← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

أن يسلكه القاضي في قضائه لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: " بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبرأيي " (١) . وعلى القاضي أن يتحرى الحق فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش فكره فلا يقضي أثناء الغضب الشديد أو الجوع المفرط أوالهم المقلق أو الخوف المزعج أو النعاس الغالب أو الحر الشديد أو البرد الشديد أو شغل القلب شغلا يصرف عن المعرفة الصحيحة والفهم الدقيق. ففي حديث أبي بكرة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ". فإذا حكم القاضي أثناء حالة من هذه الحالات صح حكمه إن وافق الحق عند جمهور الفقهاء. المجتهد مأجور: ومهما اجتهد القاضي في معرفة الحق وإصابة الصواب فهو مأجور ولو لم يصب الحق. فعن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وان اجتهد

стр. 1857

فأخطأ فله أجر " (١) . قال الخطابي: إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق لان اجتهاده عبادة. ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الاثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعا لالة الاجتهاد عارفا بالاصول وبوجوه القياس. وأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر. وعن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " (٢) . وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن أحدهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك.

стр. 1858

وقالت الاخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكما إلى داود فقضى للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصغرى ". وهذا من فقه سليمان. فقد عمد إلى هذا الاسلوب لمعرفة الام الحقيقية فلما قال: ائتوني بالسكين أشقه، تحركت عاطفة الام الحقيقية ورفضت أن يقتل ابنها وآثرت أن يبقى حيا بعيدا عنها على قتله. فاستدل سليمان بهذه القرينة على أنه ابنها. وقد ذكر الله قصة داود وسليمان فقال جل شأنه: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما ... " (١) . ذكر المفسرون: أن الغنم انتشرت في الزرع فأفسدته، وأن أصحاب الزرع اختصموا معهم فرفعت القضية إلى داود ليحكم فيها فحكم داود بالغنم لاصحاب الزرع.

стр. 1859

فخرجا من عنده ومرا بسليمان فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بما هو أرفق بالفريقين. فبلغ ذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضي؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرقه فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك. ا لواجب على القاضي: وعلى القاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء (١) : ١ - في الدخول عليه ٢ - والجلوس بين يديه ٣ - والاقبال عليهما ٤ - والاستماع لهما ٥ - والحكم عليهما والمطلوب منه التسوية بينهما في الافعال دون القلب، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته

стр. 1860

على الاخر فلا شئ عليه، لانه لا يمكنه التحرز عنه. ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته، لان ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعى عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أولا يشهدوا، ولا أن يضيف أحد الخصمين دون الاخر، لان ذلك يكسر قلب الاخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين. وروي أن النبي ﷺ كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، ولا يقبل الهدية من أحد إلا إذا كانت ممن جرت عادته بأن يهديه قبل تولي منصب القضاء، فإن الهدية إلى القاضي ممن لم تجر عادته بإهدائه تعتبر من الرشوة. عن بريدة أن النبي ﷺ قال: " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول " (١) . وقال ﵊: " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم " (٢) .

стр. 1861

قال الخطابي: وانما يلحقهما العقوبة معا إذا استويا في القصد والارادة، فرشا المعطي لينال به باطلا ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلما فإنه غير داخل في هذا الوعيد. روي أن ابن مسعود أخذ في سبي وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله. وروي عن الحسن والشعبي وجابربن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. وكذلك الاخذ انما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه أداؤه، فلا يفعل ذلك حتى يرشى. أو عمل باطل يجب عليه تركه فلا يتركه حتى يصانع ويرشى. ا. هـ قال في فتح العلام: " وحاصل ما يأخذه القضاة من الاموال على أربعة أقسام: رشوة، وهدية، وأجرة، ورزق.

стр. 1862

فالاول الرشوة إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام على الاخذ والمعطي، وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي. لانها لاستيفاء حقه، فهي كجعل الابق وأجرة الوكالة على الخصومة. وقيل: تحرم لانها توقع الحاكم في الاثم. وأما الهدية وهي الثاني: فإن كان ممن يهاديه قبل الولاية فلا يحرم استدامتها. وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية: فان كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده، جازت وكرهت. وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي. وأما الاجرة وهي الثالث: فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق منه حرمت بالاتفاق، لانه إنما أجري له الرزق لاجل الاشتغال بالحكم فلا وجه للاجرة. وإن كان لا جراية له من بيت المال جاز له أخذ الاجرة على قدر عمله غير حاكم، فإن أخذ أكثر مما يستحقه حرم عليه. لانه إنما يعطى الاجرة لكونه عمل عملالا لاجل كونه حاكما. فأخذه لما زاد على أجر مثله غير حاكم إنما أخذها لافي مقابلة شئ بل في مقابلة كونه حاكما.

