← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الزواج المكروه: ويكره في حق من يخل بالزوجة في الوطء والانفاق، حيث لا يقع ضرر بالمرأة، بأن كانت غنية وليس لها رغبة قوية في الوطء. فان انقطع بذلك عن شئ من الطاعات أو الاشتغال بالعلم اشتدت الكراهة. الزواج المباح: ويباح فيما إذا انتفت الدواعي والموانع. النهي عن التبتل (١) للقادر على الزواج: ١ - عن ابن عباس: أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ العزوبة فقال: ألا أختصي؟ فقال: (ليس لنا من خصى أو اختصى) . رواه الطبراني. ٢ - وقال سعد بن أبي وقاص: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا. رواه البخاري. أي لو أذن له بالتبتل لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الامر إلى الاختصاء. قال الطبري: التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء والطيب وكل ما يتلذذ به فلهذا أنزل في حقه: (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين) . تقديم الزواج على الحج: وان احتاج الانسان إلى الزواج وخشي العنت بتركه، قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدم الحج عليه. وكذلك فروض الكفاية - كالعلم والجهاد - تقدم على الزواج إن لم يخش العنت.

стр. 772

الاعراض عن الزوجة وسببه تبين مما تقدم أن الزواج ضرورة لا غنى عنها، وأنه لا يمنع منه إلا العجز أو الفجور كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁، وأن الرهبانية ليست من الاسلام في شئ، وأن الاعراص عن الزواج يفوت على الانسان كثيرا من المنافع والمزايا. وكان هذا كافيا في دفع الجماعة المسلمة إلى العمل على تهيئة أسباب وتيسير وسائله حتى ينعم به الرجال والنساء على السواء. ولكن على العكس من ذلك. خرج كثير من الاسر عن سماحة الاسلام وسمو تعاليمه، فعقدوا الزواج ووضعوا العقبات في طريقه، وخلقوا بذلك التعقيد أزمة تعرض بسببها الرجال والنساء لالام العزوبة وتباريحها، والاستجابة إلى العلاقات الطائشة والصلات الخليعة. وظاهرة أزمة الزواج لا تبدو في مجتمع القرية كما تبدو في مجتمع المدينة. إذ أن القرية لا تزال الحياة فيها بعيدة عن الاسراف وأسباب التعقيد، - إذا استثنينا بعض الاسر الغنية - بينما تبدو الحياة في المدينة معقدة كل التعقيد. ومعظم أسباب هذه الازمة ترجع إلى التغالي في المهور (١) وكثرة النفقات التي ترهق الزوج ويعيابها. هـ ذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان تبذل المرأة وخروجها بهذه الصورة المثيرة، ألقى الريبة والشك في مسلكها، وجعل الرجل حذرا في اختيار شريكة حياته. بل ان بعض الناس أضرب عن الزواج، إذ لم يجد المرأة التي تصلح - في نظره - للقيام بأعباء الحياة الزوجية. ولابد من العودة إلى تعاليم الاسلام فيما يتصل بتربية المراة وتنشئتها على الفضيلة والعفاف والاحتشام وترك التغالي في المهر وتكاليف الزوج.

стр. 773

اختيار الزوجة: الزوجة سكن للزوج، وحرث له، وهي شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده، ومهوى فؤاده، وموضع سره ونجواه. وهي أهم ركن من أركان الاسرة، إذ هي المنجبة للاولاد، وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته، ويتعرف دينه، ويتعود السلوك الاجتماعي. من أج ل هذا عني الاسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه. وليس الصلاح إلا المحافظة على الدين، والتمسك بالفضائل، ورعاية حق الزوج، وحماية الابناء، فهذا هو الذي ينبغي مراعاته. وأما ما عدا ذلك من مظاهر الدنيا، فهو ما حظره الاسلام ونهى عنه إذا كان مجردا من معاني الخير والفضل والصلاح. وكثيرا ما يتطلع الناس إلى المال الكثير، أو الجمال الفاتن، أو الجاه العريض، أو النسب، أو إلى ما بعد من شرف الاباء، غير ملاحظين كمال النفوس وحسن التربية. فتكون ثمرة الزواج مرة، وتنتهي بنتائج ضارة. لهذا يحذر الرسول ﷺ من التزوج على هذا النحو، فيقول ٠ إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) (١) . ويقول: (لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لاموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ولامة خرماء (٢) ذات دين أفضل) (٣)

стр. 774

ويخبر أن الذي يريد الزواج مبتغيا به غير ما يقصد منه من تكوين الاسرة ورعاية شؤونها، فانه يعامل بنقيض مقصوده، فيقول: (من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره، ويحصن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه) . رواه ابن حبان في الضعفاء. والقصد من هذا الخطر ألا يكون القصد الاول من لازواج هو هذا الاتجاه نحو هذه الغايات الدنيا، فإنها لا ترفع من شأن صاحبها ولا تسمو به، بل الواجب أن يكون الدين متوفرا أولا، فان الدين هداية العقل والضمير. ثم تأتي بعد ذلك الصفات التي يرغب فيها الانسان بطبعه، وتميل إليها نفسه. يقول الرسول ﷺ : (تنكح المرأة لاربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) (١) . رواه البخاري ومسلم. ويضع تحديدا للمرأة الصالحة، وأنها الجميلة المطيعة البارة الامينة، فيقول: (خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) . رواه النسائي وغيره بسند صحيح. ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة المخطوبة أن تكون من بيئة كريمة معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الاعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية، فانها أجدر أن تكون حانية على ولدها، راعية لحق زوجها. خطب رسول الله ﷺ (أم هانئ) فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد، فقال، (خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه (٢) على ولد في صغره. وأرعاه (٣) على زوج في ذات يده) (٤) .

стр. 775

وطبيعة الاصل الكريم أن يتفرع عنه مثله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الناس معدن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا) . وهل ينتج الحطي إلا وشيجة - ويغرس إلا في منابته النخل خطب رجل امرأة لا يدانيها في شرفها فأنشدت: بكى الحسب الزاكي بعين غزيرة - من الحسب المنقوص أن يجمعا معا ومن مقاصد الزواج الاولى إنجاب الاولاد، فينبغي أن تكون الزوجة منجبة، ويعرف ذلك بسلامة بدنها، وبقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها. خطب رجل امرأة عقيما لا تلد، فقال: يا رسول الله، إني خطبت امرأة ذات حسب، وجمال وانها لا تلد، فنهاه رسول الله ﷺ ، وقال: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة) . والودود هي المرأة التي تتودد إلى زوجها وتتحبب إليه، وتبذل طاقاتها في مرضاته. والانسان بطبيعته يعشق الجمال ويهواه، ويشعر دائما في قراره نفسه بأنه فاقد لشئ من ذاته إذا كان الشئ الجميل بعيدا عنه. فإذا أحرزه واستولى عليه شعر بسكن نفسي، وارتواء عاطفي وسعادة، ولهذا لم يسقط الاسلام الجمال من حسابه عند اختيار الزوجة، ففي الحديث الصحيح: (إن الله جميل يحب الجمال) . وخطب المغيرة بن شعبة امرأة، فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال له: (إذهب فانظروا إليها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما) . أي تدوم بينكما المودة والعشرد. ونصح الرسول رجلا خطب امرأة من الانصار وقال له: (انظر إليها فان في أعين الانصار شيئا) .

