٥ - ولانه شرط لها فيه منفعة ومقصود، لا يمنع المقصود من الزواج فكان لازما كما لو شرطت عليه زيادة المهر.
قال ابن قدامة مرجحا هذا الرأي ومفندا الرأي الاول: ان قول من سمينا من الصحابة، لا نعلم له مخالفا في عصرهم، فكان اجماعا.
وقول الرسول ﵊: (كل شرط ... الخ) .
أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته، على أن الخلاف في مشروعيته، ومن نفى ذلك فعليه الدليل.
وقولهم: إن هذا يحرم الحلال، قلنا: لا يحرم حلالا، وانما يثبت للمرأة خيار الفسخ ان لم يف لها به.
وقولهم: ليس من مصلحته، قلنا: لا نسلم بذلك.
فانه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحد العاقد كان من مصلحة عقده.
وقال ابن رشد (١) : وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص، فأما العموم فحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خطب الناس فقال في خطبته: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط) .
وأما الخصوص، فحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) .
والحديثان صحيحان، خرجهما البخاري ومسلم.
إلا أن المشهور عند الاصوليين القضاء بالخصوص على العموم، وهو (لزوم الشروط) .
وقال ابن تيمية (٢) : ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالاجال في الاعواض، ونقود الاثمان المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد الزوجين.
وقد تفيد الشروط ما لا يفيده الاطلاق، بل ما يخالف الاطلاق.
стр. 807
(٤) الشروط التي نهى الشارع عنها: ومن الشروط ما نهى الشارع عنها ويحرم الوفاء بها: وهي اشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرتها.
فعن أبي هريرة أن النبي ﵇: (نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها أو إنائها (١) فإنما رزقها على الله تعالى) متفق عليه.
وفي لفظ متفق عليه: نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها..وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﵇ قال: (لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى) رواه أحمد.
فهذا النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولانها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، كما لو شرطت عليه فسخ بيعه.
فان قيل: فما الفارق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها، حتى صححتم هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضرة.
أجاب ابن القيم عن هذا فقال: قيل: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الاضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الاخر فاسد.
ومعنى الحديث: نهي المرأة الاجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته، وإن يتزوجها فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة.
(٥) ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار: وهو أن يزوج الرجل وليته رجلا، على أن يزوجه الاخر وليته، وليس بينهما صداق، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذا الزواج فقال: (لا شغار (٢) في الاسلام) .
رواه مسلم عن ابن عمر، ورواه (٢) الشغار أصله الخلو، يقال: بلدة شاغرة إذا خلت عن السلطان، والمراد به هنا الخلو عن المهر.
وقيل: إنما سمي شغارا لقبحه، تشبيها برفع الكلب رجله ليبول في القبح. يقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
وكان هذا النوع من الزواج معروفا زمن الجاهلية.
стр. 808
ابن ماجه من حديث أنس بن مالك.
قال في الزوائد: اسناده صحيح، ورجاله ثقات، وله شواهد صحيح.
٢ - وعن ابن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الشغار) .
والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك أو أختك، على أن أزوجك ابنتي أو أختي، وليس بينهما صداق (١)) رواه ابن ماجه.
رأي العلماء فيه: استدل جمهور العلماء بهذين الحديثين على أن عقد الشغار لا ينعقد أصلا وأنه باطل.
وذهب أبو حنيفة الى أنه يقع صحيحا، ويجب لكل واحدة من البنتين مهر مثلها على زوجها، إذ أن الرجلين سميا ما لا تصلح تسميته مهرا، إذ جعل المرأة مقابل المرأة ليس بمال.
فالفساد فيه من قبل المهر، وهو لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوج على خمر أو خنزير.
فان العقد لا يفسخ، ويكون فيه مهر المثل.
علة النهي عن نكاح الشغار: واختلف العلماء في علة النهي: فقيل: هي التعليق والتوقيف، كأنه يقول (لا ينعقد زواج ابنتي حتى ينعقد زواج ابنتك) .
وقيل: ان العلة التشريك في البضع، وجعل بضع كل واحدة مهرا للاخرى.
وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته.
وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وخلاء لنكاحها عن مهر تنتفع به.
قال ابن القيم: وهذا موافق للغة العرب.
