , واستدل على ذلك:

стр. 59

قول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١) ، يعني بلغتهم ولا يحصل البلاغ والتعليم إلا إذا كان بلغة المخاطبين. والرأي الثالث: التفصيل في هذه المسألة أنه يشترط أن تكون الخطبة بالعربية إلا مع العجز إذا كان الخطيب لا يتكلم العربية فإنه يخطب بلسان قومه. وهذا هو المشهور من مذهب أحمد ﵀. والأقرب في هذه المسألة أن يقال: ينظر إلى حال المستمعين: ١- فإذا كان المستمعون لا يفهمون العربية فإن الخطبة تكون بلغتهم كما هو مذهب الحنفية لأن الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٢) يعني بلغتهم فإذا كان ذلك في أصل تبليغ الرسالة أنها تكون بلسان القوم المرسل إليهم ففي تفاريع الرسالة من باب أولى لأن الخطبة نوع من تبليغ الرسالة. وأيضاً النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود لكي يتمكن النبي ﷺ من مكاتبتهم بلغتهم وإقامة الحجة عليهم. ٢- أن تكون لغة المستمعين هي العربية وفيهم أناس لا يتكلمون العربية فنقول لخطبة هنا تكون بالعربية وأما غير العرب فإن الخطبة تترجم لهم فهذا طريق. فالطريق الأول: أن الخطبة تترجم لهم بعد الصلاة فهذا جائز ولا بأس به ولا يكون هذا من قبيل المحدث بل إن هذا من قبيل تبليغ الخطبة, وتبليغ الخطبة قد لا يكون إلا بهذا الطريق كما يسلك في بعض المساجد. الطريق الثاني: قال به بعض أهل العلم أن هؤلاء الذين لا يتكلمون العربية تترجم لهم الخطبة في أوراق ثم توزع عليهم الخطبة ويقرؤونها. الطريق الثالث:أن الخطبة تسجل وأثناء إلقاء الإمام الخطبة أنه يوضع لهم تسجيل بلغتهم يستمعون إليه أثناء الخطبة عن طريق خلال سماعات.

стр. 60

وكونه يقرؤون الخطبة في أوراق أو أنهم يقومون باستماعهم لها عن طريق التسجيل فهذا جائز ولا بأس به. وقد نص الحنابلة والشافعية ﵏ على ذلك، قالوا: بأن الشخص الذي لا يستمع خطبة الإمام لكونه أصم أو لكونه بعيداً عن الإمام ولا يستمع الخطبة له أن يشتغل بالذكر والصلاة على النبي ﷺ وبقراءة القرآن، وبقراءة كتب أهل العلم..إلخ. ومثل ذلك أيضاً هذا الأعجمي الذي لا يفهم العربية لو اشتغل بقراءة الخطبة التي يخطبها الإمام أو اشتغل بسماع الخطبة عن طريق المسجل وكذلك القراءة، فإن هذا جائز ولا بأس به وهو بمنزلة الأصم والبعيد. واستدلوا على ذلك بحديث أبي الدرداء ﵁ -أن النبي ﷺ قال: " إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ " أخرجه الإمام أحمد ﵀. فقيد ذلك بسماع الكلام وهذا لا يسمع الكلام. وكذلك أيضاً أن المقصود من سماع الخطبة هو الإفادة والفهم، ومثل هذا الأعجمي وهذا البعيد لا يستفيد ولا يفهم فله أن يشتغل بعبادة أخرى. وسبق أن ذكرنا أنه يفرق بين العمل والحديث في الخطبة وأن العمل أخف من الحديث وأما قول النبي ﷺ :" من مس الحصى فقد لغا ". نقول أن العمل أناء الخطبة أنه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عمل للمصلحة كما تقدم وضربنا لذلك أمثلة وأن هذا جائز ولا بأس به. والقسم الثاني: عمل لغير مصلحة ولغير حاجة فإن هذا هو الذي لا يجوز. وأما مثل هذا العمل فإنه للحاجة فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به. النوازل المتعلقة بأحكام الكسوف تعريف الكسوف والخسوف: الكسوف: لغة هو التغير إلى السواد. الخسوف لغة: هو الذهاب والنقصان. وأما في الاصطلاح:هو انحجاب ضوء الشمس أو القمر كله أو بعضه بسبب غير معتاد سبب الكسوف: الكسوف له سببان: ١-: سبب شرعي ٢ -: سبب كوني.

