رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم.
وعنه أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) رواه النسائي والترمذي وحسنه، وعن عبد الله بن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الاشعار وأن تنشد فيه الضالة، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) رواه لا خمسة وصححه الترمذي.
والشعر المنهي عنه ما اشتمل على هجو مسلم أو مح ظالم أو فحش ونحو ذلك.
أما ما كان حكمة أو مدحا للاسلام أو حثا على بر فإنه لا بأس به، فعن أبي هريرة أن عمر مر بحسان ينشد في المسجد فلحظ إليه (١) فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله (٢) أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (أجب عني، اللهم أيده بروح القدس (٣) ؟ قال نعم) متفق عليه.
(١٢) السؤال فيها: قال شيخ الاسلام ابن تيمية: أصل السؤال محرم في المسجد وغيره إلا لضرورة فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا كتخطية الرقاب ولم يكذب فيما يرويه ولم يجهر جهرا يضر الناس كأن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به، جاز.
(١٣) رفع الصوت فيها: يحرم رفع الصوت على وجه يشوش على المصلين ولو بقراءة القرآن. ويستثنى من ذلك درس العلم.
فعن ابن عمر أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهر بعضكم على بعض القرآن) رواه أحمد بسند صحيح، وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: (ألا أن
стр. 247
كلكم مناج ربه فلا يوذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة) ، رواه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
(١٤) الكلام في المسجد: قال النووي: يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا
وغيرها من المباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا: لحديث جابر ابن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام. قال: وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. أخرجه مسلم.
(١٥) إباحة الاكل والشرب والنوم فيها: فعن ابن عمر قال: كنا في زمن رسول الله ﷺ ننام في المسجد نقيل فيه (١) ونحن شباب.
وقال النووي: ثبت أن أصحاب الصفة والعرنبين وعليا وصفوان بن أمية وجماعات من الصحابة كانوا ينامون في المسجد.
وأن ثمامة كان يبيت فيه قبل إسلامه. كل ذلك في زمن رسول الله ﷺ .
قال الشافعي في الام: وإذا بات المشرك في المسجد فكذا المسلم.
وقال في المختصر: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام.
وقال عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم، رواه ابن ماجه بسند حسن.
(١٦) تشبيك الاصابع: يكره تشبيك الاصابع عند الخروج إلى الصلاة وفي المسجد عند انتظارها ولا يكره فيما عدا ذلك ولو كان في المسجد.
فعن كعب قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال: دخلت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه
стр. 248
وسلم إذا رجل جالس وسط المسجد محتبيا مشبكا أصابعه بعضها على
بعض فأشار إليه رسول الله ﷺ فلم يفطن لاشارته.
فالتفت رسول الله ﷺ فقال: (إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه) رواه أحمد.
(١٧) الصلاة بين السواري: يجوز للامام والمنفرد الصلاة بين السواري، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين) .
وكان سعيد بن جبر وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الاساطين.
وأما المؤتمون فتكره صلاتهم بينها عند السعة بسبب قطع الصفوف ولا تكره عند الضيق.
فعن أنس قال: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها.
رواه الحاكم وصححه، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا.
رواه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول.
وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك من ابن مسعود وابن عباس وحذيفة.
قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة.
المواضع المنهى عن الصلاة فيها:
ورد النهي عن الصلاة في المواضع الاتية:
(١) الصلاة في المقبرة (١) : فعند الشيخين وأحمد والنسائي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .
وعند أحمد ومسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) .
وعندهما أيضا عن جندب بن عبد الله
стр. 249
البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: (إن من اكن قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) .
وعن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأته فيها من الصور، فقال ﷺ (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري ومسلم والنسائي.
وعنه ﷺ أنه قال: (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) .
وحمل كثير من العلماء النهي على الكراهة سواء كانت المقبرة أمام المصلي أم خلفه.
وعند الظاهرية النهي محمول على التحريم، وأن الصلاة في المقبرة باطلة (١) .
وعند الحنابلة كذلك إذا كانت تحتوي على ثلاثة قبور فأكثر، أما ما فيها قبر أو قبران فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إذا استقبل القبر وإلا فلا كراهة.
وقد صلى أبو موسى الاشعري وعمر بن عبد العزيز في الكنيسة.
ولم ير الشعبي وعطاء وابن سيرين بالصلاة فيها بأسا.
قال البخاري: كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل.
وقد كتب إلى عمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانا أنظف ولا أجود من بيعة، فكتب: (انضحوها بماء وسدر وصلوا
فيها) وعند الحنفية والشافعية القول بكراهة الصلاة فيهما مطلقا.
(٣) الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الابل والحمام وفوق ظهر بيت الله: فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: (في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الابل وفوق ظهر بيت الله) . رواه
стр. 250
ابن ماجه وعبد بن حميد والترمذي وقال: إسناده ليس بالقوي.
وعلة النهي في المجزرة والمزبلة كونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل ومع الحائل تكره عند جمهور العلماء، وتحرم عند أحمد وأهل الظاهر.
وعلة النهي عن الصلاة في مبارك الابل كونها خلقت من الجن، وقيل غير ذلك.
وحكم الصلاة في مبارك الابل كالحكم في سابقه، وعلة النهي عن الصلاة في قارعة الطريق ما يقع فيه عادة من مرور الناس وكثرة اللغط الشاغل للقلب والمؤدي إلى ذهاب الخشوع.
وأما في ظهر الكعبة فلان المصلي في هذه الحالة يكون مصليا على البيت لا إليه، وهو خلاف الامر، ولذلك يرى الكثير عدم صحة الصلاة فوق الكعبة، خلافا للحنفية القائلين بالجواز مع الكراهة لما فيه من ترك التعظيم.
وأما الكراهة في الحمام فقيل لانه محل للنجاسة والقول بالكراهة قول الجمهور إذا انتفت النجاسة.
وقال أحمد والظاهرية وأبو ثور: لا تصح الصلاة فيه.
الصلاة في الكعبة الصلاة في الكعبة صحيحة لا فرق بين الفرض والنفل.
فعن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد وبلال
وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: هل صلى رسول الله؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين. واه أحمد والشيخان.
السترة أمام المصلي:
(١) حكمها: يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه سترة تمنع المرور أمامه وتكف بصره عما وراءها، لديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه.
وكان يفعل ذلك في السفر
стр. 251
ثم اتخذها الامراء. رواه البخاري ومسلم وأبو داود
ويرى الحنفية والمالكية أن اتخاذ السترة إنما يستحب للمصلي عند خوف مرور أحد بين يديه فإذا أمن مرور أحد بين يديه فلا يستحب، لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في فضاء وليس بين يديه شئ.
رواه أحمد وأبو داود ورواه البيهقي وقال: وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس.
(٢) بم تتحقق: وهي تتحقق بكل شئ ينصبه المصلي تلقاء وجهه ولو كان نهاية فرشه.
