المأذون له بالتجارة، فيثبت له الخيار مع الغبن، ولان الرسول، ﷺ ، لقنه أن يقول: لا خلابة، أي عدم الخداع، فكان بيعه وشراؤه مشروطين بعدم الخداع، فيكون من باب خيار الشرط.
تلقي الجلب:
ومن صور الغبن تلقي الجلب، وهو أن يقدم ركب التجارة بتجارة فيتلقاه رجل قبل دخولهم البلد وقبل معرفتهم السعر، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد،
فإذا تبين لهم ذلك كان لهم الخيار دفعا للضرر، لما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، نهى عن تلقي الجلب، وقال: " لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار ".
وهذا النهي للتحريم في قول أكثر العلماء.
التناجش:
ومنه أيضا التناجش، وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة لرفع سعرها ولا يريد شراءها ليغر غيره بالشراء بهذا السعر الزائد.
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر: نهى رسول الله
стр. 1577
صلى الله عليه وسلم عن النجش، وهو محرم باتفاق العلماء.
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: " واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة المالك أو صنعه.
والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة، والاصح عندهم صحة البيع مع الاثم، وهو قول الحنفية ". اهـ.
الإقالة:
من اشترى شيئا ثم ظهر له عدم حاجته إليه.
أو باع شيئا بدا له أنه محتاج إليه.
فلكل منهما أن يطلب الاقالة وفسخ العقد (١) .
وقد رغب الاسلام فيها ودعا إليها.
روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
стр. 1578
" من أقال مسلما أقال الله عثرته ".
وهي فسخ لا بيع.
وتجوز قبل قبض البيع، ولا يثبت فيها خيار المجلس ولا خيار الشرط ولا شفعة فيها لانها ليست بيعا.
وإذا انفسخ العقد رجع كل من المتعاقدين بما كان له، فيأخذ المشتري الثمن ويأخذ البائع العين المبيعة.
وإذا تلفت العين المبيعة أو مات العاقد أو زاد الثمن أو نقص فإنها لا تصح.
السلم:
تعريفه: السلم ويسمى السلف (١) وهو بيع شئ موصوف في الذمة بثمن معجل، والفقهاء تسميه: بيع المحاويج، لانه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين،
فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري السلعة، وصاحب السلعة محتاج إلى ثمنها قبل حصولها عنده لينفقها على نفسه وعلى زرعه حتى ينضج فهو من المصالح الحاجية.
стр. 1579
ويسمي المشتري: المسلم، أو رب السلم.
ويسمى البائع: المسلم إليه.
والبيع: المسلم فيه، والثمن: رأس مال السلم.
مشروعيته: وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع.
١ - قال ابن عباس، ﵄،: " أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ".
ثم قرأ قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه (١) ".
٢ - وروى البخاري ومسلم: أن النبي، ﷺ ، قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز.
стр. 1580
مطابقته لقواعد الشريعة:
ومشروعية السلم مطابقة لمقتضى الشريعة ومتفقة مع قواعدها وليست فيها مخالفة للقياس، لانه كما يجوز تأجيل الثمن في البيع يجوز تأجيل المبيع في السلم، من غير تفرقة بينهما والله يقول: " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ".
والدين هو المؤجل من الاموال المضمونة في الذمة، ومتى كان المبيع موصوفا ومعلوما ومضمونا في الذمة، وكان المشتري على ثقة من توفية البائع المبيع عند حلول الاجل، كان المبيع دينا من الديون التي يجوز تأجيلها والتي تشملها الاية كما قال ابن عباس، ﵄.
ولا يدخل هذا في نهي رسول الله ﷺ أن يبيع المرء ما ليس عنده، كما جاء في قوله لحكيم بن حزام: " لا تبع لا ليس عندك (١) ".
فإن المقصود من هذا النهي أن يبيع المرء مالا قدرة له على تسليمه، لان مالا قدرة له على تسليمه ليس عنده حقيقة فيكون بيعه غررا ومغامرة.
стр. 1581
أما بيع الموصوف المضمون في الذمة مع غلبة الظن بإمكان توفيته في وقته، فليس من هذا الباب في شئ.
شروطه: للسلم شروط لا بد من أن تتوفر فيه حتى يكون صحيحا.
وهذه الشروط منها ما يكون في رأس المال.
ومنها ما يكون في المسلم فيه.