стр. 61

فالسبب الشرعي: هو تخويف الله العباد لكي يرجعوا وينيبوا إلى الله كما بينه النبي ﷺ كما في الصحيح:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده". ذكر ابن المُنَيَّر ﵀ أن الكسوف بمثابة الإنذار بوقوع العقوبة من الله ، ولهذا أمر الرسول ﷺ بعد حصول الكسوف بالدعاء والصلاة والاستغفار والتوبة والصدقة والعتق، والرجوع إلى الله . والسبب الكوني: أما بالنسبة لكسوف الشمس سبب ذلك هو حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض , فإذا حال القمر بين الشمس وبين الأرض فإنه يحصل كسوف الشمس. سبب الخسوف: أما سبب خسوف القمر هو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر , لأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وقد ذكر العلماء ﵏ أن القمر كالمرآة والشمس كالقنديل، فالقمر يأخذ نوره من الشمس ثم يعكس مرة أخرى على الأرض فإذا حالت الأرض بين القنديل وبين المرآة لم يحصل انعكاس لضوء القمر. ومعرفة الكسوف ليس من علم الغيب الذي استأثر الله- بعلمه بل هو من العلم الحسي المدرك وقد نص على هذا العلماء ﵏ وأنهم يتفقون على ذلك وإنما يعرفه الحُسَّاب والمنجمون فكل من اطلع على شيء من علم الحساب والفلك فإنه يتمكن من معرفة الكسوف والخسوف عن طريق الحساب. المسألة الأولى:ما يتعلق بنشر وقت حدوث الكسوف أو الخسوف في وسائل الإعلام. هل نقول أن هذا من قبيل المشروع أو نقول بأن هذا ليس من قبيل المشروع؟

стр. 62

نقول: إذا تأملنا الحكمة التي من أجلها حصلت هذه الآيات العظيمة بأن هذا ليس مشروعاً لأن الحكمة هي تخويف العباد وكونه ينشر ويتناقله الناس بوسائل الاتصال المختلفة هذا يخفف من وقع هذه الآية على قلوب الناس فلا تحصل الحكمة التي من أجلها شُرع الكسوف من تخويف العباد وإرجاعهم إلى الله وأيضاً ما يتعلق بالسنن المتعلقة بهذه الصلاة من الصدقة والعتق والاستغفار والصلاة ,لأنه إذا خف وقع هذه الآية على قلوب الناس فإن الداعي لعمل هذه السنن والشعائر يضعف عند كثير من الناس وهذا شيء ملاحظ ,وعلى هذا فليس مشروعاً هذا العمل بل يترك فالأولى تركه وهذا هو الأليق بحكمة هذه الآيات. المسألة الثانية: وإذا نشر خبر حدوث الكسوف أو الخسوف في وسائل الإعلام ثم بعد ذلك حصل غيم أو قتر فهل يصلى بناءً على ما ذكر أنه سيحصل خسوف في وسائل الإعلام أو نقول بأنه لا تشرع الصلاة؟ نقول: بأن النبي ﷺ علق الأمر بالرؤية البصرية، فقال: " إذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى دعاء الله واستغفاره " وفي لفظ " الصلاة ". ولهذا قال الدارمي ﵀:" لا يعمل بالكسوف بقول المنجمين". فإن رأينا الكسوف فإننا نصلي وإن حال بيننا وبين رؤية الكسوف غيم أو قتر أو غير ذلك فإننا لا نصلي ولو نشر ذلك في وسائل الإعلام أنه سيقع. المسألة الثالثة:ما حكم لو كسفت الشمس أو خسف القمر ثم حصل بعد ذلك شيء من الغيم أو قتر وشككنا في وجوده أو عدم وجوده؟ نقول الأصل في ذلك الصلاة, ولهذا ذكر الزركشي ﵀ في المنثور قال: ولو كسفت الشمس في حال سحاب فلم يدرى هل انجلت أم لا فله أن يصلي. وذكرنا فيما تقدم أن المعتمد هو الرؤية البصرية لما ذكرنا أن النبي ﷺ علق الأمر على الرؤية ,فقال: " إذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى دعاء الله واستغفاره ".