فعن صبرة بن معبد قال: قال رسول الله ﷺ (إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم) رواه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
وعن أبي هريرة قال، قال أبو القاسم ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه، كما صححه أحمد وابن المديني، وقال البيهقي لا بأس بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله، وروى عنه ﷺ أنه صلى إلى الاسطوانة التي في مسجده وأنه صلى إلى شجرة وأنه صلى إلى السرير وعليه عائشة مضطجعة (١) وأنه صلى إلى راحلته كما صلى إلى آخرة الرحل، وعن طلحة قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (مؤخرة الرحل (٢) تكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر عليه) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح.
(٣) سترة الامام سترة للمأموم: وتعتبر سترة الامام سترة لمن خلفه، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر (٣)
стр. 252
فحضرت الصلاة فصلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة (١) تمر بين يديه فما زال يدارئها (٢) حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه.
رواه أحمد وأبو داود، وعن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام (٣) والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى فمررت بين يدي بعض الصف فأرسلت الاتان ترتع (٤) ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.
رواه الجماعة.
ففي هذه الاحاديث ما يدل على جواز المرور بين
يدي المأموم وأن السترة إنما تشرع بالنسبة للامام والمنفرد.
(٤) استحباب القرب منها: قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وفي الحديث المتقدم: (وليدن منها) .
وعن بلال أنه ﷺ صلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع.
رواه أحمد والنسائي.
ومعناه للبخاري.
وعن سهل بن سعد قال: كان بين مصلي رسول الله ﷺ ممر الشاة.
رواه البخاري ومسلم.
(٥) تحريم المرور بين يدي المصلي وسترته: الاحاديث تدل على حرمة المرور بين يدي المصلي وسترته وأن ذلك يعتبر من الكبائر، فعن بسر بن سعيد قال: إن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله ﷺ ، في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم قال رسول الله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه (٥)) رواه الجماعة.
وعن زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم المار
стр. 253
بين يدي المصلي ماذا عليه كان لان يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه) رواه البزار بسند صحيح.
قال ابن القيم: قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة فأما إذا لم يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه.
واحتج أبو حاتم (١) على ذلك بما رواه في صحيحه عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد.
قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة، وفيه دليل واضح على أن التغليظ الذي روي في المار بين يدي المصلي إنما أريد بذلك إذا كان المصلي يصلي إلى سترة دون الذي يصلي إلى غير سترة يستتر بها.
قال أبو حاتم: ذكر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين الطوافين وبين النبي ﷺ سترة.
ثم ساق من حديث المطلب قال: رأيت النبي ﷺ يصلي حذو الركن الاسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينهم وبينه سترة.
وفي الروضة لو صلى إلى غير سترة أو كانت وتباعد منها، فالاصح أنه ليس له الدافع لتقصيرة ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه ولكن الاولى تركه.
(٦) مشروعية دفع المار بين يدي المصلي: إذا اتخذ المصلي سترة يشرع له أن يدفع المار بين يديه إنسانا كان أو حيوانا أما إذا كان المرور خارج السترة فلا يشرع الدفع ولا يضره المرور.
فعن حميد بن هلال قال: بينا أنا وصاحب لي نتذاكر حديثا إذ قال أبو صالح السمان: أنا أحدثك ما سمعت عن أبي سعيد ورأيت منه قال: بينما أنا مع أبي سعيد الخدري نصلي يوم الجمعة إلى شئ يستره من الناس إذ دخل شاب
من بني أبي معيط أراد أن يجتاز بين يديه فدفعه في نحره فنظر فلم يجد مساغا (٢) إلا بين يدي أبي سعيد فعاد ليجتاز فدفعه في نحره أشد من الدفعة الاولى فمثل قائما ونال من أبي سعيد (٣) ثم تزاحم الناس فدخل على مروان فشكا إليه ما لقي، ودخل أبو سعيد (٣) ثم تزاحم الناس فدخل على مروان فشكا إليه ما لقي، ودخل أبو سعيد على مروان فقال: مالك ولابن أخيك جاء يشكوك؟ فقال
стр. 254
أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) رواه البخاري ومسلم.
(٧) لا يقطع الصلاة شئ: ذهب علي وعثمان وابن المسيب والشعبي ومالك والشافعي وسفيان الثوري والاحناف إلى أن الصلاة لا يقطعها شئ، لحديث أبي داود عن أبي الوداك قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلي فدفعه ثم عاد فدفعه ثم عاد فدفعه، ثلاث مرات.
فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شئ، ولكن قال رسول الله ﷺ : (ادرءوا ما استطعتم فإنه شيطان) .
(ما يباح في الصلاة) :
يباح في الصلاة ما يأتي:
١ - البكاء والتأوه والانين سواء أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والاوجاع ما دام عن غلبة بحيث لا يمكن دفعه: لقول الله تعالى: (إذا نتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) . والاية تشمل المصلي وغيره.
وعن عبد الله بن الشخير قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.
وقال علي: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الاسود، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. رواه ابن حبان.
وعن عائشة ﵂ في حديث مرض رسول الله ﷺ الذي توفي فيه أن رسول الله ﷺ قال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه وإنه إذا قرأ القرآن بكى: قالت: وما قلت ذلك إلا كراهية أن
стр. 255
يتأثم الناس بأبي بكر (١) أن يكون أول من قام مقام رسول الله ﷺ فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف) (٢) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والترمذي وصححه.
وفي تصميم الرسول ﷺ على صلاة أبي بكر بالناس مع أنه أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دليل على الجواز.
وصلى عمر صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله تعالى (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) فسمع نشيجه (٣) رواه البخاري وسعيد بن منصور وابن المنذر.
وفي رفع عمر صوته بالبكاء رد على القائلين بأن البكاء في الصلاة مبطل لها إن ظهر منه حرفان سواء أكان من خشية الله أم لا.
وقولهم إن البكاء إن ظهر منه حرفان يكون كلاما غير مسلم فالبكاء شئ والكلام شئ آخر.
(٢) الالتفات عند الحاجة: فعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يصلي يلتفت يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره. رواه أحمد.
وروى أبو داود أن النبي ﷺ جعل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس.
وعن أنس بن سيرين قال: رأيت أنس بن مالك يستشرف لشئ (٤) وهو في الصلاة، ينظر إليه. رواه أحمد.
فإن كان الالتفات لغير حاجة كره تنزيها، لمنافاته الخشوع والاقبال على الله، فعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن التلفت في الصلاة فقال: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) (٥) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود.
وعن أبي الدرداء
стр. 256
رضي الله عنه مرفوعا: (يا أيها الناس إياكم والالتفات فإنه لا صلاة للملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبن في الفرائض) رواه أحمد.
وعن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : (إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة) رواه الترمذي وصححه.
وفي حديث الحارث الاشعري أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فيه: (..وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت) رواه أحمد والنسائي.
وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه) رواه أحمد وأبو داود وقال: صحيح الاسناد.
