وذهب جمهور العلماء: إلى اشتراط قطع الخف دون الكعبين لمن لم يجد النعلين، لان الخف يصير بالقطع كالنعلين.
لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه " إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ".
ويرى الاحناف شق السراويل وفتقها لمن لا يجد الازار، فإذا لبسها على حالها لزمته الفدية.
وقال مالك والشافعي: لا يفتق السراويل، ويلبسها على حالها، ولا فدية عليه، لما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: " إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ".
رواه النسائي بسند صحيح.
فإذا لبس السراويل، ووجد الازار لزمه خلعه.
فإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص، لانه يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل.
٥ - عقد النكاح لنفسه أو لغيره، بولاية، أو وكالة.
ويقع العقد باطلا، لا تترتب عليه آثاره الشرعية.
لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب ".
رواه الترمذي وليس فيه " ولا يخطب ".
وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل.
وما ورد من أن النبي ﷺ : " تزوج ميمونة وهو محرم " فهو معارض بمارواه مسلم " أنه تزوجها وهو حلال ".
قال الترمذي: اختلفوا في تزوج النبي ﷺ ميمونة، لانه ﷺ تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف، في طريق مكة.
стр. 667
وذهب الاحناف إلى جواز عقد النكاح للمحرم، لان الاحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع، لاصحة العقد.
(٦، ٧) تقليم الاظفار وإزالة الشعر بالحلق، أو القص أو بأية طريقة، سواء أكان شعر الرأس أم غيره لقول الله تعالى: " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ".
وأجمع العلماء: على حرمة قلم الظفر للمحرم، بلا عذر، فإن انكسر، فله إزالته من غير فدية.
ويجوز إزالة الشعر، إذا تأذى ببقائه، وفيه الفدية إلا في إزالة شعر العين إذا تأذى به المحرم فإنه لافدية فيه (١) .
قال الله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ".
وسيأتي بيان ذلك.
(٨) التطيب في الثوب أو البدن، سواء أكان رجلا أم امرأة: فعن ابن عمر ﵄ أن عمر وجد ريح طيب من معاوية، وهو محرم.
فقال له: ارجع فاغسله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: " الحاج الشعث التفل ". رواه البزار بسند صحيح.
ولقول رسول الله ﷺ : " أما الطيب الذي بك فاغسله عنك، ثلاث مرات ".
وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب في غسله ولافي كفنه (٢) لقوله ﷺ فيمن مات محرما -: " لا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ".
وما بقي من الطيب الذي وضعه في بدنه، أو ثوبه، قبل الاحرام، فإنه لا بأس به.
стр. 668
ويباح شم ما لا ينبت للطيب، كالتفاح والسفرجل، فإنه يشبه سائر النبات، في أنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه.
وأما حكم ما يصيب المحرم من طيب الكعبة فقد روى سعيد بن منصور، عن صالح بن كيسان، قال: رأيت أنس بن مالك، وأصاب ثوبه - وهو محرم - من خلوق الكعبة، فلم يغسله.
وروى عن عطاء، قال: لا يغسله ولا شئ عليه.
وعند الشافعية من تعمد إصابة شئ من ذلك، أو أصابه، وأمكنه غسله، ولم يبادر إليه فقد أساء، وعليه الفدية.
(٩) لبس الثوب مصبوغا بماله رائحة طيبة: اتفق العلماء على حرمة لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل، بحيث لا تظهر له رائحة.
فعن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: " لا تلبسوا ثوبا مسه ورس، أو زعفران، إلا أن يكون غسيلا " يعني في الاحرام، رواه ابن عبد البر، والطحاوي.
ويكره لبسه لمن كان قدوة لغيره، لئلا يكون وسيلة لان يلبس العوام ما يحرم، وهو المطيب.
لما رواه مالك عن نافع: أنه سمع أسلم - مولى عمر بن الخطاب - يحدث عبد الله بن عمر: أن عمربن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ماهذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (١) .
فقال عمر: إنكم - أيها الرهط - أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الاحرام، فلا تلبسوا - أيها الرهط - شيئا من هذه الثياب المصبغة.
وأما وضع الطيب في مطبوغ، أو مشروب، بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولاريح، إذا تناوله المحرم فلا فدية عليه.
стр. 669
وإن بقيت رائحته، وجبت الفدية بأكله عند الشافعية.
وقالت الاحناف: لافدية عليه، لانه لم يقصد به الترفه بالطيب.
(١٠) التعرض للصيد: يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إليه، وأن يأكل منه.
وأنه يحرم عليه التعرض لصيد البر (١) بالقتل أو الذبح، أو الاشارة إليه،
وإن كان مرئيا، أو الدلالة عليه، إن كان غير مرئي، أو تنفيره.
وأنه يحرم عليه إفساد بيض الحيوان البري، كما يحرم عليه بيعه وشراؤه وحلب لبنه.
الدليل على هذا قول الله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة (٢) وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ".
(١١) الاكل من الصيد: يحرم على المحرم الاكل من صيد البر الذي صيد من أجله أو صيد بإشارته إليه، أو بأعانته عليه.
لما رواه البخاري ومسلم عن عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم - فيهم أبو قتادة - فقال: " خذوا ساحل البحر حتى نلتقي " فأخذوا ساحل البحر.
فلما انصرفوا، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذا رأوا حمر وحش،
стр. 670
فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا (١) ، فنزلوا فأكلوا من لحمها،
وقالوا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الاتان فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا، يارسول الله: إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا فنزلنا، فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا.
قال: " فكلوا ما بقي من لحمها ".
ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يصده هو، أو لم يصد من أجله، أو لم يشر إليه، أو يعين عليه.
لما رواه المطلب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " رواه أحمد والترمذي وقال: حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعا من جابر.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسا إذا لم يصده أو يصد من أجله.
قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس.
وهو قول أحمد وإسحق وبمقتضاه قال مالك أيضا والجمهور.
فإن صاده أو صيد له فهو حرام، سواء، صيد له بإذنه أم بغير إذنه.
أما إن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه، لم يحرم عليه.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: خرجنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع.
فلما استيقظ طلحة وفق (٢) من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ .
رواه أحمد ومسلم.
وما جاء من الاحاديث المانعة من أكل لحم الصيد كحديث الصعب بن
стр. 671
جثامة الليثي أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا - بالابواء أو بودان - فرده إليه رسول الله ﷺ ، قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهه، قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ".
فهي محمولة على ما صاده الحلال من أجل المحرم، جمعا بين الاحاديث.
