عن الرجل لم يحج، أو يستقرض للحج؟ قال: " لا "، رواه البيهقي.
الحج من مال حرام ويجزئ الحج وإن كان المال حراما ويأثم عند الاكثر من العلماء.
وقال الامام أحمد: لايجزئ، وهو الاصح لما جاء في الحديث الصحيح: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ".
وروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا خرج الحاج حاجا بنفقة طيبة (١) ، ووضع رجله في الغرز (٢) فنادى: لبيك اللهم ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك (٣) زادك حلال، وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور (٤) وإذاخرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه مناد من السماء: لالبيك ولاسعد يك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور ".
قال المنذري: رواه الطبراني في الاوسط، ورواه الاصبهاني من حديث أسلم مولى عمر بن الخطاب مرسلا مختصرا.
أيهما أفضل في الحج: الركوب أم المشي؟ قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ قال الجمهور: الركوب أفضل، لفعل النبي ﷺ ، ولكونه أعون على الدعاء والابتهال، ولما فيه من المنفعة.
وقال إسحق بن راهويه: المشي أفضل لما فيه من التعب.
ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الاحوال والاشخاص.
روى البخاري عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادى (٥) بين ابنيه فقال: " ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال:
стр. 632
إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب ".
التكسب والمكاري في الحج لا بأس للحاج أن يتاجر، ويؤاجر ويتكسب، وهو يؤدي أعمال الحج والعمرة.
قال ابن عباس: إن الناس في أول الحج (١) كانوا يتبايعون بمنى وعرفة، وسوق ذي المجاز (٢) ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم.
فأنزل الله تعالى: (ليس عليكم جناح (٣) أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج) رواه البخاري، ومسلم، والنسائي.
وعن ابن عباس أيضا، في قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) قال: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا أن يتجروا إذا أفاضوا من " عرفات " رواه أبو داود: وعن أبي أمامة التيمي: أنه قال لا بن عمر: إني رجل أكري (٤) في هذا الوجه وإن ناسا يقولون لي: أنه ليس لك حج فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجار، قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجا، جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني، فسكت عنه حتى نزلت هذه الآية: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) ، فأرسل إليه وقرأ عليه هذه الآية، وقال: " لك حج " رواه أبو داود، وسعيد بن منصور.
وقال الحافظ المنذري أبو أمامة لايعرف اسمه.
وعن ابن عباس ﵄: أن رجلا سأله فقال: أؤجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك، ألي أجر؟ قال ابن عباس: نعم
стр. 633
أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب ". رواه البيهقي، والدراقطني.
حجة رسول الله ﷺ :
روى مسلم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم جميعا، وعن حاتم، قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسمعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: " دخلنا على جابر بن عبد الله ﵁ فسأل عن القوم حتى انتهى إلي؟ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الاعلى، ثم نزع زري الاسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا بن أخي، سل عما شئت؟ فسألته - وهو أعمى - وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفا بها (١) ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (٢) . فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال بيده: فعقد تسعا. فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع (٣) سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه حتى أتينا ذا الخليفة: فولدت " أسماء " بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع، قال: " اغتسلي واستثفري (٤) بثوب وأحرمي ". فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب " القصواء " (٥)
стр. 634
حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به. فأهل (١) بالتوحيد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته.
قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلا الحج: لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فجعل المقام بينه وبين البيت. فكان يقرأ في الركعتين " قل هو الله أحد " و " قل يا أيها الكافرون " ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا.
فلما دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده (٢) ، "، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال. " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه
стр. 635
هدي فليحل، وليجعلها عمرة ".
فقام سراقة بن مالك بن جعثم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لابد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه، واحدة في الاخرى، وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين، لابل لابد أبد ".
وقدم علي من اليمن ببدن للنبي ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا.
قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا (١) على فاطمة للذي صنعت، مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: " صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟.
" قال: قلت: " اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ".
قال: " فإن معي الهدي فلانحل.
" قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن؟ والذي أتى به النبي ﷺ ، مائة.
قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ، ومن كان معه هدي.
فلما كان يوم التروية (٢) ، توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شععر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش ألا أنه واقف
стр. 636
عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية (١) .
فأجاز (٢) رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت (٣) له.
فأتى بطن الوادي (٤) فخطب الناس، وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل - وربا الجاهلية موضوع (٥) وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة (٦) يرفعها إلى السماء ينكتها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم فاشهد ثلاث مرات.
تم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما
стр. 637
شيئا (١) ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة (٢) بين يديه واستقبل القبلة.
فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه.
ودفع رسول الله ﷺ ، وقد شنق (٣) للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله (٤) ويقول بيده اليمنى (٥) : " أيها الناس، السكينة السكينة " كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.
ثم ركب القصواء، حتى أتى الشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما (٦) فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن (٧) يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلا، ثم سلك الطريق
стр. 638
الوسطى (١) التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف، رمى من بطن الوادي (٢) .
ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (٣) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة (٤) فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.
ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت (٥) فصلى بمكة الظهر.
فأتى بني عبد الملك يسقون على زمزم، فقال: " انزعوا (٦) بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم (٧) لنزعت معكم ".
فناولوه دلوا فشرب منه.
قال العلماء: واعلم أن هذا حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه.
وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا أخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا.
قال: ولو تقصى لزيد على هذا العدد قريب منه.
قالوا: وفيه دلالة على أن غسل الاحرام سنة للنفساء والحائض ولغيرهما (١) قوله " ثم سلك الطريق الوسطى " فيه دليل على أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة.
وهو غير الطريق الذي ذهب به إلى عرفات.
وكان قد ذهب إلى عرفات من طريق " ضب " ليخالف الطريق كما كان يعمل في الخروج إلى العيدين في مخالفته طريق الذهاب والاياب.
стр. 639
بالاولى.
على استثفار الحائض والنفساء وعلى صحة إحرامهما، وأن يكون الاحرام عقب صلاة فرض أو نفل، وأن يرفع المحرم صوته بالتلبية، ويستحب الاقتصار على تلبية النبي ﷺ .
فإذا زاد فلا بأس، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك.