стр. 776

وكان جابر بن عبد الله يختبئ لمن يريد التزوج بها، ليتمكن من رؤيتها، والنظر إلى ما يدعوه إلى الاقتران بها. وكان رسول الله ﷺ يرسل بعض النسوة ليتعرفن بعض ما يخفى من العيوب، فيقول لها: (شمي فمها، شمي إبطيها، انظري إلى عرقوبيها) . ويستحسن أن تكون الزوجة بكرا، فإن البكر ساذجة لم يسبق لها عهد بالرجال، فيكون التزويج بها أدعى إلى تقوية عقدة النكاح، ويكون حبها لزوجها ألصق بقلبها (فما الحب إلا للحبيب الاول) . ولما تزوج جابر بن عبد الله ثيبا قال له رسول الله ﷺ : (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟) ، فأخبر رسول الله ﷺ بأن أباه قد ترك بنات صغارا، وهن في حاجة إلى رعاية امرأة تقوم على شؤونهن، وأن الثيب أقدر على هذه الرعاية من البكر التي لم تدرب على تدبير المنزل. ومما ينبغي ملاحظته أن يكون ثمة تقارب بين الزوج والزوجة من حيث السن والمركز الاجتماعي، والمستوى الثقافي والاقتصادي، فإن التقارب في هذه النواحي مما يعين على دوام العشرة، وبقاء الالفة. وقد خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال: (إنها صغيرة) . فلما خطبها علي زوجها إياه. هذه بعض المعاني التي أرشد الاسلام إليها، ليتخذها مريدو الزواج نبراسا يستضيئون به، ويسيرون على هداه. لو أننا لاحظنا هذه المعاني عند اختيارنا للزوجة لامكن أن نجعل من بيوتنا جنة ينعم فيها الصغير، ويسعد بها الزوج، وتعد للحياة أبناء صالحين، تحيا بهم أممهم حياة طيبة كريمة.

стр. 777

اختيار الزوج: وعلى الولي أن يختار لكريمته، فلا يزوجها إلا لمن له دين وخلق وشرف وحسن سمت، فان عاشرها عاشرها بمعروف، وإن سرحها سرحها بإحسان. قال الامام الغزالي في الاحياء: والاحتياط في حقها أهم، لانها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال. ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر، فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من الرحم وسوء الاختيار. قال رجل للحسن بن علي: إن لي بنتا، فمن ترى أن أزوجها له؟ قال: زوجها لمن يتقي الله، فان أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. وقالت عائشة: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته. وقال ﷺ : ٠ من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها) . رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس، ورواه في الثقات من قول الشعبي باسناد صحيح. قال ابن تيمية: ومن كان مصرا على الفسوق لا ينبغي أن يزوج. الخطبة: الخطبة: فعلة كقعدة وجلسة، يقال: خطب المرأة يخطبها خطبا وخطبة، أي طلبها للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، ورجل خطاب: كثير التصرف في الخطبة، والخطيب، والخاطب، والخطب، الذي يخطب المرأة، وهي خطبه وخطبته. وخطب يخطب، قال كلاما يعظ به، أو يمدح غيره ونحو ذلك. والخطبة من مقدمات الزواج. وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية ليعرف كل من الزوجين صاحبه، ويكون الاقدام على الزواج على هدى وبصيرة.

стр. 778

من تباح خطبتها: لا تباح خطبة امرأة إلا إذا توافر فيها شرطان: (الاول) أن تكون خالية من الموانع الشرعية التي تمنع زواجه منها في الحال. (الثاني) ألا يسبقه غيره إليها بخطبة شرعية. فإن كانت ثمة موانع شرعية، كأن تكون محرمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة، أو كان غيره سبقه بخطبتها، فلا يباح له خطبتها. خطبة معتدة الغير: تحرم خطبة المعتدة. سواء أكانت عدتها عدة وفاة أم عدة طلاق، وسواء أكان الطلاق طلاقا رجعيا أم بائنا. فإن كانت معتدة من طلاق رجعي حرمت خطبتها، لانها لم تخرج عن عصمة زوجها. وله مراجعتها في أي وقت شاء. وإن كانت معتدة من طلاق بائن حرمت خطبتها بطريق التصريح، إذ حق الزوج لا يزال متعلقا بها، وله حق إعادتها بعقد جديد. ففي تقدم رجل آخر لخطبتها اعتداء عليه. واختلف العلماء في التعريض بخطبتها، والصحيح جوازه. وإن كانت معتدة من وفاة فانه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح، لان صلة الزوجيد قد انقطعت بالوفاة، فلم يبق للزوج حتى يتعلق بزوجته التي مات عنها. وإنما حرمت خطبتها بطريق التصريح، رعاية لحزن الزوجة وإحدادها من جانب، ومحافظة على شعور أهل الميت وورثته من جانب آخر. يقول الله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم، علم الله أنكم ستذكرونهن، ولكن لا تواعدوهن سرا، إلا أن تقولوا قولا معروفا، ولا

стр. 779

تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. والمراد بالنساء، المعتدات لوفاة أزواجهن، لان الكلام في هذا السياق. ومعنى التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به علي شئ لم يذكره. مثل أن يقول: (إني أريد التزوج) و (لوددت أن ييسر الله لي امرأة صالحة) ، أو يقول: (إن الله لسائق لك خيرا) . والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض. وجائز أن يمدح نفسه، ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين. قالت سكينة بنت حنظلة: استأذن علي بن محمد علي ولم تنقض عدتي من مهلك (١) زوجي ز فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ ، وقرابتي من علي، وموضعي في العرب. قلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، إنك رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي؟ قال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومن علي. وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة (٢) من أبي سلمة، فقال: (لقد علمت أني رسول الله وخيرته، وموضعي في قومي) . وكانت تلك خطبة. رواه الدارقطني (٣) . وخلاصة الاراء أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للبائن وللمعتدة من الوفاة، وحرام في المعتدة من طلاق رجعي. وإذا صرح بالخطبة في العدة ولكن لم يعقد عليها إلا بعد انقضاء عدتها فقد اختلف العلماء في ذلك. قال مالك: يفارقها، دخل بها أم لم يدخل.

стр. 780

وقال الشافعي: صح العقد وان ارتكب النهي الصريح المذكور لاختلاف لجهة. واتفقوا على أنه يفرق بينهما لو وقع العقد في العدة ودخل بها. وهل تحل له بعد أم لا؟ قال مالك، والليث، والاوزاعي: لا يحل له زواجها بعد. وقال جمهور العلماء: بل يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء. الخطبة على الخطبة: يحرم على الرجل أن يخطب على خطبة أخيه، لما في ذلك من اعتداء على حق الخاطب الاول وإساءة إليه، وقد ينجم عن هذا التصرف الشقاق بين الاسر، والاعتداء الذي يروع الامنين. فعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه (١) حتى يذر (٢)) . رواه أحمد ومسلم. ومحل التحريم ما إذا صرحت المخطوبة بالاجابة، وصرح وليها الذي أذنت له، حيث يكون إذنه معتبرا. وتجوز الخطبة وقع التصريح بالرد، أو وقعت الاجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك. أو لم يعلم الثاني بخطبة الاول، أو لم تقبل وترفض، أو أذن الخاطب الاول للثاني. وحكى الترمذي عن الشافعي في معنى الحديث: إذا خطب المرأة فرضيت به وركنت إليه؟ فليس لاحد أن يخطب على خطبته. فإذا لم يعلم برضاها ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها.

