← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ينفق عليه صاحب البيت، فإن الشهادة في هذه الحال لا تقبل لوجود التهمة ولما روته السيدة عائشة أن النبي ﷺ قال: " لاتقبل شهادة خائن ولا خائنة ولاذي غمر (١) على أخيه المسلم. ولا شهادة الولد لوالده ولا شهادة الوالد لولده ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولاذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لاهل البيت. والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت "، رواه أحمد وأبو داود قال في التلخيص لابن حجر: وسنده قوي. وقال ﷺ : " لا تقبل شهادة خصم على خصمه " اعتمد الشافعي هذا الخبر. قال الحافظ: ليس له إسناد صحيح لكن له

стр. 1892

طرق يتقوى بعضها ببعض. أفاده الشوكاني. ويدخل في هذا الباب شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها لان الزوجية مظنة للتهمة إذ الغالب فيها المحاباة. وفي بعض روايات الحديث: " لاتقبل شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته ". وأخذ بهذا مالك وأحمد وأبو حنيفة. وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن. أما شهادة الاقرباء من غير هؤلاء كالاخ لاخيه فإنها تجوز. وما ورد في بعض الاحاديث من عدم صحة شهادة القريب لقريبه فقد قال الترمذي: لايعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه ولا يصح عندنا إسناده وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه. وقال مالك: لاتقبل شهادة الاخ المنقطع إلى أخيه والصديق الملاطف. شهادة مجهول الحال: والظاهر أن شهادة مجهول الحال غير مقبولة. فقد شهد عند عمر ﵁ رجل فقال له عمر: - لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك.

стр. 1893

فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل. قال: هو جارك الادنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرافقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الاخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك. قال ابن كثير. رواه البغوي بإسناد حسن. شهادة البدوي: ذهب أحمد وجماعة من أصحابه وأبو عبيد وفي رواية عن مالك إلى عدم قبول شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:

стр. 1894

" لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". روه أبو داود وابن ماجه. ورجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه. والبدوي هو ساكن البادية الذي يرتحل من مكان إلى مكان. والقروي الحضري الذي يسكن القرية وهي المصر الجامع. والمنع من شهادته من أجل جفائه وجهله وقلة شهوده ما يقع في المصر فلا تكون شهادته موضع الثقة. والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا وهو من رجالنا وأهل ديننا، والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي. وكونه بدويا ككونه من بلد آخر. وإلى هذا ذهب الشافعي وجمهور الفقهاء. وأما الحديث المتقدم فيحمل على الجاهل ولا يشمل كل بدوي بدليل أن الرسول ﷺ قبل شهادة البدوي في ثبوت الهلال. شهادة الأعمى: شهادة الاعمى جائزة عند مالك وأحمد فيما طريقه

стр. 1895

السماع إذا عرف الصوت، فتجوز شهادته في النكاح والطلاق والبيع والاجارة والنسب والوقف والملك المطلق والاقرار ونحو ذلك، سواء كان تحمله وهو أعمى أو كان بصيرا أثناء التحمل ثم عمي. قال ابن القاسم: قلت لمالك: " فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط - ولا يراه - يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت. قال مالك: شهادته جائزة. وقالت الشافعية: لا تقبل شهادة الاعمى إلا في خمسة مواضع: النسب، والموت، والملك المطلق والترجمة وعلى المضبوط وما تحمله قبل العمى. وقال أبو حنيفة: لاتقبل شهادته أصلا. نصاب الشهادة: الشهادة إما أن تكون في الحقوق المالية أو البدنية أو الحدود والقصاص، ولكل حالة من هذه الحالات عدد من الشهداء لابد منه حتى تثبت الدعوى، وفيما يلي بيان ذلك كله:

стр. 1896

شهادة الأربعة: نصاب الشهادة في حد الزنا أربعة (١) رجال، لقول الله تعالى: - " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " (٢) . وقوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " (٣) . وقوله تعالى: " لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء " (٤) . شهادة الثلاثة: قالت الحنابلة: إن من عرف غناه إذا ادعى أنه فقير ليأخذ من الزكاة لا يقبل منه إلا ثلاثة شهود من الرجال على ادعائه، واستدل على كلامه هذا بحديث قبيصة بن مخارق: عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله

стр. 1897

عنه قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقالت: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت، ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما أو سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. شهادة الرجلين دون النساء: تقبل شهادة الرجلين دون النساء في جميع الحقوق وفي الحدود ما عدا الزنا الذي يشترط فيه أربعة شهود. فإن شهادة النساء في الحدود غير جائزة عند عامة الفقهاء خلافا للظاهرية. يقول الله تعالى في الطلاق والرجعة: " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (١) . وروى البخاري ومسلم أن الرسول صلى الله عليه

стр. 1898

وسلم قال للاشعث بن قيس: " شاهداك أو يمينه ". شهادة الرجلين أو الرجل وامرأتين: قال الله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل (١) إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى " (٢) . أي اطلبوا الشهادة من رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وهذا في قضايا الاموال كالبيع والقروض والديون كلها والاجارة والرهن والاقرار والغصب. وقالت الاحناف: شهادة النساء مع الرجال جائزة في الاموال والنكاح والرجعة والطلاق وكل شئ إلا في الحدود والقصاص، ورجح هذا ابن القيم وقال: إذا جوز الشارع استشهاد النساء في وثائق الديون التي تكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبا في مجامع الرجال فلأن يسوغ ذلك فيما تشهده النساء كثيرا كالوصية والرجعة أولى.

стр. 1899

وعند مالك والشافعية وكثير من الفقهاء تجوز في الاموال وتوابعها خاصة ولا تقبل في أحكام الابدان، مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة، واختلفوا في قبولها في حقوق الابدان المتعلقة بالمال فقط، مثل الوكالات والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال فقيل: يقبل فيه شاهد وامرأتان، وقيل: لا يقبل إلا رجلان. وعلل القرطبي قبول الشهادة في الاموال دون غيرها فقال: " لان الاموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوي بها وتكررها. فجعل فيها التوثق تارة بالكنبة وتارة بالاشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان وأدخل في جميع ذلك النساء مع الرجال. شهادة الرجل الواحد: تقبل شهادة الرجل الواحد العدل في العبادات كالاذان والصلاة والصوم. قال ابن عمر: " أخبرت النبي ﷺ أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه " أي صيام رمضان. وأجاز الاحناف شهادة الرجل الواحد في بعض الحالات الاستثنائية مثل: شهادته على الولادة وشهادة المعلم

стр. 1900

وحده في قضايا الصبيان، وشهادة الخبير في تقويم المثلثات. وشهادة الواحد في تزكية الشهود وجرحهم وفي إخبار عزل الوكيل وفي إخبار عيب المبيع. وقد اختلف الفقهاء في ترجمة المترجم الواحد العدل. فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى قبول ترجمته. وقال بقية الائمة ومحمد بن الحسن: الترجمة كالشهادة لا يقبل فيها المترجم الواحد. ومن الفقهاء من قبل شهادة الرجل الواحد الصادق مثل ابن القيم قال: والصواب ان كل ما بين الحق فهو بينة ولم يعطل الله ولا رسوله حقا بعد ما تبين بطريق من الطرق أصلا، بل حكم الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضح بأي طريق كان، وجب تنفيذه ونصره وحرم تعطيله وإبطاله " ا. هـ. وقال: " يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد، إذا عرف صدقة، في غير الحدود. ولم يوجب الله على الحكام أن لا يحكموا إلا بشاهدين أصلا، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين أو بشاهد وامرأتين، وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم بأقل من