стр. 1863

ولا استحق لاجل كونه حاكما شيئا من أموال الناس اتفاقا. فأجرة العمل أجرة مثله، فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام. ولذا قيل إن تولية القضاء من كان غنيا أولى من توليته من كان فقيرا. وذلك لانه لفقره يصير متعرضا لتناول ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت المال " ا. هـ. رسالة عمربن الخطاب في القضاء: ولقد وضع عمربن الخطاب الدستور المحكم للقضاء في الرسالة التي أرسلها إلى أبي موسى الاشعري نذكرها فيما يلي. بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمربن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك. أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له، آس (١) بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى

стр. 1864

لا يطمع شريف في حيفك (١) ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق. فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج (٢) في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الاشباه والامثال فقس الامور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا (٣) في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ (٤) بالبينات والايمان، وإياك والقلق والضجر (٥)

стр. 1865

والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فان الحق في مواطن الحق يعظم الله به الاجر ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق (١) للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام. شفاعة القاضي: وللقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة فيطلب من الخصوم أن يصطلحوا أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه. عن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف (٢) حجرته، ونادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب، فقال،: لبيك يارسول الله، فأشار له بيده، أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال

стр. 1866

النبي ﷺ : قم فاقضه " (١) . نفاذ الحكم ظاهرا: حكم القاضي لا يحل حلالا ولا يحرم حراما لحديث السيدة أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه. فإنما أقطع له قطعة من النار " (٢) . وقد حكى الشافعي الاجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام. فإذا ادعى إنسان على آخر حقا وأقام الشهود على ذلك وحكم القاضي للمدعي فإنه يحل له أن يأخذ هذا الحق متى كانت البينة بينة صادقة. فإذا كانت البينة التي أقامها المدعي كاذبة كأن كان الشهود شهود زور فحكم له بمقتضى هذه الشهادة فإن الحكم لا يغير الواقع ولا يبيح للمدعي أن يأخذ الحق المدعى لانه على ملك صاحبه.

стр. 1867

ولم يختلف أحد من الفقهاء في هذا، إلا أن أبا حنيفة قال: إن القضاء في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا..فإذا شهد شاهد زور عند القاضي على طلاق امرأة فحكم القاضي بالطلاق طلقت من زوجها بقضائه، وجاز لها أن تتزوج من آخر. كما يجوز أن يتزوجها من شهد بطلاقها زورا. وكذلك لو شهد شهادة زور على أجنبية أنها زوجة لرجل أجنبي ليست له بزوجة فحكم القاضي بمقتضى هذه الشهادة فإنها تحل له بمقتضى هذا الحكم. وما ذهب إليه أبو حنيفة من التفرقة بين قضايا الدماء والاملاك وقضايا العقود والفسوخ غير صحيح لانه لافرق بين هذا وذاك. وخالفه في ذلك أصحابه. القضاء على الغائب الذي لا وكيل له: يجوز للمدعي أن يدعي على الغائب الذي لا وكيل له. ويجوز للحاكم أن يحكم عليه متى ثبتت الدعوى. ودليل ذلك: ١ - أن الله يقول:

стр. 1868

" فاحكم بين الناس بالحق " (١) والذي ثبت بالبينة حق فيجب الحكم به. ٢ - ذكرت هند لرسول الله ﷺ أن أبا سفيان رجل شحيح هل لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال لها الرسول ﷺ : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". وهذا قضاء على غائب. ٣ - وروى مالك في الموطا أن عمر قال: من كان له دين فليأتنا غدا فإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه. وكان الشخص الذي قضى عليه ببيع ماله غائبا. ٤ - ولان الامتناع عن القضاء عليه اضاعة الحقوق إذ لا يعجز الممتنع عن الوفاء من الغيبة، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وقالوا: ان الغائب لا يفوت عليه حق فانه إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم لانه في حكم المشروط. وقال شريح وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى

стр. 1869

وأبو حنيفة: إن القاضي لا يقضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كوكيل أو وصي لانه يمكن أن يكون معه حجة تبطل دعوى المدعي، ولان الرسول ﷺ قال لعلي في الحديث المتقدم: " يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الاول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء " (١) . قال الخطابي: وقد حكم أصحاب الرأي على الغائب في مواضع: منها الحكم على الميت والطفل. وقالوا: في الرجل يودع وديعة ثم يغيب فإذا ادعت امرأته النفقة وقدمت المودع إلى الحاكم قضى لها عليه بها. وقالوا: إذا ادعى الشفيع على الغائب أنه باع عقاره وسلم واستوفى الثمن فإنه يقضي له بالشفعة. وكل هذا حكم على الغائب. القضاء بين الذميين: وإذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جازذلك.

стр. 1870

ويقضى بينهم بما أنزل الله وبما يقضى به بين المسلمين. يقول الله تعالى: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " (١) . هل لصاحب الحق أن يأخذه من المماطل بدون تقاض: قالت الشافعية: من لهعند شخص حق وليس له بينة، وهو منكر، فله أن يأخذ جنس حقه من ماله إن قدر ولا يأخذ غير الجنس مع قدرته على الجنس. قالوا: فإن لم يجد إلا غير الجنس جاز له الاخذ. ولو أمكن تحصيل الحق بالقاضي، بأن كان من عليه الحق مقرا مماطلا أو منكرا وعليه البينة، أو كان يرجو إقراره لو حضر عند القاضي وعرض عليه اليمين فهل يستقل بالاخذ أم يجب الرفع إلى القاضي؟ فيه خلاف. الراجح جواز الاخذ ويشهد له قضية هند زوجة

стр. 1871

أبي سفيان. ولان في المرافعة مشقة ومؤونة وتضييع زمان. قالوا: ثم متى جاز له الاخذ فلم يصل إلى حقه إلا بكسر الباب وثقب الجدار جاز له ذلك ولا يضمن مما أتلف كمن لم يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله فأتلفه لا يضمن. وما ذهبوا إليه لا يتنافى مع قول الرسول ﷺ : " أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " قال الخطابي: " وذلك لان الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلما وعدوانا. فأما من كان مأذونا له في أخذ حقه من مال خصمه واستدراك ظلامته منه، فليس بخائن، وإنما معناه: لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته، وهذا لم يخنه، لانه يقبض حقا لنفسه، والاول يغتصب حقا لغيره " ا. هـ. ظهور حكم جديد القاضي: إذا حكم القاضي في قضية باجتهاده ثم ظهر له حكم آخر يخالف الحكم الاول فإنه لا ينقضه وكذلك إذا

стр. 1872

رفع إليه حكم قاض آخر فلم يره فإنه لا ينقضه وأصل ذلك ما رواه عبد الرزاق في قضاء عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لابيها وأمها وأخويها لامها فأشرك عمر بين الاخوة للام والاب والاخوة للام في الثلث فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم. قال ابن القيم: فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق. نماذج من القضاء في صدر الإسلام: أخرج أبو نعيم في الحلية قال: وجد علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - درعا له عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل له أورق. فقال اليهودي: درعي وفي يدي. ثم قال اليهودي بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحا. فلما رأى عليا قد أقبل تحرف عن موضعه. وجلس علي فيه. ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تساووهم في المجلس، وساق الحديث. قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين. قال درعي

стр. 1873

سقطت عن جمل لي أورق فالتقطها هذا اليهودي. قال شريح: ما تقول يايهوي. قال: درعي وفي يدي. قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا بد من شاهدين. فدعا قنبر والحسن بن علي وشهدا أنها درعه. فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها. فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ". قال: اللهم نعم. قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ ثم قال اليهودي: خذ الدرع. فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي. صدقت والله ياأمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فوهبها له علي. كرم الله وجهه. وأجازه بتسعمائة. وقتل معه يوم صفين " ا. هـ .

