ربنا ليقيموا لصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) .
وقعدت أم إسماعيل تحت الدوحة، ووضعت ابنها إلى جنبها وعلقت شنها تشرب منه، وترضع ابنها، حتى فني ما في شنها، فانقطع درها، واشتد جوع ابنها حتى نظرت إليه يتشحط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا - وهو أقرب جبل يليها - ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا؟..فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا.
حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي إنسان مجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : " فلذلك سعى الناس بينهما ".
حكمه:
اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، إلى آراء ثلاثة: (أ) فذهب ابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة ﵃، ومالك، والشافعي، وأحمد - في إحدى الروايتين عنه - إلى أن السعي ركن من أركان الحج.
بحيث لو ترك الحاج السعي بين الصفا والمروة، بطل حجه ولا يجبر بدم، ولا غيره.
واستدلوا لمذهبهم بهذه الادلة:
١ - روى البخاري عن الزهري قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة.
قالت: بئسما قلت يا ابن أخي: إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
ولكنها أنزلت في الانصار: كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل،
стр. 702
فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك.
قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بى الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية.
قالت عائشة ﵂: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لاحد أن يترك الطواف بينهما.
٢ - وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون - يعني بين الصفا والمروة - فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة.
٣ - وعن حبيبة بنت أبي تجراه - إحد نساء بني عبد الدار - قالت:
دخلت مع نسوة من قريش دارآل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ ، وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني لاقول: إني لارى ركبتيه، وسمعته يقول: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي " (١) .
رواه ابن ماجه، وأحمد، والشافعي.
٤ - ولانه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت.
(ب) وذهب ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين، ورواية عن أحمد: أنه سنة، لا يجب بتركه شئ.
١ - استدلوا بقوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) .
ونفى الحرج عن فاعله: دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح.
وإنما تثبت سنيته بقوله: " من شعائر الله ".
وروى في مصحف أبي، وابن مسعود: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
وهذا، وإن لم يكن قرآنا، فلا ينحط عن رتبة الخبر، فيكون تفسيرا.
٢ - ولانه نسك ذو عدد، لا يتعلق بالبيت، فلم يكن ركنا، كالرمي.
(ج) وذهب أبو حنيفة، والثوري، والحسن: إلى أنه واجب، وليس
стр. 703
بركن، لا يبطل الحج أو العمرة بتركه، وأنه إذا تركه وجب عليه دم.
ورجح صاحب المغني هذا الرأي فقال:
١ - وهو أولى، لان دليل من أوجبه، دل على مطلق الوجوب، لاعلى كونه لا يتم الواجب إلا به.
٢ - وقول عائشة ﵂ في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة.
٣ - وحديث بنت أبي تجراه، قال ابن المنذر يرويه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا في حديثه. وهو يدل على أنه مكتوب، وهو الواجب.
٤ - وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الاسلام، لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية، لاجل صنمين، كانا على الصفا والمروة.
شروطه:
يشترط لصحة السعي أمور:
١ - أن يكون بعد طواف.
٢ - وأن يكون سبعة أشواط.
٣ - وأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة (١) .
٤ - وأن يكون السعي في المسعى، وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة (٢) .
لفعل رسول الله ﷺ ذلك، مع قوله: " خذوا عني مناسككم ".
فلو سعى قبل الطواف، أو بدأ بالمروة وختم بالصفا، أو سعى في غير المسعى، بطل سعيه.
الصعود على الصفا:
ولا يشترط لصحة السعي أن يرقى على الصفا والمروة. ولكن يجب عليه
стр. 704
أن يستوعب ما بينهما، فليصق قدمه بهما في الذهاب والاياب، فإن ترك شيئا لم يستوعبه، لم يجزئه حتى يأتي.
الموالاة في السعي:
ولا تشترط الموالاة في السعي (١) .
فلو عرض له عارض يمنعه من مواصلة الاشواط، أو أقيمت الصلاة، فله أن يقطع السعي لذلك، فإذا فرغ مما عرض له، بني عليه وأكمله.
فعن ابن عمر ﵄: أنه كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول، فتنحى ودعا بماء فتوضأ، ثم قام، فأتم على ما مضى. رواه سعيد بن منصور.
كما لا تشترط الموالاة بين الطواف والسعي.
قال في المغني: قال أحمد: لا بأس أن يؤخر السعي حتى يستريح، أو إلى العشي.
وكان عطاء والحسن لا يريان بأسا - لمن طاف بالبيت أول النهار - أن يؤخر الصفا والمروة إلى العشي.
وفعله القاسم وسعيد بن جبير، لان الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى.
وروى سعيد بن منصور: أن سودة زوج عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة، فقضت طوافها في ثلاثة أيام، وكانت ضخمة.
الطهارة للسعي: ذهب أكثر أهل العلم: إلى أنه لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة لقول رسول الله ﷺ لعائشة - حين حاضت -: " فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ".
رواه مسلم.
وقالت عائشة وأم سلمة: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين، ثم حاضت، فلتطف بالصفا والمروة.
رواه سعيد بن منصور.
وإن كان المستحب أن يكون المرء على طهارة في جميع مناسكه فإن الطهارة أمر مرغوب شرعا.
стр. 705
المشي والركوب فيه:
يجوز السعي راكبا وماشيا، والمشي أفضل.
وفي حديث ابن عباس ﵄ ما يفيد أنه ﷺ مشى، فلما كثر عليه الناس وغشوه ركب ليروه ويسألوه.
قال أبو الطفيل لابن عباس ﵄: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة.
قال: صدقوا وكذبوا.
قال: قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ ... قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق (١) من البيوت قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب. والمشي والسعي (٢) أفضل.
رواه مسلم، وغيره.
والركوب، وإن كان جائزا، إلا أنه مكروه.
قال الترمذي: وقدكره قوم من أهل العلم أن يطوف الرجل بالبيت وبين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، وهو قول الشافعي.
وعند المالكية: أن من سعى راكبا من غير عذر أعاد، إن لم يفت الوقت، وإن فات فعليه دم، لان المشي عند القدرة عليه واجب.
وكذا يقول أبو حنيفة.
وعللوا ركوب رسول الله ﷺ ، بكثرة الناس وازدحامهم عليه، وغشيانهم له.
وهذا عذر يقتضي الركوب.
استحباب السعي بين الميلين:
يندب المشي بين الصفا والمروة، فيما عدا ما بين الميلين، فإنه يندب الرمل بينهما، وقد تقدم حديث بنت أبي تجراه وفيه: ان النبي ﷺ سعى، حتى إن مئزره ليدور من شدة السعي.
стр. 706
وفي حديث ابن عباس المتقدم: والمشي والسعي أفضل.
أي السعي في بطن الوادي بين الميلين، والمشي فيما سواه.
فإن مشى دون أن يسعى جاز.
فعن سعيد بن جبير ﵁ قال: رأيت ابن عمر ﵄ يمشي بين الصفا والمروة.
