١ - وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقرأ: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.
ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي " (١) .
٢ - ويقول ﵊: " عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم " (٢) .
٣ - وبقول ﷺ : " كل لعب حرام إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، ورميه عن قوسه، وتأديبه فرسه ".
ويحرم أثناء الرمي أن يتخذ ما فيه الروح غرضا، فقد رأى عبد الله بن عمر جماعة اتخذوا دجاجة هدفا لهم فقال: " إن النبي ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا " (٣) .
والمسابقة بين الحيوانات ثبتت في الاحاديث.
١ - فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا سبق الا في خف (٤) أو نصل (٥) أو
стр. 1962
حافر (١) " (٢) .
٢ - وعن ابن عمر قال: " سابق النبي ﷺ بالخيل التي قد ضمرت (٣) من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وكان ابن عمر فيمن سابق " متفق عليه.
زاد البخاري، قال سفيان: من الحفياء (٤) إلى
ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل.
جواز المراهنة:
المسابقة دون رهان جائزة بإجماع العلماء كما سبق، أما المسابقة برهان فإنها تجوز في الصور الاتية:
١ - يجوز أخذ المال في المسابقة إذا كان من الحاكم أو من غيره، كأن يقول للمتسابقين: من سبق منكم فله هذا القدر من المال.
٢ - أو يخرج أحد المتسابقين مالا فيقول لصاحبه:
стр. 1963
إن سبقتني فهو لك. وإن سبقتك فلا شئ لك علي ولا شئ لي عليك.
٣ - إن كان المال من الاثنين المتسابقين أو من الجماعة المتسابقين ومعهم محلل بأخذ هذا المال إن سبق.
ولا يغرم إن سبق.
قيل لانس: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ أكان رسول الله ﷺ يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن على فرس يقال له سبحة فسبق الناس فهش لذلك وأعجبه " (١) .
الصور التي يحرم فيها الرهان:
ولا يجوز الرهان في حالة ما إذا كان من كل واحد على أنه إن سبق فله الرهان وإن سبق فيغرم لصاحبه مثله، لان هذا من باب القمار المحرم.
قال رسول الله ﷺ : الخيل ثلاثة: فرس للرحمن وفرس للانسان وفرس للشيطان.
فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله،
стр. 1964
فعلفه وروثه وبوله، (وذكر ... ) ما شاء الله (١) .
وأما فرس الشيطان: فالذي يقامر أو يراهن عليه.
وأما فرس الانسان: فالذي يرتبطه الانسان يلتمس بطنها (٢) فهي ستر من الفقر.
لا جلب ولا جنب في الرهان:
روى أصحاب السنن عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: " لا جلب ولا جنب في الرهان " الجلب: هو أن يتبع فرسه بمن يحثه على سرعة الجري.
والجنب: هو أن يجنب فرسا إلى فرسه إذا فترت تحول إلى المجنوب.
قال ابن أويس: الجلب: أن يجلب حول الفرس من خلفه في الميدان ليحرز السبق.
والجنب: أن يكون الفرس به اعتراض جنوب فيعترض له الرجل بفرسه يقومه فيحوز الغاية.
وقال أبو عبيد: الجنب: أن يجنب الرجل فرسه الذي سابق عليه فرسا عريا ليس عليه أحد، فإذا بلغ
стр. 1965
قريبا من الغاية ركب فرسه العري فسبق عليه، لانه أقل عياء أو كلالا من الذي عليه الراكب.
حرمة إيذاء الحيوان:
ويحرم إيذاء الحيوان وتحميله فوق طاقته.
فإن حمله إنسان ما يعجز عنه كان للحاكم أن يمنعه من حمل ما لا يطيق.
وإذا كان الحيوان حلوبا وله ولد فلا يجوز الاخذ من اللبن إلا بالقدر الذي لا يضر ولده، لانه لا ضرر ولا ضرار في الاسلام لا لحيوان ولا لانسان.
وسم (١) البهائم وخصاؤها:
يجوز وسم البهائم في أي جزء من بدنها ما عدا الوجه.
