(نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة) أخرجه البيهقي.
قال ابن قدامة: (إن بيع العصير لمن يعتقد أن يتخذه خمرا محرم، إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم قصد المشتري بذلك، إما بقوله وإما بقرائن مختصة به.
فإن كان محتملا مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخمر والخل معا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز.
وهذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام، كبيع السلاح لاهل الحرب، أو لقطاع الطريق أو في الفتنة ... أو إجارة داره لبيع الخمر فيها وأشباه ذلك. فهذا حرام، والعقد باطل. اه.
بيع ما اختلط بمحرم:
إذا اشتملت الصفقة على مباح ومحرم. فقيل: يصح العقد في المباح، ويبطل في المحظور.
وهو أظهر القولين للشافعي، ومذهب مالك.
وقيل: يبطل العقد فيهما.
стр. 1542
النهي عن كثرة الحلف:
١ - نهى رسول الله ﷺ عن كثرة
الحلف فقال: (الحلف منفقة للسلعة (١) ، ممحقة للبركة) .
رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة.
لما يترتب على ذلك من قلة التعظيم لله، وقد يكون سببا من أسباب التغرير.
٢ - وعند مسلم: (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق (٢) ثم يمحق) .
٣ - وقال رسول الله، ﷺ : (إن التجارهم الفجار، فقيل: يا رسول الله، أليس قد أحل الله البيع؟ قال: نعم، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون) .
رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح.
٤ - عن ابن مسعود، ﵁، أن النبي ﷺ قال:
стр. 1543
(من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان) .
قال: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله عزوجل:
(إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لاخلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (١) . متفق عليه.
٥ - روى البخاري أن اعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الاشراك بالله.
قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قال: وما اليمين الغموس؟ قال: الذ يقتطع مال امرئ مسلم، يعني بيمين هو فيها كاذب.
وسميت غموسا لانها تغمس صاحبها في نار جهنم، ولا كفارة لها عند بعض الفقهاء، لانها لشدة فحشها وكبر إثمها لا يمكن تداركها بالكفارة.
٦ - وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1544
(من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك) . رواه مسلم.
البيع والشراء في المسجد:
أجاز أبو حنيفة البيع في المسجد، وكره إحضار السلع وقت البيع في المسجد تنزيها له. وأجاز مالك والشافعي مع الكراهة.
ومنع صحة جوازه أحمد وحرمه.
يقول الرسول ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) .
البيع عند أذان الجمعة:
البيع عند ضيق وقت المكتوبة وعند أذان الجمعة حرام، ولا يصح عند أحمد (١) لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم
стр. 1545
إن كنتم تعلمون) (١) .
والنهي يقتضي الفساد بالنسبة للجمعة، ويقاس عليها غيرها من سائر الصلوات.
جواز التولية والمرابحة والوضيعة:
تجوز التولية والمرابحة والوضيعة. ويشترط أن يعرف كل من البائع والمشتري الثمن الذي اشتريت به السلعة.
والتولية، هي البيع برأس المال دون زيادة أو نقص. والمرابحة، هي البيع بالثمن الذي اشتريت به السلعة
مع ربح معلوم. والوضيعة، هي البيع بأقل من الثمن الاول.
بيع المصحف وشراؤه:
اتفق الفقهاء على جواز شراء المصحف واختلفوا في بيعه.
فأباحه الائمة الثلاثة، وحرمته الحنابلة، وقال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة.
بيع بيوت مكة وإجارتها:
أجاز كثير من الفقهاء، منهم الاوزاعي والثوري ومالك والشافعي.
وقول لابي حنيفة.
стр. 1546
بيع الماء:
مياه البحار والانهار وما يشابهها مباحة للناس جميعا لا يختص بها أحد دون أحد، ولا يجوز بيعها ما دامت في مقارها.
وفي الحديث: يقول الرسول الكريم ﷺ : (الناس شركاء في الماء والكلا والنار) فإذا أحرزها إنسان أو حفر بئرا في ملكه أو وضع آلة يستخرج بها الماء أصبحت ملكا له ويجوز له حينئذ بيع الماء، ويكون في هذه الحال مثل الحطب المباح أخذه، الذي يحل بيعه بعد إحرازه.
وفي الحديث يقول الرسول ﷺ : (لئن يحتطب أحدكم حزمة من حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه) .
