← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أوجبها الله تعالى من: القتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي بظاهر الاية ". قال ابن عباس: ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار. وهذا قول أشعر بظاهر الاية. قال ابن كثير: إن ظاهر - أو - للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله تعالى في جزاء الصيد: " فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما ". (١) وكقوله في كفارة الفدية: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ". (٢) وكقوله في كفارة اليمين: " فإطعام عشرة مساكين، من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ". (٣) هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الاية. حجة القائلين بأن " أو " للتنويع: أما الفريق الثاني فقد استدل بما روي عن ابن عباس، وهو من أعلم الناس باللغة وأفقههم في القرآن الكريم، فقد روى الشافعي في مسنده عنه ﵁ قال: " إذا قتلوا وأخذوا الاموال صلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الارض. "

стр. 1227

قال ابن كثير ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن سنده - قال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الاية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة (١) ، قال أنس: فارتدوا عن الاسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الابل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس: فسأل الرسول ﷺ جبرائيل ﵇ عن القضاء فيمن حارب فقال: " من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل اقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه ". وقالوا: إن الذي يرجح أن الاية لتفصيل العقوبات، لا للتخيير هو أن الله جعل لهذا الافساد درجات من العقاب لان إفسادهم متفاوت، منه القتل، ومنه السلب والنهب، ومنه هتك العرض، ومنه إهلاك الحرث والنسل. ومن قطاع الطرق من يجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه، فليس الحاكم مخيرا في عقاب من شاء منهم بما شاء، بل عليه أن يعاقب كلا منهم بقدر جرمه ودرجة إفساده، وهذا هو العدل: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ". (٢) وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في أصح الروايات عنه، وقول أبي حنيفة على تفصيل في ذلك - وقد ناقش الكاساني في البدائع (٣) رأي القائلين بأن " أو " للتخيير نقاشا علميا، فقال: " إن التخيير الوارد في الاحكام المختلفة من حيث الصورة بحرف التخيير، إنما يجري ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحد، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد. أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه، كما في قوله تعالى:

стр. 1228

" قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ". (١) إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين، بل لبيان الحكم لكل في نفسه، لاختلاف سبب الوجوب. وتأويله: إما أن تعذب من ظلم، أو تتخذ الحسن فيمن آمن وعمل صالحا. ألا ترى إلى قوله تعالى: " قال أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا - وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى ". (٢) وقطع الطريق متنوع في نفسه وإن كان متحدا من حيث الاصل، فقد يكون بأخذ المال وحده، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الامرين، وقد يكون بالتخويف لا غير، فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير، بل على بيان الحكم لكل نوع، أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكر فلا يكون حجة مع الاحتمال. وإذا لم يمكن صرف الاية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب. فإما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق، كأنه قال: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا " إن قتلوا، أو يصلبوا، إن أخذوا المال وقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن أخذوا المال لا غير، أو ينفوا من الارض، إن أخافوا، هكذا ذكر جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ لما قطع أبو بردة الاسلمي بأصحابه الطريق على أناس جاؤوا يريدون الاسلام. فقد قال ﵇: " إن من قتل قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل وأخذ المال صلب، ومن جاء مسلما هدم الاسلام ما كان قبله من الشرك ".

стр. 1229

بسط رأي القائلين بتنوع العقوبة إذا اختلفت الجريمة: قلنا إن جمهور الفقهاء يرى أن العقوبة تتنوع حسب نوع الجريمة، وإن ذلك ينقسم إلى أقسام: ١ - أن تكون الحرابة مقصورة على إخافة المارة وقطع الطريق، ولم يرتكب المحاربون شيئا وراء ذلك، فهؤلاء ينفون من الارض، والنفي من الارض معناه إخراج المحاربين من البلد الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الاسلام. إلا إذا كانوا كفارا فيجوز إخراجهم إلى بلاد الكفر. وحكمة ذلك أن يذوق هؤلاء وبال أمرهم بالابتعاد والنفي، وأن تطهر المنطقة التي عاثوا فيها فسادا من شرورهم ومفاسدهم، وأن ينسى الناس ما كان منهم من أثر سئ وذكرى أليمة. وروي عن مالك أن النفي معناه الاخراج إلى بلد آخر، ليسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم، واختاره ابن جرير. ويرى الاحناف أن النفي هو الجسن ويبقون في السجن حتى يظهر صلاحم لان السجن خروج من سعة الدنيا إلى ضيقتها، فصار من سجن كأنه نفي من الارض إلا من موضع سجنه، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الاموات فيها ولا الاحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا! ٢ - أن تكون الحرابة بأخذ المال من غير قتل، وعقوبة ذلك قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لان هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وما يقطع منهما يحسم في الحال، بكي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت المغلي أو بأية طريقة أخرى، حتى لا يستنزف دمه فيموت. وإنما كان القطع من خلاف حتى لا تفوت جنس المنفعة فتبقى له يد يسرى ورجل يمنى ينتفع بهما، فإن عاد هذا المقطوع إلى قطع الطريق مرة أخرى قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقد اشترط جمهور الفقهاء أن يكون مبلغ المال المسروق نصابا، وأن يكون من حرز، لان السرقة جريمة لها عقوبة مقررة، فإذا وقعت الجريمة تعبها جزاؤها، سواء أكان مرتكبها فردا أم جماعة. فإن لم يبلغ المال نصابا ولم يكن

стр. 1230

من حرز فلا قطع، فإن كانوا جماعة، فهل يشترط أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا أو لا؟ أجاب عن ذلك ابن قدامة فقال: " وإذا أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا، قياسا على قولنا في السرقة. وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا. ويشترط ألا تكون لهم شبهة. ولم يوافق مالك ولا الظاهرية على هذا الرأي، فلم يشترطوا في المال المسروق بلوغ النصاب ولا كونه محرزا، لان الحرابة نفسها جريمة تستوجب العقوبة بقطع النظر عن النصاب والحرز. فجريمة الحرابة غير جريمة السرقة، وعقوبة كل منهما مختلفة، لان الله تعالى قدر للسرقة نصابا، ولم يقدر في الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة. وإذا كان في الجناة من هو ذو رحم محرم ممن سرقت أموالهم فإنه لاقطع عليه، ويقطع الباقون الذين شاركوه من الجناة عند الحنابلة وأحد قولي الشافعي. وقال الاحناف: لا يقطع واحد منهم لوجود الشبهة بالنسبة للقريب، والجناة متضامنون فإذا سقط الحد عن القريب سقط عن الجميع. ورجح ابن قدامة رأي الشافعية والحنابلة فقال: " إنها شبهة اختص بها واحد، فلا يسقط الحد عن الباقين " ومعنى هذا أن شبهة الاسقاط لا تتجاوز ذا الرحم، فلا يقاوم عليه الحد وحده، لان الشبهة لا تتجاوزه. اه. ٣ - أن تكون الحرابة بالقتل دون أخذ للمال، وهذا يستوجب القتل متى قدر الحاكم عليهم، ويقتل جميع المحاربين وإن كان القاتل واحدا، كما يقتل الردء - وهو الطليعة - لانهم شركاء في المحاربة والافساد في الارض. ولاعبرة بعفو ولي الدم أو رضاه بالدية، لان عفو ولي الدم أو رضاه بالدية في القصاص لافي الحرابة. ٤ - أن تكون الحرابة بالقتل وأخذ المال. وفي هذا القتل والصلب. أي أن عقوبتهم أن يصلبوا أحياء ليموتوا، فيربط الشخص على خشبة أو عمود