وأنه ينبغي للحاج القدوم أولا إلى مكة ليطوف طواف القدوم وأن يستلم الركن - الحجر الاسود - قبل طوافه ويرمل في الثلاثة الاشواط الاولى، والرمل أسرع المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب، وهذا الرمل يفعله ما عدا الركنين اليمانيين.
ثم يمشي أربعا على عادته وأنه يأتي بعد تمام طوافه مقام إبراهيم ويتلو " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".
ثم يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين.
ويقرأ فيهما في الاولى - بعد الفاتحة - سورة " الكافرون " وفي الثانية - بعد الفاتحة - سورة " الاخلاص ".
ودل الحديث أنه يشرع له الاستلام عند الخروج من المسجد كما فعله عند الدخول.
واتفق العلماء: على أن الاستلام سنة.
وأنه يسعى بعد الطواف ويبدأ من الصفا ويرقى إلى أعلاه ويقف عليه مستقبل القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر
ويدعو ثلاث مرات ويرمل في بطن الوادي وهو الذي يقال له " بين الميلين " وهو - أي الرمل - مشروع في كل مرة من السبعة الاشواط لا في الثلاثة الاول كما في طواف القدوم بالبيت، وأنه يرقى أيضا على المروة كما رقي على الصفا ويذكر ويدعو.
وبتمام ذلك تتم عمرته.
فإن حلق أو قصر صار حلالا.
وهكذا فعل الصحابة الذين أمرهم ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة.
وأما من كان قارنا، فإنه لا يحلق ولا يقصر، ويبقى على إحرامه ثم في
стр. 640
يوم التروية:
- وهو الثامن من ذي الحجة - يحرم من أراد الحج ممن حل من عمرته ويذهب هو ومن كان قارنا إلى منى، والسنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس، وأن يبيت بها هذه الليلة - وهي ليلة التاسع من ذي الحجة.
ومن السنة كذلك أن لا يخرج يوم عرفة من منى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يدخل " عرفات " إلا بعد زوال الشمس.
وبعد صلاة الظهر والعصر جميعا ب " عرفات " فإنه ﷺ نزل بنمرة وليست من عرفات.
ولم يدخل ﷺ الموقف إلا بعد الصلاتين.
ومن السنة أن يصلي بينهما شيئا، وأن يخطب الامام الناس قبل الصلاة، وهذه إحدى الخطب المسنونة في الحج.
والثانية - أي من الخطب المسنونة - يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر.
والثالثة - أي من الخطب المسنونة - يوم النحر.
والرابعة - يوم النفر الاول.
وفي الحديث سنن وآداب منها: أن يجعل الذهاب إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين.
وأن يقف - في عرفات - راكبا أفضل.
وأن يقف عند الصخرات، عند موقف النبي ﷺ ، أو قريبا منه.
وأن يقف مستقبل القبلة.
وأن يبقي في الموقف حتى تغرب الشمس.
ويكون في وقوفه داعيا لله عزوجل، رافعا يديه إلى صدره، وأن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة، ويأمر الناس بها إن كان مطاعا.
فإذا أتى المزدلفة نزل وصلى المغرب والعشاء جمعا بأذان واحد وإقامتين، دون أن يتطوع بينهما شيئا من الصلوات.
وهذا الجمع متفق عليه بين العلماء.
وإنما اختلفوا في سببه.
فقيل: أنه نسك، وقيل: لانهم مسافرون، أي السفر هو العلة لمشروعية الجمع.
стр. 641
ومن السنن:
المبيت بمزدلفة، وهو مجمع على أنه نسك وإنما اختلفوا في كونه - أي المبيت - واجبا أو سنة.
ومن السنة، أن يصلي الصبح في المزدلفة ثم يدفع عنها بعد ذلك.
فيأتي المشعر الحرام فيقف به، ويدعو.
والوقوف عنده من المناسك:
ثم يدفع منه عند إسفار الفجر إسفارا بليغا، فيأتي بطن محسر فيسرع السير فيه، لانه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل.
فلاينبغي الاناة فيه.
ولا البقاء فيه.
فإذا أتى الجمرة - وهي جمرة العقبة - نزل ببطن الوادي رماها بسبع حصيات، كل حصاة كحبة الباقلاء - أي الفول - يكبر مع كل حصاة.
ثم ينصرف بعد ذلك إلى النحر فينحر - إن كان عنده هدى ثم يحلق بعد نحره.
ثم يرجع إلى مكة فيطوف طواف الافاضة - وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
ومن بعده يحل له كل ما حرم عليه بالاحرام، حتى وطء النساء.
وأما إذا رمى جمرة العقبة.
ولم يطف هذا الطواف فإنه يحل له كل شئ ماعد النساء.
هذا هو هدي رسول الله ﷺ في حجه والآتي به مقتد به، ﷺ ، وممتثل لقوله: " خذوا عني مناسككم " وحجه صحيح.
وإليك تفصيل هذه الاعمال وبيان آراء العلماء، ومذهب كل منهم، في كل عمل من أعمال الحج.
المواقيت المواقيت جمع ميقات.
كمواعيد وميعاد، وهي مواقيت زمانية ومواقيت مكانية.
стр. 642
المواقيت الزمانية:
هي الاوقات التي لا يصح شئ من أعمال الحج إلا فيها، وقد بينها الله تعالى في قوله: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال: (الحج أشهر معلومات) أي وقت أعمال الحج أشهر معلومات.
والعلماء مجمعون: على أن المراد بأشهر الحج شوال، وذو القعدة.
واختلفوا في ذي الحجة.
هل هو بكماله من أشهر الحج، أو عشر منه؟ فذهب ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، والاحناف والشافعي، وأحمد، إلى الثاني.
وذهب مالك إلى الاول.
ورجحه ابن حزم فقال: قال تعالى: (الحج أشهر معلومات) .
ولا يطلق على شهرين، وبعض آخر أشهر.
وأيضا، فإن رمي الجمار - وهومن أعمال الحج - يعمل يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وطواف الافاضة - وهو من فرائض الحج - يعمل في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم، فصح أنها ثلاثة أشهر.
وثمرة الخلاف تظهر، فيما وقع من أعمال الحج بعد النحر.
فمن قال: إن ذا الحجة كله من الوقت، قال لم يلزمه دم التأخير.