فقد رأى رسول الله ﷺ حمارا قد وسم في وجهه فقال: " أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها " (٢) .
وعن جابر ﵁ قال:
стр. 1966
" نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه وعن الوسم فيه " (١) .
وقد استنبط العلماء من هذا النهي حرمة ضرب الوجه ووسمه من غير تفرقة بين إنسان وحيوان. لان الوجه أكرمه الله. وهو مجمع المحاسن.
وأما وسم غير الوجه من الحيوان فهو جائز بل يستحب لانه قد يحتاج إليه في التمييز بين الحيوانات.
وقد كان النبي ﷺ يسم بالميسم (٢) إبل الصدقة. كما رواه مسلم.
وقال أبو حنيفة بكراهته لانه تعذيب ومثلة، وقد نهى الرسول ﷺ عنهما، ويرد على كلام أبي حنيفة: أن هذا عام مخصوص.
وأن التخصيص ثابت بفعل الرسول ﷺ .
أي أن التعذيب والمثلة حرام في كل حال إلا في حالة وسم الحيوان فإنه يجوز.
أما خصاء البهائم: فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصد به المنفعة إما لسمن أو لغيره.
стр. 1967
وخصى عروة بن الزبير بغلا له. ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز. ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم.
خصاء الآدمي:
وهذا بخلاف الآدمي فإنه لا يجوز لانه مثلة وتغيير لخلق الله وقطع للنسل وربما أفضى إلى الهلاك.
التحريش بين البهائم:
نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم وإغراء بعضها ببعض لتتصارع، فعن ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم " (١) .
كما نهى عن اتخاذ شئ منها غرضا.
١ - ودخل أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها فقال لهم: " نهى رسول الله ﷺ أن تصبر (٢) البهائم " (٣) .
стр. 1968
٢ - وعن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يقتل شئ من الدواب صبرا " (١) .
٣ - وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا ". وانما نهى عن ذلك لانه تعذيب للحيوان واتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكاته إن كان مذكى ولمنفعته إن لم يكن مذكى.
اللعب بالنرد:
ذهب جمهور العلماء إلى حرمة اللعب بالنرد (٢) واستدلوا على الحرمة بما يأتي:
١ - روى بريدة عن رسول الله ﷺ قال: " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه " (٣) .
٢ - وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال:
стр. 1969
" من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " (١) .
وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم.
قال الشوكاني: روي أنه رخص في النرد ابن غفل وابن المسيب على غير قمار.
ويبدو أنهما حملا الحديث على من لعب بقمار.
اللعب بالشطرنج:
ورد في الاحاديث تحريم لعب الشطرنج. ولكن هذه الاحاديث لم يثبت منها شئ.
قال الحافظ بن حجر العسقلاني: " لم يثبت في تحريمه حديث صحيح ولا حسن ".
ولهذا اختلف الفقهاء في حكمه. فمنهم من حرمه. ومنهم من أباحه.
فمن حرمه: أبو حنيفة ومالك وأحمد.
وقال الشافعي وبعض التابعين بكره ولا يحرم: فقد لعبه جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين.
стр. 1970
قال ابن قدامة في " المغني ": " فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم.
إلا أن النرد آكد منه في التحريم لورود النص في تحريمه لكن هذا في معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه ".
وروي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير اباحته. واحتجوا بأن الاصل الاباحة.
ولم يرد بتحريمها نص ولا هي في معنى المنصوص عليه فتبقى على الاباحة. اه.
والذين أباحوه اشترطوا لاباحته الشروط الاتية:
(١) أن لا يشغل عن واجب من واجبات الدين.
(٢) أن لا يخالطه قمار
(٣) أن لا يصدر أثناء اللعب ما يخالف شرع الله.
стр. 1971
الوقف:
تعريفه: الوقف في اللغة: الحبس.
يقال: وقف يقف وقفا أي حبس يحبس حبسا (١) .
وفي الشرع: حبس الاصل وتسبيل الثمرة.
أي حبس المال وصرف منافعه في سبيل الله.