قال ابن عبد البر: وحجة من ذهب هذا المذهب، أنه عليه تصح الاحاديث في هذا الباب.
وإذا حملت على ذلك لم تضاد، ولم تختلف، ولم تتدافع.
وعلى هذا يجب تحمل السنن، ولا يعارض بعضها بعض ما وجد إلى استعمالها سبيل.
ورجح ابن القيم هذا المذهب وقال: آثار الصحابة كلها في هذا إنما تدل على هذا التفصيل.
حكم من ارتكب محظورا من محظورات الاحرام: من كان له عذر، واحتاج إلى ارتكاب محظور من محظورات الاحرام، غير الوطء (١) ، كحلق الشعر، ولبس المخيط اتقاء لحر، أو برد، ونحو ذلك، لزمه أن يذبح شاة، أو يطعم سنة مساكين، كل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام. وهو مخير بين هذه الامور الثلاثة.
ولا يبطل الحج أو العمرة بارتكاب شئ من المحظورات سوى الجماع.
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال: " قد آذاك هوام رأسك " قال: نعم.
فقال النبي ﷺ : " احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين ".
رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
стр. 672
وعنه في رواية أخرى، قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية حتى تخوفت على بصري، فأنزل الله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك.
" فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: " احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقا (١) من زبيب.
أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت ".
وقال الشافعي غير المعذور على المعذور في وجوب الفدية، وأوجب أبو حنيفة، الدم، على غير المعذور إن قدر عليه لا غير، كما تقدم.
ما جاء في قص بعض الشعر:
عن عطاء قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعدا، فعليه دم (٢) . رواه سعيد بن منصور.
وروى الشافعي عنه: أنه قال في الشعرة مد، وفي الشعرتين مدان. وفي الثلاثة فصاعدا دم.
حكم الادهان:
قال في المسوى: ان الادهان إذا كانت بزيت خالص، أو خل خالص، يجب الدم عند أبي حنيفة في أي عضو كان.
وعند الشافعية: في دهن شعر الرأس واللحية بدهن غير مطيب، الفدية، ولا فدية في استعماله في سائر البدن.
لا حرج على من لبس، أو تطيب ناسيا، أو جاهلا: إذا لبس المحرم أو تطيب - جاهلا بالتحريم، أو ناسيا الاحرام - لم تلزمه الفدية.
فعن يعلى بن أمية قال: أتى رسول الله ﷺ رجل
стр. 673
بالجعرانة، وعليه جبة، وهو مصفر لحيته ورأسه.
فقال: يارسول الله، أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: " غسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك.
" رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وقال عطاء: إذا تطيب، أو لبس - جاهلا أو ناسيا - فلا كفارة عليه.
رواه البخاري.
وهذا بخلاف ما إذا قتل صيدا - ناسيا أو جاهلا بالتحريم - فإنه يجب عليه الجزاء، لان ضمانه ضمان المال.
وضمان المال يستوي فيه العلم والجهل، السهو والعمد، مثل ضمان مال الادميين.
بطلان الحج بالجماع أفتى علي، وعمر، وأبو هريرة ﵃ رجلا أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما، حتى يقضيا حجمها، ثم عليهما حج قابل، والهدي.
وقال أبو العباس الطبري -: إذا جامع المحرم قبل التحلل الاول فسد حجه، سواء أكان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
ويجب عليه أن يمضي في فاسده، ويجب عليه بدنة، والقضاء من قابل.
فإن كانت المرأة محرمة مطاوعة فعليها المضي في الحج والقضاء من قابل.
وكذا الهدي عند أكثر أهل العلم.
وذهب بعضهم إلى أن الواجب عليهما هدي واحد، وهو قول عطاء.
قال البغوي في شرح السنة: وهو أشهر قولي الشافعي، ويكون على الرجل كما قال في كفارة الجماع، في نهار رمضان.
وإذا خرجا في القضاء تفرقا (١) حيث وقع الجماع حذرا من مثل وقوع الاول.
وإذا عجز عن البدنة وجب عليه بقرة، فإن عجز فسبع من الغنم، فإن
стр. 674
عجز قوم البدنة بالدراهم، والدراهم طعاما، وتصدق به، لكل مسكين مد، فإن لم يستطع صام عن كل مد يوما.
وقال أصحاب الرأي: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وعليه شاة، أو سبع بدنة، وإن جامع بعده لم يفسد حجه، وعليه بدنة.
والقارن إذا أفسد حجه، يجب عليه ما يجب على المفرد، ويقضي - قارنا - ولا يسقط عنه هدي القران.
قال: والجماع الواقع بعد التحلل الاول لا يفسد الحج.
ولا قضاء عليه، عند أكثر أهل العلم.
وذهب بعضهم إلى وجوب القضاء، وهو قول ابن عمر، وقول الحسن، وإبراهيم، ويجب به الفدية.
وتلك الفدية بدنة أو شاة؟ اختلف فيه.
فذهب ابن عباس وعطاء إلى وجوب البدنة وهو قول عكرمة، وأحد قولي الشافعي (١) .
والقول الاخر: يجب عليه شاة.
وهو مذهب مالك.
وإذا احتلم المحرم، أو فكر، أو نظر فأنزل: فلا شئ عليه عند الشافعية.
وقالوا: فيمن لمس بشهوة أو قبل: يلزمه شاة، سواء أنزل، أم لم ينزل.
وعند ابن عباس ﵄: أن عليه دما.
قال مجاهد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أحرمت، فأتتني فلانة في زينتها، فما ملكت نفسي أن سبقتني شهوتي؟ فضحك ابن عباس حتى استلقى، وقال: إنك لشبق (٢) ، لا بأس عليك ... أهرق دما، وقد تم حجك.
رواه سعيد بن منصور.
стр. 675
جزاء قتل الصيد:
قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام) .
قال ابن كثير: الذي عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه.
وقال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي.
ومعنى هذا: أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه، بقوله تعالى: (ليذوق وبال أمره) الاية.
وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل الكتاب عليه في العمد وأيضا، فإن قتل الصيد إتلاف، والاتلاف مضمون في العمد وفي النسيان.
لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ماوم.
وقال في المسوى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) .
معناه - على قول أبي حنيفة - يجب على من قتل الصيد جزاء هو مثل ما قتل (أي مماثله في القيمة) بحكم - بكونه مماثلا في القيمة، ذوا عدل: إما كائن من النعم، حال كونه هديا بالغ الكعبة، وإما كفارة طعام مساكين.
ومعناه - على قول الشافعي - يجب على من قتل الصيد جزاء.