ومن قال: ليس إلا العشر منه قال: يلزمه من التأخير.
الاحرام بالحج قبل أشهره: ذهب ابن عباس، وابن عمر، وجابر، والشافعي: إلى أنه لا يصح الاحرام بالحج إلا في أشهره (١) .
قال البخاري: وقال ابن عمر ﵄: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وقال ابن عباس ﵄: من السنة (٢) أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: لا يصح أن
يحرم أحد بالحج، إلا في أشهر الحج.
стр. 643
ويرى الاحناف، ومالك، وأحمد: أن الاحرام بالحج قبل أشهره يصح مع الكراهة.
ورجح الشوكاني الرأي الاول، فقال: إلا أنه يقوي المنع من الاحرام قبل أشهر الحج، أن الله - سبحانه - ضرب لاعمال الحج أشهرأ معلومة.
والاحرام عمل من أعمال الحج.
فمن ادعى أنه يصح قبلها فعليه الدليل.
المواقيت المكانية:
المواقيت المكانية هي الاماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة.
ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم.
وقد بينها رسول الله ﷺ : فجعل ميقات أهل المدينة " ذا الحليفة " (موضع بينه وبين مكة ٤٥٠ كيلومتر يقع في شمالها) .
ووقت (١) لاهل الشام " الجحفة " (موضع في الشمال الغربي من مكة بينه وبينها ١٨٧ كيلومتر، وهي قريبة من " رابغ " و " رابغ " بينها وبين " مكة " ٢٠٤ كيلومتر: وقد صارت " رابغ " ميقات أهل مصر والشام، ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم " جحفة ") .
وميقات أهل نجد " قرن المنازل " (جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة ٩٤ كيلومتر) .
وميقات أهل اليمن " يلملم " (جبل يقع جنوب مكة، بينه وبينها ٥٤ كيلومتر) .
وميقات أهل العراق " ذات عرق " (موضع في الشمال الشرقي لمكة، بينه وبينها ٩٤ كيلومتر) .
وقد نظمها بعضهم فقال: وقد نظمها بعضهم فقال: عرق العراق يلملم اليمن - وبذي الحليفة يحرم المدني
стр. 644
والشام جحفة إن مررت بها - ولاهل نجد قرن فاستبن هذه هي المواقيت التي عينها رسول الله ﷺ ، وهي مواقيت لكل من مر بها، سواء كان من أهل تلك الجهات أم كان من جهة أخرى (١) .
وقد جاء في كلامه ﷺ قوله: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة ".
أي إن هذه المواقيت لاهل البلاد المذكورة ولمن مربها.
وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة فإنه يحرم منها إذا أتى مكة قاصدا النسك.
ومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة.
وإن أراد العمرة، فميقاته الخل، فيخرج إليه ويحرم منه وأدنى ذلك " التنعيم ".
ومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله.
قال ابن حزم: ومن كان طريقه لاتمر بشئ من هذه المواقيت فليحرم
من حيث شاء، برا أو بحرا.
الإحرام قبل الميقات:
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم، لان قول الصحابة " وقت رسول الله ﷺ لاهل المدينة ذا الحليفة " يقضي بالاهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة، فلا أقل من أن يكون تركها أفضل.
الإحرام:
تعريفه: هونية أحد النسكين: الحج، أو العمرة، أو نيتهما معا: وهو ركن،
стр. 645
لقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقول الرسول ﷺ : " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".
وقد سبق الكلام على حقيقة النية (١) وأن محلها القلب: قال الكمال ابن الهمام: ولم نعلم الرواة لنسكه ﷺ .
روى واحد منهم: أنه سمعه ﷺ يقول: " نويت العمرة، أو نويت الحج ".
آدابه: للاحرام آداب ينبغي مراعاتها، نذكرها فيما يلي: (١) النظافة: وتتحقق بتقليم الاظافر، وقص الشارب ونتف الابط،
وحلق العانة، والوضوء، أو الاغتسال، وهو أفضل، وتسريح اللحية، وشعر الرأس.
قال ابن عمر ﵄: من السنة أن يغتسل (٢) إذا أراد الاحرام، وإذا أراد دخول مكة.
رواه البزار، والدارقطني، والحاكم، وصححه.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: " إن النفساء والحائض تغتسل (٣) وتحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر ".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وحسنه.
(٢) التجرد: من الثياب المخيطة ولبس ثوبي الاحرام، وهما رداء يلف النصف الاعلى من البدن، دون الرأس، وإزار يلف به النصف الاسفل منه.
стр. 646
وينبغي أن يكونا أبيضين، فإن الابيض أحب الثياب إلى الله تعالى.
قال ابن عباس ﵄: انطلق رسول الله ﷺ من المدينة بعد ما ترجل، وادهن، ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه. الحديث رواه البخاري.
(٣) التطيب: في البدن والثياب، وإن بقي أثره عليه بعد الاحرام (١) .
فعن عائشة ﵂ قالت: كأني أنظر إلى وبيض (٢) الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.
رواه البخاري، ومسلم.
ورويا عنها أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لاحرامه قبل أن يحرم، ولحله (٣) قبل أن يطوف بالبيت.
وقالت: " كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فننضح جباهنا بالمسك عند الاحرام، فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا، رواه أحمد، وأبو داود.
(٤) صلاة ركعتين: ينوي بهما سنة الاحرام، يقرأ في الاولى منهما بعد الفاتحة سورة " الكافرون " وفي الثانية سورة " الاخلاص ".
قال ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يركع بذي الحليفة (٤) ركعتين.
رواه مسلم.
وتجزئ المكتوبة عنهما، كما أن المكتوبة تغني عن تحية المسجد.
أنواع الإحرام:
الاحرام أنواع ثلاثة:
١ - قران.
٢ - وتمتع.
٣ - وإفراد.
стр. 647
وقد أجمع العلماء: على جواز كل واحد من هذه الانواع الثلاثة.
فعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع.
فمنا من أهل بعمرة، ومنامن أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج.
وأهل رسول الله ﷺ بالحج.
فأما من أهل بعمرة، فحل عند قدومه، وأما من أهل بحج، أو جمع بين الحج والعمرة، فلم يحل، حتى كان يوم النحر، رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، ومالك.
