← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال أبو حنيفة ومالك: تطلق في الحال. وقال الشافعي، وأحمد: لا يقع الطلاق حتى تنسلخ السنة. وقال ابن حزم: من قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق. أو ذكر وقتا فلا تكون طالقا بذلك. لا الان. ولا إذا جاء رأس الشهر. برهان ذلك: أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطارى بذلك، وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها، وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علمنا. " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ". وأيضا، فإن كان كل طلاق لا يقع حين إيقاعه، فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه. الطلاق السني والبدعي: ينقسم الطلاق إلى طلاق سني، وطلاق بدعي. طلاق السنة: فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي ندب إليه الشرع، وهو أن يطلق الزوج المدخول بها طلقة واحدة، في طهر لم يمسسها فيه، لقول الله تعالى: " الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " أي أن الطلاق المشروع يكون مرة يعقبها رجعة، ثم مرة ثانية يعقبها رجعة كذلك، ثم إن المطلق بعد ذلك له الخيار، بين أن يمسكها بمعروف، أو يفارقها بإحسان. ويقول الله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ". أي إذا أردتم تطليق النساء، فطلقوهن مستقبلات العدة، وإنما تستقبل المطلقة العدة إذا طلقها بعد أن تطهر من حيض، أو نفاس، وقبل أن يمسها. وحكمة ذلك أن المرأة إذا طلقت وهي حائض لم تكن في هذا الوقت مستقبلة العدة، فتطول عليها العدة. لان بقية الحيض لا يحسب منها وفيه إضرار بها. وإن طلقت في طهر مسها فيه، فإنها لا تعرف هل حملت أو لم تحمل،

стр. 1017

فلا تدري بم تعتد، أتعتد بالاقراء أم بوضع الحمل؟ وعن نافع بن عبد الله بن عمر ﵁: " أنه طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ . " مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء ". وفي رواية: أن ابن عمر ﵁، طلق امرأة له، وهي حائض، تطليقة، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ . فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل ". أخرجه النسائي ومسلم وابن ماجه وأبو داود. وظاهر هذه الرواية أن الطلاق في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقع فيها الطلاق يكون طلاق سنة، لا بدعة. وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد الوجهين عن الشافعي، واستدلوا بظاهر الحديث وبأن المنع إنما كان لاجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم. فجاز الطلاق في ذلك الطهر كما يجوز في غيره من الاطهار. ولكن الرواية الاولى التي فيها " ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر " متضمنة لزيادة يجب العمل بها قال صاحب الروضة الندية: " وهي أيضا في الصحيحين ". فكانت أرجح من وجهين. وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه. والشافعي في الوجه الاخر، وأبي يوسف ومحمد. الطلاق البدعي: أما الطلاق البدعي، فهو الطلاق المخالف للمشروع: كأن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد، كأن يقول: أنت

стр. 1018

طالق، أنت طالق، أنت طالق. أو يطلقها في حيض أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه. وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع، واستدلوا بالادلة الاتية: ١ - أن الطلاق البدعي، مندرج تحت الايات العامة. ٢ - تصريح ابن عمر ﵁، لما طلق امرأته وهي حائض، وأمر الرسول الله ﷺ بمراجعتها، بأنها حسبت تلك الطلقة. وذهب بعض العلماء (١) إلى أن الطلق البدعي لا يقع (٢) . ومنعوا اندراجه تحت العمومات، لانه ليس من الطلاق الذي أذن الله به، بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه. فقال: " فطلقوهن لعدتهن ". وقال ﷺ لابن عمر ﵁: " مره فليراجعها " وصح أنه غضب عندما بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحله الله. وأما قول ابن عمر: إنها حسبت، فلم يبين من الحاسب لها، بل أخرج عند أحمد وأبو داود والنسائي: " أنه طلق امرأته وهي حائض. فردها رسول الله ﷺ ، ولم يرها شيئا. " وإسناد هذه الرواية صحيح، ولم يأت من تكلم عليها بطائل. وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله ﷺ . فلا يعارضها قول ابن عمر ﵁. لان الحجة في روايته لا في رأيه. وأما الرواية بلفظ " مره فليراجعها " ويعتد بتطليقة. فهذه لو صحت لكانت حجة ظاهرة ولكنها لم تصح كما جزم به ابن القيم في الهدي. وقد روى في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون، لا تثبت الحجة بشئ منها. والحاصل: ان الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له: طلاق بدعة. وقد ثبت عنه ﷺ : " أن كل بدعة ضلالة ".

стр. 1019

ولا خلاف أيضا، أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبيسه رسول الله ﷺ في حديث ابن عمر - وما خالف ما شرعه الله ورسوله، فهو رد، لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " هو حديث متفق عليه. فمن زعم أن هذه البدعة، يلزم حكمها، وأن هذا الامر الذي ليس من أمره ﷺ ، يقع من فاعله ومقيد به، لا يقبل منه ذلك إلا بدليل. من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع: وذهب إلى هذا: ١ - عبد الله بن معمر. ٢ - سعيد بن المسيب. ٣ - طاووس: من أصحاب ابن عباس. وبه قال خلاس بن عمرو، وأبو قلابة من التابعين. وهو اختيار الامام ابن عقيل من أئمة الحنابلة وأئمة آل البيت. والظاهرية وأحد الوجهين في مذهب الامام أحمد، واختاره ابن تيمية. طلاق الحامل: يجوز طلاق الحامل في أي وقت شاء. لما أخرجه مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه: أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة، فذكر ذلك عمر للنبي، ﷺ : فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل ". وإلى هذا ذهب العلماء. إلا أن الاحناف اختلفوا فيها: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين وقوع التطليقتين شهرا حتى يستوفي الطلقات الثلاث. وقال محمد وزفر: لا يوقع عليها وهي حامل أكثر من تطليقة واحدة ويتركها حتى تضع حملها: ثم يوقع سائر التطليقات (١) .

стр. 1020

طلاق الآيسة والصغيرة والمنقطعة الحيض: طلاق هؤلاء إنما يكون للسنة إذا كان طلاق واحدا، ولا يشترط له شرط آخر، غير ذلك. عدد الطلقات وإذا دخل الزوج بزوجته ملك عليها ثلاث طلقات. واتفق العلماء على انه على الزوج أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد. أو بألفاظ متتابعة في طهر واحد. وعللوا ذلك بأنه إذا أوقع الطلقات الثلاث، فقد سد باب التلافي والتدارك عند الندم، وعارض الشارع، لانه جعل الطلاق متعددا لمعنى التدارك عند الندم، وفلا عن ذلك، فإن المطلق ثلاثا قد أضر بالمرأة من حيث أبطل محليتها بطلاقه هذا. وقد روى النسائي من حديث محمود بن لبيد قال: " أخبرنا رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته بثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان. فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله: أفلا أقتلة ". قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (فجعله لاعبا بكتاب الله) لكونه خالف وجه الطلاق وأراد به غير ما أراد الله به، فإنه تعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء، فطلق طلاقا يريد به ألا يملك فيه ردها. وأيضا فإن إيقاع الثلاث دفعة مخالف لقول الله تعالى: (الطلاق مرتان) . والمرتان والمرات في لغة القرآن والسنة، بل ولغة العرب، بل ولغة سائر الامم، لما كان مرة بعد مرة. فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى، وما دل عليه كتابه. فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع؟.اهـ. وإذا كانوا قد اتفقوا على الحرمة، فإنهم اختلفوا فيما إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد. هل يقع أم لا؟. وإذا كان يقع فهل يقع واحدة أم ثلاثا؟.

