← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أحب الأسماء: وأحب الاسماء عبد الله وعبد الرحمن، لحديث مسلم، وأصدقها همام وحارث كما ثبت في الحديث الصحيح. ويصح التسمية بأسماء الملائكة والانبياء وطه ويس. وقال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى، وعبد هبل، وعبد عمر، وعبد الكعبة، حاشا عبد المطلب. كراهة بعض الأسماء: نهى رسول الله ﷺ عن التسمي بالاسماء الاتية: يسار، ورباح، ونجيح، وأفلح، لان ذلك ربما يكون وسيلة من وسائل التشاتم، ففي حديث سمرة أن النبي، ﷺ ، قال: " لا تسم غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول: أثم هو - فلا يكون - فيقول: لا ". رواه مسلم. الأذان في أذن المولود: ومن السنة أن يؤذن في أذن المولود اليمنى، ويقيم في الاذن اليسرى، ليكون أول ما يطرق سمعه اسم الله.

стр. 1787

روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، عن أبي رافع ﵁، قال: رأيت النبي، ﷺ ، أذن بالصلاة في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة ﵃. وروى ابن السني عن الحسن بن علي أن النبي، ﷺ ، قال: " من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان " (١) . لا فرع ولا عتيرة: الفرع: ذبح أول ولد الناقة، كانت العرب تذبحه لاصنامهم. العتيرة: ذبيحة رجب تعظيما له. وقد نهى الاسلام عن الذبح تعظيما للاصنام، وغير معالم الجاهلية. وأباح الذبح باسم الله برا وتوسعا. روى أبو هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: " لا فرع ولا عتيرة " (٢) . رواه البخاري ومسلم.

стр. 1788

وقال نبيشة، ﵁: نادى رجل رسول الله، ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا لله وأطعموا. قال: إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استجمل (١) ذبحته، فتصدقت بلحمه على ابن السبيل، فذلك خير ". رواه أبو داود والنسائي. وعن أبي رزين قلت: يا رسول الله، كنا نذبح في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا، فقال: " لا بأس به ". وروى أحمد والنسائي عن عمر بن الحارث أنه لقي النبي، ﷺ ، في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله الفرائع والعتائر؟ قال: من شاء فرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم الاضحية ".

стр. 1789

ثقب أذن الصغير: في كتب الحنابلة: إن تثقيب آذان الصبية للحلية جائز ويكره للصبيان. وفي فتاوي قاصي خان، من الحنفية: لا بأس بتثقيب آذان الصبية، لانهم كانوا في الجاهلية يفعلونه، ولم ينكره عليهم النبي، ﷺ .

стр. 1790

الكفالة: تعريفها: الكفالة معناها في اللغة: الضم، ومنه قول الله، : " وكفلها زكريا (١) ". وفي الشرع عبارة عن ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الاصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين أو عمل، وهذا التعريف لفقهاء الاحناف. وعند غيرهم من الائمة يعرفونها بأنها ضم الذمتين في المطالبة والدين. والكفالة تسمي: حمالة وضمانة وزعامة. وهي تقتضي كفيلا وأصيلا ومكفولا له ومكفولا به.

стр. 1791

فالكفيل هو الذي يلتزم بأداء المكفول به، ويجب أن يكون بالغا عاقلا مطلق التصرف في ماله رضايا بالكفالة (١) فلا يكون المجنون ولا الصبي ولو كان مميزا كفيلا. ويسمى الكفيل بالضامن والزعيم والحميل والقبيل. والاصيل هو المدين وهو المكفول عنه، ولا يشترط بلوغه ولا عقله ولا حضوره ولا رضاه بالكفالة. بل تجوز الكفالة عن الصبي والمجنون والغائب. ولكن الفيل لا يرجع على أحد من هؤلاء إذا أدى عنه، بل يعتبر متبرعا إلا في حالة ما إذا كانت الكفالة عن الصبي المأذون له في التجارة وكانت بأمره. والمكفول له هو الدائن. ويشترط أن يعرفه الضامن، لان الناس يتفاوتون في المطالبة تسهيلا وتشديدا. والاغراض تختلف بذلك، فيكون الضمان بدونه غررا. ولا تشترط معرفة المضمون عنه. والمكفول به هو النفس أو الدين أو العين أو العمل الذي وجب أداؤه على المكفول عنه، وله شروط ستأتي في موضعها. مشروعيتها: والكفالة مشروعة بالكتاب والسنة والاجماع.