стр. 809
شروط صحة الزواج:
شروط صحة الزواج هي الشروط التي يتوقف عليها صحته، بحيث إذا وجدت يعتبر عقد الزواج موجودا شرعا، وتثبت له جميع الاحكام والحقوق المترتبة عليه.
وهذه الشروط اثنان: (الشرط الاول) حل المرأة للتزوج بالرجل الذي يريد الاقتران بها.
فيشترط ألا تكون محرمة عليه بأي سبب من أسباب التحريم المؤقت أو المؤبد.
وسيأتي ذلك مفصلا في بحث (المحرمات من النساء) .
(الشرط الثاني) الاشهاد على الزواج، وهو ينحصر في المباحث الاتية:
١ - حكم الاشهاد.
٢ - شروط الشهود.
٣ - شهادة النساء.
حكم الاشهاد على الزواج:
ذهب جمهور العلماء إلى أن الزواج لا ينعقد إلا ببينة، ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضورا حالة العقد ولو حصل إعلان عنه بوسيلة أخرى.
وإذا شهد الشهود وأوصاهم المتعاقدان بكتمان العقد وعدم إذاعته كان العقد صحيحا (١) واستدلوا على صحته بما يأتي: (أولا) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة) رواه الترمذي.
واحتجوا لمذهبهم بأن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الاشهاد عند العقد. وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع.
والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الاشهاد أخرى بأن لا يكون الاشهاد فيه من شروطه وفرائضه وانما الغرض الاعلان والظهور لحفظ الانساب.
والاشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين، فان عقد العقد ولم يحضره شهود ثم أشهد عليه قبل الدخول لم يفسخ العقد، وان دخلا ولم يشهدا فرق بينهما.
стр. 810
(ثانيا) وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه الدارقطني.
وهذا النفي يتوجه الى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الاشهاد شرطا، لانه قد استلزم عدمه عدم الصحة، وما كان كذلك فهو شرط.
(ثالثا) وعن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة.
فقال: (هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت) . رواه مالك في الموطأ.
والاحاديث وإن كانت ضعيفة الا أنه يقوي بعضها بعضا.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: (لا نكاح إلا بشهود) لم يختلف في ذلك من مضى منهم إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم.
(رابعا) ولانه يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه، لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه.
ويرى بعض أهل العلم أنه يصح بغير شهود: منهم الشيعة، وعبد الرحمن ابن مهدي، ويزيد بن هارون، وابن المنذر، وداود، وفعله ابن عمر، وابن الزبير.
وروي عن الحسن بن علي أنه تزوج بغير شهادة، ثم أعلن النكاح.
قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر.
وقال يزيد بن هارون: أمر الله تعالى بالاشهاد في البيع دون النكاح، فاشترط أصحاب الرأي الشهادة للنكاح، ولم يشترطوها للبيع.
وإذا تم العقد فأسروه وتواصوا بكتمانه صح مع الكراهة، لمخالفته الامر بالاعلان، وإليه ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر.
وممن كره ذلك عمر، وعروة، والشعبي، ونافع. وعند مالك أن العقد يفسخ.
روى ابن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما؟ قال يفرق بينهما بتطليقة، ولا يجوز النكاح، ولها صداقها إن أصابها، ولا يعاقب الشاهدان.
стр. 811
ما يشترط في الشهود:
يشترط في الشهود: العقل، والبلوغ، وسماع كلام المتعاقدين مع فهم أن المقصود به عقد الزواج (١) .
فلو شهد على العقد صبي، أو مجنون، أو أصم، أو سكران، فان الزواج لا يصح، إذ أن وجوه هؤلاء كعدمه.
اشتراط العدالة في الشهود: وأما اشتراط العدالة في الشهود، فذهب الاحناف الى أن العدالة لا تشترط، وأن الزواج ينعقد بشهادة الفاسقين، وكل من يصلح أن يكون وليا في زواج يصلح أن يكون شاهدا فيه، ثم ان المقصود من الشهادة الاعلان.
والشافعية قالوا، لابد من أن يكون الشهود عدولا للحديث المتقدم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) .
وعندهم أنه إذا عقد الزواج بشهادة مجهولي الحال ففيه وجهان.
والمذهب أنه يصح.