ثم قال: إن مشيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي.
وإن سعيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، فأنا شيخ كبير.
رواه أبو داود الترمذي.
وهذا الندب في حق الرجل.
أما المرأة فإنه لا يندب لها السعي، بل تمشي مشيا عاديا.
روى الشافعي عن عائشة ﵂ أنها قالت - وقد رأت نساء يسعين -: أما لكن فينا أسوة؟ ... ليس عليكن سعي (١)
استحباب الرقي على الصفا والمروة والدعاء عليهما مع استقبال البيت:
يستحب الرقي على الصفا والمروة، والدعاء عليهما بما شاء من أمر الدين والدنيا، مع استقبال البيت.
فالمعروف من فعل النبي ﷺ : أنه خرج من باب الصفا.
فلما دنا من الصفا قرأ: " (إن الصفا والمروة من شعائر الله) .
أبدأ بما بدأ الله به " فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت.
فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره ثلاثا، وحمده وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا، ثلاث مرات.
ثم نزل ما شيا إلى المروة، حتى أتاها، فرقي عليها، حتى نظر إلى البيت، ففعل على المروة، كما فعل على الصفا.
وعن نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ وهو على الصفا يدعو - يقول: اللهم إنك قلت: (ادعوني أستحب لكم) وإنك
стр. 707
لاتخلف الميعاد، وإني أسألك - كما هديتني للاسلام - أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم.
الدعاء بين الصفا والمروة: يستحب الدعاء بين الصفا والمروة، وذكر الله تعالى، وقراءة القرآن.
وقد روي أنه ﷺ كان يقول في سعيه " رب اغفر وارحم واهدني السبيل الاقوم ".
وروي عنه: رب اغفر وارحم، إنك أنت الاعز الاكرم ".
وبالطواف والسعي تنتهي أعمال العمرة.
ويحل المحرم من إحرامه بالحلق أو التقصير إن كان متمتعا، ويبقى على
إحرامه إن كان قارنا.
ولا يحل إلا يوم النحر، ويكفيه هذا السعي عن السعي بعد طواف الفرض، إن كان قارنا.
ويسعى مرة أخرى، بعد طواف الافاضة إن كان متمتعا.
ويبقى بمكة حتى يوم التروية.
التوجه الى منى من السنة التوجه إلى منى يوم التروية (١) .
فإن كان الحاج قارنا، أو مفردا، توجه إليها بإحرامه.
وإن كان متمتعا، أحرم بالحج، وفعل كما فعل عند الميقات.
والسنة: أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه.
فإن كان في مكة: أحرم منها، وإن كان خارجها: أحرم حيث هو.
ففي الحديث: " من كان منزله دون مكة فمهله من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة ".
ويستحب الاكثار من الدعاء والتلبية عند التوجه إلى منى وصلاة الظهر
стр. 708
والعصر، والمغرب والعشاء، والمبيت بها.
وأن لا يخرج الحاج منها حتى تطلع شمس يوم التاسع، اقتداء بالنبي ﷺ .
فإن ترك ذلك أو شيئا منه فقد ترك السنة، ولاشئ عليه، فإن عائشة لم تخرج من مكة يوم التروية، حتى دخل الليل، وذهب ثلثه.
روى ذلك ابن المنذر.
جواز الخروج قبل يوم التروية:
روى سعيد بن منصور عن الحسن: أنه كان يخرج إلى منى من مكة قبل التروية بيوم أو يومين.
وكرهه مالك، وكره الاقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة بمكة، فعليه أن يصليها قبل أن يخرج.
التوجه الى عرفات يسن التوجه إلى عرفات بعد طلوع شمس يوم التاسع، عن طريق ضب، مع التكبير والتهليل والتلبية.
قال محمد بن أبي بكر الثقفي: سألت أنس بن مالك - ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: " كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، وينكر المكبر، فلا ينكر عليه ويهلل المهلل، فلا ينكر عليه.
رواه البخاري وغيره.
ويستحب النزول بنمرة والاغتسال عندها للوقوف بعرفة، ويستحب أن لا يدخل عرفة إلا وقت الوقوف بعد الزوال.
الوقوف بعرفة:
فضل يوم عرفة: عن جابررضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ : " مامن أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ".
فقال رجل: هن أفضل، أم من عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: " هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل
стр. 709
الله. وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الارض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي، جاءوني شعثا غبرا ضاحين. جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة ".
قال المنذري: رواه أبو يعلى والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان، واللفظ له.
وروى ابن المبارك عن سفيان الثوري، عن الزبير بن علي، عن أنس ابن مالك ﵁، قال: وقف النبي ﷺ بعرفات، وقد كادت الشمس أن تثوب.
فقال: " يا بلال: أنصت لي الناس "، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ ، فأنصت الناس.
فقال: " معشر الناس: أتاني جبريل ﵇ آنفا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لاهل عرفات، وأهل المشعر الحرام، وضمن عنهم المتبعات ".
فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة؟ قال: " هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ".
فقال عمر ﵁: كثر خير الله وطاب.
روى مسلم وغيره، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ " وعن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر (١) ولا أغيظ منه في يوم عرفة ".
وما ذك إلالما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري من يوم بدر.
стр. 710
قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: " أما إنه رأى جبريل يزع (١) الملائكة ".
رواه مالك مرسلا، والحاكم موصولا.
حكم الوقوف:
أجمع العلماء: على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الاعظم، لما رواه أحمد، وأصحاب السنن، عبد الرحمن بن يعمر: أن رسول الله ﷺ أمر مناديا ينادي: " الحج عرفة (٢) ، من جاء ليلة جمع (٣) قبل طلوع الفجر فقد أدرك ".
وقت الوقوف: يرى جمهور العلماءأن وقت الوقوف يبتدئ من زوال اليوم التاسع (٤) إلى طلوع فجر يوم العاشر، وأنه يكفي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلا أو نهارا.
إلا أنه إن وقف بالنهار وجب عليه مد الوقوف إلى ما بعد الغروب.
أما إذا وقف بالليل فلا يجب عليه شئ.
ومذهب الشافعي: أن مد الوقوف إلى الليل سنة.
المقصود بالوقوف: المقصود بالوقوف: الحضور والوجود، في أي جزء من عرفة ولو كان نائما، أو يقظان، أو راكبا، أو قاعدا، أو مضطجعا أو ماشيا.
وسواء أكان طاهرا أم غير طاهر كالحائض والنفساء والجنب.
واختلفوا في وقوف المغمى عليه ولم يفق حتى خرج من عرفات.
فقال أبو حنيفة ومالك: يصح.
стр. 711
وقال الشافعي وأحمد، والحسن، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر: لا يصح، لانه ركن من أركان الحج.
فلم يصح من المغمى عليه، كغيره من الاركان.
