← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

شركة الحيوان: ويرى ابن القيم جواز المشاركة في الحيوان بأن تكون العين مملوكة لشخص ويقوم الاخر على تربيتها على أن يكون الربح بينهما حسب الاتفاق. قال في إعلام الموقعين: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: اغرسها من الاشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والاجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب

стр. 1822

الاجارة، فالعوض مجهول فيفسد. ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للاجماع دون ما عدا ذلك، ومنه من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنه من منع الجواز فيما إذا كان بعض الاصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الاصل كالدر والنسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك: هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الاجارة، حتى قال شيخ الاسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة. قال: لان المستاجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذا قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تاتي الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات.

стр. 1823

وقد أقر النبي، ﷺ ، المضاربة على ما كانت عليه قبل الاسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الامة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كانه رأي عين، ثم لم ينسخه ولا ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم، يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع، إلا فيما منع منه النبي، ﷺ ، ثم قال: فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الامة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الامة. بعض صور من الشركات الجائزة: أورد ابن قدامة بعض صور من الشركات الجائزة، فقال في المغني:

стр. 1824

" فإن كان لقصار أداة ولاخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما، جاز، والاجرة على ما شرطاه، لان الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة، والالة والبيت لا يستحق بهما شئ لانهما يستعملان في العمل المشترك، فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشئ الذي تقبلا حملا. وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والالة، وإن كانت لاحدهما آلة وليس للاخر شئ، أو لاحدهما بيت وليس للاخر شئ، فاتفقا على أن يعملا بالالة أو في البيت والاجرة بينهما، جاز لما ذكرناه. قال: وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا، صح، نص عليه في رواية الاثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الاوزاعي ما يدل على هذا. وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لان الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لان هذا ليس من أقسام الشركة، إلا أن تكون

стр. 1825

المضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولان المضاربة تكون بالتجارة في الاعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. وقال القاضي: يتخرج أن لا يصح، بناء على أن المضاربة بالعروض لا تصح، فعلى هذا: إن كان أجر الدابة بعينها فالاجر لمالكها، وإن تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه، فالاجرة والثمن له، وعليه أجرة مثلها لمالكها. ولنا انها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والارض في المزارعة. وقولهم إنه ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد، فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه. قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق ابن إبراهيم قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز، وبه قال الاوزاعي.

стр. 1826

قال: وقالوا (١) لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا، لانها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالارض " (انتهى) .

стр. 1827

شركات التأمين: أفتى فضيلة الشيخ أحمد ابراهيم بعدم جواز عقود التأمين على الحياة، فقال: إن حقيقة الامر في عقود التأمين على الحياة هو عدم صحتها، ولبيان ذلك أقول: إن عاقد التأمين مع الشركة إذا أوفى الاقساط حال حياته كان له أن يسترد من الشركة كل المبلغ الذي دفعه مقسطا مع الربح الذي اتفق عليه مع الشركة. فأين هذا من عقد المضاربة الجائزة شرعا؟. فعقد المضاربة: أن يعطي زيد بكرا مائة جنيه (مثلا) ليتجر بها بكر على أن يكون الربح بينهما مشتركا بنسبة كذا على حسب ما يتفقان، لرب المال النصف وللمضارب الذي هو العامل النصف. الاول في مقابلة ماله، والثاني

стр. 1828

في مقابلة عمله. أو يكون للاول الثلثان وللثاني الثلث أو العكس. وهكذا. فشرط صحة المضاربة الاساسي أن يأخذ رب المال حقه مما تربحه التجارة بماله بعمل المضارب. فإذا لم تكسب التجارة ولم تخسر سلم لرب المال رأس ماله ولا شئ له ولا للمضارب بعد ذلك لعدم الربح، عملا بحكم المضاربة. وإذا خسرت التجارة كانت الخسارة على رب المال من رأس ماله دون المضارب، ولاشئ للمضارب في مقابل عمله لانه في هذه الحالة شريك وليس بأجير. أما إذا شرط رب المال على المضارب أن يأخذ رب المال مقدارا معينا فوق رأس ماله بصرف النظر عن كون التجارة كسبت أو خسرت، فهذا شرط فاسد، لانه يؤدي إلى قطع الشركة في الربح، وهذا مخالف لحكم المضاربة، أو إلى التزام المضارب بدفع مبلغ من ماله الخاص لرب المال. وهذا من باب أكل أموال الناس بالباطل. ثم إذا فسدت المضاربة بالشرط الذي ذكرته آنفا وهو الموجود في عقد التأمين، وربحت التجارة، كان الربح كله لرب المال. وأما المضارب فاء على رب المال أجر مثل