стр. 1231

أو نحوهما منتصب القامة. ممدود اليدين، ثم يطعن حتى يموت. ومن الفقهاء من قال: إنه يقتل أولا ثم يصلب للعبرة والعظة. ومنهم من قال: إنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام. وكل ما تقدم فإنه اجتهاد من الائمة. وهوفي نطاق تفسير الآية الكريمة، وكل إمام له وجهة نظر صحيحة، فمن رأى تخيير الحاكم في اختيار إحدى العقوبات المقررة فوجهته ما دل عليه العطف بحرف - أو - وأن الامر متروك للحاكم يختار منها ما تدرأ به المفسدة وتتحقق به المصلحة. وأن من رأى أن لكل جريمة عقوبة محددة في الآية، فوجهه تحقيق العدالة مع رعاية ما تندرئ به المفاسد وتقوم بهالمصالح، فالكل مجمع على تحقيق غاية الشريعة من درء المفاسد وتحقيق المصالح. وهذا الاجتهاد يسهل على أولياء الامور فهم النصوص وييسر طريق الاجتهاد، ويعين طالب العلم على الوصول إلى الحقيقة. ولا شك أن أعمالا كثيرة تحدث من المحاربين المفسدين غير هذه الاعمال التي أشار إليها الفقهاء. ويمكن استنباط أحكام لها مناسبة في ضوء ما استنبطه الفقهاء من الآية الكريمة من أحكام جزئية. رد اعتراض ودفع إشكال: قال في المنار: روى عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد أن الفساد هنا: الزنا، والسرقة، وقتل النساء، وإهلاك الحرث والنسل، وكل هذه الاعمال من الفساد في الارض. واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد: بأن هذه الذنوب والمفاسد لها عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزنا والسرقة والقتل، حدود، وإهلاك الحرث والنسل يقدر بقدره ويضمنه الفاعل ويعزره الحاكم بما يؤديه إليه اجتهاده ". وفات هؤلاء المعترضين أن العقاب المنصوص في الآية خاص بالمحاربين من المفسدين الذين يكاثرون أولي الامر، ولا يذعنون لحكم الشرع، وتلك الحدود إنما هي للسارقين، والزناة أفرادا، الخاضعين لحكم الشرع فعلا. وقد ذكر حكمهم في الكتاب العزيز بصيغة اسم الفاعل المفرد كقوله، سبحانه " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (١) ، وقال: " الزانية

стр. 1232

والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (١) وهم يستخفون بأفعالهم، ولا يجهرون بالفساد حتى ينتشر بسوء القدوة بهم ولا يؤلفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوة فلهذا لا يصدق عليهم أنهم محاربو الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفين معا. وإذا أطلق الفقهاء لفظ المحاربين فإنما يعنون به المحاربين المفسدين، لان الوصفين متلازمان " انتهى واجب الحاكم والامة حيال الحرابة: والحاكم والامة معا مسئولون عن حماية النظام وإقرار الامن وصيانة حقوق الافراد في المحافظة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فإذا شذت طائفة، فأخلوا السبيل، وقطعوا الطريق، وعرضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب. وجب على الحاكم قتال هؤلاء، كما فعل رسول الله ﷺ مع العرنيين، وكما فعل خلفاؤه من بعده، ووجب على المسلمين كذلك أن يتعاونوا مع الحاكم على استئصال شأفتهم وقطع دابرهم، حتى ينعم الناس بالامن والطمأنينة، ويحسوا بلذة السلام والاستقرار وينصرف كل إلى عمله مجاهدا في سبيل الخير لنفسه، ولاسرته، ولامته، فإن انهزم هؤلاء في ميدان القتال، وتفرقوا هنا وهناك، وانكسرت شوكتهم، لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز على جريحهم إلا إذا كانوا قد ارتكبوا جناية القتل، وأخذوا المال، فإنهم يطاردون حتى يظفروا بهم ويقام عليهم حد الحرابة. توبة المحاربين قبل القدرة عليهم: إذا تاب المحاربون المفسدون في الارض قبل القدرة عليهم، وتمكن الحاكم من القبض عليهم، فإن الله يغفر لهم ما سلف، ويرفع عنهم العقوبة الخاصة بالحرابة لقول الله سبحانه: " ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ". وإنما كان ذلك كذلك، لان التوبة قبل القدرة عليهم والتمكن منهم

стр. 1233

دليل على يقظة الضمير والعزم على استئناف حياة نظيفة بعيدة عن الافساد والمحاربة لله ولرسوله، ولهذا شملهم عفو الله وأسقط عنهم كل حق من حقوقه إن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة، أما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة، وإنما تكون من باب القصاص. والامر في ذلك يرجع إلى المجني عليهم لا إلى الحاكم، فإن كانوا قد قتلوا سقط عنهم تحتم القتل، ولولي الدم العفو أو القصاص، وإن كانوا قد قتلوا وأخذوا المال، سقط الصلب وتحتم القتل وبقي القصاص وضمان المال. وإن كانوا قد أخذوا المال سقط القطع وأخذت الاموال منهم إن كانت بأيديهم، وضمنوا قيمة ما استهلكوا، لان ذلك غصب. فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه أو يجعله الحاكم عنده حتى يعلم صاحبه لان توبتهم لا تصح إلا إذا أعادوا الاموال المسلوبة إلى أربابها. فإذا أرى أولو الامر إسقاط حق مالي عن المفسدين من أجل المصلحة العامة، وجب أن يضمنوه من بيت المال. ولقد لخص ابن رشد في بداية المجتهد أقوال العلماء في هذه المسألة فقال: " وأما ما تسقطه عنه التوبة فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال: ١ - أحدها أن التوبة إنما تسقط حد الحرابة فقط، ويؤخذ، بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين " وهو قول مالك. ٢ - والقول الثاني أنها تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا، والشراب، والقطع في السرقة، ولا تسقط حقوق الناس من الاموال، والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول (١) . ٣ - والقول الثالث: أن التوبة ترفع جميع حقوق الله، ويؤخذ في الدماء وفي الاموال بما وجد بعينه. ٤ - والقول الرابع: أن التوبة تسقط جميع حقوق الآدميين من مال، ودم، إلا ما كان من الاموال قائما بعينه. شروط التوبة: للتوبة ظاهر وباطن، ونظر الفقه إلى الظاهر دون الباطن الذي لا يعلمه

стр. 1234

إلا الله، فإذا تاب المحارب قبل القدرة عليه، قبلت توبته وترتبت عليها آثارها، واشترط بعض العلماء - في التائب - أن يستأمن الحاكم فيؤمنه، وقيل: لا يشترط ذلك، ويجب على الامام أن يقبل كل تائب. وقيل: يكتفي بإلقاء السلاح والبعد عن مواطن الجريمة وتأمين الناس بدون حاجة إلى الرجوع إلى الامام. ذكر ابن جرير. قال: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم. قال: " قال الليث وكذلك حدثني موسي المدني - وهو الامير عندنا - أن عليا الاسدي حارب، وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبه الائمة والعامة، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا. وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ". (١) فوقف عليه فقال يا عبد الله: أعد قراءتها. فأعادها عليه فغمد سيفه، ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر. فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم علي، جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة في زمن معاوية - فقال: هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله. قال وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم فقرنوا سفينة إلى سفينة من سفنهم فاقتحم علي الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر فمالت به وبهم، فغرقوا جميعا. سقوط الحدود بالتوبة قبل رفع الجناة إلى الحاكم: تقدم أن حد الحرابة يسقط عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم لقول الله سبحانه:

стр. 1235

" إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ". (١) وليس هذا الحكم مقصورا على حد الحرابة، بل هو حكم عام ينتظم جميع الحدود، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحد ثم تاب منها قبل أن يرفع إلى الامام سقط عنه الحد، لانه إذا سقط الحد عن هؤلاء فأولى أن يسقط عن غيرهم، وهم أخف جرما منهم، وقد رجح ذلك ابن تيمية فقال: " ومن تاب من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر قبل أن يرفع إلى الامام، فالصحيح أن الحد يسقط عنه. كما يسقط عن المحاربين إجماعا إذا تابوا قبل القدرة عليهم ". وقال القرطبي " فأما الشراب، والزناة، والسراق، إذا تابوا وأصلحوا. وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الامام، فلا ينبغي أن يحدوا. وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا ". وفصل الخلاف في ذلك ابن قدامة فقال: وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح ففيه روايتان: (إحداهما) يسقط عنه لقول الله تعالى: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " (٢) . وذكر حد السارق ثم قال: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله غفور رحيم " (٣) . وقال النبي ﷺ : " التائب من الذنب كمن لاذنب له " ومن لا ذنب له لاحد عليه، وقال في ماعز لما أخبر بهربه " هلاتركتموه يتوب فيتوب الله عليه "؟! ولانه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب. (ثانيتهما) لا يسقط، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقوله سبحانه: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ".

стр. 1236

وهذا عام في التائبين وغيرهم. وقال تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولان النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد وقد سمى الرسول ﷺ فعلهم توبة، فقال في حق المرأة: " لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو سعتهم ". وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني، فأقام الرسول الحد عليه. ولان الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولانه مقدور عليه فلم يسقط عنه الحد بالتوبة كالمحارب بعد القدرة عليه فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل؟ فيه وجهان: (أحدهما) يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لانها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه. (وثانيهما) يعتبر إصلاح العمل لقوله سبحانه: " فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " وقال: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله غفور رحيم ". فعلى هذا القول يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته. وليست مقدرة بمدة معلومة. وقال بعض أصحاب الشافعي: مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيت فلا يجوز. دفاع الانسان عن نفسه وعن غيره: إذا اعتدى على الانسان معتد يريد قتله، أو أخذ ماله أو هتك عرض حريمه، فمن حقه أن يقاتل هذا المعتدي دفاعا عن نفسه وماله وعرضه ويدفع بالاسهل فالاسهل، فيبدأ بالكلام أو الصياح أو الاستعانة بالناس إن أمكن دفع الظالم بذلك فإن لم يندفع إلا بالضرب فليضربه فإن لم يندفع إلا بقتله فليقتله ولا قصاص على القاتل ولا كفارة عليه، ولادية للمقتول لانه ظالم معتد، والظالم المعتدي حلال الدم لا يجب ضمانه.

стр. 1237

فإن قتل المعتدى عليه وهوفي حالة دفاعه عن نفسه وماله وعرضه فهو شهيد. ١ - يقول الله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ". (١) ٢ - وعن أبي هريرة قال: " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار ". ٣ - وروى البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد. ومن قتل دون عرضه فهو شهيد ". ٤ - وروي: أن امرأة خرجت تحتطب، فتبعها رجل يراودها عن نفسها، فرمته بفهر (٢) فقتلته، فرفع ذلك لعمر ﵁ فقال: " قتيل الله، والله لا يؤدى هذا أبدا ". وكما يجب أن يدافع الانسان عن نفسه وماله وعرضه يجب عليه كذلك الدفاع عن غيره إذا تعرض للقتل أو أخذ المال، أو هتك العرض، ولكن بشرط أن يأمن على نفسه من الهلاك. لان الدفاع عن الغير من باب تغيير المنكر والمحافظة على الحقوق، يقول لرسول ﷺ : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ". وهذا من باب تغيير المنكر.

стр. 1238

حد السرقة: إن الاسلام قد احترم المال، من حيث انه عصب الحياة، واحترم ملكية الافراد له (١) ، وجعل حقهم فيه حقا مقدسا، لا يحل لاحد أن يعتدي عليه بأي وجه من الوجوه، ولهذا حرم الاسلام: السرقة، والغصب، والاختلاس، والخيانة، والربا، والغش، والتلاعب بالكيل والوزن، والرشوة، واعتبر كل مال أخذ بغير سبب مشروع أكلا للمال بالباطل. وشدد في السرقة، فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة، وفي ذلك حكمة بينة، إذ أن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، والتضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع والعقول. كما أن في قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بالسطو على أموال الناس، فلا يجرؤ أن يمد يده إليها، وبهذا الاموال وتصان. يقول الله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالا من الله، والله عزيز حكيم ". (٢) حكمة التشديد في العقوبة: والحكمة في تشديد العقوبة في السرقة دون غيرها من جرائم الاعتداء على الاموال هي ما جاء في شرح مسلم للنووي: قال القاضي عياض ﵁: " صان الله الاموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة، كالاختلاس، والانتهاب، والغصب، لان ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولانه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الامور، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنها تندر إقامة البينة عليها (٣) فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها، ليكون أبلغ في الزجر عنها ".

стр. 1239

أنواع السرقة: والسرقة أنواع: ١ - نوع منها يوجب التعزير. ٢ - ونوع منها يوجب الحد. والسرقة التي توجب التعزير، هي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إقامة الحد. وقد قضى الرسول ﷺ ، بمضاعفة الغرم على من سرق ما لاقطع فيه: قضى بذلك في سارق الثمار المعلقة، وسارق الشاة من المرتع. ففي الصورة الاولى، أسقط القطع عن سارق الثمر والكثر (١) ، وحكم أن من أصاب شيئا منه بفمه وهو محتاج إليه فلاشئ عليه، ومن خرج منه بشئ فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئا في جرينه (٢) فعليه القطع إذا بلغت قيمة المسروق النصاب الذي يقطع فيه. وفي الصورة الثانية، قضى في الشاة التي تؤخذ من مرتعها بثمنها مضاعفا وضرب نكال (٣) وقضى فيما يؤخذ من عطنه بالقطع، إذا بلغ النصاب الذي يقطع فيه سارقه. رواه أحمد، والنسائي، والحاكم، وصححه. والسرقة التي عقوبتها الحد نوعان: (الاول) سرقة صغرى: وهي التي يجب فيها قطع اليد. (الثاني) سرقة كبرى: وهي أخذ المال على سبيل المغالبة. ويسمى الحرابة. وقد سبق الكلام عليها قبل هذا الباب. وكلامنا الآن منحصر في السرقة الصغرى. تعريف السرقة: السرقة: هي أخذ الشئ في خفية. يقال: استرق السمع، أي سمع مستخفيا. ويقال: هو يسارق النظر إليه، إذا اهتبل غفلته لينظر إليه.

