← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بأبيه، فناداهم الرسول ﷺ : (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها. ذاكرا ولا آثرا) (١) . ٢ - وسمع ابن عمر، ﵄ رجلا يحلف: لا، والكعبة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك) . ٣ - وعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى: فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق) (٢) . ٤ - وعند أبي داود (من حلف بالامانة فليس منا) أي ليس على طريقتنا.

стр. 1472

- وقال ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد - أي الاصنام - ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة. الحلف بغير الله دون تعظيم المحلوف به: جاء النهي عن الحلف بغير الله إذا كان يقصد بذكره التعظيم، كالحالف بالله يقصد بذكره تعظيمه. أما إذا لم يقصد التعظيم، بل قصد تأكيد الكلام فهو مكروه من أجل المشابهة، ولانه يشعر بتعظيم غير الله. وقد قال الرسول ﷺ للاعرابي: (أفلح وأبيه) . قال البيهقي: إن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد. وأيد النووي هذا الرأي وقال: إنه هو الجواب المرضي. قسم الله بالمخلوقات: كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم فيلقون إليه السمع مصغين، لانهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به، وأنه أقسم ليؤكد كلامه.

стр. 1473

وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة، منها القرآن، كقوله تعالى: (والقرآن المجيد) . ومنها بعض المخلوقات مثل: (والشمس وضحاها) (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى) . وإنما كان ذلك لحكم كثيرة في المقسم به والمقسم عليه. من هذه الحكم: لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الاشياء بالقسم بها، والحث على تأملها، حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها. فقد أقسم بالقرآن لبيان أنه كلام الله حقا وبه كل أسباب السعادة. وأقسم بالملائكة لبيان أنهم عباد الله خاضعون له، وليسوا بآلهة يعبدون. وأقسم بالشمس والقمر والنجوم لما فيها من الفوائد والمنافع، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها، وأن لها خالقا وصانعا حكيما، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه. وأقسم بالريح. والطور. والقلم. والسماء ذات البروج.

стр. 1474

إذ أن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر. أما المقسم عليه فأهمه: وحدانية الله، ورسالة النبي ﷺ ، وبعث الاجساد مرة أخرى، ويوم القيامة. لان هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس. والقسم بالمخلوقات مما اختص الله به. أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله أو بصفة من صفاته على النحو المتقدم ذكره. شرط اليمين وركنها: ويشترط في اليمين: العقل. والبلوغ. والاسلام. وإمكان البر. والاختيار. فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه. وركنها: اللفظ المستعمل فيها. حكم اليمين: وحكم اليمين أن يفعل الحالف المحلوف به فيكون بارا. أو لا يفعله فيحنث، وتجب الكفارة. أقسام اليمين: تنقسم الايمان أقساما ثلاثة:

стр. 1475

١ - اليمين اللغو. ٢ - اليمين المنعقدة. ٣ - اليمين الغموس. اليمين اللغو وحكمها: ويمين اللغو: هي الحلف من غير قصد اليمين، كان يقول المرء: والله لتأكلن، أو لتشربن، أو لتحضرن. ونحو ذلك. لا يريد به يمينا ولا يقصد به قسما، فهو من سقط القول. فعن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: أنزلت هذه الاية: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) . في قول الرجل: لا والله. وبلى والله. وكلا والله. رواه البخاري مسلم وغيرهما. وقال مالك، ﵁، والاحناف، والليث، والاوزاعي: لغو اليمين أن يحلف على شئ يظن صدقه، فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ. وعند أحمد، ﵁ روايتان كالمذهبين. وحكم هذا اليمين: أنه لا كفارة فيه، ولا مؤاخذة عليه.

