الاصلع يمر الموسى على رأسه.
وقال أبو حنيفة: إن إمرار الموسى على رأسه واجب.
استحباب تقليم الاظفار والاخذ من الشارب: يستحب لمن حلق شعره أو قصره أن يأخذ من شاربه ويقلم أظافره، فقد كان ابن عمر ﵄، إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه.
وقال ابن النذر: ثبت أن رسول الله ﷺ ، لما حلق رأسه قلم أظفاره.
أمر المرأة بالتقصير ونهيها عن الحلق: روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : " ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير.
" حسنه الحافظ.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم، وذلك لان الحلق في حقهن مثلة.
القدر الذي تأخذه المرأة من رأسها: عن ابن عمر ﵄ قال: المرأة إذا أرادت أن تقصر جمعت شعرها إلى مقدم رأسها ثم أخذت منه أنملة.
وقال عطاء: إذا قصرت المرأة شعرها تأخذ من أطرافه، من طويله وقصيره.
رواهما سعيد بن منصور.
وقيل: لا حد لما تأخذه المرأة من شعرها.
وقال الشافعية: أقل ما يجزئ، ثلاث شعرات.
طواف الإفاضة:
أجمع المسلمون على أن طواف الافاضة ركن من أركان الحج، وأن الحاج إذا لم يفعله بضل حجه. لقول الله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . ولابد من تعيين النية له، عند أحمد.
стр. 737
والائمة الثلاثة: يرون أن نية الحج تسري عليه، وأنه يصح من الحاج ويجزئه، وإن لم ينوه نفسه.
وجمهور العلماء: يرى أنه سبعة أشواط.
ويرى أبو حنيفة: أن ركن الحج من ذلك أربعة أشواط لو تركها الحاج بطل حجه.
وأما الثلاثة الباقية فهي واجبة، وليست بركن.
ولو ترك الحاج هذه الثلاثة، أو واحدا منها، فقد ترك واجبا، ولم يبطل حجه. وعليه دم.
وقته: وأول وقته نصف الليل، من ليلة النحر، عند الشافعي، وأحمد، ولا حد لآخره، ولكن لا تحل له النساء حتى يطوف، ولا يجب تأخيره - عن أيام التشريق - دم، وإن كان يكره له ذلك.
وأفضل وقت يؤدى فيه، ضحوة النهار، يوم النحر.
وعند أبي حنيفة ومالك: أن وقته يدخل بطلوع فجر يوم النحر، واختلفا في آخر وقته.
فعند أبي حنيفة: يجب فعله في أي يوم من أيام النحر، فإن أخره لزمه دم.
وقال مالك: لا بأس بتأخيره إلى آخر أيام التشريق، وتعجيله أفضل.
ويمتد وقته إلى آخر شهر ذي الحجة، فإن أخره عن ذلك لزمه دم، وصح حجه، لان جميع ذي الحجة عنده من أشهر الحج.
تعجيل الإفاضة للنساء:
يستحب تعجيل الافاضة للنساء يوم النحر، إذا كن يخفن مبادرة الحيض.
وكانت عائشة تأمر النساء بتعجيل الافاضة يوم النحر، مخافة الحيض.
وقال عطاء: إذا خافت المرأة الحيضة فلتزر البيت قبل أن ترمي الجمرة، وقبل أن تذبح.
стр. 738
ولا بأس من استعمال الدواء، ليرتفع حيضها حتى تستطيع الطواف.
روى سعيد بن منصور عن ابن عمر ﵄: أنه سئل عن المرأة تشري الدواء، ليرتفع حيضها، لتنفر، فلم ير به بأسا ونعت لهن ماء الاراك.
قال محب الدين الطبري: وإذا اعتد بارتفاعه في هذه الصورة، اعتد بارتفاعه في انقضاء العدة وسائر الصور.
وكذلك في شرب دواء يجلب الحيض، إلحاقا به.
النزول بالمحصب (١) ثبت أن رسول الله ﷺ حين نفر من منى إلى مكة نزل بالمحصب، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد به رقدة.
وأن ابن عمر كان يفعل ذلك.
وقد اختلف العلماء في استحبابه.
فقالت عائشة: إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب، ليكون أسمح (٢) لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.
وقال الخطابي: وكان هذا شيئا يفعل، ثم ترك.
وقال الترمذي: وقد استحب بعض أهل العلم نزول الابطح، من غير أن يروا ذلك واجبا، إلامن أحب ذلك.
والحكمة في النزول في هذا المكان، شكر الله تعالى، على ما منح نبيه ﷺ من الظهور فيه على أعدائه الذين تقاسموا فيه على بني هاشم بني المطلب، ان لا يناكحوهم لا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
قال ابن القيم: فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الاسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله.
وهذه كانت عادته، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك.
كما أمر النبي ﷺ : أن يبنى مسجد الطائف، موضع اللات والعزى.
стр. 739
العمرة
стр. 740
العمرة:
مأخوذ من الاعتمار، وهو الزيارة، والمقصود بها هنا زيارة الكعبة
والطواف حولها، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير.
وقد أجمع العلماء: على أنها مشروعة.
وعن ابن عباس ﵄.
أن النبي ﷺ قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة (١) " رواه أحمد، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.
وتقدم حديث: " تابعوا بين الحج والعمرة ".
تكرارها:
١ - قال نافع: اعتمر عبد الله بن عمر ﵄ أعواما في عهد ابن الزبير، عمرتين في كل عام.
٢ - وقال القاسم: إن عائشة ﵂ اعتمرت في سنة ثلاث مرات.
فسئل: هل عاب ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله.
أم المؤمنين؟!! وإلى هذا: ذهب أكثر أهل العلم.
وكره مالك تكرارها في العام أكثر من مرة.
جوازها قبل الحج وفي أشهره:
ويجوز للمعتمر أن يعتمر في أشهر الحج، من غير أن يحج، فقد اعتمر
стр. 741
عمر في شوال، ورجع إلى المدينة، دون أن يحج.
كما يجوز له الاعتمار قبل أن يحج، كما فعل عمر ﵁.
قال طاوس: كان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور، ويقولون: إذا انفسخ صفر، وبرأ الدبر (١) وعفا الاثر (٢) حلت العمرة لمن اعتمر.
فلما كان الاسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج، فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة.
عدد عمره ﷺ : وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة مع حجته.
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، بسند رجاله ثقات.
حكمها: ذهب الاحناف، ومالك: إلى أن العمرة سنة.
لحديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: " لا، وأن تعتمروا هو أفضل " رواه أحمد، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعند الشافعية، وأحمد: أنها فرض.
لقول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) .
وقد عطفت على الحج، وهو فرض، فهي فرض كذلك، والاول أرجح.
قال في " فتح العلام ": وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة.
ونقل الترمذي عن الشافعي أنه قال: ليس في العمرة شئ ثابت.
إنها تطوع.
стр. 742
وقتها:
ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت العمرة جميع أيام السنة.
فيجوز أداؤها في يوم من أيامها.
وذهب أبو حنيفة إلى كراهتها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة.
وذهب أبو يوسف إلى كراهتها في يوم عرفة، وثلاثة أيام بعده، واتفقوا على جوازها في أشهر الحج.
١ - روى البخاري عن عكرمة بن خالد قال: سألت عبد الله بن عمر رضيا لله عنهما، عن العمرة قبل الحج فقال: لا بأس على أحد أن يعتمر قبل الحج، فقد اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج.
٢ - وروي عن جابر ﵁ أن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت.
فلما طهرت وطافت قالت: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة.
وأفضل أوقاتها رمضان لما تقدم.
ميقاتها:
الذي يريد العمرة إما أن يكون خارج مواقيت الحج المتقدمة، أو يكون داخلها، فإن كان خارجها، فلا يحل له مجاوزتها بلا إحرام.
لما رواه البخاري: أن زيد بن جبير أتى عبد الله بن عمر، فسأله: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله ﷺ لاهل نجد " قرنا " ولاهل المدينة " ذا الحليفة " ولاهل الشام " الجحفة ".
وإن كان داخل المواقيت، فميقاته في العمرة الحل، ولو كان بالحرم، لحديث البخاري المتقدم، وفيه: أن عائشة خرجت إلى التنيعم وأحرمت فيه، وأن ذلك كان أمرا من رسول الله ﷺ .
طواف الوداع
стр. 743
طواف الوداع، سمي بهذا الاسم، لانه لتوديع البيت، ويطلق عليه طواف الصدر، لانه عند صدور الناس من مكة، وهو طواف لا رمل فيه، وهو آخر ما يفعله الحاج الغير المكي (١) عند إرادة السفر من مكة.
روى مالك في الموطأ عن عمر ﵁ أنه قال: آخر النسك الطواف بالبيت (٢) .
أما المكي والحائض، فإنه لا يشرع في حقهما، ولا يلزم بتركهما له شئ فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت. رواه البخاري، ومسلم.
وفي رواية قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
ورويا عن صفية زوج النبي ﷺ : أنها حاضت فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " أحابستنا هي؟ " فقالوا: إنها قد أفاضت. قال: " فلا إذا ".
حكمه:
اتفق العلماء: على أنه مشروع.
لما رواه مسلم وأبو داود، عن ابن عباس ﵄ قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي ﷺ : " لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت ".
واختلفوا في حكمه: فقال مالك، وداود، وابن المنذر: إنه سنة، لا يجب بتركه شئ.
وهو قول الشافعي.
وقالت الاحناف، والحنابلة، ورواية عن الشافعي: إنه واجب، يلزم بتركه دم.
стр. 744
وقته: وقت طواف الوداع، بعد أن يفرغ المرء من جميع أعماله، ويريد السفر، ليكون آخر عهده بالبيت.
كما تقدم في الحديث.
فإذا طاف الحاج سافر توا (١) دون أن يشتغل ببيع أو بشراء ولا يقيم زمنا، فإن فعل شيئا من ذلك، أعاده.
اللهم إلا إذا قضى حاجة في طريقه، أو اشترى شيئا لا غنى له عنه من طعام، فلا يعيد لذلك.
لان هذا لا يخرجه عن أن يكون آخر عهده بالبيت.
ويستحب للمودع أن يدعو بالمأثور عن ابن عباس ﵄.
وهو: " اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسترتني في بلادك حتى بلغتني - بنعمتك - إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن فارض عني قبل أن تنأى عن بيتك داري.
فهذا أو ان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولاببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.
اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شئ قدير ".
قال الشافعي: أحب، إذا ودع البيت - أن يقف في الملتزم.
وهوما بين الركن والباب. ثم ذكر الحديث.
كيفية أداء الحج:
إذا قارب الحاج الميقات استحب له أن يأخذ من شاربه ويقص شعره، وأظافره، ويغتسل، أو يتوضأ، ويتطيب، ويلبس لباس الاحرام.
فإذا بلغ الميقات صلى ركعتين وأحرم - أي نوى الحج، إن كان مفردا، أو العمرة إن كان متمتعا، أوهما معا، إن كان قارنا.
стр. 745
وهذا الاحرام ركن، لا يصح النسك بدونه.
أما تعيين نوع النسك، من إفراد، أو تمتع، أن قران فليس فرضا.
ولو أطلق النية ولم يعين نوعا خاصا صح إحرامه.
وله أن يفعل أحد الانواع الثلاثة.
بمجرد الاحرام تشرع له التلبية بصوت مرتفع، كلما علا شرفا، أو هبط واديا، أو لقي ركبا، أو أحدا، وفي الاسحار، وفي دبر كل صلاة.
وعلى المحرم أن يتجنب الجماع ودواعيه، ومخاصمة الرفاق وغيرهم، والجدل فيما لا فائدة فيه، وأن لا يتزوج، ولا يزوج غيره.
ويتجنب أيضا لبس المخيط والمحيط، والخذاء الذي يستر ما فوق الكعبين.
ولا يستر رأسه ولا يمس طيبا، ولا يحلق شعرا.
ولا يقص ظفرا ولا يتعرض لصيد البر مطلقا، ولا لشجر الحرم وحشيشه.
فإذا دخل مكة المكرمة استحب له أن يدخلها من أعلاها بعد أن يغتسل من بئر ذي طوى، بالزاهر، إن تيسر له.
ثم يتجه إلى الكعبة فيدخلها من " باب السلام " ذاكرا أدعية دخول المسجد، ومراعيا آداب الدخول، وملتزما الخشوع، والتواضع، والتلبية.
فإذا وقع بصره على الكعبة، رفع يديه وسأل الله من فضله، وذكر الدعاء المستحب في ذلك.
ويقصد رأسا إلى الحجر الاسود، فيقبله بغير صوت أو يستلمه بيده ويقبلها، فإن لم يستطع ذلك أشار إليه.