стр. 63

وأيضا قال العلماء أن الأصل عدم الكسوف وقالوا أيضاً بأن قول الحُساب والمنجمين من باب الظن وليس من باب اليقين. النوازل المتعلقة بأحكام الجنائز المسألة الأولى: النعي والنعي:هو الإخبار بموت الميت. والأصل في النص النهي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره " أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بالصحابة وصلى عليه صلاة الغائب ". وكذلك أيضاً أن النبي ﷺ نعى أصحاب سرية مؤتة فقال: " أصيب زيد أصيب جعفر أصيب عبد الله " نعاهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم بالمدينة. ووكذلك أيضاً حديث حذيفة ﵁ قال أنه قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي إني أخاف أن يكون نعياً فإني سمعت رسول الله ﷺ : " ينهى عن النعي" وهذا أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه الترمذي. النعي ذكر العلماء ﵏ أن له ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يُعلم أقارب الميت وأصدقاؤه وجيرانه بموته لكي يجتمعوا على تجهيزه من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه والدعاء له بالرحمة وغيره فنقول بأن هذا من النعي المشروع،وليس من النعي المذموم حتى ولو حصل ذلك بوسائل الاتصال. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة السابق أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بالصحابة "وأعلم الصحابة لكي يصلوا عليه وخرج النبي ﵊ بالصحابة رضي الله تعالى عنهم وصلى بالنجاشي. الصورة الثانية: أن يُبعث من ينادي في الناس ومجامعهم ونواديهم ألا إن فلاناً قد مات فاشهدوا جنازته، ومن ذلك أيضاً ما يحصل في وسائل الإعلام في الصحف والمجلات وغير ذلك , هذه الصورة اختلف فيها العلماء ﵏: الرأي الأول: أن ذلك مكروه وأنه مذموم وهو من النعي المذموم , وهذا رأي جمهور أهل العلم.

стр. 64

واستدلوا على ذلك ما تقدم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه" إذا مت فلا تؤذنوا بي فإني أخاف أن يكون نعياً فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي ". وأيضاً قالوا بأن هذا فيه تشبهاً بأهل الجاهلية،فإن أهل الجاهلية كان إذا مات فيهم الميت يصعدون على المرتفعات ويقفون في مجامع الناس فينادى بأن فلان قد مات ويذكرون شيئاً من مآثره ومناقبه..إلخ. الرأي الثاني: أن هذا جائز ولا بأس به وهو رأي الحنفية. واستدلوا على ذلك: بأن الأصل في ذلك الجواز. وأيضاً استدلوا بما تقدم أن ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. وكذلك أيضاً أن ﷺ نعى أصحاب سرية مؤتة. الرأي الثالث: التفصيل إذا كان المقصود في ذلك غرض صحيح ومصلحة فإن هذا جائز مثلاً المقصود أن يصلى عليه وأن تشهد جنازته وكذلك أيضاً أن يتعاون الناس في تغسيله وتكفينه ودفنه، وكذلك أيضاً من كان له دين أو معاملة من هذا الميت يأتي لكي يأخذ حقه منه لأنه قد لا يتمكن من ذلك إلا عن طريق وسائل الإعلام فإن هذا جائز ولا بأس به بل هو مطلوب لأن فيه إبراء لذمة الميت وهذا قال به طائفة من فقهاء الشافعية.وهذا القول هو الأقرب. الصورة الثالثة: أن يكون ذلك مُشْبِهاً لنعي أهل الجاهلية أن يُبعث من ينادي في الناس ومجامعهم ونواديهم فيذكر محاسنه ومآثره وقد يصحب ذلك شيء من الصياح والنياحة، فهذا نعي مذموم ومنهي عنه. فتلخص لنا أن النعي أن يكون قبل تجهيز الميت وقبل تغسيله وقبل تكفينه وقبل الصلاة عليه لكي يتساعد الناس في تجهيزه ولكي يجتمعوا على الصلاة عليه هذا أمر مطلوب ومشروع لأن ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وكذلك أيضاً النبي ﷺ نعى أصحاب سرية مؤتة هذا قبل تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.

стр. 65

القسم الثاني: النعي بعد الصلاة عليه نقول لا ينعى وأن هذا غير مشروع إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة كأن يكون لهذا الميت معاملات أو عليه ديون ويريد ورثته أن تسدد عنه الديون فنقول بأن هذه مصلحة وأن هذا جائز حتى ولو حصل في وسائل الإعلام من الجرائد وغيرها. أما إلقاء الخطب والمحاضرات بعد موت زيد من الناس ولو كان عالماً نقول هذا كله غير مشروع فإن كان في أثناء المصيبة فهو نوع من النعي ونوع من تهييج الأحزان ولا يترتب عليه فائدة وأما إن كان ذلك بعد تباعد المصيبة فنقول لا بأس أن تلقى محاضرة عن العالم الفلاني أداء لحقه وأيضاً حثاً الأمة أن تقتدي به وأن تقتبس من سيرته وتربية للناشئة على سيرته لأن هذا نوع من حقه, فنقول إن كان بعد تباعد المصيبة فإن هذا مطلوب ولا بأس به لأن العلماء ألفوا الكتب في سير الرجال وكتب الطبقات وذكروا مناقب الرجال والعلماء. وأما أثناء المصيبة فإن هذا منهي عنه بل هو نوع من تهييج الأحزان وإيقاظ المصيبة والشارع شرع التعزية لتسلية المصاب كل ذلك درءا لهذا المحظور. المسألة الثانية: ما يتعلق بحجز جثة الميت من قبل المستشفى مقابل تسديد ما عليه من مبالغ مالية. أي قد كون هذا المستشفى مستشفاً تجاري ويتعالج فيه هذا المريض ثم بعد ذلك تحصل الوفاة لهذا المريض وعليه شيء من الحقوق المالية فتقوم بعض المستشفيات بحجز الجثة وأنه لا تُسَلم الجثة لأقارب الميت إلا بعد أن يسدد ما عليه من المبالغ المالية. فما حكم هذا العمل هل هذا العمل سائغ أو نقول بأنه غير سائغ؟ نقول بأن حجز جثة الميت هذا عمل محرم ولا يجوز والدليل على ذلك: لأن الأصل هو الإسراع والمبادرة بتجهيز الميت وتغسيله وتكفينه ففيه تعطيلاً لهذه السنة. ولهذا ورد في الطبراني في الكبير وحسنه الحافظ بن حجر حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره ".