стр. 1476

اليمين المنعقدة وحكمها: واليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، فهي يمين متعمدة مقصودة، وليست لغوا يجري على اللسان بمقتضى العرف والعادة. وقيل: اليمين المنعقدة هي أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله. وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث. يقول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم) (١) . ويقول: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) . (٢)

стр. 1477

اليمين الغموس وحكمها: واليمين الغموس وتسمى أيضا: الصابرة - وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة. وهي كبيرة من كبائر الاثم - ولا كفارة فيها (١) - لانها أعظم من أن تكفر، وسميت غموسا لانها تغمس صاحبها في نار جهنم. وتجب التوبة منها. ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع هذه الحقوق. يقول الله سبحانه: (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم. فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) (٢) . ١ - وروى أحمد، ﵁ وأبو الشيخ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، ويمين صابرة يقطع بها مالا

стр. 1478

بغير حق) . ٢ - وروى البخاري عن عبد الله بن عمر، ﵄، أن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الاشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) . ٣ - وروى أبو داود عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين مصبورة (١) كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار) .

стр. 1479

التقاضي. قال النووي: إن اليمين على نية الحالف في كل الاحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فهي على نية القاضي أو نائبه، ولا تصح التورية هنا وتصح في كل حال، ولا يحنث بها وإن كانت للباطل حراما. والدليل على أن العبرة بنية الحالف إلا إذا حلفه غيره، ما رواه أبو داود وابن ماجه عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد النبي ﷺ ومعنا وائل ابن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا النبي ﷺ ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي. قال: (صدقت، المسلم أخو المسلم) . والدليل على أن العبرة بنية المستحلف إذا استحلف على شئ، ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (اليمين على نية المستحلف) . وفي رواية: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) . والصاحب هو المستحلف، وهما طالبا اليمين.

стр. 1480

لا حنث مع النسيان أو الخطأ: من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا أو خطأ فإنه لا يحنث لقول الرسول ﷺ : - (إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . والله يقول: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) (١) . يمين المكره غير لازمة: لا يلزم الوفاء باليمين التي يكره المرء عليها، ولا يأثم إذا حنث (٢) فيها للحديث المتقدم، ولان المكره مسلوب الارادة، وسلب الارادة يسقط التكليف. ولهذا ذهب الائمة الثلاثة إلى أن يمين المكره لا تنعقد، خلافا لابي حنيفة. الاستثناء في اليمين: من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه. فعن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه) .

стр. 1481

رواه أحمد وغيره، وصححه ابن حبان. تكرار اليمين: إذا كرر اليمين على شئ واحد أو على أشياء وحنث فقال أبو حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد: يلزم بكل يمين كفارة. وعند الحنابلة، أن من لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة، لانها كفارات من جنس واحد. وإن اختلف موجب الايمان، وهو الكفارة، كظهار ويمين بالله لزمته الكفارتان ولم تتداخلا. كفارة اليمين: تعريف الكفارة: الكفارة صيغة مبالغة من الكفر، وهو الستر، والمقصود بها هنا الاعمال التي تكفر بعض الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الاخرة. والذي يكفر اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف: ١ - الاطعام ٢ - الكسوة ٣ - العتق

стр. 1482

على التخيير. فمن لم يستطع فليصم ثلاثة أيام. وهذه الثلاثة مرتبة ترتيبا تصاعديا - أي تبدأ من الادنى للاعلى، ف الاطعام أدناها، والكسوة أوسطها، والعتق أعلاها. يقول الله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) (١) حكمة الكفارة: الحنث خلف وعدم وفاء، فتجب الكفارة جبرا لهذا. الإطعام: لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه، وكل ما كان كذلك يرجع فيه إلى التقدير بالعرف، فيكون الطعام مقدرا بقدر ما يطعم منه الانسان أهل بيته غالبا - لا من الاعلى الذي يتوسع به في المواسم والمناسبات، ولا من الادنى الذي يطعمه في بعض الاحيان.