معنى القران (١) : أن يحرم من عند الميقات بالحج والعمرة معا.
ويقول عند التلبية: " لبيك بحج وعمرة ".
وهذا يقتضي بقاء المحرم على صفة الاحرام إلى أن يفرغ من أعمال العمرة والحج جميعا.
أو يحرم بالعمرة، ويدخل عليها الحج قبل الطواف (٢) معنى التمتع: والتمتع: هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم يحج من عامه الذي اعتمر فيه.
وسمي تمتعا، للانتفاع بأداء النسكين في أشهر الحج، في عام واحد، من غير أن يرجع إلى بلده.
ولان المتمتع يتمتع بعد التحلل من إحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لبس الثياب، والطيب، وغير ذلك.
وصفة التمتع: أن يحرم من الميقات بالعمرة وحدها، ويقول عند التلبية " لبيك بعمرة ".
وهذا يقتضي البقاء على صفة الاحرام حتى يصل الحاج إلى مكة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق شعره أو يقصره، ويتحلل فيخلع
стр. 648
ثياب الإحرام:
ويلبس ثيابه المعتادة ويأتي كل ما كان قد حرم عليه بالاحرام، إلى أن يجئ يوم التروية، فيحرم من مكة بالحج.
قال في الفتح: والذي ذهب إليه الجمهور: أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بين الحج والعمرة في سفر واحد في أشهر الحج، في عام واحد، وأن يقدم العمرة وأن يكون مكيا.
فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعا.
معنى الافراد: والافراد أن يحرم من يريد الحج من الميقات بالحج وحده، ويقول في التلبية: " لبيك بحج " ويبقى محرما حتى تنتهي أعمال الحج، ثم يعتمر بعد أن شاء.
أي أنواع النسك أفضل؟ اختلف الفقهاء في الافضل من هذه الانواع (١) .
فذهبت الشافعية إلى أن الافراد والتمتع أفضل من القران، إذ أن المفرد، أو المتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله.
والقارن يقتصر على عمل الحج وحده.
وقالوا - في التمتع والافراد - قولان: أحدهما أن التمتع أفضل، والثاني أن الافراد أفضل.
وقالت الحنفية: القران أفضل من التمتع والافراد والتمتع، أفضل من الافراد.
وذهبت المالكية إلى أن الافراد أفضل من التمتع والقران.
وذهبت الحنابلة إلى أن التمتع أفضل من القران، ومن الافراد.
وهذا هو الاقرب إلى اليسر، والاسهل على الناس (٢) .
стр. 649
وهو الذي تمناه رسول الله ﷺ لنفسه وأمر به أصحابه.
روى مسلم عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ قال: أهللنا - أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصا وحده، فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل.
قال: " حلوا وأصيبوا النساء " ولم يعزم عليهم (١) ، ولكن أحلهن لهم.
فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة، تقطر مذاكيرنا المني؟.
فقام النبي ﷺ فينا، فقال: " قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا " فحللنا، وسمعنا، وأطعنا.
جواز اطلاق الاحرام من أحرم إحراما مطلقا، قاصدا أداء ما فرض الله عليه، من غير أن يعين نوعا من هذه الانواع الثلاثة، لعدم معرفته بهذا التفصيل، جاز وصح إحرامه.
قال العلماء: ولو أهل ولبى - كما يفعل الناس - قصدا للنسك، ولم يسم شيئا بلفظه، ولا قصد بقلبه، لاتمتعا ولاإفرادا، ولاقرانا، صح حجه أيضا.
وفعل واحدا من الثلاثة.
طواف القارن والمتمتع وسعيهما وأنه ليس لاهل الحرم إلا الإفراد:
عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون، والانصار، وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع، واهل لنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ : " اجعلوا إهلالكم عمرة إلا من قلد الهدي " فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب.
وقال: " من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله "، ثم
стр. 650
أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، فقدتم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) إلى أمصاركم (١) الشاة تجزي.
فجمعوا نسكين في عام، بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) .
وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة وذو الحجة.
فمن تمتع في هذه الاشهر فعليه دم أو صوم. رواه البخاري.
١ - وفي هذا الحديث دليل على أن أهل الحرم لا متعة لهم ولا قران (٢) ، وأنهم يحجون حجا مفردا ويعتمرون عمرة مفردة.
وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة لقول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) .
واختلفوا في من هم حاضر والمسجد الحرام.
فقال مالك: هم أهل مكة بعينها، وهو قول الاعرج واختاره الطحاوي، ورجحه.
وقال ابن عباس وطاوس وطائفة: هم أهل الحرم.
قال الحافظ: وهو الظاهر.
وقال الشافعي: من كان أهله على أقل مسافة تقصر فيها الصلاة.
واختاره ابن جرير.
وقالت الاحناف من كان أهله بالميقات أو دونه.
والعبرة بالمقام لا بالمنشأ.
٢ - وفيه: أن على المتمتع أن يطوف ويسعى للعمرة أولا: ويغني هذا عن طواف القدوم الذي هو طواف التحية ثم يطوف طواف الافاضة بعد الوقوف بعرفة، ويسعى كذلك بعده.
стр. 651
أما القارن فقد ذهب الجمهور من العلماء: إلى أنه يكفيه عمل الحج، فيطوف طوافا واحدا (١) ويسعى سعيا واحدا للحج والعمرة، مثل الفرد (٢) .
١ - فعن جابر ﵁، قال: قرن رسول الله ﷺ الحج والعمرة.
وطاف لهما طوافا واحدا.
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
٢ - وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من أهل بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد وسعي واحد ".
رواه الترمذي.
وقال: حسن صحيح غريب، وخرجه الدارقطني وزاد: " ولا يحل منهما حتى يحل منهما جميعا ".
٣ - وروى مسلم: أن رسول الله ﷺ قال لعائشة " طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ".
وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لابد من طوافين وسعيين.
والاول أولى لقوة أدلته.
٤ - وفي الحديث: أن على التمتع والقارن هديا، وأقله شاة، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
والاولى أن يصوم الايام الثلاثة في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة.
ومن العلماء من جوز صيامها من أول شوال.
منهم: طاوس، ومجاهد.
ويرى ابن عمر ﵄ أن يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية، ويوم عرفة.