стр. 1829

عمله بالغا ما بلغ، على رواية الاصل لمحمد ﵀ لانه انقلب أجيرا بفساد المضاربة وخرج عن كونه شريكا. وعلى قول أبي يوسف المفتى به يكون للعامل أجر مثل (١) عمله دون أن يتجاوز المتفق عليه في العقد. وذلك لان المضاربة إذا كانت صحيحة لم يكن للعامل إلا المتفق عليه مع الربح. فإذا فسد العقد فلا ينبغي أن يستفيد المضارب من العقد الفاسد أكثر مما يستفيده من العقد الصحيح. وقول محمد في الاصل هو القياس. وقول أبي يوسف استحسان، للمعنى الذي قلنا. هـ ذه هي المضاربة الشرعية، وهذه هي أحكامها ... فهل يندرج عقد التأمين تحت المضاربة الصحيحة؟. الجواب: لا. وإذن هو يندرج تحت المضاربة الفاسدة. وحكمها شرعا هو ما أسمعتك هنا، وهو مخالف لحكم عقد التأمين قانونا. ولا يمكن أن يقال إن الشركة تتبرع للمؤمن بما

стр. 1830

التزمته. لان طبيعة عقد التأمين قانونا أنه من عقود المعاوضة الاحتمالية. وإذا قيل إن ما يدفعه المؤمن للشركة يعتبر قرضا يسترده مع أرباحه إذا كان حيا، فهذا قرض جر نفعا. وهو حرام. وهذا هو الربا المنهي عنه. وبالجملة فالموضوع على أي وجه قلبته وجدته لا ينطبق على عقد يصححه الشرع الاسلامي. وهذا الذي قدمناه هو فيما إذا بقي المؤمن على حياته حيا بعد توفيته ما التزمه على نفسه من الاقساط، أما إذا مات قبل إيفاء جميع الاقساط، وقد يموت بعد دفع قسط واحد فقط، وقد يكون الباقي مبلغا عظيما جدا، لان مبلغ التأمين على الحياة موكول تقديره إلى طرفي العقد على ما هو معلوم، فإذا أدت الشركة المتفق عليه كاملا لورثته أو لمن جعل له المؤمن ولاية قبض ما التزمت به الشركة بعد موته، ففي مقابل أي شئ دفعت الشركة هذا المبلغ؟. أليست هذه مخاطرة ومغامرة؟ وإذا لم يكن هذا من صميم المغامرة، ففي أي شئ المغامرة إذن ... ؟ وهل يتصور أن يجيز شرع يحرم أكل أموال الناس

стр. 1831

بالباطل أن يكون موت شخص مصدرا لان يجني ورثته أو من يقوم مقامه بعد موته ربحا اتفق عليه قبل موته مع آخر مجازف يؤديه بعد موت الاول إلى هؤلاء؟ مع العلم بأنه يجوز الاتفاق على أي مبلغ، بالغا قدره ما بلغ؟ ومتى كانت حياة الانسان وموته محلا للتجارة، ومن الاشياء التي تقوم بالمال غير الواقف مقداره عند أي حد، بل يوكل ذلك إلى تقدير العاقدين؟ على أن المغامرة حاصلة أيضا من ناحية أخرى. فإن المؤمن له، بعد أن يوفي جميع ما التزمه من الاقساط يكون له كذا. وإن مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته كذا. أليس هذا قمارا ومخاطرة؟ حيث لا علم له ولا للشركة بما سيكون من الامرين على التعيين ...