стр. 1874

الدعاوى والبينات: تعريف الدعاوى: الدعاوى جمع دعوى وهي في اللغة الطلب، يقول الله سبحانه: " ولكم فيها ما تدعون " (١) أي تطلبون. وفي الشرع: هي إضافة الانسان إلى نفسه استحقاق شئ في يد غيره أو في ذمته. والمدعي: هو الذي يطالب بالحق. وإذا سكت عن المطالبة ترك. والمدعى عليه: هو المطالب بالحق. وإذا سكت لم يترك. ممن تصح الدعوى: والدعوى لا تصح إلا من الحر العاقل البالغ الرشيد. فالعبد والمجنون والمعتوه والصبي والسفيه لا تقبل دعواهم. وكما تجب هذه الشروط بالنسبة للمدعي فإنها تجب أيضا بالنسبة للمنكر للدعوى.

стр. 1875

لا دعوى إلا ببينة: ولا تثبت دعوى إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر. فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ". رواه أحمد ومسلم. المدعي هو الذي يكلف بالدليل: والمدعي هو الذي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه وصحتها، لان الاصل في المدعى عليه براءة ذمته. وعلى المدعي أن يثبت العكس. فقد روى البيهقي والطبراني بإسناد صحيح أن الرسول ﷺ قال: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". اشتراط قطعية الدليل: ويشترط في الدليل أن يكون قطعيا لان الدليل الظني لا يفيد اليقين " وإن الظن لا يغني من الحق شيئا " (١) . وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم. قال:

стр. 1876

على مثلها فاشهد أو دع " رواه الخلال في جامعه وابن عدي وهو ضعيف لان في إسناده محمد بن سليمان، ضعفه النسائي، وقال البيهقي لم يرد من وجه يعتمد عليه. طرق إثبات الدعوى: وطرق إثبات الدعوى هي: (١) الاقرار (٢) الشهادة (٣) اليمين (٤) الوثائق الرسمية الثابتة. ولكل طرق من هذه الطرق أحكام نذكرها فيما يلي:

стр. 1877

الإقرار تعريفه: الاقرار في اللغة: الاثبات من قر الشئ يقر، وفي الشرع: الاعتراف بالمدعى به، وهو أقوى الادلة لاثبات دعوى المدعى عليه ولهذا يقولون: إنه سبد الادلة ويسمى بالشهادة على النفس. مشروعيته: أجمع العلماء على أن الاقرار مشروع بالكتاب والسنة، يقول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " (١) . ويقول الرسول ﷺ : واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ". ويقول " صل من قطعتك. وأحسن إلى من أساء إليك. وقل الحق ولو على

стр. 1878

نفسك ". (١) وعن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ أن أنظر إلى من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي، وإن قطعوني وجفوني. وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن لا أسأل أحدا شيئا، وأن استكثر من " لا حول ولا قوة إلا بالله "، فإنها من كنوز الجنة. وكان الرسول ﷺ يقضي به في الدماء والحدود والاموال. شروط صحته: ويشترط لصحة الاقرار ما يأتي: العقل والبلوغ والرضا وجواز التصرف. وأن لا يكون المقر هازلا. وان لا يكون أقر بمحال عقلا أو عادة. فلا يصح إقرار المجنون ولا الصغير ولا المكره ولا المحجور عليه ولا الهازل ولا بما يحيله العقل أو العادة لان كذبه في هذه الاحوال معلوم ولا يحل الحكم بالكذب. الرجوع عن الإقرار: ومتى صح الاقرار كان ملزما للمقر ولا يصح له

стр. 1879

رجوعه عنه متى كان الاقرار متعلقا بحق من حقوق الناس. أما إذا كان الاقرار متعلقا بحق من حقوق الله كما في حد الزنا والخمر فإنه يصح فيه الرجوع: لقوله ﷺ : " ادرأوا الحدود بالشبهات ". ولما تقدم في حديث ما عز في باب الحدود. وخالف الظاهرية ومنعوا صحة الرجوع عن الاقرار سواء أكان في حق من حقوق الله أو حق من حقوق العباد. الاقرار حجة قاصرة: والاقرار حجة قاصرة لا تتعدى غير المقر. فلو أقر على الغير فإن إقراره عليه لا يجوز بخلاف البينة فإنها حجة متعدية إلى الغير. فلو ادعى مدع على آخرين دينا وأقر به بعضهم وأنكر البعض الاخر فإن الاقرار لا يلزم إلا من أقر. ولو ادعى هذه الدعوى وأثبتها بالبينة فإنها تلزم الجميع.