стр. 1901

ذلك، بان قد حكم النبي ﷺ بالشاهد واليمين وبالشاهد فقط ". فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها: أجاز الرسول في شهادة الاعرابي وحده على رؤية الهلال، وأجاز شهادة الشاهد في قضية سلب، وقبل شهادة المرأة الواحدة إذا كانت ثقة فيما لا يطلع عليه إلا النساء. وجعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين وقال: " من شهد له خزيمة فحسبه ". وليس هذا مخصوصا بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة، فلو شهد أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. قال أبو داود: باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به " ا. هـ الشهادة على الرضاع: ذهب ابن عباس وأحمد إلى أن شهادة المرضعة وحدها تقبل لما أخرجه البخاري أن عقبة بن الحارث تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما. فسأل النبي ﷺ فقال:

стр. 1902

كيف؟ وقد قيل؟ ففارقها عقبة فنكحت زوجا غيره. وقالت الاحناف: الرضاع كغيره لابد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة لانها تقرر فعلها. وقال مالك: لابد من شهادة امرأتين. وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تعرض بطلب أجرة. وأجابوا عن حديث عقبة بأنه محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان الاشتباه. الشهادة على الإستهلال (١) : أجاز ابن عباس شهاده القابلة وحدها في الاستهلال، وقد روي عن الشعبي والنخعي وروي عن علي وشريح أنهما قضيا بهذا. وذهب مالك إلى أنه لابد من شهادة امرأتين مثل الرضاع. وجرى الشافعي على قبول شهادة النساء في الاستهلال ولكنه اشترط شهادة أربع منهن. وقال أبو حنيفة: يثبت الاستهلال بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لانه ثبوت إرث. فأما في حق الصلاة عليه

стр. 1903

والغسل فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة. وعند الحنابلة: أن مالا يطلع عليه الرجال غالبا يقبل فيه شهادة امرأة عدل كما روي عن حذيفة ان النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة وحدها. ذكره الفقهاء في كتبهم. والذي لا يطلع عليه الرجال غالبا مثل عيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والاستهلال والرضاع والرقق والقرن والصقل وكذلك جراحه وغيرها من حمام وعرس ونحوها مما لا يحضره الرجال. قالوا: والرجل في هذا كالمرأة وأولى لكماله.

стр. 1904

اليمين: اليمين عند العجز عن الشهادة: إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة وأنكر المدعى عليه هذا الحق فليس له إلا يمين المدعى عليه، وهذا خاص بالاموال والعروض ولايجوز في دعاوى العقوبات والحدود وفي الحديث الذي رواه البيهقي والطبراني بإسناد صحيح: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". ولما رواه البخاري ومسلم عن الاشعث بن قيس قال: " كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: " شاهداك أو يمينه ". فقلت: إنه يحلف ولايبالي، فقال: " من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "، وأخرج مسلم من حديث وائل بن

стр. 1905

حجر: أن النبي ﷺ قال للكندي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه. فقال: يا رسول الله، الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف، وليس يتورع من شئ. فقال: ليس لك منه إلا ذلك ". واليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه، وفي الحديث " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: لرجل حلفه: احلف بالله الذي لاإله إلا هو ما له عندك شئ " رواه أبو داود والنسائي. هل تقبل البينة بعد اليمين ؟ ومتى حلف المدعى عليه اليمين ردت دعوى المدعي بلا خلاف. فإذا عاد المدعي بعد يمين المدعى عليه وعرض البينة فهل تقبل دعواه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: لاتقبل. ومنهم من قال: تقبل. ومنهم من فصل. فالذين رأوا أنها لا تقبل هم الظاهرية وابن أبي

стр. 1906

ليلى وأبو عبيد، ورجح الشوكاني هذا الرأي فقال: " وأما كونها لاتقبل البينة بعد اليمين فلما يفيده قوله ﷺ " شاهداك أو يمينه ". فاليمين إذا كانت تطلب من المدعى عليه فهي مستند للحكم الصحيح، ولا يقبل المستند المتخالف لها بعد فعلها، لانه لا يحصل لكل واحد منهما إلا مجرد ظن. ولا ينقض الظن بالظن. والذين رأوا أنها تقبل هم الحنفية والشافعية والحنابلة وطاوس وابراهيم النخعي وشريح فقد قالوا: " البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة " وهو رأي عمر ابن الخطاب، وحجتهم أن اليمين حجة ضعيفة لا تقطع النزاع فتقبل البينة بعدها، لانها هي الاصل واليمين هي الخلف ومتى جاء الاصل انتهى حكم الخلف. وأما مالك والغزالي من الشافعية فقد قالوا: بجواز تقديم المدعي البينة على صدق دعواه بعد يمين المدعى عليه متى كان جاهلا وجود البينة قبل عرض اليمين. أما إذا فقد هذا الشرط بأن كان عالما بأن له بينة واختار تحليف المدعى عليه اليمين، ثم رأى بعد حلفها تقديم بينته، فلا يقبل منه ذلك، لان حكم بينته قد