ثم يقف بحذائه، ملتزما الذكر المسنون، والادعية المأثورة، ثم يشرع في الطواف.
ويستحب له أن يضطبع ويرمل في الاشواط الثلاثة الاول.
ويمشي على هينته في الاشواط الاربعة الباقية.
ويسن له استلام الركن اليماني، وتقبيل الحجر الاسود في كل شوط.
فإذا فرغ من طوافه.
توجه إلى مقام إبراهيم تاليا قول الله تعالى:
(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) .
فيصلي ركعتي الطواف.
стр. 746
ثم يأتي " زمزم " فيشرب من مائها ويتضلع منه.
وبعد ذلك يأتي " الملتزم " فيدعو الله بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ثم يستلم الحجر ويقبله ويخرج من باب " الصفا " إلى " الصفا " تاليا قول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية.
ويصعد عليه، ويتجه إلى الكعبة، فيدعو بالدعاء المأثور ثم ينزل فيمشي في السعي، ذاكرا داعيا بما شاء.
فإذا بلغ " ما بين الميلين " هرول، ثم يعود ما شيا على رسله حتى يبلغ المروة، فيصعد السلم ويتجه إلى الكعبة، داعيا، ذاكرا.
وهذا هو الشوط الاول.
وعليه أن يفعل ذلك حتى يستكمل سبعة أشواط.
وهذا السعي واجب على الارجح، وعلى تاركه - كله أو بعضه - دم.
فإذا كان المحرم متمتعا حلق رأسه أو قصر.
وبهذا تتم عمرته، ويحل له ما كان محظورا من محرمات الاحرام، حتى النساء.
أما القارن والمفرد فيبقيان على إحرامهما.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، يحرم المتمتع من منزله.
ويخرج - هو وغيره ممن بقي على إحرامه - إلى منى، فيبيت بها.
فإذا طلعت الشمس ذهب إلى " عرفات " ونزل عند مسجد " نمرة.
واغتسل، وصلى الظهر والعصر جمع تقديم مع الامام، يقصر فيهما الصلاة " هذا إذا تيسر له أن يصلي مع الامام: وإلا صلى جمعا وقصرا، حسب استطاعته.
ولايبدأ الوقوف بعرفة إلا بعد الزوال.
فيقف بعرفة عند الصخرات، أو قريبا منها.
فإن هذا موضع وقوف النبي ﷺ .
والوقوف ب " عرفة " هو ركن الحج الاعظم.
ولايسن ولا ينبغي صعود جبل الرحمة.
стр. 747
ويستقبل القبلة، ويأخذ في الدعاء، والذكر، والابتهال حتى يدخل الليل.
فإذا دخل الليل أفاض إلى " المزدلفة " فيصلي بها المغرب والعشاء جمع تأخير.
ويبيت بها.
فإذا طلع الفجر وقف بالمشعر الحرام.
وذكر الله كثيرا حتى يسفر الصبح، فينصرف بعد أن يستحضر الجمرات، ويعود إلى " منى ".
والوقوف بالمشعر الحرام واجب، يلزم بتركه دم.
وبعد طلوع الشمس يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات.
ثم يذبح هديه - إن أمكنه - ويحلق شعره أو يقصره.
وبالحلق يحل له كل ما كان محرما عليه، ما عدا النساء.
ثم يعود إلى مكة، فيطوف بها طواف الافاضة، وهو طواف الركن، فيطوف - كما طاف - طواف القدوم.
ويسمى هذا الطواف أيضا طواف الزيارة، وإن كان متمتعا سعى بعد الطواف.
وإن كان مفردا، أو قارنا، وكان قد سعى عند القدوم، فلا يلزمه سعي آخر.
وبعد هذا الطواف يحل له كل شئ، حتى النساء.
ثم يعود إلى " منى " فيبيت بها.
والمبيت بها واجب، يلزم بتركه دم.
وإذا زالت الشمس من اليوم الحادي عشر من ذي الحجة رمى الجمرات الثلاث، مبتدئا بالجمرة التي تلي " منى " ثم يرمي الجمرة الوسطى.
ويقف بعد الرمي، داعيا ذاكرا، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها.
وينبغي أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات قبل الغروب.
ويفعل في اليوم الثاني عشر مثل ذلك.
ثم هو مخير بين أن ينزل إلى مكة قبل غروب اليوم الثاني عشر، وبين أن يبيت ويرمي، في اليوم الثالث عشر.
ورمي الجمار واجب يجبر تركه بالدم.
стр. 748
فإذا عاد إلى مكة وأراد العودة إلى بلاده طاف طواف الوداع، وهذا الطواف واجب.
وعلى تاركه أن يعود إلى مكة ليطوف طواف الوداع إن أمكنه الرجوع، ولم يكن قد تجاوز الميقات، وإلا ذبح شاة.
ويؤخذ من كل ما تقدم أن أعمال الحج والعمرة، هي الاحرام من الميقات، والطواف والسعي، والحلق، وبهذا تنتهي أعمال العمرة.
ويزيد عليها الحج الوقوف بعرفة، ورمي الجمار، وطواف الافاضة، والمبيت ب " منى "، والذبح، والحلق أو التقصير.
هذه هي خلاصة أعمال الحج والعمرة.
استحباب تعجيل العودة:
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته (١) فليعجل إلى أهله " رواه البخاري، ومسلم.
وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قضى أحدكم حجه فليتعجل إلى أهله، فإنه أعظم لاجره ".
رواه الدارقطني.
وروى مسلم عن العلاء بن الحضرمي: أن رسول الله ﷺ قال: " يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ".
الاحصار:
الاحصار هو المنع والحبس، قال الله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) .
وقد نزلت هذه الآية في حصر النبي ﷺ ، ومنعه هو وأصحابه في الحديبية عن المسجد الحرام.
والمراد به: المنع عن الطواف في العمرة، وعن الوقوف بعرفة، أو طواف الافاضة في الحج.
стр. 749
وقد اختلف العلماء في السبب الذي يكون به الاحصار.
قال مالك، والشافعي: الاحصار لا يكون إلا بالعدو.
لان الآية نزلت في إحصار النبي ﷺ به.
وقال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.
وذهب أكثر العلماء - منهم الاحناف، وأحمد - إلى أن الاحصار
يكون من كل حابس يحبس الحاج عن البيت من عدو (١) أو مرض يزيد بالانتقال والحركة، أو خوف، أو ضياع النفقة أو موت محرم الزوجة في الطريق، وغير ذلك من الاعذار المانعة، حتى أفنى ابن مسعود رجلا لدغ، بأنه محصر.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: (فإن أحصرتم) وأن سبب نزول الآية إحصار النبي ﷺ بالعدو فإن العام لا يقصر على سببه.