قال الترمذي عقب تخريجه لحديث ابن يعمر المتقدم، قال سفيان الثوري: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن من لم يقف بعرفات قبل الفجر، فقد فاته الحج، ولايجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما.
استحباب الوقوف عند الصخرات: يجزئ الوقوف في أي مكان من عرفة، لان عرفة كلها موقف إلا بطن عرفة (١) ، فإن الوقوف به لايجزئ بالاجماع.
ويستحب أن يكون الوقوف عند الصخرات، أو قريبا منها حسب الامكان.
فإن رسول الله ﷺ وقف في هذا المكان وقال: " وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف " رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، من حديث جابر.
والصعود إلى جبل الرحمة واعتقاد أن الوقوف به أفضل خطأ، وليس بسنة.
استحباب الغسل: يندب الاغتسال للوقوف بعرفة.
وقد كان ابن عمر ﵄ يغتسل لوقوفه عشية عرفة. رواه مالك.
واغتسل عمر ﵁ بعرفات وهو مهل.
آداب الوقوف والدعاء:
ينبغي المحافظة على الطهارة الكاملة، واستقبال القبلة والاكثار من الاستغفار والذكر والدعاء لنفسه، ولغيره، بما شاء من أمر الدين والدنيا مع الخشية، وحضور القلب، ورفع اليدين.
стр. 712
قال أسامة بن زيد: كنت ردف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو.
رواه النسائي.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شئ قدير ".
رواه أحمد والترمذي، ولفظه: إن النبي ﷺ قال: " خير الدعاء، دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير ".
ويروى عن الحسين بن الحسن المروزي قال: سألت سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة.
فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
فقلت له: هذا ثناء وليس بدعاء.
فقال: أنا تعرف حديث مالك بن الحارث؟ هو تفسيره.
فقلت: حدثنيه أنت، فقال: حدثنا منصور، عن مالك بن الحارث قال: يقول الله عزوجل: " إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".
قال: وهذا تفسير قول النبي ﷺ .
ثم قال سفيان: أما علمت ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى عبد الله ابن جدعان يطلب نائله؟ فقلت: لا.
فقال: قال أمية: أأذكر حاجتي أم قد كفاني - حياؤك إن شيمتك الحياء وعلمك بالحقوق وأنت فرع - لك الحسب المهذب والسناء إذا أثنى عليك المرء يوما - كفاه من تعرضه الثناء ثم قال: يا حسين، هذا مخلوق يكتفى بالثناء عليه دون مسألة، فكيف بالخالق؟
стр. 713
روى البيهقي (١) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه ال وسلم: " إن أكثر دعاء من كان قبلي من الانبياء، ودعائي يوم عرفة، أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، اللهم اجعل في بصري نورا، وفي سمعي نورا، وفي قلبي نورا.
اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الامر، وشر فتنة القبر.
وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق (٢) الدهر ".
وروى الترمذي عنه قال: أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة في الموقف: " اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الامر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح ".
الوقوف سنة ابراهيم ﵇: وعن مربع الانصاري قال: إن رسول الله ﷺ يقول: " كونوا على مشاعركم (٣) فإنكم على إرث من إرث إبراهيم (٤) " رواه الترمذي وقال: حديث ابن مربع، حديث حسن.
صيام عرفة:
ثبت أن رسول الله ﷺ أفطر يوم عرفة وأنه قال: " إن يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا - أهل السلام - وهي أيام أكل وشرب ".
ثبت عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفات.
وقد استدل أكثر أهل العلم بهذا الاحاديث: على استحباب الافطار يوم عرفة للحاج، ليتقوى على الدعاء والذكر.
стр. 714
وما جاء من الترغيب في صوم يوم عرفة، فهو محمول على من لم يكن حاجا بعرفة.
الجمع بين الظهر والعصر:
في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ ، جمع بين الظهر والعصر بعرفة.
أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر.
وعن الاسود، وعلقمة، أنهما قالا: من تمام الحج أن يصلي الظهر والعصر مع الامام بعرفة.
وقال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم: على أن الامام يجمع بين الظهر العصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الامام " فإن لم يجمع مع الامام يجمع ومنفردا.
وعن ابن عمر ﵄: أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى، قصر الصلاة.
وعن عمرو بن دينار قال: قال لي جابر بن زيد: أقصر الصلاة بعرفة. روى ذلك سعيد بن منصور.
الإفاضة من عرفة:
يسن الافاضة (١) من عرفة بعد غروب الشمس، بالسكينة، وقد أفاض ﷺ بالسكينة، وضم إليه زمام ناقته، حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: " أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالابضاع " - أي الاسراع - رواه البخاري ومسلم.
وكان - صلوات الله وسلامه عليه - يسير العنق فإذا وجد فجوة نص. رواه الشيخان.
أي أنه كان يسير سيرا رفيقا من أجل الرفق بالناس فإذا وجد فجوة
стр. 715
- أي مكانا متسعا، ليس به زحام - سار سيرا، فيه سرعة.
ويستحب التلبية والذكر.
فإن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة.
وعن أشعث بن سليم، عن أبيه قال: أقبلت مع ابن عمر ﵄ من عرفات إلى مزدلفة، فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل حتى أتينا المزدلفة.
رواه أبو داود.
الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة: فإذا أتى المزدلفة، صلى المغرب والعشاء ركعتين بأذان وإقامتين، ومن غير تطوع بينهما.
ففي حديث مسلم: أنه ﷺ أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء، بأذان واحد، وإقامتين، ولم يسبح (١) بينهما شيئا.
وهذا الجمع سنة بإجماع العلماء.
واختلفوا فيما لو صلى كل صلاة في وقتها.
فجوزه أكثر العلماء، وحملوا فعله ﷺ على الاولوية.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن صلى المغرب دون مزدلفة، فعليه الاعادة.
وجوزوا في الظهر والعصر أن يصلي كل واحدة في وقتها مع الكراهية.
المبيت بالمزدلفة والوقوف بها: في حديث جابر ﵁: أنه ﷺ لما أتى المزدلفة، صلى المغرب والعشاء، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، ولم يزل واقفا، حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
ولم يثبت عنه ﷺ أنه أحيا هذه الليلة.
وهذه هي السنة الثابتة في المبيت بالمزدلفة، والوقوف بها.
وقد أوجب أحمد المبيت بالمزدلفة على غير الرعاة والسقاة.
أما هم فلا يجب عليهم المبيت بها.
أما سائر أئمة المذاهب، فقد أوجبوا الوقوف بها دون البيات.
стр. 716
والمقصود بالوقوف الوجود على أية صورة.
سواء أكان واقفا أم قاعدا، أم سائرا أم نائما.
وقالت الاحناف: الواجب هو الحضور المزدلفة قبل فجر يوم النحر.
فلو ترك الحضور لزمه دم.
إلا إذا كان له عذر، فإن لا يجب عليه الحضور ولا شئ عليه حينئذ.