стр. 1792

ففي الكتاب يقول الله تعالى: " قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به (١) "، وقوله، جل شأنه: " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " (٢) . وجاء في السنة عن أبي أمامة أن الرسول، ﷺ ، قال: " الزعيم غارم ". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان. ومعنى الزعيم: الكفيل. والغارم: الضامن. وقد أجمع العلماء على جوازها. ولا يزال المسلمون يكفل بعضهم بعضا من عصر النبوة إلى وقتنا هذا، دون تكبر من أحد من العلماء. التنجيز والتعليق والتوقيت: وتصح الكفالة منجزة، ومعلقة، ومؤقتة. فالمنجزة مثل قول الكفيل: أنا أضمن فلانا الان، وأكفله. قال العلماء: إذا قال الرجل: تحملت أو تكفلت أو ضمنت، أو

стр. 1793

أنا حميل لك، أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي، فذلك كله كفالة. ومتى انعقدت الكفالة كانت تابعة للدين في الحلول والتأجيل والتقسيط، إلا إذا كان الدين حالا واشترط الكفيل تأجيل المطالبة إلى أجل معلوم، فإنه يصح، لما رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي، ﷺ : تحمل عشرة دنانير عن رجل قد لزمه غريمه إلى شهر، وقضاها عنه. وفي هذا دليل على أن الدين إذا كان حالا وضمنه الكفيل إلا أجل معلوم صح، ولا يطالب به الضامن قبل مضي الاجل. والمعلقة مثل: إن أقرضت فلانا فأنا ضامن لك، وكما جاء في الاية الكريمة قول الله تعالى: ولمن جاء به حمل بعير " (١) . والمؤقتة مثل: إذا جاء شهر رمضان فأنا ضامن لك. وهذا مذهب أبي حنيفة وبعض الحنابلة. وقال الشافعي: لا يصح التعليق في الكفالة.

стр. 1794

مطالبة الكفيل والأصيل معا: ومتى انعقدت الكفالة جاز لصاحب الحق أن يطالب الضامن والمضمون معا، كما جاز له أن يطالب أيهما شاء بناء على تعدد محل الحق، كما يرى جمهور العلماء. أنواع الكفالة: والكفالة نوعان: الاول: كفالة بالنفس. الثاني: كفالة بالمال. الكفالة بالنفس: وتعرف بضمان الوجه، وهي التزام الكفيل بإحضار الشخص المكفول إلى المكفول له. وتصح بقوله: أنا كفيل بفلان أو ببدنه أو وجهه، أو: أنا ضامن أو زعيم ونحو ذلك، وهي جائزة إذا كان على المكفول به حق لادمي، ولا يشترط العلم بقدر ما على المكفول لانه تكفل بالبدن لا بالمال. أما إذا كانت الكفالة في حدود الله، فإنها لا تصح، سواء أكان الحد حقا لله تعالى كحد الخمر، أو كان حقا لادمي كحد القذف. وهذا مذهب أكثر العلماء، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن النبي، ﷺ ، قال: " لا كفالة في حد ".

стр. 1795

رواه البيهقي بإسناد ضعيف وقال: إنه منكر. ولان مبناه على الاسقاط والدرء بالشبهة، فلا يدخله الاستيثاق، ولا يمكن استيفاؤه من غير الجاني. وعند أصحاب الشافعي تصح الكفالة بإحضار من عليه عقوبة لادمي كقصاص وحد قذف، لانه حق لازم، أما إذا كان حدا لله فلا تصح فيه الكفالة. ومنعها ابن حزم فقال: " لا تجوز الضمانة بالوجه أصلا لا في مال ولا حد، ولا في شئ من الاشياء، لان كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. ومن طريق النظر أن نسأل من قال بصحته عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول عنه ماذا تصنعون بالضامن بوجهه؟ أتلزمونه غرامة ما على المضمون؟ فهذا جور وأكل مال بالباطل، لانه لم يلتزمه قط. أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه، أم تكلفونه طلبه؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله إياه قط. وأجاز الكفالة بالوجه جماعة من العلماء. واستدلوا بأنه، ﷺ ، كفل في تهمة، قال: وهو خبر باطل، لانه من رواية إبراهيم بن خيثم بن عراك، وهو وأبوه في غاية الضعف لا تجوز الرواية عنهما.