شروط رأس المال:
أما شروط رأس المال فهي:
١ - أن يكون معلوم الجنس.
٢ - أن يكون معلوم القدر.
٣ - أن يسلم في المجلس.
شروط المسلم فيه:
ويشترط في المسلم فيه:
١ - أن يكون في الذمة.
٢ - وأن يكون موصوفا بما يؤدي إلى العلم بمقداره وأوصافه التي تميزه عن غيره، كي ينتي الغرر وينقطع النزاع.
٣ - وأن يكون الاجل معلوما.
وهل يجوز إلى الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج إلى العطاء؟
стр. 1582
فقال مالك: يجوز متى كانت معلومة كالشهور والسنين.
اشتراط الأجل:
ذهب الجمهور إلى اعتبار الاجل في السلم، وقالوا: لا يجوز السلم حالا.
وقالت الشافعية: يجوز، لانه إذ جار مؤجلا مع الغرر فجوازه حالا أولى.
وليس ذكر الاجل في الحديث لاجل الاشتراط بل معناه إن كان لاجل فليكن معلوما.
قال الشوكاني: والحق ما ذهبت إليه الشافعية من عدم اعتبار الاجل لعدم ورود دليل يدل عليه، فلا يلزم التقيد بحكم بدون دليل.
وأما ما يقال: من أنه يلزم مع عدم الاجل أن يكون بيعا للمعدوم، ولم يرخص فيه إلا في السلم، ولا فارق بينه وبين البيع إلا الاجل: فيجاب عنه بأن الصيغة فارقة، وذلك كاف.
لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم إليه: لا يشترط في السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه بل يراعى وجوده عند الاجل.
ومتى انقطع المبيع عند
стр. 1583
محل الاجل انفسخ العقد، ولا يضر انقطاعه قبل حلوله.
روى البخاري عن محمد بن المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي
أوفى فقالا: سله هل كان أصحاب النبي، ﷺ ، في عهد النبي، ﷺ ، يسلفون في الحنطة؟ فقال عبد الله: كنا نسلف نبيط (١) أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزي، فسألته فقال: كان أصحاب النبي، ﷺ ، يسلفون على عهد النبي، ﷺ ، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا.
لا يفسد العقد بالسكوت عن موضع القبض:
لو سكت المتعاقدان عن تعيين موضع القبض فالسلم صحيح ولو لم يتعين الموضع لانه لم يبين في الحديث.
стр. 1584
ولو كان شرطا لذكره الرسول، ﷺ ، كما ذكر الكيل والوزن والاجل.
السلم في اللبن والرطب: قال القرطبي: " وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة. وهي مبنية على قاعدة المصلحة، لان المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء، لان النقد قد لا يحضره، ولان السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد لان الذي عنده عروض لا ينصرف له، فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح ". اه.
جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه:
ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه مع بقاء عقد السلم، لانه يكون قد باع دين المسلم فيه قبل قبضه.
ولقول الرسول ﷺ :
стр. 1585
" من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " (١) .
وأجازه الامام مالك وأحمد.
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: " إذا أسلفت في شئ إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه، ولا تربح مرتين ".
رواه شعبة وهو قول الصحابي، وقول الصحابي حجة ما لم يخالف.
وأما الحديث ففيه عطية بن سعد وهو لا يحتج بحديثه.
ورجح هذا ابن القيم فقال - بعد أن ناقش أدلة كل من الفريقين -: فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الاباحة.
والواجب عند التنازع الرد إلى الله وإلى الرسول، ﷺ .
وأما إذا انفسخ عقد السلم بإقالة ونحوها.
فقيل: لا يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضا من غير جنسه.
стр. 1586
وقيل: يجوز أخذ العوض عنه، وهو مذهب الشافعي واختيار القاضي أبي يعلى وابن تيمية.
قال ابن القيم: وهو الصحيح، لان هذا عوض مستقر في الذمة فحازت المعاوضة كسائر الديون من القرض وغيره.
стр. 1587
الربا:
تعريفه: - الربا في اللغة: الزيادة، والمقصود به هنا: الزيادة على رأس المال، قلت أو كثرت.
يقول الله سبحانه: " وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا
تظلمون " (١) .
حكمه: - وهو محرم في جميع الاديان السماوية، ومحظور في اليهودية والمسيحية والاسلام.