стр. 1483

فلو كانت عادة الانسان الغالبة في بيته أكل اللحم والخضروات وخبز البر فلا يجزئ ما دونه، وإنما يجزئ ما كان مثله وأعلى منه، لان المثل وسط، والاعلى فيه الوسط وزيادة. وهذا مما يختلف باختلاف الافراد والبلاد. وقد كان الامام مالك، ﵁، يرى أن المد يجزئ في المدينة، قال: وأما البلدان فلهم عيش غير عيشنا، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم، لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) . وهذا مذهب داود وأصحابه. واشترط الفقهاء أن يكون العشرة المساكين من المسلمين إلا أبا حنيفة، فإنه جوز دفعها إلى فقراء أهل الذمة. ولو أطعم مسكينا عشرة أيام، فإنه يجزئ عن عشرة مساكين عند أبي حنيفة. وقال غيره: يجزئ عن مسكين واحد. وإنما تجب كفارة الاطعام على المستطيع، وهو من يجد ذلك فاضلا عن نفقته ونفقة من يعول. وقدر بعض العلماء الاستطاعة بوجود خمسين درهما

стр. 1484

عنده كما قال قتادة، أو عشرين كما قاله النخعي. الكسوة: وهي اللباس. ويجزئ منها ما يسمى كسوة. وأقل ذلك ما يلبسه المساكين عادة - لان الاية لم تقيدها بالاوسط، أو بما يلبسه الاهل، فيكفي القميص السابغ (جلابية) مع السراويل. كما تكفي العباءة أو الازار والرداء. ولا يجزئ فيها القلنسوة أو العمامة أو الحذاء أو المنديل أو المنشفة. وعن الحسن وابن سيرين: أن الواجب ثوبان، ثوبان. وعن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. وعن عطاء، وطاووس، والنخعي: ثوب جامع كالملحفة والرداء. وعن ابن عباس، ﵁: عباءة لكل مسكين أو شملة. وقال مالك وأحمد، ﵄: يدفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأة، كل بحسبه.

стр. 1485

تحرير الرقبة: أي إعتاق الرقيق وتحريره من العبودية، ولو كان كافرا، عملا بإطلاق الاية عند أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر. واشترط الجمهور الايمان، حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل والظهار، إذ تقول الاية: (فتحرير رقبة مؤمنة) (١) . الصيام عند عدم الاستطاعة: فمن لم يستطع واحدة من هذه الثلاث، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. فإن لم يستطع لمرض أو نحوه - ينوي الصيام عند الاستطاعة، فإن لم يقدر، فإن عفو الله يسعه. ولا يشترط التتابع في الصوم. فيجوز صيامها متتابعة، كما يجوز صيامها متفرقة. وما ذكره الحنفية، والحنابلة - من اشتراط التتابع - غير صحيح. فقد استدلوا بقراءة جاء فيها كلمة (متتابعات) وهي قراءة شاذة ولا يستدل بالقراءة الشاذة، لانها ليست قرآنا - ولم تصح هنا حديثا حتى تكون تفسيرا من النبي

стр. 1486

صلى الله عليه وسلم، للاية. إخراج القيمة: اتفق الائمة الثلاثة على أن كفارة اليمين لا يجزئ فيها إخراج القيمة عن الاطعام والكسوة. وأجاز ذلك أبو حنيفة، ﵁. الكفارة قبل الحنث وبعده: اتفق العلماء على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، واختلفوا في جواز تقديمها عليه. فجمهور الفقهاء يرى أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وتأخيرها عنه، ففي الحديث عند مسلم وأبي داود والترمذي: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل) . (١) ففي هذا الحديث جواز تقديم الكفارة على الحنث. وإذا تقدمت الكفارة على الحنث كان الشروع في الحنث غير شروع في الاثم، إذ تقديم الكفارة يجعل الشئ المحلوف عليه مباحا. وعند مسلم أيضا ما يفيد جواز تأخير الكفارة لقول الرسول ﷺ : (من حلف على يمين فرأى

