وضرب، وإن كانت المصلحة غير ذلك فعل ما فيه المصلحة.
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل (١) النبي صلى
الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات، فقال النبي ﷺ : " هو في النار "، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها.
وروى أبو داود: " أن رجلا مات يوم خيبر من الاصحاب، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس، فقال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله "، ففتشوا متاعه، فوجدوا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين.
الانتفاع بالطعام قبل قسمة الغنائم: ويستثنى من ذلك الطعام، وعلف الدواب، فإنه يباح للمقاتلين أن ينتفعوا بها ماداموا في أرض العدو، ولو لم تقسم عليهم.
١ - روى البخاري، ومسلم، عن عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ مبتسم.
٢ - وأخرج أبو داود، والحاكم، والبيهقي، عن ابن أبي أوفى قال: " أصبنا طعام يوم خيبر، وكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينطلق.
٣ - وروى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه.
وفي بعض رواية الحديث عند أبي داود: فلم يؤخذ منهما الخمس.
قال مالك في الموطأ: لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم، ما وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع في المقاسم.
وقال: أنا أرى الابل والبقر والغنم بمنزلة الطعام، يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يأكلون الطعام.
стр. 1437
وقال: ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم أضر ذلك بالجيوش.
قال: فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدخر بعد ذلك شيئا يرجع به إلى أهله.
المسلم يجد ماله عند العدو يكون له: إذا استرد المقاتلون أموالا للمسلمين كانت بأيدي الاعداء، فأربابها أحق بها، وليس للمقاتلين منها شئ، لانها ليست من الغنائم.
١ - عن ابن عمر أنه غار له فرس، فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان النبي ﷺ .
٢ - وعن عمران بن حصين قال: " أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء، ناقة رسول الله ﷺ ، وامرأة من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة، قامت المرأة، وقد ناموا، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت العضباء، فأتت ناقة ذلولا، فركبتها، ثم توجهت قبل المدينة، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: " بئس ما جزيتها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية ".
وكذلك إذا أسلم الحربي وبيده مال مسلم، فإنه يرد إلى صاحبه.
الحربي يسلم:
إذا أسلم الحربي وهاجر إلى دار الاسلام وترك بدار الحرب ولده وزوجته وماله، فإن هذه تأخذ حرمة ذرية المسلم، وحرمة ماله، فإذا غلب المسلمون عليها لم تدخل في نطاق الغنائم، لقوله ﷺ : " فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأمولهم ".
стр. 1438
أسرى الحرب:
أسرى الحرب، وهم من جملة الغنائم، وهم على قسمين: (الاول) النساء والصبيان.
(الثاني) الرجال البالغون المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء.
وقد جعل الاسلام الحق للحاكم في أن يفعل بالرجال المقاتلين إذا ظفر بهم ووقعوا أسرى، ما هو الانفع والاصلح من المن، أو الفداء، أو القتل.
والمن: هو إطلاق سراحهم مجانا.
والفداء: قد يكون بالمال، وقد يكون بأسرى المسلمين، ففي غزوة بدر كان الفداء بالمال، وصح عنه ﷺ أنه فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل.
رواه أحمد والترمذي وصححه.
يقول الله : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم (١) فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " (٢) .
وروى مسلم من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ ، أطلق سراح الذين أخذهم أسرى، وكان عددهم ثمانين، وكانوا قد
هبطوا عليه وعلى أصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم.
وفي هذا نزل قول الله : " وهو الذي كف أيديم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " (٣) .
стр. 1439
وقال ﷺ لاهل مكة يوم الفتح: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
على أنه يجوز للامام، مع ذلك، أن يقتل الاسير إذا كانت المصلحة تقتضي قتله، كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ ، فقد قتل النضر ابن الحارث، وعقبة بن معيط، يوم بدر، وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد.
وفي هذا يقول الله سبحانه: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض " (١) .
وممن ذهب إلى هذا جمهور العلماء، فقالوا: " للامام الحق في أحد الامور الثلاثة المتقدمة ".
وقال الحسن وعطاء: لا يقتل الاسير، بل يمن عليه أو يفادى به.
وقال الزهري ومجاهد وطائفة من العلماء: لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا.
وقال مالك: لا يجوز المن بغير فداء.
وقال الاحناف: لا يجوز المن أصلا، لا بفداء ولا بغيره.
معاملة الأسرى:
عامل الاسلام الاسرى معاملة إنسانية رحيمة، فهو يدعو إلى إكرامهم والاحسان إليهم، ويمدح الذين يبرونهم، ويثني عليهم الثناء الجميل.
يقول الله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا - إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " (٢) .
ويروي أبو موسى الاشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال:
стр. 1440
" فكوا العاني (١) ، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض ".
وتقدم أن ثماقة بن أثال وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فجاءوا به إلى النبي ﷺ فقال: " أحسنوا إساره ".
وقال: " اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه ".
فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة (٢) الرسول ﷺ غدوا ورواحا.