هذا كله في الالتفات بالوجه أما الالتفات بجميع البدن والتحول به عن القبلة فهو مبطل للصلاة اتفاقا، للاخلال بواجب الاستقبال.
(٣) قتل الحية والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كل ما يضر وإن أدى قتلها إلى عمل كثير: فعن أبي هريرة أن النبي صلى لاله عليه وسلم قال: (اقتلوا الاسودين (١) في الصلاة: الحية والعقرب) رواه أحمد وأصحاب السنن. الحديث حسن صحيح.
(٤) المشي اليسير لحاجة: فعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي في البيت والباب عليه مغلق فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع الى مصلاه. ووصفت أن الباب في القبلة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه.
ومعنى أن الباب في القبلة، أي جهتها. فهو لم يتحول عن القبلة حينما تقدم لفتح الباب وحينما رجع إلى مكانه. ويؤيد هذا ما جاء عنها أنه كان صلى الله عليه
стр. 257
وسلم يصلي فإذا استفتح إنسان الباب فتح الباب ما كان في القبلة أو عن يمينه أو عن يساره ولا يستدبر القبلة.
رواه الدارقطني.
وعن الازرق بن قيس قال: كان أبو برزة الاسلمي بالاهواز (١) على حرف نهر وقد جعل اللجام في يده وجعل يصلي، فجعلت الدابة تنكص (٢) وجعل يتأخر معها.
فقال رجل من الخوارج: اللهم اخز هذا الشيخ كيف يصلي؟ قال: فلما صلى قال: قد سمعت مقالكم.
غزوت مع رسول الله ﷺ ستا أو سبعا أو ثمانيا فشهدت أمره وتيسيره فكان رجوعي مع دابتي أهون علي من تركها فتنزع إلى مألفها (٣) فيشق علي.
وصلى أبو برزة العصر ركعتين (٤) . رواه أحمد والبخاري والبيهقي.
وأما المشي الكثير فقد قال الحافظ في الفتح: أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل.
حمل الصبي وتعلقه بالمصلي: فعن أبي قتادة أن النبي ﷺ صلى وأمامة بنت زينب (٥) ابنة النبي ﷺ على رقبته فإذا ركع وضعها وإذا قام من سجوده أخذها فأعادها على رقبته فقال عامر ولم أسأله: أي صلاة هي؟ قال ابن جريج: وحدثت عن زيد بن أبي عتاب عن عمرو بن سليم: أنها صلاة الصبح.
قال أبو عبد الرحمن (٦) جوده (أي جود ابن جريج إسناد الحديث الذي فيه أنها صلاة الصبح) رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
قال الفاكهاني: وكأن السر في حمله ﷺ أمامة في الصلاة دفعا لما كانت العرب تالفه من كراهة البنات بالفعل قد يكون أقوى من القول.
وعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاة العشي (الظهر أو العصر) وهو حامل (حسن أو حسين) فتقدم النبي ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها، قال:
стр. 258
إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت في سجودي.
فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال: (كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه أحمد والنسائي والحاكم.
قال النووي: هذا يدل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للامام والمأموم.
وحمله أصحاب مالك ﵁ على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة.
وهذا التأويل فاسد لان قوله يؤم الناس صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة، وقد سبق أن ذلك كان في فريضة الصبح.
قال: وادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ وبعضهم أنه كان لضرورة.
وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لان الادمي طاهر
وما في جوفه معفو عنه لكونه في معدته، وثياب الاطفال تحمل على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا.
والافعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي ﷺ هذا بيانا للجواز وتنبيها به على هذه القواعد التي ذكرتها.
وهذا يرد ما ادعاه الامام أبو سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون كان بغير تعمد فحملها في الصلاة لكونها كانت تتعلق به ﷺ فلم يرفعها فإذا قام بقيت معه.
قال: (ولا يتوهم أنه حملها مرة أخرى عمدا لانه عمل كثير ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟) هذا كلام الخطابي رحمه الله تعالى، وهو باطل ودعوى مجردة. ومما يردها قوله في صحيح مسلم: فإذا قام حملها.
وقوله: فإذا رفع من السجود أعادها، وقوله في رواية غير مسلم: خرج علينا حاملا أمامة فصلى فذكر الحديث.
وأما قضية الخميصة فلانها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب وإن شغله فيترتب عليه فوائد
стр. 259
وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فأصل ذلك الشغل لهذه الفوائد، بخلاف الخميصة فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، والله أعلم.
(٦) إلقاء السلام على المصلي ومخاطبته وأنه يجوز له أن يرد بالاشارة على من سلم عليه أو خاطبه: فعن جابر بن عبد الله قال: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال بيده هكذا، ثم كلمته فقال بيده هكذا (أشار بها) وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه.
فلما فرغ قال: (ما فعلت في الذي أرسلتك فإنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي؟) رواه أحمد ومسلم.
وعن عبد الله بن عمر عن صهيب أنه قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت فرد علي إشارة، وقال: لا أعلمه إلا قال إشارة بإصبعه: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده. رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي.
وعن أنس أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة. رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وهو صحيح الاسناد.
ويستوي في ذلك الاشارة بالاصبع أو باليد جميعها أو بالايماء بالرأس فكل ذلك وارد عن رسول الله ﷺ .
(٧) التسبيح والتصفيق: يجوز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إذا عرض أمر من الامور، كتنبيه الامام إذا أخطأ وكالاذن للداخل أو الارشاد للاعمى أو نحو ذلك.
فعن سهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ : (من نابه شئ في صلاته فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
стр. 260
(٨) الفتح على الامام: إذا نسي الامام آية يفتح عليه المؤتم فيذكره تلك الاية، سواء كان قرأ القدر الواجب أم لا.
فعن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فالتبس عليه فلما فرغ قال لابي: (أشهدت معنا؟) قال: نعم.
قال: (فما منعك أن تفتح علي؟) رواه أبو داود وغيره ورجاله ثقات.
(٩) حمد الله عند العطاس أو عند حدوث نعمة (١) :
فعن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى.
فلما صلى رسول الله ﷺ قال: (من المتكلم في الصلاة؟) فلم يتكلم أحد، ثم قال الثانية فلم يتكلم أحد، ثم قال الثالثة فقال رفاعة: أنا يا رسول الله، فقال: (والذي نفس محمد بيده لقد ابتدرها بضع وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها) رواه النسائي والترمذي ورواه البخاري بلفظ آخر.
(١٠) السجود على ثياب المصلي أو عمامته لعذر: فعن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الارض وبردها. رواه أحمد بسند صحيح. فإن كان لغير عذر كره.
(١١) تلخيص بقية الاعمال المباحة في الصلاة: لخص ابن القيم بعض الاعمال المباحة التي كان يعملها رسول الله ﷺ في الصلاة فقال: وكان ﷺ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة فإذا سجد غمزها بيده فقبضت رجلها وإذا قام بسطتها، وكان ﷺ يصلي فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته فأخذه فخنقه حتى
стр. 261
سأل لعابه على يده، وكان يصلي على المنبر (١) ويركع عليه فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى فسجد على الارض ثم صعد عليه، وكان يصلي إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يدارئها (٢) حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه، وكان يصلي فجاءته جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلنا فأخذهما بيده فنزع إحداهما من الاخرى وهو في الصلاة.