إما ذلك الجزاء مثل ما قتل في الصورة والشكل، يكون هذا المماثل من جنس النعم يحتم بمثليته ذوا عدل، يكون جزاء حال كونه هديا.
وإما ذلك الجزاء كفارة، وإما عدل ذلك صياما.
стр. 676
حكومة عمر وما قضى به السلف:
عن عبد الملك بن قرير عن محمد بن سيرين: أن رجلا جاء إلى عمر ابن الخطاب ﵁ قال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين إلى ثغرة ثنية (١) فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت.
قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟.
قال: لا، قال، فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟، قال: لا.
فقال عمر: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لاوجعتك ضربا.
ثم قال: إن الله ﵎ يقول في كتابه: (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) .
وهذا عبد الرحمن بن عوف.
وقد قضى السلف في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش، وبقر الوحش، والايل (٢) والاروى (٣) في كل واحد من ذلك ببقرة، وفي الوبر والحمامة والقمري والحجل (٤) والدبسي (٥) في كل واحدة من هذه بشاة.
وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الارنب بعناق (٦) وفي الثعلب بجدي، وفي اليربوع (٧) بجفرة (٨) .
العمل عند عدم الجزاء روى سعيد بن منصور عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
стр. 677
(فجزاء مثل ما قتل من النعم) قال: إذا أصاب المحرم صيدا حكم عليه بجزائه.
فإن كان عنده جزاء ذبحه وتصدق بلحمه.
وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه دراهم ثم قومت الدراهم طعاما، فصام عن كل نصف صاع يوما.
فإذا قتل المحرم شيئا من الصيد، حكم عليه فيه.
فإن قتل ظبيا أو نحوه، فعليه شاة، تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام.
فإن قتل أيلا أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد، أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد، صام عشرين يوما.
وإن قتل نعامة أو حمار وحش، أو نحوه، فعليه بدنة من الابل.
فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما.
رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.
وزادوا: الطعام مد ... مد يشبعهم.
كيفية الإطعام والصيام:
قال مالك: أحسن ما سمعت - في الذي يقتل الصيد، فيحكم عليه فيه - أن يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر: كم ثمنه من الطعام؟ فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما وينظر: كم
عدة المساكين؟ فإن كانوا عشرة، صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا، صام عشرين يوما، عددهم ما كانوا.
وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا.
الإشتراك في قتل الصيد:
إذا اشترك جماعة في قتل صيد عامدين لذلك جميعا، فليس عليهم إلا جزاء واحد.
لقول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) .
وسئل ابن عمر ﵄ عن جماعة قتلوا ضبعا، وهم محرمون؟
стр. 678
فقال: اذبحوا كبشا.
فقالوا عن كل إنسان منا؟ فقال: بل كبشا واحدا عن جميعكم.
صيد الحرم وقطع شجره:
يحرم على المحرم والحلال (١) صيد الحرم، وتنفيره وقطع شجره الذي لم يستنبته الادميون في العادة، وقطع الرطب من النبات، حتى الشوك إلا إلاذخر (٢) والسنا، فإنه يباح التعرض لهما بالقطع، والقلع، والاتلاف ونحو ذلك.
لما رواه البخاري، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة - " إن هذا البلد حرام، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه (٣) ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف " فقال العباس: إلا الاذخر، فإنه لا بد لهم منه، فإنه للقيون (٤) والبيوت! فقال: " إلا الاذخر ".
قال الشوكاني: قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما ينبته الله تعالى، من غير صنيع آدمي.
فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه: فالجمهور على الجواز.
وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة.
واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الاول.
فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم.
وقال عطاء: يستغفر.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي.
وقال الشافعي: في العظيمة (٥) بقرة، وفيما دونها شاة.
стр. 679
واستثنى العلماء الانتفاع بما انكسر من الاغصان.
وانقطع من الشجر من غير صنيع الادمي، وبما يسقط من الورق.
قال ابن قدامة: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، وأنه لا بأس برعيه واختلائه.
وفى الروضة الندية: ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شئ، إلا مجرد الاثم.
وأما من كان محرما فعليه الجزاء الذي ذكره الله عزوجل، إذا قتل صيدا.
وليس عليه شئ في شجر مكة، لعدم ورود دليل تقوم به الحجة.
وما يروى عنه ﷺ أنه قال: " في الدوحة الكبيرة إذا قطعت من أصلها بقرة " لم يصح.
وما روي عن بعض السلف لا حجة فيه.
ثم قال: والحاصل أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد، وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء، أو القيمة.
بل النهي يفيد بحقيقته التحريم.
والجزاء والقيمة، لا يجبان إلا بدليل.
ولم يرد دليل إلا قول الله تعالى، (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الاية.
وليس فيها إلا ذكر الجزاء فقط، فلا يجب غيره.
حدود الحرم المكي:
للحرم المكي حدود تحيط بمكة، وقد نصبت عليها أعلام في جهات خمس.
وهذه الاعلام أحجار مرتفعة قدر متر، منصوبة على جانبي كل طريق.
فحده - من جهة الشمال " التنعيم " وبينه وبين مكة ٦ كيلو مترات.
وحده من جهة الجنوب " أضاه " بينها وبين مكة ١٢ كيلومترا.
وحده من جهة الشرق " الجعرانة " بينها وبين مكة ١٦ كيلو مترا.
وحده من جهة الشمال الشرقي " وادي نخلة " بينه وبين مكة ١٤ كيلو مترا.
стр. 680
وحده من جهة الغرب " الشميسي " (١) بينها وبين مكة ١٥ كيلو مترا.
قال محب الدين الطبري: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: نصب إبراهيم أنصاب الحرم يريه جبريل ﵇.
ثم لم تحرك حتى كان قصي، فجددها.
ثم لم تحرك حتى كان النبي ﷺ .
فبعث عام الفتح تميم بن أسيد الخزاعي فجددها.
ثم لم تحرك حتى كان عمر، فبعث أربعة من قريش.
محرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر ابن عبد عوف.
فجد دوها ثم جددها معاوية.
ثم أمر عبد الملك بتجديدها.
حرمة المدينة:
وكما يحرم صيد حرم مكة وشجره، كذلك يحرم صيد حرم المدينة وشجره.
فعن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها (٢) ولا يصاد صيدها ".
رواه مسلم.
وروى أحمد، وأبو داود، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ في المدينة: " لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشاد بها (٣) ، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره ".
وفي الحديث المتفق عليه: " المدينة حرم، ما بين عير إلى ثور ".
وفيه عن أبي هريرة: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى.