стр. 781

وإذا خطبها الثاني بعد إجابة الاول وعقد عليها أثم والعقد صحيح لان النهي عن الخطبة، وليست شرطا في صحة الزواج، فلا يفسخ بوقوعها غير صحيحة. وقال داود: إذا تزوجها الخاطب الثاني فسخ العقد قبل الدخول وبعده. النظر إلى المخطوبة: مما يرطب الحياة الزوجية ويجعلها محفوفة بالسعادة محوطة بالهناء، أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل الخطبة ليعرف جمالها الذي يدعوه إلى الاقدام على الاقتران بها، أؤ قبحها الذي يصرف عنها إلى غيرها. والحازم لا يدخل مدخلا حتى يعرف خيره من شره قبل الخول فيه، قال الاعمش: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم. وهذا النظر ندب إليه الشرع، ورغب فيه: ١ - فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة، فان استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل) . قال جابر: فخطبت امرأة من بني سلمة، فكنت أختبئ لها (١) حتى رأيت منها بعض ما دعاني إليها. رواه أبو داود. ٢ - وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب امرأة، فقال له رسول الله ﷺ : (أنظرت إليها؟) قال: لا، قال: (أنظر إليها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما) ، أي أجدر أن يدوم الوفاق بينكما. رواه النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلا خطب امرأة من الانصار، فقال له رسول الله ﷺ : (أنظرت إليها) ؟ قال: لا، قال: (فاذهب فانظر إليها، فان في أعين الانصار شيئا) (٢) .

стр. 782

المواضع التي ينظر إليها: ذهب الجمهور من العلماء إلى أن الرجل ينظر إلى الوجه والكفين لا غير، لانه يستدل بالنظر إلى الوجه على الجمال أو الدمامة، وإلى الكفين على خصوبة البدن أو عدمها. وقال داود: ينظر إلى جميع البدن. وقال الاوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. والاحاديث لم تعين مواضع النظر، بل أطلقت لينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه (١) . والدليل على ذلك ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور: أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقال: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل إليها، فكشف عن ساقها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك. وإذا نظر إليها ولم تعجبه فليسكت ولا يقل شيئا، حتى لا تتأذى بما يذكر عنها، ولعل الذي لا يعجبه منها قد يعجب غيره. نظر المرأة إلى الرجل: وليس هذا الحكم مقصورا على الرجل، بل هو ثابت للمرأة أيضا. فلها أن تنظر إلى خاطبها فانه يعجبها منه مثل ما يعجبه منها. قال عمر: لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم، فانه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن. التعرف على الصفات: هذا بالنسبة للنظر الذي عرف به الجمال من القبح، وأما بقية الصفات الخلقية فتعرف بالوصف والاستيصاف، والتحري ممن خالطوهما بالمعاشرة أو الجوار، أو بواسطة بعض أفراد ممن هم موضع ثقته من الاقرباء كالام، والاخت.

стр. 783

وقد بعث النبي ﷺ أم سليم إلى امرأة فقال: (انظري إلى عرقوبها وشمي معاطفها) (١) وفي رواية (شمي عوارضها) (٢) رواه أحمد والحاكم والطبراني والبيهقي. قال الغزالي في الاحياء: ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق، خبير بالظاهر والباطن. ولا يميل إليها فيفرط في الثناء، ولا يحسدها فيقصر، فالطباع مائلة في مبادئ الزواج، ووصف المزوجات إلى الافراط أو التفريط. وقل من يصدق فيه ويقتصد، بل الخداع والاغراء أغلب. والاحتياط فيه مهم لمن يخشى على نفسه التشوف إلى غير زوجته. حظر الخلوة بالمخطوبة: يحرم الخلو بالمخطوبة، لانها محرمة على الخاطب حتى يعقد عليها. ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقيت على التحريم، ولانه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة ما نهى الله عنه. فإذا وجد محرم جازت الخلوة، لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فان ثالثهما الشيطان) . وعن عامر بن ربيعة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فان ثالثهما الشيطان إلا محرم) . رواهما أحمد. خطر التهاون في الخلوة وضرره: درج كثير من الناس على التهاون في هذا الشأن، فأباح لابنته أو قريبته.

стр. 784

أن تخالط خطيبها وتخلو معه دون رقابة، وتذهب معه حيث يريد من غير إشراف. وقد نتج عن ذلك أن تعرضت المرأة لضياع شرفها وفساد فعافها وإهدار كرامتها. وقد لا يتم الزواج فتكون قد أضافت إلى ذلك فوات الزواج منها. وعلى النقيض من ذلك طائفة جامدة لا تسمح للخاطب أن يرى بناتها عند الخطبة، وتأبى إلا أن يرضى بها، ويعقد عليها دون أن يراها أو تراه إلا ليلة الزفاف. وقد تكون الرؤية مفاجئة لهما غير متوقعة، فيحدث ما لم يكن مقدرا من الشقاق والفراق. وبعض الناس يكتفي بعرض الصورة الشمسية، وهي في الواقع لا تدل على شئ يمكن أن يطمئن، ولا تصور الحقيقة تصويرا دقيقا. وخير الامور هو ما جاء به الاسلام، فإن فيه الرعايد لحق كلا الزوجين في رؤية كل منهما الاخر، مع تجنب الخلوة، حماية للشرف، وصيانة للعرض. العدول عن الخطبة وأثره: الخطبة مقدمة تسبق عقد الزواج، وكثيرا ما يعقبها تقديم المهر كله أو بعضه، وتقديم هدايا وهبات (١) ، تقوية للصلات، وتأكيدا للعلاقة الجديدة. وقد يحدث أن يعدل الخاطب، أو المخطوبة، أو هما معا عن إتمام العقد، فهل يجوز ذلك؟ وهل يرد ما أعطي للمخطوبة؟ إن الخطبة مجرد وعد بالزواج، وليست عقدا ملزما، والعدول عن إنجازه حق من الحقوق التي يملكها كل من المتواعدين. ولم يجعل الشارع لا خلاف الوعد عقوبة مادية يجازي بمقتضاها المخلف،

стр. 785

وإن عد ذلك خلقا ذميما، ووصفه بأنه من صفات المنافقين، إلا إذا كانت هناك ضرورة ملزمة تقتضي عدم الوفاء. ففي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) . ولما حضرت الوفاة (عبد الله بن عمر) قال: انظروا فلانا (لرجل من قريش) ، فإني قلت له في ابنتي قولا كشبه العدة، وما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق، وأشهدكم أني قد زوجته (١) . وما قدمه الخاطب من المهر فله الحق في استرداده، لا لانه دفع في مقابل الزواج، وعوضا عنه. وما دام الزواج لم يوجد، فإن المهر لا يستحق شئ منه، ويجب رده إلى صاحبه، إذ أنه حق خالص له. وأما الهدايا فحكمها حكم الهبة، والصحيح أن الهبة لا يجوز الرجوع فيها إذا كانت تبرعا محضا لا لاجل العوض. لان الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه، وجاز له التصرف فيها، فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه. وهذا باطل شرعا وعقلا (٢) . فإذا وهب ليتعوض من هبته ويثاب عليها فلم يفعل الموهوب له، جاز له الرجوع في هبته، وللواهب هنا حق الرجوع فيما وهب، لان هبته على جهة المعاوضة، فلما لم يتم الزواج كان له حق الرجوع فيما وهب، والاصل في ذلك: ١ - ما رواه أصحاب السنن، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) . ٢ - ورووا عنه أيضا، أن رسول الله ﷺ قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) .