ولفظ أحمد فيه: فأخذتا بركبتي ﷺ فنزع بينهما أو فرق بينهما ولم ينصرف، وكان يصلي فمر بين يديه غلام فقال بيده وهكذا (٣) فرجع، ومرت بين يديه جارية فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسلو الله ﷺ قال: (هن أغلب) ذكره الامام أحمد وهو في السنن.
وكان ينفخ في صلاته وأما حديث (النفخ في الصلاة كلام) فلا أصل له عن رسول الله ﷺ وإنما رواه سعيد في سننه عن ابن عباس ﵄ من قوله - إن صح - وكان يبكي في صلاته، وكان يتنحنح في صلاته.
قال علي بن أبي طالب ﵁: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت فإن وجدته يصلي تنحنح فدخلت وإن وجدته فارغا أذن لي.
ذكره النسائي وأحمد، ولفظ أحمد: كان لي من رسول الله ﷺ مدخل من الليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح.
رواه أحمد وعمل به فكان يتنحنح في صلاته ولا يرى النحنحة مبطلة للصلاة، وكان يصلي حافيا تارة ومنتعلا أخرى.
كذا قال عبد الله بن عمر، وأمر بالصلاة بالنعل مخالفة لليهود، وكان يصلي في الثوب الواحد وفي الثوبين تارة، وهو أكثر.
(١٢) القراءة من المصحف: فإن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها في رمضان من المصحف، رواه مالك. وهذا مذهب الشافعية.
قال النووي: ولو قلب أوراقه أحيانا في صلاته لم
стр. 262
تبطل، ولو نظر في مكتوب غير القرآن وردد ما فيه في نفسه لم تبطل صلاته وإن طال، لكن يكره.
نص عليه الشافعي في الاملاء.
(١٣) شغل القلب بغير أعمال الصلاة: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الاذان، فإذا قضى الاذان أقبل، فإذا ثوب بها (١) أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظن الرجل لا يدري كم صلى، فإن لم يدر أحدكم ثلاثا صلى أم أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس) رواه البخاري ومسلم وقال البخاري: قال عمر: إني لاجهز جيشي وأنا في الصلاة.
ومع أن الصلاة في هذه الحالة صحيحة مجزئة (٢) فإنه ينبغي للمصلي أن يقبل بقلبه على ربه ويصرف عنه الشواغل بالتفكير في معنى الايات والتفهم لحكمة كل عمل من أعمال الصلاة فإنه لا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها.
فعند أبي داود والنسائي وابن حبان عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها)
وروى البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (قال الله عزوجل: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي (٣) ولم يستطل بها على خلقي (٤) ، ولم يبت مصرا على معصيتي (٥) وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والارملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي (٦) ، واستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة) .
وروى أبو داود عن زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه) .
وروى مسلم عن عثمان بن أبي العاص قال، قلت: يا رسول الله إن الشيطان
стр. 263
قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال ﷺ : (ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا) قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
وروى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله عزوجل: (قسمت الصلاة (١) بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل) فإذا قال (الحمد لله رب العالمين) قال الله عزوجل: حمدني عبدي، وإذا قال (الرحمن الرحيم) قال عزوجل: أثنى علي عبدي، وإذا قال (مالك يوم الدين) قال مجدني عبدي وفوض إلي عبدي، وإذ قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) .
مكروهات الصلاة:
يكره للمصلي أن يترك سنة من سنن الصلاة المتقدم ذكرها، ويكره له أيضا ما يأتي:
(١) العبث بثوبه أو ببدنه إلا إذا دعت إليه الحاجة فإنه حينئذ لا يكره: فعن معيقب قال: سألت النبي ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة فقال: (لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلا فواحدة: تسوية الحصى) رواه الجماعة.
وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى) أخرجه أحمد وأصحاب السنن.
وعن أم سلمة أن النبي ﷺ قال لغلام له يقال له يسار، وكان قد نفخ في الصلاة: (ترب وجهك لله) رواه أحمد بإسناد جيد.
(٢) التخصر في الصلاة: فعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة.
رواه أبو داود وقال: يعني يضع يده على خاصرته.
стр. 264
(٣) رفع البصر إلى السماء: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ : (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أون لتخطفن أبصارهم) رواه أحمد ومسلم والنسائي.
(٤) النظر إلى ما يلهي: فعن عائشة أن النبي ﷺ صلى في حميصة لها أعلام (١) فقال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم (٢) واتوني بأنبجانيته) (٣) رواه البخاري ومسلم.
وروى البخاري عن أنس قال: كان قرام لعائشة (٤) سترت به جانب بيتها فقال لها النبي ﷺ : (أميطي قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) .
وفي هذا الحديث دليل على أن استثبات الخط المكتوب في الصلاة لا يفسدها.
(٥) تغميض العينين: كرهه البعض وجوزه البعض بلا كراهة، والحديث المروي في الكراهة لم يصح.
قال ابن القيم: والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهناك لا يكره التغميض قطعا والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة.
(٦) الاشارة باليدين عند السلام: فعن جابر بن سمرة قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فقال: (ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس (٥) إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يقول: السلام عليكم السلام عليكم) رواه النسائي وغيره وهذا لفظه.
стр. 265
(٧) تغطية الفم والسدل: فعن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه) .
رواه الخمسة والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
قال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الارض، وقال
الكمال بن الهمام: ويصدق أيضا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كمه.
(٨) الصلاة بحضرة الطعام: فعن عائشة أن النبي ﷺ قال: (إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء) (١) رواه أحمد ومسلم.
وعن نافع أن ابن عمر كان يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الامام. رواه البخاري.
قال الخطابي: إنما أمر النبي ﷺ أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلي في صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوة الطعام فيعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها.
(٩) الصلاة مع مدافعة الاخبثين ونحوهما مما يشغل القلب: لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: (ثلاث لا تحل لاحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم (٢) ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد دخل (٣) ولا يصلي وهو حاقن (٤) حتى يتخفف) .
وعند أحمد ومسلم وأبي داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يصلي أحد بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الاخبثان) .
стр. 266
(١٠) الصلاة عند مغالبة النوم: عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) رواه الجماعة.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه (١) فلم يدر ما يقول فليضطجع) رواه أحمد ومسلم.
(١١) التزام مكان خاص من المسجد للصلاة فيه غير الامام: فعن عبد الرحمن بن شبل قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل الماكن في المسجد كما يوطن البعير) (٢) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه.