стр. 66

وأيضا ًحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكون سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " متفق عليه. وأيضاً الصحابة ﵃ كما في قصة المرأة التي تقم المسجد أو الرجل الذي كان يقم المسجد مات في الليل ومع ذلك لم ينتظر به الصحابة ﵃ -صلاة الفجر بل جهزوه وغسلوه وصلوا عليه فدفنوه في الليل. فقال لهم النبي ﷺ : "هلا آذنتموني " فدلوه على قبرها أو قبره فصلى عليه " وهذا في صحيح البخاري وغيره. والعلماء يقولون: لا بأس بالتأخير اليسير مثلاً توفي الميت بعد الظهر فلابأس أن يؤخر إلى صلاة العصر أو توفي في الضحى فلابأس أن يؤخر إلى الظهر ولهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا توفى الميت اليوم مثلاً فإنه يجهزونه من غد فهذا خطأ وخلاف السنة , اللهم إن كان ذلك يترتب عليه مصلحة عظيمة وملحة فهذه الأشياء تقدر بقدرها لكن الأصل في ذلك المبادرة بتجهبيز الميت. أما بالنسبة لهذه الديون لهذا المستشفى لا تخلوا من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الميت دخل بكفالة يعني كفله شخص فنقول ليس هناك داعي لحبس جثة الميت وإنما الكفيل هو الذي يقوم بتسديد المبلغ الذي عليه ثم بعد ذلك يرجع على التركة. الحالة الثانية: أن يكون الميت معسراً ليس عنده شيء، فنقول الآن فسدت ذمته يعني ليس له ذمة صحيحة فكيف يطالب! وليس هناك مسوغ شرعي لحبس جثة الميت لأنه ليس عنده شيء وورثته لا يجب عليهم أن يسددوا الديون ولا يطالب الورثة باتفاق العلماء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . وهذا خلاف ما يفهمه كثبر من الناس حيث يفهمون على أن الميت إذا كان معسراً وعليه ديون أن أولاده يجب عليهم أن يسددوا هذا الدين وربما أخذوا الزكاة لتسديد هذا الدين , وأداء الزكاة عن الميت هذا محرم ولا يجوز.

стр. 67

ولكن كما قال النبي ﷺ :"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ". فهذا الميت إن أخذها يريد الأداء فإن الله عزوجل يؤدي عنه يوم القيامة لصاحب الدين , وإن أخذها يريد أكلها والمماطلة وغير ذلك فإن الله عزوجل يتلفه. الحالة الثالثة: أن يكون موسراً له تركة , فإن حقه يتعلق بمال الميت في التركة ولا يتعلق ببدن ولا بجثة الميت , فنقول المستشفى كسائر من له دين على هذا الميت فيرجع على التركة ويأخذ حقه من تركته كما قال الله عزوجل: ﴿ِمن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .فتقدم الديون والوصايا ثم بعد ذلك إن بقي شيء فيكون للورثة. ولهذا يتبن أن مثل هذا الحبس محرم ولا يجوز وأيضاً من باب المروءة والأخلاق الإسلامية هذا لا يستساغ. المسألة الثالثة: ما يتعلق بتشريح جثة الميت . علم التشريح: هو علم يبحث في كيفية أجزاء بدن الميت وتركيبها من العروق والأعصاب والغضاريف والعظام واللحم وغير ذلك من أحوال كل عضو. والفقهاء من قديم الزمان يتكلمون فني علم التشريح بل إن علماء الإسلام ألفوا مؤلفات في علم التشريح كما سنذكر شيئاً منها فمثلاً الفقهاء يقولون الاكتحال في رمضان يفطر لأن أهل التشريح يقولون بين العين وبين الحلق منفذ. وأيضاً قال بعض الفقهاء المني نجس لأنه يخرج من مخرج البول. والقول الثاني قالوا أن المني طاهر لأن علم التشريح يقولون هناك ثلاثة مخارج: مخرج للبول مخرج للمني ومخرج للمذي فمخرج البول غير مخرج البول. وغير ذلك فتجد أن الفقهاء يتكلمون عن علم التشريح وكما ذكرنا أن العلماء لهم مؤلفات في ذلك - علم التشريح -: ابن جماعة الكناني الشافعي ﵀ له كتاب في التشريح والسيوطي له كتاب أيضاً في علم التشريح وكذلك حسن عطارله حاشية على شرح كتاب الجلال المحلي في أصول الفقه له كتاب مستقل في علم التشريح.

