الخطبة قبل الزواج:
يستحب أن يقدم العاقد أو غيره بين يدي العقد خطبة.
وأقلها: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
١ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء (١) ".
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أقطع ".
رواه أبو داود وابن ماجه.
أي أن كل أمر معتنى به، ومحتاج إلى أن يلقي صاحبه باله له من الاهتمام به لا يبدأ بحمدالله فهو مقطوع من البركة.
وليس المراد خصوص الحمد، بل المقصود ذكر الله عزوجل، ليتفق مع الروايات الاخرى.
والافضل أن يخطب خطبة الحاجة.
فعن عبد الله بن مسعود قال: " أوتي رسول الله ﷺ جوامع الخير وخواتيمه، أوقال فواتح الخير، فعلمنا خطبة الصلاة، وخطبة الحاجة، خطبة الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وخطبة الحاجة: إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهد الله فلامضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ... ثم تصل خطبتك بثلاث آيات من كتاب الله:
стр. 982
١ - " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١) ".
٢ - " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
واتقوا الله الذي
تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا (٢) ".
٣ - " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (٣) ".
رواه أصحاب السنن وهذا لفظ ابن ماجه: ولو لم يأت بالخطبة صح النكاح.
فعن رجل بن بني سليم قال: خطبت إلى النبي ﷺ المرأة التي عرضت نفسها عليه ليتزوجها ﷺ .
فقال له: " زوجتكها بما معك من القرآن." ولم يخطب
حكمة ذلك: قال في حجة الله البالغة: " كان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بما يرونه من ذكر فاخر قومهم ونحو ذلك.
يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به، وكان جريان الرسم بذلك مصلحة، فإن الخطبة مبناها على التشهير.
وجعل الشئ بمسمع ومرأى من الجمهور.
والتشهير بما يراد وجوده في النكاح ليتميز من السفاح..وأيضا فالخطبة لا تستعمل إلا في الامور المهمة.
والاهتمام بالنكاح وجعله أمرا عظيما بينهم من أعظم المقاصد، فأبقى النبي ﷺ أصلها، وغير وصفها.
وذلك أنه ضم مع هذه المصالح مصلحة أخرى وهي: أنه ينبغي أن يضم في كل ارتفاق ذكر مناسب له، وينوه في كل عمل بشعائر الله، ليكون الدين الحق
стр. 983
ناشرا أعلامه وراياته، ظاهرا شعاره وأماراته، فسن فيها أنواعا من الذكر كالحمد والاستعانة والاستغفار والتعوذ والتوكل والتشهد وآيات من القرآن.
وأشار إلى هذه المصلحة بقوله: " وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الحذماء ".
وقوله " كل كلام لا يبدأ فيه بحمدالله فهو أجذم ".
وقال ﷺ : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح " الدعاء بعد العقد يستحب الدعاء لكل واحد من الزوجين بالمأثور:
١ - فعن أبي هريرة: " أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الانسان أي إذا تزوج.
قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ".
٢ - وعن عائشة قالت: " تزوجني النبي ﷺ ، فأتتني أمي فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الانصار في البيت، فقلن: على الخير، والبركة وعلى خير طائر ".
رواه البخاري وأبو داود.
٣ - وعن الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب ﵁ امرأة من بني جشم. فقالوا: بالرفاء والبنين.
فقال: قولوا كما قال رسول الله ﷺ : " بارك الله فيكم، وبارك عليكم " رواه النسائي.
стр. 984
إعلان الزواج:
يستحسن شرعا إعلان الزواج، ليخرج بذلك عن نكاح السر المنهي عنه، وإظهارا للفرح بما أحل الله من الطيبات.
وإن ذلك عمل حقيق بأن يشتهر، ليعلمه الخاص والعام، والقريب والبعيد، وليكون دعاية تشجع الذين يؤثرون العزوبة على الزواج، فتروج سوق الزواج.
والاعلان يكون بما جرت به العادة، ودرج عليه عرف كل جماعة، بشرط ألا يصحبه محظور نهى الشارع عنه كشرب الخمر، أو اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك.
١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدقوف ". رواه أحمد، والترمذي، وحسنه.
وليس من شك في أن جعله في المساجد أبلغ في إعلانه والاذاعة به، إذ أن المساجد هي المجامع العامة للناس، ولا سيما في العصور الاولى التي كانت المساجد فيه بمثابة المنتديات العامة.
٢ - وروى الترمذي، وحسنه، والحاكم وصححه عن يحيى بن سليم قال: قلت لمحمد بن حاطب: تزوجت امرأتين ما كان في واحدة منهما صوت - يعني دفا - فقال محمد ﵁: قال رسول الله ﷺ : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف ".
الغناء عند الزواج:
ومما أباحه الاسلام وحبب فيه، الغناء عند الزواج، ترويحا للنفوس وتنشيطأ لها باللهو البرئ.
стр. 985
ويجب أن يخلو من المجون، والخلاعة، والميوعة، وفحش القول وهجره.
١ - فعن عامر بن سعد ﵁ قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الانصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله، ومن أهل بدر - يفعل هذا عندكم!! فقالا: " إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس ".
رواه النسائي والحاكم وصححه.
٢ - وزفت السيدة عائشة ﵂ الفارعة بنت أسعد، وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها - نبيط بن جابر الانصاري - فقال النبي ﷺ : " يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الانصار يعجبهم اللهو " رواه البخاري وأحمد وغيرهما.
وفي بعض روايات هذا الحديث أنه قال: " فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف، وتغني؟ ".
قالت عائشة: تقول ماذا يا رسول الله؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكم - فحيونا نحييكم ولولا الذهب الاحمر - ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء - ما سمنت عذاريكم وعن الربيع بنت معوذ قالت: جاء النبي ﷺ حين بني (١) - بي - فجلس على فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف.
ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر (٢) إذ قالت إحداهن: ... وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: " دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين (٣) ".
رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
стр. 986
وصايا الزوجة:
استحباب وصية الزوجة: قال أنس: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا زفوا امرأة على زوجها، يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقه.
وصية الاب ابنته عند الزواج: وأوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابنته فقال: " إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق ".
وإياك وكثرة العتب، فإنه يورث البغضاء ".
" وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة ".
" وأطيب الطيب، الماء ".
وصية الزوج زوجته: وقال أبو الدرداء لامرأته: " إذا رأيتني غضبت فرضني.
وإذا رأيتك غضبى رضيتك.
وإلا لم نصطحب ".
وقال أحد الازواج لزوجته " خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تقريني نقرك الدف مرة فإنك لا تدرين كيف المغيب ولا تكثري الشكوى فتذهب بالقوى ويأباك قلبي، والقلوب تقلب
стр. 987
فإنى رأيت الحب في القلب والاذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وصية الام ابنتها عند الزواج: خطب عمرو بن حجر ملك كندة، أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، ولما حان زفافها إليه خلت بها أمها أمامة بنت الحارث، فأوصتها وصية، تبين فيها أسس الحياة الزوجية السعيدة، وما يجب عليها لزوجها فقالت: أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل.
ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها - كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.
أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا.
واحفظي له خصالا عشرا، يكن لك ذخرا.