وثبت أن النبي، ﷺ ، قدم المدينة وفيها بئر تسمى بئر رومة، يملكها يهودي ويبيع الماء منها للناس، فأقره على بيعه وأقر المسلمين على شرائهم منه، واستمر الامر على هذا حتى اشتراها عثمان ﵁ وحبسها على المسلمين.
وبيع الماء يجري حسب ما يجري عليه العرف، إلا إذا كان هناك مثل العداد فإنه يحتسب به القدر المبيع.
стр. 1547
بيع الوفاء:
بيع الوفاء هو أن يبيع المحتاج إلى النقد عقارا على أنه متى وفى الثمن استرد العقار ... وحكمه حكم الرهن في أرجح الاقوال عندنا.
بيع الاستصناع:
والاستصناع هو شراء ما يصنع وفقا للطلب، وهو معروف قبل الاسلام.
وقد أجمعت الامة على مشروعيته. وركنه الايجاب والقبول. وهو جائز في كل ما جرى التعامل باستصناعه.
وحكمه: إفادة الملك في الثمن والمبيع.
وشروط صحته: بيان جنس المستصنع ونوعه وصفته وقدره بيانا تنتفي معه الجهالة ويرتفع النزاع.
والمشتري عند رؤية المبيع مخير بين أن يأخذه بكل الثمن وبين أن يفسخ العقد بخيار الرؤية، سواء وجده على الحالة التي وصفها أم لا، عند أبي حنيفة ومحمد ﵄.
وقال أبو يوسف: إن وجده على ما وصف فلا خيار له دفعا للضرر عن الصانع، إذ قد لا يشتري غيره المصنوع
стр. 1548
بما يشتريه به هو.
بيع الثمار والزروع:
بيع الثمار قبل بدو الصلاح وبيع الزرع قبل اشتداد الحب لا يصح، مخافة التلف وحدوث العاهة قبل أخذها.
١ - روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن النبي، ﷺ ، (نهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها: نهى البائع والمبتاع) .
٢ - وروى مسلم عنه أن النبي ﷺ (نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة.
نهى البائع والمشتري) .
٣ - وروى البخاري عن أنس: أن النبي، ﷺ ، قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) .
فإن بيعت الثمار قبل بدو الصلاح، والزروع قبل اشتداد الحب بشرط القطع في الحال، صح إن كان يمكن الانتفاع بها ولم تكن مشاعة، لانه لا خوف في هذه الحال من التلف ولا خوف من حدوث العاهة.
فإن بيعت بشرط القطع ثم تركها المشتري حتى بدا
стр. 1549
صلاحها، قيل إن البيع يبطل، وقيل لا يبطل ويشتركان في الزيادة.
بيعها لمالك الاصل أو لمالك الارض: هذا هو الحكم بالنسبة لغير مالك الاصل ولغير مالك الارض، فإن بيعت الثمار قبل بدو صلاحها لمالك الاصل صح البيع، كما لو بيعت الثمرة قبل بدو الصلاح مع الاصل.
وكذلك يصح بيع الزروع قبل بدو الصلاح لمالك الارض، لحصول التسليم بالنسبة للمشتري على وجه الكمال.
بم يعرف الصلاح ؟
ويعرف صلاح البلح بالاحمرار والاصفرار.
أخرج البخاري ومسلم عن أنس أن النبي، ﷺ ،: (نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو) .
قيل لانس: وما زهوها؟ قال: تحمار وتصفار.
ويعرف صلاح العنب بظهور الماء الحلو واللين والاصفرار (١) .
стр. 1550
ويعرف صلاح سائر الفواكه بطيب الاكل وظهور النضج.
روى البخاري ومسلم عن جابر أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب) .
ويعرف صلاح الحبوب والزروع بالاشتداد (١) .
بيع الثمار التي تظهر بالتدريج:
إذا بدأ صلاح بعض الثمر أو الزرع جاز بيعه جميعا صفقة واحدة، ما بدا صلاحه وما لم يبد منه، متى كان العقد واردا على بطن واحدة.
وكذلك يجوز البيع إذا كان العقد على أكثر من بطن وأريد بيعه بعد ظهور الصلاح في البطن الاول.
ويتصور هذا في حالة ما إذا كان الشجر مما ينتج بطونا متعددة كالموز من الفواكه، والقثاء من الخضروات، والورد من الازهار، ونحو ذلك مما تتلاحق بطونها، وإلى هذا ذهب فقهاء المالكية وبعض فقهاء الحنفية والحنابلة، واستدلوا على هذا بما يأتي:
١ - أنه ثبت عن الشارع جواز بيع الثمر إذا بدا
стр. 1551
صلاح بعضه فيكون ما لم يبد صلاحه تابعا لما بدا منه، فكذلك ما هنا: يقع العقد فيه على الموجود ويكون المعدوم تبعا له (١) .