جاء في العهد القديم: (إذا أقرضت مالا لاحد من أبناء شعبي، فلا تقف منه موقف الدائن.
لا تطلب منه ربحا لمالك) . آية ٢٥، فصل ٢٢، من سفر الخروج.
وجاء فيه أيضا:
стр. 1588
(إذا افتقر أخوك فاحمله ... لا تطلب منه ربحا ولا منفعة) . آية ٣٥، فصل ٢٥، من سفر اللاويين.
إلا أن اليهود لا يرون مانعا من أخذ الربا من غير اليهودي، كما جاء في آية ٢٠، من الفصل ٢٣، من سفر التثنية.
وقد رد عليهم القرآن، ففي سورة النساء (١) : (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) .
وفي كتاب العهد الجديد: (إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة، فأي فضل يعرف لكم؟ ولكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين
عائدتها. وإذن يكون ثوابكم جزيلا) . آية ٣٤ وآية ٣٥، من الفصل ٦، من إنجيل لوقا.
واتفقت كلمة رجال الكنيسة على تحريم الربا تحريما قاطعا استنادا إلى هذه النصوص.
قال سكوبار: (إن من يقول إن الربا ليس معصية يعد ملحدا
стр. 1589
خارجا عن الدين) .
وقال الاب بوني: (إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا، وليسوا أهلا للتكفين بعد موتهم) .
وفي القرآن الكريم تحدث عن الربا في عدة مواضع مرتبة ترتيبا زمنيا، ففي العهد المكي نزل قول الله سبحانه: " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (١) ".
وفي العهد المدني نزل تحريم الربا صراحة في قول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ترحمون (٢) ".
وآخر ما ختم به التشريع قول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من
стр. 1590
الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (١) ".
وفي هذه الاية رد قاطع على من يقول: إن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافا مضاعفة، لان الله لم يبح إلا رد رءوس الاموال دون الزيادة عليها.
وهذا آخر ما نزل في هذا الامر.
وهو من كبائر الاثم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: " اجتنبوا السبع الموبقات ".
قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
وقد لعن الله كل من اشترك في عقد الربا، فلعن الدائن الذي يأخذه، والمستدين الذي يعطيه، والكاتب الذي يكتبه، والشاهدين عليه.
روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود، والترمذي وصححه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله، صلى الله
стр. 1591
عليه وسلم، قال: (لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وشاهديه، وكاتبه) روى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة أن النبي، ﷺ ، قال: " الدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة ".
وقال ﷺ : " الربا تسعة وتسعون بابا، أدناها كأن يأتي الرجل بأمه ".
الحكمة في تحريم الربا: الربا محرم في جميع الاديان السماوية، والسبب في تحريمه ما فيه من ضرر عظيم: ١ - أنه يسبب العداوة بين الافراد، ويقصي على روح التعاون بينهم.
والادبان كلها، ولا سيما الاسلام، تدعو إلى التعاون والايثار وتبغض الاثرة والانانية واستغلال جهد الاخرين.
٢ - وأنه يؤدي إلى حلق طبقة مترفة لا تعمل شيئا، كما يؤدي إلى تضخيم الاموال في أيديها دون جهد مبذول، فتكون كالنباتات الطفيلية تنمو على حساب غيرها.
والاسلام يمجد العمل ويكرم العاملين ويجعله أفضل وسيلة من وسائل الكسب، لانه يؤدي إلى المهارة، ويرفع
стр. 1592
الروح المعنوية في الفرد.
٣ - وهو وسيلة الاستعمار، ولذلك قيل: الاستعمار يسير وراء تاجر أو قسيس.
ونحن قد عرفنا الربا وآثاره في استعمار بلادنا.
٤ - والاسلام بعد هذا يدعو إلى أن يقرض الانسان أخاه قرضا حسنا إذا احتاج إلى المال ويثيب عليه أعظم مثوبة: " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " (١) .
أقسامه:
والربا قسمان: (١) ربا النسيئة (٢) وربا الفضل.
ربا النسيئة: وربا النسيئة (٢) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
وهذا النوع محرم بالكتاب والسنة وإجماع الائمة.
стр. 1593
ربا الفضل: وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام
مع الزيادة وهو محرم بالسنة والاجماع لانه ذريعة إلى ربا النسيئة.
وأطلق عليه اسم الربا تجوزا.
كما يطلق اسم المسبب على السبب.