стр. 1487

غيرها خيرا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه) . قال هؤلاء: ومن قدم الحنث كان شارعا في معصية، وقد يموت قبل أن يتمكن من الكفارة، ولعل هذه هي حكمة إرشاد الرسول ﷺ إلى تقديم الكفارة. ويرى أبو حنيفة أن الكفارة لا تصح إلا بعد الحنث، لتحقق موجبها حينئذ. وقوله ﷺ : (فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير) . معناه عنده: فليقصد أداء الكفارة، كقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) (١) أي إذا أردت. والاول أرجح. جواز الحنث للمصلحة: الاصل أن يفي الحالف باليمين. ويجوز له العدول عن الوفاء، إذا رأى في ذلك مصلحة راجحة. يقول الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا

стр. 1488

وتصلحوا بين الناس) (١) . أي لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من البر والتقوى والاصلاح. ويقول عزوجل: (قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم) (٢) . أي شرع الله لكم تحليل الايمان بعمل الكفارة. روى أحمد والبخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك) . أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه: وعلى هذا يمكن تقسيم اليمين باعتبار المحلوف عليه إلى الاقسام الاتية: ١ - أن يحلف على فعل واجب أو ترك محرم، فهذا يحرم الحنث فيه، لانه تأكيد لما كلفه الله به من عبادة. ٢ - أن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم. فهذا

стр. 1489

يجب الحنث فيه لانه حلف على معصية، كما تجب الكفارة. ٣ - أن يحلف على فعل مباح، أو تركه. فهذا يكره فيه الحنث ويندب البر. ٤ - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه. فالحنث مندوب، ويكره التمادي فيه. وتجب الكفارة. ٥ - أن يحلف على فعل مندوب. أو ترك مكروه، فهذا طاعة لله. فيندب له الوفاء، ويكره الحنث.

стр. 1490

النذر معناه: النذر هو التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع بلفظ يشعر بذلك، مثل أن يقول المرء: لله علي أن أتصدق بمبلغ كذا، أو إن شفى الله مريضي فعلي صيام ثلاثة أيام ونحو ذلك. ولا يصح إلا من بالغ عاقل مختار ولو كان كافرا. النذر عبادة قديمة: ذكر الله سبحانه عن أم مريم أنها نذرت ما في بطنها لله فقال: - (إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) (١) .

стр. 1491

وأمر الله مريم به فقال: (فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) (١) . النذر في الجاهلية: وذكر الله عن أهل الجاهلية ما كانوا يتقربون به إلى آلهتهم من نذور، طلبا لشفاعتهم عند الله، وليقربوهم إليه زلفى فقال: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون) (٢) . مشروعيته في الإسلام: وهو مشروع بالكتاب والسنة، ففي الكتاب يقول الله سبحانه: (وما أنفقتم مننفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه) (٣) .

стр. 1492

ويقول: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) (١) . ويقول: (يوفون (٢) بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) (٣) وفي السنة يقول الرسول ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) . رواه البخاري ومسلم عن عائشة. والاسلام وإن كان قد شرعه إلا أنه لا يستحبه، فعن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل. رواه البخاري ومسلم. متى يصح ومتى لا يصح: يصح النذر وينعقد إذا كان قربة يتقرب بها إلى الله

стр. 1493

سبحانه ويجب الوفاء به. ولا يصح إلا نذر أن يعصي الله، ولا ينعقد. كالنذر على القبور وعلى أهل المعاصي، وكأن ينذر أن يشرب الخمر أو يقتل أو يترك الصلاة أو يؤذي والديه. فإن نذر ذلك لا يحب الوفاء به بل يحرم عليه أن يفعل شيئا من ذلك ولا كفارة عليه (١) لان النذر لم ينعقد بقول الرسول ﷺ : (لا نذر في معصية) (٢) وقيل: (٣) تجب الكفارة زجرا له وتغليظا عليه. النذر المباح: سبق أن ذكرنا أنه يصح النذر إذا كان قربة، ولا يصح إذا كان معصية. وأما النذر مباح مثل أن يقول: لله علي أن أركب هذا القطار أو ألبس هذا الثوب، فقد قال جمهور العلماء: ليس هذا بنذر ولا يلزم به شئ. روى أحمد أن النبي ﷺ نظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال: ما شأنك؟ قال: نذرت أن لا أزال في الشمس