стр. 1240

وفي القرآن الكريم يقول الله سبحانه: " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ". (١) فسمى الاستماع في خفاء استراقا. وفي القاموس: السرقة، والاستراق، المجئ مستترا لاخذ مال الغير من حرز. وقال ابن عرفة: " السارق عند العرب، هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له ". ويفهم مما ذكره صاحب القاموس وابن عرفه، أن السرقة تنتظم أمورا ثلاثة: ١ - أخذ مال الغير. ٢ - أن يكون هذا الاخذ على جهة الاختفاء والاستتار. ٣ - أن يكون المال محرزا. فلو لم يكن المال مملوكا للغير، أو كان الاخذ مجاهرة، أو كان المال غير محرز، فإن السرقة الموجبة لحد القطع لاتتحقق. المختلس والمنتهب والخائن غير السارق: ولهذا لا يعتبر الخائن، ولا المنتهب، ولا المختلس، سارقا، ولا يجب على واحد منهم القطع، وإن وجب التعزير، فعن جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: " ليس على خائن (٢) ، ولا منتهب (٣) ، ولا مختلس (٤) قطع ". رواه أصحاب السنن، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي، وابن حبان. وعن محمد بن شهاب الزهري قال: " إن مروان بن الحكم أتي بإنسان قد اختلس متاعا فأراد قطع يده، فأرسل إلى زيد بن ثابت يسأله عن ذلك،

стр. 1241

فقال زيد: ليس في الخلسة قطع ". رواه مالك في الموطأ. قال ابن القيم: وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب، والغاصب، فمن تمام حكمة الشارع أيضا، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسراق، بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه. وأيضا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبا، فهو كالمنتهب، وأما الغاصب فالامر منه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال. جحد العارية: ومما هو متردد بين أن يكون سرقة أو لا يكون جحد العارية، ومن ثم فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك، فقال الجمهور: لا يقطع من جحدها، لان القرآن والسنة أوجبا القطع على السارق، والجاحد للعارية ليس بسارق. وذهب أحمد وإسحاق، وزفر، والخوارج، وأهل الظاهر، إلى أنه يقطع، لما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. فأتى أهلها أسامة بن زيد ﵁ فكلموه. فكلم النبي ﷺ فيها، فقال له النبي ﷺ :

стр. 1242

" يا أسامة، لاأراك تشفع في حد من حدود الله ". ثم قام النبي ﷺ خطيبا، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ". فقطع يد المخزومية. وقد نَاصرَ ابن القيم هذا الرأي، واعتبر الجاحد للعارية سارقا بمقتضى الشرع. قال في " زاد المعاد ": فإدخاله ﷺ جاحد العارية في اسم السارق كإدخاله سائر أنواع المنكرات في الخمر، وذلك تعريف للامة بمراد الله من كلامه. وفي الروضة الندية: ان الجاحد للعارية إذا لم يكن سارقا لغة فهو سارق شرعا، والشرع مقدم على اللغة. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: والحكمة والمصلحة ظاهرة جدا، فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها ولاغنى لهم عنها، وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانا، ولا يمكن الغير كل وقت أن يشهد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعا وعادة وعرفا، ولافرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها، وهذا بخلاف جاحد الوديعة، فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه. ا لنباش: ومما يجري هذا المجرى من الخلاف: الخلاف في حكم النباش الذي يسرق أكفان الموتى، فذهب الجمهور إلى أن عقوبته قطع يده، لانه سارق حقيقة، والقبر حرز. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، والاوزاعي، والثوري، إلى أن عقوبته التعزير، لانه نباش، وليس سارقا، فلا يأخذ حكم السارق، ولانه أخذ مالا غير مملوك لاحد، لان الميت لا يملك، ولانه أخذ من غير حرز.

стр. 1243

الصفات التي يجب اعتبارها في السرقة تبين من التعريف السابق أنه لابد من اعتبار صفات معينة في السارق. والشئ المسروق، والموضع المسروق منه، حتى تتحقق السرقة التي يجب فيها الحد. وفيما يلي بيان كل: الصفات التي يجب اعتبارها في السارق: أما الصفات التي يجب اعتبارها في السارق حتى يسمى سارقا، ويستوجب حد السرقة، فنذكرها فيما يلي: ١ - التكليف: بأن يكون السارق بالغا عاقلا، فلاحد على مجنون ولا صغير، إذا سرق، لانهما غير مكلفين، ولكن يؤدب الصغير إذا سرق. ولا يشترط فيه الاسلام، فإذا سرق الذمي أو المرتد، فإنه يقطع (١) كما أن المسلم يقطع إذا سرق من الذمي. ٢ - الاختيار: بأن يكون السارق مختارا في سرقته، فلو أكره على السرقة فلا يعد سارقا، لان الاكراه يسلبه الاختيار، وسلب الاختيار يسقط التكليف. ٣ - ألا يكون للسارق في الشئ المسروق شبهة، فإن كانت له فيه شبهة فإنه لا يقطع، ولهذا لا يقطع الاب ولا الام بسرقة مال ابنهما لقول الرسول ﷺ : " أنت ومالك لابيك ". وكذلك لا يقطع الابن بسرقة مالهما، أو مال أحدهما، لان الابن يتبسط في مال أبيه وأمه عادة، والجد لا يقطع لانه أب سواء أكان من قبل الاب أو الام، ولا يقطع أحد من عمود النسب الاعلى والاسفل - أعني الآباء والاجداد - والابناء وأبناء الابناء. وأما ذوو الارحام، فقد قال أبو حنيفة والثوري، لاقطع على أحد من ذوي الرحم المحرم، مثل العمة والخالة، والاخت، والعم، والخال، والاخ،

стр. 1244

لان القطع يفضي إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بها أن توصل، ولان لهم الحق في دخول المنزل، وهو إذن من صاحبه يختل الحرز به (١) . وقال مالك والشافعي، وأحمد وإسحق، ﵃، يقطع من سرق من هؤلاء، لانتفاء الشبهة في المال. ولا قطع على أحد الزوجين إذا سرق أحدهما الاخر، لشبهة الاختلاط وشبهة المال، فالاختلاط بينهما يمنع أن يكون الحذر كاملا، ويوجب الشبهة في المال. وإذا لم يكن الحرز كاملا، وكانت الشبهة في المال يسقط القطع، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ﵄ في أحد قوليه وإحدى الروايتين عن أحمد ﵁. وقال مالك والثوري ﵄، ورواية عن أحمد ﵁ وأحد قولي الشافعي ﵁: إذا كان كل واحد منهما ينفرد ببيت فيه متاعه، فانه يقطع من سرق من مال صاحبه لوجود الحرز من جهة ولاستقلال كل واحد منهما من جهة أخرى. ولا يقطع الخادم الذي يخدم سيده بنفسه (٢) ، فعن عبد الله بن عمر ﵄. قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ بغلام له. فقال له: اقطع يده فإنه سرق مرآة لامرأتي. فقال عمر ﵁: " لا قطع عليه، وهو خادمكم أخذ متاعكم ". وهذا مذهب عمر، وابن مسعود. ولا مخالف لهما من الصحابة. ولا يقطع من سرق من بيت المال إذا كان مسلما، لما روي، أن عاملا لعمر ﵁ كتب إليه يسأله عمن سرق من بيت المال فقال: " لا تقطعه فما من أحد إلا وله فيه حق ". وروى الشعبي: أن رجلا سرق من بيت المال، فبلغ عليا فقال كرم الله وجهه: إن له فيه سهما، ولم يقطعه. فقول عمر وقول علي فيهما بيان

стр. 1245

سبب عدم القطع على من سرق من بيت المال، لان ذلك يورث شبهة تمنع إقامة الحد. قال ابن قدامة: كما لو سرق من مال له شركة فيه. ومن سرق من الغنيمة من له فيها حق (١) ، أو لولده أو لسيده، وهذا مذهب جمهور العلماء (٢) وروى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄: أن عبدا من رقيق الخمس (٣) سرق من الخمس فرفع إلى النبي ﷺ فلم يقطعه. وقال: " مال الله سرق بعضه بعضا ". ولا يقطع من سرق من المدين الماطل في السداد، أو الجاحد للدين، لان ذلك استرداد لدينه، إلا إذا كان المدين مقرا بالدين وقادرا على السداد، فإن الدائن يقطع إذا سرق من المدين لانه لا شبهة له في سرقته، ولا قطع في سرقة العارية من يد المستعير لان يد المستعير يد أمانه، وليست يد مالك. ومن غصب مالا وسرقه وأحرزه فسرقه منه سارق، فقال الشافعي وأحمد: لا يقطع، لانه حرز لم يرضه مالكه، وقال مالك: يقطع، لانه سرق مالا شبهة له فيه من حرز مثله. وإذا وقعت أزمة بالناس، وسرق أحد الافراد طعاما فإن كان الطعام موجودا قطع، لانه غير محتاج إلى سرقته، وإن كان معدوما لم يقطع، لان له الحق في أخذه لحاجته إليه، وقد قال عمر ﵁: " لا قطع في عام المجاعة "، وروى مالك في الموطأ " أن رقيقا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها. فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: أراك تجيعهم. ثم قال: والله لاغر منك غرما يشق عليك. ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم. فقال عمر: أعطه ثمانمائة درهم.