مبطلات الصلاة:
تبطل الصلاة ويفوت المقصود منها بفعل من الافعال الاتية:
(١ و ٢) الاكل والشرب عمدا: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة القرض عامدا (٣) أن عليه الاعادة، وكذا في صلاة التطوع عند الجمهور لان ما أبطل الفرض يبطل التطوع (٤) .
(٣) الكلام عمدا في غير مصلحة الصلاة: فعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت
стр. 267
ونهينا عن الكلام، رواه الجماعة.
وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: (إن في الصلاة لشغلا) (١) رواه البخاري ومسلم.
فإن تكلم جاهلا بالحكم أو ناسيا فالصلاة صحيحة، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم.
فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت (٢) .
فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه.
فو الله ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
فهذا معاوية بن الحكم قد تكلم جاهلا بالحكم فلم يأمره النبي ﷺ باعادة الصلاة.
وأما عدم البطلان بكلام الناس فلحديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر فسلم فقال له ذو اليدين (٤) : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال له رسول الله ﷺ : (لم تقصر ولم أنس) فقال: بل
قد نسيت يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : (أحق ما يقول ذو اليدين؟) قالوا: نعم.
فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين. رواه البخاري ومسلم.
وجوز المالكية الكلام لاصلاح الصلاة بشرط ألا يكثر عرفا وألا يفهم المقصود بالتسبيح.
وقال الاوزاعي: من تكلم في صلاته عامدا بشئ يريد به إصلاح الصلاة لم تبطل صلاته.
وقال في رجل صلى العصر فجهر بالقرآن
стр. 268
فقال رجل من ورائه: إنها العصر، لم تبطل صلاته.
(٤) العمل الكثير عمدا: وقد اختلف العلماء في ضابط القلة والكثرة، فقيل: الكثير هو ما يكون بحيث لو رآه إنسان من بعد تيقن أنه ليس في الصلاة، وما عدا ذلك فهو قليل.
وقيل: هو ما يخيل للناظر أن فاعله ليس في الصلاة.
وقال النووي: إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرا أبطلها بلا خلاف وإن كان قليلا لم يبطلها بلا خلاف، هذا هو الضابط.
ثم اختلفوا في ضبط القليل والكثير على أربعة أوجه ثم اختار الوجه الرابع فقال: (وهو الصحيح المشهور) وبه قطع المصنف والجمهور أن الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلا كالاشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة، ووضعها ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفع مار ودلك البصاق في ثوبه وأشباه خذا (١) .
وأما ما عده الناس كثيرا كخطوات كثيرة متوالية وفعلات متتابعة فتبطل الصلاة.
قال: ثم اتفق الاصحاب على أن الكثير إنما يبطل إذا تولى فإن تفرق بأن خطا خطوة، ثم سكت زمنا، ثم خطا أخرى، أو خطوتين، ثم خطوتين بينهما زمن إذا قلنا لا يضر الخطوتان وتكرر ذلك مرات كثيرة حتى بلغ مائة خطوة فأكثر، لم يضر بلا خلاف.
قال: فأما الحركات الخفيفة كتحريك الاصابع في سبحة أو حكة أو حل أو عقد فالصحيح المشهور أن الصلاة لا تبطل به وإن كثرت متوالية، لكن يكره.
وقد نص الشافعي ﵀: أن لو كان يعد الايات بيده عقدا لم تبطل صلاته، لكن الاولى تركه.
(٥) ترك ركن أو شرط عمدا وبدون عذر: لما رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال للاعرابي الذي لم يحسن صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، وقد تقدم.
قال ابن رشد: اتفقوا على أن من صلى بغير طهارة أنه يجب عليه الاعادة،
стр. 269
عمدا كان ذلك أو نسايانا.
وكذلك من صلى لغير القبلة عمدا كان ذلك أو نسيانا.
وبالجملة فكل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وجبت عليه الاعادة (١) .
ويرى الحنفية والحنابلة أنه يباح له قطع الصلاة لو خاف ضياع مال له ولو كان قليلا أو لغيره أو خافت أو تألم ولدها من البكاء أو فار القدر أو هربت دابته ونحو ذلك.
(٦) التبسم والضحك في الصلاة: نقل ابن المنذر الاجماع على بطلان الصلاة بالضحك.
قال النووي: وهو محمول على من بان منه حرفان.
وقال أكثر العلماء: لا بأس بالتبسم، وإن غلبه الضحك ولم يقو على دفعه فلا تبطل الصلاة به إن كان يسيرا، وتبطل به إن كان كثيرا، وضابط القلة والكثرة والعرف.
قضاء الصلاة اتفق العلماء على أن قضاء الصلاة واجب على الناسي والنائم لما تقدم من قول رسول الله ﷺ : (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحد صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) .
والمغمى عليه لا قضاء عليه إلا إذا أفاق في وقت يدرك فيه الطهارة والدخول في الصلاة.
فقد روى عبد الرزاق عن نافع: أن ابن عمر اشتكى مرة غلب فيها على عقله حتى ترك الصلاة ثم أفاق فلم يصل ما ترك من الصلاة.
وعن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه إذا أغمي على المريض ثم عقل لم يعد الصلاة.
قال معمر: سألت الزهري عن المغمى عليه فقال: لا يقضي.
وعن حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما قالا في المغمى عليه: لا يعيد الصلاة التي أفاق عندها.
وأما التارك للصلاة عمدا فمذهب الجمهور أنه يأثم وان القضاء عليه واجب.
وقال ابن تيمية: تارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع وقد وفي ابن حزم هذه المسألة حقها من البحث فأوردنا ما ذكره فيها ملخصا، قال وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها أبدا،
стр. 270
فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزاته يوم القيامة وليتب وليستغفر الله عزوجل.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يقضيها بعد خروج الوقت حتى إن مالكا وأبا حنيفة قالا من تعمد ترك صلاة أو صلوات فإنه يصليها قبل التي حضر وقتها إن كانت التي تعمد تركها خمس صلوات فأقل سواء خرج وقت الحاضرة أو لم يخرج فإن كانت أكثر من خمس صلوات بدأ بالحاضرة، برهان صحة قولنا (١) قول الله تعالى: (فويل للمصلمين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) .
فلو كان العامد لترك الصلاة مدركا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل ولا لقي الغي كما لا ويل ولا غي لمن أخرها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركا لها.
وأيضا فإن الله تعالى جعل لكل صلاة فرض وقتا محدود الطرفين يدخل في حين محدود ويبطل ي وقت محدود فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها وبين من صلاها بعد وقتها لان كليهما صلى في غير الوقت.
وليس هذا قياسا لاحدهما على الاخر بل هما سواء في تعدي حدود الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وأيضا فإن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز لغير الله تعالى على لسان رسوله ﷺ .
فنسأل من أوجب على العامد قضاء ما تعمد تركه من الصلاة أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمره بفعلها أهي التي أمره الله بها أم هي غيرها؟ فإن قالوا: هي هي قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصيا: لانه قد فعل ما أمره الله تعالى ولا إثم على قولكم ولا ملامة على من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها وهذا لا يقوله مسلم) .