стр. 1832

لصلح: تعريفه: الصلح في اللغة: قطع المنازعة. وفي الشرع: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين. ويسمى كل واحد من المتعاقدين مصالحا. ويسمى الحق المتنازع فيه، مصالحا عنه. وما يسمى يؤديه أحدهما لخصمه قطعا للنزاع: مصالحا عليه أو بدل الصلح. مشروعيته: والصلح مشروع بالكتاب والسنة والاجماع من أجل أن يحل الوفاق محل الشقاق، ولكي يقضي على البغضاء بين المتنازعين. ففي الكتاب يقول الله :

стр. 1833

" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (١) ". وفي السنة يروي أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حيان عن عمرو بن عوف أن رسول الله، ﷺ ، قال: " الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ". وزاد الترمذي: " والمسلمون على شروطهم " ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال عمر،، ﵁: " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن ". وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلح بين الخصوم. أركانه: وأركان الصلح: الايجاب والقبول بكل لفظ ينبئ عن المصالحة، كأن يقول المدعى عليه:

стр. 1834

" صالحتك على المائة التي لك عندي على خمسين ". ويقول الاخر: " قبلت ". ونحو ذلك. ومتى تم الصلح أصبح عقدا لازما للمتعاقدين، فلا يصح لاحدهما أن يستقل بفسخه بدون رضا الاخر، وبمقتضى العقد يملك المدعي بدل الصلح ولا يملك المدعى عليه استرداده وتسقط دعوى المدعي فلا تسمع منه مرة أخرى. شروطه: من شروط الصلح ما يرجع إلى المصالح، ومنها ما يرجع إلى المصالح به، ومنها ما يرجع إلى المصالح عنه. شروط المصالح: يشترط في المصالح أن يكون ممن يصح تبرعه، فلو كان المصالح ممن لا يصح تبرعه مثل: المجنون أو الصبي أو ولي اليتيم أو ناظر الوقف، فإن صلحه لا يصح لانه تبرع، وهم لا يملكونه. ويصح صلح الصبي المميز وولي اليتيم وناظر الوقف إذا كان فيه نفع للصبي أو لليتيم أو للوقف، مثل أن يكون هناك دين على آخر وليس ثمة أدلة على ثبوت هذا الدين،

стр. 1835

فيصالح المدين على أخذ بعض دينه وترك البعض الاخر. شروط المصالح به: ١ - أن يكون مالا متقوما مقدور التسليم، أو يكون منفعة. ٢ - أن يكون معلوما علما نافيا للجهالة الفاحشة المؤدية إلى النزاع إن كان يحتاج إلى التسلم والتسليم. قال الاحناف: فإن كان لا يحتاج إلى التسليم والتسلم فإنه لا يشترط العلم به، كما إذا ادعى كل من رجلين على صاحبه شيئا، ثم تصالحا على أن يجعل كل منهما حقه بدل صلح عما للاخر. ورجح الشوكاني جواز الصلح بالمجهول عن المعلوم. فعن أم سلمة، ﵂، قالت: " جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله، ﵌، فإ مواريث بينهما قد درست (١) ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﵌: إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر (٢)

стр. 1836

ولعل بعضكم ألحن (١) بحجته من بعض. وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما (٢) في عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لاخي. فقال رسول الله، ﵌: أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا (٣) الحق. ثم استهما (٤) ثم ليحلل (٥) كل واحد منكما صاحبه ". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وفي رواية لابي داود: " وإنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه ". قال الشوكاني: وفيه دليل على أنه يصح الابراء عن المجهول، لان

стр. 1837

الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم. وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن المجهول. ولكن لا بد مع ذلك من التحليل (١) . وحكي في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح الصلح بمعلوم عن مجهول. انتهى. شروط المصالح عنه " الحق المتنازع فيه ": ويشترط في المصالح عنه الشروط الاتية: ١ - أن يكون مالا متقوما أو يكون منفعة، ولا يشترط العلم به لانه لا يحتاج فيه إلى التسليم. " فعن جابر أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي، ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي (٢) ويحلوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي، ﷺ حائطي، وقال: سنغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة. فجذذتها (٣) فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها ".

стр. 1838

وفي لفظ " أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود. فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله، ﷺ ، يشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ ، وكلم اليهودي ليأخذ ثمرة نخله بالذي له فأبى، فدخل النبي، ﷺ ، النخل فمشى فيها ثم قال لجابر: جذ له فأوف له الذي له، فجذه بعد ما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت سبعة عشر وسقا " رواه البخاري. قال الشوكاني: وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول. ٢ - أن يكون حقا من حقوق العباد يجوز الاعتياض عنه ولو كان غير مال كالقصاص. أما حقوق الله فلا صلح عنها. فلو صالح الزاني أو السارق أو شارب الخمر من أمسكه ليرفع أمر إلى الحاكم على مال ليطلق سراحه فإن الصلح لا يجوز، لانه لا يصح أخذ العوض في مقابلته. ويعتبر أخذ العوض في هذه الحال رشوة. وكذلك لا يصح الصلح عن حد القذف لانه شرع للزجر وردع الناس عن الوقوع في الاعراض، فهو وإن كان فيه حق للعبد ولكن حق الله فيه أغلب.