стр. 1246

ويروي ابن وهب أن عمر بن الخطاب، بعد أن أمر كثير بن الصلت بقطع أيدي الذين سرقوا، أرسل وراءه من يأتيه بهم، فجاء بهم، فقال لعبد الرحمن بن حاطب: " أما لولا أني أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لاكلوه لقطعتهم، ولكن والله إذ تركتهم لاغر منك غرامة توجعك ". الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق: وأما الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق فهي: (أولا) أن يكون مما يتمول ويملك ويحل بيعه وأخذ العوض عنه، فلا قطع على من سرق الخمر والخنزير حتى لو كان المالك لهما ذميا لان الله حرم ملكيتهما والانتفاع بهما بالنسبة للمسلم والذمي على السواء (١) . وكذلك لا قطع على سارق أدوات اللهو مثل: العود، والكمنج، والمزمار، لانها آلات لا يجوز استعمالها عند كثير من أهل العلم، فهي ليست مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، وأما الذين يبيحون استعمالها فيهم يتفقون مع من يحرمها في عدم قطع يد سارقها لوجود شبهة، والشبهات مسقطة للحدود. واختلف العلماء في سرقة الحر الصغير غير المميز. فقال أبو حنيفة والشافعي: لا قطع على من سرقه لانه ليس بمال ويعزر وإن كان عليه حلي أو ثياب فلا يقطع أيضا، لان ما عليه من الحلي تبع له وليست مقصودة بالاخذ (٢) . وقال مالك: في سرقته القطع، لانه من أعظم المال ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وسارق العبد الصغير غير المميز يقطع، لانه مال متقوم، وأما المميز فإنه لا يحد سارقه، لانه وإن كان مالا يباع ويشترى فإن له سلطانا على نفسه فلا يعد محرزا.

стр. 1247

وأما ما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه، كالكلب المأذون في بيعه، ولحوم الضحايا، فقال أشهب، من المالكية: يقطع سارق الكلب المأذون باتخاذه (١) ، ولا يقطع في كلب غير مأذون باتخاذه. وقال أصبغ من المالكية في لحوم الضحايا: إن سرق الاضحية قبل الذبح قطع، وإن سرقها بعد الذبح فلا قطع. وأما سرقة الماء، والثلج، والكلا، والملح، والتراب، فقد قال صاحب المغني. " وإن سرق ماء فلا قطع فيه. قاله أبو بكر وأبو إسحاق لانه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافا. وإن سرق كلا أو ملحا، فقال أبو بكر: لا قطع فيه لانه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه، فأشبه الماء. وقال أبو إسحاق بن شاملا: فيه القطع، لانه يتمول عادة فأشبه التين والشعير. وأما الثلج فقال القاضي: هو كالماء لانه ماء جامد فأشبه الجليد، والاشبه أنه كالملح لانه يتحول عادة فهو كالملح المنعقد من الماء. وأما التراب فإن كان مما تقل الرغبات فيه كالذي يعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه، لانه لا يتمول، وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الارمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسيل به، أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين: ١ - أحدهما لا قطع فيه لانه من جنس مالا يتمول فأشبه الماء. ٢ - فيه القطع، لانه يتمول عادة، ويحمل إلى البلدان للتجارة فأشبه العود الهندي (٢) . وأما سرقة المباح الاصل كالاسماك والطيور (٣) . فإنه لا قطع على من سرقها ما لم تحرز فإذا أحرزت فقد اختلف فيها الفقهاء. فمذهب المالكية، والشافعية يرى قطع سارقها لانه سرق مالا متقوما من حرز.

стр. 1248

وذهب الاحناف والحنابلة إلى عدم القطع لما روي عن الرسول ﷺ أنه قال: " الصيد لمن أخذه ". فهذا الحديث يورث شبهة يندرئ بها الحد. وقال عبد الله بن يسار: أتي عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة، فأراد أن يقطعه، فقال له سالم بن عبد الرحمن: " قال عثمان ﵁: لا قطع في الطير " وفي رواية أن عمر بن عبد العزيز استفتى السائب بن يزيد فقال: ما رأيت أحدا قطع في الطير، وما عليه في ذلك قطع، فتركه عمر. وقال بعض الفقهاء: الطير المعتبر مباحا هو الذي يكون صيدا سوى الدجاج والبط فيجب في سرقتها القطع لانه بمعنى الاهلي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع في سرقة الطعام الرطب كاللبن واللحم والفواكه الرطبة ولا في سرقة الحشيش والحطب، ولا فيما يسرع إليه الفساد، وإن بلغت قيمة المسروق منه نصاب السرقة، لان هذه الاشياء غير مرغوب فيها، ولا يشح مالكها عادة فلا حاجة إلى الزجر بالنسبة لها، والحرز فيها ناقص، ولقوله ﷺ " لا قطع في تمر ولا كثر " ولان فيه شبهة المالكية، لوجود الشركة العامة، لقول الرسول: " الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلا، والنار " ومما اختلف الفقهاء فيه سرقة المصحف، فقال أبو حنيفة لا يقطع من سرقة. لانه ليس بمال، ولان لكل واحد فيه حقا. وقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة وابن المنذر: يقطع سارق المصحف إذا بلغت قيمته النصاب الذي تقطع فيه اليد. (ثانيا) والشرط الثاني الذي يجب توافره في المال المسروق أن يبلغ الشئ المسروق نصابا، لانه لا بد من شئ يجعل ضابطا لاقامة الحد، ولا بد وأن يكون له قيمة يلحق الناس ضرر بفقدها، فإن من عادتهم التسامح في الشئ الحقير من الاموال، ولهذا لم يكن السلف يقطعون في الشئ التافه. وقد اختلف الفقهاء في مقدار هذا النصاب، فذهب جمهور العلماء إلى أن القطع لا يكون

стр. 1249

إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما تساوي قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وفي التقدير بهذا حكمة ظاهرة، فإن فيها كفاية المقتصد في يوم، له ولمن يمونه غالبا، وقوت الرجل وأهله مدة يوم، له خطره عند غالب الناس لما روي عن عائشة ﵂: أن الرسول ﷺ " كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " وفي رواية مرفوعا " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ". رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. وفي رواية أخرى للنسائي مرفوعا: " لا تقطع اليد فيما دون ثمن المجن (١) ". قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. ويؤيده حديث ابن عمر في الصحيحين " أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم " وفي رواية: " قيمته ثلاثة دراهم ". ومذهب الاحناف أن النصاب الموجب للقطع عشرة دراهم ولا قطع في أقل منها. واستدلوا بما رواه البيهقي والطحاوي والنسائي عن ابن عباس وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم. وذهب الحسن البصري وداود الظاهري، إلى أنه يثبت القطع بالقليل والكثير عملا بإطلاق الاية، ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الجمل فتقطع يده " وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن الاعمش راوي هذا الحديث فسر البيضة ببيضة الحديد التي تلبس للحرب، وهي كالمجن، وقد يكون ثمنها أكثر من ثمنه (٢) . والجمل كانوا يرون أن منه ما يساوي دراهم. وربع الدينار كان يصرف بثلاثة دراهم وفي الروضة الندية قال الشافعي:

стр. 1250

" وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم " وذلك أن الصرف على عهد الرسول ﷺ اثنى عشر درهما بدينار. وهو موافق لما في تقدير الديات من الذهب بألف دينار. ومن الفضة باثنى عشر ألف درهم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم أو دينار، أو قيمة أحدهما من العروض. ولا قطع فيما هو أقل من ذلك، لان ثمن المجن كان يقوم على عهد الرسول بعشرة دراهم، كما رواه عمرو بن شعيب عن ابنه عن جده. وروي عن ابن عباس وغيره هذا التقدير. قالوا: وتقدير ثمن المجن تبعا لهذا التقدير أحوط. والحدود تدفع بالشبهات. والاخذ به كأنه شبهة في العمل بما دونها. والحق أن اعتبار ثمن المجن عشرة دراهم معارض بما هو أصح منه كما تقدم في الروايات الاخرى الصحيحة. وقال مالك وأحمد في أظهر الروايات عنه: نصاب السرقة ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من العروض. والتقويم بالدراهم خاصة. والاثمان أصول لا يقوم بعضها ببعض. وقد اعترض على القطع اليد في ربع دينار مع أن ديتها خمسمائة دينار، فقال أحد الشعراء: يد بخمس مئين عسجد وديت - ما بالها قطعت في ربع دينار؟ تناقض مالنا إلا السكوت له - ونستجير بمولانا من العار وهذا المعترض قد خانه التوفيق فإنه الاسلام قد قطعها في هذا القدر حفظا للمال، وجعل ديتها خمسمائة حفظا لها. فقد كانت ثمينة حين كانت أمينة فلما خانت هانت ولهذا قيل: يد بخمس مئين عسجد وديت - لكنها قطعت في ربع دينار حماية الدم أغلاها، وأرخصها - خيانة المال فانظر حكمة الباري

стр. 1251

متى يقدر المسروق: وتعتبر قيمة المسروق وتقديره يوم السرقة عند مالك. والشافعية، والحنابلة. وقال أبو حنيفة: يقدر المسروق يوم الحكم عليه بالقطع. سرقة الجماعة: إذا سرقت الجماعة قدرا من المال بحيث لو قسم بينهم لكان نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه القطع فإنهم يقطعون جميعا باتفاق الفقهاء. أما إذا كان هذا القدر من المال يبلغ نصابا، ولكنه لو قسم بين السارقين لا يبلغ نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه القطع فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال جمهور الفقهاء: يجب أن يقطعوا جميعا. وقال أبو حنيفة: لا قطع حتى يكون ما يأخذه كل واحد منهم نصابا. قال ابن رشد: فمن قطع الجميع رأي العقوبة إنما تتعلق بقدر مال المسروق أي أن هذا القدر من المال المسروق هو الذي يوجب القطع لحفظ المال، ومن رأى أن القطع إنما علق بهذا القدر لا بما دونه لمكان حرمة اليد قال: لا تقطع أيد كثيرة فيما أوجب الشارع فيه القطع. ما يعتبر في الموضع المسروق منه: وأما الموضع المسروق منه فإنه يعتبر فيه الحرز. والحرز هو الموضع المعد لحفظ الشئ، مثل الدار والد كان والاصطبل والمراح، والجرين، ونحو ذلك. ولم يرد فيه ضابط من جهة الشرع ولا من جهة اللغة وإنما يرجع فيه إلى العرف، واعتبر الشرع للحرز لانه دليل على عناية صاحب المال به وصيانته له والمحافظة عليه من التعرض للضياع، ودليل ذلك ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ وقد سأله رجل عن الحريسة (١) التي توجد في مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، وما أخذ من عطنه (٢) ففيه القطع إذا

стр. 1252

بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن (١) قال: يارسول الله فالثوب وما أخذ منها في أكمامها قال: " من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة (٢) فليس عليه شئ، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن ". رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه وحسنه الترمذي. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " لا قطع في تمر معلق ولا في حريسة الجبل، فإذا أواه المراح أو الجرين (٣) . فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ". ففي هذين الحديثين اعتبار الحرز. قال ابن القيم: فإنه ﷺ أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه من الجرين. وعند أبي حنيفة ﵀ أن هذا لنقصان ماليته لاسراع الفساد إليه، وجعل هذا أصلا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه إليه وقول الجمهور أصح، فإنه ﷺ جعل له ثلاثة أحوال: حالة لا شئ فيها، وهي ما إذا أكل منه بفيه وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع، وهي ما إذا أخرجه من شجره وأخذه، وحالة يقطع فيها، وهو ما إذا سرقه من بيدره، سواء كان انتهى جفافه أم لم ينته، فالعبرة بالمكان والحرز لا بيبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه ﷺ أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه حرز. انتهى. وإلى اعتبار الحرز ذهب جمهور الفقهاء. وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء ولم يشترطوا الحرز في القطع منهم: أحمد وإسحاق وزفر، والظاهرية، لان آية " والسارق والسارقة " عامة وأحاديث عمرو بن شعيب لا يصلح لتخصيصها للاختلاف الواقع فيها.

стр. 1253

ورد ذلك ابن عبد البر فقال: أحاديث عمرو بن شعيب العمل بها واجب إذا رواها الثقات. اختلاف الحرز باختلاف الاموال: والحرز مختلف باختلاف الاموال، ومرجع ذلك إلى العرف فقد يكون الشئ حرزا في وقت دون وقت. فالدار حرز لما فيها من أثاث، والجرين حرز للثمار، والاصطبل حرز للدواب، والمراح للغنم، وهكذا. الانسان حرز لنفسه: والانسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه سواء كان في المسجد أم في خارجه. فمن جلس في الطريق ومعه متاعه فإنه يكون محرزا به، سواء أكان مستيقظا أم نائما. فمن سرق من إنسان نقوده أو متاعه قطع بمجرد الاخذ لزوال يد المالك عنه. واشترط الفقهاء في النائم أن يكون المسروق تحت جنبه أو تحت رأسه واستدلوا بما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجاه والنسائي والحاكم عن صفوان ابن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعه، فقلت: يارسول الله أفي خميصة، ثمن ثلاثين درهما. أنا أهبها له؟. قال: " فهلا كان قبل أن تأتيني ". " أي فهلا عفوت عنه ووهبت له قبل أن تأتيني ". وفي هذا الحديث دليل على أن المطالبة بالمسروق شرط في القطع (١) ، فلو وهبه المسروق منه إياه، أو باعه قبل رفعه إلى الحاكم سقط عن السارق. كما صرح بذلك النبي ﷺ حيث قال: " هلا كان قبل أن تأتيني به!؟ ".