стр. 1796

ثم ذكر آثارا عن عمر بن عبد العزيز وردها كلها بأنها لا حجة فيها، " إذا الحجة في كلام الله ورسوله لا غير ". ومتى تكفل بإحضاره لزمه إحضاره فإن تعذر عليه إحضاره مع حياته أن امتنع الكفيل عن إحضاره غرم ما عليه، لقوله ﷺ : " الزعيم غارم ". إلا إذا اشترط إحضاره دون المال، وصرح بالشرط لانه يكون ألزم ضد ما اشترط، وهذا مذهب المالكية وأهل المدينة. وقالت الاحناف: يحبس الكفيل إلى أن يأتي به أو يعلم موته، ولا يغرم المال إلا إذا شرطه على نفسه. وقالوا: إذا مات الاصيل فإنه لا يلزم الكفيل الحق الذي عليه، لانه إنما تكفل بالنفس ولم يكفل بالمال، فلا يلزمه ما لم يتكفل به. وهذا هو المشهور من قول الشافعي. وكذلك يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول نفسه. ولا يبرأ الكفيل بموت المكفول له بل تقوم ورثته مقامه في المطالبة بإحضار المكفول.

стр. 1797

الكفالة بالمال: والكفالة بالمال: هي التي يلتزم فيها الكفيل التزاما ماليا، وهي أنواع ثلاثة: ١ - الكفالة بالدين: وهي التزام أداء دين في ذمة الغير. ففي حديث سلمة بن الاكوع، أن النبي، ﷺ ، امتنع من الصلاة على من عليه الدين، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه (١) ويشترط في الدين: (أ) أن يكون ثابتا وقت الضمان كدين القرض والثمن والاجرة والمهر، فإذا لم يكن ثابتا فإنه لا يصح، فضمان ما لم يجب غير صحيح، كما إذا قال: بع لفلان وعلي أن أضمن الثمن، أو: أقرضه، وعلي أن أضمن بدله. وهذا مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن والظاهرية. وأجاز ذلك أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف، وقالوا بصحة ضمان ما لم يجب. (ب) أن يكون معلوما، فلا يصح ضمان المجهول، لانه غرر، فلو قال: ضمنت لك ما في ذمة فلان، وهما لا

стр. 1798

يعلمان مقداره فإنه لا يصح. وهذا مذهب الشافعي وابن حزم. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح ضمان المجهول. ٢ - كفالة بالعين أو كفالة بالتسليم: وهي التزام تسليم عين معينة موجودة بيد الغير مثل: رد المغصوب إلى الغاصب وتسليم المبيع إلى المشتري. ويشترط فيها أن تكون العين مضمونة على الاصيل كما في المغصوب. فإذا لم تكن مضمونة كالعارية والوديعة فإن الكفالة لا تصح. ٣ - كفالة بالدرك: أي بما يدرك المال المبيع ويلحق به من خطر بسبب سابق على البيع، أي أنها كفالة. وضمانة لحق المشتري تجاه البائع إذا ظهر للمبيع مستحق، كما لو تبين أن المبيع مملوك لغير البائع أو مرهون. رجوع الكفيل على المضمون عنه: وإذا أدى الضامن عن المضمون عنه ما عليه من دين رجع عليه متى كان الضمان والاداء بإذنه، لانه أنفق ماله فميا ينفعه بإذنه. وهذا مما اتفق الائمة الاربعة عليه. واختلفوا فيما إذا ضمن عن غيره حقا بغير أمره وأداه. وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو متطوع، وليس له

стр. 1799

الرجوع عليه. والمشهور عن مالك: أن له الرجوع به. وعن أحمد: روايتان. قال ابن حزم: " لا يرجع الضامن بما أدى سواء بأمره أو بغيره أمره إلا أن يكون المضمون عنه استقرضه. قال: وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور وأبو سليمان بمثل قولنا ". اهـ. من أحكام الكفالة: ١ - ومتى عدم المضمون أو غاب، ضمن الكفيل، ولا يخرج عن الكفالة إلا بأداء الدين منه أو من الاصيل، أو بإبراء الدائن نفسه من الدين أو نزوله عن الكفالة، وله هذا النزول لانه من حقه. ٢ - من حق المكفول له (أي صاحب الدين) فسخ عقد الكفالة من ناحية، ولو لم يرض المدين المكفول عنه أو الكفيل. وليس هذا الفسخ للمكفول عنه ولا للكفيل.