(أما الاولى والثانية) فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
(وأما الثالثة والرابعة) فالتفقد لمواضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك ألا أطيب ريح.
(وأما الخامسة والسادسة) فالتفقد لوقت منامه وطعامه.
فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
(وأما السابعة والثامنة) فالاحتراس بماله والارعاء (١) على حشمه (٢) وعياله، وملاك (٣) الامر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
(وأما التاسعة والعاشرة) فلا تعصين له أمرا، ولا تفشين له سرا، فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتما، والكآبة بين يديه إن كان فرحا.
стр. 988
الوليمة:
(١) تعريفها: الوليمة مأخوذة من الولم، وهو الجمع، لان الزوجين يجتمعان، وهي الطعام في العرس خاصة.
وفي القاموس: الوليمة طعام العرس، أوكل طعام صنع لدعوة وغيرها.
وأولم: صنعها.
(٢) حكمها: ذهب الجمهور من العلماء إلى أنها سنة مؤكدة.
١ - لقول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: " أولم. ولو بشاة ".
٢ - وعن أنس قال: " ما أولم رسول الله ﷺ على
شئ من نسائه، ما أولم على زينب: أولم بشاة ". رواه البخاري ومسلم.
٣ - وعن بريدة قال: لما خطب علي فاطمة، قال رسول الله ﷺ : " إنه لابد للعرس من وليمة ".
رواه أحمد بسند لا بأس به كما قال الحافظ.
٤ - قال أنس: " ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه، ما أولم على زينب، وجعل يبعثني فأدعو له الناس، فأطعمهم خبزا، ولحما، حتى شبعوا.
٥ - وروى البخاري أنه ﷺ " أولم على بعص نسائه بمدين من شعير ".
وهذا الاختلاف ليس مرجعه تفضيل بعض نسائه على بعض، وإنما سببه اختلاف حالتي العسر واليسر.
стр. 989
(٣) وقتها: وقت الوليمة عند العقد أو عقبه، أو عند الدخول أو عقبه.
وهذا أمر يتوسع فيه حسب العرف والعادة.
وعند البخاري أنه ﷺ دعا القوم بعد الدخول بزينب.
(٤) إجابة الداعي: إجابة الداعي إلى وليمة العرس واجبة على من دعي إليها، لما فيها من إظهار الاهتمام به، وإدخال السرور عليه، وتطييب نفسه:
١ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها ".
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: " ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ".
٣ - وعنه أنه ﷺ قال: " لو دعيت إلى كراع لاجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت ".
روى هذه الاحاديث البخاري.
فإذا كانت الدعوة عامة غير معينة لشخص أو جماعة لم تجب الاجابة، ولم تستحب.
مثل أن يقول الداعي: أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة دون تعيين، أو ادع من لقيت.
كما فعل النبي ﷺ ، قال أنس ": تزوج النبي ﷺ فدخل بأهله، فصنعت أمي أم سليم حيسا (١) ، فجعلته في تور (٢) ، فقالت: يا أخي اذهب به إلى رسول الله ﷺ فذهبت به، فقال: ضعه.
ثم قال: ادع فلانا، وفلانا، ومن لقيت، فدعوت من سمتى ومن لقيت ". رواه مسلم.
وقيل: إن إجابة الداعي فرض كفاية.
стр. 990
وقيل: إنها مستحبة..والاول أظهر، لان العصيان لا يطلق إلاعلى ترك الواجب.
هذا بالنسبة لوليمة العرس.
أما الاجابة إلى غير وليمة النكاح، فهي مستحبة غير واجبة عند جمهور العلماء.
وذهب بعض الشافعية إلى وجوب الاجابة مطلقا، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، لان في الاحاديث ما يشعر بالاجابة إلى كل دعوة سواء أكانت دعوة زواج، أم غيره.
(٥) شروط وجوب إجابة الدعوة: قال الحافظ في الفتح: إن شروط وجوبها ما يأتي: ١ - أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا.
٢ - وألا يخص الاغنياء دون الفقراء.
٣ - وألا يظهر قصد التودد لشخص لرغبة فيه، أو لرهبة منه.
٤ - وأن يكون الداعي مسلما على الاصح.
٥ - وأن يختص باليوم الاول على المشهور.
٦ - وألا يسبق، فمن سبق تعينت الاجابة له، دون الثاني.
٧ - وألا يكون هناك ما يتأذى بحضوره من منكر وغيره.
٨ - وألا يكون له عذر.
قال البغوي: ومن كان له عذر، أو كان الطريق بعيدا تلحقه المشقة فلا بأس أن يتخلف.
(٦) كراهة دعوة الاغنياء دون الفقراء: يكره أن يدعى إلى الوليمة الاغنياء دون الفقراء.
فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " شر طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ". رواه مسلم.
وروى البخاري أن أبا هريرة قال: شر الطعام طعام الوليمة: يدعى لها الاغنياء، وتترك الفقراء.
стр. 991
زواج غير المسلمين:
القاعدة العامة في زواج غير المسلمين: " إقرار ما يوافق الشرع منها إذا أسلموا ".
إن أنكحة الكفار لم يتعرض لها رسول الله ﷺ ، كيف وقعت، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الاسلام فتصح، أم لم تصادفها فتبطل؟.
وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج، فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما، ولو كان في الجاهلية وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك.
وإن لم يكن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر، فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله ﷺ وما خالفه فلا يلتفت إليه (١) .
الرجل يسلم وتحته أختان، يخير في إمساك إحداهما وترك الاخرى: عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: " أسلمت، وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما ".
رواه أحمد وأصحاب السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان.
الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع يختار أربعا منهن: عن ابن عمر قال: " أسلم غيلان الثقفي، وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا ".
أخرجه أحمدو الترمذي وابن ماجه والشافعي، وابن حبان والحاكم وصححاه.
стр. 992
إسلام أحد الزوجين دون الآخر:
إذا تم العقد بين الزوجين قبل الاسلام، ثم أسلم الزوجان فان كان العقد قد انعقد على من يصح العقد عليها في الاسلام، فحكمه واضح فيما سبق.
فإن أسلم أحد الزوجين دون الآخر: فإن كان الاسلام من المرأة انفسخ النكاح.
وتجب عليها العدة، فإن أسلم هو وهي في عدتها كان أحق بها، لما ثبت أن عاتكة ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبل زوجها صفوان بن أمية، بنحو شهر، ثم أسلم هو، فأقره رسول الله ﷺ على نكاحه.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وزوجها كافر، مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا، قبل أن تقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها.
وكذلك الحكم إذا أسلم بعد انقضاء العدة ولو طالت المدة فهما على نكاحهما الاول إذا اختارا ذلك ما لم تتزوج.
وقد رد النبي ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بنكاحها الاول بعد سنتين ولم يحدث شيئا (١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن ليس بإسناده بأس وصححه الحاكم وهومن رواية ابن عباس.
قال ابن القيم: " ولم يكن رسول الله ﷺ يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه، بل متى أسلم الآخر.
فالنكاح بحاله ما لم تتزوج.
هذه هي سنته المعلومة، قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران، وهي وادي خزاعة، وبخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الاسلام، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الاسلام، فأخذت
بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار إسلام، وأبو سفيان
стр. 993
بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت بعد انقضاء العدة واستقرا على النكاح الا أن عدتها لم تنقض حتى أسلمت.
وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارها دار الاسلام، وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن، وهي دار حرب وصفوان يريد اليمن، وهي دار حرب، ثم رجع صفوان ألى مكة، ومي دار الاسلام، وشهد حنينا، وهو كافر، ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الاول، وذلك أنه لم تنقض عدتها. وقد حفظ أهل العلم بالمغازي، ان امرأة من الانصار كانت عند زوجها بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة فاستقر على النكاح. انتهى.
قال صاحب الروضة الندبة بعد ما نقل هذا الكلام: أقول: إن إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس بمنزلة الطلاق.
إذ لو كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها مع تجديد العقد، فالحاصل أن المرأة المسلمة إن حاضت؟ الاسلام، ثم طهرت، كان لها أن تتزوج بمن شاءت، فإذا تزوجت لم يبق للاول عليها سبيل إذا أسلم.
وإن لم تتزوج كانت تحت عقد زوجها الاول، ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض.
هذا ما تقتضيه الادلة وإن خالف أقوال الناس، وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين، فإنه إذا عاد المرتد إلى الاسلام كان حكمه حكم إسلام من كان باقيا على الكفر.
стр. 994
الطلاق:
(١) تعريفه: الطلاق: مأخوذ من الاطلاق، وهو الارسال والترك.
تقول: أطلقت الاسير، إذا حللت قيده وأرسلته.
وفي الشرع: حل رابطة الزواج، وإنهاء العلاقة الزوجية.
(٢) كراهته: إن استقرار الحياة الزوجية غاية من الغايات التي يحرص عليها الاسلام.
وعقد الزواج إنما يعقد للدوام والتأبيد إلى أن تنتهي الحياة، ليتسنى للزوجين أن يجعلا من البيت مهدا يأويان إليه، وينعمان في ظلاله الوارفة، وليتمكنا من تنشئة أولادهما تنشئة صالحة.
ومن أجل هذا كانت الصلة بين الزوجين من أقدس الصلات وأوثقها.
وليس أدل على قدسيتها من أن الله سبحانه سمى العهد بين الزوج وزوجته بالميثاق الغليظ، فقال: " وأخذن منكم ميثاقا غليظا (١) ".
وإذا كانت العلاقة بين الزوجين هكذا موثقة مؤكدة، فإنه لا ينبغي الاخلال بها، ولاالتهوين من شأنها.
وكل أمر من شأنه أن يوهن من هذه الصلة، ويضعف من شأنها، فهو بغيض إلى الاسلام، لفوات المنافع وذهاب مصالح كل من الزوجين.
فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " أبغض الحلال
إلى الله الطلاق (٢) .
" وأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة فهو في نظر الاسلام خارج عنه، وليس له شرف الانتساب إليه.
стр. 995
يقول الرسول ﷺ : " ليس منا من خبب (١) امرأة على زوجها (٢) ".
وقد يحدث أن بعض النسوة يحاول أن يستأثر بالزوج ويحل محل زوجته، والاسلام ينهى عن ذلك أشد النهي.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها (٣) ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها ".
والزوجة التي تطلب الطلاق من غر سبب ولا مقتض، حرام عليها رائحة الجنة.
فعن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة (٤) ".
(٣) حكمه: اختلفت آراء الفقهاء في حكم (٥) الطلاق، والاصح من هذه الآراء، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة، وهم الاحناف والحنابلة.
واستدلوا بقول الرسول ﷺ : " لعن الله كل ذواق، مطلاق ".
ولان في الطلاق كفرا لنعمة الله، فإن الزواج نعمة من نعمه، وكفران النعمة حرام.
فلا يحل إلا لضرورة.
ومن هذه الضرورة التي تبيحه أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته.
أو أن يستقر في قلبه عدم اشتهائها، فإن الله مقلب القلوب، فإن لم تكن هناك حاجة تدعو إلى الطلاق يكون حينئذ محض كفران نعمة الله، وسوء أدب من الزوج، فيكون مكروها محظورا.
وللحنابلة تفصيل حسن، نجمله فيما يلي:
стр. 996
فعندهم قد يكون الطلاق واجبا، وقد يكون محرما، وقد يكون مباحا، وقد يكون مندوبا إليه.
فأما الطلاق الواجب: فهو طلاق الحكمين في الشقاق بين الزوجين، إذا رأيا أن الطلاق هو الوسيلة لقطع الشقاق.
وكذلك طلاق المولي بعد التربص، مدة أربعة أشهر لقول الله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (١) ".
وأما الطلاق المحرم:
فهو الطلاق من غير حاجة إليه، وإنما كان حراما، لانه ضرر بنفس الزوج، وضرر بزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه.
فكان حراما، مثل إتلاف المال، ولقول الرسول ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار ".
وفي رواية أخرى أن هذا النوع من الطلاق مكروه لقول النبي ﷺ : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".
وفي لفظ: " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " (٢) وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه - وقد سماه النبي ﷺ حلالا - ولانه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، فيكون مكروها.
وأما الطلاق المباح: فإنما يكون عند الحاجة إليه، لسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها، والتضرر بها، من غير حصول الغرض منها.
وأم المندوب إليه: فهو الطلاق يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تكون غير عفيفة.
قال الامام أحمد ﵁ لا ينبغي له إمساكها، وذلك لان فيه نقصأ لدينه، ولا يأمن إفساد هـ لفراشه، وإلحاقها به ولدا ليس هو منه، ولا بأس بالتضييق عليها في هذه الحال، لتفتدي منه، قال الله تعالى: " ولا تعضلوهن
стр. 997
لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (١) ".
قال ابن قدامه: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب.
قال: ومن المندوب إليه، الطلاق في حال الشقاق.
وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر.
قال ابن سينا في كتاب الشفاء: " ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما، وألا يسد ذلك من كل وجه، لان
حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوها من الضرر والخلل.
منها: أن من الطبائع ما لا يألف بعض الطبائع، فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر، والنبو (أي الخلاف) وتنغصت المعايش.
ومنها: أن من الناس من يمنى (أي يصاب) بزوج غير كفء.
ولا حسن المذاهب في العشرة، أو بغيض تعافه الطبيعة، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره، إذ الشهوة طبيعة، ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد، وربما كان المتزاوجان لا يتعاونان على النسل، فإذا بدلا بزوجين آخرين تعاونا فيه، فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل، ولكنه يجب أن يكون مشددا فيه ".
الطلاق عند اليهود (٢) :
الذي دون في الشريعة عند اليهود وجرى عليه العمل أن الطلاق يباح بغير عذر، كرغبة الرجل بالتزوج بأجمل من امرأته، ولكنه لا يحسن بدون عذر، والاعذار عندهم قسمان: (الاول) عيوب الخلقة، ومنها: العمش، والحول، والبخر، والحدب، والعرج، والعقم.
(الثاني) وعيوب الاخلاق.
! وذكروا منها: الوقاحة، والثرثرة، والوساخة، والشكاسة، والعناد، والاسراف، والنهمة، والبطنة، والتأنق في المطاعم، والفخفخة، والزنا أقوى الاعذار عندهم، فيكفي فيه الاشاعة، وإن لم تثبت، إلا أن المسيح ﵇ لم يقر منها إلا علة الزنا،
стр. 998
وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب زوجها، ولو ثبت عليه الزنا ثبوتا.