ودعاه النبي ﷺ إلى الاسلام، فأبى، وقال له: إن أردت الفداء، فاسأل ما شئت ما المال.
فمن عليه الرسول ﷺ ، وأطلق سراحه بدون فداء، فكان ذلك من أسباب دخوله في الاسلام.
وقد جاء في الصحاح في شأن أسرى غزوة بني المصطلق - وكان من بينهم جويرية بنت الحارث - أن أباها الحارث بن أبي ضرار، حضر إلى المدينة ومعه كثير من الابل ليفتدي بها ابنته، وفي وادي العقيق، قبل المدينة بأميال، أخفى اثنين من الجمال أعجباه في شعب بالجبل، فلما دخل على النبي ﷺ قال له: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها.
فقال ﵊: " فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا "؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما أطلعك على ذلك إلا الله. وأسلم الحارث وابنان له، وأسلمت ابنته أيضا، فخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها وتزوجها، فقال الناس: لقد أصبح هؤلاء الاسرى الذين بأيدينا أصهار رسول الله ﷺ ، فمنوا عليهم بغير فداء.
وتقول عائشة ﵂: " فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية، إذ بتزوج الرسول ﷺ إياها أعتق مائة من أهل بيت بني المصطلق ".
ولمثل هذا تزوج النبي ﷺ من جويرية، لا لشهوة يقضيها، بل لمصلحة شرعية يبتغيها، ولو كان يبغي الشهوة لاخذها أسيرة حرب بملك اليمين.
стр. 1441
الاسترقاق:
إن القرآن الكريم لم يرد فيه نص يبيح الرق، وإنما جاء فيه الدعوة إلى العتق.
ولم يثبت أن الرسول ﷺ ضرب الرق على أسير من الاسارى، بل أطلق أرقاء مكة، وأرقاء بني المصطلق، وأرقاء حنين.
وثبت عنه أنه ﷺ أعتق ما كان عنده من رقيق في الجاهلية.
وأعتق كذلك ما أهدي إليه منهم.
على أن الخلفاء الراشدين ﵃ ثبت عنهم أنهم استرقوا بعض الاسرى على قاعدة المعاملة بالمثل.
فهم لم يبيحوا الرق في كل صورة من صوره، كما كان عليه العمل في الشرائع الالهية والوضعية، وإنما حصروره في الحرب المشروعة المعلنة من المسلمين ضد عدوهم الكافر، وألغوا كل الصور الاخرى، واعتبروها محرمة شرعا لا تحل بحال.
ومع أن الاسلام ضيق مصادره وحصرها هذا الحصر، فإنه من جانب آخر عامل الارقاء معاملة كريمة، وفتح لهم أبواب التحرر على مصاريعها كما يتجلى ذلك فيما يلي:
معاملة الرقيق:
لقد كرم الاسلام الرقيق، وأحسن إليهم، وبسط لهم يد الحنان، ولم يجعلهم موضع إهانة ولا ازدراء، ويبدو ذلك واضحا فيما يلي:
١ - أوصى بهم فقال: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم " (١) .
стр. 1442
وعن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: " اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ".
٢ - نهى أن ينادى بما يدل على تحقيره واستعباده، إذ قال الرسول ﷺ : " لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي وليقل فتاي وفتاتي، وغلامي ".
٣ - أمر أن يأكل ويلبس مما يأكل المالك، فعن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: " خولكم (١) إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم ".
٤ - نهى عن ظلمهم وأذاهم، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه ".
وعن أبي مسعود الانصاري قال: بينا أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتا من خلفي، فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: " اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ". فقلت: هو حر لوجه الله، فقال: " لو لم تفعل لمستك النار ". وجعل للقاضي حق الحكم بالعتق إذا ثبت أنه يعامله معاملة قاسية.
٥ - دعا إلى تعليمهم وتأديبهم، فقال رسول الله ﷺ : " من كانت له جارية فعلمها، وأحسن إليها وتزوجها، كان له أجران في الحياة وفي الاخرى. أجر بالنكاح والتعليم، وأجر بالعتق ".
طريق التحرير:
وقد فتح الاسلام أبواب التحرير، وبين سبل الحلاص، واتخذ وسائل شتى لانقاذ هؤلاء من الرق:
стр. 1443
١ - فهو طريق إلى رحمة الله وجنته يقول الله سبحانه: " فلا اقتحم العقبة - وما أدراك ما العقبة - فك رقبة " (١) وجاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: " عتق النسمة، وفك الرقبة ".
فقال: يارسول الله: أو ليسا واحدا؟ قال: " لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ".
٢ - والعتق كفارة للقتل الخطأ. يقول الله عزوجل: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " (٢)
٣ - وهو كفارة للحنث في اليمين لقوله تعالى: " فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون هليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " (٣) .
٤ - والعتق كفارة في حالة الظهار، يقول الله سبحانه: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ". (٤)
٥ - جعل الاسلام من مصارف الزكاة شراء الارقاء وعتقهم، يقول أالله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب " (٥) .