أنواعه:
والوقف أحيانا يكون الوقف على الاحفاد أو الاقارب
ومن بعدهم إلى الفقراء، ويسمى هذا بالوقف الاهلي أو الذري.
وأحيانا يكون الوقف على أبواب الخير ابتداء ويسمى بالوقف الخيري.
مشروعيته:
وقد شرع الله الوقف وندب إليه وجعله قربة (٢)
стр. 1972
من القرب التي يتقرب بها إليه، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الوقف وانما استنبطه الرسول ﷺ ودعا إليه وحبب فيه برا بالفقراء وعطفا على المحتاجين.
فعن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: " إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " (١) .
والمقصود بالصدقة الجارية " الوقف ".
ومعنى الحديث: أن عمل الميت ينقطع تجدد الثواب له إلا في هذا الاشياء الثلاثة لانها من كسبه: فولده، وما يتركه من علم، وكذا الصدقة الجارية، كلها من سعيه.
وأخرج ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما نشره أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه
стр. 1973
أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ".
ووردت خصال أخرى بالاضافة إلى هذا فيكون مجموعها عشرا.
نظمها السيوطي فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر
وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكر
وقد وقف رسول الله ﷺ ووقف أصحابه المساجد والارض والابار والحدائق والخيل. ولا يزال الناس يقفون من أموالهم إلى يومنا هذا.
وهذا بعض أمثلة للاوقاف في عهد الرسول ﷺ :
١ - عن أنس ﵁ قال: لما قدم رسول الله
стр. 1974
صلى الله عليه وسلم المدينة المدينة وأمر ببناء المسجد قال: يا بني النجار: تأمنوني (١) بحائطكم (٢) هذا؟ فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى. أي فأخذه فبناه مسجدا " (٣) .
٢ - وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من حفر بئر رومة فله الجنة. قال: فحفرتها " (٤) .
وفي رواية للبغوي: " أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها. فبلغ ذلك عثمان. فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم. ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم.
قال: قد جعلتها للمسلمين.
стр. 1975
٣ - وعن سعد بن عبادة ﵁ أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدفة أفضل (١) ؟ قال: الماء. فحفر بئرا وقال: هذه لام سعد
٤ - وعن أنس ﵁ قال: " كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (٢) .
وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.
فلما نزلت هذه الاية الكريمة " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " (٣) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وإن أحب أموالي إلي بيرحاء.
وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت.
فقال رسول الله ﷺ : بخ (٤) ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الاقربين، فقسمها أبو
стр. 1976
طلحة في أقاربه (١) وبني عمه " (٢) .
٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: " أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره (٣) فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ فقال له رسول الله ﷺ : " إن شئت حبست أصلها (٤) وتصدقت بها ". فتصدق بها عمر: أنها لاتباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول " (٥) قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب
стр. 1977
النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا. وكان هذا أول وقف في الاسلام.
٦ - وروى أحمد والبخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات ".
٧ - وفي حديث خالد بن الوليد أن الرسول ﷺ قال: " أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده (١) في سبيل الله ".
إنعقاد الوقف:
ويصح الوقف وينعقد بأحد أمرين:
١ - الفعل (٢) الدال عليه: كأن يبني مسجدا ويؤذن للصلاة فيه ولا يحتاج إلى حكم حاكم.
٢ - القول: وهو ينقسم إلى صريح وكناية.
فالصريح: مثل قول الواقف: وقفت وحبست
стр. 1978
وسبلت وأبدت.
والكناية: كأن يقول: تصدقت ناويا به الوقف.
أما الوقف المعلق بالموت مثل أن يقول: " داري أو فرسي وقف بعد موتي "، فإنه جائز ذلك في ظاهر مذهب أحمد، كما ذكره الخرقي وغيره، لان هذا كله من الوصايا، فحينئذ يكون التعليق بعد الموت جائزا لانه وصية.
لزومه:
ومتى فعل الواقف ما يدل على الوقف أو نطق بالصيغة لزم الوقف بشرط أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه، بأن يكون كامل الاهلية من العقل والبلوغ والحرية والاختيار، ولا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه.