الطلاق في المذاهب المسيحية:
ترجع جميع المذاهب المسيحية التي تعنقها أمم الغرب المسيحي إلى ثلاثة مذاهب:
١ - المذهب الكاثوليكي.
٢ - " الارثوذكسي.
٣ - " البروتوستنتي.
فالمذهب الكاثوليكي، يحرم الطلاق تحريما باتا، ولا يبيح فصم الزواج لاي سبب مهما عظم شأنه، وحتى الخيانة الزوجية نفسها لاتعد في نظره مبررا للطلاق، وكل ما يبيحه في حالة الخيانة الزوجية، هو التفرقة الجسمية، بين شخصي الزوجين، مع اعتبار الزوجية قائمة بينهما من الناحية الشرعية، فلا يجوز لواحد منهما في أثناء هذه الفرقة أن يعقد زواجه على شخص آخر، لان ذلك يعتبر تعددا للزوجات، والديانة المسيحية لا تبيح التعدد بحال.
وتعتمد الكاثوليكية في مذهبها هذا على ما جاء في إنجيل مرقص على لسان المسيح، إذ يقول: ... " ٨ ويكون الاثنان جسدا واحدا، إذن ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد، ٩ فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان (١) ".
والمذهبان المسيحيان الآخران، الارثوذكسي، والبروتوستنتي، يبيحان الطلاق في بعض حالات محدودة، من أهمها الخيانة الزوجية، ولكنهما يحرمان على الرجل والمرأة كليهما أن يتزوجا بعد ذلك، وتعتمد المذاهب المسيحية التي تبيح الطلاق في حالة الخيانة الزوجية على ما ورد في إنجيل متى، على لسان المسيح، إذ يقول: " من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني (٢) ".
стр. 999
وتعتمد المذاهب المسيحية في تحريمها الزواج على المطلق والمطلقة على ما ورد في إنجيل مرقص إذ يقول: (من طلق امرأته، وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها، وتزوجت بآخر تزني) .
الطلاق في الجاهلية: قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: " كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة، أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها، فسكتت حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: " الطلاق مرتان.
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (١) ".
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق، ومن لم يكن طلق ". رواه الترمذي.
الطلاق من حق الرجل وحده:
جعل الاسلام الطلاق من حق الرجل وحده (٢) ، لانه أحرص على بقاء الزوجية التي أنفق في سبيلها من المال، ما يحتاج إلى انفاق مثله، أو أكثر منه، إذا طلق وأراد عقد زواج آخر.
وعليه أن يعطي المطلقة مؤخر المهر، ومتعة الطلاق، وأن ينفق عليها في مدة العدة.
ولانه بذلك، وبمقتضى عقله ومزاجه يكون أصبر على ما يكره من المرأة، فلا يسارع إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها، أو سيئة منها يشق عليه احتمالها، والمرأة أسرع منه غضبا، وأقل احتمالا، وليس عليها من تبعات الطلاق
стр. 1000
ونفقاته مثل ما عليه، فهي أجدر بالمبادرة إلى حل عقدة الزوجية، لادنى الاسباب، أو لما لا يعد سببا صحيحا إن أعطي لها هذا الحق.
والدليل على صحة هذا التعليل الاخير، أن الافرنج لما جعلوا طلب الطلاق حقا للرجال والنساء على السواء، كثر الطلاق عندهم، فصار أضعاف ما عند المسلمين.
من يقع منه الطلاق:
اتفق العلماء على أن الزوج، العاقل، البالغ، المختار هو الذي يجوز له أن يطلق، وأن طلاقه يقع.
فإذا كان مجنونا، أو صبيا أو مكرها، فإن طلاقه يعتبر لغوا لو صدر منه، لان الطلاق تصرف من التصرفات التي لها آثارها ونتائجها في حياة الزوجين، ولابد من أن يكون المطلق كامل الاهلية، حتى تصح تصرفاته.
وإنما تكمل الاهلية بالعقل والبلوغ، والاختيار، وفي هذا يروي أصحاب السنن، عن علي كرم الله وجهه، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم (١) ، وعن المجنون حتى يعقل ".
وعن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: " كل طلاق جائز، إلا طلاق المغلوب على عقله ".
رواه الترمذي والبخاري موقوفا.
وقال ابن عباس ﵁ فيمن يكرهه اللصوص فيطلق - فليس بشئ، رواه البخاري.
وللعلماء آراء مختلفة في المسائل الآتية نجملها فيما يلي:
١ - طلاق المكره.
٢ - طلاق السكران.
٣ - طلاق الهازل.
٤ - طلاق الغضبان.
٥ - طلاق الغافل والساهي.
٦ - طلاق المدهوش.
стр. 1001
(١) طلاق المكره:
المكره لا إرادة له ولا اختيار، والارادة والاختيار هي أساس التكليف، فإذا انتفيا، انتفى التكليف، واعتبر المكره غير مسؤول عن تصرفاته، لانه مسلوب الارادة، وهوفي الواقع ينفذ إرادة المكره.
فمن أكره على النطق بكلمة الكفر، لا يكفر بذلك لقول الله تعالى: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان (١) ".
ومن أكره على الاسلام لا يصبح مسلما، ومن أكره على الطلاق لا يقع طلاقه.
روي أن رسول الله ﷺ قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والطبراني، والحاكم، وحسنه النووي.
وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود من فقهاء الامصار،
وبه قال عمربن الخطاب، وابنه عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: طلاق المكره واقع، ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه، فضلا عن مخالفتهم لجمهور الصحابة.
(٢) طلاق السكران:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع، لانه المتسبب بإدخال الفساد على عقله بإرادته.
وقال قوم: لا يقع وإنه لغو لا عبرة به، لانه هو والمجنون سواء، إذ أن كلامنهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف، ولان الله سبحانه يقول: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون (٢) ".
فجعل سبحانه قول السكران غيرمعتدبه، لانه لا يعلم ما يقول.
وثبت عن عثمان أنه كان لا يرى طلاق السكران.
стр. 1002
وذهب بعض أهل العلم أنه لا يخالف عثمان في ذلك احد من الصحابة.
وهو مذهب يحيى بن سعيد الانصاري، وحميد بن عبد الرحمن وربيعة، والليث بن سعد، وعبد الله بن الحسين، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والشافعي في أحد فوليه واختاره المزني من الشافعية وهو إحدى الروايات عن أحمد، وهي التي استقر عليها مذهبه، وهو مذهب أهل الظاهر كلهم، واختاره من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي.
قال الشوكاني: إن السكران الذي لا يعقل لاحكم لطلاقه لعدم المناط
الذي تدور عليه الاحكام، وقد عين الشارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا، ونقول يقع طلاقه عقوبة له، فيجمع له بين غرمين.
وقد جرى العمل أخيرا في المحاكم بهذا المذهب، فقد جاء في المرسوم بقانون برقم ٢٥ / لسنة ١٩٢٩ في المادة الاولى منه: (لا يقع طلاق السكران والمكره) .