стр. 1800

المساقاة: تعريفها: المساقاة مفاعلة من السقي، وهذه المفاعلة على غير بابها. وسميت بهذه التسمية لان شجر أهل الحجاز أكثر حاجة إلى السقي لانها تسقى من الابار، فسميت بهذه التسمية. وهي في الشرع دفع الشجر لمن يقوم بسقيه ويتعهده حتى يبلغ تمام نضجه نظير جزء معلوم من ثمره. فهي شركة زراعية على استثمار الشجر يكون فيها الشجر من جانب، والعمل في الشجر من جانب، والثمرة الحاصلة مشتركة بينهما بنسبة يتفق عليها المتعاقدان كالنصف والثلث ونحو ذلك. ويسمى العامل بالمساقي، والطرف الاخر يسمى برب الشجر.

стр. 1801

والشجر يطلق على كل ما غرس ليبقى في الارض سنة فأكثر من كل ما ليس لقطعه مدة ونهاية معلومة، سواء أكان مثمرا أم غير مثمر. وتكون المساقاة على غير المثمر نظير ما يأخذه المساقي من السعف والحطب ونحوها. مشروعيتها: والمساقاة مشروعة بالسنة، وقد اتفق الفقهاء على جوازها للحاجة إليها، ما عدا أبا حنيفة الذي رأى أنها لا تجوز. وقد استدل الجمهور من العلماء على جوازها بما يأتي: ١ - روى مسلم عن ابن عمر أن النبي، ﷺ ، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. ٢ - وروى البخاري أن الانصار قالت للنبي، ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. أي أن الانصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل فعرضوا ذلك على الرسول، ﷺ ، فأبى، فعرضوا أن يتولوا أمره ولهم الشطر فأجابهم.

стр. 1802

وفي نيل الاوطار: قال الحازمي: روي عن علي بن أبي طالب، ﵁، وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، فقالوا: تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع قالوا: ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الارض كما جري في خيبر. ويجوز العقد على كل واحدة منها منفردة. أركانها: والمساقاة لها ركنان: ١ - الايجاب. ٢ - القبول. وتنعقد بكل ما يدل عليها من القول أو الكتابة أو الاشارة ما دام ذلك صادرا ممن يجوز تصرفهم. شروطها: ويشترط في المساقاة الشروط الاتية: ١ - أن يكون الشجر المساقى عليه معلوما بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها، لانه لا يصح العقد على مجهول. ٢ - أن تكون مدتها معلومة، لانها عقد لازم يشبه

стр. 1803

عقد الايجار، وحتى ينتفي الغرر. وقال أبو يوسف ومحمد: إن بيان المدة ليس بشرط في المساقاة استحسانا، لان وقت إدراك الثمر معلوم غالبا ولا يتفاوت تفاوتا يعتد به. وممن قال بعدم اشتراط هذا الشرط الظاهرية، واستدلوا بما رواه مالك مرسلا، أن الرسول، ﷺ ، قال لليهود: " أقركم ما أقركم الله ". وعند الاحناف أنه متى انتهت مدة المساقاة قبل نضج الثمر تترك الاشجار للعامل ليعمل فيها بلا أجر إلى أن ينضج. ٣ - أن يكون عقد المساقاة قبل بدو الصلاح، لانها في هذه الحال تفتقر إلى عمل. أما بعد بدو الصلاح، فمن الفقهاء من رأى أن المساقاة لا تجوز، لانه لا ضرورة تدعو إليها. ولو وقعت، لكانت إجارة لا مساقاة. ومنهم من جوزها في هذه الحال، لانها إذا جازت قبل أن يخلق الله الثمر فهي بعد بدو الثمر أولى. ٤ - أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم من الثمرة، أي يكون نصيبه معلوما بالجزئية: كالنصف والثلث، فلو شرط له أو لصاحب الشجر نخلات معينة أو قدرا معينا بطلت.