٦ - أمر بمكاتبة العبد على قدر من المال، حيث قال تعالى: " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ". (٦)
стр. 1444
٧ - من نذر أن يحرر رقبة وجب عليه الوفاء بالنذر متى تحقق له مقصوده. وبهذا يتبين أن الاسلام ضيق مصادره الرق.
وعامل الارقاء معاملة كريمة، وفتح أبواب التحرير، تمهيدا لخلاصهم نهائيا من نير الذل والاستعباد، فأسدى بذلك لهم يدا لا تنسى على مدى الايام.
أرض المحاربين المغنومة:
الارض التي تؤخذ عنوة: إذا غنم المسلمون أرضا، بأن فتحوها عنوة بواسطة الحرب والقتال، وأجلوا أهلها عنها، فالحاكم مخير بين أمرين.
١ - إما أن يقسمها على الغانمين (١) .
٢ - وإما أن يقفها على المسلمين.
وإذا وقفها على المسلمين ضرب عليها خراجا (٢) مستمرا، يؤخذ ممن هي في يده، سواء أكان مسلما أم ذميا، ويكون هذا الخراج أجرة الارض يؤخذ كل عام.
وأصل الخراج هو فعل أمير المؤمنين عمر ﵁، في الارض التي فتحها، كأرض الشام، ومصر، والعراق.
الارض التي جلا أهلها عنها خوفا أو صلحا: وكما تجب قسمة الارض المفتوحة على الغانمين، أو وقفها على المسلمين، يجب ذلك في الارض التي تركها أهلها خوفا منا، أو التي صالحناهم على أنها لنا، ونقرهم عليها نظير الخراج.
أما التي صالحناهم على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهي كالجزية تسقط بإسلامهم.
وإذا كان الخراج أجرة فإن تقديره يرجع إلى الحاكم فيضعه بحسب اجتهاده.
إذ أن ذلك يختلف باختلاف الامكنة والازمنة، ولا يلزم الرجوع
стр. 1445
إلى ما وضعه عمر ﵁.
وما وضعه عمر وغيره من الائمة يبقى على ما هو عليه، فليس لاحد أن يغيره ما لم يتغير السبب، لان تقديره حكم.
العجز عن عمارة الارض الخراجية:
ومن كان تحت يده أرض خراجية فعجز عن عمارتها أجبر على أحد أمرين:
١ - إما أن يؤجرها.
٢ - أو يرفع يده عنها.
لان الارض هي في الواقع للمسلمين، ولا يجوز تعطيلها عليهم.
ميراث الأرض المغنومة:
وهذه الارض يجري فيها الميراث، فينتقل ميراثها إلى وارث من كانت بيده على الوجه الذي كانت عليه في يد موروثه.
الفيء:
تعريفه: الفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو المال الذي أخذه المسلمون من أعدائهم دون قتال.
وهو الذي ذكره الله سبحانه في قوله: " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم (١) عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على على شئ قدير - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه
стр. 1446
وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب - للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم
ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " (١) .
فذكر الله المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة، ممن دخل في الاسلام قبل الفتح.
وذكر الانصار - وهم أهل المدينة - الذين آووا المهاجرين، وذكر من جاء من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة.
تقسيمه:
قال القرطبي: قال مالك: " هو موكول إلى نظر الامام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وبه قال الخلفاء الاربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله ﷺ : " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم ".
فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر في الاية من ذكر على وجه التنبيه عليهم، لانهم أهم من يدفع إليه.
قال: الزجاج محتجا لمالك: قال الله عزوجل: " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين والتيامى والمساكين وابن السبيل " (٢) .
стр. 1447
والرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الاصناف إذا رأي ذلك.
وذكر النسائي عن عطاء.
قال: خمس الله وخمس رسوله واحد - كان رسول الله ﷺ يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء.
وفي حجة الله البالغة: واختلفت السنن في كيفية قسمة الفئ، فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه الفئ قسمه في يومه، فأعطى الاهل حظين وأعطى الاعزب حظا.
وكان أبو بكر ﵁، يقسم للحر والعبد، يتوخى كفاية الحاجة.
ووضع عمر ﵁ الديوان على السوابق والحاجات، فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته.
والاصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن يحمل على أنه يفعل ذلك على الاجتهاد. فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته.
عقد الأمان:
إذا طلب الامان أي فرد من الاعداء المحاربين قبل منه، وصار بذلك آمنا، لا يجوز الاعتداء عليه بأي وجه من الوجوه.
يقول الله سبحانه: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " (١) .
من له هذا الحق:
وهذا الحق ثابت للرجال والنساء، والاحرار والعبيد، فمن حق أي فرد من هؤلاء أن يؤمن أي فرد من الاعداء يطلب الامان، ولا يمنع من هذا الحق أحد من المسلمين إلا الصبيان والمجانين، فإذا أمن صبي أو مجنون أحدا من
стр. 1448
الاعداء فإنه لا يصح أمان واحد منهما.
روى أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن علي كرم الله وجهه، أن رسول الله ﷺ .