стр. 1907

سقط بالتحليف. النكول عن اليمين: إذا عرضت اليمين على المدعى عليه لعدم وجود بينة المدعي فنكل ولم يحلفها اعتبر نكوله هذا مثل إقراره بالدعوى، لانه لو كان صادقا في إنكاره لما امتنع عن الحلف. والنكول يكون صراحة أو دلالة بالسكوت. وفي هذه الحال لاترد اليمين على المدعي فلا يحلف على صدق الدعوى التي يدعيها، لان اليمين تكون على النفي دائما، ودليل ذلك قوله ﷺ " البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". وهذا مذهب الاحناف واحدى الروايتين عن أحمد. وعند مالك والشافعي والرواية الثانية عن أحمد: أن النكول وحده لا يكفي للحكم على المدعى عليه، لانه حجة ضعيفة يجب تقويتها بيمين المدعي على أنه صادق في دعواه وإن لم يطلب المدعى عليه ذلك، فإذا حلف حكم له بالدعوى والا ردت. ودليل ذلك أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق. ولكن في اسناد هذا الحديث مسروق وهو غير معروف. وفي

стр. 1908

اسناده اسحاق بن الفرات وفيه مقال. وقد قصر مالك هذا الحكم على دعوى المال خاصة. وقال الشافعي: هو عام في جميع الدعاوى. وذهب أهل الظاهر وابن أبي ليلى إلى عدم الاعتداد بالنكول وأنه لا يقضى به في شئ قط، وأن اليمين لاترد على المدعي وأن المدعى عليه إما أن يقر بحق المدعي وإما أن ينكر ويحلف على براءة ذمته. ورجح هذا الشوكاني فقال: " وأما النكول فلا يجوز الحكم به، لان غاية ما فيه أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها، وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق، بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله. ولكن اليمين على المدعى عليه فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد أمرين: إما اليمين التي نكل عنها أو الاقرار بما ادعاه المدعي، وأيهما وقع كان صالحا للحكم به " ا. هـ. اليمين على نية المستحلف: اذا حلف أحد المتقاضين كانت اليمين على نية القاضي وعلى نية المستحلف الذي تعلق حقه فيها لا على نية الحالف لما تقدم في باب الايمان قول الرسول

стр. 1909

صلى الله عليه وسلم: " اليمين على نية المستحلف ". فإذا ورى الحالف بأن أضمر تأويلا يختلف عن اللفظ الظاهر كان ذلك غير جائز. وقيل: تجوز التورية إذا اضطر إليها بأن كان مظلوما. الحكم بالشاهد مع اليمين: إذا لم تكن للمدعي بينة سوى شاهد واحد فإنه يحكم في الدعوى بشهادة هذا الشاهد ويمين المدعي لما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قضى في الحق بشاهدين فإن جاء بشاهدين أخذ حقه. وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده، وإنما يحكم بالشاهد مع اليمين في جميع القضايا إلا الحدود والقصاص. وقصر بعض العلماء الحكم بالشاهد واليمين في الاموال وما يتعلق بها، وأحاديث القضاء بالشاهد واليمين رواها عن رسول الله ﷺ نيف وعشرون شخصا. قال الشافعي: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لانه لايمنع أن يجوز أقل مما نص عليه.