стр. 1804

وقال في بداية المجتهد: واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط (١) وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لانها إجارة بما لم يخلق. ومتى فقد شرط من هذه الشروط انفسخ العقد وفسدت المساقاة، فإن كان قد مضى فيها المساقي ونما الشجر أو الزرع بعمله فله أجر مثله، ونماء الشجر أو الزرع لمالكه. ما تجوز فيه المساقاة: اختلف الفقهاء فيما تجوز عليه المساقاة. فمنهم من قصرها على النخل كداود، ومنه من زاد على النخل العنب كالشافعي، ومنهم من توسع في هذا كالاحناف، فعندهم تصح على الشجر والكروم والبقول وكل ما له أصول في الارض ليس لقلعها نهاية معلومة، بل كلما جزت نبتت، وذلك كالكراث والقصب الفارسي. وإذا لم تبين المدة وقع العقد على أول جز يحصل بعد العقد. وتصح أيضا على ما تتلاحق آحاده وتظهر شيئا فشيئا كالباذنجان. ولو دفع شخص لاخر رطبة انتهى جذاذها على أن يقوم

стр. 1805

بخدمتها وسقيها حتى يخرج بذرها ويكون بينهما أنصافا جاز ذلك بلا بيان المدة. وعند مالك أنها تجوز في كل أصل ثابت، كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة، وتكون في الاصول غير النابتة كالمقاثي والبطيخ مع عجز صاحبها عنها، وكذلك الزرع. وعند الحنابلة تجوز المساقاة في كل ثمر مأكول. قال في المغني: وتصح المساقاة على البعلي من الشجر، كما تجوز فيما يحتاج إلى سقي، وبهذا قال مالك. قال: ولا نعلم فيه خلافا. وظيفة المساقي: ووظيفة عامل المساقاة - كما قال النووي: أن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته مما يتكرر كل سنة: كالسقي وتنقية الانهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك. وأما ما يقصد به حفظ الاصل ولا يتكرر كل سنة. كبناء الحيطان وحفر الانهار فعلى المالك. عجز العامل عن العمل: إذا وجد عذر يمنع العامل من العمل، كأن يمرض أو

стр. 1806

تصيبه عاهة أو يسافر سفرا اضطراريا فإن المساقاة تفسخ. وهذا في حالة ما إذا كان الطرف الاخر قد اشترط عليه أن يعمل بنفسه. فإذا لم يكن قد اشترط عليه هذا الشرط فإن المساقاة لا تنفسخ بل على العامل أن يقيم غيره مقامه. وهذا عند الاحناف. وقال مالك: إذا عجز العامل وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره، ووجب عليه أن يستأجر من يعمل. وإن لم يكن له شئ استؤجر من نصيبه من الثمر. وقال الشافعي: تنفسخ المساقاة بالعجز. موت أحد المتعاقدين: إذا مات أحد المتعاقدين فإن كان في الشجر ثمر لم يبد صلاحه فلرعاية مصلحة الطرفين يستمر العامل أو ورثته على العمل حتى ينضج الثمر، ولو جبرا على صاحب الشجر أو ورثته، لانه لا ضرر على أحد في ذلك، وليس للعامل أجرة في المدة التي بين انفساخ العقد ونضج الثمر. وإذا امتنع العامل أو ورثته عن العمل بعد انتهاء المدة أو انفساخ العقد لا يجبرون عليه، ولكنهم إذا أرادوا قطع الثمر قبل نضجه فلا يمكنون منه، وإنما يكون الحق للمالك أو ورثته في أحد ثلاثة أشياء:

стр. 1807

١ - الموافقة على قطع الثمر وقسمته حسب الاتفاق. ٢ - إعطاء العامل أو ورثته من النقود قيمة ما يخص نصيبهم وهو مستحق القطع. ٣ - الانفاق على الشجر حتى ينضج الثمر ثم الرجوع على المساقي أو ورثته بما أنفق أو يأخذ به ثمارا من نصيبه. وهذا مذهب الاحناف.