стр. 1839

ولو صالح الشاهد على مال ليكتم الشهادة عليه بحق لله تعالى أو بحق لادمي فإن الصلح غير صحيح لحرمة كتمان الشهادة. قال تعالى: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " (١) . وقال، جل شأنه: " وأقيموا الشهادة لله " (٢) . ولا يصح الصلح على ترك الشفعة. كما إذا صالح المشتري الشفيع على شئ ليترك الشفعة فالصلح باطل، لان الشفعة شرعت لازالة ضرر الشركة ولم تشرع من أجل استفادة المال، وكذلك لا يصح الصلح على دعوى الزوجية. أقسام الصلح: الصلح إما أن يكون صلحا عن إقرار، أو صلحا عن إنكار، أو صلحا عن سكوت. الصلح عن إقرار: والصلح عن إقرار: هو أن يدعي إنسان على غيره دينا أو عينا أو منفعة فيقر المدعى عليه بالدعوى ثم يتصالحا

стр. 1840

على أن يأخذ المدعي من المدعى عليه شيئا لان الانسان لا يمنع من إسقاط حقه أو بعضه. قال أحمد ﵁، ولو شفع فيه شافع لم يأثم، لان النبي، ﷺ كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر. وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر. يشير الامام أحمد إلى ما رواه النسائي وغيره عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله، ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما وكشف سجف حجرته فنادى: يا كعب. قال: لبيك يا رسول الله. قال: ضع من دينك هذا. وأومأ إلى الشطر. قال: لقد فعلت يا رسول الله. قال: قم فاقضه ". ثم إن المدعى عليه إن اعترف بنقد وصالح على نقد فإن هذا يعتبر صرفا ويعتبر فيه شروطه، وإن اعترف بنقد وصالح على عروض أو بالعكس فهذا بيع يثبت فيه أحكامه كلها. وإن اعترف بنقد أو عرض وصالح على منفعة كسكنى دار وخدمة فهذه إجارة تثبت فيها أحكامها، وإذا استحق المصالح عنه، الحق المتنازع فيه، كان من حق المدعى عليه

стр. 1841

أن يسترد بدل الصلح لانه ما دفعه إلا ليسلم له ما في يده. وإذا استحق البدل رجع المدعي على المدعى عليه لانه ما ترك المدعى إلا ليسلم له البدل. الصلح عن إنكار: والصلح عن إنكار: هو أن يدعي شخص على آخر عينا أو دينا أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحا. الصلح عن سكوت: والصلح عن سكوت: هو أن يدعي شخص على آخر ما ذكر فيسكت المدعى عليه، فلا يقر ولا ينكر. حكم الصلح عن إنكار وسكوت: وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى جواز الصلح عن الانكار والسكوت. وقال الامام الشافعي وابن حزم: لا يجوز إلا الصلح عن إقرار. لان الصلح يستدعي حقا ثابتا ولم يوجد في حال الانكار والسكوت. أما في حال الانكار فلان الحق لا يثبت إلا بالدعوى وهي معارضة بالانكار، ومع التعارض لا يثبت الحق. وأما في حال السكوت فلان الساكت يعتبر منكرا حكما حتى تسمع عليه البينة. وبذل كل منهما المال لدفع الخصومة

стр. 1842

غير صحيح. لان الخصومة باطلة، فيكون البذل في معنى الرشوة، وهي ممنوعة شرعا لقول الله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون " (١) . وقد توسط بعض العلماء فلم يمنعه بإطلاق ولم يبحه بإطلاق. فقال: والاولى أن يقال: إن كان المدعي يعلم أن له حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح عليه. وإن كان خصمه منكرا وإن كان يدعي باطلا فإنه يحرم عليه الدعوى، وأخذ ما صولح به. والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه، وإنما ينكر لغرض وجب عليه تسليم ما صولح عليه. وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريمه وأذيته. وحرم على المدعي أخذه. وبهذا تجتمع الادلة: فلا يقال الصلح على الانكار لا يصح، ولا أنه يصح على الاطلاق. بل يفصل فيه (٢) .