стр. 1910

وبهذا قضى أبو بكر وعلي وعمر بن عبد العزيز وجمهور السلف والخلف ومنهم مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وأسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود. وهو الذي لا يجوز خلافه. ومنع من ذلك الاحناف والاوزاعي وزيد بن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة وقالوا: لا يحكم بشاهد ويمين أبدا. والاحاديث التي وردت في هذا حجة عليهم. القرينة القاطعة: القرينة هي الامارة التي بلغت حد اليقين، ومثالها فيما إذا خرج أحد من دار خالية خائفا مدهوشا وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورؤي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فلا يشتبه في كونه قاتل هذا الشخص، ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة كأن يكون الشخص المذكور قتل نفسه. ويؤخذ بها متى اقتنع القاضي بأنها الواقع اليقين. قال ابن القيم: ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه

стр. 1911

عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو إثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما يفيد مجرد اليد عند كل أحد، فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة، ويضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته. وذكر الاحناف من أمثلتها أيضا: إذا اختلف رجلان في سفينة فيها دقيق، وكان أحدهما تاجرا والاخر سفانا، وليس لاحدهما بينة، فالدقيق يكون للاول والسفينة للثاني وكذلك يعد منها ثبوت نسب الولد من الزوج عملا بالحديث الشريف " الولد للفراش ". اختلاف الرجل والمرأة في متاع البيت: وعند الحنابلة انه إذا اختلف شخصان ووجد ظاهر لاحدهما عمل به، فلو تنازع الزوجان في قماش البيت فما يصلح للرجل فهو له وما يصلح للمرأة فهو لها وما يصلح لهما يقسم بينهما مناصفة، وإن كان بايديهما تحالفا وتناصفا فإن قويت يد أحدهما مثل حيوان يسوقه

стр. 1912

شخص ويركبه شخص آخر فهو للراكب لقوة يده. البينة الخطية والوثائق الموثوق بها: لما اعتاد الناس التعامل بالصكوك واعتمدوا عليها أفتى بعض العلماء من المتأخرين بقبول الخط والعمل به، وأخذت بذلك مجلة الاحكام العدلية وقبلت الاثبات بصكوك الدين وقيود التجار وغيرها، إذا كانت سالمة من شبهة التزوير والتصنيع، واعتبرت الاقرار بالكناية كالاقرار باللسان. وكذلك يعمل بالاوراق الرسمية إذا كانت خالية من التزوير والفساد.

стр. 1913

التناقض: التناقض قسمان: (١) تناقض الشهود. (٢) تناقض المدعي. تناقض الشهود أو رجوعهم عن الشهادة: إذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها في حضور القاضي قبل إصدار الحكم تكون شهادتهم كأن لم تكن ويعزرون. وهذا رأي جمهور الفقهاء، أما إذا رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حضور القاضي فلا ينقض الحكم الذي حكم به ويضمن الشهود المحكوم به. وقد روي أن رجلين شهدا عند الامام علي - كرم الله وجهه - على آخر بالسرقة فقطع يده ثم عادا بعد ذلك برجل غيره قائلين: إنما السارق هذا. فقال علي: " لا أصدقكما على هذا الاخر وأضمنكما دية يد الاول ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما ". وعلل شهاب الدين القرافي رأي الجمهور هذا بقوله: " إن الحكم ثبت بقول عدول وسبب شرعي

стр. 1914

ودعوى الشهود بعد ذلك الكذب اعتراف منهم أنهم فسقة، والفاسق لا ينقض الحكم بقوله فيبقى الحكم على ماكان عليه ". وذهب ابن المسيب والاوزاعي وأهل الظاهر إلى نقض الحكم عند الرجوع عن الشهادة في كل الاحوال لان الحكم ثبت بالشهادة فإذا رجع الشهود زال ما يثبت به الحكم، وكذلك سائر الحدود والقصاص عند بعض الفقهاء لا ينفذ الحكم إذا رجع الشهود قبل التنفيذ لان الحدود تدرأ بالشبهات. تناقض المدعي: إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، فإذا أقر بمال لغيره ثم ادعى أنه له، فهذا الادعاء المناقض لاقراره مبطل لدعواه ومانع من قبولها. وإذا أبرأ أحد آخر من جميع الدعاوى فلا يصح له أن يدعي عليه بعد ذلك مالا لنفسه. نقض بينة المدعي: يجوز للمدعى عليه أن يقدم البينة التي يدفع بها دعوى المدعي ليثبت براءة ذمته إذا كانت لديه هذه البينة. فإذا لم تكن له مثل هذه البينة جاز له أن يقدم