وهذا أقوى من غيره، من المذاهب.
على المحصر شاة فما فوقها: الآية صريحة في أن على المحصر أن يذبح ما استيسر من الهدي.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قد أحصر فحلق وجامع نساءه ونحر هديه، حتى اعتمر عاما قابلا.
رواه البخاري.
وقد استدل بهذا الجمهور من العلماء على أن المحصر يجب عليه ذبح شاة أو بقرة أو نحر بدنة.
وقال مالك: لا يجب.
قال في " فتح العلام ": والحق معه، فإنه لم يكن مع كل المحصرين هدي، وهذا الهدي الذي كان معه ﷺ ساقه من المدينة متنفلا به. وهو الذي أراده الله تعالى بقوله: (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) .
والآية لاتدل على الايجاب.
стр. 750
موضع ذبح هدي الإحصار:
قال في " فتح العلام ": اختلف العلماء - هل نحره يوم الحديبية في الحل أو في الحرم؟ وظاهر قوله تعالى: (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) أنهم نحروه في الحل.
وفي محل نحر الهدي للمحصر أقوال: الاول للجمهور: أنه يذبح هديه حيث يحل في حرم أو حل.
الثاني للحنفية: أنه لا ينحره إلا في الحرم.
الثالث لابن عباس وجماعة: أنه إن كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه، ولا يحل حتى ينحر في محله.
وإن كان لا يستطيع البعث به إلى الحرم نحر في محل إحصاره.
لا قضاء على المحصر إلا أن يكون عليه فرض الحج:
عن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) يقول: من أحرم بحج أو بعمرة ثم حبس عن البيت، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي: شاة فما فوقها، يذبح عنه.
فإن كان حجة الاسلام، فعليه قضاؤها. وإن كان حجة بعد حج الفريضة فلا قضاء عليه.
وقال مالك: إنه بلغه أن النبي ﷺ جاء هو وأصحابه الحديبية فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلتوا من كل شئ، قبل الطواف بالبيت، ومن قبل أن يصل الهدي إلى البيت. ثم لم يذكر أن النبي ﷺ أمر أحدا من أصحابه، ولاممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له.
والحديبية خارج من الحرم. رواه البخاري.
قال الشافعي: فحيث أحصر ذبح، وحل، ولاقضاء عليه من قبل أن الله لم يذكر قضاء.
ثم قال: لانا علمنا - من تواطئ حديثهم - أنه كان معه في عام الحديبية
стр. 751
رجال معروفون، ثم اعتمروا عمرة القضاء فتخلف بعضهم في المدينة، من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزم القضاء لامرهم بألا يتخلفوا عنه.
وقال: وإنما سميت عمرة القضاء، والقضية، للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ ، وبين قريش، لا على أنه واجب قضاء تلك العمرة.
جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه:
ذهب كثير من العلماء، إلى جواز أن يشترط المحرم عند إحرامه، أنه إن مرض تحلل.
فقد روى مسلم عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال لضباعة: " حجي، واشترطي أن محلي حيث تحبسني ".
فإذا أحصر بسبب من الاسباب، من مرض، أو غيره، إذا اشترطه في إحرامه فله أن يتحلل وليس عليه دم، ولاصوم.
كسوة الكعبة:
كان الناس على عهد الجاهلية يكسون الكعبة، حتى جاء الاسلام فأقر كسوتها.
فقد ذكر الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن أبيه قال: كسي البيت في الجاهلية الانطاع (١) ثم كساه رسول الله ﷺ الثياب اليمانية.
وكساه عمر وعثمان القباطي (٢) ثم كساه الحجاج الديباج.
وروي: أن أول من كساها أسعد الحميري وهو " تبع ".
وكان ابن عمر رضيا لله عنهما يجلل بدنه القباطي والانماط (٣) والحلل، ثم يبعث بها إلى الكعبة يكسوها إياها، رواه مالك.
وأخرج الواقدي أيضا إسحاق بن أبي عبد بن أبي جعفر محمد بن علي قال:
стр. 752
كان الناس يهدون إلى الكعبة كسوة، ويهدون إليها البدن عليها الحبرات (١) فيبعث بالحبرات إلى البيت كسوة.
فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج.
فلما كان ابن الزبير اتبع أثره.
وكان يبعث إلى مصعب بن الزبير، ليبعث بالكسوة كل سنة فكان يكسوها يوم عاشوراء.
وأخرج سعيد بن منصور: أن عمر بن الخطاب ﵁، كان ينزع ثياب الكعبة في كل سنة، فيقسمها على الحاج فيستظلون بها على السمر (٢) بمكة.
تطييب الكعبة:
عن عائشة ﵂ قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره.
وطيب ابن الزبير جوف الكعبة كله.
وكان يجمر الكعبة كل يوم برطل من مجمر (٣) ويجمرها كل جمعة برطلين.
النهي عن الإلحاد في الحرم:
قال الله تعالى: (ومن يرد فيه بالحاد (٤) بظلم نذقه من عذاب أليم) .
وروى أبو داود عن موسى بن باذان قال: أتيت يعلى بن أمية فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ".
وروى البخاري في التاريخ الكبير، عن يعلى بن أمية أنه سمع عمرو ابن الخطاب ﵁ يقول: " احتكار " الطعام إلحاد ".
стр. 753
وروى أحمد عن ابن عمر ﵄: أنه أتى ابن الزبير وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير، إياك والالحاد في حرم الله ، فإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " يحلها رجل من قريش.
" وفي رواية " سيلحد فيه رجل من قريش، له وزنت ذنوبه وذنوب الثقلين لوزنتها " فانظر أن لا تكون هو.
قال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات.
وسئل الامام أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا، إلا بمكة، لتعظيم البلد.
غزو الكعبة
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : " يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء (١) من الارض يخسف بأولهم وآخرهم " قلت: يا رسول الله، كيف وفيهم أسواقهم (٢) ومن ليس منهم؟ قال: " يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ".
استحباب شد الرحال إلى المساجد الثلاثة:
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لاتشد الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الاقصى ".
رواه البخاري، ومسلم وأبو داود.
وفي لفظ: " انما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي، ومسجد إيليا (٣) ".