стр. 1843

والذين أجازوا الصلح عن إنكار أو سكوت قالوا: إن حكمه يكون في حق المدعي معاوضة عن حقه. وفي حق المدعى عليه افتداء ليمينه وقطعا للخصومة عن نفسه. ويترتب على هذا أن بدل الصلح إذا كان عينا كان في معنى البيع، فتجري عليه جميع أحكامه. وإن كان منفعة كان في معنى الاجارة فتجري عليه أحكامها. وأما المصالح عنه فإنه لا يكون كذلك لانه في مقابلة انقطاع الخصومة وليس عوضا عن مال، ومتى استحق بدل الصلح رجع المدعي بالخصومة على المدعى عليه، لانه لم يترك الدعوى إلا ليسلم له البدل. ومتى استحق المصالح عنه رجع المدعى عليه على المدعي لانه لم يدفع البدل إلا ليسلم له المدعى، فإذا استحق لم يتم مقصوده، فيرجع على المدعي. الصلح عن دين المؤجل ببعضه حالاً: ولو صالح عن الدين المؤجل ببعضه حالا لم يصح عند الحنابلة وابن حزم. قال ابن حزم في المحلي: " ولا يجوز في الصلح الذي يكون فيه إبراء من البعض

стр. 1844

شرط تأجيل أصلا، لانه شرط ليس في كتاب الله. فهو باطل. ولكنه يكون حالا في الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط، لانه فعل خير ". وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس، وابن سيرين والنخعي: أنه لا باس به.

стр. 1845

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القضاء: العدل هو الغاية من رسالات الله: إن العدل قيمة من القيم الاسلامية العليا. ذلك أن إقامة الحق والعدل هي التي تشيع الطمأنينة، وتنشر الامن، وتشد علاقات الافراد بعضهم ببعض، وتقوي الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتنمي الثروة، وتزيد في الرخاء، وتدعم الاوضاع، فلا تتعرض لخلخلة أو اضطراب، ويمضي كل من الحاكم والمحكوم إلى غايته في العمل، والانتاج، وخدمة البلاد، دون أن يقف في طريقه ما يعطل نشاطه، أو يعوقه عن النهوض. وإنما يتحقق العدل بإيصال كل حق إلى مستحقه والحكم بمقتضى ما شرع الله من أحكام ويتجنب الهوى بالقسمة بين الناس بالسوية.

стр. 1846

وما كانت مهمة رسل الله إلا القيام بهذا الامر وانفاذه. وما كانت وظيفة أتباع الرسل إلا السير على هذا النهج كي تبقى النبوة تمد الناس بظلها الظليل " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " (١) . القضاء (٢) في الاسلام: ومن أهم الوسائل التي يتحقق بها القسط وتحفظ الحقوق وتصان الدماء والاعراض والاموال هي إقامة النظام القضائي الذي فرضه الاسلام وجعله جزءا من تعاليمه وركيزة من ركائزه التي لابد منها ولاغنى عنها. وكان أول من تولى هذه الوظيفة في الاسلام الرسول ﷺ فقد جاء في المعاهدة التي تمت بعد الهجرة بين المسلمين واليهود وغيرهم: " إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ".

стр. 1847

وقد أمره الله أن يحكم بما أنزل فقال: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما " ... الخ (١) . وتولى قضاء مكة على عهد رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد كما تولى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قضاء اليمن. روى أهل السنن وغيرهم أن عليا لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا قال: يارسول الله، بعثتني بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدري وقال: " اللهم أهده وثبت لسانه ". قال علي: فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين ". وعن علي كرم الله وجهه أن الرسول ﷺ قال: " يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر، كما سمعت من الاول فإنك إذا

стр. 1848

فعلت ذلك تبين لك القضاء " (١) فيم يكون القضاء: والقضاء يكون في جميع الحقوق سواء أكانت حقوقا لله أم حقوقا للادميين. وقد أفاد ابن خلدون " أن منصب القضاء استقر آخر الامر على أن يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أحوال المحجور عليهم من المجانين واليتام والمفلسين وأهل السفه. وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الايامى عند فقد أوليائهن على رأي من يراه. والنظر في مصالح الطرقات والابنية وتصفح الشهود والامناء والنواب واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجراح ليحصل له الوثوق بهم. وصارت هذه كلها من متعلقات وظيفته وتوابع ولايته " ا. هـ. منزلة القضاء: والقضاء فرض كفاية لدفع التظالم وفصل التخاصم ويجب على الحاكم أن ينصب للناس قاضيا ومن أبي أجبره عليه. وإذا كان الانسان في جهة لا يصلح للقضاء غيره تعين

стр. 1849

عليه ووجب عليه الدخول فيه. وقد رغب الاسلام في الحكم بين الناس بالحق وجعله من الغبطة: روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لاحسد (١) إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس ". ووعد القاضي العادل بالجنة: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار " (٢) . وعن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال: " إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى الله عنه ولزمه الشيطان " (٣) .