стр. 1808

الجعالة: () تعريفها: الجعالة عقد على منفعة يظن حصولها، كمن يلتزم بجعل (١) معين لمن يرد عليه متاعه الضائع، أو دابته الشاردة، أو يبني له هذا الحائط، أو يحفر له هذه البئر حتى يصل إلى الماء، أو يحفظ ابنه القرآن، أو يعالج المريض حتى يبرأ، أو يفوز في مسابقة كذا ... الخ. مشروعيتها: والاصل في مشروعيتها قول الله سبحانه: (٢)

стр. 1809

ولمن جاء به حمل بعير (١) وأنا به زعيم " (٢) . ولان الرسول، ﷺ ، أجاز أخذ الجعل على الرقية بام القرآن كما تقدم في باب الاجارة. وقد أجيزت للضرورة، ولهذا جاز فيها من الجهالة ما لم يجز في غيرها، فإنه يجوز أن يكون العمل مجهولا. ولا يشترط في عقد الجعالة حضور المتعاقدين كغيره من العقود، لقول الله تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير ". والجعالة عقد من العقود الجائزة التي يجوز لاحد المتعاقدين فسخه. ومن حق المجعول له أن يفسخه قبل الشروع في العمل كما أن له أن يفسخه بعد الشروع إذا رضي بإسقاط حقه. أما الجاعل فليس له أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل. وقد منعها بعض الفقهاء منهم ابن حزم، قال في المحلى: " لا يجوز الحكم بالجعل على أحد. فمن قال لاخر: إن جئتني بعبدي الابق فلك علي دينار، أو قال: إن فعلت

стр. 1810

كذا وكذا فلك درهم، أو ما أشبه ذلك، فجاءه بذلك، أو هتف وأشهد على نفسه: من جاءني بكذا فله كذا فجاءه به، لم يقض عليه بشئ، ويستحب لو وفى بوعده. وكذلك من جاء بآبق فلا يقضى له بشئ، سواء عرف بالمجئ بالاباق أو لم يعرف بذلك، إلا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة أو ليأتيه به من مكان معروف، فيجب له ما استأجره به. وأوجب قوم الجعل وألزموه الجاعل واحتجوا بقول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " (١) . وبقول يوسف ﵇: " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم "، وبحديث الذي رقى على قطيع من الغنم ". انتهى.

стр. 1811

الشركة تعريفها: الشركة هي الاختلاط. ويعرفها الفقهاء بأنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح (١) . مشروعيتها: وهي مشروعة بالكتاب والسنة والاجماع. ففي الكتاب يقول الله سبحانه: " فهم شركاء في الثلث " (٢) . وقوله سبحانه: " وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

стр. 1812

وقليل ما هم " (١) ، والخلطاء هم الشركاء. وفي السنة يقول الرسول، صلوات الله وسلامه عليه: إن الله تعالى يقول: " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه. فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما " (٢) . رواه أبو داود عن أبي هريرة. وقال زيد: كنت أنا والبراء شريكين. رواه البخاري. وأجمع العلماء على هذا. ذكر ذلك ابن المنذر. أقسامها: والشركة قسمان: القسم الاول: شركة أملاك. والقسم الثاني: شركة عقود. شركة الأملاك: وهي أن يتملك أكثر من شخص عينا من غير عقد. وهي إما أن تكون اختيارية أو جبرية: فالاختيارية، مثل أن يوهب هبة أو يوصى لهما بشئ فيقبلا فيكون الموهوب والموصى به ملكا لهما على

стр. 1813

سبيل المشاركة. وكذلك إذا اشتريا شيئا لحسابهما فيكون المشترى شركة بينهما شركة ملك. والجبرية: هي التي تثبت لاكثر من شخص جبرا دون أن يكون فعل في إحداث الملكية كما في الميراث. فإن الشركة تثبت للورثة دون اختيار منهم، وتكون شركة بينهم شركة ملك. حكم هذه الشركة: وحكم هذه الشركة أنه لا يجوز لاي شريك أن يتصرف في نصيب صاحبه بغير إذنه، لانه لا ولاية لاحدهما في نصيب الاخر، فكأنه أجنبي. شركة العقود: هي أن يعقد اثنان فأكثر عقدا على الاشتراك في المال وما نتج عنه من ربح. أنواعها: وأنواعها كما يلي: ١ - شركة العنان. ٢ - شركة المفاوضة. ٣ - شركة الابدان. ٤ - شركة الوجوه. ركنها: وركنها الايجاب والقبول، فيقول أحد الطرفين: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الثاني: قبلت.