وقالت المالكية: الواجب هو النزول بالمزدلفة ليلا، قبل الفجر، بمقدار ما يحط رحله وهو سائر من عرفة إلى منى، ما لم يكن له عذر.
فإن كان له عذر، فلا يجب عليه النزول.
وقالت الشافعية: الواجب هو الوجود بالمزدلفة، في النصف الثاني من ليلة يوم النحر، بعد الوقوف بعرفة.
ولا يشترط المكث بها، ولا العلم بأنها المزدلفة، بل يكفي المرور بها.
سواء أعلم أن هذا المكان هو المزدلفة، أم لم يعلم.
والسنة أن يصلي الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يطلع الفجر، ويسفر جدا قبل طلوع الشمس.
ويكثر من الذكر والدعاء.
قال تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين.
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ".
فإذا كان قبل طلوع الشمس أفاض من مزدلفة إلى منى فإذا أتى محسرا أسرع قدر رمية بحجر.
مكان الوقوف: المزدلفة كلها مكان للوقوف إلا وادي محسر (١) .
فعن جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: " كل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر " رواه أحمد، ورجاله موثقون.
والوقوف عند قزح أفضل.
ففي حديث علي ﵁، أن النبي ﷺ لما أصبح
стр. 717
بجمع أتى قزح (١) فوقف عليه، وقال: " هذا قزح وهو الموقف، وجمع كلها موقف ".
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
أعمال يوم النحر:
أعمال يوم النحر تؤدى مرتبة هكذا: يبدأ بالرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم الطواف بالبيت.
وهذا الترتيب سنة.
فلو قدم منها نسكا على نسك فلا شئ عليه، عند أكثر أهل العلم.
وهذا مذهب الشافعي، لحديث عبد الله بن عمرو أنه قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع للناس بمنى، والناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله.
إني لم أشعر (٢) فحلقت قبل أن أنحر.
فقال رسول الله ﷺ : " اذبح ولا حرج ".
ثم جاء آخر، فقال يا رسول الله إني لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال رسول الله ﷺ : " ارم ولا حرج ".
قال فما سئل رسول الله ﷺ عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج ".
وذهب أبو حنيفة: إلى أنه إن لم يراع الترتيب، فقدم نسكا على نسك فعليه دم.
وتأول قوله " ولا حرج " على رفع الاثم دون الفدية.
التحلل الاول والثاني وبرمي الجمرة يوم النحر وحلق الشعر أو تقصيره، يحل للمحرم كل ما كان محرما عليه بالاحرام.
فله أن يمس الطيب ويلبس الثياب وغير ذلك ما عدا النساء.
стр. 718
وهذا هو التحلل الاول.
فإذا طاف طواف الافاضة - وهو طواف الركن - حل له كل شئ، حتى النساء.
وهذا هو التحلل الثاني، والاخير.
رمي الجمار:
(١) أصل مشروعيته: روى البيهقي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: " لما أتى إبراهيم ﵇ المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض.
ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض.
ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض.
" قال ابن عباس ﵄: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون.
قاله المنذري: ورواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وقاله صحيح على شرطهما.
حكمته: قال أبو حامد الغزالي ﵀ في الاحياء: وأما رمي الجمار فليقصد الرامي به الانقياد للامر، وإظهارا للرق والعبودية، وانتهاضا لمجرد الامتثال، من غير حظ للنفس والعقل في ذلك.
ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم ﵇، حيث عرض له إبليس - لعنه الله تعالى - في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة، أو يفتنه بمعصية.
فأمره الله أن يرميه بالحجارة طردا له، وقطعا لامله.
стр. 719
فإن خطر لك: أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان.
فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه هو الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي.
ويخيل إليك أنه لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير والرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان.
واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة، وفي الحقيقة ترمى به وجه الشيطان وتقصم به ظهره.
إذا لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعظيما له بمجرد الامر من غير حظ للنفس فيه.
حكمه: ذهب جمهور العلماء: إلى أن رمي الجمار واجب، وليس بركن، وأن تركه يجبر بدم.
لما رواه أحمد ومسلم، والنسائي، عن جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: " لتأخذوا عني مناسككم، فإني لاأدرى لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ".
وعن عبد الرحمن التيمي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرمي الجمار بمثل حصى الحذف (١) في حجة الوداع.
رواه الطبراني في الكبير بسند، ورجاله رجال الصحيح.
قدر كم تكون الحصاة، وما جنسها؟ في الحديث المتقدم: أن الحصى الذي يرمى به مثل حصى الحذف.
ولهذا ذهب أهل العلم إلى استحباب ذلك.
فإن تجاوزه ورمى بحجر كبير فقد قال الجمهور: يجزئه ويكره.
وقال أحمد: لا يجزئه حتى يأتي بالحصى، على ما فعل النبي صلى الله
стр. 720
عليه وسلم، ولنهيه ﷺ عن ذلك.
فعن سليمان بن عمرو بن الاحوص الازدي، عن أمه قالت: سمعت النبي ﷺ وهو في بطن الوادي - وهو يقول: " يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الحذف " رواه أبو داود.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " هات، القط لي " فلقطت له حصيات هي حصى الحذف، فلما وضعتهن في يده قال: " بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين ".
رواه أحمد، والنسائي، وسنده حسن.
وحمل الجمهور هذه الاحاديث على الاولوية والندب.
واتفقوا: على أنه لا يجوز الرمي إلا بالحجر، وأنه لا يجوز بالحديد، أو الرصاص، ونحوهما.
وخالف في ذلك الاحناف، فجوزوا الرمي بكل ما كان من جنس الارض حجرا، أو طينا، أو آجرا، أو ترابا، أو خزفا.
لان الاحاديث الواردة في الرمي مطلقة.
وفعل رسول الله ﷺ وصحابته محمول على الافضلية، لا على التخصيص.
ورجح الاول بأن النبي ﷺ رمى الحصى، وأمر بالرمي بمثل حصى الحذف، فلا يتناول غير الحصى، ويتناول جميع أنواعه.
من أين يؤخذ الحصى:
كان ابن عمر ﵄ يأخذ الحصى من المزدلفة، وفعله سعيد ابن جبير وقال: كانوا يتزودون الحصى منها واستحبه الشافعي.
وقال أحمد: خذ الحصى من حيث شئت.
وهو قول عطاء وابن المنذر.
لحديث ابن عباس المتقدم وفيه: " القط لي " ولم يعين مكان الالتقاط.
ويجوز الرمي بحصى أخذ من المرمى مع الكراهة، عند الحنفية، والشافعي
стр. 721
وأحمد.
وذهب ابن حزم إلى الجواز بدون كراهة..فقال: ورمي الجمار بحصى قد رمي به قبل ذلك جائز، وكذلك رميها راكبا.
أما رميها بحصى قد رمي به، فلانه لم ينه عن ذلك قرآن ولا سنة.