стр. 1880

الإقرار لا يتجزأ: الإقرار كلام واحد لا يؤخذ بعضه ويترك البعض الاخر. الإقرار بالدين: إذا أقر إنسان لاحد ورثته بدين فإن كان في مرض موته لا يصح لا ما لم يصدقه باقي الورثة، وذلك لان احتمال كون المريض قصد بهذا الاقرار حرمان الورثة مستندا إلى كونه في المرض، أما إذا كان الاقرار في حال الصحة فإنه جائز، واحتمال إرادة حرمان سائر الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم لا يمنع حجة الاقرار. وعند الشافعية أن إقرار الصحيح صحيح حيث. لا مانع لوجود شروط الصحة. أما إقرار المريض في مرض الموت فإن أقر لاجنبي فإقراره صحيح سواء أكان المقر به دينا أو عينا، وقيل هو محسوب من الثلث. وإن كان إقراره لوارث فالراجح عندهم صحة الاقرار لان المقر انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر، والظاهر في مثل هذه الحال أنه لا يقر إلا عن تحقيق ولا يقصد الحرمان. وفيه قول

стр. 1881

آخر عندهم، وهو عدم الصحة، لانه قد يقصد حرمان بعض الورثة. وعندهم أنه إذا أقر في صحته بدين ثم أقر لاخر في مرضه، تقاسما، ولا يقدم الاول. وقال أحمد: لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقا، واحتج بأنه لا يؤمن بعد المنع من الوصية أن يجعلها إقرارا. على أن الاوزاعي وجماعة من العلماء أجازوا إقرار المريض بشئ من ماله للوارث، لان التهمة في حق المحتضر بعيدة، وأن مدار الاحكام على الظاهر، فلا يترك إقراره للظن المحتمل، فإن أمره إلى الله.

стр. 1882

الشهادة تعريفها: الشهادة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة لان الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه، ومعناها الاخبار عما علمه بلفظ أشهد أو شهدت. وقيل الشهادة مأخوذة من الاعلام من قوله تعالى: - شهد الله أنه لا إلا إلا هو " (١) أي علم. والشاهد حامل الشهادة ومؤديها لانه شاهد لما غاب عن غيره. لا شهادة إلا بعلم: ولا يحل لاحد أن يشهد إلا بعلم. والعلم يحصل بالرؤية أو بالسماع أو باستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها والاستفاضة هي الشهرة التي تثمر الظن أو العلم.

стр. 1883

وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية في النسب والولادة والموت والعتق والولاء والولاية والوقف والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه والملك. وقال أبو حنيفة: تجوز في خمسة أشياء: النكاح والدخول والنسب والموت وولاية القضاء. وقال أحمد وبعض الشافعية: تصح في سبعة: النكاح والنسب والموت والعتق والولاء والوقف والملك المطلق. حكمها: وهي فرض عين على من تحملها متى دعي إليها وخيف من ضياع الحق، بل تجب إذا خيف من ضياعه ولو لم يدع لها لقول الله تعالى: " ولا تكتموا الشهادة " (١) " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ". وقوله " وأقيموا الشهادة لله " (٢) . وفي الحديث الصحيح:

стр. 1884

" انصر أخاك ظالما أو مظلوما " وفي أداء الشهادة نصره. وعن زيد بن خالد أن الرسول ﷺ قال: " ألا أخبركم بخير الشهداء؟ ... الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها! ". وإنما تجب متى قدر على أدائها بلا ضرر يلحقه في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله لقول الله تعالى: - " ولا يضار كاتب ولا شهيد " (١) . ومتى كثر الشهود ولم يخش على الحق ان يضيع كانت الشهادة في هذه الحالة مندوبة فإن تخلف عنها لغير عذر لم يأثم. ومتى تعينت فانه يحرم أخذ الاجرة عليها إلا إذا تأذى بالمشي فله أجر ما يركبه، أما إذا لم تتعين فإنه يجوز أخذ الاجرة. شروط قبول الشهادة: يشترط في قبول الشهادة الشروط الاتية: ١ - الاسلام: فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم إلا في الوصية أثناء السفر عند الامام أبي حنيفة فإنه جوزها في هذه الحال هو وشريح وإبراهيم النخعي وهو