قال: " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، وهم يد على من سواهم ".
وروى البخاري، وأبو داود والترمذي عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أنها قالت: " قلت يارسول الله.
زعم ابن أم علي.
أنه قاتل رجلا قد أجرته فلان (ابن هبيرة) فقال رسول الله ﷺ " قد أجرنا (١) من أجرت يا أم هانئ ".
نتيجة الأمان:
ومهما تقرر الامان بالعبارة أو الاشارة، فإنه لا يجوز الاعتداء على المؤمن، لانه بإعطاء الامان له عصم نفسه من أن تزهق ورقبته من أن تسترق.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه بلغه أن بعض المجاهدين قال لمحارب من الفرس: " لا تخف، ثم قتله " فكتب ﵁ إلى قائد الجيش: " إنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج.
حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع، يقول له: " لا تخف " فإذا أدركه قتله! وإني والذي نفسي بيده.
لا يبلغني أن أحدا فعل ذلك إلا قطعت عنقه.
وروى البخاري في التاريخ، والنسائي عن النبي ﷺ ، قال: " من أمن رجلا على دمه فقتله، فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا " وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ".
متى يتقرر هذا الحق:
ويتقرر حق الامان بمجرد إعطائه، ويعتبر نافذا من وقت صدوره إلا أنه
стр. 1449
لا يقر نهائيا إلا بإقرار الحاكم، أو قائد الجيش.
وإذا تقرر الامان، وأقر من الحاكم أو الجيش، صار المؤمن من أهل الذمة، وأصبح له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
ولا يجوز إلغاء أمانه إلا إذا ثبت أنه أراد أن يستغل هذا الحق في إيقاع الضرر بالمسلمين، كأن يكون جاسوسا لقومه، وعينا على المسلمين.
عقد الأمان لجهة ما:
" إنما يصح الامان من آحاد المسلمين إذا أمن واحدا أو اثنين فأما عقد الامان لاهل ناحية على العموم فلا يصح إلا من الامام على سبيل الاجتهاد، وتحري المصلحة كعقد الذمة، ولو جعل ذلك لاحاد الناس صار ذريعة إلى إبطال الجهاد " (١) الرسول حكمه حكم المؤمن والرسول مثل المؤمن، سواء أكان يحمل الرسائل أو يمشي بين الفريقين المتقاتلين بالصلخ، أو يحاول وقف القتال لفترة يتيسر فيها نقل الجرحى والقتلى.
يقول الرسول الله ﷺ لرسولي مسيلمة: " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ".
أخرجه أحمد، وأبود داود من حديث نعيم بن مسعود (٢) .
وأوفدت قريش أبا رافع إلى رسول الله ﷺ ، فوقع الايمان في قلبه، فقال: يارسول الله لا أرجع إليهم، وأبقى معكم مسلما.
فقال الرسول الله ﷺ : " إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد فارجع إليهم آمنا، فإن وجدت بعد ذلك في قلبك ما فيه الان، فارجع إلينا ".
أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن حبان وصححه.
стр. 1450
وفي كتاب الخراج لابي يوسف والسير الكبير لمحمد: أنه إن اشترط للرسول شروط وجب على المسلمين أن يوفوا بها، ولا يصح لهم أن يغدروا برسل العدو، حتى ولو قتل الكفار رهائن المسلمين عندهم، فلا نقتل رسلهم لقول نبينا: " وفاء بغدر خير من غدر بغدر ".
المستأمن:
تعريفه: المستأمن هو الحربي الذي دخل دار الاسلام بأمان (١) دون نية الاستيطان بها والاقامة فيها بصفة مستمرة، بل يكون قصده إقامة مدة معلومة،
لا تزيد على سنة، فإن تجاوزها، وقصد الاقامة بصفة دائمة، فإنه يتحول إلى ذمي ويكون له حكم الذمي في تبعيته للدولة الاسلامية، ويتبع المستأمن في الامان، ويلحق به زوجته وأبناؤه الذكور القاصرون، والبنات جميعا، والام، والجدات، والخدم، ماداموا عائشين مع الحربي الذي أعطي الامان.
وأصل هذا قول الله : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنة " (٢) .
حقوقه:
وإذا دخل الحربي دار الاسلام بأمان، كان له حق المحافظة على نفسه وماله وسائر حقوقه ومصالحه، مادام مستمسكا بعقد الامان، ولم ينحرف عنه.
ولا يحل تقييد حريته، ولا القبض عليه مطلقا، سواء قصد به الاسر، أو قصد به الاعتقال، لمجرد أنهم رعايا الاعداء أو لمجرد قيام حالة الحرب بيننا وبينهم.
قال السرخسي: " أموالهم صارت مضمونة بحكم الامان، فلا يمكن أخذها بحكم الاباحة ".
стр. 1451
وحتى إذا عاد إلى دار الحرب فإنه يبطل الامان بالنسبة لنفسه، ويبقى بالنسبة لماله.