ثم قال: فإن قيل: قد روي عن ابن عباس ﵄ أن حصى الجمار، ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك ولولا ذلك لكان (١) هضابا تسد الطريق؟ قلنا: نعم، فكان ماذا؟ وإن لم يتقبل رمي هذه الحصاة من عمرو فسيتقبل من زيد وقد يتصدق المرء بصدقة فلا يتقبلها الله منه، ثم يملك تلك العين آخر فيتصدق بها فتقبل منه.
وأما رميها راكبا فلحديث قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك، إليك (٢) .
عدد الحصى: عدد الحصى الذي يرمى به، سبعون حصاة، أو تسع وأربعون.
سبع يرمى بها يوم النحر عند جمرة العقبة.
وإحدى وعشرون في اليوم الحادي عشر، موزعة على الجمرات الثلاث، ترمى كل جمرة منها بسبع.
وإحدى وعشرون يرمي بها كذلك في اليوم الثاني عشر.
" " " " " " " الثالث عشر.
فيكون عدد الحصى سبعين حصاة.
فإن اقتصر على الرمي في الايام الثلاثة، ولم يرم في اليوم الثالث عشر جاز.
ويكون الحصى الذي يرميه الحاج تسعا وأربعين.
ومذهب أحمد: إن رمى الحاج بخمس حصيات أجزأه.
وقال عطاء: إن رمى بخمس أجزأه.
وقال مجاهد إن رمى بست، فلا شئ عليه.
стр. 722
وعن سعيد بن مالك قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ ، وبعضنا يقول رميت ست حصيات، وبعضنا يقول رميت سبع حصيات، فلم يعب بعضنا على بعض.
أيام الرمي: أيام الرمي ثلاثة أو أربعة: يوم النحر، ويومان، أو ثلاثة من أيام التشريق.
قال الله تعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى (١) ".
الرمي يوم النحر: الوقت المختار للرمي، يوم النحر، وقت الضحى بعد طلوع الشمس، فإن رسول الله ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ ضعفة أهله، وقال " لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس ".
رواه الترمذي، وصححه.
فإن أخره إلى آخر النهار، جاز.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحبا لها.
وقال ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فقال رجل: رميت بعد ما أمسيت، فقال: " لا حرج ". رواه البخاري.
هل يجوز تأخير الرمي إلى الليل:
إذا كان فيه عذر بمنع الرمي نهارا، جاز تأخير الرمي إلى الليل.
لما رواه مالك عن نافع: أن ابنة لصفية امرأة ابن عمر نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي صفية، حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما ابن
стр. 723
عمر أن تريما الجمرة حين قدمتا، ولم ير عليهما شيئا.
أما إذا لم يكن فيه عذر فإنه يكره التأخير، ويرمي بالليل، ولا دم عليه عند الاحناف والشافعية، ورواية عن مالك، لحديث ابن عباس المتقدم.
وعند أحمد: إن أخر الرمي حتى انتهى يوما النحر فلا يرمي ليلا، وإنما يرميها في الغد بعد زوال الشمس.
الترخيص للضعفة وذوي الاعذار بالرمي بعد منتصف ليلة النحر لا يجوز لاحد أن يرمي قبل نصف الليل الاخير بالاجماع ويرخص للنساء، والصبيان، والضعفة، وذوي الاعذار، ورعاة الابل: أن يرموا جمرة
العقبة، من نصف ليلة النحر فعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر، فرمت قبل الفجر ثم أفاضت.
رواه أبو داود، والبيهقي، وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ رخص لرعاة الابل أن يرموا ... بالليل رواه البزار.
وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف.
وعن عروة قال: دار النبي ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر، فأمرها أن تعجل الافاضة من جمع، حتى تأتي مكة، فتصلي بها الصبح، وكان يوما، فأحب أن ترافقه.
رواه الشافعي، والبيهقي.
عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أسماء: أنها رمت الجمرة، قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ ، رواه أبو داود.
قال الطبري: استدل الشافعي بحديث أم سلمة، وحديث أسماء، على ما ذهب إليه من جواز الافاضة بعد نصف الليل.
وذكر ابن حزم أن الاذن في الرمي بالليل مخصوص بالنساء دون الرجال، ضعفاؤهم وأقوياؤهم في عدم الاذن سواء.
стр. 724
والذي دل عليه الحديث: أن من كان ذا عذر جاز أن يتقدم ليلا ويرمي ليلا.
وقال ابن المنذر: السنة ألا يرمي إلى بعد طلوع الشمس، كما فعل النبي ﷺ .
ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر: لان فاعله مخالف للسنة.
ومن رماها حينئذ فلا إعادة عليه، إلا لا أعلم أحدا قال: لا يجزئه.
رمي الجمرة من فوقها: رمي الاسود قال: رأيت عمر ﵁ رمى جمرة العقبة من فوقها.
وسئل عطاء عن الرمي من فوقها فقال: لا بأس. رواهما سعيد ابن منصور.
الرمي في الأيام الثلاثة:
الوقت المختار للرمي في الايام الثلاثة يبتدئ من الزوال إلى الغروب.
فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ رمى الجمار عند زوال الشمس، أو بعد زوال الشمس.
رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه.
وروى البيهقي عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: لا نرم في الايام الثلاثة، حتى تزول الشمس.
فإن أخر الرمي إلى الليل، كره له ذلك، ورمى في الليل إلى طلوع شمس الغد.
وهذا متفق عليه بين أئمة المذاهب، سوى أبي حنيفة، فإنه أجاز الرمي في اليوم الثالث قبل الزوال.
لحديث ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: إذا انتفخ النهار من يوم النفر الاخر، حل الرمي، والصدر (١) .
الوقوف والدعاء بعد الرمي في أيام التشريق: يستحب الوقوف بعد الرمي مستقبلا القبلة، داعيا الله، وحامدا له مستغفرا لنفسه ولاخوانه المؤمنين.
стр. 725
لما رواه أحمد، والبخاري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه:
أن رسول ﷺ ، كان إذا رمى الجمرة الاولى، التي تلي المسجد، رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف، ذات اليسار إلى بطن الوادي فيقف ويستقبل القبلة، رافعا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يرمي الثانية بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف ذات اليسار إلى بطن الوادي، فيقف، ويستقبل القبلة، رافعا يديه ثم يمضي حتى يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف.
وفي الحديث أنه لا يقف بعد رمي جمرة العقبة، وإنما يقف بعد رمي الجمرتين الاخريين.
وقد وضع العلماء لذلك أصلا فقالوا: إن كل رمي ليس بعده رمي في ذلك اليوم لا يقف عنده، وكل رمي بعده رمي في اليوم نفسه يقف عنده.
وروى ابن ماجه، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة، مضى ولم يقف.
الترتيب في الرمي: الثابت عن رسول الله ﷺ : أنه بدأ رمي الجمرة الاولى التي تلي منى، ثم الجمرة الوسطى التي تليها، ثم رمى جمرة العقبة.
وثبت عنه أنه قال: " خذوا عني مناسككم ".