стр. 1021

فذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع (١) . ويرى بعضهم عدم وقوعه، والذين رأوا وقوعه، اختلفوا: فقال بعضهم: إنه يقع ثلاثا. وقال بعضهم: يقع واحدة فقط. وفرق بعضهم فقال: إن كانت المطلقة مدخولا بها وقع الثلاث، وإن لم تكن مدخولا بها فواحدة. استدل القائلون بأنه يقع ثلاثا بالادلة الاتية: ١ - قول الله تعالى: " فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". ٢ - قول الله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة. " ٣ - وقول الله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء. " فظواهر هذه الايات تبين صحة إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث. لانها لم تفرق بين إيقاعه واحدة أو ثنتين، أو ثلاثا. ٤ - وقول الله تعالى: " الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". فظاهر هذه الاية جواز إطلاق الثلاث، أو الثنتين دفعة أن مفرقة، ووقوعه. ٥ - حديث سهل بن سعد، قال: (لما لا عن أخو بني عجلان امرأته، قال: يا رسول الله ظلمتها إلى أمسكتها: هي الطلاق، هي الطلاق، هي الطلاق) . رواه أحمد. ٦ - وعن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته تطليقة، وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال يا ابن عمر:

стр. 1022

ما هكذا أمرك الله تعالى!.إنك قد أخطأت السنة. والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء. وقال: فأمرني رسول الله ﷺ ، فراجعتها. ثم قال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك. فقلت يا رسول الله: ارئيت لو طلقتها ثلاثا، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك (وتكون مقصية) . رواه الدارقطني. ٧ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبادة بن الصامت، قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال له النبي: " ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله. وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم. إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له " وفي رواية: " إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا. بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون، إثم في عنقه ". ٨ - وفي حديث ركانة: أن النبي ﷺ استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة: وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقع. وهذا مذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة، وأئمة المذاهب الاربعة. أما الذين قالوا بأنه يقع واحدة: فقد استدلوا بالادلة الاتية: (أولا) ما رواه مسلم: أن أبا الصهباء قال لان عباس: (ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر؟ قال: نعم) . وروي عنه أيضا قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة (١) . فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم. أي أنهم كانوا يوقعون طلقة بدل إيقاع الناس الان ثلاث تطليقات. (ثانيا) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد. فحزن عليها حزنا شديدا. فسأله رسول الله صلى

стр. 1023

الله عليه وسلم، كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا. فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة. فأرجعها إن شئت. فراجعها) . رواه أحمد وأبو داود. وقال ابن تيمية ج ٣ ص ٢٢ فتاوى: وليس في الادلة الشرعية " الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس " ما يوجب لزوم الثلاثة له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته محرمة على الغير بيقين، وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه، وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله، ونكاح التحليل لم يكن ظاهرا على عهد النبي ﷺ ، وخلفائه، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل. بل لعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له. إلى أن قال: وبالجملة فما شرعة النبي ﷺ لامته شرعا لازم، لا يمكن تغييره، فإنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله. وقال تلميذه ابن القيم: قد صح عنه ﷺ أن الثلاث كانت واحدة في عهده، وعهد أبي بكر ﵁، وصدرا من خلافة عمر ﵁، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك، ولم يبلغه، وهذا وإن كان كالمستحيل، فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك، وقد أفتى هو ﷺ . فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد، ولا معارض لذلك. ورأى عمر رضي الله تعالى عنه، أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم - لئلا يرسلوها جملة - وهذا اجتهاد منه ﵁. غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها. ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله ﷺ ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته. فإذا ظهرت الحقائق. فليقل أمرؤ ما شاء. وبالله التوفيق. وقال الشوكاني: وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى، ورواية عن علي ﵇، وابن عباس، وطاووس، وعطاء، وجابر، وابن زيد، والهادي، والقاسم، والباقر، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي. وإليه ذهب جماعة من المتأخرين. منهم: ابن تيمية، وابن القيم،

стр. 1024

وجماعة من المحققين، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن عبد السلام وغيرهما. ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عيسى. كعطاء، وطاووس، وعمر، وابن دينار، وحكاه ابن مغيث أيضا في ذلك الكتاب عن علي ﵁، وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير. وهذا هو المذهب الذي جرى عليه العمل أخيرا في المحاكم. فقد جاء في المادة ٣ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ما يلي: (الطلاق المقترن بعدد - لفظا، أو إشارة - لا يقع واحدة) . (١) أما حجة القائلين بعدم وقوع الطلاق مطلقا: أنه طلاق بدعي، والطلاق البدعي لا يقع عند هؤلاء، ويعتبر لغوا. وهذا المذهب يحكى عن بعض التابعين. وهو مروي عن ابن علية، وهشام ابن الحكم، وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وهو مذهب الباقر، والصادق، والناصر، وسائر من يقول بأن الطلاق البدعي لا يقع. لان الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة من جملته. وأما الذين فرقوا بين المطلقة المدخول بها وغير المدخول بها فهم جماعة من أصحاب ابن عباس وإسحاق بن راهويه. طلاق البتة: قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في طلاق البتة، فروي عن عمر بن الخطاب: أنه جعل ألبتة واحدة. وروي عن علي: أنه جعلها ثلاثا، وقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل. إن نوى واحدة فواحدة، وإن وى ثلاثا فثلاث. وإن نوى

стр. 1025

ثنتين لم تكن إلا واحدة. وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وقال مالك بن أنس: في البتة إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات. وقال الشافعي: إن نوى واحدة فواحدة يملك الرجعة. وإن نوى ثنتين فثنتان. وإن نوى ثلاثا فثلاث. الطلاق الرجعي والبائن: الطلاق إما رجعي وإما بائن، والبائن إما أن يكون بائنا بينونة صغرى، أو بينونة كبرى. ولكل أحكام تخصه نذكرها فيما يلي: الطلاق الرجعي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة، إيقاعا مجردا عن أن يكون في مقابلة مال، ولم يكن مسبوقا بطلة أصلا، أو كان مسبوقا بطلقة واحدة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق صريحا أو كناية. فإذا لم يكن الزوج دخل بزوجته دخولا حقيقيا، أو طلقها على مال، أو كان الطلاق مكملا للثلاث، كان الطلاق بائنا. جاء في المادة (٥) من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩. (كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول. والطلاق على مال، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون، والقانون نمرة ٢٤ لسنة ١٩٢٠ م) . والطلاق الذي نص على أن يكون بائنا في هذين القانونين هو ما كان بسبب العيب في الزوج، أو لغيبته، أو حبسه أو للضرر. والاصل في ذلك قول الله سبحانه: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (١) .