٢ - أن عدم جواز هذا البيع يؤدي إلى محظورين:
(أ) وقوع التنازع.
(ب) وتعطيل الاموال.
أما وقوع التنازع، فإن العقد كثيرا ما يقع على المزاع الواسعة، ولا يتمكن المشتري من قبض البطن الاول من ثمارها إلا في وقت قد يطول ويتسع لظهور شئ من البطن الثاني، ولا يمكن تميزه من البطن الاول، فيقع النزاع بين المتعاقدين ويأكل أحدهما مال الاخر.
أما المحظور الثاني، فإن البائع قلما يتيسر له في كل وقت من يشتري منه ما يظهر من ثمره أولا فأول، فيؤدي ذلك إلى ضياع ماله.
وإذا كان ذلك كذلك فإنه يجوز البيع في هذه الصورة، والقول بعدم الجواز يوقع في الحرج والمشقة، وهما مرفوعان بقوله تعالى (٢) :
стр. 1552
(وما جعل عليكم في الدين من حرج) (١) .
وقد رجح ابن عابدين هذا القول، وأخذت به مجلة الاحكام الشرعية.
بيع الحنطة في سنبلها:
يجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره والارز والسمسم والجوز واللوز، لانه حب منتفع به، فيجوز بيعه في سنبله كالشعير، والنبي، ﷺ ، نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، ولان الضرورة تدعو إليه فيغتفر ما فيه من غ رر، وهذا مذهب الاحناف والمالكية.
وضع الجوائح:
الجوائح جمع جائحة، وهي الافة التي تصيب الزروع أو الثمار فتهلكها دون أن يكون لادمي صنع فيها، مثل القحط والبرد والعطش.
وللجوائح حكم يختص بها.
فإذا بيعت الثمرة بعد ظهور صلاحها وسلمها البائع للمشتري بالتخلية ثم تلفت بالجائحة قبل أوان الجذاذ،
стр. 1553
فهي من ضمان البائع وليس على المشتري أن يدفع ثمنها، لان الرسول ﷺ (أمر بوضع الجوائح) .
رواه مسلم عن جابر.
وفي لفظ قال: (إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) .
وهذا الحكم في حالة ما إذا لم يبعها البائع مع أصلها أو لم يبعها لمالك أصلها أو يؤخر المشتري أخذها عن عادته، ففي هذه الحالات تكون من ضمان المشتري.
فإن لم يكن التلف بسبب الجائحة بل كان من عمل الادمي، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن على البائع وبين الامساك ومطالبة المتلف بالقيمة.
وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أصحاب الحديث.
ورجحه ابن القيم قال في تهذيب سنن أبي داود: وذهب جمهور العلماء إلى أن الامر بوضع الجوائح أمر ندب واستحباب، عن طريق المعروف والاحسان، لا على سبيل الوجوب والالزام.
وقال مالك بوضع الثلث فصاعدا، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث.
стр. 1554
قال أصحابه: ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.
واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الايجاب: بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها.
وقد نهى رسول الله ﷺ ، عن ربح ما لم يضمن.
فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه.
وقد نهى رسول الله، ﷺ ، عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائة. اه
الشروط في البيع:
الشروط في البيع قسمان: القسم الاول: صحيح لازم.
القسم الثاني: مبطل للعقد.
فالاول: ما وافق مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع:
стр. 1555
١ - شرط يقتضيه البيع، كشرط التقابض وحلول الثمن.
٢ - شرط ما كان من مصلحة العقد، مثل شرط تأجيل الثمن، أو تأجيل بعضه، أو شرط صفة معينة في المبيع، كأن تكون الدابة لبونا أو حاملا، وكأن يكون البازي صيودا فإذا وجد الشرط لزم البيع.
وإن لم يوجد الشرط كان للمشتري فسخ العقد لفوات الشرط.
يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (المسلمون على شروطهم) .
وكان له أيضا أن ينقص من قيمة السلعة بقدر فقد الصفة المشروطة.
٣ - شرط ما فيه نفع معلوم للبائع أو المشتري، كما لو باع دارا واشترى منفعتها مدة معلومة كأن يسكنها شهرا أو شهرين.