وإذا لزم الوقف فإنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا التصرف فيه بأي شئ يزيل وقفيته.
وإذا مات الواقف لا يورث عنه لان هذا هو مقتضى الوقف.
ولقول الرسول ﷺ كما تقدم في حديث ابن عمر: " لا يباع ولا يوهب ولا يورث ".
ويرى أبو حنيفة أنه يجوز بيع الوقف.
стр. 1979
قال أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به.
والراجح من مذهب الشافعية أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله فلا يكون ملكا للواقف
ولا ملكا للموقوف عليه.
وقال مالك وأحمد: ينتقل الملك إلى الموقوف عليه. (١)
ما يصح وقفه وما لا يصح:
يصح وقف العقار والمنقول من الاثاث والمصاحف والكتب والسلاح والحيوان (٢) ، وكذلك يصح وقف كل ما يجوز بيعه ويجوز الانتفاع به مع بقاء عينه.
وقد تقدم ما يفيد ذلك ولا يصح وقف ما يتلف بالانتفاع به مثل النقود والشمع والمأكول والمشروب، ولا ما يسرع إليه الفساد من المشمومات والرياحين لانها تتلف سريعا، ولا ما لا يجوز بيعه كالمرهون.
والكلب والخنزير وسائر سباع البهائم التي لا تصلح للصيد وجوارح الطير التي لا يصاد بها.
لا يصح الوقف إلا على معين أو جهة بر:
ولا يصح الوقف إلا على من يعرف كولده وأقاربه
стр. 1980
ورجل معين، أو على بر كبناء المساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن. فإذا وقف على غير معين كرجل وامرأة. أو على معصية مثل الوقف على الكنائس والبيع فإنه لا يصح.
الوقف على الولد يدخل فيه أولاد الولد:
من وقف على أولاده دخل في ذلك أولاد الاولاد ما تناسلوا. وكذلك أولاد البنات.
فعن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " ابن أخت القوم منهم " (١) .
الوقف على أهل الذمة:
ويصح الوقف على أهل الذمة مثل المسيحيين كما يجوز التصدق عليهم.
ووقفت صفية بنت حيي النبي ﷺ على أخ لها يهودي.
الوقف المشاع:
يجوز وقف المشاع لان عمر ﵁ وقف مائة سهم بخيبر ولم تكن مقسومة وحكاه في " البحر " عن
стр. 1981
الهادي والقاسم والناصر والشافعي وأبي يوسف ومالك.
وبعض العلماء يري عدم صحة وقف المشاع لان من شرطه التعيين. وبهذا قال محمد بن الحسن.
الوقف على النفس:
من العلماء من رأى صحة الوقف على النفس استدلالا بقول الرسول ﷺ للرجل الذي قال: عندي دينار. فقال له: " تصدق به على نفسك " (١) .
ولان المقصود من الوقف التقرب إلى الله، والصرف على النفس فيه قربة إليه سبحانه، وهذا قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد، في الارجح عنه، وابن شعبان من المالكية وابن سريج من الشافعية وابن شبرمة وابن الصباع والعترة بل إن بعضهم جوز وقف المحجور عليه للسفه إذا وقف على نفسه تم على أولاده، لان الحجر إنما هو للمحافظة على أمواله ووقفه بهذه الطريقة يحقق هذه المحافظة.
ومنهم من منع ذلك لان الوقف على النفس تمليك ولا يصح أن يتملكه من نفسه لنفسه كالبيع والهبة.
ولقول الرسول ﷺ :
стр. 1982
" سبل الثمرة " وتسبيلها تمليكها للغير.
وإلى هذا ذهب الشافعي وجمهور المالكية والحنابلة ومحمد والناصر.
الوقف المطلق:
إذا وقف الواقف وقفا مطلقا فلم يعين مصرفا للوقف بأن قال: هذه الدار وقف.
فإن ذلك يصح عند مالك.
والراجح عند الشافعية أنه لا يصح مع عدم بيان المصرف.