стр. 1915

بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود وتجريح بينة المدعي. تعارض البينتين: وإذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسم المدعى بين المدعي والمدعى عليه: فعن أبي موسى أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين " رواه أبو داود والحاكم والبيهقي. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي من حديث أبي موسى: " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دابة ليس لواحد منهما بينة فجعلها بينهما نصفين ". وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، فإن كان المدعى في يد أحدهما فعلى خصمه البينة، فإن لم يأت بها فالقول لصاحب اليد مع يمينه، وكذلك لو أقام كل واحد منهما البينة كانت اليد مرجحة للشهادة. فعن جابر، أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت عندي، وأقام بينة. فقضى بها رسول الله ﷺ لمن هي في يده. أخرجه البيهقي ولم يضعف اسناده،

стр. 1916

وأخرج الشافعي نحوه. تحليف الشاهد اليمين: إن عدالة الشهود في هذا الزمن قد أصبحت غير معلومة فوجب تقويتها باليمين. وقد جاء في مجلة الاحكام العدلية: " إذا ألح المشهود عليه على الحاكم قبل الحكم بتحليف الشهود: أنهم لم يكونوا في شهادتهم كاذبين وكان هناك لزوم لتقوية الشهادة باليمين، كان للحاكم أن يحلف الشهود وأن يقول لهم: إن حلفتم قبلت شهادتكم وإلا فلا ". وقد ذهب إلى هذا ابن أبي ليلى وابن القيم ومحمد بن بشير قاضي قرطبة، ورجحه ابن نجيم الحنفي، وعند الاحناف: أن الشاهد لا يمين عليه لان لفظ الشهادة يتضمن معنى اليمين. وعند الحنابلة: لا يستحلف شاهد أنكر تحمل الشهادة ولا حاكم أنكر الحكم ولا وصي على نفي دين على موص. ولا يستحلف منكر النكاح والطلاق والرجعة والايلاء والنسب والقود والقذف لانها ليست مالا ولا يقصد به

стр. 1917

المال ولا يقضى فيها بالنكول. شهادة الزور (١) : شهادة الزور هي من أكبر الكبائر وأعظم الجرائر لانها مناصرة للظالم وهضم لحق المظلوم وتضليل للقضاء وإيغار للصدور وتأريث للشحناء بين الناس. يقول الله سبحانه: " فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " (٢) وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار " رواه ابن ماجه بسند صحيح. وروى البخاري ومسلم عن أنس قال: ذكر رسول الله ﷺ أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور. أو قال: شهادة الزور. وروي عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1918

" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الاشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئا قجلس وقال: الا وقول الزور وشهادة الزور ... فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (١) " عقوبة شاهد الزور: رأي الامام مالك والشافعي وأحمد أن شاهد الزور يعزر ويعرف بأنه شاهد زور. وزاد الامام مالك فقال: يشهر به في الجوامع والاسواق ومجتمعات الناس العامة عقوبة له وزجرا لغيره.

стр. 1919

السجن: السجن قديم وقد جاء في القرآن الكريم أن يوسف ﵇ قال: " قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " (١) . وذكر أنه دخل السجن ولبث فيه بضع سنين. وقد كان السجن على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا. قال ابن القيم: " الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق. وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل الخصم أو وكيله عليه وملازمته له. ولهذا سماه النبي أسيرا كما روى أبو داود وابن ماجه عنا لهرماس بن حبيب عن