روى أبو سعيد الخدري أن النبي، ﷺ ، قال: " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرماء " أي: الربا.
فنهى عن ربا الفضل لما يخشاه عليهم من ربا النسيئة.
وقد نص الحديث على تحريم الربا في ستة أعيان: الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والملح.
فعن أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ ،: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الاخذ والمعطي سواء ".
رواه أحمد والبخاري.
стр. 1594
علة التحريم:
هذه الاعيان الستة التي خصها الحديث بالذكر تنتظم الاشياء الاساسية التي يحتاج الناس إليها والتي لا غنى لهم عنها.
فالذهب والفضة هما العنصران الاساسيان للنقود تنضبط بها المعاملة والمبادلة، فهما معيار الاثمان الذي يرجع إليه
في تقويم السلع.
وأما بقية الاعيان الاربعة فهي عناصر الاغذية وأصول القوت الذي به قوام الحياة.
فإذا جرى الربا في هذه الاشياء كان ضارا بالناس ومفضيا إلى الفساد في المعاملة، فمنع الشارع منه رحمة بالناس ورعاية لمصالحهم.
ويظهر من هذا أن علة التحريم بالنسبة للذهب والفضة كونهما ثمنا، وأن علة التحريم بالنسبة لبقية الاجناس كونها طعاما.
فإذا وجدت هذه العلة في نقد آخر غير الذهب والفضة أخذ حكمه، فلا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد.
وكذلك إذا وجدت هذه العلة في طعام آخر غير القمح والشعير والتمر والملح، فإنه لا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد.
روى مسلم عن معمر بن عبد الله عن النبي أنه نهى
стр. 1595
عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل، فكل ما يقوم مقام هذه الاجناس الستة يقاس عليها ويأخذ حكمها، فإذا اتفق البدلان في الجنس والعلة حرم التفاضل وحرم النساء أي التأجيل.
فإذا بيع ذهب بذهب أو قمح بقمح فإنه يشترط لصحة هذا التبادل شرطان: ١ - التساوي في الكمية بقطع النظر عن الجودة والرداءة للحديث المذكور، ولما رواه مسلم أن رجلا جاء
إلى رسول الله، ﷺ ، بشئ من التمر، فقال له النبي، ﷺ ،: ما هذا من تمرنا؟ فقال الرجل: يارسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع.
فقال ﷺ : ذلك الربا، ردوه ثم بيعوا تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا.
وروى أبو داود عن فضالة قال: أتي النبي، ﷺ ، بقلادة فيها ذهب وخرز اشتراها رجل بتسعة دنانير أو سبعة، فقال النبي: لا، حتى تميز بينهما.
قال: فرده حتى ميز بينهما.
ولمسلم: " أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: الذهب بالذهب وزنا بوزن " (١) .
стр. 1596
٢ - عدم تأجيل أحد البدلين، بل لا بد من التبادل الفوري، لقوله ﷺ : " إذا كان يدا بيد ".
وفي هذا يقول الرسول، ﷺ ، " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا (١) بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز ".
رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد.
وإذا اختلف البدلان في الجنس واتحدا في العلة حل التفاضل وحرم النساء.
فإذا بيع ذهب بفضة أو قمح بشعير فهنا يشترط شرط واحد وهو الفورية، ولا يشترط التساوي في الكم بل يجوز التفاضل.
روى أبو داود أن النبي، ﷺ ، قال: " لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما، يدا بيد ".
وفي حديث عبادة عند أحمد ومسلم: " فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا
стр. 1597
كان يدا بيد ".
وإذا اختلف البدلان في الجنس والعلة فإنه لا يشترط شئ فيحل التفاضل والنساء.
فإذا بيع الطعام بالفضة حل التفاضل والتأجيل، وكذا إذا بيع ثوب بثوبين أو إناء بإناءين.
والخلاصة أن كل ما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه الربا، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا ونسيئة، ويجوز فيه التفرق قبل التقابض، فيجوز بيع شاة بشاتين نسيئة، ونقدا، وكذلك شاة بشاة لحديث عمرو بن العاص (أن رسول الله، ﷺ ، أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة) .
أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
ورواه البيهقي، وقوى الحافظ بن حجر إسناده.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله، ﷺ ، اشترى عبدا بعبدين أسودين، واشترى جارية بسبعة أرؤس، وإلى هذا ذهب الشافعي.