فلولم يصمها، أو يصم بعضه قبل العيد، فله أن يصومها في أيام التشريق لقول عائشة وابن عمر ﵄: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لا يجد الهدي.
رواه البخاري.
وإذا فاته صيام الايام الثلاثة في الحج، لزمه قضاؤها.
стр. 652
وأما السبعة الايام.
فقيل: يصومها إذا رجع إلى وطنه.
وقيل إذا رجع إلى رحله.
وعلى الرأي الاخير يصح صومها في الطريق.
هو مذهب مجاهد، وعطاء.
ولا يجب التتابع في صيام هذه الايام العشرة.
وإذا نوى وأحرم شرع له أن يلبي.
التلبية:
(١) حكمها: أجمع العلماء على: أن التلبية مشروعة.
فعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا آل محمد، من حج منكم فليهل (٢) في حجه " أو (٣) " حجته " رواه أحمد، وابن حبان.
وقد اختلفوا في حكمها، وفي وقتها، وفي حكم من أخرها.
فذهب الشافعي، وأحمد: إلى أنها سنة، وأنه يستحب اتصالها بالاحرام.
فلو نوى النسك ولم يلب، صح نسكه، دون أن يلزمه شئ لان الاحرام عندهما ينعقد بمجرد النية.
ويرى الاحناف: أن التلبية، أو ما يقوم مقامها - مما هو في معناها كالتسبيح، وسوق الهدي - شرط من شروط الاحرام، فلو أحرم، ولم يلب أو لم يسبح، أو لم يسق الهدي فلا إحرام له.
وهذا مبني: على أن الاحرام عندهم مركب من النية وعمل من أعمال الحج.
فإذا نوى الاحرام وعمل عملا من أعمال النسك، فسبح، أو هلل، أو ساق الهدي ولم يلب، فإن إحرامه ينعقد، ويلزمه بترك التلبية دم.
стр. 653
ومشهور مذهب مالك: انها واجبة، يلزم يتركها أو ترك اتصالها بالاحرام مع الطول دم.
لفظها: روى مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن تلبية رسول الله ﷺ : " لبيك (١) اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".
قال نافع: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يزيد فيها " لبيك، لبيك، لبيك وسعديك (٢) والخير بيديك، لبيك والرغباء (٣) إليك، والعمل "، وقد استحب العلماء الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ واختلفوا في الزيادة عليها.
فذهب الجمهور: إلى أنه لا بأس بالزيادة عليها، كما زاد ابن عمروكما زاد الصحابة والنبي ﷺ يسمع ولا يقول لهم شيئا، رواه أبو داود، والبيهقي.
وكره مالك، وأبو يوسف: الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ .
فضلها:
١ - روى ابن ماجه عن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " مامن محرم يضحي يومه (٤) يلبي حتى تغيب الشمس، إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه ".
٢ - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " منا
стр. 654
أهل مهل قط، إلا بشر، ولاكبر مكبر قط إلا بشر ".
قيل: يا نبي الله: بالجنة؟ قال: " نعم ".
رواه الطبراني، وسعد بن منصور.
٣ - وعن سهل بن سعد، أن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يلبي إلا لبي من عن يمينه وشماله، من حجر، أو شجر، أو مدر (١) حتى تنقطع الارض من هاهنا وهاهنا ".
رواه ابن ماجه، والبيهقي، والترمذي والحاكم، وصححه.
استحباب الجهر بها:
١ - عن زيد بن خالد، أن النبي ﷺ قال: " جاءني جبريل ﵇ فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج ".
رواه ابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وقال: صحيح الاسناد.
٢ - وعن أبي بكر ﵁، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الحج أفضل؟ فقال: " العح (٢) والثج (٣) ".
رواه الترمذي، وابن ماجه.
٣ - وعن أبي حازم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أحرموا، لم يبلغوا الروحاء حتى تبح (٤) أصواتهم.
وقد استحب الجمهور رفع الصوت بالتلبية، لهذه الاحاديث: وقال مالك: لا يرفع (الملبي) الصوت في مسجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه، إلا في مسجد منى والمسجد الحرام، فإنه يرفع صوته فيهما.
وهذا بالنسبة للرجال: أما المرأة فتسمع نفسها ومن يليها، ويكره لها أن ترفع صوتها أكثر من ذلك.
стр. 655
وقال عطاء: يرفع الرجال أصواتهم.
وأما المرأة فتسمع نفسها، ولا ترفع صوتها.
المواطن التي تستحب التلبية فيها: تستحب التلبية في مواطن: عند الركوب، أو النزول، وكلما علا شرفا (١)
أو هبط واديا (٢) ، أو لفي ركبا، وفي دبر كل صلاة، وبالاسحار.
قال الشافعي: ونحن نستحبها على كل حال.
وقتها: يبدأ المحرم بالتلبية من وقت الاحرام، إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر، باول حصاة ثم يقطعها.
فإن رسول الله ﷺ ، لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. رواه الجماعة.
وهذا مذهب الثوري، والاحناف، والشافعي وجمهور العلماء.
وقال أحمد، وإسحاق: يلبي حتى يرمي الجمرات جميعها، ثم يقطعها.
وقال مالك: يلبي حتى تزول الشمس من يوم عرفة ثم يقطعها. هـ
ذا بالنسبة للحج.
وأما المعتمر فيلبي حتى يستلم الحجر الاسود.
فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (٣) .
استحباب الصلاة على النبي ﷺ والدعاء بعدها: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: يستحب للرجل - إذا فرغ من تلبينه - أن يصلي على النبي ﷺ .
وكان النبي ﷺ إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعقه من الناس.
رواه الطبراني وغيره.
стр. 656
ما يباح للمحرم:
(١) الاغتسال وتغيير الرداء والازار: فعن إبراهيم النخعي قال: كان أصحابنا إذا أتوا بئرا ميمون اغتسلوا، ولبسوا أحسن ثيابهم.
وعن ابن عباس ﵄: أنه دخل حمام الجحفة وهو محرم.
قيل له: أتدخل الحمام وأنت محرم؟ فقال: إن الله ما يعبأ (١) بأوساخنا شيئا.
وعن جابر ﵁ قال: يغتسل المحرم، ويغسل ثوبه.