стр. 1920

أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: الزمه. ثم قال: يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك؟ وفي رواية ابن ماجه: ثم مربي في آخر النهار فقال: ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ ثم قال ابن القيم: وكان هذا هو الحبس على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁. ولم يكن محبس معد لحبس الخصوم. ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الامام حبسا، على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبسا، قال: لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفة بعده حبس، ولكن يقومه (أي الخصم) بمكان من الامكنة أو يقام عليه حافظ، وهو الذي يسمى الترسيم. أو يأمر خصمه بملازمته كما فعل النبي ﷺ ومن قال: له " أي للامام " أن يتخذ حبسا قال: قد اشترى عمربن الخطاب من صفوان بن أمية دارا بأيعه آلاف وجعلها حبسا " ا. هـ

стр. 1921

في السجن الامن والمصلحة: قال الشوكاني: إن الحبس وقع في زمن النبوة وفي أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الان في جميع الاعصار والامصار من دون إنكار، وفيه من المصالح مالا يخفى لو لم يكن منها إلا حفظ أهل الجرائم المنتهكين للمحارم الذين يسعون في الاضرار بالمسلمين ويعتادون ذلك ويعرف من أخلاقهم ولم يرتكبوا ما يوجب حدا ولا قصاصا حتى يقام ذلك عليهم فيراح منهم العباد والبلاد، فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين بلغوا من الاضرار بهم إلى كل غاية. وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقها، فلم يبق إلا حفظهم في السجن والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك حتى تصح منهم التوبة، أو يقضي الله في شأنهم ما يختاره. وقد أمرنا الله تعالى بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهما في حق من كان كذلك لا يمكن بدن الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس، كما يعرف ذلك من عرف أحوال كثير من هذا الجنس " ا. هـ.

стр. 1922

أنواع الحبس: قال الخطابي: الحبس على ضربين: حبس عقوبة، وحبس استظهار فالعقوبة لا تكون إلا في واجب. وأما ما كان في تهمة: فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به عما وراءه. وقد روي أنه ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى سبيله. وهذا الحديث رواه بهزبن حكيم عن أبيه عن جده. ضرب المتهم: ولا يحل حبس أحد بدون حق. ومتى حبس بحق يجب المسارعة بالنظر في أمره. فإن كان مذنبا أخذ بذنبه. وإن كان بريئا أطلق سراحه. ويحرم ضرب المتهم لما فيه من إذلاله وإهدار كرامته. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ضرب المصلين: أي المسلمين. وهل يضرب إذا اتهم بالسرقة ؟ فيه رأيان: فالرأي المختار عند الاحناف وعند الغزالي من

стр. 1923

الشافعية أن المتهم بالسرقة لا يضرب لاحتمال كونه بريئا. فترك الضرب في مذنب أهون من ضرب برئ. وفي الحديث: " لان يخطئ الامام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". وأجاز الامام مالك سجن المتهم بالسرقة. وأجاز أصحابه أيضا ضربه، لاظهار المال المسروق من جهته، وجعل السارق عبرة لغيره من جهة أخري. ومتى أقر في هذه الحال فإنه لاقيمة لاقراره لانه يشترط في الاقرار الاختيار. وهنا إنما أقر تحت ضغط التعذيب. ما ينبغي أن يكون عليه الحبس: وينبغي أن يكون الحبس واسعا. وأن ينفق على من في السجن من بيت المال وأن يعطى كل واحد كفايته من الطعام واللباس. ومنع المساجين مما يحتاجون إليه من الغذاء والكساء والمسكن الصحي جور يعاقب الله عليه. فعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 1924

" عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لاهي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولاهي تركتها تأكل من خشاش الارض " (١) .

стр. 1925

الإكراه: تعريفه: الاكراه في اللغة: حمل الانسان على أمر لا يريده طبعا أو شرعا، والاسم منه الكره. وفي الشرع: حمل الغير على ما يكره بالوعيد بالقتل أو التهديد بالضرب أو السجن أو إتلاف المال أو الاذي الشديد أو الايلام القوي. ويشترط فيه أن يغلب على ظن المكره انفاذ ما توعد به المكره. ولافرق بين إكراه الحاكم أو اللصوص أو غيرهم. قال عمر: ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته. وقال ابن مسعود: ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاما يدرأ عني سوطا أو سوطين إلا كنت متكلما به. وقال ابن حزم: ولا يعرف له من الصحابة مخالف.