قال في المغني: " إذا دخل حربي دار الاسلام بأمان، فأودع ماله مسلما أو ذميا، أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا، فإن دخل تاجرا، أو رسولا، أو متنزها، أو لحاجة يقضيها، ثم يعود إلى دار الاسلام، فهو على أمانه في نفسه، وماله، لانه لم يخرج بذلك عن نية الاقامة في دار الاسلام، فأشبه الذمي لذلك، وإن دخل دار الحرب مستوطنا، بطل الامان في نفسه، وبقي في ماله، لانه بدخوله دار الاسلام بأمان، ثبت الامان لماله، فإذا بطل الامان في نفسه بدخوله دار الحرب، بقي في ماله، لاختصاص المبطل بنفسه، فيختص البطلان فيه.
الواجب عليه:
وعليه المحافظة على الامن والنظام العام، وعدم الخروج عليهما، بأن يكون عينا، أو جاسوسا، فإن تجسس على المسلمين لحساب الاعداء حل قتله إذ ذاك.
تطبيق حكم الاسلام عليه:
تطبق على المستأمن القوانين الاسلامية بالنسبة للمعاملات المالية، فيعقد عقد البيع وغيره من العقود حسب النظام الاسلامي، ويمنع من التعامل بالربا، لان ذلك محرم في الاسلام.
وأما بالنسبة للعقوبات، فإنه يعاقب بمقتضى الشريعة الاسلامية إذا اعتدى على حق مسلم.
وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمي، أو مستأمن مثله لان إنصاف المظلوم من الظالم وإقامة العدل من الواجبات التي لا يحل التساهل فيها.
وإذا كان الاعتداء على حق من حقوق الله مثل اقتراف جريمة الزنا فإنه يعاقب كما يعاقب المسلم، لان هذه جريمة من الجرائم التي تفسد المجتمع الاسلامي (١) .
стр. 1452
مصادرة ماله: ومال المستأمن لا يصادر إلا إذا حارب المسلمين، فأسر واسترق وصار عبدا، فإنه في هذه الحال تزول عنه ملكية ماله، لانه صار غير أهل للملكية. ولا يستحق الورثة، ولو كانوا في دار الاسلام شيئا، لان استحقاقهم يكون بالخلافة عنه، وهي لا تكون إلا بعد موته، وهو لم يمت، وماله في هذه الحال يئول إلى بيت مال المسلمين، على أنه من الغنائم.
وإذا كان له دين على بعض المسلمين أو الذميين، يسقط عن المدين لعدم وجود من يطالب به.
ميراثه: إذا مات المستأمن في دار الاسلام، أو في دار الحرب فإن ملكيته لماله لا تذهب عنه، وتنتقل إلى ورثته عند الجمهور، خلافا للشافعي.
وعلى الدولة الاسلامية أن تنقل ماله إلى ورثته، وترسله إليهم، فإن لم يكن له ورثة، كان ذلك المال فيئا للمسلمين.
العهود والمواثيق:
احترام العهود: ان احترام العهود والمواثيق واجب إسلامي، لما له من أثر طيب، ودور كبير في المحافظة على السلام، وأهمية كبرى في فض المشكلات وحل المنازعات وتسوية العلاقات.
وجاء في كلام العرب: " من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته.
وظهرت عدالته، ووجبت أخوته ".
وهذا حق، فإن حسن معاملة الناس، والوفاء لهم، والصدق معهم دليل كمال المروءة، ومظهر من مظاهر العدالة، وذلك يستوجب الاخوة والصداقة.
والله سبحانه يأمر بالوفاء بجميع العهود والالتزامات، سواء أكانت عهودا مع الله، أم مع الناس، فيقول:
стр. 1453
" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ". (١) وأي تقصير في الوفاء بهذا الامر يعتبر إثما كبيرا، يستوجب المقت والغضب: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون - كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " (٢) .
وكل ما يقطعه الانسان على نفسه من عهد، فهو مسئول عنه ومحاسب عليه: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا " (٣) .
وحق العهد مقدم على حق الدين:
" والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " (٤) والوفاء جزء من الايمان، يقول الرسول ﷺ : " إن حسن العهد من الايمان " (٥) .
وليس للوفاء جزاء إلا الجنة: " والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون - والذين هم على صلواتهم يحافظون - أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ".
(٦) ولقد كان الوفاء خلق الانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان
رسولا نبيا " (٧) .
وكان رسولنا ﷺ المثل الاعلى في هذا الخلق: قال عبد الله بن أبي الحمساء: بايعت رسول الله ﷺ ، ببيع قبل أن
стр. 1454
يبعث، وبقيت له بقية (١) فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال ﷺ : " يافتى لقد شققت علي، أنا ها هنا منذ ثلاث (٢) أنتظرك " وقد عاهد رسول الله ﷺ بعد الهجرة اليهود عهدا، أقرهم فيه على دينهم، وأمنهم على أموالهم، بشرط ألا يعينوا عليه المشركين، فنقضوا العهد، ثم اعتذروا، ثم رجعوا فنقضوه مرة أخرى، فأنزل الله عزوجل: " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون.
الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون " (٣) وعاهد ثعلبة ربه على أن يعطي كل ذي حق حقه إذا وسع الله عليه في الرزق، وأغناه من فضله.
فلما بسط الله له من رزقه، وأكثر له من المال والثروة، نقض العهد وبخل على عباد الله، فأنزل الله في حقه: " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا من وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " (٤) ولما حضرت الوفاة عبد الله بن عمر، قال: " إنه خطب إلي ابنتي رجل من قريش. وقد كان مني إليه شبه الوعد. فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي ".
وهو يشير بذلك إلى قول رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " (٥) .
стр. 1455
وفي التشنيع على الناقضين للعهود، يقول الله عزوجل: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون - ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة - إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون " (١) .
شروط العهود:
ويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الاتية:
١ - ألا تخالف حكما من الاحكام الشرعية المتفق عليها. يقول الرسول ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله (٢) فهو باطل، وإن كان مائة شرط ".
٢ - أن تكون عن رضا واختيار، فإن الاكراء يسلب الارادة، ولا احترام لعقد لم تتوفر فيه حريتها.
٣ - أن تكون بينة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض حتى لا تؤول تأويلا يكون مثارا للاختلاف عند التطبيق.
نقض العهود:
ولا تنقض العهود إلا في إحدي الحالات الاتية:
١ - إذا كانت مؤقتة بوقت، أو محددة بظرف معين، وانتهت مدتها، وانتهى ظرفها.
روى أبو داود والترمذي عن عمر بن عبسة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يجلن عهدا، ولا يشدنه، حتى
стр. 1456
يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء.
ويقول القرآن الكريم: " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين " (١) .
٢ - إذا أخل العدو بالعهد: " فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين " (٢) " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون.
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين " (٣) .
٣ - إذا ظهرت بوادر الغدر ودلائل الخيانة.
" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " (٤) الاعلام بالنقض تحرزا عن الغدر إذا علم الحاكم الخيانة ممن كان بينهم وبين المسلمين عهد فإنه لا تحل محاربتهم إلا بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغ خبره إلى القريب والبعيد حتى لا يؤخذوا على غرة.
يقول الله سبحانه في سورة الانفال: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " (٥) .
стр. 1457
وقاعدة الاسلام: " وفاء بغدر خير من غدر بغدر ".
قال محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير: " لو بعث أمير المسلمين إلى ملك الاعداء من يخبره بنبذ العهد عند تحقق سببه، فلا ينبغي للمسلمين أن يغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم، إلا بعد مضي الوقت الكافي لان يبعث الملك إلى تلك الاطراف خبر النبذ حتى لا نأخذهم على غرة، ومع ذلك إذا علم المسلمون يقينا أن القوم لم يأتهم خبر من قبل ملكهم فالمستحب لهم أن لا يغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ، لان هذا شبيه الخديعة..وكما على المسلمين أن يتحرزوا من الخديعة، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة ".
وحدث ان أهل قبرص أحدثوا حدثا عظيما في ولاية عبد الملك بن مروان فأراد نبذ عهدهم ونقض صلحهم، فاستشار الفقهاء في عصره، منهم: الليث بن سعد ومالك وأنس، فكتب الليث بن سعد: " إن أهل قبرص لا يزالون متهمين بغش أهل الاسلام ومناصحة أهل الاعداء " الروم " وقد قال الله تعالى: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ". وإني أرى أن تنبذ إليهم وإن تنظر هم سنة ".
أما مالك بن أنس فكتب في الفتيا يقول: " إن أمان أهل قبرص وعهدهم كان قديما متظاهرا من الولاة لهم، ولم أجد أحدا من الولاة نقض صحلهم، ولا أخرجهم من ديارهم، وأنا أرى أن لا تعجل بمنابذتهم حتى تتجه الحجة عليهم فإن الله يقول: " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ".
فإن لم يستقيموا بعد ذلك ويدعوا غشهم ورأيت الغدر ثابتا فيهم، أوقعت بهم بعد النبذ والاعذار فرزقت النصر ".
стр. 1458
من معاهدات الرسول ﷺ :
١ - ولقد عاهد النبي ﷺ بني ضمرة من قبائل العرب، وهذا نص ذلك العهد: " هذا كتاب محمد رسول الله لبني ضمرة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله، مابل بحر صوفة، وإن النبي " ﷺ " إذا دعاهم إلى النصرة أجابوه، عليهم بذلك ذمة رسوله، ولهم النصر من برمنهم واتقى ".
٢ - كما عاهد اليهود على حسن الجوار أول ما استقر به المقام بالمدينة، وفيما يلي نصها العهد: بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم (١) يتعاقلون (٢) بينهم، وهم يفدون عانيهم (٣) بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الحارث (من الخزرج) على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
стр. 1459
وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عمر بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وألا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة (٢) ظلم، أو إثما، أو عدوانا، أو فسادا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن.
وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
وأنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والاسوة (٣) غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
стр. 1460
وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم (١) .