لان الزواج يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس، ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق فاكتفي بظاهر الحال، وكون الشاهد مستورا لم يظهر فسقه.
فإذا تبين بعد العقد أنه كان فاسقا لم يؤثر ذلك في العقد، لان الشرط في العدالة من حيث الظاهر ألا يكون ظاهر الفسق، وقد تحقق ذلك.
شهادة النساء:
والشافعية والحنابلة يشترطون في الشهود الذكورة، فان عقد الزواج بشهادة رجل وامرأتين لا يصح، لما رواه أبو عبيد عن الزهري أنه قال: (مضت السنة عن رسول الله ﷺ : (أن لا يجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق) .
ولان عقد الزواج عقد ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويحضره الرجل غالبا، فلا يثبت بشهادتهن كالحدود.
стр. 812
والاحناف لا يشترطون هذا الشرط، ويرون أن شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كافية، لقول الله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) .
ولانه مثل البيع في أنه عقد معارضة فينعقد بشهادتهن مع الرجال.
اشتراط الحرية: ويشترط أبو حنيفة والشافعي أن يكون الشهود أحرارا.
وأحمد لا يشترط الحرية، ويرى أن شهادة العبدين ينعقد بها الزواج، تقبل في سائر الحقوق، وأنه ليس فيه نص من كتاب ولا سنة يرد شهادة العبد، ويمن عمن قبولها ما دام أمينا صادقا تقيا.
اشتراط الاسلام: والفقهاء لم يختلفوا في اشتراط الاسلام في الشهود إذا كان العقد بين مسلم ومسلمة.
واختلفوا في شهادة غير المسلم فيما إذا كان الزوج وحده مسلما.
فعند أحمد والشافعي ومحمد بن الحسن أن الزواج لا ينعقد، لانه زواج مسلم، لا تقبل فيه شهادة غير المسلم.
وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف شهادة كتابيين إذا تزوج مسلم كتابية.
وأخذ بهذا مشروع قانون الاحوال الشخصية.
عقد الزواج شكلي:
عقد الزواج يتم بتحقيق أركانه، وشرائط انعقاده، الا أنه لا تترتب عليه آثاره الشرعية إلا بشهادة الشهود، وحضور الشهود شئ خارج عن رضا الطرفين، فهو من هذه الوجهة عقد شكلي، وهو يخالف العقد الرضائي الذي يكفي في انعقاده اقتران القبول بالايجاب، ويكون الرضا من المتعاقدين وحده منشئا للعقد ومكونا له كعقد الاجارة ونحوه، فهو في هذه الحالة تترتب عليه أحكامه، ويظله القانون بحماية دون الاحتياج لشئ.
стр. 813
شروط نفاذ العقد:
إذا تم العقد ووقع صحيحا، فانه يشترط لنفاذه وعدم توقفه على إجازة أحد: ١ - أن يكون كل من العاقدين اللذين توليا انشاء العقد تام الاهلية، أي عاقلا بالغا حرا.
فان كان أحد العاقدين ناقص الاهلية بأن كان معتوها أو صغيرا مميزا،
أو عبدا، فان عقده الذي يعقد بنفسه ينعقد صحيحا موقوفا على اجازة الولي، أو السيد، كان أجازه نفذ، وإلا بطل.
٢ - وأن يكون كل من العاقدين ذا صفة، تجعل له الحق في مباشرة العقد.
فلو كان العاقد فضوليا، باشر العقد لا بوكالة ولا بولاية، أو كان وكيلا ولكن خالف فيما وكل فيه، أو كان وليا ولكن يوجد ولي أقرب منه مقدم عليه، فان عقد أي واحد من هؤلاء إذا استوفى شروط الانعقاد والصحة ينعقد صحيحا موقوفا على اجازة صاحب الشأن.
شروط لزوم عقد الزواج:
يلزم عقد الزواج إذا استوفى أركانه وشروط صحته وشروط نفاذه.
وإذا لزم فليس لاحد الزوجين ولا لغيرهما حق نقض العقد ولا فسخه، ولا ينتهي الا بالطلاق أو الوفاة، وهذا هو الاصل في عقد الزواج.
لان المقاصد التي شرع من أجلها - من دوام العشرة الزوجية وتربية الاولاد والقيام على شؤونهم - لا يمكن أن تتحقق إلا مع لزومه.