" واللابتان " مثنى لابة.
و" اللابة " الحرة، وهي الحجارة السود.
стр. 681
والمدينة تقع بين اللابتين: الشرقية، والغربية.
وقدر الحرم باثني عشر ميلا، يمتد من عير إلى ثور و " عير " جبل عند الميقات، و " ثور " جبل عند أحد، من جهة الشمال.
ورخص رسول الله ﷺ لاهل المدينة قطع الشجر لاتخاذه آلة للحرث، والركوب، ونحو ذلك مما لا غنى لهم عنه، وأن يقطعوا من الحشيش ما يحتاجون إليه لعلف دوابهم.
روى أحمد، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " حرام ما بين حرتيها، وحماها كلها، لا يقطع شجرة إلا أن يعلف منها ".
وهذا بخلاف حرم مكة، إذ يجد أهله ما يكفيهم.
وحرم المدينة لا يجد أهله ما يستغنون به عنه.
وليس في قتل صيد الحرم المدني، ولا قطع شجره جزاء، وفيه الاثم.
روى البخاري عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: " المدينة حرم، من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
ومن وجد شيئا في شجره مقطوعا حل له أن يأخذه.
فعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه، فسلبه.
فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم ما أخذ منه.
فقال: معاذ الله، أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم.
رواه مسلم.
وروى أبو داود، والحاكم، وصححه: أن رسول الله ﷺ قال: " من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه ".
هل فيه حرم آخر؟ قال ابن تيمية: وليس في الدنيا حرم، لا بيت المقدس، ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما " حرما " كما يسمي الجهال فيقولون:
стр. 682
حرم المقدس، وحرم الخليل، فإن هذين وغيرهما، ليسا بحرم، باتفاق المسلمين.
والحرم المجمع عليه: حرم مكة.
وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور كما استفاضت بذلك الاحاديث عن النبي ﷺ .
ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث، إلا وجاء، وهو واد بالطائف.
وهو عند بعضهم (١) حرم، وعند الجمهور ليس بحرم.
تفضيل مكة على المدينة ذهب جمهور العلماء: إلى أن مكة أفضل من المدينة.
لما رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي، وصححه، عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".
وروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: " ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ".
دخول مكة بغير احرام يجوز دخول مكة بغير إحرام، لمن لم يرد حجا ولا عمرة، سواء أكان دخوله لحاجة تتكرر - كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم - أم لم تتكرر، كالتاجر والزائر، وغيرهما، وسواء أكان آمنا أم خائفا.
وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه.
وفي حديث مسلم: أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام.
стр. 683
وعن ابن عمر ﵄: أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم.
وعن ابن شهاب قال: لا بأس بدخول مكة بغير إحرام.
وقال ابن حزم: دخول مكة بلا إحرام جائز.
لان النبي ﷺ إنما جعل المواقيت لمن مر بهن، يريد حجا أو عمرة.
ولم يجعلها لمن لم يرد حجا ولا عمرة.
فلم يأمر الله تعالى قط، ولا رسوله ﵊، بأن لا يدخل مكة إلا بإحرام.
فهذا إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه.
ما يستحب لدخول مكة والبيت الحرام:
يستحب لدخول مكة ما يأتي:
١ - الاغتسال:
فعن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يغتسل لدخول مكة.
٢ - المبيت بذي طوى في جهة الزاهر.
فقد بات رسول الله ﷺ بها.
قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه البخاري، ومسلم.
٣ - أن يدخلها من الثنية العليا (ثنية كداء) .
فقد دخلها النبي ﷺ من جهة المعلاة.
فمن تيسر له ذلك فعله، وإلا فعل ما يلائم حالته، ولا شئ عليه.
٤ - أن يبادر إلى البيت بعد أن يدع أمتعته في مكان أمين، ويدخل من باب بني شيبة - باب السلام - ويقول في خشوع وضراعة: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، اللهم صل على محمد وآله وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ".
стр. 684
٥ - إذا وقع نظره على البيت، رفع يديه وقال: " اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه، أو اعتمره، تشريفا وتكريما وتعظيما، وبرا " (١) . " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام ".
٦ - ثم يقصد إلى الحجر الاسود، فيقبله بدون صوت. فإن لم يتمكن استلمه بيده وقبله. فإن عجز عن ذلك، أشار إليه بيده.
٧ - ثم يقف بحذائه ويشرع في الطواف .
٨ - ولا يصلي تحية المسجد، فإن تحيته الطواف به، إلا إذا كانت الصلاة المكتوبة مقامة، فيصليها مع الامام. لقوله ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ". وكذلك إذا خاف فوات الوقت، يبدأ به فيصليه.
الطواف:
كيفيته:
١ - يبدأ الطائف طوافه مضطبعا محاذيا الحجر الاسود مقبلا له أو مستلما أو مشيرا إليه، كيفما أمكنه، جاعلا البيت عن يساره، قائلا: " بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة النبي ﷺ ".
٢ - فإذا أخذ في الطواف، استحب له أن يرمل في الاشواط الثلاثة الاولى، فيسرع في المشي.
ويقارب الخطا، مقتربا من الكعبة. ويمشي مشيا عاديا في الاشواط الاربعة الباقية.
فإذا لم يمكنه الرمل، أو لم يستطع القرب من البيت لكثرة الطائفين، ومزاحمة الناس له، طاف حسبما تيسر له.
стр. 685
ويستحب أن يستلم الركن اليماني. ويقبل الحجر الاسود أو يستلمه في كل شوط من الاشواط السبعة.
٣ - ويستحب له أن يكثر من الذكر والدعاء، ويتخير منهما ما ينشرح له صدره، دون أن يتقيد بشئ أو يردد ما يقوله المطوفون.
فليس في ذلك ذكر محدود، الزنا الشارع به.
وما يقوله الناس: من أذكار وأدعية في الشوط الاول والثاني، وهكذا، فليس له أصل.
ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ شئ من ذلك، فللطائف أن يدعو لنفسه، ولاخوانه بما شاء، من خيري الدنيا والاخرة.
واليك بيان ما جاء في ذلك من الادعية:
١ - إذا استقبل الحجر قال: " اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك، بسم الله والله أكبر " (١) .
٢ - فإذا أخذ في الطواف قال: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ".
رواه ابن ماجه.
٣ - فإذا انتهى إلى الركن اليماني دعا فقال: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ".
رواه أبو داود، والشافعي عن النبي ﷺ .
٤ - قال الشافعي: وأحب - كلما حاذى الحجر الاسود - أن يكبر، وأن يقول في رمله: " اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا ".