وأن كل غازية غزت معنا يعقب (٢) بعضها بعضا.
وأن المؤمنين يبئ (٣) بعضهم على بعض.
بمال نال دماءهم في سبيل الله.
وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن.
وأنه من اعتبط (٤) مؤمنا قتلا عن بيئة فإنه قود به (٥) ، إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل، وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الاخر، أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل (٦) .
وأنكم مهما اختلفتم فيه من شئ، فإن مرده إلى الله وإلى محمد.
وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين (٧) .
وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتغ (٨) إلا نفسه وأهل بيته (٩) وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
стр. 1461
وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
وأن ليهود بني الاوس مثل ما ليهود بني عوف.
وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف.
إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
وأن جفنة - بطن من ثعلبة - كأنفسهم.
وأن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الاثم.
وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.
وأن بطانة يهود كأنفسهم.
وأنه لا يخرج منهم أحد ألا بإذن محمد.
وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم، وأن له على أبر هذا.
وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح، والنصيحة، والبر دون الاثم (١) .
وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم (٢) .
وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
وأن يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة.
وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
стр. 1462
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده،
وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
стр. 1463
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله " ﷺ " وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
وأنه لا تجار قريش، ولا من نصرها.
وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.
وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين.
على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
وأن يهود الاوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الاثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله " ﷺ " (١)
стр. 1464
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
قرآن كريم
стр. 1465
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الاولين والاخرين، سيدنا (محمد) وعلى آله ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو الجزء الثاني عشر من كتاب (فقه السنة) نقدمه للقراء الكرام، سائلين الله سبحانه أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
السيد سابق
стр. 1466
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأيمان
تعريفها:
الايمان: جمع يمين، وهو اليد المقابلة لليد اليسرى، وسمي بها الحلف لانهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لانها تحفظ الشئ كما تحفظه اليمين.
ومعنى اليمين في الشرع:
تحقيق الامر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته.
أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك.
واليمين والحلف والابلاء والقسم بمعنى واحد. اليمين لا تكون إلا بذكر الله أو صفة من صفاته: ولا يكون الحلف إلا بذكر اسم الله أو صفة من صفاته سواء أكانت صفات ذات أم صفات أفعال، كقوله: والله وعزة الله وعظمته وكبريائه وقدرته وإرادته وعلمه ... وكذا
стр. 1467
الحلف بالمصحف أو القرآن أو سورة أو آية منه:
وفي القرآن الكريم يقول الله سبحانه: (وفي السماء رزقكم وما توعدون. فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (١) .
ويقول: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين) (٢) .
وعن ابن عمر، ﵄ قال: كانت يمين النبي ﷺ : (لا، ومقلب القلوب) .
وعن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: (كان رسول الله، صلى الله ﷺ ، إذا اجتهد (٣) في الدعاء قال: (والذي نفس أبي القاسم بيده) رواه أبو داود.
(أيم الله وعمر الله وأقسمت عليك) قسم: (أيم الله يمين، لانها بمعنى: والله - أو: وحق الله.
стр. 1468
ويمين الله، يمين عند الاحناف والمالكية، لان معناها: أحلف بالله.
وقالت الشافعية: لا تكون يمينا إلا بالنية، فإن نوى الحالف اليمين انعقدت، وإن لم ينو لم تنعقد.
وعند أحمد: روايتان، أصحهما أنها تنعقد.
وعمر الله يمين عند الاحناف والمالكية، لانها بمعنى: وحياة الله وبقائه.
وقال الشافعي، ﵁ وأحمد وإسحاق: لا يكون يمينا إلا بالنية.
وكلمة أقسمت عليك - وأقسمت بالله، يرى بعض العلماء أنه يكون يمينا مطلقا، ويرى أكثرهم أنه لا يكون يمينا إلا بالنية.
وذهبت الشافعية إلى أن ما ذكر فيه اسم الله يكون يمينا.
وأن ما لم يذكر فيه اسم الله لا يكون يمينا، وإن نوى اليمين.
وقال مالك، ﵁: إن قال الحالف: أقسمت بالله كان يمينا، وإن قال: أقسمت أو أقسمت عليك، فإنه في هذه الصورة لا يكون يمينا إلا بالنية.
стр. 1469
الحلف بأيمان المسلمين:
سبق أن قلنا في الجزء الثامن من فقه السنة إن الحلف بأيمان المسلمين لا يلزم به شئ، ومن حلف فقال: إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج إلى بيت الله الحرام.
أو قال: إن فعلت كذا فالحلال علي حرام.
أو قال: إن فعلت كذا فكل ما أملكه صدقة.
فهذا وأمثاله فيه كفارة يمين متى حنث، وهو أظهر أقوال العلماء - وقيل: لا شئ فيه.
وقيل: إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به.
الحلف بأنه غير مسلم - أو الحلف بالبراءة من الاسلام: من حلف أنه يهودي أو نصراني أو أنه برئ من الله أو من رسوله ﷺ إن فعل كذا ففعله.