ولهذا قال العلماء: شروط لزوم الزواج يجمعها شرط واحد.
وهو ألا يكون لاحد الزوجين حق فسخ العقد بعد انعقاده وصحته ونفاذه، فلو كان لاحد حق فسخه كان عقدا غير لازم.
متى يكون العقد غير لازم:
لا يكون العقد لازما فيما يأتي من الصور: إذا تبين أن الرجل غرر بالمرأة أو أن المرأة غررت بالرجل.
مثال ذلك أن يتزوج الرجل المرأة وهو عقيم، لا يولد له ولم تكن تعلم
стр. 814
بعقمه، فلها في هذه الحال حق نقض العقد وفسخه متى علمت، الا إذا اختارته زوجا لها، ورضيت معاشرته.
قال عمر ﵁ لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له، أخبرها انك عقيم وخيرها (١) .
ومن صور التغرير أن يتزوجها على انه مستقيم، ثم يتبين أنه فاسق، فلها كذلك حق فسخ العقد.
ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية: إذا تزوج امرأة على أنها بكر فبانت ثيبا فله الفسخ، وله أن يطالب بأرش الصداق - وهو تفاوت ما بين مهر البكر والثيب - وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر.
وكذلك لا يكون العقد لازما إذا وجد الرجل بالمرأة عيبا ينفر من كمال الاستمتاع.
كأن تكون مستحاضة دائما، فان الاستحاضة عيب يثبت به فسخ النكاح (٢) وكذلك إذا وجد بها ما يمنع الوطء كانسداد الفرج.
ومن العيوب التي تجيز للرجل فسخ العقد: الامراض المنفرة: مثل البرص والجنون والجذام، وكما يثبت حق الفسخ للرجل فكذلك يثبت للمرأة إذا كان الرجل أبرص، أو كان مجنونا أو مجذوما أو مجبوبا أو عنينا (٣) أو صغيرا.
رأي الفقهاء في الفسخ بالعيب:
وقد اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فمنهم من رأى أن الزواج لا يفسخ بالعيوب مهما كانت هذه العيوب، ومن هؤلاء الفقهاء داود وابن حزم (٤) .
قال صاحب الروضة الندية: اعلم أن الذي ثبت بالضرورة الدينية أن عقد النكاح لازم تثبت به أحكام الزوجية من جواز الوطء، ووجوب النفقة ونحوها، وثبوت الميراث، وسائر الاحكام.
стр. 815
وثبت بالضرورة الدينية أن يكون الخروج منه بالطلاق أو الموت.
فمن زعم أنه يجوز الخروج من النكاح بسبب من الاسباب، فعليه الدليل الصحيح المقتضي للانتقال عن ثبوته بالضرورة الدينية.
وما ذكروه من العيوب لم يأت في الفسخ بها حجة نيرة ولم يثبت شئ منها.
وأماق وله ﷺ : (الحقي بأهلك) فالصيغة صيغة طلاق.
وعلى فرض الاحتمال فالواجب الحمل على المتيقن دون ما سواه.
وكذلك الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح، والاصل البقاء على النكاح حتى يأتي ما يوجب الانتقال عنه.
ومن أعجب ما يتعجب منه تخصيص بعض العيوب بذلك دون بعض.
٢ - ومنهم من رأى أن الزواج يفسخ ببعض العيوب دون بعض، وهم جمهور أهل العلم، واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي: (أولا) ما رواه كعب بن زيد، أو زيد بن كعب، أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها، ووضع ثوبه، وقعد على الفراش أبصر بكشحها (١) بياضا فانحاز (٢) عن الفراش، ثم قال: (خذي عليك ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئا) .
رواه أحمد وسعيد بن منصور.
(ثانيا) عن عمر أنه قال: أيما امرأة غر بها رجل، بها جنون أو جذام، أو برص، فلها مهرها بما أصاب منها.
وصداق الرجل على من غر ... ) رواه مالك والدارقطني.
وهؤلاء اختلفوا في العيوب التي يفسخ بها النكاح.
فخصها أبو حنيفة بالجب والعنة.
وزاد مالك والشافعي الجنون والبرص والجذام.