(٣) طلاق الغضبان:
والغضبان الذي لا يتصور ما يقول، ولا يدري ما يصدر عنه، لا يقع طلاقه لانه مسلوب الارادة.
روى أحمد وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ".
وفسر الاغلاق بالغضب، وفسر بالاكراه، وفسربالجنون.
وقال ابن تيمية كما في زاد المعاد: حقيقة الاغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.
قال: ويدخل في ذلك طلاق المكره، والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكل ما لاقصد له، ولا معرفة له بما قال، والغضب على ثلاثة أقسام:
١ - ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
٢ - ما يكون في مبادئه بحيث لايمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه.
стр. 1003
٣ - أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية، ولكنه يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زاد، فهذا محل نظر.
وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه.
(٤) طلاق الهازل (١) والمخطئ:
يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع، كما أن نكاحه يصح، لما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ".
وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن حبيب، وهو مختلف فيه، فإنه قد تقوى بأحاديث أخرى.
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل.
منهم: الباقر، والصادق، والناصر.
وهو قول في مذهب أحمد ومالك، إذ أن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق الرضا بالنطق اللساني، والعلم بمعناه، وإرادة مقتضاه، فإذا انتفت النية والقصد، اعتبر اليمين لغوا، لقول الله تعالى: " وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم (٢) ".
وإنما العزم ما عزم العازم على فعله، ويقتضي ذلك إرادة جازمة بفعل المعزوم عليه، أو تركه ويقول الرسول ﷺ : " إنما الاعمال بالنيات ".
والطلاق عمل مفتقر إلى النية، والهازل لا عزم له ولانية.
وروى البخاري عن ابن عباس: " " إنما الطلاق عن وطر (٣) ".
أما طلاق المخطئ، وهو من أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إليه.
стр. 1004
فقد رأى فقهاء الاحناف: أنه يعامل به قضاء، وأما ديانة فيما بينه وبين ربه فلا يقع عليه طلاقه وزوجته حلال له.
(٥) طلاق الغافل والساهي: ومثل المخطئ، والهازل، الغافل، والساهي، والفرق بين المخطئ والهازل، أن طلاق الهازل يقع قضاء وديانة، عند من يرى ذلك، وطلاق المخطئ يقع قضاء فقط، وذلك أن الطلاق ليس محلا للهزل ولا للعب.
(٦) طلاق المدهوش: المدهوش الذي لا يدري ما يقول، بسبب صدمة أصابته فأذهبت عقله وأطاحت بنفكيره، لا يقع طلاقه، كما لا يقع طلاق المجنون، والمعتوه، والمغمى عليه، ومن اختل عقله لكبر أو مرض، أو مصيبة فاجأته.
من يقع عليها الطلاق لا يقع الطلاق على المرأة إلا إذا كان محلا له، وإنما تكون محلا له في الصور الآتية:
١ - إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حقيقة.
٢ - إذا كانت معتدة من طلاق رجعي، أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، لان الزوجية فيها تين الحالتين تعتبر قائمة حكما حتى تنتهي العدة.
٣ - إذا كانت المرأة في العدة الحاصلة بالفرقة التي تعتبر طلاقا.
كأن تكون الفرقة بسبب إباء الزوج الاسلام إذا أسلمت زوجته. أو كانت بسبب الايلاء فإن الفرقة في هاتين الصورتين تعتبر طلاقا عند الاحناف.
٤ - إذا كانت المرأة معتدة من فرقة اعتبرت فسخا لم ينقض العقد من أساسه ولم يزل الحل. كالفرقة بردة الزوجة، لان الفسخ في هذه الحالة إنما لطارئ طرأ يمنع بقاء العقد بعد أن وقع صحيحا.
стр. 1005
من لا يقع عليها الطلاق قلنا: إن الطلاق لا يقع على المرأة إلا إذا كانت محلا له. فإذا لم تكن محلا له فلا يقع عليها الطلاق.
فالمعتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة أو لنقص المهر عن مهر المثل، أو لخيار البلوغ، أو لظهور فساد العقد بسبب فقد شرط من شروط صحته، لا يقع عليها الطلاق، لان العقد في هذه الحالات قد نقض من أصله، فلم يبق له وجود في العدة.
فلو قال الرجل لامرأته: أنت طالق وهي في هذه الحالة - فقوله لغو لا يترتب عليه أي أثر.
وكذلك لا يقع الطلاق على المطلقة قبل الدخول وقبل الخلوة بها خلوة صحيحة، لان العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت، وأصبحت أجنبية بمجرد صدور الطلاق، فلا تكون محلا للطلاق بعد ذلك. لانها ليست زوجته ولا معتدته.
فلو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أو حكما: أنت طالق ... أنت طالق ... أنت طالق، وقعت بالاولى فقط طلقة بائنة، لان الزوجية فائمة.
أما الثانية، والثالثة، فهما لغو لا يقع بهما شئ، لانهما صادفتاها وهي ليست زوجته ولامعتدته، حيث لا عدة لغير المدخول بها (١) ".
وكذلك لا يقع الطلاق على أجنبية لم تربطها بالمطلق زوجية سابقة.
فلو قال لامرأة لم يسبق له الزواج بها: " أنت طالق يكون كلامه لغوا لاأثر له، وكذلك الحكم فيمن طلقت وانتهت عدتها، لانها بانتهاء العدة تصبح أجنبية عنه.
ومثل ذلك المعتدة من طلاق ثلاث، لانها بعد الطلاق الثلاث تكون قد بانت منه بينونة كبرى، فلا يكون للطلاق معنى
стр. 1006
الطلاق قبل الزواج:
لا يقع الطلاق إذا علقه على التزوج بأجنبية، كأن يقول: " إن تزوجت فلانة فهي طالق، لما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " لانذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولاطلاق له فيما لا يملك ".
قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وابن عباس، وجابر بن يزيد، وغير واحد من فقهاء التابعين، وبه يقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة، في الطلاق المعلق: إنه يقع إذا حصل الشرط، سواء عمم المطلق جميع النساء، أم خصص.
وقال مالك وأصحابه: إن عمم جميع النساء لم يلزمه، وإن خصص لزمه.
ومثال التعميم أن يقول: إن تزوجت أي أمرأة فهي طالق.
ومثال التخصيص: أن يقول: إن تزوجت فلانة - وذكر امرأة بعينها - فهي طالق.
ما يقع به الطلاق يقع الطلاق بكل ما يدل على إنهاء العلاقة الزوجية، سواء أكان ذلك باللفظ، أم بالكتابة إلى الزوجة، أم بالاشارة من الاخرس، أو بإرسال رسول.
الطلاق باللفظ:
واللفظ قد يكون صريحا، وقد يكون كناية، فالصريح: هو الذي يفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، مثل: أنت طالق ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق.
وقال الشافعي ﵁: ألفاظ الطلاق الصريحة ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح، وهي المذكورة في القرآن الكريم.
وقال بعض أهل الظاهر: لا يقع الطلاق إلا بهذه الثلاث، لان الشرع
стр. 1007
إنما ورد بهذه الالفاظ الثلاثة، وهي عبادة، ومن شروطها اللفظ فوجب الاقتصار على اللفظ الشرعي الوارد فيها (١) .
والكناية:
ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنت بائن، فهو يحتمل البينونة (٢) عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر.