فقال جماعة من العلماء منهم الشافعي: ليس هذا بيمين ولا كفارة عليه، لان النصوص اقتصرت على التهديد والزجر الشديد.
وروى أبو داود والنسائي عن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (من حلف فقال: إني برئ من الاسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال (١) . وإن كان صادقا
стр. 1470
فلن يرجع إلى الاسلام سالما) (١) .
وعن ثابت بن الضحاك أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير ملة الاسلام فهو كما قال) .
وذهب الاحناف وأحمد وإسحاق وسفيان والاوزاعي: إلى أنه يمين، وعليه الكفارة إن حنث.
الحلف بغير الله محظور:
وإذا كانت اليمين لا تكون إذا بذكر اسم الله أو ذكر صفة من صفاته، فإنه يحرم الحلف بغير ذلك، لان الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، والله وحده هو المختص بالتعظيم.
فمن حلف بغير الله فأقسم بالنبي أو الولي أو الأب أو الكعبة أو ما شابه ذلك، فإن يمينه لا تنعقد، ولا كفارة عليه إذا حنث.
وأثم بتعظيمه غير الله.
١ - عن ابن عمر، ﵄ أن النبي ﷺ أدرك عمر ﵁ في ركب وهو يحلف
стр. 1471
بأبيه، فناداهم الرسول ﷺ : (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.
قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها. ذاكرا ولا آثرا) (١) .
٢ - وسمع ابن عمر، ﵄ رجلا يحلف: لا، والكعبة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك) .
٣ - وعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى: فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق) (٢) .
٤ - وعند أبي داود (من حلف بالامانة فليس منا) أي ليس على طريقتنا.
стр. 1472
- وقال ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد - أي الاصنام - ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة.
الحلف بغير الله دون تعظيم المحلوف به:
جاء النهي عن الحلف بغير الله إذا كان يقصد بذكره التعظيم، كالحالف بالله يقصد بذكره تعظيمه.
أما إذا لم يقصد التعظيم، بل قصد تأكيد الكلام فهو مكروه من أجل المشابهة، ولانه يشعر بتعظيم غير الله.
وقد قال الرسول ﷺ للاعرابي: (أفلح وأبيه) .
قال البيهقي: إن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد.
وأيد النووي هذا الرأي وقال: إنه هو الجواب المرضي.
قسم الله بالمخلوقات:
كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم فيلقون إليه السمع مصغين، لانهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به، وأنه أقسم ليؤكد كلامه.
стр. 1473
وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة، منها القرآن، كقوله تعالى: (والقرآن المجيد) .
ومنها بعض المخلوقات مثل: (والشمس وضحاها) (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى) .
وإنما كان ذلك لحكم كثيرة في المقسم به والمقسم عليه.
من هذه الحكم: لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الاشياء بالقسم بها، والحث على تأملها، حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها.
فقد أقسم بالقرآن لبيان أنه كلام الله حقا وبه كل أسباب السعادة.
وأقسم بالملائكة لبيان أنهم عباد الله خاضعون له، وليسوا بآلهة يعبدون.
وأقسم بالشمس والقمر والنجوم لما فيها من الفوائد والمنافع، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها، وأن لها خالقا وصانعا حكيما، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه.
وأقسم بالريح. والطور. والقلم. والسماء ذات البروج.
стр. 1474
إذ أن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر.
أما المقسم عليه فأهمه: وحدانية الله، ورسالة النبي ﷺ ، وبعث الاجساد مرة أخرى، ويوم القيامة.
لان هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس.
والقسم بالمخلوقات مما اختص الله به.
أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله أو بصفة من صفاته على النحو المتقدم ذكره.
شرط اليمين وركنها:
ويشترط في اليمين: العقل.
والبلوغ.
والاسلام.
وإمكان البر.
والاختيار.
فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه.
وركنها: اللفظ المستعمل فيها.
حكم اليمين:
وحكم اليمين أن يفعل الحالف المحلوف به فيكون بارا.
أو لا يفعله فيحنث، وتجب الكفارة.
أقسام اليمين:
تنقسم الايمان أقساما ثلاثة:
стр. 1475
١ - اليمين اللغو.
٢ - اليمين المنعقدة.
٣ - اليمين الغموس.
اليمين اللغو وحكمها:
ويمين اللغو: هي الحلف من غير قصد اليمين، كان يقول المرء: والله لتأكلن، أو لتشربن، أو لتحضرن. ونحو ذلك.
لا يريد به يمينا ولا يقصد به قسما، فهو من سقط القول.
فعن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: أنزلت هذه الاية: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) .
في قول الرجل: لا والله. وبلى والله. وكلا والله. رواه البخاري مسلم وغيرهما.
وقال مالك، ﵁، والاحناف، والليث، والاوزاعي: لغو اليمين أن يحلف على شئ يظن صدقه، فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ.
وعند أحمد، ﵁ روايتان كالمذهبين.
وحكم هذا اليمين: أنه لا كفارة فيه، ولا مؤاخذة عليه.