ويقول في الطواف عند كل شوط: " رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم وأنت الاعز الاكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الاخرة حسنة، وقنا عذاب النار ".
وعن ابن عباس ﵄: أنه كان يقول بين الركنين: " اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة بخير " (٢) . رواه سعيد بن منصور، والحاكم.
стр. 686
قراءة القرآن للطائف:
لا بأس للطائف بقراءة القرآن أثناء طوافه.
لان الطواف إنما شرع من أجل ذكر الله تعالى، والقرآن ذكر.
فعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: " إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة ورمي الجمار، لاقامة ذكر الله ".
رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حسن صحيح.
فضل الطواف:
روى البيهقي - بإسناد حسن - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: " ينزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام، عشرين ومائة رحمة: ستين للطائفين وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين " ٥ - فإذا فرغ من الاشواط السبعة صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، تاليا قول الله تعالى: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ".
وبهذا ينتهي الطواف.
ثم إن كان الطائف مفردا سمى هذا الطواف طواف القدوم. وطواف التحية، وطواف الدخول.
وهو ليس بركن. ولا واجب.
وإن كان قارنا، أو متمتعا، كان هذا الطواف طواف العمرة، ويجزئ عن طواف التحية والقدوم.
وعليه أن يمضي في استكمال عمرته. فيسعى بين الصفا والمروة.
أنواع الطواف:
(١) طواف القدوم
(٢) وطواف الافاضة
(٣) وطواف الوداع، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها (٤) وطواف التطوع.
وينبغي للحاج أن يغتنم فرصة وجوده بمكة ويكثر من طواف التطوع، والصلاة في المسجد الحرام.
стр. 687
فإن الصلاة فيه خير من مائة الف، فيما سواه من المساجد.
وليس في طواف التطوع رمل ولا اضطباع.
والسنة أن يحيي المسجد الحرام بالطواف حوله كلما دخله، بخلاف المساجد الاخرى، فإن تحيتها الصلاة فيها.
وللطواف شروط وسنن وآداب نذكرها فيما يلي:
شروط الطواف:
١ - الطهارة من الحدث الاصغر والاكبر والنجاسة (١) لما رواه ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: " الطواف صلاة ... إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ".
رواه الترمذي والدارقطني، وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن السكن.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليها وهي تبكي، فقال: " أنفست؟ (٢) " - يعني الحيضة - قالت، نعم.
قال: " إن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ".
رواه مسلم.
وعنها قالت: إن أول شئ بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة - أنه توضأ ثم طاف بالبيت.
رواه الشيخان.
ومن كان به نجاسة، لا يمكن إزالتها، كمن به سلس بول وكالمستحاضة
التي لا يرقا دمها، فإنه يطوف ولا شئ عليه باتفاق.
روى مالك: ان عبد الله بن عمر جاءته امرأة تستفتيه، فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء،
стр. 688
فرجعت، حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت، حتي إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت، حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت، حتى إذا كنت عند باب المسجد، هرقت الدماء.
فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان، فاغتسلي، ثم استثفري بثوب، ثم طوفي.
٢ - ستر العورة: (١) لحديث أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: " لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ".
رواه الشيخان.
٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة.
فلو ترك خطوة واحدة، في أي شوط، لا يحسب طوافه.
فإن شك بنى على الاقل، حتى يتقن السبع.
وإن شك بعد الفراغ من الطواف فلا يلزمه شئ.
٤ - أن يبدأ الطواف من الحجر الاسود، وينتهي إليه.
٥ - أن يكون البيت عن يسار الطائف.
فلو طاف، وكان البيت عن يمينه، لا يصح الطواف.
لقول جابر ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتى الحجر الاسود فاستلمه، تم مشى عن يمينه فرمل (٢) ثلاثا ومشى أربعا (٣) . رواه مسلم.
٦ - أن يكون الطواف خارج البيت. فلو طاف في الحجر لا يصح طوافه، فإن الحجر (٤) ، والشاذ روان (٥) من البيت.
стр. 689
والله أمر بالطواف بالبيت، لا في البيت، فقال: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . ويستحب القرب من البيت، إن تيسر.
٧ - موالاة السعي: عند مالك وأحمد.
ولا يضر التفريق اليسير، لغير عذر، ولا التفريق الكثير، لعذر.
وذهبت الحنفية، والشافعية: إلى أن الموالاة سنة.
فلو فرق بين أجزاء الطواف تفريقا كثيرا، بغير عذر، لا يبطل. ويبني على ما مضى من طوافه.
روى سعيد بن منصور، عن حميد بن زيد قال: رأيت عبد الله بن عمر ﵄، طاف بالبيت ثلاثة أطواف أو أربعة، ثم جلس يستريح، وغلام له يروح عليه، فقام فبنى على ما مضى من طوافه.
وعند الشافعية والحنفية: لو أحدث في الطواف، توضأ وبنى ولا يجب الاستئناف، وإن طال الفصل.
وعن ابن عمر ﵄: أنه كان يطوف بالبيت، فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام، فبنى على ما مضى من طوافه.
وعن عطاء: أنه كان يقول - في الرجل يطوف بعض طوافه، ثم تحضر الجنازة - قال: يخرج يصلي عليها، ثم يرجع فيقضي ما بقي من طوافه.
سنن الطواف:
للطواف سنن نذكرها فيما يلي:
١ - استقبال الحجر الاسود، عند بدء الطواف مع التكبير والتهليل، ورفع اليدين: كرفعهما في الصلاة، واستلامه بهما بوضعهما عليه، وتقبيله بدون صوت، ووضع الخد عليه، إن أمكن ذلك، وإلا مسه بيده وقبلها أو مسه بشئ معه وقبله، أو أشار إليه بعصا ونحوها.
وقد جاء في ذلك أحاديث، واليك بعضها: قال ابن عمر ﵄: استقبل رسول الله ﷺ الحجر واستلمه، ثم وضع شفيته يبكي طويلا، فإذا عمر يبكي طويلا.
стр. 690
فقال: " يا عمر، هنا تسكب العبرات (١) ".
رواه الحاكم، وقال: صحيح الاسناد.
وعن ابن عباس: ان عمر أكب على الركن (٢) فقال: إني لاعمل أنك حجر، ولو لم أر حبيبي ﷺ قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
رواه أحمد، وغيره، بألفاظ مختلفة متقاربة.
وقال نافع: رأيت ابن عمر ﵄ استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. رواه البخاري ومسلم.