وعن عبد الله بن حنين: أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة اختلفا بالابواء (٢) فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه.
وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الانصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين (٣) ، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين.
أرسلني اليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغتسل، وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه (٤) حتى بدا لي رأسه ثم قال: الانسان يصب عليه الماء: أصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيده، فأقبل بهما، وأدبر فقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل.
رواه الجماعة، إلا الترمذي.
وزاد البخاري في رواية: فرجعت اليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك (٥) أبدا.
قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم، وتغطية
الرأس باليد حاله - أي حال الاغتسال.
قال ابن المنذر: أجمعوا: على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك.
стр. 657
وروى مالك في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر ﵄ كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من الاحتلام.
وروي عن مالك: أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء.
ويجوز استعمال الصابون وغيره من كل ما يزيل الاوساخ، كالاشنان والسدر (١) والخطمي.
وعند الشافعية والحنابلة، يجوز أن يغتسل بصابون له رائحة، وكذلك يجوز نقض الشعر وامتشاطه، وقد أمر النبي ﷺ عائشة فقال: " انقضي رأسك وامتشطي ".
رواه مسلم.
قال النووي: نقض الشعر والامتشاط جائزان عندنا في الاحرام بحيث لا ينتف شعرا، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، ولا بأس بحمل متاعه على رأسه.
(٢) لبس التبان: وروى البخاري، وسعيد بن منصور عن عائشة: أنها كانت لا ترى بالتبان بأسا للمحرم (٢)(٣) تغطية وجهه:
روى الشافعي، وسعيد بن منصور، عن القاسم، قال: كان عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم يخمرون (٣) وجوههم وهم محرمون.
وعن طاوس: يغطي المحرم وجهه من غبار، أو رماد.
وعن مجاهد قال: كانوا إذا هاجت الريح غطوا وجوههم، وهم محرمون.
стр. 658
(٤) لبس الخفين للمرأة: لما رواه أبو داود، والشافعي عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قد كان رخص للنساء في الخفين.
(٥) تغطية رأسه ناسيا: قالت الشافعية: لا شئ على من غطى رأسه ناسيا، أو لبس قميصه ناسيا.
وقال عطاء: لاشئ عليه، ويستغفر الله تعالى.
وقالت الاحناف: عليه الفدية.
وكذلك الخلاف فيما إذا تطيب ناسيا، أو جاهلا.
وقاعدة الشافعية: أن الجهل والنسيان، عذر يمنع وجوب الفدية في كل محظور، ما لم يكن إتلافا كالصيد، وكذلك الحق والقلم (١) ، على الاصح عندهم.
وسيأتي ذلك في موضعه.
(٦) الحجامة، وفقء الدمل، ونزع الضرس، وقطع العرق: قد ثبت أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم وسط رأسه (٢) وقال مالك: لا بأس للمحرم أن يفقأ الدمل، ويربط الجرح، ويقطع العرق إذا احتاج.
وقال ابن عباس ﵄: المحرم ينزع ضرسه، ويفقأ القرحة.
قال النووي: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام، لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك.
وعن الحسن: فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرا.
وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية.
وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس.
стр. 659
(٧) حك الرأس والجسد: فعن عائشة ﵂: أنها سئلت عن المحرم يحك جسده؟ قالت: نعم، فليحككه وليشدد.
رواه البخاري، ومسلم، ومالك.
وزاد: ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت.
وروي مثل ذلك عن ابن عباس، وجابر وسعيد بن جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي.
(٨، ٩) النظر في المرآة وشم الريحان: روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: المحرم يشم الريحان
وينظر في المرآة، ويتداوى بأكل الزيت والسمن.
وعن عمربن عبد العزيز: أنه كان ينظر فيها وهو محرم، ويتسوك وهو محرم.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن، وعلى أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب في جميع بدنه.
وكره الاحناف والمالكية المكث في مكان فيه روائح عطرية، سواء أقصد شمها أم لم يقصد.
وعند الحنابلة والشافعية: إن قصد حرم عليه، وإلا فلا.
وقال الشافعية: ويجوز أن يجلس عند العطار في موضع يبخر، لان في المنع من ذلك مشقة، ولان ذلك ليس بطيب مقصود.
والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة، كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر، فلا يكره ذلك، لان الجلوس عندها قربة، فلا يستحب تركها لامر مباح.
وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة ولا فدية عليه.
(١٠، ١١) شد الهميان في وسط المحرم ليحفظ فيه نقوده ونقود غيره ولبس الخاتم.
قال ابن عباس: لا بأس بالهميان، والخاتم، للمحرم.
стр. 660
(١٢) الاكتحال: قال ابن عباس ﵄: يكتحل المحرم بأي كحل إذا رمد، ما لم يكتحل بطيب، ومن غير رمد.
وأجمع العلماء على جوازه للتداوي لاللزينة.
(١٣) تظلل المحرم بمظلة أو خيمة أو سقف ونحو ذلك:
قال عبد الله بن عامر: خرجت مع عمر ﵁ فكان يطرح النطع على الشجرة، فيستظل به وهو محرم، أخرجه ابن أبي شيبة.
وعن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة بن زيد، وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والاخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة.
أخرجه أحمد، ومسلم.
وقال عطاء: يستظل المحرم من الشمس، ويستكن من الريح والمطر.
وعن ابراهيم النخعي: أن الاسود بن يزيد، طرح على رأسه كساء يستكن، به من المطر، وهو محرم.
(١٤) الخضاب بالحناء: ذهبت الحنابلة إلى أنه لا يحرم على المحرم، ذكرا كان أو انثى، الاختضاب بالحناء، في أي جزء من البدن ما عدا الرأس.
وقالت الشافعية: يجوز للرجل الخضاب بالحناء حال الاحرام في جميع أجزاء جسده، ما عدا اليدين والرجلين، فيحرم خضبهما بغير حاجة، وكذا لا يغطي رأسه بحناء ثخينة.
وكرهوا للمرأة الخضاب بالحناء حال الاحرام إلا إذا كانت معتدة من وفاة، فيحرم عليها ذلك، كما يحرم عليها الخضاب إذا كان نقشا، ولو كانت معتدة.