стр. 1885

قول الاوزاعي لقول الله تعالى: - " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين. فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين " (١) وكذلك أجاز الاحناف شهادة الكفار بعضهم على بعض لان النبي ﷺ رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزني. وعن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة وأتيا الاشعري - هو أبو موسى - فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته. فقال الاشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ

стр. 1886

فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وانها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما. قال الخطابي فيه دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة على وصية المسلم في السفر خاصة. وقال أحمد: لا تقبل شهادتهم الا في مثل هذا الموضوع للضرورة. ا.هـ وقال الشافعي ومالك: لا تجوز شهادة الكافر على المسلم لا في الوصية أثناء السفر ولا في غيرها. والاية منسوخة عندهم. شهادة الذمي للذمي: أما شهادة الذمي للذمي فهي موضع اختلاف عند الفقهاء. قال الشافعي ومالك: لا تقبل شهادة الذمي لا على مسلم ولا على كافر. قال أحمد: لا تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض. وقال الاحناف: شهادة بعضهم على بعض جائزة والكفر كله ملة واحدة. وقال الشعبي وابن أبي ليلى واسحاق: شهادة اليهودي على اليهودي جائزة - ولا تجوز على النصراني والمجوسي لانها ملل مختلفة. ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة اخرى.

стр. 1887

٢ - والعدالة: صفة زائدة عن الاسلام ويجب توافرها في الشهود بحيث يغلب خيرهم شرهم، ولم يجرب عليهم اعتياد الكذب لقول الله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله " (١) . وقوله تعالى: " ممن ترضون من الشهداء " (٢) . وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا " (٣) وقول الرسول ﷺ في رواية أبي داود: لا تجوز شهادة خائن ولاخائنة ولازان ولازانية " فلا تقبل شهادة الفاسق ولا من اشتهر بالكذب أو بسوء الحال وفساد الاخلاق هذا هو المختار في معنى العدالة (٤) .

стр. 1888

أما الفقهاء فقالوا: إنها مقيدة بالصلاح في الدين وبالاتصاف بالمروءة. أما الصلاح في الدين فيتم بأداء الفرائض والنوافل واجتناب المحرمات والمكروهات وعدم ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة. أما المروءة فهي أن يفعل الانسان ما يزينه ويترك ما يشينه من الاقوال والافعال. وهل تقبل شهادة الفاسق إذا تاب ؟ اتفق الفقهاء على قبول شهادة الفاسق إذا تاب. إلا أن الامام أبا حنيفة قال: إذا كان فسقه بسبب القذف في حق الغير فإن شهادته لاتقبل، لقول الله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون " (١) . ٣، ٤ - البلوغ والعقل: ولما كانت العدالة شرطا في قبول الشهادة فإن البلوغ والعقل شرط في العدالة. فلا تقبل شهادة الصغير - ولو شهد على صبي مثله - ولا المجنون ولا المعتوه لان شهادتهم لا تفيد

стр. 1889

اليقين الذي يحكم بمقتضاه. وأجاز الامام مالك شهادة الصبيان في الجراح ما لم يختلفوا ولم يتفرقوا كما أجازها عبد الله بن الزبير. وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضا، وهذا هو الراجح. فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولاسيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطأوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الاداء واتفقت كلمتهم، فان الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده، فلا نظن بالشريعة الكاملة، الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك. ٥ - الكلام: ولا بد أن يكون الشاهد قادرا على الكلام، فإذا كان أخرس لايستطيع النطق فان شهادته لاتقبل، ولو كان يعبر بالاشارة وفهمت اشارته إلا إذا

стр. 1890

كتب الشهادة بخطه، وهذا عند أبي حنيفة وأحمد والصحيح من مذهب الشافعي. ٦ - الحفظ والضبط: فلا تقبل شهادة من عرف بسوء الحفظ وكثرة السهو والغلط لفقد الثقة بكلامه، ويلحق به المغفل ومن على شاكلته. ٧ - نفي التهمة: ولاتقبل شهادة المتهم بسبب المحبة أو العداوة. وخالف في ذلك عمر بن الخطاب وشريح وعمر بن عبد العزيز والعترة وأبو ثور وابن المنذر والشافعي في أحد قوليه وقالوا: تقبل شهادة الولد لوالده والوالد لولده ما دام كل منهما عدلا مقبول الشهادة: أفاده الشوكاني وابن رشد. فلا تقبل شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة بينهما عداوة دنيوية لوجود التهمة. أما إذا كانت العداوة دينية فإنها لا توجب التهمة لان الدين ينهي عن شهادة الزور. فلا توجد التهمة في هذه الحالة. وكذلك لا تقبل شهادة الاصل كالولد يشهد الوالده وشهادة الفرع كالوالد يشهد لولده ولكن تجوز الشهادة عليهما. ومثل ذلك الام تشهد لابنها والابن يشهد لامه. والخادم الذي