وقال سويد بن غفلة: رأيت عمر ﵁ قبل الحجر، والتزمه وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا (٣) " رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ كان يأتي البيت، فيستلم الحجر ويقول: " بسم الله والله أكبر ".
رواه أحمد.
وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم بمحجن معه ويقبل المحجن.
وروى البخاري، ومسلم، وأبو داود عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر فقبله.
فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
قال الخطابي: فيه من العلم، أن متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة، وأسباب معقولة.
وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها.
إلا أنه معلوم في الجملة أن تقبيله الحجر، إنما هو إكرام له، وإعظام لحقه، وتبرك به.
وقد فضل الله بعض الاحجار على بعض، كما فضل بعض البقاع والبلدان، وكما فضل بعض الليالي والايام والشهور.
стр. 691
وباب هذا كله التسليم.
وهذا وقد روى أمر سائغ في العقول جار فيها، غير ممتنع ولا مستنكر.
في بعض الاحاديث: " الحجر يمين الله في الارض ".
والمعنى أن من صافحه في الارض كان له عند الله عهد.
فكان كالعهد الذي تعقده الملوك بالمصافحة، لمن يريد موالاته، والاختصاص به.
وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة.
وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء.
فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به.
وقال المهلب: حديث عمر يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الارض، يصافح بها عباده.
ومعاذ الله، أن تكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختبارا، ليعلم - بالمشاهدة - طاعة من يطيع.
وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لادم.
هذا، ولا يعلم - على وجه اليقين - أنه بقي حجر من أحجار الكعبة. من وضع إبراهيم إلا الحجر الاسود.
المزاحمة على الحجر:
ولا بأس في المزاحمة على الحجر على أن لا يؤذي أحدا. فقد كان ابن عمر ﵄ يزاحم حتى يدمى أنفه.
وقد قال الرسول ﷺ لعمر ﵁: " يا أبا حفص إنك رجل قوي، فلا تزاحم على الركن، فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلم، وإلا فكبر وامض ". رواه الشافعي في سننه.
(١) الاضطباع: فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فاضطبعوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم اليسرى.
رواه أحمد وأبو داود.
стр. 692
وهذا مذهب الجمهور.
وقالوا في حكمته: إنه يعين على الرمل في الطواف.
وقال مالك: لا يستحب، لانه لم يعرف ولم ير أحدا يفعله ولا يستحب في صلاة الطواف اتفاقا.
٢ - الرمل (١) فعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ رمل من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود ثلاثا، ومشى أربعا.
رواه أحمد، ومسلم.
ولو تركه في الثلاث الاول لم يقضه في الاربعة الاخيرة.
والاضطباع والرمل خاص بالرجال في طواف العمرة، وفي كل طواف يعقبه سعي في الحج.
وعند الشافعية: إذا اضطبع ورمل في طواف القدوم ثم سعى بعده، لم يعد الاضطباع والرمل في طواف الافاضة.
وإن لم يسع بعده، وأخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة اضطبع ورمل في طواف الزيارة.
أما النساء، فلا اضطباع عليهن - لوجوب ستزهن - ولا رمل، لقول ابن عمر ﵄: ليس على النساء سعي (٢) بالبيت، ولا بين الصفا والمروة.
رواه البيهقي.
حكمة الرمل: والحكمة فيه ما رواه ابن عباس ﵄، قال: قدم رسول الله ﷺ مكة وقد وهنتهم (٣) حمى يثرب (٤) فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شرا، فأطلع الله سبحانه نبيه
стр. 693
صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الاشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد منا (١) .
قال ابن عباس ﵄: ولم يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا إبقاء (٢) عليهم.
رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، واللفظ له.
ولقد بدا لعمر ﵁ أن يدع الرمل بعد ما انتهت الحكمة منه، ومكن الله للمسلمين في الارض، إلا أنه رأى إبقاءه على ما كان عليه في العهد
النبوي.
لتبقى هذه الصورة ماثلة للاجيال بعده.
قال محب الدين الطبري: وقد يحدث شئ من أمر الدين لسبب ثم يزول السبب ولا يزول حكمه.
فعن زيد بن أسلم.
عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: فيم الرملان اليوم، والكشف عن المناكب؟ وقد أطأ (٣) الله الاسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ .
٣ - استلام (٤) الركن اليماني: لقول ابن عمر ﵄: لم أر النبي ﷺ يمس من الاركان إلا اليمانيين.
وقال: ما تركت استلام هذين الركنين - اليماني، والحجر الاسود - منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة، ولا في رخاء.
رواهما البخاري، ومسلم.
وإنما يستلم الطائف هذين الركنين، لما فيهما من فضيلة، ليست لغيرهما.
ففي الركن الاسود ميزتان، إحداهما: أنه عل قواعد إبراهيم ﵇.
стр. 694
وثانيتهما: أن فيه الحجر الاسود الذي جعل مبدءا للطواف ومنتهى له.
وأما الركن اليماني المقابل له، فقد وضع أيضا على قواعد إبراهيم ﵇.
روى أبو داود عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه أخبر بقول عائشة ﵂: " إن الحجر بعضه من البيت ".
فقال ابن عمر: والله إني لاظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، إني لاظن رسول الله ﷺ لم يترك استلامهما، إلا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس وراء الحجر إلا لذلك.
والامة متفقة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، وعلى أنه لا يستلم الطائف الركنين الاخرين.
وروى ابن حبان في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: " الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا ".
صلاة ركعتين بعد الطواف (١) يسن للطائف صلاة ركعتين بعد كل طواف (٢) ، عند مقام إبراهيم، أو في مكان من المسجد.
فعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ حين قدم مكة، طاف بالبيت سبعا، وأتى المقام فقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) .
فصلى خلف المقام ثم أتى الحجر فاستلمه.
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والسنة فيهما قراءة سورة " الكافرون " بعد " الفاتحة " في الركعة الاولى، وسورة " الاخلاص " في الركعة الثانية.
فقد ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، كما رواه مسلم، وغيره.
وتؤديان في جميع الاوقات، حتى أوقات النهي.
стр. 695
فعن جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء، من ليل، أو نهار ".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
وكما أن الصلاة بعد الطواف تسن في المسجد، فإنها تجوز خارجه.
فقد روى البخاري عن أم سلمة ﵂: أنها طافت راكبة، فلم تصل حتى خرجت.
وروى مالك عن عمر ﵁، أنه صلاهما بذي طوى.
وقال البخاري: وصلى عمر ﵁ خارج الحرم.
ولو صلى المكتوبة بعد الطواف أجزأته عن الركعتين، وهو الصحيح عند الشافعية والمشهور من مذهب أحمد.