стр. 1494

حتى يفرغ رسول الله ﷺ من الخطبة. فقال الرسول: (ليس هذا بنذر، إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله) . وقال أحمد: ينعقد، والناذر يخير بين الوفاء وبين تركه، وتلزمه الكفارة إذا تركه. ورجح هذا صاحب الروضة الندية فقال: النذر المباح يصدق عليه مسمى النذر، فيدخل تحت العمومات المتضمنة للامر بالوفاء به، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود: (أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: أوفي بنذرك) وضرب الدف إذا لم يكن مباحا فهو إما مكروه أو أشد من المكروه، ولا يكون قربة أبدا. فإن كان مباحا فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح، وإن كان مكروها فالاذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالاولى. النذر المشروط وغير المشروط: والنذر قد يكون مشروطا، وقد يكون غير مشروط. فالاول: هو التزام قربة عند حدوث نعمة أو دفع نقمة. مثل: إن شفى الله مريضي فعلي إطعام ثلاثة مساكين، أو: إن حقق الله أملي في كذا فعلي كذا. فهذا يلزم الوفاء به عند

стр. 1495

حصول المطلوب. والثاني: النذر المطلق، وهو أن يلتزم ابتداء بدون تعليق على شئ، مثل: لله علي أن أصلي ركعتين. فهذا يلزم الوفاء به، لدخوله تحت قوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) . النذر للاموات: وفي كتب الاحناف: أن النذر الذي يقع للاموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الاولياء الكرام تقربا إليهم، كأن يقول: يا سيدي فلان، إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا، فهو بالاجماع باطل وحرام لوجوه، منها: ١ - أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لانه عبادة، وهي لا تكون إلا لله. ٢ - أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ٣ - أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الامور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر والعياذ بالله. اللهم إلا أن يقول: يا ألله، إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء

стр. 1496

الذين بباب الولي الفلاني، أو أشتري حصرا لمسجد أو زيتا لوقوده أو دارهم لمن يقوم بشعائره ... إلى غير ذلك مما فيه نفع للفقراء والنذر لله عزوجل. وذكر الولي إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده. فيجوز بهذا الاعتبار. ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني ولا لشريف ولا لذي منصب أو ذي نسب أو علم ما لم يكن فقيرا. ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للاغنياء. نذر العبادة بمكان معين: ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا في مكان بعينه، فإن كان للمكان المتعين مزية في الشرع كالصلاة في المساجد الثلاثة: لزم الوفاء به، وإلا لم يتعين بالنذر الذي أمر الله بالوفاء به. وهذا مذهب الشافعية، قالوا: وإذا نذر إنسان التصدق بشئ على أهل بلد معين لزمه ذلك وفاء بالتزامه، ولو نذر صوما في بلد لزمه الصوم لانه قربة ولم يتعين مكان الصوم في ذلك البلد، فله الصوم في غيره. ولو نذر صلاة في بلدة لم يتعين لها ويصلي في غيرها

стр. 1497

لانها لا تختلف باختلاف الامكنة إلا المسجد الحرام أي الحرم كله ومسجد المدينة ومسجد الاقصى، إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد، فيتعين لعظم فضلها، إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد، فيتعين لعظم فضلها، لقوله ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى) . واستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر. وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت النبي، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أذبح كذا وكذا، لمكان يذبح فيه أهل الجاهلية. قال: لصنم؟ قالت: لا. قال: لوثن؟ قالت: لا. قال: أوفي بنذرك) . وقال الاحناف: من قال: (لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا أو أتصدق على فقراء بلد كذا) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه، لان المقصود من النذر هو التقرب إلى الله عزوجل، وليس لذات المكان دخل في القرية. وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام فأداها في مكان أقل منه شرفا أو فيما لا شرف له أجزأه عندهم، لان المقصود هو القربة إلى الله تعالى، وذلك يتحقق في أي مكان.