стр. 1850

أما ما جاء من الاحاديث في التحذير من الدخول في القضاء مثل ما رواه سعيد المغبري أن الرسول ﷺ قال: " من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين " (١) . (أي فقد تعرض لذبح نفسه وإهلاكها بتوليه القضاء) . فإنها ترجع إلى الاشخاص الذين لاعلم لهم بالحق ولا قدرة لهم على الصدع به ولا يتمكنون من ضبط أنفسهم ولا كبح جماحها ومنعها من الميل إلى الهوى. والذي يرشد إلى هذا حديث أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف. وإنها أمانة (٢) وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها " (٣) . وعن أبي موسى الاشعري قال: دخلت على النبي

стр. 1851

صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: يارسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عزوجل. وقال الاخر مثل ذلك فقال: إنا والله لانولي هذا العمل أحدا يسأله أو أحدا يحرص عليه ". وعن أنس (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده " (٢) . والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الاكمل هو السبب في امتناع بعض الائمة عن الدخول في القضاء. ومن طريف ما يروى في هذا: أن حياة بن شريح دعي إلى أن يتولى قضاء مصر. فلما عرض عليه الامير امتنع فدعا له بالسيف. فلما رأى ذلك أخرج مفتاحا كان معه وقال: هذا مفتاح بيتي ولقد اشتقت إلى لقاء ربي. فلما رأى الامير عزيمته تركه. من يصلح للقضاء: ولا يقضي بين الناس إلا من كان عالما بالكتاب

стр. 1852

والسنة فقيها في دين الله قادرا على التفرقة بين الصواب والخطأ. بريئا من الجور بعيدا عن الهوى. وقد اشترط الفقهاء في القاضي أن يبلغ درجة الاجتهاد (١) فيكون عالما بآيات الاحكام وأحاديثها، عالما بأقوال السلف ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، عالما باللغة وعالما بالقياس، وأن يكون مكلفا ذكرا عدلا سميعا بصيرا ناطقا. وهذه الشروط تعتبر حسب الامكان ويجب تولية الامثل فالامثل. فلا يصح قضاء المقلد ولا الكافر ولا الصغير ولا المجنون ولا الفاسق ولا المرأة (٢) لحديث أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: " لن يفلح

стр. 1853

قوم ولوا أمرهم امرأة " (١) . وقد اشترط الفقهاء أيضا مع هذه الشروط تولية الحاكم للقاضي فانها شرط في صحة قضائه وهذا بخلاف المتداعيين إذا ارتضيا حكما يقضي بينهما ممن ليس له ولاية القضاء، فقد أجازه مالك وأحمد (٢) ولم يجوزه أبو حنيفة إلا بشرط أن يوافق حكمه حكم قاضي البلد. وقد ذكر الله لنا المثل الاعلى في القضاء فقال جل شأنه: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " (٣) وإذا كان هذا الخطاب موجها إلى داود ﵇ فهو في الواقع موجه إلى ولاة الامور لان الله لم يذكر ذلك إلا ليبين لنا المثل الاعلى في

стр. 1854

الحكم وأن داود وهو نبي معصوم يخاطبه الله بقوله: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ". فإذا كان النبي وهو معصوم يخشى عليه من اتباع الهوى فأولى بأن يخشى على غيره من غير المعصومين. وعن أبي بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار " (١) . ومع الكتاب والسنة كان بعض القضاة يرجع في قضائه إلى أقوال الائمة واختيار الرأي القوي الذي يتفق مع الحق بعد انتهاء عصر الاجتهاد. ذكر محمد بن يوسف الكندي ان ابراهيم بن الجراح تولى القضاء في سنة ٢٠٤. وقد قال عمربن خالد: ما صحبت أحدا من القضاة كابراهيم بن الجراح. كنت إذا عملت له المحضر وقرأته عليه أقام عنده ما شاء الله أن يقيم ويرى فيه رأيه، فإذا أراد أن يقضي به دفعه إلي لانشى