ومثل: أمرك بيدك، فإنها تحتمل تمليكها عصمتها.
كما تحتمل تمليكها حرية التصرف.
ومثل: أنت علي حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إيذائها.
والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إلى نية تبين المراد منه، لظهور
دلالته ووضوح معناه.
ويشترط في وقوع الطلاق الصريح: أن يكون لفظه مضافا إلى الزوجة، كأن يقول: زوجتي طالق، أو أنت طالق.
أما الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية، فلو قال الناطق بلفظ الصريح: لم أرد الطلاق ولم أقصده، وإنما أردت معنى آخر، لا يصدق قضاء، ويقع طلاقه.
ولو قال الناطق بالكناية: لم أنو الطلاق، بل نويت معنى آخر، يصدق قضاء، ولا يقع طلاقه، لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره، والذي يعين المراد هو النية، والقصد، وهذا مذهب مالك، والشافعي، لحديث عائشة رضيا لله عنها، عند البخاري وغيره.
" أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ، ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: " عذت بعظيم، الحقي بأهلك "
وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له: " رسول الله ﷺ ، يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟! قال: بل اعتزلها. فلا تقربنها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك ".
стр. 1008
فأفاد الحديثان، أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد، ولا تكون طلاقا مع عدمه.
وقد جرى عليه العمل الآن، حيث جاء في القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ في المادة الرابعة منه:
" كنايات الطلاق: وهي ما تحتمل الطلاق أو غيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية ".
أما مذهب الاحناف: فإنه يرى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية، وأنه يقع بها أيضا الطلاق بدلالة الحال.
ولم يأخذ القانون، بمذهب الاحناف في الاكتفاء بدلالة الحال، بل اشترط أن ينوي المطلق بالكناية الطلاق.
هل تحريم المرأة يقع طلاقا؟ إذا حرم الرجل امرأته، فإما أن يريد بالتحريم تحريم العين، أو يريد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ، بل قصد التسريح: ففي الحالة الاولى، لا يقع الطلاق، لما أخرجه الترمذي عن عائشة، ﵂، قالت: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه، فجعل الحرام (١) حلالا. وجعل في اليمين كفارة) .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس، ﵄، قال: (إذا حرم الرجل امرأته، فهي يمين يكفرها.
ثم قال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
وأخرج النسائي عنه: " أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت، ليست عليك حرام، ثم تلا هذه الآية: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك. تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور
стр. 1009
رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١) ". عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة ".
وفي الحالة الثانية: يقع الطلاق، لان لفظ التحريم كناية كسائر الكنايات.
الحلف بأيمان المسلمين من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث، فإنه يلزمه كفارة يمين عند الشافعية، ولا يلزمه طلاق ولاغيره.
ولم يرد عن مالك فيه شئ وإنما الخلاف فيه للمتأخرين من المالكيه فقيل: يلزمه الاستغفار فقط، والمشهور المفتى به عندهم: أنه يلزمه كل ما اعتيد الحلف به من المسلمين.
وقد جرى العرف في مصر أن يكون الحلف المعتاد بالله وبالطلاق، وعليه فيلزم من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث كفارة يمين وبت من يملك عصمتها ولا يلزمه مشي إلى مكة ولا صيام، كما كان في العصور الاولى، لعدم من يحلف بذلك الآن، وقال الابهري: يلزمه الاستغفار فقط، وقيل: يلزمه كفارة يمين كما يرى الشافعية.
وهذا الخلاف عند المالكية إذا لم ينو طلاقا، فإن نوى طلاقا وحنث لزمه اليمين عندهم.
ونحن نرى ترجيح رأي الابهري وأن من حلف بذلك لا يلزمه إلا أن يستغفر الله.
الطلاق بالكتابة:
والكتابة يقع بها الطلاق، ولو كان الكاتب قادرا على النطق، فكما أن للزوج أن يطلق زوجته باللفظ، فله أن يكتب إليها الطلاق.
واشترط الفقهاء: أن تكون الكتابة مستبينة مرسومة.
ومعنى كونها مستبينة: أي بينة واضحة بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها.
ومعنى كونها مرسومة: أي مكتوبة بعنوان الزوجة بأن يكتب إليها: يا فلانة، أنت طالق، فإذا لم يوجه الكتابة إليها بأن كتب على ورقة: أنت
стр. 1010
طالق، أو زوجتي طالق، فلا يقع الطلاق إلا بالنية، لاحتمال أنه كتب هذه العبارة من غير أن يقصد إلى الطلاق.
وإنما كتبها لتحسين خطه مثلا.
اشارة الاخرس الاشارة بالنسبة للاخرس أداة تفهيم، ولذا تقوم مقام اللفظ في إيقاع الطلاق إذا أشار إشارة تدل على قصده في إنهاء العلاقة الزوجية.
واشترط بعض الفقهاء ألا يكون عارفا الكتابة ولاقادرا عليها.
فإذا كان عارفا بالكتابة وقادرا عليها، فلا تكفي الاشارة، لان الكتابة أدل على المقصود، فلا يعدل عنها إلى الاشارة إلا لضرورة العجز عنها.
ارسال رسول ويصح الطلاق بإرسال رسول ليبلغ الزوجة الغائبة بأنها مطلقة، والرسول يقوم في هذه الحالة مقام المطلق ويمضي طلاقه.
الإشهاد على الطلاق:
ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أن الطلاق يقع بدون إشهاد، لان الطلاق من حقوق الرجل (١) ، ولايحتاج إلى بينة كي يباشر، حقه، ولم يرد عن النبي ﷺ ، ولاعن الصحابة، ما يدل على مشروعية الاشهاد.
стр. 1011
وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الامامية فقالوا: إن الاشهاد شرط في صحة الطلاق، واستدلوا بقول الله سبحانه في سورة الطلاق: " وأشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة لله ".
فذكر الطبرسي: أن الظاهر أنه أمر بالاشهاد على الطلاق، وأنه مروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين، وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق (١) :
من ذهب إلى وجوب الاشهاد على الطلاق وعدم وقوعه بدون بينة:
وممن ذهب إلى وجوب الاشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة: أمير لمؤمنين علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، ﵄، ومن التابعين: الامام محمد الباقر، والامام جعفر الصادق، وبنوهما أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، وكذلك عطاء، وابن جريج، وابن سيرين ﵏ " ففي جواهر الكلام " عن علي ﵁، أنه قال لمن سأله عن طلاق: " أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عزوجل؟ قال: لا، قال اذهب فليس طلاقك بطلاق ".
وروى أبو داود في سننه عن عمران بن حصين ﵁، أنه
سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: " طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد ".
وقد تقرر في الاصول: أن قول الصحابي، من السنة كذا، في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه ولم على الصحيح، لان مطلق ذلك إنما ينصرف بظاهرة إلى من يجب اتباع سنته، وهو رسول الله ﷺ ، ولان مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بسط في موضعه.
وأخرج الحافظ السيوطي في الدر المنثور في تفسير آية: " فإذا بلغن أجلهن
стр. 1012
فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم ".
وعن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين، عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد.
قال: بئس ما صنع، طلق لبدعة، وراجع لغير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، وليستغفر الله.