وعن أبي ذر ﵁ قال، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الارض أول؟ قال: " المسجد الحرام.
" قلت: ثم أي؟ قال: " المسجد الاقصى.
"
стр. 754
قلت: كم بينهما؟ قال: " أربعون سنة، ثم أين أدركتك الصلاة بعد فصل، فإن الفضل فيه ".
وإنما شرع السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لما فيها من فضائل وميزات ليست في غيرها.
فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه. إلا المسجد الحرام. وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ". رواه أحمد بسند صحيح.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " من صلى في مسجدي أربعين صلاة، لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبرئ من النفاق ".
رواه أحمد، والطبراني، بسند صحيح.
وقد جاء في الاحاديث: أن فضل الصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد - غير المسجد الحرام والمسجد النبوي - بخمسمائة صلاة.
آداب دخول المسجد النبوي وآداب الزيارة:
١ - يستحب إتيان مسجد رسول الله ﷺ بالسكينة والوقار، وأن يكون متطيبا بالطيب، ومتجملا بحسن الثياب.
وأن يدخل بالرجل اليمنى. ويقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم.
بسم الله، اللهم صلي على محمد وآله وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك.
٢ - ويستحب أن يأتي الروضة الشريفة أولا، فيصلي بها تحية المسجد، في أدب وخشوع.
٣ - فإذا فرغ من الصلاة - أي تحية المسجد - اتجه إلى القبر الشريف مستقبلا له ومستدبرا القبلة، فيسلم على رسول الله ﷺ قائلا: " السلام عليك يا رسول الله.
السلام عليك يا نبي الله.
السلام عليك يا خيرة خلق الله من خلقه.
السلام عليك يا خير خلق الله.
السلام عليك يا حبيب الله.
السلام عليك يا سيد المرسلين.
السلام عليك يا رسول الله رب
стр. 755
العالمين.
السلام عليك يا قائد الغر المحجلين.
أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه.
وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الامانة، ونصحت الامة، وجاهدت في الله حق جهاده ".
٤ - ثم يتأخر نحو ذراع إلى الجهة اليمنى.
فيسلم على أبي بكر الصديق، ثم يتأخر أيضا نحور ذراع.
فيسلم على عمر الفاروق ﵄.
٥ - ثم يستقبل القبلة، فيدعو لنفسه، ولاحبابه، وإخوانه وسائر المسلمين.
ثم ينصرف.
٦ - وعلى الزائر أن لا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه وعلى ولي الامر أن يمنع ذلك برفق.
فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد النبوي فقال: لو أعلم أنكما من البلد، لاوجعتكما ضربا.
٧ - وأن يتجنب التمسح بالحجرة - أي القبر - والتقبيل لها، فإن لك مما نهى عنه الرسول ﵊.
روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا.
وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".
وقد رأى عبد الله بن حسن رجلا ينتاب قبر رسول الله ﷺ بالدعاء عنده فقال: يا هذا، إن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا.
وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني "، فما أنت - يا رجل - ومن بالاندلس إلاسواء.
استحباب كثرة التعبد في الروضة المباركة:
روى البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 756
" ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (١) ، ومنبري على حوضي ".
استحباب إتيان مسجد " قبا " والصلاة فيه:
فقد كان رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت، راكبا وماشيا ويصلي فيه ركعتين.
وكان ﵊ يرغب في ذلك فيقول: " من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة.
" رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الاسناد.
فضائل المدينة روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " إن الايمان ليأرز (٢) إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ".
وروى الطبراني عن أبي هريرة - بإسناد لا بأس به - أن رسول الله ﷺ قال: " المدينة قبة الاسلام، ودار الايمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام.
" وعن عمر ﵁ قال: غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد، فقال رسول الله ﷺ : " اصبروا، وأبشروا فإني قد باركت على صاعكم ومدكم، وكلوا ولا تنفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي لاربعة، وطعام الاربعة يكفي الخمسة والستة، وإن البركة في الجماعة، من صبر على لاوائها وشدتها، كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة، ومن خرج عنها، رغبة عما فيها أبدل الله به من هو خير منه فيها، ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ".
رواه البزار بسند جيد.
стр. 757
فضل الموت في المدينة:
روى الطبراني بإسناد حسن عن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله ﷺ من ثقيف، أن رسول الله ﷺ قال: " من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت، فإنه من مات بها كنت له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة ".
ولهذا سأل عمر ﵁ ربه أن يموت في المدينة.
فقد روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سيبلك واجعل موتي في حرم رسولك ﷺ .
تم بعون الله تعالى المجلد الاول ويليه المجلد الثاني محتويا على:
الزواج وأحكامه الولاية على الزواج والمهر والنفقة الطلاق وأحكامه الحدود وأحكامها الجنايات (القصاص والديات)
نسأل الله أن يتقبله وينفع به آمين
стр. 758
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
قرآن كريم.
стр. 759
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الاولين والاخرين، سيدنا محمد وعلى آله ومن
اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو المجلد الثاني من كتاب فقه السنة، نقدمه للقراء الكرام، سائلين الله سبحانه أن ينفع به وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
السيد سابق
стр. 760
الزواج
الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي عامة مطردة، لا يشذ عنها عالم الانسان، أو عالم الحيوان أو عالم النبات: (من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) .
(سبحان الذي خلق الازواج كلها، مما تنبت الارض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون) .
وهي الاسلوب الي اختاره الله للتوالد والتكاثر، واستمرار الحياة، بعد أن أعد كلا الزوجين وهيأهما.
بحيث يقوم كل منهما بدور إيجابي في تحقيق هذه الغاية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) .
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) .
ولم يشأ الله أن يجعل الانسان كغيره من العوالم، فيدع غرائزه تنطلق دون وعي، ويترك اتصال الذكر بالانثى فوضى لا ضابط له.
بل وضع النظام الملائم لسيادته، والذي من شأنه أن يحفظ شرفه، ويصون كرامته.
فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالا كريما، مبنيا على رضاهما.
وعلى إيجاب وقبول، كمظهرين لهذا الرضا.
وعلى إشهاد، على أن كلا منهما قد أصبح للاخر.
وبهذا وضع للغريزة سبيلها المأمونة، وحمى النسل من الضياع، وصان المرأة عن أن تكون كلاء مباحا لكل راتع.
ووضع نواة الاسرة التي تحوطها غريزة الامومة وترعاها عاطفة الابوة.
فتنبت نباتا حسنا، وتثمر ثمارها اليانعة.