فاستدل بهذا الائمة الثلاثة على اشتراط الترتيب بين الجمرات وأنها ترمى هكذا، مرتبة، كما فعل رسول الله ﷺ ، والمختار عند الاحناف: أن الترتيب سنة.
استحباب التكبير والدعاء مع كل حصاة ووضعها بين أصابعه:
عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر ﵄: أنهما كانا يقولان - عند رمي جمرة العقبة - اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا.
стр. 726
وعن إبراهيم أنه قال: كانوا يحبون للرجل - إذا رمى جمرة العقبة - أن يقول: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا.
فقيل له: تقول ذلك عند كل جمرة؟ قال: نعم.
وعن عطاء قال: إذا رميت فكبر، وأتبع الرمي التكبيرة.
روى ذلك سعيد بن منصور.
وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: أن رسول الله ﷺ كان يكبر مع كل حصاة.
قال في الفتح: وأجمعوا: على أن من لم يكبر لا شئ عليه.
وعن سلمان بن الاحوص عن أمه، قالت: رأيت رسول الله ﷺ عند جمرة العقبة راكبا، ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى، ورمى الناس معه. رواه أبو داود.
النيابة في الرمي:
من كان عنده عذر يمنعه من مباشرة الرمي، كالمرض ونحوه، استناب من يرمي عنه.
قال جابر ﵁: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم.
رواه ابن ماجه.
المبيت بمنى:
البيات بمنى واجب في الليالي الثلاث، أو ليلتي الحادي عشر، والثاني عشر، عند الائمة الثلاثة.
ويرى الاحناف أن البيات سنة.
وقال ابن عباس ﵄: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت.
رواه ابن أبي شيبة.
وعن مجاهد: لا بأس بأن يكون أول الليل بمكة، وآخره بمنى.
أو أول الليل بمنى، وآخره بمكة.
وقال ابن حزم: ومن لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا شئ عليه
стр. 727
واتفقوا على أنه يسقط عن ذوي الاعذار كالسقاة ورعاة الابل فلا يلزمهم بتركه شئ.
وقد استأذن العباس النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
رواه البخاري وغيره.
وعن عاصم بن عدي أنه ﷺ رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى.
رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي.
متى يرجع من منى ؟
يرجع من " منى " إلى مكة قبل غروب الشمس، من اليوم الثاني عشر بعد الرمي، عند الائمة الثلاثة.
وعند الاحناف: يرجع إلى مكة ما لم يطلع الفجر من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.
لكن يكره النفر بعد الغروب، لمخالفة السنة ولا شئ عليه.
الهدي:
الهدي هو ما يهدى من النعم إلى الحرم تقربا إلى الله عزوجل، قال الله تعالى
" والبدن (١) جعلناها لكم من شعائر (٢) الله، لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعتر (٤) كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون.
لن ينال الله لحومها ولادماؤها، ولكن يناله التقوى منكم ".
وقال عمر ﵁: أهدوا، فإن الله يحب الهدي.
وأهدى رسول الله عليه وسلم مائة من الابل، وكان هديه تطوعا.
стр. 728
الافضل فيه: أجمع العلماء على أن الهدي لا يكون إلا من النعم (١) ، واتفقوا: على أن الافضل الابل، ثم البقر، ثم الغنم.
على هذا الترتيب.
لان الابل أنفع للفقراء، لعظمها، والبقر أنفع من الشاة كذلك.
واختلفوا في الافضل للشخص الواحد: هل يهدي سبع بدنة، أو سبع بقرة أو يهدي شاة؟ والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للفقراء.
أقل ما يجزئ في الهدي: للمرء أن يهدي للحرم ما يشاء من النعم.
وقد أهدى رسول الله ﷺ مائة من الابل وكان هديه هدي تطوع.
وأقل ما يجزئ عن الواحد شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، فإن البقرة أو البدنة تجزئ عن سبعة.
قال جابر ﵁: حججنا مع رسول الله ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
رواه أحمد، ومسلم.
ولا يشترط في الشركاء أن يكونوا جميعا ممن يريدون القربة إلى الله تعالى.
بل لو أراد بعضهم التقرب، وأراد البعض اللحم جاز.
خلافا للاحناف الذين يشترطون التقرب إلى الله، من جميع الشركاء.
متى تجب البدنة؟
ولا تجب البدنة إلا إذا طاف للزيارة جنبا، أو حائضا، أو نفساء، أو جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل الحلق، أو نذر بدنة أو جزورا، ومن لم يحد بدنة فعليه أن يشتري سبع شياه.
فعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر بها، ولا أجدها فأشتريها، فأمره ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن.
رواه أحمد، وابن ماجه بسند صحيح.
стр. 729
أقسامه: ينقسم الهدي إلى مستحب، وواجب.
فالهدي المستحب: للحاج المفرد، والمعتمر المفرد.
والهدي الواجب: أقسامه كالآتي:
١ و ٢ - واجب على القارن، والمتمتع.
٣ - واجب على من ترك واجبا من واجبات الحج، كرمي الجمار والاحرام من الميقات والجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، أو منى، أو ترك طواف الوداع.
٤ - واجب على من ارتكب محظورا من محظورات الاحرام، غير الوطء، كالتطيب والحلق.
٥ - واجب بالجنابة على الحرم، كالتعرض لصيده، أو قطع شجره، وكل ذلك مبين في موضعه كما تقدم.
شروط الهدي:
يشترط في الهدي الشروط الآتية:
١ - أن يكون ثنيا، إذا كان من غير الضأن، أما الضأن فإنه يجزئ منه الجذع فما فوقه. وهو ما له ستة أشهر، وكان سمينا.
والثني من الابل: ماله خمس سنين، ومن البقر: ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة تامة، فهذه يجزئ منها الثني فما فوقه.
٢ - أن يكون سليما، فلا تجزئ فيه العوراء ولا العرجاء ولا الجرباء، ولا العجفاء (١) .
وعن الحسن: أنهم قالوا: إذا اشترى الرجل البدنة، أو الاضحية، وهي وافية، فأصابها عور، أو عرج، أو عجف قبل يوم النحر فليذبحها وقد أجزأته. رواه سعيد بن منصور.
стр. 730
استحباب اختيار الهدي:
روى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يقول لبنيه: يا بني لايهد أحدكم لله تعالى من البدن شيئا.
يستحيي أن يهديه لكريمه (١) ، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له.
وروى سعيد بن منصور ان ابن عمر ﵄ سار فيما بين مكة على ناقة بختية (٢) ، فقال لها: بخ بخ (٣) ، فأعجبته فنزل عنها، وأشعرها، وأهداها.
إشعار الهدي وتقليده:
الاشعار: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة أو البقرة، إن كان لها سنام حتى يسيل دمها ويجعل ذلك علامة لكونها هديا فلا يتعرض لها.
والتقليد:
هو أن يجعل في عنق الهدي قطعة جلد ونحوها ليعرف بها أنه هدي.