стр. 661
وقالت الاحناف والمالكية: لا يجوز للمحرم أن يختضب بالحناء في أي جزء من البدن سواء أكان رجلا أم امرأة، لانه طيب، والمحرم ممنوع من التطيب.
وعن خولة بنت حكيم عن أمها، أن النبي ﷺ قال لام سلمة " لا تطيبي وأنت محرمة، ولا تمسي الحناء فإنه طيب ".
رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في المعرفة، وابن عبد البر في التمهيد.
(١٥) ضرب الخادم للتأديب: فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: " خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجا، حتى إذا كنا بالعرج (١) ، فنزل رسول الله ﷺ ، ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جنب أبي بكر، وكانت زمالة (٢) رسول الله ﷺ وزمالة أبي بكر واحدة، مع غلام لابي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع الغلام، فطلع، وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة.
فقال ابو بكر: بعير واحد تضلله؟ فطفق يضربه، ورسول الله ﷺ يبتسم، ويقول: " انظروا لهذا المحرم ما يصنع "؟ فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يقول: " انظروا لهذا المحرم ما يصنع ".
ويبتسم.
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
(١٦) قتل الذباب والقراد والنمل: فعن عطاء: أن رجلا سأله عن القرادة والنملة تدب عليه وهو محرم، فقال: ألق عنك ما ليس منك.
وقال ابن عباس ﵄: لا بأس أن يقتل المحرم القرادة والحلمة (٣) .
ويجوز نزع القراد من البعير للمحرم.
стр. 662
فعن عكرمة: أن ابن عباس أمره أن يقرد (١) بعيرا وهو محرم، فكره ذلك عكرمة، قال: قم فانحره، فنحره، قال: لا أم لك (٢) ، كم قتلت فيها من قرادة، وحلمة، وحمنانة (٣)(١٧) قتل الفواسق الخمس وكل ما يؤذي: فعن عائشة قالت، قال رسول الله ﷺ : " خمس من الدواب كلهن فاسق (٤) يقتلن في الحرم (٥) : الغراب، والحدأة، والعقرب.
والفأرة، والكلب العقور ".
رواه مسلم، والبخاري، وزاد " الحية ".
وقد اتفق العلماء على إخراج غراب الزرع، وهو الغراب الصغير الذي يأكل الحب.
ومعنى الكلب العقور: كل ما عقر الناس وأخافهم، وعدا عليهم، مثل الاسد، والنمر، والفهد والذئب.
لقول الله تعالى: " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح (٦) مكلبين (٧) تعلمونهن مما علمكم الله " فاشقها من الكلب.
وقالت الاحناف: لفظ " الكلب " قاصر عليه، لا يلحق به غيره في هلا الحكم سوى الذئب.
قال ابن تيمية: وللمحرم أن يقتل ما يؤذي - بعادته - الناس، كالحية، والعقرب، والفأرة، والغراب، والكلب العقور.
стр. 663
وله أن يدفع ما يؤذيه من الادميين، والبهائم، حتى ولو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله.
فأن النبي ﷺ قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد ".
قال: وأذا قرصته البراغيث والقمل، فله إلقاؤها عنه، وله قتلها، ولا شئ عليه، وإلقاؤها أهون من قتلها.
وكذلك ما يتعرض له من الدواب فينهى عن قتله، وإن كان في نفسه محرما، كالاسد، والفهد، فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء.
وأما التفلي بدون التأذي، فهو من الترفه فلا يفعله، ولو فعله فلا شئ عليه.
محظورات الإحرام:
حظر الشارع على المحرم أشياء، وحرمها عليه، نذكرها فيما يلي:
١ - الجماع ودواعيه، كالتقبيل، واللمس لشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالوطء.
٢ - اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي التي تخرج المرء عن طاعة الله.
٣ - المخاصمة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.
والاصل في تحريم هذه الاشياء، قول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال (١) في الحج) .
وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " من حج ولم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".
стр. 664
٤ - لبس المخيط (١) كالقميص والبرنس والقباء (٢) والجبة والسراويل، أو لبس المحيط كالعمامة، والطربوش ونحو ذلك مما يوضع على الرأس.
وكذلك يحرم لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، كما يحرم لبس الخف والحذاء (٣) .
فعن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: " لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس (٤) ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس (٥) ، ولا زعفران، ولا الخفين، إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ".
رواه البخاري، ومسلم.
وقد أجمع العلماء على أن هذا مختص بالرجل.
أما المرأة فلا تلحق به، ولها أن تلبس جميع ذلك، ولا يحرم عليها إلا الثوب الذي مسه الطيب والنقاب (٦) والقفازان (٧) .
لقول ابن عمر ﵄: نهى النبي ﷺ النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر (٨) أو خز (٩) ، أو حلي (١٠) ، أو سراويل أو قميص، أو خف. رواه أبوه داود، والبيهقي، والحاكم ورجاله رجال الصحيح.
قال البخاري: ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة، وقالت: لا تلثم، ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران.
وقال جابر: لا أرى المعصفر طيبا.
ولم تر عائشة بأسا بالحلي، والثوب الاسود، والمورد، والخف للمرأة وعند البخاري، وأحمد عنه: أن النبي ﷺ قال:
стр. 665
" لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين ".
وفي هذا دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها: قال العلماء: فإن سترت وجهها بشئ فلا باس (١) .
ويجوز ستره عن الرجل بمظلة ونحوها، ويجب ستره إذا خيفت الفتنة من النظر.
قالت عائشة: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبانها (٢) على وجهها، فإذا جاوزوا بنا كشفناه.
رواه أبو داود، وابن ماجه.
وممن قال بجواز سدل الثوب: عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
الرجل الذي لا يجد الازار ولا الرداء ولا النعلين: من لم يجد الازار والرداء، أو النعلين لبس ما وجده.
فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خطب بعرفات وقال: " إذا لم يجد المسلم إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين (٣) ".
رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.
وفي رواية لاحمد، عن عمرو بن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو يخطب - يقول: " من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما ".
قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا.
وإلى هذا ذهب أحمد فأجاز للمحرم لبس الخف والسراويل، للذي لا يجد النعلين والازار، على حالهما، استدلالا بحديث ابن عباس وأنه لافدية (٤) عليه.