стр. 1498

النذر لشيخ معين: ومن نذر لشيخ معين فإن كان حيا وقصد الناذر الصدقة عليه لفقره وحاجته أثناء حياته كان ذلك النذر صحيحا، وهذا من باب الاحسان الذي حبب فيه الاسلام. ولو كان ميتا وقصد الناذر الاستغاثة به وطلب قضاء الحاجات منه، فإن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به. من نذر صوما وعجز عنه: من نذر صوما مشروعا وعجز عن الوفاء به لكبر سن أو لوجود مرض لا يرجى برؤه ... كان له أن يفطر ويكفر كفارة يمين أو يطعم عن كل يوم مسكينا. وقيل: يجمع بينهما احتياطا. الحلف بالصدقة بالمال: من حلف بأن يتصدق بماله كله أو قال: مالي في سبيل الله. فهو من نذر اللجاج وفيه كفارة يمين، وعليه الشافعي، وقال مالك: يخرج ثلث ماله. وقال أبو حنيفة: ينصرف ذلك إلى كل ما تجب فيه الزكاة من عينه من المال، دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها.

стр. 1499

كفارة النذر: إذا حنث الناذر أو رجع عن نذره لزمته كفارة يمين. روى عقبة بن عامر أن النبي، ﷺ ، قال: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح غريب. من مات وعليه نذر صيام: روى ابن ماجه أن امرأة سألت النبي ﷺ فقالت: إن أمي توفيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: (ليصم عنها الولي) .

стр. 1500

البيع التبكير في طلب الرزق: روي الترمذي عن صخر الغامدي أن النبي ﷺ قال: (اللهم بارك لامتي في بكورها) (١) . قال: (وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجارة بعث أول النهار، فأثرى وكثر ماله) . الكسب الحلال: عن علي، كرم الله وجهه، أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يحب أن يرى عبده. يعني في طلب الحلال) ، رواه الطبراني والديلمي. وعن مالك بن أنس، ﵁، أن رسول الله

стр. 1501

صلى الله عليه وسلم قال: (طلب الحلال واجب على كل مسلم) . رواه الطبراني. قال المنذري: وإسناده حسن إن شاء الله. وعن رافع بن خديج أنه قيل: يا رسول الله، أي الكسب أطيب؟ (١) قال: (عمل المرء بيده، وكل بيع مبرور) (٢) . رواه أحمد والبزاز. ورواه الطبراني عن ابن عمر بسند رواته ثقات. وجوب العلم بأحكام البيع والشراء: يجب على كل من تصدى للكسب أن يكون عالما بما يصححه ويفسده لتقع معاملته صحيحة، وتصرفاته بعيدة عن الفساد. فقد روي أن عمر، ﵁، كان يطوف بالسوق ويضرب بعض التجار بالدرة، ويقول: (لا يبع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا، شاء أم أبى) . وقد أهمل كثير من المسلمين الان تعلم المعاملة وأغفلوا

стр. 1502

هذه الناحية وأصبحوا لا يبالون بأكل الحرام مهما زاد الربح وتضاعف الكسب. وهذا خطأ كبير يجب أن يسعى في درئه كل من يزاول التجارة، ليتميز له المباح من المحظور، ويطيب له كسبه ويبعد عن الشبهات بقدر الامكان. قال رسول الله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) . فليتنبه لهذا من يريد أن يأكل حلالا ويكسب طيبا ويفوز بثقة الناس ورضي الله. عن النعمان بن بشير أن النبي، ﷺ ، قال: (الحلال بين (١) والحرام بين (٢) وبينهما أمور مشتبهة (٣) ، فمن ترك ما يشتبه عليه من الاثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك أن يواقع ما استبان. والمعاصي حمى الله. من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) .