стр. 1254

الطرار: واختلفوا في الطرار (١) . فقالت طائفة: يقطع مطلقا سواء أوضع يده داخل الكم وأخرج المال أو شق الكم فسقط المال فأخذه. وهو قول مالك، والاوزاعي وأبي ثور، ويعقوب، والحسن، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وإسحق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع. المسجد حرز: والمسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه من البسط والحصر والقناديل والنجف. وقد قطع رسول الله ﷺ سارقا سرق ترسا كان في صفة النساء في المسجد ثمنه ثلاثة دراهم. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وكذلك إذا سرق باب المسجد أو ما يزين به مما له قيمة، لانه مال محرز لا شبهة فيه. وخالف الشافعية في قناديل المسجد وحصرها، فمن سرقها لا يقطع، لان ذلك جعل لمنفعة المسلمين، وللسارق فيها حق. اللهم إلا إذا كان السارق ذميا فإنه يقطع، لانه لا حق له فيها. السرقة من الدار: اتفق الفقهاء على أن الدار لا تكون حرزا إلا إذا كان بابها مغلقا. كما اتفقوا على أن من سرق من دار غير مشتركة في السكنى لا يقطع حتى يخرج من الدار. واختلفوا في مسائل من ذلك ذكرها صاحب كتاب الافصاح عن معاني الصحاح فقال:

стр. 1255

واختلفوا فيما إذا اشترك اثنان في نقب دار فدخل أحدهما فأخذ المتاع وناوله الاخر وهو خارج الحرز وهكذا إذا رمى به إليه فأخذه. فقال مالك والشافعي وأحمد: القطع على الداخل دون الخارج. وقال أبو حنيفة: لا يقطع منهما أحد. واختلفوا فيما إذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا ولم يخرج الباقون شيئا ولم يكن منهم معاونة في إخراجه. فقال أبو حنيفة وأحمد: يجب القطع على جماعتهم. وقال مالك والشافعي: لا يقطع إلا الذين أخرجوا المتاع واختلفوا فيما إذا قرب الداخل المتاع إلى النقب وتركه فأدخل الخارج يده فأخرجه من الحرز. فقال أبو حنيفة: لا قطع عليهما. وقال مالك: يقطع الذي أخرجه قولا واحدا وفي الداخل الذي قربه خلاف بين أصحابه على قولين. وقال الشافعي: القطع على الذي أخرجه خاصة. وقال أحمد: عليهما القطع جميعا. وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب قال: " وإن نقب رجلان حرزا فأخذ أحدهما المال ووضعه على بعض النقب وأخذه الاخر ففيه قولان: أحدهما أنه يجب عليهما القطع لانا لو لم نوجب عليهما القطع صار هذا طريقا إلى إسقاط القطع، والثاني: أنه لا يقطع واحد منهما كقول أبي حنيفة وهو الصحيح، لان كل واحد منهما لم يخرج المال من الحرز. وإن نقب أحدهما الحرز ودخل الاخر وأخرج المال ففيه طريقان، من أصحابنا من قال: فيه قولان كالمسألة قبلها ومنهم من قال: لا يجب القطع قولا واحدا لان أحدهما نقب ولم يخرج المال والاخر أخرج من غير حرز ". بم يثبت الحد؟ وهل يتوقف على طلب المسروق منه؟: لا يقام الحد إلا إذا طالب المسروق منه بإقامته (١) لان مخاصمته المجني عليه

стр. 1256

ومطالبته بالمسروق شرط ويثبت الحد بشهادة عدلين أو بالاقرار ويكفي فيه مرة واحدة عند مالك والشافعية والاحناف لان النبي ﷺ قطع يد سارق المجن وسارق رداء صفوان، ولم ينقل أنه أمره بتكرار الاقرار. وما وقع من التكرار في بعض الحالات فهو من باب التثبت. ويرى أحمد وإسحاق وابن أبي ليلى أنه لا بد من تكراره مرتين. دعوى السارق الملكية: وإذا ادعى السارق أن ما أخذه من الحرز ملكه بعد قيام البينة عليه بأنه سرق من الحرز نصابا فقال مالك: يجب عليه القطع بكل حال ولا يقبل دعواه وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقطع وسماه الشافعي: " السارق الظريف " تلقين السارق ما يسقط الحد: ويندب للقاضي أن يلقن السارق ما يسقط الحد، لما رواه أبو أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتي بلص اعترف، ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت (١) ؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثا. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ورجاله ثقات. وقال عطاء: كان من قضى (٢) يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمى (٣) أبا بكر وعمر ﵄ وعن أبي الدرداء. أنه أتي بجارية سرقت فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا. فقالت: لا. فخلى سبيلها. وعن عمر أنه أتي برجل سرق فسأله " أسرقت؟ قل: لا. فقال: لا " فتركه. عقوبة السرقة: إذا ثبتت جريمة السرقة وجب إقامة الحد على السارق فتقطع يده اليمنى

стр. 1257

من مفصل الكف وهو الكوع (١) لقوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولا يجوز العفو عنها من أحد لا من المجني عليه ولا من الحاكم، كما لا يجوز أن تستبدل بها عقوبة أخرى أخف منها أو تأخير تنفيذها أو تعطيلها، خلافا للشيعة الذين يرون أن القطع يسقط عن السارق بعفو المجني عليه في السرقة وكذلك يرون أن للامام مع وجوب إقامة الحد أن يسقط العقوبة عن بعض الناس لمصلحة، وله تأخيرها عن بعضهم لمصلحة، وهذا مخالف لجماعة أهل السنة الذين يروون عن رسول الله ﷺ قوله: " تجافوا العقوبة بينكم، فإذا انتهي بها إلى الامام فلا عفا الله عنه إن عفا ". فإذا سرق ثانيا تقطع رجله، ثم إن الفقهاء اختلفوا فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله. فقال أبو حنيفة: يعزر ويحبس. وقال الشافعي وغيره: تقطع يده اليسرى، ثم إذا عاد إلى السرقة تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق يعزر ويحبس. حسم يد السارق إذا قطعت: وتحسم يد السارق بعد القطع، فتكوى بالنار، أو تتخذ أي طريقة من الطرق حتى ينقطع الدم فلا يتعرض المقطوع للتلف والهلاك. فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة فقالوا: يارسول الله، إن هذا قد سرق: فقال رسول الله صلى الله عليه

стр. 1258

وسلم: " ما أخاله سرق (١) "، فقال السارق: بلى يارسول الله. فقال: " اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه (٢) ، ثم ائتوني به "، فقطع فأتي به. فقال: تب إلى الله. قال: قد تبت إلى الله. فقال: " تاب الله عليك ". رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن القطان. تعليق يد السارق في عنقه: ومن التنكيل بالسارق والزجر لغيره، أمر الشارع بتعليق يد السارق المقطوعة في عنقه. روى أبو داود والنسائي والترمذي: وقال " حسن (٣) غريب، عن عبد الله بن محيريز قال: سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه: أمن السنة هو؟ فقال: أتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه. اجتماع الضمان والحد: إذا كان المسروق قائما رد إلى صاحبه، لقول رسول الله ﷺ : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله، وقطع ولا يمنع أحدهما الاخر، لان الضمان الحق الادمي، والقطع يجب لله تعالى، فلا يمنع أحدهما الاخر كالدية والكفارة. وقال أبو حنيفة: إذا تلف المسروق فلا يغرم السارق لانه لا يجتمع الغرم مع القطع بحال لان الله ذكر القطع ولم يذكر الغرم. وقال مالك وأصحابه: إن تلف، فإن كان موسرا غرم، وإن كان معسرا لم يكن عليه شئ.

стр. 1259

الجنايات: الجنايات جمع جناية، مأخوذة من جني يجني بمعنى أخذ، يقال، جنى الثمر إذا أخذه من الشجر. ويقال أيضا جنى على قومه جناية، أي أذنب ذنبا يؤاخذ به. والمراد بالجناية في عرف الشرع: كل فعل محرم. والفعل المحرم: كل فعل حظره الشارع ومنع منه، لما فيه من ضرر واقع على الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال. وقد اصطلح الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إلى قسمين. (القسم الاول) ويسمى بجرائم الحدود. (والقسم الثاني) ويسمى بجرائم القصاص. وهي الجنايات التي تقع على النفس أو على ما دونها من جرح أو قطع عضو، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها صيانة للناس وحفاظا على حياتهم الاجتماعية. وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص. ونبدأ بتمهيد في وجهة الاسلام في المحافظة على الاسلام متبعين ذلك بالكلام عن القصاص بين الجاهلية والاسلام، ثم الكلام عن القصاص في النفس والقصاص فيما دونها. وأما الجنايات في القانون فهي أخطر الجرائم، وقد حددتها المادة ١٠ من قانون العقوبات بأنها الجرائم المعاقب عليها بالاعدام، أو الاشغال الشاقة المؤبدة، أو الاشغال الشاقة المؤقتة، أو السجن.