وقال مالك والاحناف: لا يقوم غير الركعتين مقامهما.
المرور أمام المصلي في الحرم المكي يجوز أن يصلي المصلي في المسجد الحرام، والناس يمرون أمامه، رجالا ونساء، بدون كراهة، وهذا من خصائص المسجد الحرام.
فعن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن بعض أهله، عن جده: أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي بني سهم، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة.
قال سفيان بن عيينة: " ليس بينه وبين الكعبة سترة ".
رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
طواف الرجال مع النساء:
روى البخاري عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف تمنعهن، وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قال: قلت: أبعد الحجاب أقبله؟
стр. 696
قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب.
قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن الرجال، كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (١) من الرجال لا تخالطهم.
فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين.
قالت: انطلقي ... عنك، وأبت.
فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن، حتى يدخلن وأخرج الرجال.
وللمرأة أن تستلم الحجر عند الخلوة، والبعد عن الرجال.
فعن عائشة ﵂: أنها قالت لامرأة: لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحاما فكبري وهللي إذا حاذيت به، ولا تؤذي أحدا.
ركوب الطائف:
يجوز للطائف الركوب، وإن كان قادرا على المشي، إذا وجد سبب يدعو إلى الركوب.
فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (٢) .
رواه البخاري، ومسلم.
وعن جابر ﵁ قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه (٣) .
كراهة طواف المجذوم مع الطائفين روى مالك عن ابن أبي مليكة: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى امرأة مجذومة، تطوف بالبيت، فقال لها: يا أمة الله، لا تؤذى الناس، لو
стр. 697
جلست في بيتك!؟ ففعلت.
ومر بها رجل بعد ذلك فقال لها: إن الذي نهاك قد مات، فاخرجي.
فقالت: ما كنت لاطيعه حيا وأعصيه ميتا.
استحباب الشرب من ماء زمزم:
وإذا فرغ الطائف من طوافه، وصلى ركعتيه عند المقام، استحب له أن يشرب من ماء زمزم.
ثبت في الصحيحين: أن رسول ﷺ ، شرب من ماء زمزم، وأنه قال: " إنها مباركة.
إنها طعام طعم وشفاء سقم (١) ".
وأن جبريل ﵇ غسل قلب رسول الله ﷺ بمائها ليلة الاسراء.
وروى الطبراني في الكبير، وابن حبان عن ابن عباس ﵄:
أن النبي ﷺ قال: " خير ماء على وجه الارض ماء زمزم، فيه طعام الطعم، وشفاء السقم ".
الحديث.
قال المنذري: ورواته ثقات.
آداب الشرب منه: يسن أن ينوي الشارب عند شربه الشفاء ونحوه، مما هو خير في الدين والدنيا.
فإن رسول الله ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له ".
وعن سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى ماء زمزم واستسقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له، وهذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شرب ". رواه أحمد بسند صحيح، والبيهقي.
وعن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : " ماء زمزم لما شرب له، إن شرته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك، الله
стр. 698
أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة (١) جبرائيل وسقيا (٢) الله إسماعيل ".
رواه الدارقطني، والحكم، وزاد: " وإن شربته مستعيذا، أعاذك الله ".
ويستحب أن يكون الشرب على ثلاثة أنفاس، وأن يستقبل به القبلة، ويتضلع منه (٣) ، ويحمد الله، ويدعو بما دعا به ابن عباس.
فعن أبي مليكة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟..قال: شربت من ماء زمزم.
قال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا ابن عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر الله، وتنفس ثلاثا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله.
فإن رسول الله ﷺ قال: " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ".
رواه ابن ماجه، والدارقطني والحاكم.
وكان ابن عباس ﵄ إذا شربت من ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء.
أصل بئر زمزم: روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن " هاجر " لما أشرفت على على المروة حين أصابها وولدها العطش سمعت صوتا، فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد اسمعت، إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا - تغترف من الماء في سقائها - وهو يفور بعد ما تغترف.
قال ابن عباس ﵄، قال رسول الله ﷺ : " رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغترف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا ".
قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك:
стр. 699
لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبتني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مثل الرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله.
استحباب الدعاء عند الملتزم:
وبعد الشرب من ماء زمزم، يستحب الدعاء عند الملتزم.
فقد روى البيهقي عن ابن عباس، أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه.
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم.
وقيل: إن الحطيم هوالملتزم.
ويرى البخاري أن الحطيم الحجر نفسه.
واحتج عليه بحديث الاسراء فقال: بينا أنا نائم في الحطيم، وربما قال في الحجر.
قال: وهو حطيم: بمعنى محطوم، كفتيل، بمعنى مقتول.
استحباب دخول الكعبة وحجر إسماعيل:
روى البخاري، ومسلم، عن ابن عمر ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ الكعبة (١) ، هو وأسامة بن زيد، وعثمان ابن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا، أخبرني بلال: ان رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة، بين العمودين اليمانيين.
وقد استدل العلماء بهذا على أن دخول الكعبة، والصلاة فيها سنة.
وقالوا: وهو وإن كان سنة، إلا أنه ليس من مناسك الحج، لقول ابن عباس ﵄: أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شئ.
رواه الحاكم بسند صحيح.
стр. 700
ومن لم يتمكن من دخول الكعبة، يستحب له الدخول في حجر إسماعيل والصلاة فيه فإن جزءا منه من الكعبة.
روى أحمد بسند جيد، عن سعيد بن جبير، عن عائشة قالت: يا رسول الله، كل أهلك قد دخل البيت غيري! فقال: " أرسلي إلى شيبة (١) فيفتح لك الباب "، فأرسلت إليه.
فقال شيبة: ما استطعنا فتحه في جاهلية، ولا إسلام، بليل.
فقال النبي ﷺ : " صلي في الحجر فإن قومك استقصروا (٢) عن بناء البيت، حين بنوه ".
السعي بين الصفا والمروة:
أصل مشروعيته: روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: جاء إبراهيم ﵇ ب " هاجر " وبابنها " إسماعيل " ﵇، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم، فوضعهما تحتها وليس بمكة يومئذ من أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شئ؟ فقالت له ذلك مرارا، فجعل لا يلتفت إليها، فقالت: الله أمرك بهذا؟..قال: نعم.
قالت: إذن لا يضيعنا.
وفي رواية: فقالت له: إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله.
فقالت: قد رضيت. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، رفع يديه وقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم،
стр. 701
ربنا ليقيموا لصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) .