بيع الحيوان بلحم: قال جمهور الائمة: لا يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم
стр. 1598
من جنسه (١) ، فلا يجوز بيع بقرة مذبوحة ببقرة حيه يقصد منها الاكل، لما رواه سعيد بن المسيب أن رسول الله، ﷺ ، نهى عن بيع الحيوان باللحم.
رواه مالك في المطإ عن سعيد مرسلا وله شواهد.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه، وروى البيهقي عن أهل المدينة أن النبي، ﷺ ، نهى أن يباح حي بميت، ثم قال، أي البيهقي: وهذا مرسل يؤكد مرسل ابن المسيب.
بيع الرطب باليابس:
ولا يجوز بيع الرطب بما كان يابسا إلا لاهل العرايا، وهم الفقراء الذين لانخل لهم، فلهم أن يشتروه من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجره بخرصه ثمرا.
روى مالك وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي، ﷺ ، سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك.
стр. 1599
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة.
أي يبيع الرجل ثمر حائطه (بستانه) إن كان نخلا بتمر كيلا. وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا. وإن كان زرعا أن يبيع بكيل طعام. نهى عن ذلك كله.
وروى البخاري عن زيد بن ثابت: أن النبي، ﷺ ، رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا.
بيع العينة:
بيع العينة نهى عنه الرسول ﷺ لانه ربا وإن كان في صورة بيع وشراء.
ذلك أن الانسان المحتاج إلى النقود يشتري سلعة بثمن معين إلى أجل، ثم يبيعها ممن اشتراها منه بثمن حال أقل فيكون الفرق هو فائدة المبلغ الذي أخذه عاجلا.
وهذا البيع حرام ويقع باطلا (١) .
١ - روى ابن عمر أن النبي، ﷺ ، قال:
стр. 1600
" إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم ".
أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه.
وقال الحافظ بن حجر: رجاله ثقات.
٢ - وقالت العالية (١) بنت أيفع بن شرحبيل: " دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة ﵂، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، ثم اشتريته بستمائة درهم نقدا، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب ".
أخرجه مالك والدارقطني.
стр. 1601
القرض:
معناه: القرض هو المال الذي يعطيه المقرض للمقترض
ليرد مثله إليه عند قدرته عليه، وهو في أصل اللغة: القطع.
وسمي المال الذي يأخذه المقترض بالقرض لان المقرض يقطعه قطعة من ماله.
مشروعيته: وهو قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه، لما فيه من الرفق بالناس، والرحمة بهم، وتيسير أمورهم، وتفريج كربهم.
وإذا كان الاسلام ندب إليه وحبب فيه بالنسبة للمقترض فإنه أباحه للمقترض، ولم يجعله من باب المسألة المكروهة لانه يأخذ المال لينتفع به في قضاء حوائجه ثم يرد مثله.
١ - روى أبو هريرة أن النبي، ﷺ ،
стр. 1602
" من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ".
رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
٢ - وعن ابن مسعود: أن النبي، ﷺ ، قال: " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة ".
رواه ابن ماجه وابن حبان.
٣ - وعن أنس قال رسول الله ﷺ : " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا:
الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر.
فقلت: يا جبريل.
ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لان السائل يسأل وعنده.
والمستقرض لا يستقرض إلامن حاجة ".
عقد القرض: وعقد القرض عقد تمليك فلا يتم إلا ممن يجوز له التصرف، ولا يتحقق إلا بالايجاب والقبول
стр. 1603
كعقد البيع والهبة.
وينعقد بلفظ القرض والسلف، وبكل لفظ يؤدي إلى معناه.
وعند المالكية أن الملك يثبت بالعقد ولو لم يقبض المال.
ويجوز للمقترض أن يرد مثله أو عينه، سواء أكان مثليا أم غير مثلي، ما لم يتغير بزيادة أو نقص.
فإن تغير وجب رد المثل.
اشتراط الاجل فيه: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز اشتراط الاجل في القرض، لانه تبرع محض.
وللمقرض أن يطالب ببذله في الحال.
فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم لم يتأجل وكان حالا.
وقال مالك: يجوز اشتراط الاجل، ويلزم الشرط.
فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم تأجل، ولم يكن له حق المطالبة قبل حلول الاجل، لقول الله تعالى:
" إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى " (١) .