وكذلك لو باع دابة واشترط أن تحمله إلى موضع معين.
لما رواه البخاري ومسلم، أن جابرا باع النبي، ﷺ ، جملا، واشترط ظهره إلى المدينة. متفق عليه.
وكذلك يصح أن يشترط المشتري على البائع نفعا معلو ما، كحمل ما باعه إلى موضع معلوم (١) أو تكسيره
стр. 1556
أو خياطته أؤ تفصيله.
وقد اشترى محمد بن مسلمة حزمة حطب من نبطي وشارطه على حملها، واشتهر ذلك فلم ينكر.
وهذا مذهب أحمد والاوزاعي وأبي ثور وإسحاق وابن المنذر.
وذهب الشافعي والاحناف إلى عدم صحة هذا البيع، لان النبي، ﷺ ، نهى عن بيع وشرط.
ولكن هذا النهي لم يصح. وإنما نهى عن شرطين في بيع.
القسم الثاني من الشروط:
الشرط الفاسد، وهو أنواع:
١ - ما يبطل العقد من أصله، كأن يشترط على صاحبه عقدا آخر، مثل قول البائع للمشتري: أبيعك هذا على أن تبيعني كذا أو تقرضني.
ودليل ذلك قول الرسول، ﷺ : " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ". رواه الترمذي وصححه.
قال أحمد: وكذلك كل ما في معنى ذلك، مثل أن يقول: بعتك على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي، فهذا كله لا يصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي
стр. 1557
وجمهور الفقهاء.
وجوزه مالك وجعل العوض المذكور في الشرط فاسدا، قال: ولا ألتفت الى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا.
٢ - ما يصح معه البيع ويبطل الشرط، وهو الشرط المنافي لمقتضى العقد، مثل اشتراط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، لقوله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ".
متفق عليه.
وإلى هذا ذهب أحمد والحسن والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع فاسد.
٣ - ما لا ينعقد معه بيع، مثل: بعتك إن رضي فلان، أو إن جئتني بكذا. وكذلك كل بيع علق على شرط مستقبل.
بيع العربون:
صفة بيع العربون أن يشتري شيئا ويدفع جزءا من ثمنه إلى البائع.
فإن نفذ البيع احتسب من الثمن، وإن لم ينفذ أخذه البائع على أنه هبة له من المشتري.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة هذا البيع، لما
стр. 1558
رواه ابن ماجه أن النبي، ﷺ ، نهى عن بيع العربون. وضعف الامام أحمد هذا الحديث، وأجاز بيع العربون لما رواه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر كان البيع نافذا، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم.
وقال ابن سيرين وابن المسيب: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، وأجازه أيضا ابن عمر.
البيع بشرط البراءة من العيوب:
ومن باع شيئا بشرط البراءة من كل عيب مجهول، لم يبرأ البائع - ومتى وجد المشتري عيبا بالمبيع فله الخيار لانه إنما يثبت بعد البيع، فلا يسقط قبله.
فإن سمي العيب أو أبرأه المشتري بعد العقد برئ.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب به زيد عيبا، فأراد رده على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب. فقال: لا. فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم.
стр. 1559
ذكره الامام أحمد وغيره.
قال ابن القيم: وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة.
الإختلاف بين البائع والمشتري:
إذا اختلف البائع والمشتري في الثمن وليس بينهما بينة فالقول قول البائع مع يمينه، والمشتري مخير بين أن يأخذ السلعة بالثمن الذي قال به البائع وبين أن يحلف بأنه ما اشتراها بثمن أقل.
فإن حلف برئ منها، وردت السلعة على البائع، وسواء أكانت السلعة قائمة أم تالفة.
وأصل ذلك ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن قيس ابن الاشعث عن أبيه عن جده قال: اشترى الاشعث رقيقا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم.
فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف.
فقال عبد الله: فاختر رجلا يكون بيني وبينك.
قال الاشعث: أنت بيني وبين نفسك.
قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا اختلف البيعان ليس بينهما بينة فهو ما يقول
стр. 1560
رب السلعة أو يتتاركان " (١) .
وقد تلقى العلماء هذا الحديث بالقبول.
وقال بعمومه الامام الشافعي، وأن البائع والمشتري كما يتحالفان إذا اختلفا في الثمن فإنهما يتحالفان إذا اختلفا في الاجل أو في خيار الشرط أو في الرهن أو في الضمين.