стр. 1926

أقسام الإكراه: الاكراه ينقسم إلى قسمين: ١ - إكراه على كلام. ٢ - إكراه على فعل. الإكراه على الكلام: والاكراه على الكلام لا يجب به شئ لان المكره غير مكلف. فإذا نطق بكلمة الكفر فإنه لا يؤاخذ. وإذا قذف غيره فلا يقام عليه الحد. وإذا أقر فلا يؤخذ بإقراره. وإذا عقد عقد زواج أو هبة أو بيع فإن عقده لا ينعقد. وإذا حلف أو نذر فإنه لا يلزم بشئ. وإذا طلق زوجته أو راجعها فإن طلاقه لا يقع ورجعته لا تصح والاصل في هذا قول الله سبحانه: " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح (١) بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " (٢) .

стр. 1927

سبب نزول الاية: والسبب في نزول هذه الاية ما ذكره ابن كثير في التفسير عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم (١) في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان. قال النبي ﷺ : " إن عادوا فعد ". ورواه البيهقي بأبسط من ذلك وفيه أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فشكا إلى النبي ﷺ فقال: يارسول الله: ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان. فقال: " إن عادوا فعد ".وفي ذلك أنزل الله تعالى " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ". شمول الآية الكفر وغيره: والاية وإن كانت خاصة بالتلفظ بكلمة الكفر إلا انها تعم غيره.

стр. 1928

قال القرطبي: لما سمع الله بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الاكراه ولم يؤاخذ به حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها. فإذا وقع الاكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الاثر المشهور عن النبي ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق العلماء. قاله القاضي أبو بكر بن العربي وذكر أبو محمد عبد الحق ان اسناده صحيح قال: وقد ذكره أبو بكر الاصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الاقناع ا. هـ. العزيمة عند الإكراه على الكفر أفضل: وإذا كان النطق بكلمة الكفر عند الاكراه رخصة فإن الافضل الاخذ بالعزيمة والصبر على التعذيب ولو أدى ذلك إلى القتل إعزازا للدين كما فعل ياسر وسمية. وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة بل هو كالقتل في الغزو كما صرح به العلماء. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وعبد الرازق

стр. 1929

في تفسيره عن معمر أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لاحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للاخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول في؟ فقال: أنا أصم. فأعاد عليه ثلاثا. فأعاد ذلك في جوابه فقتله. فبلغ رسول الله ﷺ خبرهما فقال: أما الاول فقد أخذ برخصة الله تعالى. وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له ". الإكراه على الفعل: والقسم الثاني الإكراه على الفعل وهو ينقسم إلى قسمين: ١ - ما تبيحه الضرورة. ٢ - ما لا تبيحه الضرورة. فالاول: مثل الاكراه على شرب الخمر أو أكل الميتة أو أكل لحم الخنزير أو أكل مال الغير أو ما حرم الله: فإنه في هذه الحال يباح تناول هذه الاشياء. بل من العلماء من يرى وجوب التناول حيث لم يكن له خلاص إلا به. ولا ضرر فيه لاحد. ولا تفريط فيه في حق من حقوق الله والله تعالى يقول " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

стр. 1930

وكذلك من أكره على إفطار رمضان أو الصلاة لغير القبلة أو السجود لصنم أو صليب فيحل له أن يفطر ويصلي إلى أي جهة ويسجد ناويا السجود لله جل شأنه. والثاني: مثل الاكراه على القتل والجراح والضرب والزنا وإفساد المال. قال القرطبي: " أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الاقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والاخرة ". لاحد على مكره: ولو قدر أن رجلا استكره على الزنا فزنى فإنه لا يقام عليه الحد. وكذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا فانه لاحد عليها لقول رسول الله ﷺ : " إن الله تجاوز عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". ويرى مالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور وعطاء والزهري: أنه يجب لها صداق مثلها.
следующие страницы →