وقد أهدى رسول الله ﷺ غنما، وقلدها، وقد بعث بها مع أبي بكر ﵁ عندما حج سنة تسع.
وثبت عنه: أنه ﷺ ، قلد الهدي، وأشعره وأحرم بالعمرة وقت الحديبية.
وقد استحب الاشعار عامة العلماء، ما عدا أبا حنيفة.
الحكمة في الاشعار والتقليد:
والحكمة فيهما تعظيم شعائر الله، وإظهارها، وإعلام الناس بأنها قرابين تساق إلى بيته، تذبح له ويتقرب بها إليه.
ركوب الهدى:
يجوز ركوب البدن، والانتفاع بها.
стр. 731
لقول الله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) .
قال الضحاك، وعطاء: المنافع فيها الركوب عليها إذا احتاج، وفي أوبارها وألبانها.
والاجل المسمى: أن تقلد فتصير هديا.
ومحلها إلى البيت العتيق، قالا: يوم النحر ينحر بمنى.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها ".
قال: إنها بدنة.
فقال: " اركبها ويلك ": في الثانية، أو الثالثة.
رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، ومشهور مذهب مالك.
وقال الشافعي: يركبها إذا اضطر إليها.
وقت الذبح: اختلف العلماء في وقت ذبح الهدي.
فعند الشافعي: أن وقت ذبحه يوم النحر، وأيام التشريق لقوله ﷺ : " وكل أيام التشريق ذبح " رواه أحمد.
فإن فات وقته، ذبح الهدي الواجب قضاء.
وعند مالك وأحمد، وقت ذبح الهدي - سواء أكان ذبح الهدي واجبا، أم تطوعا - أيام النحر.
وهذا رأي الاحناف بالنسبة لهدي التمتع والقران.
وأمادم النذر، والكفارات، والتطوع فيذبح في أي وقت.
وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي: وقتها من يوم
النحر، إلى آخر ذي الحجة.
مكان الذبح:
الهدي - سواء أكان واجبا، أم تطوعا - لا يذبح إلا في الحرم وللمهدي أن يذبح في أي موضع منه.
فعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " كل
стр. 732
منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طرق، ومنحر ".
رواه أبو داود، وابن ماجه.
والاولى بالنسبة للحاج، أن يذبح بمنى، وبالنسبة للمعتمر أن يذبح عند المروة، لانها موضع تحلل كل منهما.
فعن مالك أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ قال - بمنى - " هذا المنحر، وكل منى منحر " وفي العمرة: هذا المنحر - يعني المروة - وكل فجاج مكة وطرقها منحر.
استحباب نحر الابل، وذبح غيرها: يستحب أن تنحر الابل، وهي قائمة، معقولة اليد اليسرى وذلك للاحاديث الآتية: ١ - لما رواه مسلم، عن زياد بن جبير: أن ابن عمر ﵄ أتى على رجل، وهو ينحر بدنته باركة، فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة نبيكم ﷺ .
٢ - وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي منها. رواه أبو داود.
٣ - وعن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) أي قياما على ثلاث.
رواه الحاكم.
أما البقر والغنم، فيستحب ذبحها مضطجعة.
فإن ذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح، قيل: يكره، وقيل: لا يكره.
ويستحب أن يذبحها بنفسه، إن كان يحسن الذبح، وإلا فيندب له أن يشهده.
لا يعطى الجزار الاجرة من الهدي: لا يجوز أن يعطى الجزار الاجرة من الهدي، ولا بأس بالتصدق عليه منه.
لقول علي ﵁: أمرني رسولا لله ﷺ أن أقوم
стр. 733
على بدنه، وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني ألا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: " نحن نعطيه من عندنا " رواه الجماعة.
وفي الحديث ما يدل على أنه يجوز أنه ينيب عنه من يقوم بذبح هديه، وتقسيم لحمه، وجلده وجلاله (١) .
وأنه لا يجوز أن يعطى الجزار منه شيئا، على معنى الاجرة، ولكن يعطى أجرة عمله، بدليل قوله: " نعطيه من عندنا ".
وروي عن الحسن أنه قال لا بأس أن يعطى الجازر الجلد.
الاكل من لحوم الهدي: أمر الله بالاكل من لحوم الهدي فقال: " فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ".
وهذا الامر يتناول - بظاهره - هدي الواجب، وهدي التطوع.
وقد اختلف فقهاء الامصار في ذلك.
فذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى جواز الاكل من هدي المتعة، وهدي القران، وهدي التطوع، ولا يأكل مما سواها.
وقال مالك: يأكل من الهدي الذي ساقه لفساد حجه، ولفوات الحج.
ومن هدي المتمتع، ومن الهدي كله، إلا فدية الاذى، وجزاء الصيد.
وما نذره للمساكين، وهدي التطوع، إذا عطب قبل محله.
وعند الشافعي: لايجوز الاكل من الهدي الواجب مثل الدم الواجب، في جزاء الصيد، وإفساد الحج وهدي التمتع والقران، وكذلك ما كان نذرا أوجبه على نفسه.
أماماكان تطوعا، فله أن يأكل منه ويهدي، ويتصدق.
مقدار ما يأكله من الهدي: للمهدي أن يأكل من هديه الذي يباح له الاكل منه أي مقدار يشاء أن يأكله، بلا تحديد، وله كذلك أن يهدي أو يتصدق بما يراه.
وقيل: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف.
стр. 734
وقيل: يقسمه أثلاثا، فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث.
الحلق أو التقصير:
ثبت الحلق والتقصير بالكتاب، والسنة والاجماع.
قال الله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) .
وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: " رحم الله المحلقين ".
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " رحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " رحم الله المحلقين ".
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " والمقصرين (١) ".
ورويا عنه: أن النبي ﷺ حلق، وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم.
والمقصود بالحلق إزالة شعر الرأس بالموسى ونحوه، أو بالنتف، ولو اقتصر على ثلاث شعرات جاز.
والمراد بالتقصير أن يأخذ من شعر الرأس قدر الانملة (٢) .
وقد اختلف جمهور الفقهاء في حكمه.
فذهب أكثرهم: إلى أنه واجب، يجبر تركه بدم.
وذهبت الشافعية: إلى أنه ركن من أركان الحج.
وقته: وقته للحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، فإذا كان معه هدي حلق بعد الذبح.
стр. 735
في حديث معمر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لما نحر هديه بمنى قال: " أمرني أن أحلقه ".
رواه أحمد والطبراني.
ووقته في العمرة بعد أن يفرغ من السعي، بين الصفا والمروة، ولمن معه هدي بعد ذبحه.
ويجب أن يكون في الحرم، وفي أيام النحر عند أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد، للحديث المتقدم.
وعند الشافعي ومحمد بن الحسن، والمشهور من مذهب أحمد: يجب أن يكون الخلق أو التقصير بالحرم دون أيام النحر، فإن أخر الحلق عن أيام النحر جاز ولا شئ عليه.