حكم البيع الفاسد:
البيع الصحيح ما وافق أمر الشارع باستيفاء أركانه وشروطه، فحل به ملك المبيع والثمن والانتفاع بهما.
فإذا خالف أمر الشارع لم يكن صحيحا بل يقع فاسدا باطلا.
فالبيع الفاسد هو البيع الذي لم يشرعه الاسلام، وهو لهذا ينعقد ولا يفيد حكما شرعيا ولا يترتب عليه الملك ولو قبض المشتري المبيع، لان المحظور لا يكون طريقا إلى الملك.
قال القرطبي: " كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها، فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له قيمة، وذلك كالعقار والعروض والحيوان، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض) .
стр. 1561
الربح في البيع الفاسد:
ذهب الاحناف إلى أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبض البائع الثمن وتصرفه فيه فربح فعليه فسخ البيع ورد الثمن للمشتري والتصدق بالربح لحصوله له من وجه منهي عنه ومحظور عليه بنص الكتاب.
التسعير:
معناه: التسعير معناه وضع ثمن محدد للسلع التي يراد بيعها بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري.
النهي عنه: روى أصحاب السنن بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله: " إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق. وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني مظلمة في دم ولا مال.
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث حرمة تدخل الحاكم في تحديد سعر السلع لان ذلك مظنة الظلم، والناس أحرار في التصرفات المالية، والحجر عليهم مناف
стр. 1562
لهذه الحرية.
ومراعاة مصلحة المشتري ليست أولى من مراعاة مصلحة البائع.
فإذا تقابل الامران وجب تمكين الطرفين من الاجتهاد في مصلحتهما.
قال الشوكاني: " إن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم والامام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الامران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لانفسهم.
وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (١) .
اه.
ثم إن التسعير يؤدي إلى اختفاء السلع، وذلك يؤدي إلى ارتفاع الاسعار، وارتفاع الاسعار يضر بالفقراء، فلا يستطيعون شراءها، بينما يقوى الاغنياء على شرائها من السوق الخفية بغبن فاحش، فيقع كل منهما في الضيق والحرج ولا تتحقق لهما مصلحة.
стр. 1563
الترخيص فيه عند الحاجة إليه:
على أن التجار إذ ظلموا وتعدوا تعديا فاحشا يضر بالسوق وجب على الحاكم أن يتدخل ويحدد السعر صيانة لحقوق الناس، ومنعا للاحتكار، ودفعا للظلم الواقع عليهم من جشع التجار.
ولذلك يرى الامام مالك جواز التسعير، كما يرى بعض الشافعية جوازه أيضا في حالة الغلاء.
كما ذهب إلى إجازته أيضا في السلع جماعة من أئمة الزيدية ومنهم: سعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعد الانصاري، كلهم يرون جواز التسعير إذا دعت مصلحة الجماعة لذلك ... قال صاحب الهداية: (ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصر) .
الإحتكار:
تعريفه: الاحتكار هو شراء الشئ وحبسه ليقل بين
стр. 1564
الناس فيغلو سعره (١) ويصيبهم بسبب ذلك الضرر.
حكمه:
والاحتكار حرمه الشارع ونهى عنه لما فيه من الجشع والطمع وسوء الخلق والتضييق على الناس.
١ - روى أبو داود والترمذي ومسلم عن معمر أن النبي ﷺ قال: (من احتكر فهو خاطئ) .
٢ - وروى أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار أن النبي ﷺ قال: " من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ".
٣ - وذكر رزين في جامعه أنه ﷺ قال: " بئس العبد المحتكر: إن سمع برخص ساءه، وإن سمع بغلاء فرح ".
٤ - وروى ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1565
" الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون ".
والجالب هو الذي يجلب السلع ويبيعها بربح يسير.
٥ - وروى أحمد والطبراني عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: " من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله ﵎ أن يقعده " بعظم من النار يوم القيامة ".
متى يحرم الاحتكار:
ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الاحتكار المحرم هو الاحتكار الذي توفر فيه شروط ثلاثة:
١ - أن يكون الشئ المحتكر فاضلا عن حاجته وحاجة من يعولهم سنة كاملة، لانه يجوز أن يدخر الانسان نفقته ونفقة أهله هذه المدة، كما كان يفعله الرسول ﷺ .
٢ - أن يكون قد انتظر الوقت الذي تغلو فيه السلع ليبيع بالثمن الفاحش لشدة الحاجة إليه.