стр. 761
وهذا النظام هو الذي ارتضاه الله، وأبقى عليه الاسلام، وهدم كل ما عداه.
الانكحة التي هدمها الاسلام فمن ذلك: نكاح الخدن: كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به وما ظهر فهو لؤم.
وهو المذكور في قول الله تعالى: (ولا متخذات أخدان) .
ومنها: نكاح البدل: وهو أن يقول الرجل للرجل: أنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك.
رواه الدارقطني عن أبي هريرة بسند ضعيف جدا.
وذكرت عائشة غير هذين النوعين فقالت: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء (١) : (١) نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.
(٢) ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها (٢) ،
أرسلي إلى فلان فاستضعي منه (٣) ، ويعتزلها زوجها حتى يتبين حملها.
فإذا تبين، أصاب إذا أحب.
وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد.
ويسمى هذا النكاح الاستبضاع.
(٣) ونكاح آخر: يجتمع الرهط (ما دون العشرة) على المرأة فيدخلون، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم ما كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
стр. 762
(٤) ونكاح رابع: يجتمع ناس كثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا (١) - ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن.
فإذا حملت إحداهن ووضعت، جمعوا لها، ودعوا لهم القافة (٢) ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به (٣) ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك.
فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم.
وهذا النظام الذي أبقى عليه الاسلام، لا يتحقق إلا بتحقق أركانه من الايجاب والقبول، وبشرط الاشهاد.
وبهذا يتم العقد الذي يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالاخر على الوجه
الذي شرعه الله.
وبه تثبت الحقوق والواجبات التي تلزم كلا منها.
الترغيب في الزواج:
وقد رغب الاسلام في الزواج بصور متعددة الترغيب. فتارة يذكر أنه من سنن الانبياء وهدى المرسلين.
وأنهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهداهم: (ولقد أرسلنا مرسلا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجا وذرية) .
وفي حديث الترمذي عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع من سنن المرسلين: الحناء (٤) ، والتعطر، والسواك، والنكاح) .
стр. 763
وتارة يذكر في معرض الامتنان: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات) .
وأحيانا يتحدث عن كونه آية من آيات الله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون) .
وقد يتردد المرء في قبول الزواج، فيحجم عنه خوفا من الاضطلاع
بتكاليفه، وهروبا من احتمال أعبائه.
فيلفت الاسلام نظره إلى أن الله سيجعل الزواج سبيلا إلى الغنى، وأنه سيحمل عنه هذه الاعباء ويمده بالقوة التي تجعله قادرا على التغلب على أسباب الفقر: (وأنكحوا الأيامى (١) منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم (٢) ، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم) وفي حديث الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الاداء، والناكح الذي يريد العفاف) .
والمرأة خير كنز يضاف إلى رصيد الرجل.
روى الترمذي وابن ماجه عن ثوبان ﵁، قال لما نزلت: (والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) .
قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: (لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) .
стр. 764
وروى الطبري بسند جيد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من أصابهن فقد أعطي خير الدنيا والاخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها وماله) .
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (الدنا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) .
وقد يخيل للانسان في لحظة من لحظات يقظته الروحية، أن يتبتل وينقطع عن كل شأن من شؤون الدنيا، فيقوم الليل، ويصوم النهار، ويعتزل النساء، ويسير في طريق الرهبانية المنافية لطبيعة الانسان.
فيعلمه الاسلام أن ذلك مناف لفطرته، ومغاير لدينه، وأن سيد الانبياء - وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له - كان يصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء.
وأن من حاول الخروج عن هديه فليس له شرف الانتساب إليه.
روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا - كأنهم تقالوها (١) - فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟.
أما والله إني لاخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
والزوجة الصالحة فيض من السعادة يغمبر البيت ويملؤه سرورا وبهجة وإشراقا.
стр. 765
فعن أبي أمامة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (ما استفاد المؤمن - بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة: إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله) .
رواه ابن ماجه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء) .
رواه أحمد بسند صحيح.
ورواه الطبراني، والبزاز، والحاكم وصححه، وقد جاء تفسير هذا الحديث في حديث آخر رواه الحاكم: أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة من السعادة: المرأة الصالحة، تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة (١) تلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق، وثلاث من الشقاء: المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفا (٢) فان ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق) .
والزواج عبادة يستكمل الانسان بها نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء.
فعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي) .
رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الاسناد.
وعنه ﷺ قال: (من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر) .
رواه ابن ماجه وفيه ضعف.
стр. 766
قال ابن مسعود: (لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها، ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة) .
حكمة الزواج:
وإنما رغب الاسلام في الزواج على هذا النحو، وحبب فيه لما يترتب عليه من آثار نافعة على الفرد نفسه، وعلى الامة جميعا، وعلى النوع الانساني عامة:
١ - فإن الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز وأعنفها، وهي تلح على صاحبها دائما في إيجاد مجال لها، فما لم يكن ثمة ما يشبعها، انتاب الانسان الكثير من القلق والاضطراب، ونزعت به إلى شر منزع.
والزواج هو أحسن وضع طبيعي، وأنسب مجال حيوي لارواء الغريزة وإشباعها.
فيهدأ البدن من الاضطراب، وتسكن النفس من الصراع، ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام، وتطمئن العاطفة إلى ما أحل الله.
وهذا هو ما أشارت إليه الاية الكريمة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، أن في ذلك لايات لقوم يتفكرون) .
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه) .
رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
٢ - والزواج هو أحسن وسيلة لانجاب الاولاد وتكثير النسل، واستمرار الحياة مع المحافظة على الانساب التي يوليها الاسلام عناية فائقة، وقد تقدم قول رسول الله ﷺ : (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الانبياء يوم القيامة) .
وفي كثرة النسل من المصالح العامة والمنافع الخاصة، ما جعل الامم تحرص أشد الحرص على تكثير سواد أفرادها بإعطاء المكافات التشجيعية لمن كثر نسله
стр. 767
وزاد عدد أبنائه، وقديما قيل: إنما العزة للكاثر. ولا تزال هذه حقيقة قائمة لم يطرأ عليها ما ينقضها.
دخل الاحنف بن قيس على معاوية - ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا به - فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وان استعتبوك (١) فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك (٢) فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك. فقال: لله درك يا أبا بحر، هم كما وصفت (٣) .