стр. 1503

رواه البخاري ومسلم. معنى البيع: البيع معناه لغة: مطلق المبادلة. ولفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على ما يطلق عليه الاخر، فهما من الالفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة. ويراد بالبيع شرعا مبادلة مال بمال (١) على سبيل التراضي أو نقل ملك (٢) بعوض (٣) على الوجه المأذون (٤) فيه. مشروعيته: البيع مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الامة. أما الكتاب فيقول الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) (٥) . وأما السنة: فلقول رسول الله، ﷺ : (أفضل الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) (٦)

стр. 1504

وقد أجمعت الامة على جواز البيع والتعامل به من عهد رسول الله، ﷺ ، إلى يومنا هذا. حكمته: شرع الله البيع توسعة منه على عباده، فإن لكل فرد من أفراد النوع الانساني ضرورات من الغذاء والكساء وغيرها مما لا غنى للانسان عنه ما دام حيا، وهو لا يستطيع وحده أو يوفرها لنفسه لانه مضطر إلى جلبها من غيره. وليس ثمة طريقة أكمل من المبادلة، فيعطي ما عنده مما يمكنه الاستغناء عنه بدل ما يأخذه من غيره مما هو في حاجة إليه. أثره: إذا تم عقد (١) البيع واستوفى أركانه وشروطه ترتب عليه نقل ملكية البائع للسلعة إلى المشتري، ونقل ملكية المشتري للثمن إلى البائع، وحل لكل منهما التصرف فيما انتقل ملكه إليه بكل نوع من أنواع التصرف المشروع. أركانه وينعقد بالايجاب (٢) والقبول، ويستثنى من ذلك

стр. 1505

الشئ الحقير، فلا يلزم فيه إيجاب وقبول، وإنما يكتفى فيه بالمعاطاة، ويرجع في ذلك إلى العرف وما جرت به عادات الناس غالبا. ولا يلزم في الايجاب والقبول ألفاظ معينة، لان العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالالفاظ والمباني. والعبرة في ذلك بالرضى (١) بالمبادلة، والدلالة على الاخذ والاعطاء، أو أي قرينة دالة على الرضى ومنبئة عن معنى التملك والتمليك، كقول البائع: بعت أو أعطيت أو ملكت، أو هو لك، أو هات الثمن. وكقول المشتري: اشتريت أو أخذت أو قبلت أو رضيت أو، خذ الثمن. شروط الصيغة: ويشترط في الايجاب والقبول، وهما صيغة العقد: أولا: أن يتصل كل منهما بالاخر في المجلس دون أن يحدث بينهما مضر.

стр. 1506

ثانيا: وأن يتوافق الايجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن، فلو اختلفا لم ينعقد البيع. فلو قال البائع: بعتك هذا الثوب بخمسة جنيهات، فقال المشتري: قبلته بأربعة، فإن البيع لا ينعقد بينهما لاختلاف الايجاب عن القبول. ثالثا: وأن يكون بلفظ الماضي مثل أن يقول البائع: بعت، ويقول المشتري: قبلت. أو بلفظ المضارع إن أريد به الحال، مثل: أبيع وأشتري، مع إرادة الحال. فإذا أراد به المستقبل أو دخل عليه ما يمحضه للمستقبل كالسين وسوف ونحوهما كان ذلك وعدا بالعقد. والوعد بالعقد لا يعتبر عقدا شرعيا. ولهذا لا يصح العقد. العقد بالكتابة: وكما ينعقد البيع بالايجاب والقبول ينعقد بالكتابة بشرط أن يكون كل من المتعاقدين بعيدا عن الاخر، أو يكون العاقد بالكتابة أخرس لا يستطيع الكلام، فإن كانا في مجلس واحد، وليس هناك عذر يمنع من الكلام فلا ينعقد بالكتابة، لانه لا يعدل عنا لكلام، وهو أظهر أنواع الدلالات، إلى غيره إلا حينما يوجد سبب حقيقي