стр. 786

٣ - وعن سالم عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها) أي يعوض عنها. وطريقة الجمع بين هذه الاحاديث هي ما ذكره (اعلام الموقعين) قال: ويكون الواهب الذي لا يحل له الرجوع هو من وهب تبرعا محضا لا لاجل العوض، والواهب الذي له الرجوع هو من وهب ليتعوض من هبته، ويثاب منها، فلم يفعل الموهوب له، وتستعمل سنن رسول الله كلها، ولا يضرب بعضها ببعض. رأي الفقهاء: إلا أن العمل الذي جرى عليه القضاء بالمحاكم: تطبيق المذهب الحنفي الذي يرى أن ما أهداه الخاطب لمخطوبته له الحق في استرداده إن كان قائما على حالته لم يتغير. فالاسورة، أو الخاتم، أو العقد، أو الساعة، ونحو ذلك يرد إلى الخاطب إذا كانت موجودة. فإن لم يكن قائما على حالته، بأن فقد أو بيع أو تغير بالزيادة، أو كان طعاما فأكل، أو قماشا فخيط ثوبا، فليس للخاطب الحق في استرداد ما أهداه أو استرداد بدل منه. وقد حكمت محكمة طنطا الابتدائية الشرعية حكما نهائيا بتاريخ ١٣ يوليو سنة ١٩٣٣. وقررت فيه القواعد الاتية: ١ - ما يقدم من الخاطب لمخطوبته، مما لا يكون محلا لورود العقد عليه، يعتبر هدية. ٢ - الهدية ك الهبة، حكما ومعنى. ٣ - الهبة عقد تمليك يتم بالقبض. وللموهوب له أن يتصرف في العين الموهوبة بالبيع ولاشراء وغيره، ويكون تصرفه نافذا. ٤ - هلاك العين أو استهلاكها مانع من الرجوع في الهبة. ٥ - ليس للواهب إلا طلب رد العين إن كانت قائمة. وللمالكية في ذلك تفصيل بين أن يكون العدول من جهته أو جهتها:

стр. 787

فإن كان العدول من جهته فلا رجوع له فيما أهداه، وإن كان العدول من جهتها فله الرجوع بكل ما أهداه، سواء أكان باقيا على حاله، أو كان قد هلك، فيرجع ببدله إلا إذا كان عرف أو شرط، فيجب العمل به. وعند الشافعية ترد الهدية سواء أكانت قائمة أم هالكة، فإن كانت قائمة ردت هي ذاتها، وإلا ردت قيمتها. وهذا المذهب قريب مما ارتضيناه. عقد الزواج: الركن الحقيقي للزواج هو رضا الطرفين، وتوافق ارادتهما في الارتباط. ولما كان الرضا ونوافق الارادة من الامور النفسية التي لا يطلع عليها، كان لابد من التعبير الدال على التصميم على إنشاء الارتباط وايجاده. ويتمثل التعبير فيما يجري من عبارات بين المتعاقدين. فما صدر أولا من أحد المتعاقدين للتعبير عن ارادته في إنشاء الصلة الزوجية يسمى إيجابا، ويقال: أنه أوجب. وما صدر ثانيا من المتعاقد الاخر من العبارات الدالة على الرضا والموافقة يسمى قبولا. ومن ثم يقول الفقهاء: إن أركان الزواج (الايجاب، والقبول) . شروط الإيجاب والقبول (١) : ولا يحقق العقد وتترتب عليه الاثار الزوجية، إلا إذا توافرت فيه الشروط الاتية: ١ - تمييز المتعاقدين: فإن كان أحدهما مجنونا أو صغيرا لا يميز فان الزواج لا ينعقد. ٢ - اتجاد مجلس الايجاب والقبول، بمعنى ألا يفصل بين الايجاب والقبول بكلام أجنبي، أو بما يعد في العرف إعراضا وتشاغلا عنه بغيره.

стр. 788

ولا يشترط أن يكون القبول بعد الايجاب مباشرة. فلو طال المجلس وتراخى القبول عن الايجب، ولم يصدر بينهما ما يدل على الاعراض، فالمجلس متحد. وإلى هذا ذهب الاحناف والحنابلة. وفي المغني: إذا تراخى القبول عن الايجاب صح، ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا عنه بغيره. لان حكم المجلس حكم حالة العقد، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وثبوت الخيار في عقود المعاوضات. فإن تفرقا قبل القبول بطل الايجاب، فانه لا يوجد معناه، فان الاعراض قد وجد من جهته بالتفرق، فلا يكون مقبولا. وكذلك أن تشاغلا عنه بما يقطعه: لان معرض عن العقد أيضا بالاشتغال عن قبوله. روي عن أحمد، في رجل مشى إليه قوم، فقالوا له: زوج فلانا. قال: قد زوجته على ألف. فرجعوا إلى الزوج فأخبروه، فقال: قد قبلت، هل يكون هذا نكاحا. قال: نعم. ويشترط الشافعية الفور. قالوا: فان فصل بين الايجاب والقبول بخطبة بأن قال الولي: زوجتك، وقال الزوج: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قبلت نكاحها، ففيه وجهان: (أحدهما) وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفراييني، أنه يصح، لان الخطبة مأمور بها للعقد، فلم تمنع صحته: كالتيمم بين صلاتي الجمع. (والثاني) لا يصح، لانه فصل بين الايجاب والقبول. فلم يصح. كما لو فصل بينهما بغير الخطبة. ويخالف التيمم فإنه مأمور به بين الصلاتين، والخطبة مأمور بها قبل العقد. وأما مالك، فأجاز التراخي والسير بين الايجاب والقبول. وسبب الخلاف، هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا؟ أم ليس ذلك من شرطه؟

стр. 789

٣ - ألا يخالف القبول الايجاب إلا إذا كانت المخالفة إلى ما هو أحسن للموجب، فانها تكون أبلغ في الموافقة. فإذا قال الموجب: زوجتك ابنتي فلانة، على مهر قدره مائة جنيه، فقال القابل: قبلت زواجها على مائتين، انعقد الزواج، لاشتمال القبول على ما هو أصلح. ٤ - سماع كل من المتعاقدين بعضهما من بعض ما يفهم أن المقصود من الكلام هو إنشاء عقد الزواج، وإن لم يفهم منه كل منهما معاني مفردات العبارة، لان العبرة بالمقاصد والنيات. ألفاظ الإنعقاد: (١) ينعقد الزواج بالالفاظ التي تؤدي إليه باللغة التي يفهمها كل من المتعاقدين، متى كان التعبير الصادر عنهما دالا على إرادة الزواج، دون لبس أو إبهام. قال شيخ الاسلام ابن تيمية: وينعقد النكاح بما عده الناس نكاحا بأي لغة ولفظ وفعل كان ومثله كل عقد (٢) . وقد وافق الفقهاء على هذا بالنسبة للقبول، فلم يشترطوا اشتقاقه من مادة خاصة، بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة أو الرضا، مثل: قبلت، وافقت، أمضيت، نفذت. أما الايجاب فإن العلماء متفقون على أنه يصح بلفظ النكاح والتزويج، وما اشتق منهما مثل: زوجتك، أو أنكحتك: لدلالة هذين اللفظين صراحة على المقصود. واختلفوا في انعقاده بغير هذين اللفظين، كلفظ الهبة أو البيع أو التمليك أو الصدقة. فأجازه الاحناف (٣) و (الثوري) و (أبو ثور) و (أبو داود) .

стр. 790

لانه عقد يعتبر فيه النية، ولا يشترط في صحته اعتبار اللفظ المخصوص، بل المعتبر فيه أي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي منه: أي إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة، لان النبي ﷺ زوج رجلا امرأة فقال: (قد ملكتكها بما معك من القرآن) . رواه البخاري. ولان لفظ الهبة انعقد به زواج النبي ﷺ ، فكذلك ينعقد به زواج أمته، قال الله تعالى: (يأيها النبي إنا أح للنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) إلى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) . ولانه أمكن تصحيحه بمجازه، فوجب تصحيحه، كايقاع الطلاق بالكنايات. وذهب الشافعي وأحمد وسعيد بن المسيب وعطاء إلى أنه لا يصح إلا بلفظ التزويج أو الانكاح وما اشتق منهما، لان ما سواهما من الالفاظ كالتمليك والهبة لا يأتي على معنى الزواج، ولان الشهادة عندهم شرط في الزواج، فإذا عقد بلفظ الهبة لم تقع على الزواج. العقد بغير اللغة العربية: اتفق الفقهاء على جواز الزواج بغير اللغة العربية إذا كان العاقدان أو أحدهما لا يفهم العربية. واختلفوا فيما إذا كانا يفهمان العربية ويستطيعان العقد بها: قال ابن قدامة في المغني: ومن قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح بغيرها، وهذا أحد قولي الشافعي. وعند أبي حنيفة ينعقد، لانه أتى بلفظه الخاص فانعقد به، كما ينعقد بلفظ العربية.