الوقف في مرض الموت:
إذا وقف المريض مرض الموت لاجنبي فإنه يعتبر من الثلث مثل الوصية ولا يتوقف على رضا الورثة إلا إذا زاد على الثلث فإنه لا يصح وقف هذا الزائد إلا بإجازتهم.
الوقف في المرض على بعض الورثة:
أما الوقف لبعض الورثة في مرض الموت: فقد ذهب الشافعي وأحمد في احدى الروايتين عنه إلى أنه لا يجوز الوقف على بعض الورثة أثناء المرض.
وذهب غير الشافعي وأحمد في الرواية الاخرى إلى
стр. 1983
جواز وقف الثلث على الورثة في المرض مثل الاجانب.
ولما قيل للامام أحمد: أليس تذهب إلى أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم.
والوقف غير الوصية لانه لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة ينتفعون بغلته.
الوقف على الأغنياء:
الوقف قربة يتقرب به إلى الله .
فإذا شرط الواقف ما ليس بقربة. كما لو شرط أن لا يعطى إلا الاغنياء. فقد اختلف العلماء في هذه الصورة. فمنهم من أجازها لانها ليست بمعصية.
ومنهم من منعها لان هذا شرط باطل ولانه صرف له فيما لا ينفع الواقف لا في دينه ولا في دنياه.
ورجح ابن تيمية هذا فقال: " وهذا من السرف والتبذير الذي يمنع منه، ولان الله كره أن يكون المال دولة بين الاغنياء لقوله: " كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم " (١) .
стр. 1984
فمن شرط في وقفه أو وصيته أن يكون دولة بين الاغنياء فقد شرط شرطا يخالف كتاب الله. ومن شرط شرطا يخالف كتاب الله فهو باطل. وان شرط مائة شرط: " كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ".
ومن هذا الباب: إذا اشترط الواقف أو الموصي أعمالا ليست في الشريعة لا واجبة ولا مستحبة فهذه شروط باطلة مخالفة لكتاب الله لان إلزام الانسان للناس ما ليس بواجب ولا مستحب من غير منفعة له بذلك سفه وتبذير يمنع منه " ا. هـ
جواز أكل العامل من مال الوقف: يجوز للمتولي أمر الوقف أن يأكل منه لحديث
ابن عمر " السابق " وفيه: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ".
والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة.
قال القرطبي: " جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل لاستقبح ذلك منه."
стр. 1985
فاضل ريع الوقف يصرف في مثله:
قال ابن تيمية: " وما فضل من ريع الوقف واستغني عنه فإنه يصرف في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضلت غلة وقفه عن مصالحه صرف في مسجد آخر، لان الواقف غرضه في الجنس. والجنس واحد.
فلو قدر أن المسجد الاول خرب، ولم ينتفع به أحد. صرف ريعه في مسجد آخر.
وكذلك إذا فضل عن مصلحته شئ، فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه.
ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود أولى.
وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف ".
إبدال المنذور والموقوف بخير منه:
وقال ابن تيمية أيضا: وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه. كما في إبدال الهدي.
فهذا نوعان:
أحدهما: أن يكون الابدال للحاجة، مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، كالفرس الحبيس للغزو، إذا لم يمكن الانتفاع به في الغزو
стр. 1986
فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا تخرب ما حوله، فينقل إلى مكان آخر، أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا لم يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود الواقف، فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا خرب ولم يمكن عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها، فهذا كله جائز، فإن الاصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.
والثاني: الابدال لمصلحة راجحة، مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لاهل البلد منه، وبيع الاول، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء.
واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الاول سوقا للتمارين (١) ، فهذا إبدال لعرصة المسجد وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان
стр. 1987
رضي الله عنهما.
بنيا مسجد النبي ﷺ على غير بنائه الاول وزادا فيه، وكذلك المسجد الحرام وقد ثبت في " الصحيحين " أن النبي ﷺ قال لعائشة: " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولالصقتها بالارض ولجعلت لها بابين، بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرج منه الناس، فلولا المعارض الراجح، لكان النبي ﷺ غير بناء الكعبة، فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة، لاجل المصلحة الراجحة، أما إبدال العرصة بعرصة أخرى، فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه، اتباعا لاصحاب رسول الله ﷺ حيث فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، واشتهرت القضية ولم تنكر.