стр. 1507

يقتضي العدول عن الالفاظ إلى غيرها. ويشترط لتمام العقد أن يقبل من كتب إليه في مجلس قراءة الخطاب. عقد بواسطة رسول: وكما ينعقد العقد بالالفاظ والكتابة ينعقد بواسطة رسول من أحد المتعاقدين إلى الاخر بشرط أن يقبل المرسل إليه عقب الاخبار. ومتى حصل القبول في هاتين الصورتين تم العقد، ولا يتوقف على علم الموجب بالقبول. عقد الاخرس: وكذلك ينعقد بالاشارة المعروفة من الاخرس، لان إشارته المعبرة عما في نفسه كالنطق باللسان سواء بسواء. ويجوز للاخرس أن يعقد بالكتابة بدلا عن الاشارة إذا كان يعرف الكتابة. وما اشترطه بعض الفقهاء من التزام ألفاظ معينة لم يجئ بما قالوا فيه كتاب ولا سنة. شروط البيع: لابد من أن يتوافر في البيع شروط حتى يقع صحيحا، وهذه الشروط: منها ما يتصل بالعاقد، ومنها ما يتصل بالمعقود عليه،

стр. 1508

أو محل التعاقد، أي المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الاخر، ثمنا أو مثمنا، أي مبيعا (١) . شروط العاقد: أما العاقد فيشترط فيه العقل والتمييز فلا يصح عقد المجنون ولا السكران ولا الصبي غير المميز. فإذا كان المجنون يفيق أحيانا ويجن أحيانا كان ما عقده عند الافاقة صحيحا وما عقده حال الجنون غير صحيح. والصبي المميز عقده صحيح، ويتوقف على إذن الولي، فإن أجازه كان معتدا به شرعا. شروط المعقود عليه: وأما المعقود عليه فيشترط في ستة شروط: ١ - طهارة العين. ٢ - الانتفاع به. ٣ - ملكية العاقد له. ٤ - القدرة على تسليمه. ٥ - العلم به. ٦ - كون المبيع مقبوضا.

стр. 1509

وتفصيل ذلك فيما يأتي: ١ - الاول: أن يكون طاهر العين، لحديث جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام. فقيل: يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويتصبح بها الناس. فقال: لا، هو حرام. والضمير يعود إلى البيع، بدليل أن البيع هو الذي نعاه الرسول على اليهودي في الحديث نفسه. وعلى هذا يجوز الانتفاع بشحم الميتة بغير البيع فيدهن بها الجلود ويستضاء بها وغير ذلك مما لا يكون أكلا أو يدخل في بدن الادمي. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: (في قوله ﷺ (حرام) قولان: أحدهما: أن هذه الافعال حرام. والثاني: أن البيع حرام. وإن كان المشتري يشتريه لذلك.

стр. 1510

والقولان مبنيان على أن السؤال: هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور، أو عن الانتفاع المذكور؟ والاول اختاره شيخنا. وهو الاظهر. لانه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع فأخبروه أنهم يبيعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور، ولا تلازم بين عدم جواز البيع وحل المنفعة) اه. ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه (١) ثم باعوه وأكلوا ثمنه) . والعلة في تحريم بيع الثلاثة الاولى، هي النجاسة عند جمهور العلماء، (٢) فيتعدى ذلك إلى كل نجس. والظاهر أن تحريم بيعها لانها تسلب الانسان أعظم مواهب الله له وهو العقل فضلا عن أضرارها الاخرى التي أشرنا إليها في الجزء التاسع. وأما الخنزير فمع كونه نجسا إلا أن به ميكروبات ضارة لا تموت بالغلي وهو يحمل الدودة الشريطية التي تمتص الغذاء النافع من جسم الانسان. وأما تحريم بيع الميتة فلانها غالبا ما يكون موتها نتيجة أمراض فيكون تعاطيها مضرا بالصحة، فضلا عن كونها مما تعافه النفوس. وما يموت فجأة من الحيوانات فإن الفساد يتسارع إليه لاحتباس الدم فيه. والدم أصلح بيئة لنمو الميكروبات التي قد لا تموت بالغلي. ولذلك حرم الدم المسفوح أكله وبيعه لنفس الاسباب.
следующие страницы →