فإنكار ذلك من عمران، ﵁، والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إياه معصية، ما هو إلا لوجوب الاشهاد عنده، ﵁ كما هو ظاهر.
وفي كتاب " الوسائل " عن الامام أبي جعفر الباقر، عليه رضوان الله، قال: الطلاق الذي أمر الله به في كتابه، والذي سن رسول الله ﷺ ، أن يخلي الرجل عن المرأة، إذا حاضت وطهرت من
محيضها، أشهد رجلين عدلين على تطليقه، وهي طاهر من غير جماع، وهو أحق برجعتها ما لم تنقض ثلاثة قروء، وكل طلاق ما خلا هذا فباطل، ليس بطلاق.
وقال جعفر الصادق ﵁: من طلق بغير شهود فليس بشئ قال السيد المرتضى في كتاب " الانتصار ": حجة الامامية في القول: بأن شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق، ومتى فقد لم يقع الطلاق.
لقوله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم ".
فأمر تعالى بالاشهاد، وظاهر الامر في عرف الشرع يقتضى الوجوب، وحمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل.
وأخرج السيوطي في " الدر المنثور " عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء، قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.
وروى الامام ابن كثير في تفسيره عن ابن جريج: أن عطاء كان يقول في قوله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم ".
قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله ، إلا من عذر.
стр. 1013
فقوله: لا يجوز، صريح في وجوب الاشهاد على الطلاق عنده، ﵁، لمساواته له بالنكاح، ومعلوم ما اشترط فيه من البينة.
إذا تبين لك، أن وجوب الاشهاد على الطلاق، هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين، تعلم أن دعوى الاجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه، مراد بها الاجماع المذهبي لا الاجماع الاصولي الذي حده
- كما في " المستصفى " - اتفاق أمة محمد، ﷺ ، خاصة على أمر من الامور الدينية، لانتقاضه، بخلاف من ذكر من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المجتهدين.
وتبين مما نقلناه قبل عن السيوطي وابن كثير: أن وجوب الاشهاد لم ينفرد به علماء آل البيت ﵈، كما نقله السيد مرتضى في كتاب " الانتصار "، بل هو مذهب عطاء وابن سيرين، وابن جريج، كما أسلفنا.
التنجيز والتعليق صيغة الطلاق:
إما أن تكون منجزة، وإما أن تكون معلقة، وإما أن تكون مضافة إلى مستقبل.
فالمنجزة: هي الصيغة التي ليست معلقة على شرط، ولا مضافة إلى زمن مستقبل، بل قصد بها من أصدرها وقوع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق.
وحكم هذا الطلاق، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلا له.
وأما المعلق: وهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلقا على شرط، مثل أن يقول الزوج لزوجته: إن ذهبت إلى مكان كذا، فأنت طالق.
ويشترط في صحة التعليق، ووقوع الطالق به ثلاثة شروط: (الاول) أن يكون على أمر معدوم، ويمكن أن يوجد بعد، فإن كان على أمر موجود فعلا، حين صدور الصيغة مثل أن يقول: إن طلع النهار فأنت طالق، والواقع أن النهار قد طلع فعلا - كان ذلك تنجيزا وإن جاء في صورة التعليق.
стр. 1014
فإن كان تعليقا على أمر مستحيل كان لغوا، مثل إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق.
(الثاني) أن تكون المرأة حين صدور العقد محلا للطلاق بأن تكون في عصمته.
(الثالث) أن تكون كذلك حين حصول المعلق عليه.
والتعليق قسمان:
(القسم الاول) يقصد به ما يقصد من القسم للحمل على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر، ويسمى التعليق القسمي، مثل أن يقول لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، مريدا بذلك منعها من الخروج إذا خرجت، لا إيقاع الطلاق.
(القسم الثاني) ويكون القصد منه إيقاع الطلاق عند حصول الشرط.
ويسمى التعليق الشرطي، مثل أن يقول لزوجته: (إن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق) .
وهذا التعليق بنوعيه واقع عند جمهور العلماء.
ويرى ابن حزم أنه غير واقع.
وفصل ابن تيمية وابن القيم، فقالا: إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع.
وتجب فيه كفارة اليمين إذا حصل المحلوف عليه.
وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وقالا في الطلاق الشرطي: إنه واقع عند حصول المعلق عليه.
قال ابن تيمية: والالفاظ التي يتكلم بها الناس في الطلاق ثلاثة أنواع:
(الاول) صيغة التنجيز والارسال، كقوله: أنت طالق فهذا يقع به الطلاق، وليس بحلف، ولا كفارة فيه اتفاقا.
(الثاني) صيغة تعليق، كقوله: الطلاق يلزمني لافعلن هذا، فهذا يمين باتفاق أهل اللغة، واتفاق طوائف العلماء، واتفاق العامة.
(الثالث) صيغة تعليق كقوله: إن فعلت كذا فامرأتي طالق، فهذا إن قصد به اليمين، وهو يكره وقوع الطلاق كما يكره الانتقال عن دينه فهو يمين، حكمه حكم الاول، الذي هو صيغة القسم باتفاق الفقهاء.
وإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفا، كقوله: إن
стр. 1015
أعطيتني ألفا فأنت طالق، وإذا زنيت فأنت طالق، وقصد إيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة، لا مجرد الحلف عليها، فهذا ليس بيمين، ولا كفارة في هذا عند أحد من الفقهاء فيما علمناه، بل يقع به الطلاق.
إذا وجد الشرط.
وأما ما يقصد به الحض، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب، بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه، سواء كان بصيغة القسم، أو الجزاء، فهو يمين عند جميع الخق من العرب وغيرهم.
وإن كان يمينا فليس لليمين إلا حكمان: إما أن تكون منعقدة فتكفر، وإما أن لا تكون منعقدة، كالحلف بالمخلوقات فلا تكفر، وأما أن تكون يمينا منعقدة محترمة غير مكفرة، فهذا حكم ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا يقوم عليه دليل.
ما عليه العمل الان: وما جرى عليه العمل الان في الطلاق المعلق هو ما تضمنته المادة الثانية من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ونصها: (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه لا غير) .
وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا المادة: " إن المشرع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية والمالكية
والشافعية، وإنه أخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وشريح القاضي، وداود الظاهري وأصحابه ".
وأما الصيغة المضافة إلى مستقبل: فهي ما اقترنت بزمن، بقصد وقوع الطلاق فيه، متى جاء، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق غدا، أو إلى رأس السنة، فإن الطلاق يقع في الغد أو عند رأس السنة إذا كانت المرأة في مكله عند حلول الوقت الذي أضاف الطلاق إليه.
وإذا قال لزوجته: أنت طالق إلى سنة.
стр. 1016
قال أبو حنيفة ومالك: تطلق في الحال.
وقال الشافعي، وأحمد: لا يقع الطلاق حتى تنسلخ السنة.
وقال ابن حزم: من قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق.
أو ذكر وقتا فلا تكون طالقا بذلك. لا الان.
ولا إذا جاء رأس الشهر.
برهان ذلك: أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطارى بذلك، وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها، وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علمنا.
" ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ".
وأيضا، فإن كان كل طلاق لا يقع حين إيقاعه، فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه.
الطلاق السني والبدعي:
ينقسم الطلاق إلى طلاق سني، وطلاق بدعي.