٣ - ثم أن غريزة الابوة والامومة تنمو وتتكامل في ظلال الطفولة، وتنمو مشاعر العطف والود والحنان، وهي فضائل لا تكمل إنسانية إنسان بدونها.
٤ - الشعور بتبعة الزواج، ورعاية الاولاد يبعث على النشاط وبذل الوسع في تقوية ملكات الفرد ومواهبه.
فينطلق إلى العمل من أجل النهوض بأعبائه،
والقيام بواجبه.
فيكثر الاستغلال وأسباب الاستثمار مما يزيد في تنمية الثروة وكثرة الانتاج، ويدفع إلى استخراج خيرات الله من الكون وما أودع فيه من أشياء ومنافع للناس.
٥ - توزيع الاعمال توزيعا ينتظم به شأن البيت من جهة، كما ينتظم به العمل خارجه من جهة أخ رى، مع تحديد مسؤولية كل من الرجل والمرأة فيما يناط به من أعمال.
فالمرأة تقوم على رعاية البيت وتدبير المنزل، وتربية الاولاد، وتهيئة الجو الصالح للرجل ليستريح فيه ويجد ما يذهب بعنائه، ويجدد نشاطه، بينما يسعى الرجل وينهض بالكسب، وما يحتاج إليه البيت من مال ونفقات.
وبهذا التوزيع العادل يؤدي كل منهما وظائفه الطبيعية على الوجه الذي
стр. 768
يرضاه الله ويحمده الناس، ويثمر الثمار المباركة.
٦ - على أن ما يثمره الزواج من ترابط الاسر، وتقوية أواصر المحبة بين العائلات، وتوكيد الصلات الاجتماعية مما يباركه الاسلام ويعضده ويسانده.
فإن المجتمع المترابط المتحاب هو المجتمع القوي السعيد.
٧ - جاء في تقرير هيئة الامم المتحدة الذي نشرته صحيفة الشعب الصادرة يوم السبت ٦ / ٦ / ١٩٥٩ م أن المتزوجين يعيشون مدة أطول مما يعيشها غير المتزوجين سواء كان غير المتزوجين أرامل أم مطلقين أم عزابا من الجنسين.
وقال التقرير: إن الناس بدءوا يتزوجون في سن أصغر في جميع أنحاء
العالم، وان عمر المتزوجين أكثر طولا.
وقد بنت الامم المتحدة تقريرها على أساس أبحاث وإحصائيات تمت في جميع أنحاء العالم خلال عام ١٩٥٨ بأكمله، وبناء على هذه الاحصاءات قال التقرير: انه من المؤكد أن معدل الوفاة بين المتزوجين - من الجنسين - أقل من معدل الوفاة بين غير المتزوجين، وذلك في مختلف الاعمار.
واستطرد التقرير قائلا: وبناء على ذلك فإنه يمكن القول بأن الزواج شئ مفيد صحيا للرجل والمرأة على السواء.
حتى ان أخطار الحمل والولادة قد تضاءلت فأصبحت لا تشكل خطرا على حياة الامم.
وقال التقرير: إن متوسط سن الزواج في العالم كله اليوم هو ٢٤ للمرأة و ٢٧ للرجل.
وهو سن أقل من متوسط سن الزواج منذ سنوات.
حكم الزواج (١) :
الزواج الواجب: يجب الزواج على من قدر عليه وتاقت نفسه إليه وخشي العنت (٢) .
لان صيانة النفس وإعفافها عن الحرام واجب، ولا يتم ذلك إلا بالزواج.
стр. 769
قال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عن ذلك إلا بالتزوج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه.
فإن قلت نفسه إليه وعجز عن الانفاق على الزوجة فانه يسعه قول الله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) .
وليكثر من الصيام، لما رواه الجماعة عن ابن مسعود ﵁: ان رسول الله ﷺ قال: (يا معشر (١) الشباب، من استطاع منكم الباءة (٢) فليتزوج، فإنه (٣) أغض للبصر. وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) (٤) .
من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه. فليتزوج. ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء.
الزواج المستحب:
أما من كان تائقا له وقادرا عليه ولكنه يأمن على نفسه من اقتراف ما حرم الله عليه الزواج يستحب له، ويكون أولى من التخلي للعبادة، فإن الرهبانية ليست من الاسلام في شئ.
روى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة) (٥) .
وروى البيهقي من حديث أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الامم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى) (٦) .
وقال عمر لابي الزوائد: إنما يمنعك من التزوج عجز أو فجور.
стр. 770
وقال ابن عباس: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج.
الزواج الحرام: ويحرم في حق من يخل بالزوجة في الوطء والانفاق، مع عدم قدرته عليه وتوقانه إليه.
قال الطبري: فمتى علم الزواج أنه يعجز عن نفقة زوجته، أو صداقها أو شئ من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها.
وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبين كيلا يغر المرأة من نفسه.
وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها.
وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع، من جنون، أو جذام، أو برص، أو داء في الفرج، لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبين له ما بها في ذلك.
كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب.
ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد.
فإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق.
وقد روي أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها (١) برصا فردها وقال: (دلستم علي) .
واختلف الرواية عن مالك في امرأة العنين (٢) إذا أسلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة فقال مرة: لها جميع الصداق.
وقال مرة: لها نصف الصداق.
وهذا ينبني على اختلاف قوله.
بم تستحق الصداق؟ بالتسليم أو بالدخول؟ قولان (٣) .
стр. 771
الزواج المكروه:
ويكره في حق من يخل بالزوجة في الوطء والانفاق، حيث لا يقع ضرر بالمرأة، بأن كانت غنية وليس لها رغبة قوية في الوطء.
فان انقطع بذلك عن شئ من الطاعات أو الاشتغال بالعلم اشتدت الكراهة.
الزواج المباح:
ويباح فيما إذا انتفت الدواعي والموانع.
النهي عن التبتل (١) للقادر على الزواج:
١ - عن ابن عباس: أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ العزوبة فقال: ألا أختصي؟ فقال: (ليس لنا من خصى أو اختصى) . رواه الطبراني.
٢ - وقال سعد بن أبي وقاص: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
رواه البخاري.
أي لو أذن له بالتبتل لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الامر إلى الاختصاء.
قال الطبري: التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء والطيب وكل ما يتلذذ به فلهذا أنزل في حقه: (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين) .
تقديم الزواج على الحج:
وان احتاج الانسان إلى الزواج وخشي العنت بتركه، قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدم الحج عليه.