٣ - أن يكون الاحتكار في الوقت الذي يحتاج الناس فيه إلى المواد المحتكرة من الطعام والثياب ونحوها.
فلو كانت هذه المواد لدى عدد من التجار - ولكن لا يحتاج
стр. 1566
الناس إليها - فإن ذلك لا يعد احتكارا، حيث لا ضرر يقع بالناس.
الخيار:
هو طلب خير الامرين من الامضاء أو الالغاء، وهو أقسام نذكرها فيما يلي: خيار المجلس إذا حصل الايجاب والقبول من البائع والمشتري وتم العقد فلكل واحد منهما حق إبقاء العقد أو إلغائه ماداما في المجلس (أي محل العقد) ، ما لم يتبايعا على أنه لا خيار.
فقد يحدث أن يتسرع أحد المتعاقدين في الايجاب أو القبول، ثم يبدو له أن مصلحته تقتضي عدم إنفاذ العقد، فجعل له الشارع هذا الحق لتدارك ما عسى أن يكون قد فاته بالتسرع.
روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ".
стр. 1567
أي أن لكل من المتبايعين حق إمضاء العقد أو إلغائه ماداما لم يتفرقا بالابدان، والتفرق يقدر في كل حالة بحسبها، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما، وفي الكبير بالتحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث، فإن قاما معا أو ذهبا معا فالخيار باق.
والراجح أن التفرق موكول إلى العرف، فما اعتبر في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا.
روى البيهقي عن عبد الله ابن عمر قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان ﵁ مالا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يردني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا. وإلى هذا ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين.
وأخذ به الشافعي وأحمد من الائمة وقالا: إن خيار المجلس ثابت في البيع والصلح والحوالة والاجارة وفي كل عقود المعاوضات اللازمة التي يقصد منها المال (١) .
أما العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض مثل عقد
стр. 1568
الزواج والخلع فإنه لا يثبت فيها خيار المجلس.
وكذلك العقود غير اللازمة كالمضاربة والشركة والوكالة.
متى يسقط: ويسقط خيار الشرط بإسقاطهما له بعد العقد وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الاخر. وينقطع بموت أحدهما.
خيار الشرط:
خيار الشرط هو أن يشتري أحد المتبايعين شيئا على أن له الخيار مدة معلومة وإن طالت (١) إن شاء أنفذ البيع في هذه المدة وإن شاء ألغاه، ويجوز هذا الشرط للمتعاقدين معا ولاحدهما إذا اشترطه.
والاصل في مشروعيته:
١ - ما جاء عن ابن عمر أن النبي، ﷺ ، قال: " كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار ".
أي لا يلزم البيع بينهما حتى يتفرقا، إلا إذا اشترط أحدهما أو كلاهما شرط الخيار مدة معلومة.
стр. 1569
٢ - وعنه أن النبي، ﷺ ، قال: " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا، أو يخبر أحدهما الاخر فيتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ". رواه الثلاثة.
ومتى انقضت المدة المعلومة ولم يفسخ العقد لزم البيع.
ويسقط الخيار بالقول كما يسقط بتصرف المشتري في السلعة التي اشتراها بوقف أو هبة أو سوم لان ذلك دليل رضاه.
ومتى كان الخيار له فقد نفذ تصرفه.
خيار العيب:
حرمه كتمان العيب عند البيع: يحرم على الانسان أن يبيع سلعة بها عيب دون بيانه للمشتري.
١ - فعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول:
" المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه ".
رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم والطبراني.
стр. 1570
٢ - وقال العداء بن خالد: كتب لي النبي، ﷺ ،: هذا ما اشتراه العداء بن خالد بن هوذه من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم من المسلم ".
٣ - ويقول الرسول ﷺ : " من غشنا فليس منا ".
حكم البيع مع وجود العيب: ومتى تم العقد وقد كان المشتري عالما بالعيب فإن العقد يكون لازما ولا خيار له لانه رضي به.
أما إذا لم يكن المشتري عالما به ثم علمه بعد العقد فإن العقد يقع صحيحا، ولكن لا يكون لازما، وله الخيار بين أن يرد المبيع ويأخذ الثمن الذي دفعه إلى البائع وبين أن يمسكه ويأخذ من البائع من الثمن بقدر ما يقابل النقص الحاصل بسبب العيب، إلا إذا رضي به أو وجد منه ما يدل على رضاه، كأن يعرض ما اشتراه للبيع أو يستغله أو يتصرف فيه.