стр. 1026

أي أن الطلاق الذي شرعه الله يكون مرة بعد مرة. وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته بعد الطلقة الاولى بالمعروف، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية، والامساك بالمعروف معناه مراجعتها، وردها إلى النكاح ومعاشرتها بالحسنى ولا يكون له هذا الحق إلا إذا كان الطلاق رجعيا. ويقول الله سبحانه. " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا (١) ". وفي الحديث أن الرسول ﷺ قال لعمر: مره فليراجعها ... متفق عليه. أما استثناء الحالات الثلاث من الطلاق الرجعي فثابت بالقرآن الكريم كما هو مبين فيما يلي: فالطلاق المكمل للثلاث يبين المرأة ويحرمها على الزوج، ولا يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجا آخر، نكاحا لا يقصد به التحليل (٢) . قال الله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". أي فإن طلقها الطلقة الثالثة بعد طلقتين فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث حتى تتزوج غيره زواجا صحيحا. والطلاق قبل الدخول يبينها كذلك. لان المطلقة في هذه الحالات لا عدة عليها. والمراجعة إنما تكون في العدة. وحيث انتفت العدة انتفت المراجعة. قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها. فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا " (٣) . والمطلقة قبل الدخول، وبعد الخلوة، بائنة. ووجوب العدة عليها نوع من الاحتياط لا لاجل المراجعة. والطلاق على مال من أجل أن تفتدي المرأة نفسها وتخلص من الزوج

стр. 1027

بائن، لانها أعطت المال نظير عوض، وهو خلاص عصمتها، ولايكون الخلاص إلا إذا كان الطلاق بائنا، قال الله تعالى: " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به (١) ." حكم الطلاق الرجعي: الطلاق الرجعي لايمنع الاستمتاع بالزوجة لانه لا يرفع عقد الزواج، ولا يزيل الملك، ولا يؤثر في الحل، فهو وإن انعقد سببا للفرقة، إلا أنه لا يترتب عليه أثره ما دامت المطلقة في العدة. وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة. فإذا انقضت العدة ولم يراجعها، بانت منه، وإذا كان ذلك كذلك، فإن الطلاق الرجعي لايمنع من الاستمتاع بالزوجة، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر ما دامت العدة لم تنقض وانفقتها واجبة عليه، ويلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه. ولا يحل بالطلاق الرجعي المؤجل من المهر لاحد الاجلين: الموت أو الطلاق. وإنما يحل مؤخر الصداق بانقضاء العدة. والرجعة حق للزوج مدة العدة. وهو حق أثبته الشارع له، ولهذا لا يملك إسقاطه. فلو قال: لا رجعة لي كان له حق الرجوع عنه، وحق مراجعتها، يقول الله تعالى: " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " (٢) . وإذا كانت الرجعة حقا له فلا يشترط رضا الزوجة ولاعلمها، ولا تحتاج إلى ولي، فجعل الحق للازواج لقول الله: " وبعولتهن أحق بردهن " كما لا يشترط الاشهاد عليها. وإن كان ذلك مستحبا، خشية إنكار الزوجة فيما بعد، أنه راجعها، لقوله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم ". وتصح المراجعة بالقول. مثل أن يقول: راجعتك، وبالفعل، مثل الجماع، ودواعيه، مثل القبلة، والمباشرة بشهوة. يرى الشافعي أن المراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقادر عليه، ولا

стр. 1028

تصح بالوطء ودواعيه من القبلة والمباشرة بشهوة. وحجة الشافعي، أن الطلاق يزيل النكاح. وقال ابن حزم ﵁: فإن وطتها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد، ويعلمها بذلك، قبل تمام عدتها. فإن راجع ولم يشهد. فليس مراجعا لقول الله تعالى: " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم (١) ". فرق بين المراجعة. والطلاق، والاشهاد. فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض. وكأن من طلق ولم يشهد بذوي عدل. أو راجع ولم يشهد بذوي عدل متعديا لحدود الله تعالى. وقال رسول الله ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد " انتهى. وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي، والطبراني عن عمران بن حصين: " أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة. وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها. وعلى رجعتها. ولا تعد ". حجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح: قال الشوكاني: والظاهر ما ذهب إليه الاولون، لان العدة مدة خيار، والاختيار يصح بالقول وبالفعل، وأيضا ظاهر قوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن ". وقوله ﷺ " مره فليراجعها " أنها تجوز المراجعة بالفعل لانه لم يخص قولا من فعل، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل (٢) . ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية: قال أبو حنيفة: لا بأس أن تتزين المطلقة الرجعية لزوجها وتتطيب له وتتشوف وتلبس الحلي وتبدي البنان والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم

стр. 1029

بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل. وقال الشافعي: هي محرمة على مطلقها تحريما مبتوتا. وقال مالك: لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معها غيرها. وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الاكل معها. الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات: والطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته. فإن كانت الطلقة الاولى احتسبت وبقيت له طلقتان. وإن كانت الثانية احتسبت وبقيت له طلقة واحدة، ومراجعتها لا تمحو هذا الاثر، بل لو تركت حتى انقضت عدتها من غير مراجعة، وتزوجت زوجا آخر ثم عادت إلى زوجها الاول عادت إليه بما بقي من عدد الطلقات، ولا يهدم الزوج الثاني ما وقع من الطلاق (١) ، لما روي أن عمر ﵁ سئل عمن طلق امرأته طلقتين وانقضت عدتها فتزوجت غيره وفارقها ثم تزوجها الاول. فقال: هي عنده بما بقي من الطلاق، وهذا مروي عن علي وزيد ومعاذ، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري ﵃. الطلاق البائن: تقدم القول بأن الطلاق البائن هو الطلاق المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال. قال ابن رشد في بداية المجتهد: وأما الطلاق البائن فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول - ومن قبل عدد التطليقات - ومن قبل العوض في الخلع، على اختلاف فيما بينهم في الخلع، أهو طلاق أم فسخ، واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات. إذا وقعن مفترقات لقوله تعالى: (الطلاق مرتان: الآية) . واختلفوا إذا وقعت الثلاث في اللفظ دون الفعل بكلمة واحدة (٢) . اه.

стр. 1030

ويرى ابن حزم: أن الطلاق البائن: هو الطلاق المكمل للثلاث، أو الطلاق قبل الدخول لاغير، قال: وما وجدنا، قط، في دين الاسلام عن الله تعالى ولاعن رسوله ﷺ طلاقا بائنا لا رجعة فيه إلا الثلاث مجموعة، أو مفرقة، أو التي لم يطأها، ولا مزيد، وأما ما عدا ذلك فآراء لاحجة فيها. اه (١) وأضافت قوانين الاحوال الشخصية، أن مما يلحق الطلاق البائن: الطلاق بسبب عيب الزوج، أو بسبب غيبته، أو حبسه أو للضرر. أقسامه: وهو ينقسم إلى بائن بينونة صغرى: وهو ماكان بما دون الثلاث، وبائن بينونة كبرى: وهوالمكمل للثلاث. حكم البائن بينونة صغرى: الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل قيد الزوجية بمجرد صدوره، وإذا كان مزيلا للرابطة الزوجية فإن المطلقة تصير أجنبية عن زوجها. فلا يحل له الاستمتاع بها، ولا يرث أحدهما الآخر إذا مات قبل انتهاء العدة أو بعدها، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق المؤجل إلى أبعد الاجلين الموت أو الطلاق. وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقا بائنا بينونة صغرى إلى عصمته بعقد ومهر جديدين، دون أن تتزوج زوجا آخر، وإذا أعادها عادت إليه بما بقي له من الطقات، فإذا كان طلقها واحدة من قبل فإنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إلى عصمته، وإذا كان طلقتها طلقتين لا يملك عليها إلا طلقة واحدة. حكم الطلاق البائن بينونة كبرى: الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية مثل البائن بينونة صغرى، ويأخذ جميع أحكامه، إلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إلى عصمته إلابعد أن تنكح زوجا آخر نكاحا صحيحا. ويدخل بها دون