стр. 1891

ينفق عليه صاحب البيت، فإن الشهادة في هذه الحال لا تقبل لوجود التهمة ولما روته السيدة عائشة أن النبي ﷺ قال: " لاتقبل شهادة خائن ولا خائنة ولاذي غمر (١) على أخيه المسلم. ولا شهادة الولد لوالده ولا شهادة الوالد لولده ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولاذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لاهل البيت. والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت "، رواه أحمد وأبو داود قال في التلخيص لابن حجر: وسنده قوي. وقال ﷺ : " لا تقبل شهادة خصم على خصمه " اعتمد الشافعي هذا الخبر. قال الحافظ: ليس له إسناد صحيح لكن له

стр. 1892

طرق يتقوى بعضها ببعض. أفاده الشوكاني. ويدخل في هذا الباب شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها لان الزوجية مظنة للتهمة إذ الغالب فيها المحاباة. وفي بعض روايات الحديث: " لاتقبل شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته ". وأخذ بهذا مالك وأحمد وأبو حنيفة. وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن. أما شهادة الاقرباء من غير هؤلاء كالاخ لاخيه فإنها تجوز. وما ورد في بعض الاحاديث من عدم صحة شهادة القريب لقريبه فقد قال الترمذي: لايعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه ولا يصح عندنا إسناده وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه. وقال مالك: لاتقبل شهادة الاخ المنقطع إلى أخيه والصديق الملاطف. شهادة مجهول الحال: والظاهر أن شهادة مجهول الحال غير مقبولة. فقد شهد عند عمر ﵁ رجل فقال له عمر: - لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك.

стр. 1893

فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل. قال: هو جارك الادنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرافقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الاخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك. قال ابن كثير. رواه البغوي بإسناد حسن. شهادة البدوي: ذهب أحمد وجماعة من أصحابه وأبو عبيد وفي رواية عن مالك إلى عدم قبول شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:

стр. 1894

" لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". روه أبو داود وابن ماجه. ورجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه. والبدوي هو ساكن البادية الذي يرتحل من مكان إلى مكان. والقروي الحضري الذي يسكن القرية وهي المصر الجامع. والمنع من شهادته من أجل جفائه وجهله وقلة شهوده ما يقع في المصر فلا تكون شهادته موضع الثقة. والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا وهو من رجالنا وأهل ديننا، والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي. وكونه بدويا ككونه من بلد آخر. وإلى هذا ذهب الشافعي وجمهور الفقهاء. وأما الحديث المتقدم فيحمل على الجاهل ولا يشمل كل بدوي بدليل أن الرسول ﷺ قبل شهادة البدوي في ثبوت الهلال. شهادة الأعمى: شهادة الاعمى جائزة عند مالك وأحمد فيما طريقه

стр. 1895

السماع إذا عرف الصوت، فتجوز شهادته في النكاح والطلاق والبيع والاجارة والنسب والوقف والملك المطلق والاقرار ونحو ذلك، سواء كان تحمله وهو أعمى أو كان بصيرا أثناء التحمل ثم عمي. قال ابن القاسم: قلت لمالك: " فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط - ولا يراه - يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت. قال مالك: شهادته جائزة. وقالت الشافعية: لا تقبل شهادة الاعمى إلا في خمسة مواضع: النسب، والموت، والملك المطلق والترجمة وعلى المضبوط وما تحمله قبل العمى. وقال أبو حنيفة: لاتقبل شهادته أصلا. نصاب الشهادة: الشهادة إما أن تكون في الحقوق المالية أو البدنية أو الحدود والقصاص، ولكل حالة من هذه الحالات عدد من الشهداء لابد منه حتى تثبت الدعوى، وفيما يلي بيان ذلك كله:
следующие страницы →