قال ابن المنذر: إن الحسن وشريحا وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري وأصحاب الرأي يقولون:
стр. 1571
" إذا اشترى سعلة فعرضها للبيع بعد علمه بالعيب بطل خياره ". وهذا قول الشافعي.
الإختلاف بين المتبايعين:
إذا اختلف المتبايعان فيمن حدث عنده العيب مع الاحتمال ولا بينة لاحدهما فالقول قول البائع مع يمينه، وقد قضى به عثمان.
وقيل: القول قول المشتري مع يمينه ويرده على البائع.
شراء البيض الفاسد:
من اشترى بيض الدجاج فكسره فوجده فاسدا رجع بكل الثمن على البائع إذا شاء، لان العقد في هذه الحال يكون فاسدا لعدم مالية المبيع، وليس عليه أن يرده إلى البائع لعدم الفائدة فيه.
الخراج بالضمان:
وإذا انفسخ العقد وقد كان للمبيع فائدة حدثت في المدة التي بقي فيها عند المشتري فإن هذه الفائدة يستحقها.
فعن عائشة، ﵂، أن النبي، ﷺ ، قال:
стр. 1572
" الخراج بالضمان ".
رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي.
أي أن المنفعة التي تأتي من المبيع تكون من حق المشتري بسبب ضمانه له لو تلف عنده.
فلو اشترى بهيمة واستغلها أياما ثم ظهر بها عيب سابق على البيع بقول أهل الخبرة فله حق الفسخ، وله الحق في هذا الاستغلال دون أن يرجع عليه البائع بشئ.
وجاء في بعض الروايات: أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب.
فقال البائع: غلة عبدي.
فقال النبي ﷺ : " الغلة بالضمان ".
رواه أبو داود وقال فيه: هذا إسناد ليس بذاك.
خيار التدليس في البيع:
إذا دلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن حرم عليه ذلك.
وللمشتري خيار الرد ثلاثة أيام، وقيل إن الخيار يثبت له على الفور.
أما الحرمة فللغش والتغرير، والرسول ﷺ يقول:
стр. 1573
" من غشنا فليس منا ".
وأما ثبوت خيار الرد فلقوله صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه عنه أبو هريرة:
" لا تصروا الابل والغنم (١) فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر " (٢) رواه البخاري ومسلم.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل في النهي عن الغش وأصل في أنه (أي التدليس) لا يفسد أصل البيع، وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام، وأصل في تحريم التصرية وثبوت الخيار بها.
فإذا كان التدليس من البائع بدون قصد انتفت الحرمة مع ثبوت الخيار للمشتري دفعا للضرر عنه.
خيار الغبن (٣) في البيع والشراء: الغبن قد يكون بالنسبة للبائع، كأن يبيع ما يساوي خمسة بثلاثة.
стр. 1574
وقد يكون بالنسبة للمشتري، كأن يشتري ما قيمته ثلاثة بخمسة.
فإذا باع الانسان أو اشترى وغبن كان له الخيار في الرجوع في البيع وفسخ العقد، بشرط أن يكون جاهلا ثمن
السلعة ولا يحسن المماكسة، لانه يكون حينئذ مشتملا على الخداع الذي يجب أن يتنزه عنه المسلم.
فإذا حدث هذا كان له الخيار بين إمضاء العقد أو إلغائه.
ولكن هل يثبت الخيار بمجرد الغبن؟ قيده بعض العلماء بالغبن الفاحش، وقيده بعضهم بأن يبلغ ثلث القيمة، وقيده البعض بمجرد الغبن.
وإنما ذهبوا إلى هذا التقييد لان البيع لا يكاد يسلم من مطلق الغبن، ولان القليل يمكن أن يتسامح به في العادة.
وأولى هذه الاراء أن الغبن يقيد بالعرف والعادة.
فما اعتبره العرف والعادة غبنا ثبت فيه الخيار، وما لم يعتبراه لا يثبت فيه.
وهذا مذهب أحمد ومالك، وقد استدلا عليه بما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، ﵄، قال:
стр. 1575
ذكر رجل - اسمه حبان بن منقذ - للنبي صلى الله الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، فقال: " إذا بايعت فقل: لا خلابة " (١) .
زاد ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الاعلى عنه: " ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال،
فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فاردد ".