стр. 791

ولنا: انه عدل عن لفظ الانكاح والتزويج مع القدرة فلم يصح كلفظ الاحلال. فأما من لا يحسن العربية فيصح منه عقد النكاح بلسانه، لانه عاجز عما سواه فسقط عنه: كالاخرس، ويحتاج أن يأتي بمعناهما الخاص بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي، وليس على من لا يحسن العربية تعلم ألفاظ النكاح بها. وقال أبو الخطاب: عليه أن يتعلم، لان ما كانت العربية شرطا فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة، كالتكبير. ووجه الاول أن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية كالبيع بخلاف التكبير. فان كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الاخر أتى الذي يحسن العربية بها، والاخر يأتي بلسانه. فان كان أحدهما لا يحسن لسان الاخر احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صحبه لفطة الانكاح ان يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا. والحق الذي يبدو لنا أن هذا تشدد، ودين الله يسر، وسبق أن قلنا: إن الركن الحقيقي هو الرضا. والايجاب والقبول ما هما إلا مظهران لهذا الرضا ودليلان عليه. فإذا وقع الايجاب والقبول كان ذلك كافيا، مهما كانت اللغة التي أديا بها. قال ابن تيمية: انه (أي النكاح) وان كان قربة، فانما هو كالعتق والصدقة، لا يتعين له لفظ عربي ولا عجمي. ثم ان الاعجمي إذا تعلم العربية في الحال ربما لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ، كما يفهم من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة، كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة، لكان متوجها. كما روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهية اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة.

стр. 792

زواج الاخرس: ويصح زواج الاخرس باشارته إن فهمت كما يصح بيعه، لان الاشارة معنى مفهم. وإن لم تفهم إشارته لا يصح منه، لان العقد بين شخصين، ولا بد من فهم كل واحد منهام ما يصدر من صاحبه (١) عقد الزواج للغائب: إذا كان أحد طرفي العقد غائبا وأراد أن يعقد الزواج فعليه أن يرسل رسولا أو يكتب كتابا إلى الطرف الاخر يطلب الزواج. وعلى الطرف الاخر - إذا كان له رغبة في القبول - أن يحضر الشهود ويسمعهم عبارة الكتاب أو رسالة الرسول، ويشهدهم في المجلس على أنه قبل الزواج. ويعتبر القبول مقيدا بالمجلس. شروط صيغة العقد: اشترط الفقهاء لصيغة الايجاب والقبول: أن تكون بلفظين وضعا للماضي، أو وضع أحدهما للماضي والاخر للمستقبل. فمثال الاول: أن يقول العاقد الاول: زوجتك ابنتي. ويقول القابل: قبلت. ومثال الثاني: أن يقول الخاطب أزوجك ابنتي، فيقول له: قبلت. وإنما اشترطوا ذلك، لان تحقق الرضا من الطرفين وتوافق ارادتهما هو الركن الحقيقي لعقد الزواج، والايجاب والقبول مظهر ان لهذا الرضا كما تقدم. ولابد فيهما من أن يدلا دلالة قطعية على حصول الرضا وتحققه فعلا وقت العقد. والصيغة التي استعملها الشارع لانشاء العقود هي صيغة الماضي، لان دلالتها على حصول الرضا من الطرفين قطعية. ولا تحتمل أي معنى آخر.

стр. 793

بخلاف الصيغ الدالة على الحال أو الاستقبال، فانها لا تدل قطعا على حصول الرضا وقت التكلم. فلو قال أحدهما: أزوجك ابنتي. وقال الاخر: أقبل، فإن الصيغة منهما لا ينعقد بها الزواج، لاحتمال أن يكون المراد من هذه الالفاظ مجرد الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال، ولو قال الخاطب: زوجني ابنتك، فقال الاخر: زوجتها لك، انعقد الزواج، لان صيغة (زوجني) دالة على معنى التوكيل، والعقد يصح أن يتولاه واحد عن الطرفين. فإذا قال الخاطب: زوجني، وقال الطرف الاخر: قبلت، كان مؤى ذلك أن الاول وكل الثاني، والثاني أنشأ العقد عن الطرفين بعبارته. اشتراط التنجيز في العقد: كما اشترطوا أن تكون منجزة: أي أن الصيغة التي يعقد بها الزواج يجب أن تكون مطلقة غير مقيدة بأي قيد من القيود، مثل أن يقول الرجل للخاطب: زوجك ابنتي، فيقول الخاطب: قبلت. فهذا العقد منجز. ومتى استوفى شروطه وصح ترتبت عليه آثاره. ثم ان صيغة العقد قد تكون معلقة على شرط، أو مضافة إلى زمن مستقبل أو مقرونة بوقت معين، أو مقترنة بشرط، فهي في هذه الاحوال لا ينعقد بها العقد. واليك بيان كل على حدة. (١٠) الصيغة المعلقة على شرط: وهي أن يجعل تحقق مضمونها معلقا على تحقق شئ آخر بأداة من أدوات التعليق: مثل أن يقول الخاطب: ان التحقت بالوظيفة تزوجت ابنتك، فيقول الاب: قبلت، فإن الزواج بهذه الصيغة لا ينعقد، لان انشاء العقد معلق على شئ قد يكون، وقد لا يكون في المستقبل. وعقد الزواج يفيد ملك المتعة في الحال، ولا يتراخى حكمه عنه، بينما

стр. 794

الشرط - وهو الالتحاق بالوظيفة - معدوم حال التكلم، والمعلق على المعدوم معدوم. فلم يوجد زواج. أما إذا كان التعليق على أمر محقق في الحال فان الزواج ينعقد، مثل أن يقول: إن كانت ابنتك سنها عشرون سنة تزوجتها. فيقول الاب: قبلت. وسنها فعلا عشرون سنة. وكذلك إن قالت: إن رضي أبي تزوجتك، فقال الخاطب، قبلت، وقال أبوها في المجلس: رضيت. إذ أن التعليق في هذه الحال صوري، والصيغة في الواقع منجزة. (٢) الصيغة المضافة إلى زمن مستقبل: مثل أن يقول الخاطب: تزوجت ابنتك غدا أو بعد شهر: فيقول الاب: قبلت، فهذه الصيغة لا ينعقد بها الزواج، لا في الحال، ولا عند حلول الزمن المضاف إليه، لان الاضافة إلى المستقبل تنافي عقد الزواج الذي يوجب تمليك الاستمتاع في الحال. (٣) الصيغة المقترنة بتوقيت العقد بوقت معين: كأن يتزوج مدة شهر، أو أكثر، أو أقل فان الزواج لا يحل، لان المقصود من الزواج دوام المعاشرة للتوالد، والمحافظة على النسل، وتربية الاولاد. ولهذا حكم الفقهاء على زواج المتعة والتحليل بالبطلان، لانه يقصد بالاول مجرد الاستمتاع الوقتي، ويقصد بالثاني تحليل الزوجة الاول. وإليك تفصيل القول في كل منهما: زواج المتعة: ويسمى الزواج المؤقت، والزواج المنقطع، وهو أن يعقد الرجل على المرأة يوما أو اسبوعا أو شهرا وسمي بالمتعة. كأن لرجل ينتفع ويتبلغ بالزواج ويتمتع إلى الاجل الذي