وأما ما وقف للغلة، إذا أبدل بخير منه، مثل أن يقف دارا أو حانوتا أو بستانا أو قرية مغلها قليل، فيبدل بها ما هو أنفع للوقف.
فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء، مثل
أبي عبيد بن حربويه قاضي مصرو حكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى
стр. 1988
عرصة للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة، بحيث يصير المسجد سوقا، فلان يجوز إبدال المستغل بمستغل آخر، أولى وأحرى، وهو قياس قوله في إبدال الهدي بخير منه، وقد نص على أن المسجد اللاصق بالارض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية، واختار ذلك الجيران فعل ذلك.
لكن من أصحابه من منع إبدال المسجد، والهدي، والارض الموقوفة، وهو قول الشافعي وغيره (١) ، لكن النصوص والآثار، والقياس تقتضي جواز الابدال للمصلحة، والله أعلم.
حرمة الإضرار بالورثة:
يحرم أن يقف الشخص وقفا يضار به الورثة لحديث الرسول (ص) (لاضرر ولاضرار في الاسلام) فإن وقف بطل وقفه.
قال في الروضة الندية: " والحاصل أن الاوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل ومخالفة فرائض الله فهي باطلة من أصلها لا تنعقد بحال، وذلك كمن يقف على
стр. 1989
ذكور أولاده دون إناثهم وما أشبه ذلك، فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله تعالى بل أراد المخالفة لاحكام الله والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني، فليكن هذا منك على ذكر، فما أكثر وقوعه في هذه الازمنة.
وهكذا وقف من لا يحمله على الوقوف إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم فيقفه على ذريته، فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله عزوجل، وهو انتقال الملك بالميراث وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف فيه كيف يشاء، وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف بل هو إلى الله عزوجل.
وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا بحسب اختلاف الاشخاص فعلى الناظر أن يمعن النظر في الاسباب المقتضية لذلك.
ومن هذا النادر أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته أو اشتغل بطلب العلم، فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا والقربة متحققة والاعمال بالنيات، ولكن تفويض الامر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم أولى وأحق " ا. هـ
стр. 1990
الهبة:
تعريفها: جاء في القرآن الكريم قول الله عزوجل: " قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " (١) .
وهي مأخوذة من هبوب الريح أي مرورها.
وتطلق الهبة ويراد بها التبرع والتفضل على الغير سواء أكان بمال أم بغيره.
والهبة في الشرع: عقد موضوعه تمليك الانسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض، فإذا أباح الانسان ماله لغيره لينتفع به ولم يملكه إياه كان إعارة.
وكذلك إذا أهدى ما ليس بمال كخمرأ وميتة فإنه لا يكون مهديا ولايكون هذا العطاء هدية، وإذا لم يكن التمليك في الحياة بل كان مضافا إلى ما بعد الوفاة
стр. 1991
كان ذلك وصية.
وإذا كانت بعوض (١) كانت بيعا ويجري فيها حكم البيع، أي أنها تملك بمجرد تمام العقد ولا تنفذ فيها تصرفات الواهب إلا بإجازة الموهوب له.
ويثبت فيها الخيار والشفعة. ويشترط أن يكون العوض معلوما فإذا لم يكن العوض معلوما بطلت الهبة. والهبة المطلقة لا تقتضي عوضا سواء أكانت لمثله أو دونه أو أعلى منه. هذا هو معنى الهبة بالمعنى الاخص.
أما معناها بالمعنى الأعم فيشمل ما يأتي:
١ - الابراء: وهو هبة الدين ممن هو عليه.
٢ - الصدقة: وهي هبة ما يراد به ثواب الآخرة.
٣ - الهدية: وهي ما يلزم الموهوب له أن يعوضه.
مشروعيتها: وقد شرع الله الهبة لما فيها من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة بين الناس.