طلاق السنة:
فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي ندب إليه الشرع، وهو أن
يطلق الزوج المدخول بها طلقة واحدة، في طهر لم يمسسها فيه، لقول الله تعالى: " الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " أي أن الطلاق المشروع يكون مرة يعقبها رجعة، ثم مرة ثانية يعقبها رجعة كذلك، ثم إن المطلق بعد ذلك له الخيار، بين أن يمسكها بمعروف، أو يفارقها بإحسان.
ويقول الله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ".
أي إذا أردتم تطليق النساء، فطلقوهن مستقبلات العدة، وإنما تستقبل المطلقة العدة إذا طلقها بعد أن تطهر من حيض، أو نفاس، وقبل أن يمسها.
وحكمة ذلك أن المرأة إذا طلقت وهي حائض لم تكن في هذا الوقت مستقبلة العدة، فتطول عليها العدة.
لان بقية الحيض لا يحسب منها وفيه إضرار بها.
وإن طلقت في طهر مسها فيه، فإنها لا تعرف هل حملت أو لم تحمل،
стр. 1017
فلا تدري بم تعتد، أتعتد بالاقراء أم بوضع الحمل؟ وعن نافع بن عبد الله بن عمر ﵁: " أنه طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ .
" مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء ".
وفي رواية: أن ابن عمر ﵁، طلق امرأة له، وهي حائض، تطليقة، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ .
فقال:
" مره فليراجعها، ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل ".
أخرجه النسائي ومسلم وابن ماجه وأبو داود.
وظاهر هذه الرواية أن الطلاق في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقع فيها الطلاق يكون طلاق سنة، لا بدعة.
وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد الوجهين عن الشافعي، واستدلوا بظاهر الحديث وبأن المنع إنما كان لاجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم.
فجاز الطلاق في ذلك الطهر كما يجوز في غيره من الاطهار.
ولكن الرواية الاولى التي فيها " ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر " متضمنة لزيادة يجب العمل بها قال صاحب الروضة الندية: " وهي أيضا في الصحيحين ".
فكانت أرجح من وجهين.
وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه.
والشافعي في الوجه الاخر، وأبي يوسف ومحمد.
الطلاق البدعي:
أما الطلاق البدعي، فهو الطلاق المخالف للمشروع: كأن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد، كأن يقول: أنت
стр. 1018
طالق، أنت طالق، أنت طالق.
أو يطلقها في حيض أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه.
وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع، واستدلوا بالادلة الاتية:
١ - أن الطلاق البدعي، مندرج تحت الايات العامة.
٢ - تصريح ابن عمر ﵁، لما طلق امرأته وهي حائض، وأمر الرسول الله ﷺ بمراجعتها، بأنها حسبت تلك الطلقة.
وذهب بعض العلماء (١) إلى أن الطلق البدعي لا يقع (٢) .
ومنعوا اندراجه تحت العمومات، لانه ليس من الطلاق الذي أذن الله به، بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه.
فقال: " فطلقوهن لعدتهن ".
وقال ﷺ لابن عمر ﵁: " مره فليراجعها " وصح أنه غضب عندما بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحله الله.
وأما قول ابن عمر: إنها حسبت، فلم يبين من الحاسب لها، بل أخرج عند أحمد وأبو داود والنسائي: " أنه طلق امرأته وهي حائض.
فردها رسول الله ﷺ ، ولم يرها شيئا.
" وإسناد هذه الرواية صحيح، ولم يأت من تكلم عليها بطائل.
وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله ﷺ .
فلا يعارضها قول ابن عمر ﵁.
لان الحجة في روايته لا في رأيه.
وأما الرواية بلفظ " مره فليراجعها " ويعتد بتطليقة.
فهذه لو صحت لكانت حجة ظاهرة ولكنها لم تصح كما جزم به ابن القيم في الهدي.
وقد روى في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون، لا تثبت الحجة بشئ منها.
والحاصل: ان الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له: طلاق بدعة.
وقد ثبت عنه ﷺ : " أن كل بدعة ضلالة ".
стр. 1019
ولا خلاف أيضا، أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبيسه رسول الله ﷺ في حديث ابن عمر - وما خالف ما شرعه الله ورسوله، فهو رد، لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " هو حديث متفق عليه.
فمن زعم أن هذه البدعة، يلزم حكمها، وأن هذا الامر الذي ليس من أمره ﷺ ، يقع من فاعله ومقيد به، لا يقبل منه ذلك إلا بدليل.
من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع: وذهب إلى هذا:
١ - عبد الله بن معمر.
٢ - سعيد بن المسيب.
٣ - طاووس: من أصحاب ابن عباس.
وبه قال خلاس بن عمرو، وأبو قلابة من التابعين.
وهو اختيار الامام ابن عقيل من أئمة الحنابلة وأئمة آل البيت.
والظاهرية وأحد الوجهين في مذهب الامام أحمد، واختاره ابن تيمية.
طلاق الحامل:
يجوز طلاق الحامل في أي وقت شاء.
لما أخرجه مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه: أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة، فذكر ذلك عمر للنبي، ﷺ : فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل ".
وإلى هذا ذهب العلماء.
إلا أن الاحناف اختلفوا فيها:
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين وقوع التطليقتين شهرا حتى يستوفي الطلقات الثلاث.
وقال محمد وزفر: لا يوقع عليها وهي حامل أكثر من تطليقة واحدة ويتركها حتى تضع حملها: ثم يوقع سائر التطليقات (١) .
стр. 1020
طلاق الآيسة والصغيرة والمنقطعة الحيض:
طلاق هؤلاء إنما يكون للسنة إذا كان طلاق واحدا، ولا يشترط له شرط آخر، غير ذلك.
عدد الطلقات وإذا دخل الزوج بزوجته ملك عليها ثلاث طلقات.
واتفق العلماء على انه على الزوج أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد.
أو بألفاظ متتابعة في طهر واحد.
وعللوا ذلك بأنه إذا أوقع الطلقات الثلاث، فقد سد باب التلافي والتدارك عند الندم، وعارض الشارع، لانه جعل الطلاق متعددا لمعنى التدارك عند الندم، وفلا عن ذلك، فإن المطلق ثلاثا قد أضر بالمرأة من حيث أبطل محليتها بطلاقه هذا.
وقد روى النسائي من حديث محمود بن لبيد قال: " أخبرنا رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته بثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان.
فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله: أفلا أقتلة ".
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (فجعله لاعبا بكتاب الله) لكونه خالف وجه الطلاق وأراد به غير ما أراد الله به، فإنه تعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء، فطلق طلاقا يريد به ألا يملك فيه ردها.
وأيضا فإن إيقاع الثلاث دفعة مخالف لقول الله تعالى: (الطلاق مرتان) .
والمرتان والمرات في لغة القرآن والسنة، بل ولغة العرب، بل ولغة سائر الامم، لما كان مرة بعد مرة.
فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى، وما دل عليه كتابه.
فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع؟.اهـ.
وإذا كانوا قد اتفقوا على الحرمة، فإنهم اختلفوا فيما إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد.
هل يقع أم لا؟.
وإذا كان يقع فهل يقع واحدة أم ثلاثا؟.