والقرن (انسداد في الفرج) .
وزاد أحمد على ما ذكره الائمة الثلاثة أن تكون المرأة فتقاء (منخرقة ما بين السبيلين) .
التحقيق في هذه القضية: والحق أن كلا من الاراء المتقدمة غير جدير بالاعتبار، وأن الحياة
стр. 816
الزوجية التي بنيت على السكن والمودة والرحمن لا يمكن أن تتحقق وتستقر مادام هناك شئ من العيوب والامراض ينفر أحد الزوجين من الاخر.
فان العيوب والامراض المنفرة لا يتحقق معها المقصود من النكاح.
ولهذا أذن الشارع بتخيير الزوجين في قبول الزواج أو رفضه.
وللامام ابن القيم تحقيق جدير بالنظر والاعتبار: قال: فالعمى، والحرس والطرش، وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو احداهما، أو كون الرجل كذلك، من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين.
وقد قال أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) ﵁ لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: (أخبرها أنك عقيم وخيرها) .
فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هي عندها كمال بلا نقص.
قال: والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الاخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع.
وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط، ولا مغبونا بما غر وغبن به.
ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره، وموارده، وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد قواعد الشريعة.
وقد روى يحيى بن سعيد الانصاري عن ابن المسيب ﵁ قال: قال عمر ﵁: أيما امرأة تزوجت وبها جنون أن جذام أو برص، فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها، وعلى الولي الصداق بما دلس، كما غره.
وروى الشعبي عن علي كرم الله وجهه، أيما امرأة نكحت، وبها برص، أو جنون، أو جذام، أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها، ان شاء أمسك، وان شاء طلق، وان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها.
وقال وكيع: عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
стр. 817
المسيب، عن عمر ﵁ قال: (إذا تزوجها برصاء أو عمياء، فدخل بها فلها الصداق، ويرجع به على من غره) .
قال: وهذا يدل على أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدمة على وجه الاختصاص والحصر دون ما عداها.
وكذلك حكم قاضي الاسلام شريح ﵁ الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه.
قال عبد الرازق: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين ﵁، خاصم رجل رجلا الى شريح فقال: ان هذا قال لي: إنا نزوجك أحسن الناس فجاءني بامرأة عمياء. فقال شريح: إن كان دلس عليك بعيب لم يجز.
فتأمل هذا القضاء وقوله: (إن كان دلس عليك بعيب) كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به.
قال الزهري ﵁: يرد النكاح من كل داء عضال قال: ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب، إلا رواية رويت عن عمر: " لا ترد النساء إلا من العيوب الاربعة: الجنون، والجذام، والبرص، والداء في الفرج ".
وهذه الرواية لا نعلم لها اسنادا أكثر من أصبغ وابن وهب عن عمر وعلي ﵄.
وقد روي ذلك عن ابن عباس باسناد متصل.
هذا كله إذا أطلق الزوج.
وأما إذا اشترط السلامة، أو اشترط الجمال فبانت شوهاء أو شرطها شابة حديثة السن فبانت عجوزا شمطاء.
أو شرطها بيضاء فبانت سوداء، أو بكرا ببانت ثيبا فله الفسخ في ذلك.
فان كان قبل الدخول فلا مهر، وان كان بعده فلها المهر.
وهو غرم على وليها ان كان غره.
وان كانت هي الغارة سقط مهرها، أو رجع عليها به إن كانت قبضته.
ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه.
стр. 818
وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط.
وقال أصحابه إذا شرطت فيه صفة فبان بخلافها فلا خيار لها، إلا في شرط الحرية إذا بان عبدا فلها الخيار.
وفي شرط النسب إذا بن بخلافه وجهان.
والذي يقتضيه مذهبه وقواعده أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها.
بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى، لانها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق.
فإذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق بغيره فلان يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى.
وإذا جاز لها أن تفسخ إذا ظهر الزوج ذا صناعة دنيئة، لا تشينه في دينه ولا في عرضه، وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به.
فإذا شرطته شابا جميلا صحيحا فبان شيخا مشوها أعمى، أطرش، أخرس، أسود، فكيف تلزم به وتمنع من الفسخ؟ هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع.