стр. 1031

إرادة التحليل. يقول الله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". أي فإن طلقها الطلقة الثالثة، فلا تحل لزوجها الاول إلا بعد أن تتزوج آخر. لقول رسول الله لامرأة رفاعة: " لا. حتى تذوقي (١) عسيلته ويذوق عسيلتك " (٢) مسألة الهدم: من المتفق عليه أن المبانة بينونة كبرى إذا تزوجت، ثم طلقت وعادت إلى زوجها الاول بعد انقضاء عدتها تعود إليه بحل جديد، ويملك عليها ثلاث طلقات، لان الزوج الثاني أنهى الحل الاول. فإذا عادت بعقد جديد أنشأ هذا العقد حلا جديدا. أما المبانة بينونة صغرى إذا تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها ثم طلقت منه، ورجعت إلى زوجها الاول، تكون مثل المبانة بينونة كبرى فتعود إليه بحل جديد ويملك عليها ثلاث طلقات. عند أبي حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد (٣) تعود إليه بما بقي من عدد الطلقات، فتكون مثل ما إذا طلقها طلاقا رجعيا أو عقد عليها عقدا جديدا بعد أن بانت منه بينونة صغرى. وسميت هذه المسألة بمسألة الهدم: أي هل الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث من الطلاقات. كما يهدم الثلاث أو لا يهدم؟! طلاق المريض مرض الموت لم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصريحة حكم الطلاق المريض مرض الموت. إلا أنه قد ثبت عن الصحابة أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته " تماضر " طلاقا مكملا للثلاث في مرضه الذي مات فيه، فحكم لها سيدنا عثمان بميراثها منه، وقال: " ما اتهمته - أي بأنه لم يتهمه بالفرار من

стр. 1032

حقها في الميراث - ولكن أردت السنة ". ولهذا ورد أن ابن عوف نفسه قال: " ما طلقتها ضرارا ولا فرارا ". يعني أنه لا ينكر ميراثها منه. وكذلك حدث أن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ طلق امرأته " أم البنين " بنت عيينة بن حصن الفزاري وهو محاصر في داره، فلما قتل جاءت إلى سيدنا علي وأخبرته بذلك. فقضى لها بميراثها منه. قال: " تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها! ". وعلى ذلك اختلف الفقهاء في طلاق المريض مرض الموت. فقالت الاحناف: إذا طلق المريض امرأته طلاقا بائنا فمات من هذا المرض ورثته ... وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها. وكذلك الحكم فيما إذا بارز رجلا أو قدم ليقتل في قصاص أو رجم، إن مات في ذلك الوجه أو قتل. وإن طلقها ثلاثا بأمرها أو قال لها: اختاري، فاختارت نفسها، أو اختلعت منه ثم مات وهي في العدة لم ترثه. اه. والفرق بين الصورتين: أن الطلاق في الصورة الاولى صدر من المريض وهو يشعر بأنه إنما طلقها ليمنعها حقها في الميراث فيعامل بنقيض قصده، ويثبت لها حقها الذي أراد أن يمنعها منه. ولهذا يطلق على هذا الطلاق طلاق الفار. وأما الطلاق في الصورة الثانية فلا يتصور فيه الفرار، لانها هي التي أمرت بالطلاق أو اختارته ورضيته، وكذلك الحكم فيمن كان محصورا أو في صف القتال. فطلق امرأته طلاقا بائنا. وقال أحمد وابن أبي ليلى: لها الميراث بعد انقضاء عدتها ما لم تتزوج بغيره. وقال مالك والليث: لها الميراث، سواء أكانت في العدة أم لم تكن، وسواء تزوجت أم لم تتزوج. وقال الشافعي: لا ترث. قال في بداية المجتهد: وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته

стр. 1033

ليقطع حظها من الميراث، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا. وذلك أن هذه الطائفة تقول: إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه. لانهم قالوا: إنه لا يرثها إن ماتت، وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها. ولابد لخصومهم من أحد الجوابين، لانه يعسر أن يقال: إن في الشرع نوعا من الطلاق، توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية. وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح: لان هذا يكون طلاقا موقوف الحكم، إلى أن يصح أو لا يصح، وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع. ولكن إنما أنس القائلون به: أنه فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة. ولا معنى لقولهم، فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور. وأما من رأى أنها ترث في العدة. فلان العدة عنده من بعض أحكام الزوجية، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية، وروي هذا القول عن عمر وعن عائشة. وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج، فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث من زوجين، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث. قال: واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق أو ملكها الزوج أمرها فطلقت نفسها، فقال أبو حنيفة لا ترث أصلا. وفرق الاوزاعي بين التمليك والطلاق، فقال: ليس لها الميراث في التمليك، ولها في الطلاق. وسوى مالك في ذلك كله حتى قال: إن ماتت لا يرثها، وترثه هو إن مات، وهذا مخالف للاصول جدا. اه (١) . قال ابن حزم: " طلاق المريض كطلاق الصحيح، ولافرق. مات من

стр. 1034

ذلك المرض أو لم يمت. فإن كان طلاق المريض ثلاثا، أو آخر ثلاث، أو قبل أن يطأها، فمات أو ماتت قبل تمام العدة، أو بعدها، أو كان طلاقا رجعيا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة، فلا نرثه في شئ من ذلك كله. ولا يرثها أصلا، وكذلك طلاق الصحيح للمريضة، وطلاق المريض للمريضة، ولافرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل، والحامل المثقلة، وهذا مكان اختلف الناس فيه (١) . التفويض والتوكيل في الطلاق: الطلاق حق من حقوق الزوج، فله أن يطلق زوجته بنفسه، وله أن يفوضها في تطليق نفسها، وله أن يوكل غيره في التطليق. ولك من التفويض والتوكيل لا يسقط حقه ولا يمنعه من استعماله متى شاء، وخالف في ذلك الظاهرية، فقالوا: إنه لا يجوز للزوج أن يفوض زوجته تطليق نفسها، أو يوكل غيره في تطليقها. قال ابن حزم: ومن جعل إلى امرأته أن تطلق نفسها لم يلزمه ذلك ولا تكون طالقا، طلقت نفسها أو لم تطلق، لان الله تعالى جعل الطلاق للرجال لا للنساء. صيغ التفويض: وصيغ التفويض هي: ١ - اختاري نفسك. ٢ - أمرك بيدك. ٣ - طلقي نفسك إن شئت. وقد اختلف الفقهاء في كل صيغة من هذه الصيغ وذهبوا مذاهب متعددة نجملها فيما يلي: (١) اختاري نفسك: ذهب الفقهاء إلى وقوع الطلاق بهذه الصيغة: لان الشرع جعلها من صيغ الطلاق، وفي ذلك يقول الله تعالى: " يا أيها النبي قل لازواجك إن

стр. 1035

كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدارالآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " (١) . ولما نزلت هذه الآية دخل الرسول ﷺ على عائشة فقال لها: " إني ذاكر لك أمرا من الله على لسان رسوله، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك "، قالت: وما هذا يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: فيك يا رسول الله أستأمر أبوي؟ ... بل أريد الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم يبعثني ... الخ ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثلما فعلت عائشة، فكلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة. روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: " خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه. فلم يعد ذلك شيئا ". وفي لفظ لمسلم: " أن رسول الله ﷺ خير نساءه فلم يكن طلاقا ". وفي هذا دلالة على أنهن لو أخترن أنفسهن: كان ذلك طلاقا. وأن هذا اللفظ يستعمل في الطلاق (٢) . ولم يختلف في ذلك أحد من الفقهاء. بينما اختلفوا فيما يقع إذا اختارت المرأة نفسها: فقال بعضهم إنه يقع طلقة واحدة رجعية. وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها يقع واحدة بائنة، وهو مروي عن