وإن قالوا: ليست هي التي أمر الله تعالى بها قلنا: صدقتم وفي هذا كفاية إذ أقروا بأنهم أمروه بما يأمره به الله تعالى.
ثم نسألهم عمن تعمد ترك الصلاة بعد الوقت أطاعة هي أم معصية؟ فإن قالوا طاعة خالفوا إجماع أهل الاسلام كلهم المتيقن وخالفوا القرآن والسنن الثابتة، وإن قالوا هي معصية صدقوا ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة.
وأيضا فإن الله تعالى قد حدد أوقات الصلاة على لسان رسول الله ﷺ ، وجعل لكل وقت
стр. 271
صلاة منها أو لا ليس ما قبله وقتا لتأديتها وآخرا ليس ما بعده وقتا لتأديتها، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الامة فلو جاز أداؤها بعد الوقت لما كان لتحديده ﵇ آخر وقتها معنى، ولكان لغوا من الكلام وحاشا لله من هذا.
وأيضا فان كل عمل علق بوقت محدود فإنه لا يصح في غير وقته ولو صح في غير ذلك الوقت لما كان ذلك الوقت وقتا له وهذا بين وبالله التوفيق.
ثم قال بعد كلام طويل: ولو كان القضاء واجبا على العامد لترك الصلاة حتى يخرج وقتها، لما أغفل الله تعالى ورسوله ﷺ ذلك ولا نسياه ولا تعمدا إعناتنا بترك بيانه: (وما كان ربك نسيا) وكل شريعة لم يأت بها القرآن ولا السنة فهي باطلة.
وقد صح عن رسول الله ﷺ : (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) فصح أن ما فات فلا سبيل إلى ادراكه ولو أدرك أو أمكن أن يدرك لما فات كما لا تفوت المنسية أبدا، وهذا لا إشكال فيه، والامة أيضا كلها مجمعة على القول والحكم بأن الصلاة قد فاتت إذا خرج وقتها فصح فوتها بإجماع متيقن ولو أمكن قضاؤها وتأديتها لكان القول بأنها فاتت كذبا وباطلا فثبت يقينا أنه لا يمكن القضاء فيها أبدا، وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
قال: وما جعل الله تعالى عذرا لمن خوطب بالصلاة في تأخيرها عن وقتها بوجه من الوجوه ولا في حالة المطاعنة والقتال والخوف وشدة المرض والسفر، وقال الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فتلقم طائفة منكم معك) الاية. وقال تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) .
ولم يفسح الله في تأخيرها عن وقتها للمريض المدنف بل أمر إن عجز عن الصلاة قائما أنه يصلي قاعدا فان عجز عن القعود فعلى جنب وبالتيمم إن عجز عن الماء وبغير تيمم إن عجز عن التراب.
فمن أين أجاز من أجاز تعمد تركها حتى يخرج وقتها ثم أمره أن يصليها بعد الوقت وأخبره بأنها تجزئه كذلك من غير قرآن ولا سنة لا صحيحة ولا سقيمة ولا قول لصاحب ولا قياس.
ثم قال: وأما قولنا أن يتوب من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها ويستغفر الله ويكثر من التطوع فلقول الله
стр. 272
تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) ولقوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) وقال الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط كيوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا) وأجمعت الامة وبه وردت النصوص كلها على أن للتطوع جزءا من الخير الله أعلم بقدرة للفريضة أيضا جزء من الخير الله أعلم بقدره.
فلا بد ضرورة من أن يجتمع من جزء التطوع إذا كثر ما يوازي جزء الفريضة ويزيد عليه وقد أخبر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل وأن الحسنات يذهبن السيئات.
صلاة المريض:
من حصل له عذر من مرض ونحوه لا يستطيع معه القيام في الفرض يجوز أن يصلي قاعدا، فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه يومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. لقول الله عزوجل: (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) .
وعن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) رواه الجماعة إلا مسلما، وزاد النسائي، فإن لم تستطع فمستلقيا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وعن جابر قال: عاد النبي ﷺ مريضا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: (صل على الارض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه.
والمعتبر في عدم الاستطاعة هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو بطئه أو خوف دوران الرأس. وصفة الجلوس الذي هو بدل القيام أن يجلس متربعا.
فعن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعا. رواه النسائي وصححه الحاكم.
ويجوز أن يجلس كجلوس التشهد.
وأما صفة صلاة من عجز عن القيام
стр. 273
والقعود فقيل يصلي على جنبه، فإن لم يستطع صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على قدر طاقته، واختار هذا ابن المنذر.
ورد في ذلك حديث ضعيف عن علي عن النبي ﷺ قال: (يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الايمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الايمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة) رواه
الدارقطني.
وقال قوم يصلي كيفما تيسر له.
وظاهر الاحاديث أنه إذا تعذر الايماء من المستلقي لم يجب عليه شئ بعد ذلك.
صلاة الخوف:
اتفق العلماء على مشروعية صلاة الخوف (١) لقول الله تعالى: (وإذ كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم (٢) فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) قال الامام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز.
وقال ابن القيم: أصولها ست صفات وأبلغها بعضهم أكثر.
وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها فصارت سبعة عشر.
لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي ﷺ وإنما هو من اختلاف الرواة.
قال الحافظ: وهذا هو المعتمد.
وإليك بيانها:
١ - أن يكون العدو في غير جهة القبلة فيصلي الامام في الثنائية بطائفة ركعة ثم ينتظر حتى يتموا لانفسهم ركعة ويذهبوا فيقوموا وجاه العدو ثم
стр. 274
تأتي الطائفة الاخرى فيصلون معه الركعة الثانية ثم ينتظر حتى يتموا لانفسهم ركعة ويسلم بهم.
فعن صالح بن نحوات عن سهل بن أبي خيثمة أن طائفة صفت مع النبي ﷺ وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثبت قائما فأتموا لانفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا فأتموا لانفسهم ثم سلم بهم.
رواه جماعة إلا ابن ماجه.
٢ - أن يكون العدو في غير جهة القبلة فيصلي الامام بطائفة (١) من الجيش ركعة والطائفة الاخرى تجاه العدو ثم تنصرف الطائفة التي صلت معه الركعة وتقوم تجاه العدو وتأتي الطائفة الاخرى فتصلي معه ركعة ثم تقضي كل طائفة لنفسها ركعة، فعن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الاخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. رواه أحمد والشيخان.
والظاهر أن الطائفة الثانية تتم بعد سلام الامام من غير أن تقطع صلاتها بالحراسة فتكون ركعتاها متصلتين وأن الاولى لا تصلي الركعة الثانية إلا بعد أن تنصرف الطائفة الثانية من صلاتها إلى مواجهة العدو، فعن ابن مسعود قال: ثم سلم وقام هؤلاء (٢) فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا.
٣ - أن يصلي الامام بكل طائفة ركعتين فتكون الركعتان الاوليان له فرضا والركعتان الاخريان له نفلا.