فبقي ذلك الرجل حتى أدرك عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئا، فقيل له: إنك غبنت فيه، رجع، فيشهد له رجل من الصحابة بأن النبي، ﷺ ، قد جعله بالخيار ثلاثا، فترد له دراهمه.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يثبت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين ما فيه غبن وغيره.
وأجابوا عن الحديث المذكور: بأن الرجل كان ضعيف العقل، وإن كان ضعفه لم يخرج به عن حد التمييز، فيكون تصرفه مثل تصرف الصغير المميز
стр. 1576
المأذون له بالتجارة، فيثبت له الخيار مع الغبن، ولان الرسول، ﷺ ، لقنه أن يقول: لا خلابة، أي عدم الخداع، فكان بيعه وشراؤه مشروطين بعدم الخداع، فيكون من باب خيار الشرط.
تلقي الجلب:
ومن صور الغبن تلقي الجلب، وهو أن يقدم ركب التجارة بتجارة فيتلقاه رجل قبل دخولهم البلد وقبل معرفتهم السعر، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد،
فإذا تبين لهم ذلك كان لهم الخيار دفعا للضرر، لما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، نهى عن تلقي الجلب، وقال: " لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار ".
وهذا النهي للتحريم في قول أكثر العلماء.
التناجش:
ومنه أيضا التناجش، وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة لرفع سعرها ولا يريد شراءها ليغر غيره بالشراء بهذا السعر الزائد.
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر: نهى رسول الله
стр. 1577
صلى الله عليه وسلم عن النجش، وهو محرم باتفاق العلماء.
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: " واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة المالك أو صنعه.
والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة، والاصح عندهم صحة البيع مع الاثم، وهو قول الحنفية ". اهـ.
الإقالة:
من اشترى شيئا ثم ظهر له عدم حاجته إليه.
أو باع شيئا بدا له أنه محتاج إليه.
فلكل منهما أن يطلب الاقالة وفسخ العقد (١) .
وقد رغب الاسلام فيها ودعا إليها.
روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
стр. 1578
" من أقال مسلما أقال الله عثرته ".
وهي فسخ لا بيع.
وتجوز قبل قبض البيع، ولا يثبت فيها خيار المجلس ولا خيار الشرط ولا شفعة فيها لانها ليست بيعا.
وإذا انفسخ العقد رجع كل من المتعاقدين بما كان له، فيأخذ المشتري الثمن ويأخذ البائع العين المبيعة.
وإذا تلفت العين المبيعة أو مات العاقد أو زاد الثمن أو نقص فإنها لا تصح.
السلم:
تعريفه: السلم ويسمى السلف (١) وهو بيع شئ موصوف في الذمة بثمن معجل، والفقهاء تسميه: بيع المحاويج، لانه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين،
فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري السلعة، وصاحب السلعة محتاج إلى ثمنها قبل حصولها عنده لينفقها على نفسه وعلى زرعه حتى ينضج فهو من المصالح الحاجية.
стр. 1579
ويسمي المشتري: المسلم، أو رب السلم.
ويسمى البائع: المسلم إليه.
والبيع: المسلم فيه، والثمن: رأس مال السلم.
مشروعيته: وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع.
١ - قال ابن عباس، ﵄،: " أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ".
ثم قرأ قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه (١) ".
٢ - وروى البخاري ومسلم: أن النبي، ﷺ ، قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز.
стр. 1580
مطابقته لقواعد الشريعة:
ومشروعية السلم مطابقة لمقتضى الشريعة ومتفقة مع قواعدها وليست فيها مخالفة للقياس، لانه كما يجوز تأجيل الثمن في البيع يجوز تأجيل المبيع في السلم، من غير تفرقة بينهما والله يقول: " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ".
والدين هو المؤجل من الاموال المضمونة في الذمة، ومتى كان المبيع موصوفا ومعلوما ومضمونا في الذمة، وكان المشتري على ثقة من توفية البائع المبيع عند حلول الاجل، كان المبيع دينا من الديون التي يجوز تأجيلها والتي تشملها الاية كما قال ابن عباس، ﵄.
ولا يدخل هذا في نهي رسول الله ﷺ أن يبيع المرء ما ليس عنده، كما جاء في قوله لحكيم بن حزام: " لا تبع لا ليس عندك (١) ".
فإن المقصود من هذا النهي أن يبيع المرء مالا قدرة له على تسليمه، لان مالا قدرة له على تسليمه ليس عنده حقيقة فيكون بيعه غررا ومغامرة.