стр. 1036

علي بن أبي طالب ﵁، وبه قال الاحناف. وقال مالك بن أنس: إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها يكون واحدة. ويشترط الاحناف في وقوع الطلاق بهذه الصيغة ذكر النفس في كلامه أو في كلامها، فلو قال لها: اختاري، فقالت اخترت، فهو باطل لا يقع بها شئ. (٢) أمرك بيدك (١) : إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك، فطلقت نفسها، فهي طلقة واحدة، عند عمر، وعبد الله بن مسعود. وهو مذهب سفيان، والشافعي، وأحمد. روي أنه جاء بن مسعود رجل فقال: كان بيني وبين امرأتي بعص ما يكون بين الناس. فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي. لعلمت كيف أصنع. قال: فإن الذي بيدي من أمرك بيدك. قالت: فأنت طالق ثلاثا. قال: أراها واحدة وأنت أحق بها مادامت في عدتها. وسألقى أمير المؤمنين عمر، ثم لقيه فقص عليه القصة. فقال صنع الله بالرجال وفعل. يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم. فيجعلونه بأيدي النساء. بفيها التراب. ماذا قلت فيها؟ قال: قلت أراها واحدة. وهو أحق بها. قال: وأنا أرى ذلك، ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب (٢) . وقال الاحناف: يقع طلقة واحدة بائنة، لان تمليكه أمرها لها يقتضي زوال سلطانه عنها، وإذا قبلت ذلك بالاختيار وجب أن يزول عنها، ولا يحصل ذلك مع بقاء الرجعة. هل المعتبر نية الزوج أم نية الزوجة؟: ذهب الشافعي إلى أن المعتبر هو نية الزوج. فإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثا فثلاث. وله أن يناكرها في الطلاق نفسه، وفي العدد: في الخيار أو التمليك.

стр. 1037

وذهب غيره إلى أنها إن نوت أكثر من واحدة وقع ما نوت، لانها تملك الثلاثة بالتصريح، فتملكها بالكناية كالزوج. فإن طلقت نفسها ثلاثا، وقال الزوج لم أجعل لها إلا واحدة، لم يلتفت إلى قوله. والقضاء ما قضت، وهذا مذهب عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وقال عمر وابن مسعود: تقع طلقة واحدة كما سبق في قصة عبد الله بن مسعود. هل جعل الامر باليد مقيد بالمجلس؟ أم هو على التراخي: قال ابن قدامة في المغني: ومتى جعل أمر امرأته بيدها فهو بيدها أبدا لا يتقيد بذلك المجلس. روي ذلك عن علي ﵁، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، والحكم. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: هو مقصور على المجلس، ولا طلاق لها بعد مفارقته، لانه تخيير لها فكان مقصورا على المجلس كقوله: اختاري. ورجح الرأي الاول لقول علي ﵁ في رجل جعل أمر امرأته بيدها. قال: هو لها حتى تكل. قال: ولا نعرف له في الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا. ولانه نوع توكيل في الطلاق. فكان على التراخي كما لو جعله لاجنبي. رجوع الزوج: قال: فإن رجع الزوج فيما جعل إليها أو قال: فسخت ما جعلت إليك، بطل. وبذلك قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والاوزاعي، وإسحاق. وقال الزهري، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي: ليس له الرجوع لانه ملكها ذلك، فلم يملك الرجوع. قال: وإن وطئها الزوج، كان رجوعا، لانه نوع توكيل. والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة. وإن ردت المرأة ما جعل إليها بطل كما

стр. 1038

تبطل الوكالة بفسخ التوكيل (١) . (٣) طلقي نفسك إن شئت: قالت الاحناف: " من قال لامرأته طلقي نفسك، ولا نية له، أو نوى طلقة واحدة فقالت: طلقت نفسي، فهي واحدة رجعية. وإن طلقت نفسها ثلاثا، وقد أراد الزوج ذلك، وقعن عليها، وإن قال لها طلقي نفسك، فقالت أبنت نفسي، طلقت، وإن قالت قد اخترت نفسي لم تطلق، وإن قال لها: طلقي نفسك متى شئت. فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده. وإذا قال لرجل: طلق امرأتي، فله أن يطلقها في المجلس وبعده. ولو قال لرجل طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة. التوكيل: إذا جعل أمر امرأته بيد غيره صح. وحكمه حكم ما لو جعله بيدها، في أنه بيده في المجلس وبعده. ووافق الشافعي على هذا في حق غيرها لانه توكيل، وسواء قال: أمر امرأتي بيدك، أو قال: جعلت لك الخيار في طلاق امرأتي، أو قال طلق امرأتي. وقال أصحاب أبي حنيفة: ذلك مقصور على المجلس لانه نوع تخيير أشبه ما لو قال اختاري. قال صاحب المغني: ولنا أنه توكيل مطلق: فكان على التراخي: كالتوكيل في البيع، وإذا ثبت هذا فإن له أن يطلقها ما لم يفسخ أو يطأها، وله أن يطلق واحدة وثلاثا، كالمرأة، وليس له أن يجعل الامر إلا بيد من يجوز توكيله وهو العاقل. فأما الطفل والمجنون، فلا يصح أن يجعل الامر بأيديهم فإن فعل فطلق واحد منهم لم يقع طلاقه. وقال أصحاب الرأي: يصح (٢) .

стр. 1039

التعميم (١) والتقييد في هذه الصيغ: هذه الصيغ قد تكون مطلقة، بأن يجعل أمرها بيدها، أو أن تختار نفسها دون تقييد بشئ يزيد على الصيغة. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه، وإن كانت غائبة عنه كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط، حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض أو مجلس العلم، ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك، لان الصيغة مطلقة، فتنصرف إلى المجلس، فإذا فات فلا تملكه. وهذا الحكم في حالة ما إذا لم تقم قرينة تدل على تعميم التفويض، كأن يكون هذا التفويض حين عقد الزواج، لانه لا يعقل أن يقصد المفوض تمليكها تطليق نفسها في نفس مجلس زوجها، فالصيغة تفيد التعميم بدلالة الحال. وقد صدر من بعض الحاكم الشرعية المصرية الجزئية حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة، لا يتقيد بالمجلس، وللزوجة أن تطلق نفسها متى شاءت، وإلا خلا التفويض من الفائدة، وأيد هذا الحكم استئنافيا. وقد تكون هذه الصيغ عامة. كأن يقول لها اختاري نفسك متى شئت، أو أمرك بيدك كلما أردت، وفي هذه الحال لها أن تطلق نفسها في أي وقت، لانه ملكها حق تطليق نفسها ملكا عاما، فلها أن تستعمل هذا الحق فتطلق نفسها في أي وقت. وقد تكون هذه الصيغ مؤقتة بوقت معين، كأن يجعل أمرها بيدها مدة سنة، وفي هذه الحال للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط، وأما بعد مضيه فلا حق لها في التطليق. التفويض (٢) حين العقد وبعده: ويجوز التفويض حين عقد الزواج أو بعده، إلا أنه يشترط فيه حين عقد

стр. 1040

الزواج عند الاحناف أن يكون البادئ به هو الزوجة، مثل أن تقول المرأة للرجل: زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد. فيقول لها: قبلت، فبهذا القبول يتم الزواج، ويصح التطليق، ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كلما أرادت، لان قبوله ينصرف إلى الزواج ثم إلى التفويض. أما إذا كان البادئ بالايجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأته: تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت. فتقول: قبلت، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض، ولا يكون للزوجة الحق في أن تطلق نفسها. والفرق بين الصورتين أنه في الصورة الاولى، قبل الزوج التفويض بعد تمام العقد، فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج. أما في الثانية، فإن ملك التطليق قبل أن يملكه لانه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الايجاب وحده. الحالات التي يطلق فيها القاضي الحالات التي يطلق فيها القاضي صدر بها قانون سنة ١٩٢٠ وسنة ١٩٢٩، وهي مستمدة من اجتهاد الفقهاء، حيث لم يرد بها نص صحيح صريح، وقد روعي فيها التيسير على الناس تجنبا للحرج، وتمشيا مع روح الاسلام السمحة. جاء في القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ النص على التطليق لعدم النفقة ، والتطليق للعيب. وجاء في القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ النص على التطليق للضرر، والتطليق لغيبة الزوج بلا عذر، والتطليق لحبسه. ونورد فيما يلي حكم كل، مع مواد القانون الخاصة به ما عدا حكم التطليق للعيب، فقد تقدم الكلام عليه في أول هذا المجلد. التطليق لعدم النفقة: ذهب الامام مالك والشافعي وأحمد إلى جواز التفريق لعدم النفقة (١) بحكم