стр. 68

والعلماء ﵏ ذكروا أسباب تشريح الجثة: أولاً: سبب التعليم:كما يسلكه الآن طلاب كليات الطب البشري , فيأتون بالجثة ثم يشرحونها لكي يتعلم الطلبة على هذه الجثة وينظرون إلى الأعضاء. ثانياً: التشريح الجنائي: وذلك لمعرفة سبب وفاة المريض هل سبب وفاته سبب طبيعي أو أن سبب وفاته سبب غير طبيعي ناتج عن اعتداء إما خنق وإما ضرب وإما سم أو غير ذلك. ثالثاً: التشريح المرضي: وهو الكشف عن سبب الوفاة عموماً لماذا مات هذا الشخص, أي ليس هناك اتهام أو قضية وليس هناك تعلم في كليات الطب لكن لكي يعرف ما هو سبب موت هذا الشخص ما هي العلل وما هي الأسقام التي أدت بوفاته لكي يتخذ أسباب الوقاية من الأدوية ونحو ذلك. هذه أقسام التشريح اختلف فيها العلماء ﵏: القسم الأول: التشريح لأجل التعلم هل هذا جائز أو ليس جائزاً؟ هذا موضع خلاف فالعلماء ﵏ لهم في ذلك ثلاثة آراء: الجواز مطلقاً، المنع مطلقاً، التفصيل في هذه المسألة. الرأي الأول: الجواز مطلقاً. هذا صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة في دورته العاشرة اختار قول من قال بالجواز وأنه لا بأس لطلاب الطب البشري أن يزاولوا مثل هذه المهن وتشرح مثل هذه الجثث. واستدلوا على ذلك بعدة أدلة: إذا تعارضت مصلحتان تقدم أعلى المصلحتين فعندنا مصلحة الميت أنه لا يشرح وعندنا المصلحة العامة وهي أنه يشرح كي يستفيد الناس ويتعلم هؤلاء الطلاب الذين سيتمكنون من مداواة الناس..إلخ فقالوا المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. كذلك أيضاً إذا تعارضت مفسدتان فإنه ترتكب أدنى المفسدتين، فتشريحه مفسدة والجهل بأحكام علم الطب مفسدة عامة فترتكب أدنى المفسدتين. والفقهاء ﵏ نصوا على شيء من ذلك فقالوا: لا بأس من أن يشق بطن الميت الحامل لكي يخرج الحمل إذا كان هذا الحمل ترجى حياته.

стр. 69

وقالوا أيضا ًبأن الميت لو كان بطنه مال مغصوب فإنه لا بأس أن يشق بطنه ليستخرج هذا المال المغصوب. كذلك أيضاً قالوا أنه يجوز في حالة الاضطرار أكل بدن الميت فكذلك أيضاً هذا التشريح فإنه يجوز. الرأي الثاني: المنع مطلقاًوأن هذا لا يجوز. واستدلوا على ذلك بأدلة: قول الله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (١) . حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسره حياً " (٢) . أن العلماء مجمعون على أن الخصاء - يعني قطع خصتي أهل الحرب والأرقاء - محرم. أن الشارع نهى عن المثلة والنُّهبة كما في حديث قتادة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النهبة والمثلة" (٣) . حديث أبي مرثد أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " (٤) فإذا كان الجلوس محرم فبتشريح الجثة من باب أولى. والرأي الثالث: التفصيل في هذه المسألة أنه يجوز تشريح جثة الكافر لغرض التعلم وأما المسلم فلا يجوز تشريح جثته , وهذا القول هو الذي صدرت به قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٤٧) , واستدلوا على ذلك بأدلة: أن الله -قال في حق الكافر: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥) ، فكرامة الكافر ليست ككرامة المسلم فهي أخف وحرمته ليست كحرمة المسلم،فالكافر أهان نفسه بالكفر وعدم الإيمان فليس له مكرم , فقالوا بأن هذا يسوغ تشريح جثة الكافر دون المسلم.