ما يستحب فيه: يستحب في الحلق أن يبدأ بالشق الايمن، ثم الايسر ويستقبل القبلة، ويكبر ويصلي بعد الفراغ منه.
قال وكيع: قال لي أبو حنيفة: أخطأت، في خمسة أبواب من المناسك، فعلمنيها حجام، وذلك أني حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام، فقلت له بكم تحلق رأسي؟ فقال أعراقي أنت؟ قلت: نعم.
قال: النسك لا يشارط عليه.
اجلس، فجلست منحرفا عن القبلة، فقال لي: حرك وجهك إلى القبلة.
وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الايسر، فقال: أدر الشق الايمن من رأسك، فأدرته، وجعل يحلق وأنا ساكت، فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لا ذهب، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: رحلي.
قال صل ركعتين ثم امض، فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام، فقلت له: من أين لك ما أمرتني به، قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا. ذكره المحب الطبري.
استحباب امرار الموسى على رأس الأصلع:
ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يستحب للاصلع الذي لاشعر على رأسه أن يمر الموسى على رأسه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: على أن
стр. 736
الاصلع يمر الموسى على رأسه.
وقال أبو حنيفة: إن إمرار الموسى على رأسه واجب.
استحباب تقليم الاظفار والاخذ من الشارب: يستحب لمن حلق شعره أو قصره أن يأخذ من شاربه ويقلم أظافره، فقد كان ابن عمر ﵄، إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه.
وقال ابن النذر: ثبت أن رسول الله ﷺ ، لما حلق رأسه قلم أظفاره.
أمر المرأة بالتقصير ونهيها عن الحلق: روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : " ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير.
" حسنه الحافظ.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم، وذلك لان الحلق في حقهن مثلة.
القدر الذي تأخذه المرأة من رأسها: عن ابن عمر ﵄ قال: المرأة إذا أرادت أن تقصر جمعت شعرها إلى مقدم رأسها ثم أخذت منه أنملة.
وقال عطاء: إذا قصرت المرأة شعرها تأخذ من أطرافه، من طويله وقصيره.
رواهما سعيد بن منصور.
وقيل: لا حد لما تأخذه المرأة من شعرها.
وقال الشافعية: أقل ما يجزئ، ثلاث شعرات.
طواف الإفاضة:
أجمع المسلمون على أن طواف الافاضة ركن من أركان الحج، وأن الحاج إذا لم يفعله بضل حجه. لقول الله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . ولابد من تعيين النية له، عند أحمد.
стр. 737
والائمة الثلاثة: يرون أن نية الحج تسري عليه، وأنه يصح من الحاج ويجزئه، وإن لم ينوه نفسه.
وجمهور العلماء: يرى أنه سبعة أشواط.
ويرى أبو حنيفة: أن ركن الحج من ذلك أربعة أشواط لو تركها الحاج بطل حجه.
وأما الثلاثة الباقية فهي واجبة، وليست بركن.
ولو ترك الحاج هذه الثلاثة، أو واحدا منها، فقد ترك واجبا، ولم يبطل حجه. وعليه دم.
وقته: وأول وقته نصف الليل، من ليلة النحر، عند الشافعي، وأحمد، ولا حد لآخره، ولكن لا تحل له النساء حتى يطوف، ولا يجب تأخيره - عن أيام التشريق - دم، وإن كان يكره له ذلك.
وأفضل وقت يؤدى فيه، ضحوة النهار، يوم النحر.
وعند أبي حنيفة ومالك: أن وقته يدخل بطلوع فجر يوم النحر، واختلفا في آخر وقته.
فعند أبي حنيفة: يجب فعله في أي يوم من أيام النحر، فإن أخره لزمه دم.
وقال مالك: لا بأس بتأخيره إلى آخر أيام التشريق، وتعجيله أفضل.
ويمتد وقته إلى آخر شهر ذي الحجة، فإن أخره عن ذلك لزمه دم، وصح حجه، لان جميع ذي الحجة عنده من أشهر الحج.
تعجيل الإفاضة للنساء:
يستحب تعجيل الافاضة للنساء يوم النحر، إذا كن يخفن مبادرة الحيض.
وكانت عائشة تأمر النساء بتعجيل الافاضة يوم النحر، مخافة الحيض.
وقال عطاء: إذا خافت المرأة الحيضة فلتزر البيت قبل أن ترمي الجمرة، وقبل أن تذبح.
стр. 738
ولا بأس من استعمال الدواء، ليرتفع حيضها حتى تستطيع الطواف.
روى سعيد بن منصور عن ابن عمر ﵄: أنه سئل عن المرأة تشري الدواء، ليرتفع حيضها، لتنفر، فلم ير به بأسا ونعت لهن ماء الاراك.
قال محب الدين الطبري: وإذا اعتد بارتفاعه في هذه الصورة، اعتد بارتفاعه في انقضاء العدة وسائر الصور.
وكذلك في شرب دواء يجلب الحيض، إلحاقا به.
النزول بالمحصب (١) ثبت أن رسول الله ﷺ حين نفر من منى إلى مكة نزل بالمحصب، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد به رقدة.
وأن ابن عمر كان يفعل ذلك.
وقد اختلف العلماء في استحبابه.
فقالت عائشة: إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب، ليكون أسمح (٢) لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.
وقال الخطابي: وكان هذا شيئا يفعل، ثم ترك.
وقال الترمذي: وقد استحب بعض أهل العلم نزول الابطح، من غير أن يروا ذلك واجبا، إلامن أحب ذلك.
والحكمة في النزول في هذا المكان، شكر الله تعالى، على ما منح نبيه ﷺ من الظهور فيه على أعدائه الذين تقاسموا فيه على بني هاشم بني المطلب، ان لا يناكحوهم لا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
قال ابن القيم: فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الاسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله.
وهذه كانت عادته، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك.
كما أمر النبي ﷺ : أن يبنى مسجد الطائف، موضع اللات والعزى.
стр. 739
العمرة
стр. 740
العمرة:
مأخوذ من الاعتمار، وهو الزيارة، والمقصود بها هنا زيارة الكعبة
والطواف حولها، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير.
وقد أجمع العلماء: على أنها مشروعة.
وعن ابن عباس ﵄.
أن النبي ﷺ قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة (١) " رواه أحمد، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.
وتقدم حديث: " تابعوا بين الحج والعمرة ".
تكرارها:
١ - قال نافع: اعتمر عبد الله بن عمر ﵄ أعواما في عهد ابن الزبير، عمرتين في كل عام.
٢ - وقال القاسم: إن عائشة ﵂ اعتمرت في سنة ثلاث مرات.
فسئل: هل عاب ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله.
أم المؤمنين؟!! وإلى هذا: ذهب أكثر أهل العلم.
وكره مالك تكرارها في العام أكثر من مرة.
جوازها قبل الحج وفي أشهره:
ويجوز للمعتمر أن يعتمر في أشهر الحج، من غير أن يحج، فقد اعتمر