стр. 1814

حكمها: أجاز الاحناف كل نوع من أنواع الشركات السابقة متى توفر فيها الشروط التي ذكروها. والمالكية أجازوا كل الشركات، ما عدا شركة الوجوه. والشافعية أبطلوها كلها ما عدا شركة العنان . والحنابلة أجازوها كلها ما عدا شركة المفاوضة . شركة العنان: (١) وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما، ولا يشترط فيها المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الربح. فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من الاخر. ويجوز أن يكون أحدهما مسئولا دون شريكه. ويجوز أن يتساويا في الربح. كما يجوز أن يختلفا حسب الاتفاق بينهما. فإذا كان ثمة خسارة فتكون بنسبة رأس المال. شركة المفاوضة: (٢) هي التعاقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في عمل بالشروط الاتية:

стр. 1815

١ - التساوي في المال، فلو كان أحد الشركاء أكثر مالا فإن الشركة لا تصح (١) . ٢ - التساوي في التصرف، فلا تصح الشركة بين الصبي والبالغ. ٣ - التساوي في الدين، فلا تنعقد بين مسلم وكافر. ٤ - أن يكون كل واحد من الشركاء كفيلا عن الاخر فيما يجب عليه من شراء وبيع كما أنه وكيل عنه، فلا يصح أن يكون تصرف أحد الشركاء أكثر من تصرف الاخر. فإذا تحققت المساواة في هذه النواحي كلها انعقدت الشركة وصار كل شريك وكيلا عن صاحبه وكفيلا عنه يطالب بعقده صاحبه، ويسأل عن جميع تصرفاته. وقد أجازها الحنفية والمالكية ولم يجزها الشافعي، وقال: " إذا لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا " لانها عقد لم يرد الشرع بمثله. وتحقق المساواة في هذه الشركة أمر عسير لما فيها من غرر وجهالة. وما ورد من

стр. 1816

الحديث: " فاوضوا فإنه أعظم للبركة " وقوله: " إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة " فإنه لم يصح شئ من ذلك. وصفتها عند الامام مالك: هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الاخر التصرف مع حضوره وغيبته، وتكون يده كيده. ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه. ولا يشترط المفاوضة أن يتساوي المال ولا أن لا يبقي أحدهما مالا إلا ويدخله في الشركة. شركة الوجوه: هي أن يشتري اثنان فاكثر من الناس دون أن يكون لهم رأس مال اعتمادا على جاههم وثقة التجار بهم، على أن تكون الشركة بينهما في الربح، فهي شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال. وهي جائزة. عند الحنفية والحنابلة لانها عمل من الاعمال فيجوز أن تنعقد عليه الشركة ويصح تفاوت ملكيتهما في الشئ المشترى. وأما الربح فيكون بينهما على قدر نصيب كل منهما في الملك. وأبطلها الشافعية والمالكية، لان الشركة إنما تتعلق بالمال أو العمل، وهما هنا غير موجودين. شركة الأبدان: هي أن يتفق اثنان على أن يتقبلا عملا من الاعمال على أن تكون أجرة هذا العمل بينهما حسب الاتفاق.

стр. 1817

وكثيرا ما يحدث هذا بين النجارين والحدادين والحمالين والخياطين والصاغة وغيرهم من المحترفين. وتصح هذه الشركة سواء اتحدث حرفتها أم اختلفت " كنجار مع نجار أو نجار مع حداد ". وسواء عملا جميعا أو عمل أحدهما دون الاخر، منفردين ومجتمعين. وتسمى هذه الشركة بشركة الاعمال أو الابدان أو الصنائع أو التقبل. ودليل جواز هذه الشركة ما رواه أبو عبيدة عن عبد الله قال: " اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ ". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. ويرى الشافعي أن هذه الشركة باطلة، لان الشركة عنده تختص بالاموال لا بالاعمال. وفي كتاب الروضة الندية كلام حسن في هذا الموضوع نورده فيما يلي: " واعلم أن هذه الاسامي التي وقعت في كتب الفروع لانواع من الشركة: كالمفاوضة، والعنان، والوجوه، والابدان، لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية، بل اصطلاحات

стр. 1818

حادثة متجددة، ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا كما هو معنى المفاوضة المصطلح عليها، لان للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ما لم يستلزم ذلك التصرف محرما مما ورد الشرع بتحريمه، وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا واشتراط العقد، فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما كاف. وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شئ بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن، كما هو معنى شركة العنان اصطلاحا، وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة ودخل فيها جماعة من الصحابة فكانوا يشتركون في شراء شئ من الاشياء ويدفع كل واحد منهم نصيبا من قيمته يتولى الشراء أحدهما أو كلاهما. وأما اشتراط العقد والخلط فلم يرد ما يدل على اعتباره. وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الاخر أن يستدين له مالا ويتجر فيه ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا. ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط. وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الاخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر عليه كما هو معنى شركة الابدان اصطلاحا. ولا معنى لا شتراط