стр. 1041

القاضي إذا طلبته الزوجة (١) ، وليس له مال ظاهر، واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي: ١ - أن الزوج مكلف بأن يمسك زوجته بالمعروف أو يسرحها ويطلقها بإحسان، لقول الله سبحانه: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". ولا شك أن عدم النفقة ينافي الامساك بمعروف. ٢ - أن الله تعالى يقول: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ". والرسول: يقول: " لا ضرر ولا ضرار ". وأي إضرار ينزل بالمرأة أكثر من ترك الانفاق عليها. وإن على القاضي أن يزيل هذا الضرر. ٣ - وإذا كان من المقرر أن يفرق القاضي من أجل الغيب بالزوج فإن عدم الانفاق يعد أشد إيذاءا للزوجة وظلما لها من وجود عيب بالزوج، فكان التفريق لعدم الانفاق أولى. وذهب الاحناف إلى عدم جواز التفريق لعدم الانفاق سواء أكان السبب مجرد الامتناع ام الاعسار والعجز عنها ودليلهم في هذا: ١ - أن الله سبحانه قال: " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرا يسرا " (٢) . وقد سئل الامام الزهري عن رجل عاجز عن نفقة زوجته: أيفرق بينهما؟ قال: تستأني به، ولا يفرق بينهما، وتلا الآية السابقة. ٢ - أن الصحابة كان منهم الموسر والمعسر، ولم يعرف عن أحد منهم أن النبي ﷺ فرق بين رجل وامرأته، بسبب عدم النفقة لفقره وإعساره. ٣ - وقد سأل نساء النبي ﷺ النبي ما ليس عنده، فاعتزلهن

стр. 1042

شهرا، وكان ذلك عقوبة لهن، وإذا كانت المطالبة بما لا يملك الزوج تستحق العقاب، فأولى أن يكون طلب التفريق عند الاعسار ظلما لا يلتفت إليه ٤ - قالوا: وإذا كان الامتناع عن الانفاق مع القدرة عليه ظلما، فإن الوسيلة في رفع هذا الظلم هي بيع ماله للانفاق منه، أو حبسه حتى ينفق عليها، ولا يتعين التفريق لدفع هذا الظلم مادام هناك وسائل أخرى، وإذا كان كذلك فالقاضي لا يفرق بهذا السبب لان التفريق أبغض الحلال إلى الله من الزوج صاحب الحق، فكيف يلجأ القاضي إليه مع أنه غير متعين، وليس هو السبيل الوحيدة لرفع الظلم. هذا إذا كان قادرا على الانفاق، فإن كان معسرا فإنه لم يقع منه ظلم لان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها. مادة (٥) : إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة، وضرب له أجلا، فإن لم يرسل ما تنفق منه زوجته على نفسها، أو لم يحضر للانفاق عليها، طلق عليه القاضي بعد مضي الاجل. فإذا كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه، أو كان مجهول المحل، أو كان مفقودا، وثبت أنه لا مال له تنفق منه الزوجة، طلق عليه القاضي. وتسري أحكام هذه المادة على المسبحون الذي يعسر بالنفقة. مادة (٦) : تطليق القاضي لعدم الانفاق يقع رجعيا، وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت إيساره واستعد للانفاق في أثناء العدة فإذا لم يثبت إيساره ولم يستعد للانفاق لم تصح الرجعة. التطليق للضرر: ذهب الامام مالك (١) : أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت إضرار الزوج بها إضرارا لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما، مثل: ضربها، أو سبها، أو إيذائها بأي نوع من أنواع الايذاء الذي لا يطاق،

стр. 1043

أو إكراهها على منكر من القول أو الفعل. فإذا ثبتت دعواها لدى القاضي ببينة الزوجة، أو اعتراف الزوج، وكان الايذاء مما لا يطاق معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الاصلاح بينهما طلقها طلقة بائنة. وإذا عجزت عن البينة، أو لم يقر الزوج رفضت دعواها. فإذا تكررت منها الشكوى. وطلبت التفريق، ولم يثبت لدى المحكمة صدق دعواها، عين القاضي حكمين بشرط أن يكونا رجلين عدلين راشدين، لها خبرة بحالهما، وقدرة على الاصلاح بينهما. ويحسن أن يكونا من أهلهما إن أمكن. وإلا فمن غيرهم، ويجب عليهما تعرف أسباب الشقاق بين الزوجين، والاصلاح بينهما بقدر الامكان، فإن عجزا عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوجين، أو من الزوج، أو لم تتبين الحقائق، قررا التفريق بينهما بطلقة بائنة (١) وإن كانت الاساءة من الزوجة فلا يفرق بينهما بالطلاق. وإنما يفرق بينهما بالخلع. وإن لم يتفق الحكمان على رأي أمرهما القاضي بإعادة التحقيق والبحث فإن لم يتفقا على رأي استبدلهما بغيرهما. وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يستقر عليه رأيهما. يجب عليه أن ينفذ حكمهما. وأصل ذلك كله قول الله سبحانه: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (٢) ، والله تعالى يقول أيضا: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وقد فات الامساك بمعروف، فتعين التسريح بإحسان والرسول ﵊ يقول: " لاضرر ولا ضرار ".

стр. 1044

وجاء في قانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩. (مادة ٦) : " إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما، يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق، وحينئذ يطلقها القاضي طلقة بائنة إذا ثبت الضرر وعجز عن الاصلاح بينهما. فإذا رفض الطلب ثم تكررت الشكوى، ولم يثبت الضرر، بعث القاضي حكمين وقضى على الوجه المبين بالمواد " ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١ ". مادة (٧) : " يشترط في الحكمين أن يكونا رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن، وإلا فمن غيرهم، ممن له خبرة بحالهما، وقدرة على الاصلاح بينهما. مادة (٨) : على الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الاصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قرراها. مادة (٩) : إذا عجز الحكمان عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوج أو منهما، أو جهل الحال قررا التفريق بطلقة بائنة. مادة (١٠) : إذا اختلف الحكمان أمرهما القاضي بمعاودة البحث فان استمر الخلاف بينهما حكم غيرهما. على الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه، وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه. التطليق لغيبة الزوج: التطليق لغيبة الزوج هو مذهب مالك وأحمد (١) ، دفعا للضرر عن المرأة، فللمرأة أن تطلب التفريق إذا غاب عنها زوجها ولو كان له مال تنفق منه، بشرط: ١ - أن يكون غياب الزوج عن زوجته لغير عذر مقبول. ٢ - أن تتضرر بغيابه. ٣ - أن تكون الغيبة في بلد غير الذي تقيم فيه. ٤ - أن تمر سنة تتضرر فيها الزوجة.