قال: وكيف يمكن أحد الزوجين من الفسخ بقدر العدسة من البرص ولا يمكن منه بالجرب المستحكم المتمكن وهو أشد إعداء من ذلك البرص اليسير.
وكذلك غيره من أنواع الداء العضال.
وإذا كان النبي ﷺ حرم على البائع كتمان عيب سلعته، وحرم على من علمه أن يكتمه على المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح؟ وقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس، حين استشارته في نكاح معاوية وأبي جهم: " أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ".
فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب.
فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببا للزومه؟ وجعل ذي العيب غلا لازما في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه، ولا سيما مع شرط السلامة منه وشرط خلافه؟
стр. 819
وهذا ما يعلم يقينا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه، والله أعلم. انتهى.
وذهب أبو محمد بن حزم الى أن الزوج إذا شرط السلامة من العيوب فوجد أي عيب كان، فالنكاح باطل من أصله غير منعقد، ولا خيار له فيه، ولا اجازة، ولا نفقة، ولا ميراث.
قلت: إن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، إذ السالمة غير المعيبة بلا شك، فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما.
ما جرى عليه العمل بالمحاكم: وقد جرى العمل الان بالمحاكم حسب ما جاء بالمادة التاسعة من قانون سنة ١٩٢٠.
" أنه يثبت للمرأة هذا الحق (١) إذا كان العيب مستحكما لا يمكن البرء منه، أو يمكن بعد زمن، ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر أيا كان هذا العيب، كالجنون، والجذام والبرص، سواء أكان ذلك بالزوج قبل العقد ولم تعلم به، أم حدث بعد العقد ولم ترض به، فان تزوجته عالمة بالعيب، أو حدث العيب بعد العقد، ورضيت صراحة أو دلالة بعد علمها، فلا يجوز طلب التفريق، واعتبر التفريق في هذا الحال طلاقا بائنا، ويستعان بأهل الخبرة في معرفة العيب ومداه من الضرر.
ومما يدخل في هذا الباب - عند الاحناف - تزويج الكبيرة العاقلة نفسها من كفء بمهر أقل من مهر مثلها بدون رضا أقرب عصبتها.
وكذلك إذا زوج الصغير أو الصغيرة غير الاب والجد من الاولياء - عند عدمهما - وكان الزوج كفئا، وكان المهر مهر المثل كان الزواج غير لازم، وسيأتي ذلك مفصلا في مبحث الولاية.
شروط سماع الدعوى بالزواج قانونا:
رأى المشرع الوضعي شروطا لسماع الدعوى بالزواج من جهة،
стр. 820
وشروطا أخرى لمباشرة عقد الزواج رسميا من جهة أخرى، نجملها فيما يلي اتماما للفائدة: المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج: جاءت الفقرات الاربع من المادة ٩٩ من المرسوم بقانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ الخاص بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية والاجراءات المتعلقة بها: " لا تسمع عند الانكار دعوى الزوجية أو الطلاق أو الاقرار بهما، بعد وفاة أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة ١٩١١ أفرنكية، سواء أكانت مقامة من أحد الزوجين أم من غيرهما، الا إذا كانت مؤيدة بأوراق خالية من شبهة التزوير على صحتها.
ومع ذلك، يجوز سماع دعوى الزوجية، أو الاقرار بها، المقامة من أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة ألف وثمانمائة وسبع وتسعين فقط، بشهادة الشهود وبشرط أن تكون الزوجية معروفة بالشهرة العامة.
ولايجوز سماع دعوى ما ذكر كله من أحد الزوجين أو غيره في الحوادث الواقعة من سنة ألف وتسعمائة واحدى عشرة الا إذا كانت ثابتة بأوراق رسمية أو مكتوبة كلها بخط المتوفى وعليها امضاؤه كذلك.
ولا تسمع عند الانكار دعوى الزوجية أو الاقرار بها الا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة ١٩٢١ م ".
وجاء في المذكرة التفسرية لهذه المواد ما يأتي: " ومن القواعد الشرعية أن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والحوادث والاشخاص، وأن لولي الامر أن يمنع قضاته عن سماع بعض الدعاوى، وأن يقيد السماع بما يراه من القيود تبعا لاحوال الزمان وحاجة الناس، وصيانة للحقوق من العبث والضياع.