وقعدت أم إسماعيل تحت الدوحة، ووضعت ابنها إلى جنبها وعلقت شنها تشرب منه، وترضع ابنها، حتى فني ما في شنها، فانقطع درها، واشتد جوع ابنها حتى نظرت إليه يتشحط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا - وهو أقرب جبل يليها - ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا؟..فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا.
حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي إنسان مجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : " فلذلك سعى الناس بينهما ".
حكمه:
اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، إلى آراء ثلاثة: (أ) فذهب ابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة ﵃، ومالك، والشافعي، وأحمد - في إحدى الروايتين عنه - إلى أن السعي ركن من أركان الحج.
بحيث لو ترك الحاج السعي بين الصفا والمروة، بطل حجه ولا يجبر بدم، ولا غيره.
واستدلوا لمذهبهم بهذه الادلة:
١ - روى البخاري عن الزهري قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة.
قالت: بئسما قلت يا ابن أخي: إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
ولكنها أنزلت في الانصار: كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل،
стр. 702
فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك.
قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بى الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية.
قالت عائشة ﵂: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لاحد أن يترك الطواف بينهما.
٢ - وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون - يعني بين الصفا والمروة - فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة.
٣ - وعن حبيبة بنت أبي تجراه - إحد نساء بني عبد الدار - قالت:
دخلت مع نسوة من قريش دارآل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ ، وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني لاقول: إني لارى ركبتيه، وسمعته يقول: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي " (١) .
رواه ابن ماجه، وأحمد، والشافعي.
٤ - ولانه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت.
(ب) وذهب ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين، ورواية عن أحمد: أنه سنة، لا يجب بتركه شئ.
١ - استدلوا بقوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) .
ونفى الحرج عن فاعله: دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح.
وإنما تثبت سنيته بقوله: " من شعائر الله ".
وروى في مصحف أبي، وابن مسعود: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
وهذا، وإن لم يكن قرآنا، فلا ينحط عن رتبة الخبر، فيكون تفسيرا.
٢ - ولانه نسك ذو عدد، لا يتعلق بالبيت، فلم يكن ركنا، كالرمي.
(ج) وذهب أبو حنيفة، والثوري، والحسن: إلى أنه واجب، وليس
стр. 703
بركن، لا يبطل الحج أو العمرة بتركه، وأنه إذا تركه وجب عليه دم.
ورجح صاحب المغني هذا الرأي فقال:
١ - وهو أولى، لان دليل من أوجبه، دل على مطلق الوجوب، لاعلى كونه لا يتم الواجب إلا به.
٢ - وقول عائشة ﵂ في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة.
٣ - وحديث بنت أبي تجراه، قال ابن المنذر يرويه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا في حديثه. وهو يدل على أنه مكتوب، وهو الواجب.
٤ - وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الاسلام، لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية، لاجل صنمين، كانا على الصفا والمروة.
شروطه:
يشترط لصحة السعي أمور:
١ - أن يكون بعد طواف.
٢ - وأن يكون سبعة أشواط.
٣ - وأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة (١) .
٤ - وأن يكون السعي في المسعى، وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة (٢) .
لفعل رسول الله ﷺ ذلك، مع قوله: " خذوا عني مناسككم ".
فلو سعى قبل الطواف، أو بدأ بالمروة وختم بالصفا، أو سعى في غير المسعى، بطل سعيه.
الصعود على الصفا:
ولا يشترط لصحة السعي أن يرقى على الصفا والمروة. ولكن يجب عليه
стр. 704
أن يستوعب ما بينهما، فليصق قدمه بهما في الذهاب والاياب، فإن ترك شيئا لم يستوعبه، لم يجزئه حتى يأتي.
الموالاة في السعي:
ولا تشترط الموالاة في السعي (١) .
فلو عرض له عارض يمنعه من مواصلة الاشواط، أو أقيمت الصلاة، فله أن يقطع السعي لذلك، فإذا فرغ مما عرض له، بني عليه وأكمله.
فعن ابن عمر ﵄: أنه كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول، فتنحى ودعا بماء فتوضأ، ثم قام، فأتم على ما مضى. رواه سعيد بن منصور.
كما لا تشترط الموالاة بين الطواف والسعي.
قال في المغني: قال أحمد: لا بأس أن يؤخر السعي حتى يستريح، أو إلى العشي.
وكان عطاء والحسن لا يريان بأسا - لمن طاف بالبيت أول النهار - أن يؤخر الصفا والمروة إلى العشي.
وفعله القاسم وسعيد بن جبير، لان الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى.
وروى سعيد بن منصور: أن سودة زوج عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة، فقضت طوافها في ثلاثة أيام، وكانت ضخمة.
الطهارة للسعي: ذهب أكثر أهل العلم: إلى أنه لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة لقول رسول الله ﷺ لعائشة - حين حاضت -: " فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ".
رواه مسلم.
وقالت عائشة وأم سلمة: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين، ثم حاضت، فلتطف بالصفا والمروة.
رواه سعيد بن منصور.
وإن كان المستحب أن يكون المرء على طهارة في جميع مناسكه فإن الطهارة أمر مرغوب شرعا.
стр. 705
المشي والركوب فيه:
يجوز السعي راكبا وماشيا، والمشي أفضل.
وفي حديث ابن عباس ﵄ ما يفيد أنه ﷺ مشى، فلما كثر عليه الناس وغشوه ركب ليروه ويسألوه.
قال أبو الطفيل لابن عباس ﵄: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة.
قال: صدقوا وكذبوا.
قال: قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ ... قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق (١) من البيوت قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب. والمشي والسعي (٢) أفضل.
رواه مسلم، وغيره.
والركوب، وإن كان جائزا، إلا أنه مكروه.
قال الترمذي: وقدكره قوم من أهل العلم أن يطوف الرجل بالبيت وبين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، وهو قول الشافعي.
وعند المالكية: أن من سعى راكبا من غير عذر أعاد، إن لم يفت الوقت، وإن فات فعليه دم، لان المشي عند القدرة عليه واجب.
وكذا يقول أبو حنيفة.
وعللوا ركوب رسول الله ﷺ ، بكثرة الناس وازدحامهم عليه، وغشيانهم له.
وهذا عذر يقتضي الركوب.
استحباب السعي بين الميلين:
يندب المشي بين الصفا والمروة، فيما عدا ما بين الميلين، فإنه يندب الرمل بينهما، وقد تقدم حديث بنت أبي تجراه وفيه: ان النبي ﷺ سعى، حتى إن مئزره ليدور من شدة السعي.