стр. 1819

شروط في ذلك. والحاصل أن جميع هذه الانواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي، لان ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره. وما كان منها من باب الوكالة أو الاجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما، فما هذه الانواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها؟ وأي دليل عقلي أو نقلي ألجأهم إلى ذلك؟ فإن الامر أيسر من هذا التهويل والتطويل، لان حاصل ما يستفاد من شركة: المفاوضة، والعنان، والوجوه، أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شئ وبيعه، ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن، وهذا شئ واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلا عن العالم، ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف، وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا، وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه، وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما. وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذا الاقسام - التي هي في الاصل شئ واحد - اسما يخصه، فلا مشاحة في الاصطلاحات، لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات،

стр. 1820

وتكلفهم لتلك الشروط، وتطويل المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته؟ وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن: جواز الاشتراك في شراء الشئ وفي ربحه، لم يصعب عليه أن يقول: نعم. ولو قلت له: هل يجوز العنان أو الوجوه أو الابدان؟ لحار في فهم معاني هذه الالفاظ. بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه الكثير من تفاصيل هذه الانواع ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض. اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه، فربما يسهل عليه ما يهتدى به إلى ذلك. وليس المجتهد من وسع دائرة الاراء العاطلة عن الدليل، وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل، فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد، بل المجتهد من قرر الصواب، وأبطل الباطل، وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين، فالحق لا يعرف بالرجال. ولهذا المقصد سلكنا في هذه الابحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صفى فهمه عن التعصبات، وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات. والله المستعان ". اهـ.

стр. 1821

شركة الحيوان: ويرى ابن القيم جواز المشاركة في الحيوان بأن تكون العين مملوكة لشخص ويقوم الاخر على تربيتها على أن يكون الربح بينهما حسب الاتفاق. قال في إعلام الموقعين: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: اغرسها من الاشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والاجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب

стр. 1822

الاجارة، فالعوض مجهول فيفسد. ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للاجماع دون ما عدا ذلك، ومنه من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنه من منع الجواز فيما إذا كان بعض الاصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الاصل كالدر والنسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك: هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الاجارة، حتى قال شيخ الاسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة. قال: لان المستاجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذا قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تاتي الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات.

стр. 1823

وقد أقر النبي، ﷺ ، المضاربة على ما كانت عليه قبل الاسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الامة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كانه رأي عين، ثم لم ينسخه ولا ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم، يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع، إلا فيما منع منه النبي، ﷺ ، ثم قال: فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الامة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الامة. بعض صور من الشركات الجائزة: أورد ابن قدامة بعض صور من الشركات الجائزة، فقال في المغني:

стр. 1824

" فإن كان لقصار أداة ولاخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما، جاز، والاجرة على ما شرطاه، لان الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة، والالة والبيت لا يستحق بهما شئ لانهما يستعملان في العمل المشترك، فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشئ الذي تقبلا حملا. وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والالة، وإن كانت لاحدهما آلة وليس للاخر شئ، أو لاحدهما بيت وليس للاخر شئ، فاتفقا على أن يعملا بالالة أو في البيت والاجرة بينهما، جاز لما ذكرناه. قال: وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا، صح، نص عليه في رواية الاثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الاوزاعي ما يدل على هذا. وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لان الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لان هذا ليس من أقسام الشركة، إلا أن تكون

стр. 1825

المضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولان المضاربة تكون بالتجارة في الاعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. وقال القاضي: يتخرج أن لا يصح، بناء على أن المضاربة بالعروض لا تصح، فعلى هذا: إن كان أجر الدابة بعينها فالاجر لمالكها، وإن تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه، فالاجرة والثمن له، وعليه أجرة مثلها لمالكها. ولنا انها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والارض في المزارعة. وقولهم إنه ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد، فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه. قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق ابن إبراهيم قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز، وبه قال الاوزاعي.
следующие страницы →