стр. 1260

المحافظة على النفس كرامة الانسان: ان الله سبحانه كرم الانسان: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات وما في الارض جميعا منه، وجعله خليفة عنه، وزوده بالقوى والمواهب ليسود الارض، وليصل إلى أقصى ما قدر له من كمال مادي واترقاء روحي. ولا يمكن أن يحقق الانسان أهدافه، ويبلغ غاياته إلا إذا توفرت له جميع عناصر النمو، وأخذ حقوقه كاملة. وفي طليعة هذه الحقوق التي ضمنها الاسلام: حق الحياة، وحق التملك، وحق صيانة العرض، وحق الحرية، وحق المساواة، وحق التعلم. قال الله تعالى: وهذه الحقوق، واجبة للانسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن لونه، أو دينه، أو جنسه، أو وطنه، أو مركزه الاجتماعي. " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " (١) . وقد خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: " أيها الناس، ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله، وعرضه ". حق الحياة: وأول هذه الحقوق وأولاها بالعناية حق الحياة، وهو حق مقدس لا يحل انتهاك حرمته ولا استباحة حماه. يقول الله سبحانه: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " (٢)

стр. 1261

والحق الذي تزهق به النفوس. هو ما فسره الرسول ﷺ في قوله عن ابن مسعود ﵁: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لاإله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب (١) الزاني، والنفس بالنفس (٢) ، والتارك لدينه المفارق للجماعة (٣) ". رواه البخاري ومسلم. ويقول الله : " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطأ كبيرا ". (٤) ويقول سبحانه: " وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت " (٥) . والله سبحانه جعل عذاب من سن القتل عذابا لم يجعله لاحد من خلقه. يقول الرسول ﷺ عليه وسلم: " ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها، لانه كان أول من سن القتل " (٦) . رواه البخاري ومسلم. ومن حرص الاسلام على حماية النفوس أنه هدد من يستحلها بأشد عقوبة. فيقول الله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، ولعنه وأعد له عذابا عظيما " (٧) . فبهذه الآية تقرر أن عقوبة القاتل في الآخرة العذاب الاليم، والخلود المقيم

стр. 1262

في جهنم، والغضب واللعنة والعذاب العظيم. ولهذا قال ابن عباس ﵄: " لا توبة لقاتل مؤمن عمدا ". لانها آخر ما نزل، ولم ينسخها شئ، وإن كان الجمهور على خلافه. ورسول الله ﷺ يقول: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ". رواه ابن ماجه بسند حسن عن البراء. وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن، لاكبهم الله في النار ". وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة، كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله ". ذلك أن القتل هدم لبناء أراده الله، وسلب لحياة المجني عليه، واعتداء على عصبته الذين يعتزون بوجوده، وينتفعون به، ويحرمون بفقده العون، ويستوي في التحريم قتل المسلم والذمي وقاتل نفسه. ففي قتل الذمي جاءت الاحاديث مصرحة بوجوب النار لمن قتله. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل معاهدا (١) ، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها بوجد من مسيرة أربعين عاما " (٢) . وأما قاتل نفسه فالله يحذر من ذلك فيقول:

стр. 1263

" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (١) . ويقول: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " (٢) . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " من تردى (٣) من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ (٤) بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ". وروى البخاري عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال: " الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار. والذي يقتحم (٥) يقتحم في النار ". وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات (٦) قال الله تعالى: " بادرني عبدي بنفسه: حرمت عليه الجنة ". رواه البخاري. وثبت في الحديث " من قتل نفسه بشئ عذب به يوم القيامة ". ومن أبلغ ما يتصور في التشنيع على القتلة بالاضافة إلى ما سبق أن الاسلام اعتبر القاتل لفرد من الافراد كالقاتل للافراد جميعا، وهذا أبلغ ما يتصور من التشنيع على ارتكاب هذه الجريمة النكراء. يقول سبحانه: " أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس

стр. 1264

جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " (١) . ولعظم أمر الدماء وشدة خطورتها، كانت هي أول ما يقضى فيها بين الناس يوم القيامة (٢) كما رواه مسلم. وقد شرع الله سبحانه القصاص واعدام القاتل انتقاما منه، وزجرا لغيره، وتطهيرا للمجتمع من الجرائم التي يضطرب فيها النظام العام، ويختل معها الامن. فقال: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب، لعلكم تتقون " (٣) . وهذه العقوبة مقررة في جميع الشرائع الالهية المتقدمة. ففي الشريعة الموسوية جاء بالفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج: " أن من ضرب إنسانا فمات فليقتل قتلا، وإذا بغى رجل على آخر فقتله اغتيالا فمن قدام مذبحي تأخذه ليقتل، ومن ضرب أباه وأمه يقتل قتلا، وإن حصلت أذية فأعط نفسا بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل، وجرحا بجرح، ورضا برض " وفي الشريعة المسيحية يرى البعض أن قتل القاتل لم يكن من مبادئها مستدلين على ذلك بما ورد بالاصحاح الخامس من إنجيل متى من قول عيسى ﵇: " لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له خدك الآخر أيضا. ومن رأى أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا، ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. ويرى البعض الآخر أن الشريعة المسيحية عرفت عقوبة الاعدام مستدلا على ذلك بما قاله عيسى ﵇: " ما جئت لانقض الناموس، وإنما جئت لاتمم ". وقد تأيد هذا النظر بما ورد في القرآن الكريم:

стр. 1265

" ومصدقا لما بين يدي من التوراة ". وإلى هذا تشير الآية الكريمة: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، والسن بالسن، والجروح قصاص " (١) ولم تفرق الشريعة بين نفس ونفس، فالقصاص حق، سواء أكان المقتول كبيرا أم صغيرا، رجلا أم امرأة. فلكل حق الحياة، ولا يحل التعرض لحياته بما يفسدها بأي وجه من الوجوه، وحتى في قتل الخطأ، لم يعف الله تعالى القاتل من المسئولية، وأوجب فيه: العتق، والدية، فقال سبحانه: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا " (٢) . وهذه العقوبة المالية إنما أوجبها الاسلام في القتل الخطأ احتراما للنفس حتى لا يتسرب إلى ذهن أحد هوانها، وليحتاط الناس فيما يتصل بالنفوس والدماء، ولتسد ذرائع الفساد، حتى لا يقتل أحد أحدا ويزعم أن القتل كان خطأ. ومن شدة عناية الاسلام بحماية الانفس أنه حرم إسقاط الجنين بعد أن تدب الحياة فيه، إلا إذا كان هناك سبب حقيقي يوجب إسقاطه، كالخوف على أمه من الموت، ونحو ذلك، وأوجب في إسقاطه بغير حق غرة. القصاص بين الجاهلية والإسلام: قام نظام القصاص في العرب على أساس أن القبيلة كلها تعتبر مسئولة عن الجناية التي يقترفها فرد من أفرادها، إلا إذا خلعته وأعلنت ذلك في المجتمعات العامة. ولهذا كان ولي الدم يطالب بالقصاص من الجاني وغيره من قبيلته، ويتوسع في هذه المطالبة توسعا ربما أوقد نار الحرب بين قبيلتي الجاني والمجني عليه.
следующие страницы →