стр. 1855

منه سجلا فأجد في ظهره: قال أبو حنيفة كذا. وفي سطر: قال ابن أبي ليلى كذا. وفي سطر آخر: قال أبو يوسف وقال مالك كذا. ثم أجد على سطر منها علامة كالخط فأعلم أن اختياره وقع على ذلك القول فأنشئ السجل عليه. وقد رأى بعض العلماء إلزام القضاة بالقضاء بمذهب معين منعا للاضطراب وبلبلة الافكار. قال الدهلوي: إن بعض القضاة لما جاروا في أحكامهم صار أولياء الامور يلزمون القضاة بأن يحكموا بمذهب معين لا يعدونه، ولم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة وتكون شيئا قد قيل من قبل. قضاء من ليس بأهل للقضاء: قال العلماء: كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فهو آثم ولا ينفذ حكمه وسواء وافق الحق أم لا، لان اصابة الحق اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا. وأحكامه مردودة كلها. ولا يعذر في شئ من ذلك. النهج القضائي: وقد بين لنا الرسول ﷺ المنهج الذي ينبغي

стр. 1856

أن يسلكه القاضي في قضائه لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: " بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبرأيي " (١) . وعلى القاضي أن يتحرى الحق فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش فكره فلا يقضي أثناء الغضب الشديد أو الجوع المفرط أوالهم المقلق أو الخوف المزعج أو النعاس الغالب أو الحر الشديد أو البرد الشديد أو شغل القلب شغلا يصرف عن المعرفة الصحيحة والفهم الدقيق. ففي حديث أبي بكرة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ". فإذا حكم القاضي أثناء حالة من هذه الحالات صح حكمه إن وافق الحق عند جمهور الفقهاء. المجتهد مأجور: ومهما اجتهد القاضي في معرفة الحق وإصابة الصواب فهو مأجور ولو لم يصب الحق. فعن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وان اجتهد

стр. 1857

فأخطأ فله أجر " (١) . قال الخطابي: إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق لان اجتهاده عبادة. ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الاثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعا لالة الاجتهاد عارفا بالاصول وبوجوه القياس. وأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر. وعن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " (٢) . وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن أحدهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك.

стр. 1858

وقالت الاخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكما إلى داود فقضى للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصغرى ". وهذا من فقه سليمان. فقد عمد إلى هذا الاسلوب لمعرفة الام الحقيقية فلما قال: ائتوني بالسكين أشقه، تحركت عاطفة الام الحقيقية ورفضت أن يقتل ابنها وآثرت أن يبقى حيا بعيدا عنها على قتله. فاستدل سليمان بهذه القرينة على أنه ابنها. وقد ذكر الله قصة داود وسليمان فقال جل شأنه: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما ... " (١) . ذكر المفسرون: أن الغنم انتشرت في الزرع فأفسدته، وأن أصحاب الزرع اختصموا معهم فرفعت القضية إلى داود ليحكم فيها فحكم داود بالغنم لاصحاب الزرع.

стр. 1859

فخرجا من عنده ومرا بسليمان فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بما هو أرفق بالفريقين. فبلغ ذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضي؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرقه فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك. ا لواجب على القاضي: وعلى القاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء (١) : ١ - في الدخول عليه ٢ - والجلوس بين يديه ٣ - والاقبال عليهما ٤ - والاستماع لهما ٥ - والحكم عليهما والمطلوب منه التسوية بينهما في الافعال دون القلب، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته

стр. 1860

على الاخر فلا شئ عليه، لانه لا يمكنه التحرز عنه. ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته، لان ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعى عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أولا يشهدوا، ولا أن يضيف أحد الخصمين دون الاخر، لان ذلك يكسر قلب الاخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين. وروي أن النبي ﷺ كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، ولا يقبل الهدية من أحد إلا إذا كانت ممن جرت عادته بأن يهديه قبل تولي منصب القضاء، فإن الهدية إلى القاضي ممن لم تجر عادته بإهدائه تعتبر من الرشوة. عن بريدة أن النبي ﷺ قال: " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول " (١) . وقال ﵊: " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم " (٢) .
следующие страницы →