стр. 1045

فإن كان غيابه عن زوجته بعذر مقبول: كغيابه لطلب العلم، أو ممارسة التجارة، أو لكونه موظفا خارج البلد، أو مجندا في مكان ناء، فإن ذلك لا يجيز طلب التفريق، وكذلك إذا كانت الغيبة في البلد الذي تقيم فيه. وكذلك لها الحق في أن تطلب التفريق للضرر الواقع عليها لبعد زوجها عنها لا لغيابه. ولابد من مرور سنة يتحقق فيها الضرر بالزوجة وتشعر فيها بالوحشة، ويخشى فيها على نفسها من الوقوع فيما حرم الله. والتقدير بسنة قول عند الامام مالك (١) . وقيل: ثلاث سنين، ويرى أحمد: أن أدنى مدة يجوز أن تطلب التفريق بعدها ستة أشهر، لانها أقصى مدة تستطيع المرأة فيها الصبر عن غياب زوجها كما تقدم ذلك في فصل سابق، واستفتاء عمر وفتوى حفصة ﵄. التطليق لحبس الزوج: ومما يدخل في هذا الباب - عند مالك وأحمد - التطليق لحبس الزوج، لان حبسه يوقع بالزوجة الضرر، لبعده عنها. فإذا صدر الحكم بالسجن لمدة ثلاث سنين، أو أكثر، وكان الحكم نهائيا، ونفذ على الزوج، ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه، فللزوجة أن تطلب من القاضي الطلاق لوقوع الضرر بها بسبب بعده عنها. فإذا ثبت ذلك طلقها القاضي طلقة بائنة عند مالك، ويعتبر ذلك فسخا عند أحمد. قال ابن تيمية: وعلى هذا فالقول في امرأة الاسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به، كالقول في امرأته المفقود بالاجماع. وجاء في القانون مادة (١٢) : " إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول، جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه ". مادة (١٣) : " إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي

стр. 1046

أجلا وأعذر إليه، بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للاقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها. فإذا انقضى الاجل، ولم يفعل، ولم يبد عذرا مقبولا، فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل ". مادة (١٤) : " لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائيا بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر، أن تطلب للقاضي بعد مضي سنة من حبسه التطليق عليه بائنا للضرر ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه. أما التفريق للعيب فقد تقدم القول فيه في فصل سابق.

стр. 1047

الخلع: الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن، والمودة، والرحمة، وحسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق. وقد يحدث أن يكره الرجل زوجته، أو تكره هي زوجها. والاسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية، قال الله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " (١) . وفي الحديث الصحيح: " لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر ". إلا أن البغض قد يتضاعف، ويشتد الشقاق، ويصعب العلاج، وينفد الصبر، ويذهب ما أسس عليه البيت من السكن والمودة، والرحمة، وأداء الحقوق. وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للاصلاح، وحينئذ يرخص الاسلام بالعلاج الوحيد الذي لابد منه. فإن كانت الكراهية من جهة الرجل، فبيده الطلاق، وهو حق من حقوقه، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله. وان كانت الكراهية من جهة المرأة، فقد أباح لها الاسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخلع، بأن تعطي الزوج ما كان أخذ ت منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها. وفي ذلك يقول الله : " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " (٢) . وفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف، إذ أنه هو الذي أعطاها المهر

стр. 1048

وبذل تكاليف الزواج، والزفاف، وأنفق عليها، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود، وطلبت الفراق، فكان من النصفة أن ترد عليه ما أخذت. وإن كانت الكراهية منهما معا: فإن طلب الزوج التفريق فبيده الطلاق وعليه تبعاته، وإن طلبت الزوجة الفرقة، فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك. قيل إن الخلع وقع في الجاهلية. ذلك أن عامر بن الظرب زوج ابنته ابن أخيه، عامر بن الحارث، فلما دخلت عليه، نفرت منه، فشكا إلى أبيها، فقال:: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك وقد خلعتها منك بما أعطيتها. تعريفه: والخلع الذي أباحه الاسلام مأخوذ من خلع الثوب إذا أزاله، لان المرأة لباس الرجل، والرجل لباس لها. قال الله تعالى: " هن لباس لكم، وأنتم لباس لهن " (١) . ويسمى الفداء، لان المرأة تفتدي نفسها بما تبذله لزوجها. وقد عرفه الفقهاء بأنه " فراق الرجل زوجته يبدل يحصل له ". والاصل فيه ما رواه البخاري، والنسائي، عن ابن عباس. قال: " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولادين (١) ولكني أكره الكفر في الاسلام. فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فقال: رسول الله ﷺ . اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ". ألفاظ الخلع: والفقهاء يرون أنه لابد في الخلع من أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه. أو لفظ يؤدي معناه. مثل المبارأة والفدية. فإذا لم يكن بلفظ الخلع ولا

стр. 1049

بلفظ فيه معناه. كأن يقول لها: أنت طالق في مقابل مبلغ كذا، وقبلت، كان طلاقا على مال ولم يكن خلعا. وناقش ابن القيم هذا الرأي فقال: " ومن نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها: يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان، حتى بلفظ الطلاق ". وهذا أحد الوجهين لاصحاب أحمد. وهو إختيار شيخ الاسلام ابن تيمية، ونقل عن ابن عباس. ثم قال ابن تيمية: " ومن اعتبر الالفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله " بلفظ الطلاق طلاقا ". ثم قال ابن القيم مرجحا هذا الرأي. وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، لا صورها وألفاظها. ومما يدل على هذا أن النبي ﷺ أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق. وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ، ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا. وطلاق الفداء طلاق مقيد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق. كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة (١) ". العوض في الخلع: الخلع - كما سبق - إزالة ملك النكاح في مقابل مال. فالعوض جزء أساسي من مفهوم الخلع. فإذا لما يتحقق العوض لا يتحقق الخلع. فإذا قال الزوج لزوجته: خالعتك، وسكت. لم يكن ذلك خلعا، ثم إنه إن نوى الطلاق، كان طلاقا رجعيا. وإن لم ينو شيئا لم يقع به شئ، لانه من ألفاظ الكتابة التي تفتقر إلى النية.

стр. 1050

كل ما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون عوضا في الخلع: ذهبت الشافعية إلى أنه لافرق في جواز الخلع، بين أن يخالع على الصداق، أو على بعضه، أو على مال آخر، سواء كان أقل من الصداق أم أكثر. ولافرق بين العين، والدين والمنفعة. وضابطه أن " كل ما جاز أن يكون صداقا جاز أن يكون عوضا في الخلع " لعموم قوله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ". ولانه عقد على بضع فأشبه النكاح. ويشترط في عوض الخلع أن يكون معلوما متمولا، مع سائر شروط الاعواض، كالقدرة على التسليم، استقرار الملك وغير ذلك، لان الخلع عقد معاوضة، فأشبه البيع والصداق، وهذا صحيح في الخلع الصحيح. أما الخلع الفاسد فلا يشترط العلم به، فلو خالعها على مجهول، كثوب غير معين، أو على حمل هذه الدابة، أو خالعها بشرط فاسد. كشرط ألا ينفق عليها وهي حامل، أو لاسكنى لها، أو خالعها بألف إلى أجل مجهول ونحو ذلك - بانت منه بمهر المثل. أما حصول الفرقة، فلان الخلع، إما فسخ أو طلاق، فإن كان فسخا فالنكاح لا يفسد بفساد العوض، فكذا فسخه، إذ الفسوخ تحكي العقود. وإن كان طلاقا، فالطلاق يحصل بلا عوض، وماله حصول بلا عوض فيحسن مع فساد العوض، كالنكاح، بل أولى، ولقوة الطلاق وسرايته. أما الرجوع إلى مهر المثل، فلان قضية فساد العوض ارتداد العوض الآخر. والبضع لا يرتد بعد حصول الفرقة، فوجب رد بدله. ويقاس بما ذكرنا ما يشبهه، لان ما لم يكن ركنا في شئ لا يضر الجهل به كالصداق. ومن صور ذلك ما لو خالعها على ما في كفها، ولم يعلم، فإنها تبين منه بمهر المثل. فإن لم يكن في كفها شئ. ففي الوسيط أنه يقع طلاقا رجعيا، والذي نقله غيره أنه يقع بائنا بمهر المثل. أما المالكية فقالوا: يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن بقرة أو غيره،