стр. 70

للحاجة والضرورة. بأن جثة الكفار يمكن الحصول عليها ويجوز شراء هذه الجثث بأرخص الأسعار للضرورة لأن الكفار لا يحترمون أبدانهم وجثثهم كما يحترم المسلمون جثة المسلم الذي امتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ , ولهذا في كثير بلدان أهل الكفر يحرقون جثث موتاهم ومنهم من يلقيها في البحر ليتخلص منها. الترجيح: وهذا القول هو الأقرب يفصل في هذه المسألة. وذكروا لجواز ذلك شروطاً: أن يكون التشريح بقدر الحاجة، فإذا احتجنا أن نشرح اليد فلا نشرح بقية الجسم القدم أو احتجنا أن نشرح الرأس فلا نشرح بقية الجسم فمثلاً الطلاب الذين يدرسون طب العيون بحاجة إلى تشريح العين وليسوا بحاجة إلى القدم أو الرجل فالتشريح يكون بقدر الحاجة أو مثلا ً الذين يدرسون في تخصص القلب يشرحون القلوب فقد يحتاجون لإلى شيء آخر لكن إذا كانوا لا يحتاجون إلى شيء آخر نقول الضرورة تقدر بقدرها. أن تشريح جثث النساء يكون من قبل النساء وأما تشريح جثث الرجال فإنه يكون من قبل الرجال. أن هذه الأجزاء تدفن بعد تشريحها. القسم الثاني: التشريح الجنائي أو التشريح من أجل التحقيق الجنائي وذلك أن يشك في موت هذا الشخص هل كان موته طبيعياً أو أنه مات بسبب غير طبيعي كما لو أعتدي عليه إما بخنق أو بضرب أو بتسميم ونحو ذلك فيحتاج إلى أن تشرح جثثه فينظر هل هناك سبب غير طبيعي أدى إلى وفاته أو أن وفاته طبيعية. جمهور المعاصرين أن التشريح الجنائي جائز وقد يكون واجباً وقد أخذ به مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة وكذلك أيضاً هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية فتوى رقم (٤٧) وكذلك أيضاً دار الفتيا المصرية، لأن التشريح الجنائي يترتب عليه مصالح عظيمة والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة وترتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما , فمصلحة الميت لا أنها لا تشرح جثثه لكن المصلحة العامة وهي مصلحة المجتمع أن تشرح الجثة.

стр. 71

ومن المصالح التي تترتب على تشريح الجثة في التشريح الجنائي: ١ - صيانة حكم القاضي من الخطأ , لأن القاضي إذا لم تشرح هذه الجثة قد يخطئ في الحكم لعدم وجود الدليل على أن الموت كان طبيعياً أو أن الموت كان بسبب اعتداء على هذا الشخص , فمع التشريح يهتدي القاضي إلى إصابة الحق. ٢ - صيانة حق المتهم , قد يكون هناك شخص يتهم بقتل هذا الشخص فنحتاج إلى تشريح جثثه هل موته كان طبيعياً أو كان غير طبيعي. ٣ - صيانة حق المجتمع وذلك بتحقيق الأمن. وهذا التشريح الجنائي اشترط العلماء ﵏ له شروطاً: الشرط الأول: أن يكون هناك متهم يتهم بالاعتداء على هذا الشخص وقتله , فإن لم يكن هناك متهم فلا حاجة إلى التشريح. الشرط الثاني: قيام الضرورة للتشريح هذه الجثة وذلك لضعف الأدلة الجنائية , لأن الأصل في التشريح أنه محرم ولا يجوز لما في ذلك من انتهاك هذه الحرمة ولما في ذلك من التمثيل والنبي ﷺ نهى عن المثلة (١) . وأما إذا لم تقم ضرورة بأن كانت الأدلة الجنائية واضحة في أن المعتدي هو زيد من الناس أو انه قد مات موتاً طبيعياً فإنه لا يلجأ إلى التشريح الشرط الثالث: إذن القاضي الشرعي. الشرط الرابع: أن يكون هناك طبيب ماهر يتمكن من معرفة ما يبين حال الجناية. الشرط الخامس: أن لا يُسقط الورثة حقهم فلو أن الورثة أسقطوا حقهم من المطالبة بدم الجاني فإنه لا فائدة من التشريح حينئذ. القسم الثالث: التشريح المرضي وذلك أن يشرح الميت لكي ينظر ما هي الأسباب والعلل التي أدت إلى موته، ويترتب على ذلك أنه تتخذ الأدوية والعلاجات والوقايات من هذا المرض. هذا التشريح المرضي موضع خلاف بين أهل العلم ﵏:

стр. 72

والصحيح في هذه المسألة أنه يجوز عند وجود الغرض الصحيح فلا بد أن يكون هناك سبب أو غرض صحيح يدفع إلى جواز التشريح، كأن يصاب هذا الشخص بمرض ,وهذا المرض يخشى تعديه على المجتمع لكونه مرضاً حادثاً طارئاً لم تتخذ له العلاجات والوقايات. والعلة في ذلك أن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة فتقدم أعلى المصلحتين على أدناهما وترتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما , وذلك أن تحصين المجتمع من الأمراض ووقايته منها هذه مصلحة عامة وحرمة الميت مصلحة خاصة فتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. والعلماء ﵏ جوزوا التشريح الجنائي حتى بعد موت الميت ودفنه لما يترتب على ذلك من المصلحة العظيمة التي تقدم على مصلحة حرمة الميت وحرمة انتهاكه بعد دفنه لكن التشريح من أجل التعلم هذا لا يجوز بعد دفن الميت وكذلك أيضاً التشريح المرضي هذا أيضاً لا يجوز. وقد ذكر العلماء ﵏ أن نبش القبر يجوز في مواضع منها: الموضع الأول: إذا دفن الميت بلا تغسيل فجمهور أهل العلم قالوا يجوز أن ينبش القبر ثم يغسل الميت ما لم يتغير الميت كما لو تغيرت حالته أو تفسخ ونحو ذلك فإنه لا ينبش في هذه الحالة لكن إذا كان الميت قريب العهد بالدفن ودفن بلا تغسيل قال العلماء أنه يجوز أن ينبش لكي يغسل. الموضع الثاني: إذا دفن إلى غير القبلة فالشافعية والحنابلة قالوا بأنه لا بأس أن ينبش من قبره ويدفن إلى القبلة. الموضع الثالث: لو دفن قبل الصلاة عليه، فالحنابلة والمالكية قالوا لا بأس أن ينبش وأن يصلى عليه. الموضع الرابع: لو دفن بلا كفن فالحنابلة جوزوا نبشه وتكفينه ثم بعد ذلك يدفن والشافعية منعوا من ذلك. الموضع الخامس: لو دفن في أرض مغصوبة فالفقهاء يتفقون على أنه يجوز أن ينبش وأن يدفن مع الناس. المسألة الرابعة: نقل الميت من بلد إلى بلد آخر .

стр. 73

نقل الميت هذا ليس طارئاً ونازلا ً وإنما كان موجوداً في الزمن السابق لكن مع تقدم وسائل النقل أصبح نقل الأموات أسهل من غيره ففي فترة وجيزة ينقل الميت من مكان إلى مكان آخر ,فهل يجوز نقل الميت من بلد إلى بلد آخر أو لا يجوز نقله؟ أولاً: هناك مواضع لا يجوز فيها نقل الميت من بلد إلى بلد آخر: الموضع الأول: إذا أدى ذلك إلى هتك حرمة الميت أو تغيير جثته فنقول هذا لا يجوز كما لو كان النقل لفترة طويلة وسيسبب ذلك أن تتغير جثة الميت مما يؤدي إلى هتك حرمته , فنقول بأن هذا غير جائز ويجب أن يدفن في محله. الموضع الثاني: الشهداء لا يجوز نقلهم ويجب دفنهم في مواضعهم. ودليل ذلك حديث جابر- ﵁ " أن شهداء أحد نُقلوا إلى المدينة فأمر النبي ﷺ بأن يردوا إلى مضاجهم فردوا إلى الأماكن التي استشهدوا فيها ". وهذا أخرجه أحمد وغيره. الموضع الثالث: نقل الميت للضرورة هذا جائز ولا بأس به كما لو مات في بلاد كفار وخشي على هذا الميت من أن يعبث الكفار بجثثه بالتمثيل أو بالتحريق أو بالتقطيع أو البيع ونحو ذلك فهذا جوز العلماء ﵏ نقله. أما في غير هذه المواضع الثالثة هل ينقل الميت أو لاينقل؟ وقد تجد أن بعض الأموات قد يوصي أن يدفن في البلد الفلاني إما لكون هذا البلد هو بلده حتى يكون قريباً من أهله أو لكون هذا البلد بلداً مقدساً كمكة والمدينة وبيت المقدس , فهل تنفذ هذه الوصية؟ أو لم تكن هناك وصية واختار أقاربه أن ينقلوه هل لهم ذلك أو ليس لهم ذلك؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم: الرأي الأول:مذهب الحنابلة والمالكية أن النقل جائز وهو أوسع المذاهب في هذه المسألة في نقل الميت حتى نصوا على نقله بعد دفنه قالوا بعد دفنه ينبش وينقل.