ولما رواه عمر وبن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " المسلمون عند شروطهم ".
стр. 1604
رواه أبو داود وأحمد والترمذي والدارقطني.
ما يصح فيه القرض: يجوز قرض الثياب والحيوان، فقد ثبت أن الرسول ﷺ استلف بكرا (١) .
كما يجوز قرض ما كان مكيلا أو موزونا، أو ما كان من عروض التجارة.
كما يجوز قرض الخبز والخمير، لحديث عائشة: " قلت يارسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانا، فقال: لا بأس.
إنما ذلك من مرافق الناس، لا يراد به الفضل ".
وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال: " سبحان الله، إنما هذا من مكارم الاخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء.
سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول ذلك ".
كل قرض جرنفعا فهو ربا:
إن عقد القرض يقصد به الرفق بالناس ومعاونتهم على شئون العيش وتيسير وسائل الحياة، وليس هو وسيلة من
стр. 1605
وسائل الكسب، ولا أسلوبا من أساليب الاستغلال.
ولهذا لا يجوز أن يرد المقترض إلى المقرض إلا ما اقترضه منه أو مثله، تبعا للقاعدة الفقهية القائلة: كل قرض جر نفعا فهو ربا (١) .
والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطا أو متعارفا عليه.
فإن لم يكن مشروطا ولامتعارفا عليه، فللمقترض أن يقضي خيرا من القرض في الصفة أو يزيد عليه في المقدار، أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه، وللمقرض حق الاخذ دون كراهة، لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن.
عن أبي رافع قال: استلف رسول الله ﷺ من رجل بكرا، فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرا، فقلت: لم أجد في الابل إلا جملا خيارا رباعيا (٢) ،
стр. 1606
فقال النبي، ﷺ ،: " أعطه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء ".
وقال جابر بن عبد الله: " كان لي على رسول الله حق فقضاني وزادني ".
رواه أحمد والبخاري ومسلم.
التعجيل بقضاء الدين قبل الموت:
١ - روى الامام أحمد أن رجلا سأل رسول الله، ﷺ ، عن أخيه، مات وعليه دين، فقال: " هو محبوس بدينه، فاقض عنه ". فقال يا رسول الله: " قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة ". فقال: " أعطها فإنها محقة ".
٢ - وروي أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أدخل الجنة؟ قال: نعم. فقال ذلك مرتين أو ثلاثا. قال: " إلا ان مت وعليك دين وليس عندك وفاء ".
стр. 1607
وأخبرهم (١) بتشديد أنزل، فسألوه عنه فقال: " الدين.
والذي نفسي بيده، لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه ".
٣ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله، ﷺ ، لا يصلي على رجل مات وعليه دين. فأتي بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران.
فقال: صلوا على صاحبكم.
فقال أبو قتادة الانصاري: هما علي يا رسول الله.
قال: فصلى عليه رسول الله، ﷺ .
فلما فتح الله على رسوله، ﷺ ، قال: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته ".
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
٤ - وحديث البخاري عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: من أخذ أموال الناس يريد
стр. 1608
أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".
مطل الغني ظلم:
عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: " مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " (١) .
رواه أبو داودو غيره.
استحباب إنظار المعسر: يقول الله سبحانه: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون " (٢) .
١ - وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى ثم وجده، فقال: إني معسر، فقال: الله (٣) ؟ قال: فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس
стр. 1609
عن معسر أو يضع عنه ".
وعن كعب بن عمر قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله في ظله ".
ضع وتعجل: ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم وضع قدر من الدين نظير التعجيل بالقضاء قبل الاجل المتفق عليه.
فمن أقرض غيره قرضا إلى أجل، ثم قال المقرض للمقترض: أضع عنك بعض الدين نظير أن ترد الباقي قبل الاجل فإنه يحرم.
ويروي ابن عباس وزفر جواز ذلك، لما رواه ابن عباس أن النبي، ﷺ ، لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله ﷺ : " ضعوا وتعجلوا ".
стр. 1610
الرهن:
تعريفه: يطلق الرهن في اللغة على الثبوت والدوام، كما يطلق على الحبس.
فمن الاول قولهم: نعمة راهنة، أي ثابتة ودائمة.
ومن الثاني قوله تعالى: " كل نفس بما كسبت رهينة " (١) .
أي محبوسة بكسبها وعملها.