стр. 1051

فلو نفق (١) الحمل فلا شئ له، وبانت. وجاز بغير موصوف، وبثمرة لم يبد صلاحها، وبإسقاط حضانتها لولده. وينتقل الحق له. وإذا خالعها بشئ حرام. كخمر، أو مسروق علم به، فلا شئ له، وبانت، وأريق الخمر، ورد المسروق لربه، ولا يلزم الزوجة شئ بدل ذلك، حيث كان الزوج عالما بالحرمة، علمت هي أم لا. أما لو علمت هي بالحرمة دونه فلا يلزمه الخلع. الزيادة في الخلع على ما أخذت الزوجة من الزوج: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه، لقول الله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به (٢) ". وهذا عام يتناول القليل والكثير. روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: " كانت أختي تحت رجل من الانصار، فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال: أتردين حديقته؟ قالت: وأزيد عليها، فردت عليه حديقته وزادته (٣) ". ويرى بعض العلماء: أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح: " أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها حديقة، فقال النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته التي أعطاك. قالت: نعم وزيادة. فقال النبي صلى الله وسلم: أما الزيادة فلا، ولكن حديقته. قالت: نعم ". وأصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في تخصيص عموم الكتاب بالاحاديث الآحادية.

стр. 1052

فمن رأى أن عموم الكتاب يخصص بأحاديث الآحاد: قال لا تجوز الزيادة، ومن ذهب إلى أن عموم الكتاب لا يخصص بأحاديث الآحاد، رأى جواز الزيادة. وفي " بداية المجتهد " قال: " فمن شبهه بسائر الاعواض في المعاملات، رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك، فكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق ". الخلع دون مقتض: والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه. كأن يكون الرجل معيبا في خلقه، أو سيئا في خلقه، أو لايؤدي للزوجة حقها، وأن تخاف المرأة ألا تقيم حدود الله، فيما يجب عليها من حسن الصحبة، وجميل المعاشرة. كما هو ظاهر الآية. فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور، لما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: (المختلعات هن المنافقات) . وقد رأى العلماء الكراهة. الخلع بتراضي الزوجين: والخلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإذا لم يتم التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع، لان ثابتا وزوجته رفعا أمرهما للنبي ﷺ ، وألزمه الرسول بأن يقبل الحديقة، ويطلق. كما تقدم في الحديث. الشقاق من قبل الزوجة كاف في الخلع: قال الشوكاني: وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع. واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا، وتمسك بظاهر الآية. وبذلك قال طاووس، والشعبي وجماعة من التابعين..وأجاب عن ذلك جماعة، منهم الطبري: بأن المراد، أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها، فنسبت المخالفة إليها لذلك. ويؤيد عدم اعتبار

стр. 1053

ذلك من جهة الزوج أنه ﷺ لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له. حرمة الاساءة إلى الزوجة لتختلع: يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته بمنع بعض حقوقها. حتى تضجر وتختلع نفسها. فإن فعل ذلك فالخلع باطل، والبدل مردود، ولو حكم به قضاء. وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية، وقال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن (١) لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (٢) ". ولقوله سبحانه: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (٣) ". ويرى بعض العلماء نفاذ الخلع في هذه الحال مع حرمة العضل. وأما الامام مالك فيرى أن الخلع ينفذ على أنه طلاق، ويجب على الزوج أن يرد البدل الذي أخذه من زوجته جواز الخلع في الطهر والحيض: يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت: لان الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن. قال الله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به (٤) ". ولان الرسول ﵊ أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس، من غير بحث، ولااستفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء. قال الشافعي: " ترك الاستفصال في قضايا الاحوال مع قيام الاحتمال

стр. 1054

ينزل منزلة العموم في المقال. والنبي ﷺ لم يستفصل هل هي حائض أم لا؟ ولان المنهي عنه الطلاق في الحيض: من أجل ألا تطول عليها العدة. وهي - هنا - التي طلبت الفراق، واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل. الخلع بين الزوج وأجنبي: يجوز أن يتفق أحد الاشخاص مع الزوج على أن يخلع الزوج زوجته، ويتعهد هذا الشخص الاجنبي بدفع بدل الخلع للزوج، وتقع الفرقة، ويلتزم الاجنبي بدفع البدل للزوج. ولا يتوقف الخلع في هذه الصورة على رضا الزوجة لان الزوج يملك إيقاع الطلاق من نفسه بغير رضا زوجته، والبدل يجب على من التزم به. وقال أبو ثور: لا يصح لانه سفه، فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه، فإن الملك لا يحصل له. وقيده بعض علماء المالكية، بأن يقصد به تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، فإن قصد به الاضرار بالزوجة فلا يصح. ففي " مواهب الجليل ": " ينبغي أن يقيد المذهب بما إذا كان الغرض من التزام الاجنبي ذلك للزوج، حصول مصلحة، أو درء مفسدة ترجع إلى ذلك الاجنبي، مما لا يقصد به إضرار المرأة ". وأما ما يفعله أهل الزمان في بلدنا من التزام أجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط النفقة الواجبة في العدة للمطلقة على مطلقها - فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء. وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر. الخلع يجعل أمر المرأة بيدها: ذهب الجمهور، ومنهم الائمة الاربعة، إلى أن الرجل إذا خالع امرأته ملكت نفسها وكان أمرها إليها، ولا رجعة له عليها، لانها بذلت المال لتتخلص من الزوجية، ولو كان يملك رجعتها لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له.

стр. 1055

وحتى لو رد عليها ما أخذ منها، وقبلت - ليس له أن يرتجعها في العدة، لانها قد بانت منه بنفس الخلع. روي عن ابن المسيب والزهري: أنه إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذه منها في العدة، وليشهد على رجعته. جواز تزوجها برضاها: ويجوز للزوج أن يتزوجها برضاها في عدتها، ويعقد عليها عقدا جديدا. خلع الصغيرة المميزة (١) : ذهب الاحناف إلى أنه إذا كانت الزوجة صغيرة مميزة وخالعت زوجها، وقع عليها طلاق رجعي ولا يلزمها المال. أما وقوع الطلاق، فلان عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها، وقد صح التعليق لصدوره من أهله، ووجد المعلق عليها، وهو القبول ممن هي أهل له، لان الاهلية للقبول تكون بالتمييز - وهي هنا صغيرة مميزة - ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق. وأما عدم لزوم المال: فلانها صغيرة ليست أهلا للتبرع، إذ يشترط في الاهلية للتبرع: العقل والبلوغ، وعدم الحجر لسفه أو مرض. وأما كون الطلاق رجعيا: فلانه لما لم يصح التزام المال، كان طلاقا مجردا لا يقابله شئ من المال، فيقع رجعيا. خلع الصغيرة غير المميزة: وأما الصغيرة غير المميزة فلا يقع خلعها طلاقا أصلا، لعدم وجود المعلق عليه، وهو القبول ممن هو أهله. خلع المحجور عليها (٢) : قالوا: وإذا كانت الزوجة محجورا عليها لسفه وخالعها زوجها على مال
следующие страницы →