стр. 74

الرأي الثاني: مذهب الحنفية أن نقل الميت مكروه إلا لمسافة يسيرة قالوا كالميلين- يعني ما يقرب ثلاثة كيلومترات فقط - أما ما عدا ذلك لا ينقل ولا يفرقون بين البلد المقدس وغيره وهو أضيق المذاهب في هذه المسألة. الرأي الثالث:مذهب الشافعية ﵏ التفصيل في هذه المسألة يقولون إن كان لبلد مقدس فإن هذه جائز لا بأس به وإن كان لغير لبلد مقدس فإنه يحرم ولا يجوز. وننبه أن هذا الكلام ما لم يؤدي النقل إلى هتك حرمة الميت بتغيره فإذا كان يؤدي إلى تغيره فإنه لا يجوز وأما إذا لم يؤدي إلى تغيره مثل وقتنا الحاضر فإنه يمكن نقله إلى مكة خلال ساعات وكذلك بسب وسائل الحفظ الموجودة فإنه لا يؤدي إلى تغيره. أدلة من قال بجواز النقل: " أن موسى ﵇ لما حضرته الوفاة سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر" وهذا أخرجه البخاري ومسلم. أن عمر ﵁ كما في البخاري استأذن عائشة رضي الله تعالى عنها أن يدفن في حجرتها بجوار النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ , فيقاس عليه مثل ذلك لو أن هذا الرجل الذي مات وصى بأن ينقل إلى بلده ليدفن بجوار أهله وأقاربه. أن سعد بن أبي وقاص ﵁ توفي بالعقيق ونقل إلى البقيع (إن ثبت فالأمر يسير) . أن عبد الرحمن بن أبي بكر- ﵁ توفي بِحُبَشِي وهذا موضع قريب من مكة ونُقل إلى مكة. والمتأمل لسنة النبي ﷺ وكذلك أيضاً الصحابة ﵃ يجد انهم يدفنون موتاهم في البلد الذي مات فيه لم يرد أن النبي ﷺ أمر بأن ينقل من مات في المدينة إلى مكة مع أن مكة أفضل من المدينة،أو أن من مات خرج المدينة ينقل إلى المدينة أو ينقل إلى مكة فهذا لم يرد عن النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃.

стр. 75

وأما ما ورد من الآثار في ذلك فيحمل على الأمور اليسيرة كأثر سعد بن أبي وقاص إن ثبت ,وأما أثر عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه ضعيف. فتخلص لنا أنه يجوز نقل الأموات في موضعين: الموضع الأول: إذا كان الأمر يسيراً فإن هذا جائز ولا بأس به كأن تكون المسافة عشرة كيلومترات، أو عشرين كيلومترات فإن سعد بن أبي وقاص نقل من العقيق إلى البقيع ودفن فيه.وكذلك أيضاً موسى ﵊ سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر. ورمية الحجر هذه ليست مسافة كبيرة. الموضع الثاني: إذا مات في بلاد الكفار واختار أولياؤه أن ينقل إلى بلد المسلمين فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به لأن هذا غرض صحيح. وأما ما عدا ذلك فهذا غير مشروع لأدلة: لأنه م يرد أن الصحابة ﵃ كانوا ينقلون موتاهم الصحابة , لم يرد النقل إلا في الشهداء فقط وإنما نقلوهم لكي يدفنوا مع المسلمين في البقيع فقال النبي ﷺ أن الشهيد له أحكام خاصة فقال يبقى في موضعه وليس مرادهم هو النقل وإنما مرادهم بذلك أن يدفنوا في البقيع مع المسلمين. أن السنة هي المسارعة في تجهيز الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه لحديث ًحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكون سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " (١) .والنقل يؤدي إلى تأخير هذه السنة وتعطيلها. قد يلحق أولياء الميت في ذلك المشقة أو يلحقهم في ذلك تكاليف مالية. المسألة الخامسة: الجلوس للعزاء هل هذا مشروع أو نقول بأنه غير مشروع ؟ هذا اختلف فيه العلماء ﵏ في الزمن السابق: الرأي الأول: لا يشرع الجلوس للعزاء ذهب إليه بعض العلماء وممن ذهب إليه من المتأخرين الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، قال النووي ﵀ المصاب يتلقى في المسجد وفي الطرقات وفي الأسواق..إلخ ويعزى. واستدلوا على ذلك:
следующие страницы →