стр. 795

وقته. وهو زواج متفق على تحريمه بين أئمة المذاهب. وقالوا: انه إذا انعقد يقع باطلا (١) واستدلوا على هذا: (أولا) : إن هذا الزواج لا تتعلق به الاحكام الواردة في القرآن بصدد الزواج، والطلاق، والعدة، والميراث، فيكون باطلا كغيره من الانكحة الباطلة. (ثانيا) : أن الاحاديث جاءت مصرحة بتحريمه. فعن سبرة الجهني: أنه غزا مع النبي ﷺ في فتح مكة فأذن لهم رسول الله ﷺ في متعة النساء. قال: فلم يخرج منها حتى حرمها رسول الله ﷺ . وفي لفظ رواه ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ حرم المتعة فقال: (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وان الله قد حرمها إلى يوم القيامة) . وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الاهلية) (٢) . (ثالثا) : أن عمر ﵁ حرمها وهو على المنبر أيام خلافته، وأقره الصحابة ﵃ وما كانوا ليقروه على خطأ لو كان مخطئا. (رابعا) : قال الخطابي: تحريم المتعة كالاجماع إلا عن بعض الشيعة،

стр. 796

ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى علي، فقد صح عن علي أنها نسخت. ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه. (خامسا) : ولانه يقصد به قضاء الشهوة، ولا يقصد به التناسل، ولا المحافظة على الاولاد، وهي المقاصد الاصلية للزواج، فهو يشبه الزنا من حيث قصد الاستمتاع دون غيره. ثم هو يضر بالمرأة، إذ تصبح كالسلعة التي تنتقل من يد إلى يد، كما يضر بالاولاد، حيث لا يجدون البيت الذي يستقرون فيه، ويتعهدهم بالتربية والتأديب. وقد روي عن بعض الصحابة وبعض التابعين أن زواج المتعة حلال، واشتهر ذلك عن ابن عباس ﵁، وفي تهذيب السنن: وأما ابن عباس فانه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة، ولم يبحها مطلقا، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع. وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها. قال الخطابي: ان سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: هل تدري ما صنعت، وبم أفتيت؟ قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء. قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال محبسه - يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟ هل لك في رخصة الاطراف آنسة - تكون مثواك حتى رجعة الناس؟ فقال ابن عباس: (إنا لله وإنا إليه راجعون) ! والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير.

стр. 797

وذهبت الشيعة الامامية إلى جوازه، وأركانه عندهم: ١ - الصيغة: أي أنه ينعقد بلفظ (زوجتك) و (أنكحتك) و (متعتك) ٢ - الزوجة: ويشترط كونها مسلمة أو كتابية، ويستحب اختيار المؤمنة العفيفة، ويكره بالزانية. ٣ - المهر: وذكره شرط ويكفي فيه المشاهدة ويتقدر بالتراضي ولو بكف من بر. ٤ - الاجل: وهو شرط في العقد. ويتقرر بتراضيهما، كاليوم والسنة والشهر، ولا بد من تعيينه. ومن أحكام هذا الزواج عندهم: ١ - الاخلال بذكر المهر مع ذكر الاجل يبطل العقد، وذكر المهر من دون ذكر الاجل يقلبه دائما ز ٢ - ويلحق به الولد. ٣ - لا يقع بالمتعة طلاق، ولا لعان. ٤ - لا يثبت به ميراث بين الزوجين. ٥ - أما الولد فإنه يرثهما ويرثانه. ٦ - تنقضي عدتها إذا انقضى أجلها بحيضتين، إن كانت ممن تحيض، فإن كانت ممن تحيض ولم تحض فعدتها خمسة وأربعون يوما. تحقيق الشوكاني: قال الشوكاني: وعلى كل حلا فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع، وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد. ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته، ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به، كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به، ورووه لنا؟ حتى قال ابن عمر - فيما أخرجه عنه ابن ماجه باسناد صحيح -: ان رسول الله ﷺ : (أذن لنا في المتعة ثلاثا تم حرمها، والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة) .

стр. 798

وقال أبو هريرة فيما يرويه عن النبي ﷺ : (هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث) . أخرجه الدارقطني، وحسنه الحافظ. ولا يمنع من كونه حسنا كون في إسناده مؤمل بن اسماعيل، لان الاختلاف فيه لا يخرج حديثه عن حد الحسن إذا انضم إليه من الشواهد ما يقويه كما هو شأن الحسن لغيره. وأما ما يقال من أن تحليل المتعة مجمع عليه، والمجمع عليه قطعي، وتحريمها مختلف فيه، والمختلف فيه ظني، والظني لا ينسخ القطعي، فيجاب عنه: أولا: بمنع هذه الدعوى (أعني كون القطعي لا ينسخه الظني) فما الدليل عليها؟ ومجرد كونها مذهب الجمهور غير مقنع لمن قام في مقام المنع يسائل خصمه عن دليل العقل والسمع باجماع المسلمين. وثانيا: بأن لانسخ بذلك الظني إنما هو لاستمرار الحل، والاستمرار ظني لا قطعي. وأما قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ، فليست بقرآن عند مشترطي التواتر، ولا سنة لاجل روايتها قرآنا، فيكون من قبيل التفسير للاية، وليس ذلك بحجة. وأما من لم يشترط التواتر فلا مانع من نسخ ظني القرآن بظني السنة كما تقرر في الاصول. انتهى. العقد على المرأة وفي نية الزوج طلاقها: اتفق الفقهاء على أن من تزوج امرأة دون أن يشترط التوقيت وفي نيته أن يطلقها بعد زمن، أو بعد انقضاء حاجته في البلد الذي هو مقيم به، فالزواج صحيح. وخالف الاوزاعي فاعتبره زواج متعة. قال الشيخ (رشيد رضا) تعلقا على هذا في تفسير المنار: هذا وان تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي مع النكاح بنية الطلاق، وإن كان

стр. 799

الفقهاء يقولون: إن عقد النكاح يكون صحيحا إذا نوى الزواج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد. ولكن كتمانه إياه يعد خداعا وغشا. وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزواج والمرأة ووليها، ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات. وما لا يشترط فيه ذلك يكون على اشتماله على ذلك غشا وخداعا تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو احصان كل من الزوجين للاخر، واخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الامة. زواج التحليل: وهو أن يتزوج المطلقة ثلاثا بعد انقضاء عدتها، أو يدخل بها ثم يطلقها ليحلها للزوج الاول. وهذا النوع من الزواج كبيرة من كبائر الاثم والفواحش، حرمه الله، ولعن فاعله. ١ - فعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله المحلل والمحلل له) . رواه أحمد بسند حسن. ٢ - وعن عبد الله بن مسعود قال: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له) ..رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من غير وجه. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر وغيرهم. وهو قول الفقهاء من التابعين. ٣ - وعن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أخبركم بالتيس المستعار) ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (هو المحلل،

стр. 800

لعن الله المحلل والمحلل له) . رواه ابن ماجه، والحاكم، وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالارسال. واستنكره البخاري، وفيه يحيى بن عثمان، وهو ضعيف. ٤ - وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عن المحلل، فقال: (لا. إلا نكاح رغبة، لا دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله عزوجل، حتى تذوق عسيلته) . رواه أبو اسحاق الجوزجاني. ٥ - وعن عمر ﵁ قال، (لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا جمتهما) . فسئل ابنه عن ذلك فقال: كلاهما زان. رواه ابن المنذر، وابن رأبي شيبة، وعبد الرزاق. ٦ - وسأل رجل ابن عمر فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها لاحلها لزوجها، ولم يأمرني ولم يعلم؟ فقال له ابن عمر: (لا، إلا نكاح رغبة، ان أعجبتك أمسكتها، وان كرهتها فارقتها، وإن كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ . وقال: لا يزالان زانيين وان مكثا عشرين سنة إذا علم أنه يريد أن يحلها. حكمه: هذه النصوص صريحة في بطلان هذا الزواج وعدم صحته (١) ، لان اللعن لا يكون إلا على أمر غير جائز في الشريعة، وهو لا يحل المرأة للزوج الاول. ولو لم يشترط التحليل عند العقد مادام قصد التحليل قائما، فان العبرة بالمقاصد والنوايا. قال ابن القيم: ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشترط ذلك بالقول، أو بالتواطؤ والقصد. فإن المقصود في العقود عندهم معتبرة، والاعمال بالنيات. والشرط المتوطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم. والالفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني: فإذا ظهرت المعاني