وأما معناه في الشرع: فقد عرفه العلماء بأنه جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين (٢) ، بحيث يمكن أخذ ذلك الدين، أو أخذ بعضه من تلك العين.
فإذا استدان شخص دينا من شخص آخر وجعل له في
стр. 1611
في نظير ذلك الدين عقارا أو حيوانا محبوسا تحت يده حتى يقضيه دينه، كان ذلك هو الرهن شرعا.
ويقال لمالك العين المدين: " راهن "، ولصاحب الدين الذي يأخذ العين ويحبسها تحت يده نظير دينه: " مرتهن " كما يقال للعين المرهونة نفسها: " رهن ".
مشروعيته: الرهن جائز، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب: فلقول الله تعالى: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة، فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أوتمن أمانته وليتق الله ربه (١) ".
وأما السنة: فقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي.
طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي.
فقال النبي ﷺ : " كذب، إني لامين في الارض، أمين في السماء، ولو ائتمنني لاديت، اذهبوا إليه بدرعي ".
стр. 1612
وروى البخاري وغيره عن أم المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: " اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاما ورهنه درعه ".
وقد أجمع العلماء على ذلك، ولم يختلف في جوازه ولا مشروعيته أحد، وإن كانوا قد اختلفوا في مشروعيته في الحضر.
فقال الجمهور: يشرع في الحضر، كما يشرع في السفر، لفعل الرسول، ﷺ ، له وهو مقيم بالمدينة، وأما تقيده بالسفر في الآية فإنه خرج مخرج الغالب، فإن الرهن غالبا يكون في السفر.
وقال مجاهد والضحاك، والظاهرية: لايشرع الرهن إلا في السفر استدلالا بالآية.
والحديث حجة عليهم.
شروط صحته: يشترط لصحة عقد الرهن الشروط الآتية:
أولا: العقل.
ثانيا: البلوغ.
ثالثا: أن تكون العين المرهونة (١) موجودة وقت
стр. 1613
العقد، ولو كانت مشاعة.
رابعا: أن يقبضها المرتهن أو وكيله.
قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم.
وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن، ومتى قبضه المرتهن فإن الراهن يملك الانتفاع به، خلافا للشافعي الذي قال: بأن له حق الانتفاع ما لم يضر بالمرتهن.
انتفاع المرتهن بالرهن:
عقد الرهن عقد يقصد به الاستيثاق وضمان الدين وليس المقصود منه الاستثمار والربح، وما دام ذلك كذلك فإنه لا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة، ولو أذن له الراهن، لانه قرض جر نفعا، وكل قرض جر نفعا فهو ربا.
وهذا في حالة ما إذا لم يكن الرهن دابة تركب أو بهيمة تحلب، فإن كان دابة أو بهيمة فله أن ينتفع بها
стр. 1614
نظير النفقة عليها فإن قام بالنفقة عليها كان له حق الانتفاع، فيركب ما أعد للركوب كالابل والخيل والبغال ونحوها ويحمل عليها، ويأخذ لبن البهيمة كالبقر والغنم ونحوها (١) .
والادلة على ذلك ما يأتي: (أ) عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: " لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب (٢) بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة ".
قال أبو داود: وهو عندنا صحيح، وقد أخرجه آخرون منهم البخاري والترمذي وابن ماجه.
(ب) وعن أبي هريرة أيضا، عن النبي، ﷺ ، أنه كان يقول: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب
стр. 1615
النفقة ".
رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.
وفي لفظ: " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته ".
رواه أحمد، ﵁.
(ج) وعن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: " الرهن محلوب مركوب " أو " مر كوب محلوب " كما جاء في رواية أخرى.
مؤونة الرهن ومنافعه:
مؤونة الرهن وأجرة حفظه وأجرة رده على مالكه.
ومنافع الرهن للراهن، ونماؤه يدخل في الرهن، ويكون رهنا مع الاصل، فيدخل فيه الولدوالصوف والثمرة واللبن، لقوله ﷺ : " له غنمه، وعليه غرمه ".
وقال الشافعي: لايدخل شئ من ذلك في الرهن.
وقال مالك: لايدخل إلا الولد وفسيل النخل.
فإذا أنفق المرتهن على الرهن بإذن الحاكم مع غيبة الراهن وامتناعه كان دينا للمنفق على الراهن.