وعن أبي هريرة، رضي
стр. 1992
الله عنه، يقول الرسول ﷺ : " تهادوا تحابوا " (١) .
وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها.
وكان يدعو إلى قبولها ويرغب فيها، فعند أحمد من حديث خالد بن عدي أن النبي ﷺ قال: " من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف (٢) ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه ".
وقد حض الرسول ﷺ على قبول الهدية ولو كانت شيئا حقيرا، ومن ثم رأى العلماء كراهية ردها حيث لا يوجد مانع شرعي.
فعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أهدي إلى كراع (٣) لقبلت. ولو دعيت عليه لاجبت " (٤) .
وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: " إلى أقربهما منك بابا ".
стр. 1993
وعن أبي هريرة قال النبي ﷺ : " تهادوا فإن الهدية تذهب وحر (١) الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسن (٢) شاه ".
وقد قبل رسول الله ﷺ هدية الكفار. فقبل هدية كسري. وهدية قيصر. وهدية المقوقس. كما أهدى هوالكفار الهدايا والهبات.
أما ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي أن عياضا أهدى إلى النبي ﷺ هدية فقال له النبي ﷺ : أسلمت؟ قال: لا. قال: " اني نهيت عن زبد (٣) المشركين ".
فقد قال فيه الخطابي: " يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا لانه ﷺ قد قبل هدية غير واحد من المشركين ".
قال الشوكاني: " وقد أورد البخاري في صحيحه حديثا استنبط منه جواز قبول هدية الوثني، ذكره في باب قبول الهدية من
стр. 1994
المشركين من كتاب الهبة والهدية.
قال الحافظ في الفتح: " وفيه فساد من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي وذلك لان الواهب المذكور في ذلك الحديث وثني " ا. هـ
أركانها:
وتصح الهبة بالايجاب والقبول بأي صيغة تفيد تمليك المال بلا عوض بأن يقول الواهب: وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك ونحو ذلك.
ويقول الآخر: قبلت.
ويرى مالك والشافعي اعتبار القبول في الهبة.
وذهب بعض الاحناف إلى أن الايجاب كاف وهو أصح.
وقالت الحنابلة: تصح بالمعاطاة التي تدل عليها، فقد
كان النبي ﷺ يهدي ويهدى إليه، وكذلك كان أصحابه يفعلون.
ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يشترطون إيجابا وقبولا ونحو ذلك.
شروطها:
الهبة تقتضي واهبا وموهوبا له وموهوبا.
ولكل شروط نذكرها فيما يلي:
стр. 1995
شروط الواهب:
يشترط في الواهب الشروط الآتية:
١ - أن يكون مالكا للموهوب.
٢ - أن لا يكون محجورا عليه لسبب من أسباب الحجر.
٣ - أن يكون بالغا.
لان الصغير ناقص الاهلية.
٤ - أن يكون مختارا.
لان الهبة عقد يشترط في صحته الرضا.
شروط الموهوب له:
ويشترط في الموهوب له:
١ - وأن يكون موجودا حقيقة وقت الهبة فإن لم يكن موجودا أصلا أو كان موجودا تقديرا بأن كان جنينا فإن الهبة لا تصح.
ومتى كان الموهوب له موجودا أثناء الهبة وكان صغيرا أو مجنونا فإن وليه أو وصيه أو من يقوم بتربيته ولو كان أجنبيا يقبضها له.
شروط الموهوب:
ويشترط في الموهوب: ١ - أن يكون موجودا حقيقة.
стр. 1996
٢ - أن يكون مالا متقوما (١) .
٣ - أن يكون مملوكا في نفسه أي يكون المرهوب مما ترد عليه الملكية ويقبل التداول وانتقال ملكيته من يد إلى يد فلا تصح هبة الماء في النهر ولا السمك في البحر ولا الطير في الهواء ولا المساجد والزوايا.
٤ - أن لا يكون متصلا بملك الواهب اتصال قرار كالزرع والشجر والبناء دون الارض بل يجب فصله وتسليمه حتى يملك للموهوب له.