стр. 801

والمقاصد، فلا عبرة بالالفاظ لانها وسائل، وقد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها. وكيف يقال: إن هذا زواج تحل به الزوجة لزوجها الاول، مع قصد التوقيت، وليس له غرض في دوام العشرة ولا ما يقصد بالزواج من التناسل وتربية الاولاد وغير ذلك من المقاصد الحقيقية لتشريع الزواج. إن هذا الزواج الصوري كذب وخداع لم يشرعه الله في دين، ولم يبحه لاحد، وفيه من المفاسد والمضار ما لا يخفى على أحد. قال ابن تيمية: دين الله أزكى وأطهر من أن يحرم فرجا من الفروج حتى يستعار له تيس من التيوس، لا يرغب في نكاحه ولا مصاهرته، ولا يراد بقاؤه مع المرأة أصلا، فينزو عليها، وتحل بذلك فان هذا سفاح وزنا، كما سماه أصحاب رسول الله ﷺ . فكيف يكون الحرام محللا؟ أم كيف يكون الخبيث مطيبا؟ أم كيف يكون النجس مطهرا؟! وغير خاف على من شرح الله صدره للاسلام، ونور قلبه بالايمان، أن هذا من أقبح القبائح التي لا تأتي بها سياسة عاقل، فضلا عن شرائع الانبياء لا سيما أفضل الشرائع وأشرف المناهج. انتهى. هذا هو الحق، وإليه ذهب مالك وأحمد، والثوري، وأهل الظاهر، وغيرهم من الفقهاء، منهم الحسن، والنخعي، وقتادة، والليث وابن المبارك. وذهب آخرون إلى أنه جائز إذا لم يشترط في العقد. لان القضاء بالظواهر لا بالمقاصد والضمائر، والنيات في العقود غير معتبرة. قال الشافعي: المحلل الذي يفسد نكاحه هو من يتزوجها ليخلها ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح. وقال ابن حنيفية وزفر: ان اشترط ذلك عند انشاء العقد، بأن صرح أنه يحلها للاول تحل للاول ويكره، لان عقد الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة فتحل للزواج الاول بعد طلاقها من الزوج الثاني أو موته عنها وانقضاء عدتها. وعند أبي يوسف هو عقد فاسد، لانه زواج مؤقت، ويرى محمد بصحة العقد الثاني، ولكنه لا يحلها للزوج الاول.

стр. 802

الزواج الذي تحل به المطلقة للزوج الأول: إذا طلق الرجل زوجته ثلاث تطليقات فلا تحل له مراجعتها حتى تتزوج بعد انقضاء عدتها زوجا آخر زواجا صحيحا لا بقصد التحليل. فإذا تزوجها الثاني زواج رغبة، ودخل بها دخولا حقيقيا حتى ذاق كل منهما عسيلة الاخر، ثم فارقها بطلان أو موت، حل للاول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها. روى الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم عن عائشة: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني: فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن زبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي ﷺ ، وقال: (أتريدين أن ترجعي إلى (١) رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) . وذوق العسيلة كناية عن الجماع. ويكفي في ذلك التقاء الخنانين الذي يوجب الحد والغسل. ونزل في ذلك قول الله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظلنا أن يقيما حدود الله) . وعلى هذا فان المرأة لا تحل للاول إلا بهذه الشروط: ١ - أن يكون زواجها بالزوج الثاني صحيحا (٢) . ٢ - أن يكون زواج رغبة. ٣ - أن يدخل بها دخولا حقيقيا بعد العقد، ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته.

стр. 803

حكمة ذلك: قال المفسرون والعلماء في حكمة ذلك: انه إذا علم الرجل ان المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجا غيره فانه يرتدع، لانه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، ولا سيما إذا كان الزوج الاخر عدوا أو مناظرا للاول. وزاد على ذلك صاحب المنار فقال في تفسيره (١) : إن الذي يطلق زوجته، ثم يشعر بالحاجة إليها فيرتجعها نادما على طلاقها، ثم يمقت عشرتها بعد ذلك فيطلقها، ثم يبدو له ويترجح عنده عدم الاستغناء عنها، فيرتجعها ثانية، فانه يتم له بذلك اختبارها. لان الطلاق الاول ربما جاء عن غير روية تامة ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى امرأته. ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك، لانه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان أولا، والشعور بأن كان خطأ، ولذلك قلنا ان الاختبار يتم به. فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحا لامساكها على تسريحها. ويبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالاختبار التام مرجوحا. فإذا هو عاد وطلق ثالثة، كان ناقص العقل والتأديب، فلا يستحق أن تجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء تقلبه ويرتجعها متى شاء هواه، بل يكون من الحكمة أن تبين منه، ويخرج أمرها من يده، لانه علم أن لا ثقة بالتثامهما واقامتهما حدود الله تعالى. فان اتفق بعد ذلك أن تزوجت برجل آخر عن رغبة، واتفق أن طلقها الاخر أو مات عنها، ثم رغب فيها الاول وأحب أن يتزوج بها - وقد علم أنها صارت فراشا لغيره - ورضيت هي بالعودة إليه فان الرجاء في التئامهما، واقامتهما حدود الله تعالى، يكون حينئذ قويا جدا، ولذلك أحلت له بعد العدة. صيغة العقد المقترنة بالشرط: إذا قرن عقد الزواج بالشرط، فإما أن يكون هذا الشرط من مقتضيات

стр. 804

العقد أو يكون منافيا له، أو يكون ما يعود نفعه على المرأة، أو يكون شرطا نهى الشارع عنه. ولكل حالة من هذه الحالات حكم خاص بها نجمله فيما يلي: (١) الشروط التي يجب الوفاء بها: من الشروط ما يجب الوفاء به، وهي ما كانت من مقتضيات العقد ومقاصده (١) ولم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله، كاشتراط العشرة بالمعروف والانفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف، وأنه لا يقصر في شئ من حقوقها ويقسم لها كغيرها، وأنها لا تخرج من بيته إلا باذنه، ولا تنشز عليه ولا تصوم تطوعا بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إذا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك. (٢) الشروط التي لا يجب الوفاء بها: ومنها ما لا يجب الوفاء به مع صحة العقد، وهو ما كان منافيا لمقتضى العقد (٢) كاشتراط ترك الانفاق والوطء أو كاشتراط أن لا مهر لها، أو يعزل عنها، أو اشتراط أن تنفق عليه، أو تعطيه شيئا، أو لا يكون عندها في الاسبوع إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل. فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها، لانها تنافي العقد. ولانها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع. أما العقد في نفسه فهو صحيح، لان هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به، فلم يبطل، كما لو شرط في العقد صداقا محرما، ولان الزواج يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد. (٣) الشروط التي فيها نفع للمرأة: ومن الشروط ما يعود نفعه وفائدته الى المرأة، مثل أن يشترط لها ألا

стр. 805

يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها أو لا يتزوج عليها ونحو ذلك. فمن العلماء من رأي أن الزواج صحيح وأن هذه الشروط ملغاة ولا يلزم الزوج الوفاء بها. ومنهم من ذهب الى وجوب الوفاء بما اشترط للمرأة، فان لم يف لها فسخ الزواج. والاول مذهب أبي حنيفة والشافعي وكثير من أهل العلم، واستدلوا بما يأتي: ١ - أن رسول الله ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا) . قالوا وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزوج والتسري والسفر. وهذه كلها حلال. ٢ - وقوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط) . قالوا: وهذا ليس في كتاب الله لان الشرع لا يقتضيه. ٣ - قالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه، والرأي الثاني مذهب عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والاوزاعي واسحاق والحنابلة، واستدلوا بما يأتي: ١ - يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) . ٢ - وقول رسول الله ﷺ (المسلمون على شروطهم) . ٣ - روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) (١) ٤ - روى الاثرم بإسناده: أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر بن الخطاب فقال لها شرطها (مقاطع الحقوق عند الشروط) .