وقد درج الفقهاء من سالف العصور على ذلك، وأقروا هذا المبدأ في أحكام كثيرة، واشتملت لائحتا سنة ١٨٩٧ وسنة ١٩١٠ للمحاكم الشرعية على كثير من مواد التخصيص وخاصة فيما يتعلق بدعاوى الزوجية والطلاق والاقرار بهما.
стр. 821
وألف الناس هذه القيود واطمأنوا إليها بعد ما تبين مالها من عظيم الاثر في صيانة حقوق الاسر.
إلا أن الحوادث قد دلت على أن عقد الزواج - وهو أساس رابطة الاسرة - لا يزال في حاجة الى الصيانة والاحتياط في أمره.
فقد يتفق اثنان على الزواج بدون وثيقة ثم يجحده أحدهما ويعجز الاخر عن إثباته أمام القضاء.
وقد يدعى الزوجية بعض ذوي الاغراض زورا وبهتانا أو نكاية وتشهيرا، أو ابتغاء غرض آخر، اعتمادا على سهولة اثباتها.
خصوصا وأن الفقه يجيز الشهادة بالتسامع في الزواج، وقد تدعى الزوجية بورقة إن ثبتت صحتها مرة لا تثبت مرارا.
وما كان لشئ من ذلك أن يقع لو أثبت هذا العقد دائما بوثيقة رسمية، كما في عقود الرهن وحجج الاوقاف، وهي أقل منه شأنا وهو أعظم منها خطرا.
فحملا للناس على ذلك، واظهارا لشرف هذا العقد، وتقديسا عن الجحود والانكار، ومنعا لهذه المفاسد العديدة، واحتراما لروابط الاسرة، زيدت الفقرة الرابعة في المادة " ٩٩ " التي نصها: " ولا تسمع عند الانكار دعوى الزوجية أو الاقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة ١٩٣١ م ".
تحديد سن الزوجين لسماع دعوى الزواج:
نصت الفقرة الخامسة من المادة ٩٩ من لائحة الاجراءات الشرعية على أنه " لا تسمع دعوى الزوجية إذا كانت سن الزوجة تقل عن ست عشرة سنة هجرية، أو سن الزوج تقل عن ثماني عشرة سنة هجرية إلا بأمر منا ".
وقد جاء في المذكرة الايضاحية بشأن هذه الفقرة ما نصه: " كانت دعوى الزوجية لا تسمع إذا كانت سن الزوجين وقت العقد أقل من ست عشرة سنة للزوجة وثماني عشرة للزوج. سواء أكانت سنهما كذلك وقت الدعوى أم جاوزت هذا الحد.
стр. 822
فرئي تيسيرا على الناس، وصيانة للحقوق، واحتراما لاثار الزوجية، أن يقصر المنع من السماع على حالة واحدة، وهي مااذا كانت سنهما أو سن أحدهما وقت الدعوى أقل من السن المحددة ".
تحديد سن الزواج لمباشرة عقد الزواج رسميا:
نصت الفقرة الثانية من المادة ٣٦٦ من لائحة الاجراءات على أنه " لا يجوز مباشرة عقد الزواج، ولا المصادقة على زواج مسند الى ما قبل العمل بهذا القانون، ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة، وسن الزواج ثماني عشرة وقت العقد ".
ومما جاء في المذكرة الايضاحية بشأن هذه الفقرة: " ان عقد الزواج له من الاهمية في الحالة الاجتماعية منزلة عظمي من جهة سعادة المعيشة المنزلية أو شقائها، والعناية بالنسل أو اهماله.
وقد تطورت الحال بحيث أصبحت تتطلب المعيشة المنزلية استعدادا كبيرا لحسن القيام بها ولا تستأهل الزوجة والزوج لذلك غالبا قبل سن الرشد المالي (١) .
غير أنه لما كانت بنية الانثى تستحكم وتقوى قبل استحكام بنية الصبي، كان من المناسب أن يكون سن الزواج للفتى ثماني عشرة، وللفتاة ست عشرة.
فلهذه الاغراض الاجتماعية حدد الشارع المصري سن الزواج لمباشرة العقد رسميا، كما حدد سنا لسماع دعوى الزوجية قانونا ".