٥ - أن يكون مفرزا أي غير مشاع لان القبض فيه لا يصح إلامفرزا كالرهن، ويرى مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور عدم اشتراط هذا الشرط وقالوا: ان هبة المشاع غير المقسوم تصح.
وعند المالكية يجوز هبة ما لا يصح بيعه مثل البعير الشارد والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب.
هبة المريض مرض الموت: (٢) إذا كان شخص مريض مرض الموت ووهب غيره هبة فحكم هبته كحكم الوصية، فإذا وهب هبة لاحد
стр. 1997
ورثته ثم مات، وادعى باقي الورثة أنه وهبه في مرض موته وادعى الموهوب له أنه وهبه في حال صحته، فإن على الموهوب له أن يثبت قوله، وإن لم يفعل اعتبرت الهبة أنها حصلت في مرض الموت وجرى حكمها على مقتضى ذلك أي أنها لا تصح إلا إذا أجازها الورثة.
وإذا وهب وهو مريض مرض الموت ثم صح من مرضه فالهبة صحيحة.
قبض الهبة:
من العلماء من يرى أن الهبة تستحق للموهوب له بمجرد العقد ولا يشترط قبضها أصلا لان الاصل في العقود أنها تصح بدون اشتراط القبض مثل البيع كما سبقت الاشارة إليه، وإلى هذا ذهب أحمد ومالك وأبو ثور وأهل الظاهر.
وبناء على هذا إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل التسليم فإن الهبة لا تبطل لانها بمجرد العقد أصبحت ملكا للموهوب له.
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري إن القبض شرط من شروط صحتها، وما لم يتم القبض لم يلزم الواهب.
فإذا مات الموهوب له أو الواهب قبل التسليم بطلت الهبة.
стр. 1998
التبرع بكل المال:
مذهب الجمهور من العلماء أن للانسان أن يهب جميع ما يملكه لغيره.
وقال محمد بن الحسن وبعض محققي المذهب الحنفي: لا يصح التبرع بكل المال ولو في وجوه الخير، وعدوا من يفعل ذلك سفيها يجب الحجر عليه.
وحقق هذه القضية صاحب الروضة الندية فقال: " من كان له صبر على الفاقة وقلة ذات اليد فلا بأس بالتصدق بأكثر ماله أو بكله، ومن كان يتكفف الناس إذا احتاج لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره.
وهذا هو وجه الجمع بين الاحاديث الدالة على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة وبين الادلة التي دلت على مشروعية التصدق بزيادة على الثلث " ا. هـ
الثواب على الهدية:
ويستحب المكافأة على الهدية وإن كانت من أعلى لادنى.
لما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل
стр. 1999
الهدية ويثيب عليها " (١) .
ولفظ ابن أبي شيبة: " ويثيب ما هو خير منها ".
وانما كان يفعل ذلك ليقابل الجميل بمثله وحتى لا يكون لاحدعليه منة.
قال الخطابي: " من العلماء من جعل أمر الناس في الهادية على ثلاث طبقات:
١ - هبة الرجل من دونه كالخادم ونحوه اكرام له وإلطاف. وذلك غير مقتض ثوابا.
٢ - هبة الصغير للكبير: طلب رفد ومنفعة. والثواب فيها واجب.
٣ - هبة النظير لنظيره: الغالب فيها معنى التودد والتقرب. وقد قيل إن فيها ثوابا.
فأما إذا وهب هبة واشترط فيها الثواب فهو لازم " ا. هـ
стр. 2000
حرمة تفضيل بعض الابناء في العطاء والبر: لا يحل لاي شخص أن يفضل بعض أبنائه على بعض في العطاء لما في ذلك من زرع العداوة وقطع الصلات التي أمر الله بها أن توصل.
وقد ذهب إلى هذا الامام أحمد (١) واسحاق والثوري وطاوس وبعض المالكية وقالوا: " إن التفضيل بين الاولاد باطل وجور ويجب على فاعله إبطاله، وقد صرح البخاري بهذا، واستدلوا على هذا بما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " سووا بين أولادكم في العطية. ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء " (٢) .
عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: أنحلني