стр. 806

٥ - ولانه شرط لها فيه منفعة ومقصود، لا يمنع المقصود من الزواج فكان لازما كما لو شرطت عليه زيادة المهر. قال ابن قدامة مرجحا هذا الرأي ومفندا الرأي الاول: ان قول من سمينا من الصحابة، لا نعلم له مخالفا في عصرهم، فكان اجماعا. وقول الرسول ﵊: (كل شرط ... الخ) . أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته، على أن الخلاف في مشروعيته، ومن نفى ذلك فعليه الدليل. وقولهم: إن هذا يحرم الحلال، قلنا: لا يحرم حلالا، وانما يثبت للمرأة خيار الفسخ ان لم يف لها به. وقولهم: ليس من مصلحته، قلنا: لا نسلم بذلك. فانه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحد العاقد كان من مصلحة عقده. وقال ابن رشد (١) : وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص، فأما العموم فحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خطب الناس فقال في خطبته: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط) . وأما الخصوص، فحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) . والحديثان صحيحان، خرجهما البخاري ومسلم. إلا أن المشهور عند الاصوليين القضاء بالخصوص على العموم، وهو (لزوم الشروط) . وقال ابن تيمية (٢) : ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالاجال في الاعواض، ونقود الاثمان المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد الزوجين. وقد تفيد الشروط ما لا يفيده الاطلاق، بل ما يخالف الاطلاق.

стр. 807

(٤) الشروط التي نهى الشارع عنها: ومن الشروط ما نهى الشارع عنها ويحرم الوفاء بها: وهي اشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرتها. فعن أبي هريرة أن النبي ﵇: (نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها أو إنائها (١) فإنما رزقها على الله تعالى) متفق عليه. وفي لفظ متفق عليه: نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها..وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﵇ قال: (لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى) رواه أحمد. فهذا النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولانها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، كما لو شرطت عليه فسخ بيعه. فان قيل: فما الفارق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها، حتى صححتم هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضرة. أجاب ابن القيم عن هذا فقال: قيل: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الاضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الاخر فاسد. ومعنى الحديث: نهي المرأة الاجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته، وإن يتزوجها فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة. (٥) ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار: وهو أن يزوج الرجل وليته رجلا، على أن يزوجه الاخر وليته، وليس بينهما صداق، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذا الزواج فقال: (لا شغار (٢) في الاسلام) . رواه مسلم عن ابن عمر، ورواه (٢) الشغار أصله الخلو، يقال: بلدة شاغرة إذا خلت عن السلطان، والمراد به هنا الخلو عن المهر. وقيل: إنما سمي شغارا لقبحه، تشبيها برفع الكلب رجله ليبول في القبح. يقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول. وكان هذا النوع من الزواج معروفا زمن الجاهلية.

стр. 808

ابن ماجه من حديث أنس بن مالك. قال في الزوائد: اسناده صحيح، ورجاله ثقات، وله شواهد صحيح. ٢ - وعن ابن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الشغار) . والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك أو أختك، على أن أزوجك ابنتي أو أختي، وليس بينهما صداق (١)) رواه ابن ماجه. رأي العلماء فيه: استدل جمهور العلماء بهذين الحديثين على أن عقد الشغار لا ينعقد أصلا وأنه باطل. وذهب أبو حنيفة الى أنه يقع صحيحا، ويجب لكل واحدة من البنتين مهر مثلها على زوجها، إذ أن الرجلين سميا ما لا تصلح تسميته مهرا، إذ جعل المرأة مقابل المرأة ليس بمال. فالفساد فيه من قبل المهر، وهو لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوج على خمر أو خنزير. فان العقد لا يفسخ، ويكون فيه مهر المثل. علة النهي عن نكاح الشغار: واختلف العلماء في علة النهي: فقيل: هي التعليق والتوقيف، كأنه يقول (لا ينعقد زواج ابنتي حتى ينعقد زواج ابنتك) . وقيل: ان العلة التشريك في البضع، وجعل بضع كل واحدة مهرا للاخرى. وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته. وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وخلاء لنكاحها عن مهر تنتفع به. قال ابن القيم: وهذا موافق للغة العرب.

стр. 809

شروط صحة الزواج: شروط صحة الزواج هي الشروط التي يتوقف عليها صحته، بحيث إذا وجدت يعتبر عقد الزواج موجودا شرعا، وتثبت له جميع الاحكام والحقوق المترتبة عليه. وهذه الشروط اثنان: (الشرط الاول) حل المرأة للتزوج بالرجل الذي يريد الاقتران بها. فيشترط ألا تكون محرمة عليه بأي سبب من أسباب التحريم المؤقت أو المؤبد. وسيأتي ذلك مفصلا في بحث (المحرمات من النساء) . (الشرط الثاني) الاشهاد على الزواج، وهو ينحصر في المباحث الاتية: ١ - حكم الاشهاد. ٢ - شروط الشهود. ٣ - شهادة النساء. حكم الاشهاد على الزواج: ذهب جمهور العلماء إلى أن الزواج لا ينعقد إلا ببينة، ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضورا حالة العقد ولو حصل إعلان عنه بوسيلة أخرى. وإذا شهد الشهود وأوصاهم المتعاقدان بكتمان العقد وعدم إذاعته كان العقد صحيحا (١) واستدلوا على صحته بما يأتي: (أولا) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة) رواه الترمذي. واحتجوا لمذهبهم بأن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الاشهاد عند العقد. وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع. والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الاشهاد أخرى بأن لا يكون الاشهاد فيه من شروطه وفرائضه وانما الغرض الاعلان والظهور لحفظ الانساب. والاشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين، فان عقد العقد ولم يحضره شهود ثم أشهد عليه قبل الدخول لم يفسخ العقد، وان دخلا ولم يشهدا فرق بينهما.

стр. 810

(ثانيا) وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه الدارقطني. وهذا النفي يتوجه الى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الاشهاد شرطا، لانه قد استلزم عدمه عدم الصحة، وما كان كذلك فهو شرط. (ثالثا) وعن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة. فقال: (هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت) . رواه مالك في الموطأ. والاحاديث وإن كانت ضعيفة الا أنه يقوي بعضها بعضا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: (لا نكاح إلا بشهود) لم يختلف في ذلك من مضى منهم إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم. (رابعا) ولانه يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه، لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه. ويرى بعض أهل العلم أنه يصح بغير شهود: منهم الشيعة، وعبد الرحمن ابن مهدي، ويزيد بن هارون، وابن المنذر، وداود، وفعله ابن عمر، وابن الزبير. وروي عن الحسن بن علي أنه تزوج بغير شهادة، ثم أعلن النكاح. قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر. وقال يزيد بن هارون: أمر الله تعالى بالاشهاد في البيع دون النكاح، فاشترط أصحاب الرأي الشهادة للنكاح، ولم يشترطوها للبيع. وإذا تم العقد فأسروه وتواصوا بكتمانه صح مع الكراهة، لمخالفته الامر بالاعلان، وإليه ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر. وممن كره ذلك عمر، وعروة، والشعبي، ونافع. وعند مالك أن العقد يفسخ. روى ابن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما؟ قال يفرق بينهما بتطليقة، ولا يجوز النكاح، ولها صداقها إن أصابها، ولا يعاقب الشاهدان.
следующие страницы →