واقتداء المفترض بالمتنفل جائز، فعن جابر أنه ﷺ صى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم.
رواه الشافعي والنسائي.
وفي رواية لاحمد وأبي داود والنسائي قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم ثم تأخروا وجاء الاخرون فكانوا في مقامهم فصلى بهم ركعتين
стр. 275
ثم سلم فصار للنبي ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان.
وفي رواية أحمد والشيخين عنه قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين فكان النبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان.
٤ - أن يكون العدو في جهة القبلة فيصلي الامام بالطائفتين جميعا مع اشتراكهم في الحراسة ومتابعتهم له في جميع أركان الصلاة إلى السجود فنسجد معه طائفة وتنتظر الاخرى حتى تفرغ الطائفة الاولى ثم تسجد، وإذا فرغوا من الركعة الولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة وتأخرت المتقدمة.
فعن جبار قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفنا صفين خلفه، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ فكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف الاخر في نحر (١) العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعا ثم رفع رأسه ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ النبي ﷺ وسلمنا جميعا) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
٥ - أن تدخل الطائفتان مع الامام في الصلاة جميعا، ثم تقوم إحدى الطائفتين بإزاء العدو وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة ثم يذهبون فيقومون في وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الاخرى فتصلي لنفسها ركعة والامام قائم ثم يصلي بهم الركعة الثانية، ثم تأتي الطائفة القائمة في وجاه العدو فيصلون لانفسهم ركعة والامام والطائفة الثانية قاعدون ثم يسلم الامام ويسلمون جميعا.
فعن أبي هريرة قال: (صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف عام غزوة نجد
стр. 276
فقام إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعا - الذين معه والذين مقابل العدو - ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والاخرون قيام مقابل العدو ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ ومن معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعتان) .
رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
٦ - أن تقتصر كل طائفة على ركعة مع الامام فيكون للامام ركعتان ولكل طائفة ركعة: فعن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين صفا خلفه وصفا موازي العدو فصلى الذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء دور أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة. رواه النسائي وابن حبان وصححه.
وعنه قال: (فرض الله الصلاة على نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) .
رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا) . رواه أبو داود والنسائي.
صلاة المغرب لا يدخلها قصر ولم يقع في شئ من الاحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب.
ولهذا اختلف العلماء: فعند الحنفية والمالكية يصلي الامام بالطائفة الاولى ركعتين ويصلي بالطائفة الثانية ركعة: وأجاز الشافعي وأحمد أن يصلي بالطائفة الاولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه فعل ذلك.
стр. 277
الصلاة أثناء اشتداد الخوف:
إذا اشتد الخوف والتحمت الصفوف، صلى كل واحد حسب استطاعته راجلا أو راكبا مستقبلا القبلة أو غير مستقبلها يومئ بالركوع والسجود كيفما أمكن، ويجعل السجود أخفض من الركوع ويسقط عنه من الاركان ما عجز عنه.
قال ابن عمر: وصف النبي ﷺ صلاة الخوف وقال: (فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا) وهو في البخاري بلفظ: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) وفي رواية لمسلم أن ابن عمر قال: فإن كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء.
صلاة الطالب والمطلوب:
من كان طالبا للعدو وخاف أن يفوته صلى بالايماء ولو ماشيا إلى غير القبلة، والمطلوب مثل الطالب في ذلك ويلحق بهما كل من منعه عدو عن الركوع والسجود أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من عدو أو لص أو حيوان مفترس فإنه يصلي بالايماء إلى أي جهة توجه إليها.
قال العراقي: ويجوز ذلك في كل هرب مباح من سيل أو حريق إذا لم يجد معدلا عنه، وكذا المدين المعسر إذا كان عاجزا عن بينة الاعسار ولو ظفر به المستحق لحبسه ولم يصدقه، وكذا إذا كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغضب بتغيبه.
وعن عبد الله ابن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرفات فقال: (اذهب فاقتله) قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك.
فقال: إني لقي ذلك. فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
رواه أحمد وأبو داود.
وحسن الحافظ إسناده.
стр. 278
صلاة السفر:
قصر الصلاة الرباعية: قال الله تعالى: (وإذا ضربتم (١) في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) .
والتقييد بالخوف غير معمول به.
فعن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر بن الخطاب أرأيت (٢) إقصار الناس الصلاة وإنما قال عزوجل: (إن خفتم
أن يقتنكم الذين كفروا) فقد ذهب ذلك اليوم؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) . رواه الجماعة.
وأخرج ابن جرير عن أبي منيب الجرشي أنه قيل لابن عمر قول الله تعالى (وإذا ضربتم في الارض) الاية لا فنحن آمنون لا نخاف فتقصر الصلاة؟ فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
وعن عائشة قالت: قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا في المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى الصلاة الاولى (أي التي فرضت بمكة) .
رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة ورجاله ثقات.
قال ابن القيم: وكان ﷺ يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الصلاة الرباعية ولم يختلف في ذلك أحد من الائمة وإن كانوا قد اختلفوا في حكم القصر فقال بوجوده عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجابر وهو مذهب الحنفية (٣) .
وقالت المالكية القصر
стр. 279
سنة مؤكدة آكد من الجماعة فإذا لم يجد المسافر مسافرا يقتدي به صلى مفردا على القصر ويكره اقتداؤه بالمقيم.
وعند الحنابلة أن القصر جائز وهو أفضل من الاتمام، وكذا عند الشافعية إن بلغ مسافة القصر.
(٢) مسافة القصر: المتبادر من الاية أن أي سفر في اللغة طال أم قصر تقصر من أجله الصلاة وتجمع ويباح فيه الفطر، ولم يرد من السنة ما يقيد هذا الاطلاق.
وقد نقل ابن المنذر وغيره في هذه المسألة أكثر من عشرين قولا ونحن نذكر هنا أصح ما ورد في ذلك: روى أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي عن يحيى بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال أنس: كان النبي ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ يصلي ركعتين.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه.
والتردد بين الاميال والفراسخ يدفعه ما ذكره أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة.
رواه سعيد بن منصور وذكره الحافظ في التلخيص وأقره بسكوته عنه.
ومن المعروف أن الفرسخ ثلاثة أميال فيكون حديث أبي سعيد رافعا للشك الواقع في حديث أنس ومبينا أن أقل مسافة قصر فيها رسول الله ﷺ الصلاة كانت ثلاثة أميال والفرسخ ٥٥٤١ مترا والميل ١٧٤٨ مترا.
وأقل ما ورد في مسافة القصر ميل واحد رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر.
وبه أخذ ابن حزم، وقال محتجا على ترك القصر فيما دون الميل: بأنه ﷺ خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة ولم يقصر.
وأما ما ذهب إليه الفقهاء من اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الاخر فقد كفانا مئونة الرد عليهم الامام
أبو القاسم الخرقي قال في المغني: قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الائمة حجة.
لان أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف.
وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد
стр. 280
ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي ﷺ وفعله.
وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين أحدهما أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها ولظاهر القرآن لان ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الارض لقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية فبقي ظاهر الاية متناولا كل ضرب في الارض، وقول النبي ﷺ (يمسح المسافر ثلاثة أيام) جاء لبيان مدة المسح فلا يحتج به ههنا، وعلى أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي ﷺ سفرا فقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم) .
والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الاجماع على خلافه.
ويستوي في ذلك السفر في الطائرة أو القاطرة كما يستوي سفر الطاعة وغيره.
ومن كان عمله يقتضي السفر دائما مثل الملاح والمكاري فإنه يرخص له القصر والفطر لانه مسافر حقيقة.
(٣) الموضع الذي يقصر منه: ذهب جمهور العلماء إلى أن قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر والخروج من البلد وأن ذلك شرط ولا يتم حتى يدخل أو بيوتها،
قال ابن المنذر: ولا أعلم أن النبي ﷺ قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة.
وقال أنس: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين.
رواه الجماعة.
ويرى بعض السلف أن من نوى السفر يقصر ولو في بيته.
(٤) متى يتم المسافر: المسافر يقصر الصلاة ما دام مسافرا فإن أقام لحاجة ينتظر قضاءها قصر الصلاة كذلك لانه يعتبر مسافرا وإن أقام سنين، فإن نوى الاقامة مدة معينة فالذي اختاره ابن القيم أن الاقامة لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم
стр. 281
قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه.
وللعلماء في ذلك آراء كثيرة، لخصها ابن القيم وانتصر لرأيه فقال: (أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ولم يقل للامة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة) .
وهذه الاقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الاقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا.
ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (أقام النبي ﷺ في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا) .
وظاهر كلام أحمد ان ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح فإنه قال: (أقام رسول الله ﷺ بمكة ثماني عشرة يوما من الفتح لانه أراد حنينا ولم يكن ثم أجمع المقام) وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك كما قال جابر ابن عبد الله: (أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر
الصلاة) .
رواه الامام أحمد في مسنده ز وقال المسور بن مخرمة: (أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها) .
وقال نافع: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول) .
وقال حفص بن عبيد الله: (أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر) .
وقال أنس: أقام أصحاب النبي ﷺ برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة) .
وقال الحسن: (أقمت مع عبد الرحمن ابن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع) .
وقال إبراهيم: (كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين) .
فهذا هدي النبي ﷺ وأصحابه كما ترى وهو الصواب.
وأما مذهب الناس فقال الامام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر.
وحمل هذه الاثار على أن رسول الله ﷺ وأصحابه لم يجمعوا (١) الاقامة ألبتة بل كانوا يقولون اليوم نخرج غدا نخرج.
وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله ﷺ فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يؤسس قواعد
стр. 282
الاسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافقون في أربعة أيام، وكذلك إقامة عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج.
ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطريق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون. ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام.
وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدو، أو حبس سلطان، أو مرض قصر، سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة.
وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة، فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الاربعة الايام.
فقال من أين لكم هذا الشرط والنبي ﷺ لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وبتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك.
وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر.
وقال أبو حنيفة ﵁: إن نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن نوى دونها قصر.
وهو مذهب الليث بن سعد.
وروى عن ثلاثة من الصحابة عمر وابنه وابن عباس.
وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وعنه كقول أبي حنيفة ﵀.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ إن أقام عشرا أتم وهو رواية عن ابن عباس.
وقال الحسن: يقصر ما لم يقصر مصرا.
وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد.
والائمة الاربعة رضوان الله عليهم متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول اليوم أخرج فإنه يقصر أبدا إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية
стр. 283
عشر يوما ولا يقصر بعدها.
وقد قال ابن المنذر في إشرافه: أجمع أهل العلم
أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون.
(٥) صلاة التطوع في السفر: ذهب الجمهور من العلماء إلى عدم كراهة النفل لمن يقصر الصلاة في السفر لا فرق بين السنن الراتبة وغيرها.
فعند البخاري ومسلم أن النبي ﷺ اغتسل في بيت أم هانئ يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات.
وعن ابن عمر أنه ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه.
وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها إلا من جوف الليل، ورأى قوما يسبحون (١) بعد الصلاة فقال: لو كنت مسبحا لاتممت صلاتي، يا ابن أخي صحبت رسول الله ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين، وذكر عمر وعثمان وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) رواه البخاري.
وجمع ابن قدامة بين ما ذكره الحسن وبين ما ذكره ابن عمر بأن حديث الحسن يدل على أنه لا بأس بفعلها وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها.
(٦) السفر يوم الجمعة: لا بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم تحضر الصلاة.
فقد سمع عمر رجلا يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت. فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن السفر.
وسافر أبو عبيدة يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة، وأراد الزهري السفر ضحوة يوم الجمعة فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة.
الجمع بين الصلاتين:
يجوز للمصلي أن يجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا (٢) وبين المغرب
стр. 284
والعشاء كذلك (١) إذا وجدت حالة من الحالات الاتية:
(١) الجمع بعرفة والمزدلفة: اتفق العلماء على أن الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في وقت العشاء بمزدلفة سنة لفعل رسول الله ﷺ .
(٢) الجمع في السفر: الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم لا فرق بين كونه نازلا أو سائرا.
فعن معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل العشاء ثم نزل فجمع بينهما. رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن.
وعن كريب عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قلنا: بلى.
قال: كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما. رواه أحمد والشافعي في مسنده بنحوه،
وقال فيه: إذا سار قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
رواه البيهقي بإسناد جيد وقال: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الامور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين.
وروى مالك في الموطأ عن معاذ أن النبي ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب
стр. 285
والعشاء جميعا، قال الشافعي: قوله (ثم دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل) .
وقال ابن قدامة في المغني بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد.
وقال أهل السير إن غزوة تبوك كانت في سنة تسع.
وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جد به السير، لانه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعا ثم ينصرف إلى خبائه.
وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه قال: فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا.
والاخذ بهذا الحديث متعين لثبوته وكونه صريحا في الحكم ولا معارض له، ولان الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير، كالقصر والمسح، ولكن الافضل التأخير. انتهى.
ولا تشترط النية في الجمع والقصر، قال ابن تيمية: وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعا وقصرا لم يكن يأمر أحدا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا لاجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر.
وأما الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنه لا يشترط بحال، لا في وقت الاولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولان مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، وقال الشافعي: لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز.
وروي مثل ذلك عن أحمد.
(٣) الجمع في المطر: روى الاثرم في سننه عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء.
وروى البخاري أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة.
وخلاصة المذاهب في ذلك أن الشافعية تجوز للمقيم الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم فقط بشرط وجود المطر عند الاحرام بالاولى والفراغ منها وافتتاح الثانية.