стр. 666
وذهب جمهور العلماء: إلى اشتراط قطع الخف دون الكعبين لمن لم يجد النعلين، لان الخف يصير بالقطع كالنعلين.
لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه " إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ".
ويرى الاحناف شق السراويل وفتقها لمن لا يجد الازار، فإذا لبسها على حالها لزمته الفدية.
وقال مالك والشافعي: لا يفتق السراويل، ويلبسها على حالها، ولا فدية عليه، لما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: " إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ".
رواه النسائي بسند صحيح.
فإذا لبس السراويل، ووجد الازار لزمه خلعه.
فإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص، لانه يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل.
٥ - عقد النكاح لنفسه أو لغيره، بولاية، أو وكالة.
ويقع العقد باطلا، لا تترتب عليه آثاره الشرعية.
لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب ".
رواه الترمذي وليس فيه " ولا يخطب ".
وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل.
وما ورد من أن النبي ﷺ : " تزوج ميمونة وهو محرم " فهو معارض بمارواه مسلم " أنه تزوجها وهو حلال ".
قال الترمذي: اختلفوا في تزوج النبي ﷺ ميمونة، لانه ﷺ تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف، في طريق مكة.
стр. 667
وذهب الاحناف إلى جواز عقد النكاح للمحرم، لان الاحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع، لاصحة العقد.
(٦، ٧) تقليم الاظفار وإزالة الشعر بالحلق، أو القص أو بأية طريقة، سواء أكان شعر الرأس أم غيره لقول الله تعالى: " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ".
وأجمع العلماء: على حرمة قلم الظفر للمحرم، بلا عذر، فإن انكسر، فله إزالته من غير فدية.
ويجوز إزالة الشعر، إذا تأذى ببقائه، وفيه الفدية إلا في إزالة شعر العين إذا تأذى به المحرم فإنه لافدية فيه (١) .
قال الله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ".
وسيأتي بيان ذلك.
(٨) التطيب في الثوب أو البدن، سواء أكان رجلا أم امرأة: فعن ابن عمر ﵄ أن عمر وجد ريح طيب من معاوية، وهو محرم.
فقال له: ارجع فاغسله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: " الحاج الشعث التفل ". رواه البزار بسند صحيح.
ولقول رسول الله ﷺ : " أما الطيب الذي بك فاغسله عنك، ثلاث مرات ".
وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب في غسله ولافي كفنه (٢) لقوله ﷺ فيمن مات محرما -: " لا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ".
وما بقي من الطيب الذي وضعه في بدنه، أو ثوبه، قبل الاحرام، فإنه لا بأس به.
стр. 668
ويباح شم ما لا ينبت للطيب، كالتفاح والسفرجل، فإنه يشبه سائر النبات، في أنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه.
وأما حكم ما يصيب المحرم من طيب الكعبة فقد روى سعيد بن منصور، عن صالح بن كيسان، قال: رأيت أنس بن مالك، وأصاب ثوبه - وهو محرم - من خلوق الكعبة، فلم يغسله.
وروى عن عطاء، قال: لا يغسله ولا شئ عليه.
وعند الشافعية من تعمد إصابة شئ من ذلك، أو أصابه، وأمكنه غسله، ولم يبادر إليه فقد أساء، وعليه الفدية.
(٩) لبس الثوب مصبوغا بماله رائحة طيبة: اتفق العلماء على حرمة لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل، بحيث لا تظهر له رائحة.
فعن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: " لا تلبسوا ثوبا مسه ورس، أو زعفران، إلا أن يكون غسيلا " يعني في الاحرام، رواه ابن عبد البر، والطحاوي.
ويكره لبسه لمن كان قدوة لغيره، لئلا يكون وسيلة لان يلبس العوام ما يحرم، وهو المطيب.
لما رواه مالك عن نافع: أنه سمع أسلم - مولى عمر بن الخطاب - يحدث عبد الله بن عمر: أن عمربن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ماهذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (١) .
فقال عمر: إنكم - أيها الرهط - أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الاحرام، فلا تلبسوا - أيها الرهط - شيئا من هذه الثياب المصبغة.
وأما وضع الطيب في مطبوغ، أو مشروب، بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولاريح، إذا تناوله المحرم فلا فدية عليه.
стр. 669
وإن بقيت رائحته، وجبت الفدية بأكله عند الشافعية.
وقالت الاحناف: لافدية عليه، لانه لم يقصد به الترفه بالطيب.
(١٠) التعرض للصيد: يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إليه، وأن يأكل منه.
وأنه يحرم عليه التعرض لصيد البر (١) بالقتل أو الذبح، أو الاشارة إليه،
وإن كان مرئيا، أو الدلالة عليه، إن كان غير مرئي، أو تنفيره.
وأنه يحرم عليه إفساد بيض الحيوان البري، كما يحرم عليه بيعه وشراؤه وحلب لبنه.
الدليل على هذا قول الله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة (٢) وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ".
(١١) الاكل من الصيد: يحرم على المحرم الاكل من صيد البر الذي صيد من أجله أو صيد بإشارته إليه، أو بأعانته عليه.
لما رواه البخاري ومسلم عن عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم - فيهم أبو قتادة - فقال: " خذوا ساحل البحر حتى نلتقي " فأخذوا ساحل البحر.
فلما انصرفوا، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذا رأوا حمر وحش،
стр. 670
فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا (١) ، فنزلوا فأكلوا من لحمها،
وقالوا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الاتان فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا، يارسول الله: إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا فنزلنا، فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا.
قال: " فكلوا ما بقي من لحمها ".
ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يصده هو، أو لم يصد من أجله، أو لم يشر إليه، أو يعين عليه.
لما رواه المطلب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " رواه أحمد والترمذي وقال: حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعا من جابر.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسا إذا لم يصده أو يصد من أجله.
قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس.
وهو قول أحمد وإسحق وبمقتضاه قال مالك أيضا والجمهور.
فإن صاده أو صيد له فهو حرام، سواء، صيد له بإذنه أم بغير إذنه.
أما إن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه، لم يحرم عليه.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: خرجنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع.
فلما استيقظ طلحة وفق (٢) من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ .
رواه أحمد ومسلم.
وما جاء من الاحاديث المانعة من أكل لحم الصيد كحديث الصعب بن