وكذلك فروض الكفاية - كالعلم والجهاد - تقدم على الزواج إن لم يخش العنت.
стр. 772
الاعراض عن الزوجة وسببه تبين مما تقدم أن الزواج ضرورة لا غنى عنها، وأنه لا يمنع منه إلا العجز أو الفجور كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁، وأن الرهبانية ليست من الاسلام في شئ، وأن الاعراص عن الزواج يفوت على الانسان كثيرا من المنافع والمزايا.
وكان هذا كافيا في دفع الجماعة المسلمة إلى العمل على تهيئة أسباب وتيسير وسائله حتى ينعم به الرجال والنساء على السواء.
ولكن على العكس من ذلك.
خرج كثير من الاسر عن سماحة الاسلام وسمو تعاليمه، فعقدوا الزواج ووضعوا العقبات في طريقه، وخلقوا بذلك التعقيد أزمة تعرض بسببها الرجال والنساء لالام العزوبة وتباريحها، والاستجابة إلى العلاقات الطائشة والصلات الخليعة.
وظاهرة أزمة الزواج لا تبدو في مجتمع القرية كما تبدو في مجتمع المدينة.
إذ أن القرية لا تزال الحياة فيها بعيدة عن الاسراف وأسباب التعقيد، - إذا استثنينا بعض الاسر الغنية - بينما تبدو الحياة في المدينة معقدة كل التعقيد.
ومعظم أسباب هذه الازمة ترجع إلى التغالي في المهور (١) وكثرة النفقات التي ترهق الزوج ويعيابها. هـ
ذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان تبذل المرأة وخروجها بهذه الصورة المثيرة، ألقى الريبة والشك في مسلكها، وجعل الرجل حذرا في اختيار شريكة حياته.
بل ان بعض الناس أضرب عن الزواج، إذ لم يجد المرأة التي تصلح - في نظره - للقيام بأعباء الحياة الزوجية.
ولابد من العودة إلى تعاليم الاسلام فيما يتصل بتربية المراة وتنشئتها على الفضيلة والعفاف والاحتشام وترك التغالي في المهر وتكاليف الزوج.
стр. 773
اختيار الزوجة:
الزوجة سكن للزوج، وحرث له، وهي شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده، ومهوى فؤاده، وموضع سره ونجواه.
وهي أهم ركن من أركان الاسرة، إذ هي المنجبة للاولاد، وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته، ويتعرف دينه، ويتعود السلوك الاجتماعي.
من أج ل هذا عني الاسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه.
وليس الصلاح إلا المحافظة على الدين، والتمسك بالفضائل، ورعاية حق الزوج، وحماية الابناء، فهذا هو الذي ينبغي مراعاته.
وأما ما عدا ذلك من مظاهر الدنيا، فهو ما حظره الاسلام ونهى عنه إذا
كان مجردا من معاني الخير والفضل والصلاح.
وكثيرا ما يتطلع الناس إلى المال الكثير، أو الجمال الفاتن، أو الجاه العريض، أو النسب، أو إلى ما بعد من شرف الاباء، غير ملاحظين كمال النفوس وحسن التربية. فتكون ثمرة الزواج مرة، وتنتهي بنتائج ضارة.
لهذا يحذر الرسول ﷺ من التزوج على هذا النحو، فيقول ٠ إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) (١) .
ويقول: (لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لاموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ولامة خرماء (٢) ذات دين أفضل) (٣)
стр. 774
ويخبر أن الذي يريد الزواج مبتغيا به غير ما يقصد منه من تكوين الاسرة ورعاية شؤونها، فانه يعامل بنقيض مقصوده، فيقول: (من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره، ويحصن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه) . رواه ابن حبان في الضعفاء.
والقصد من هذا الخطر ألا يكون القصد الاول من لازواج هو هذا الاتجاه
نحو هذه الغايات الدنيا، فإنها لا ترفع من شأن صاحبها ولا تسمو به، بل الواجب أن يكون الدين متوفرا أولا، فان الدين هداية العقل والضمير.
ثم تأتي بعد ذلك الصفات التي يرغب فيها الانسان بطبعه، وتميل إليها نفسه.
يقول الرسول ﷺ : (تنكح المرأة لاربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) (١) .
رواه البخاري ومسلم.
ويضع تحديدا للمرأة الصالحة، وأنها الجميلة المطيعة البارة الامينة، فيقول: (خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) .
رواه النسائي وغيره بسند صحيح.
ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة المخطوبة أن تكون من بيئة كريمة معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الاعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية، فانها أجدر أن تكون حانية على ولدها، راعية لحق زوجها.
خطب رسول الله ﷺ (أم هانئ) فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد، فقال، (خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه (٢) على ولد في صغره. وأرعاه (٣) على زوج في ذات يده) (٤) .
стр. 775
وطبيعة الاصل الكريم أن يتفرع عنه مثله، يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: (الناس معدن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا) .
وهل ينتج الحطي إلا وشيجة - ويغرس إلا في منابته النخل خطب رجل امرأة لا يدانيها في شرفها فأنشدت: بكى الحسب الزاكي بعين غزيرة - من الحسب المنقوص أن يجمعا معا ومن مقاصد الزواج الاولى إنجاب الاولاد، فينبغي أن تكون الزوجة منجبة، ويعرف ذلك بسلامة بدنها، وبقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها.
خطب رجل امرأة عقيما لا تلد، فقال: يا رسول الله، إني خطبت امرأة ذات حسب، وجمال وانها لا تلد، فنهاه رسول الله ﷺ ، وقال: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة) .
والودود هي المرأة التي تتودد إلى زوجها وتتحبب إليه، وتبذل طاقاتها في مرضاته.
والانسان بطبيعته يعشق الجمال ويهواه، ويشعر دائما في قراره نفسه بأنه فاقد لشئ من ذاته إذا كان الشئ الجميل بعيدا عنه.
فإذا أحرزه واستولى عليه شعر بسكن نفسي، وارتواء عاطفي وسعادة، ولهذا لم يسقط الاسلام الجمال من حسابه عند اختيار الزوجة، ففي الحديث الصحيح: (إن الله جميل يحب الجمال) .
وخطب المغيرة بن شعبة امرأة، فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال له: (إذهب فانظروا إليها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما) .
أي تدوم بينكما المودة والعشرد.
ونصح الرسول رجلا خطب امرأة من الانصار وقال له: (انظر إليها فان في أعين الانصار شيئا) .