وصيانة لقانون تحديد السن لمباشرة العقد صدر قانون رقم ٤٤ من السنة ١٩٣٣ ونص المادة الثانية منه ما يأتي: مادة (٢) - يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على مائة جنيه كل من أبدى أمام السلطة المختصة - بقصد اثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانونا لضبط عقد الزواج - أقوالا يعلم أنها غير صحيحة، أو حرر، أو قدم لها أوراقا كذلك، متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الاقوال، أو الاوراق.
ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد عن مائتي جنيه كل شخص خوله
стр. 823
القانون سلطة ضبط عقد الزواج وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون.
المحرمات من النساء:
ليست كل امرأة صالحة للعقد عليها، بل يشترط في المرأة التي يراد العقد عليها أن تكون غير محرمة على من يريد التزوج بها، سواء أكان هذا التحريم مؤبدا أم مؤقتا.
والتحريم المؤبد يمنع المرأة أن تكون زوجة للرجل في جميع الاوقات.
والتحريم المؤقت يمنع المرأة من التزوج بها مادامت على حالة خاصة قائمة بها، فان تغير الحال وزال التحريم الوقتي صارت حلالا.
وأسباب التحريم المؤبدة هي:
١ - النسب.
٢ - المصاهرة.
٣ - الرضاع.
وهي المذكورة في قول الله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الاخ، وبنات الاخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الاختين، إلا ما قد سلف ".
والمؤقتة تنحصر في أنواع.
وهذا بيان كل منها: المحرمات من النسب هن:
١ - الامهات.
٢ - البنات.
стр. 824
٣ - الاخوات.
٤ - العمات.
٥ - الخالات.
٦ - بنات الاخ.
٧ - بنات الاخت.
والام اسم لكل أنثى لها عليك ولادة.
فيدخل في ذلك الام، وأمهاتها، وجداتها، وأم الاب، وجداته، وإن علون.
البنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو درجات.
فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها.
والاخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما.
والعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه.
أو في احدهما.
وقد تكون العمة من جهة الام، وهي أخت أبي أمك.
والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما.
وقد تكون من جهة الاب.
وهي أخت أم أبيك.
وبنت الخ: اسم لكل أنثى لاخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة، وكذلك بنت الاخت.
المحرمات بسبب المصاهرة:
المحرمات بسبب المصاهرة (١) هن:
١ - أم زوجته، وأم أمها، وأم أبيها، وان علت.
لقول الله تعالى " وأمهات نسائكم ".
ولا يشترط في تحريمها الدخول بها، بل مجرد العقد عليها يحرمها (٢) .
٢ - وابنة زوجته التي دخل بها.
стр. 825
ويدخل في ذلك بنات بناتها، وبنات أبنائها، وان نزلن، لانهن من بناتها لقول الله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ".
والربائب: جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره.
سمي ربيبا له، لانه يربه كما يرب ولده (أي يسوسه) .
وقوله: " اللاتي في حجوركم " وصف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمها، وليس قيدا.
وعند الظاهرية أنه قيد، وأن الرجل لا تحرم عليه ربيبته - أي ابنة امرأته - إذا لم تكن في حجره.
وروي هذا عن بعض الصحابة.
فعن مالك بن أوس قال: " كان عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي.
فوجدت (١) فلقيني علي بن أبي طالب ﵁ فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة.
فقال: ألها بنت؟ قلت: نعم، وهي بالطائف.
قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا.
قال: " انكحها ".
قلت: فأين قول الله تعالى: " وربائبكم اللاتي في حجوركم "؟! قال: انها لم تكن في حجرك، انما ذلك إذا كانت في حجرك.
ورد جمهور العلماء هذا الرأي وقالوا: ان حديث علي هذا لا يثبت، لان رواية ابراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس، عن علي ﵁. وابراهيم هذا لايعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف.
٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن بنته وان نزل لقول الله تعالى: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ".
стр. 826
و " الحلائل " جمع حليلة، وهي الزوجة، و " الزوج حليل ".
٤ - زوجة الاب: يحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه، بمجرد عقد الاب عليها، ولم يدخل بها.
وكان هذا النوع من الزواج فاشيا في الجاهلية، وكانوا يسمونه زواج المقت (١) وسمي الولد منها مقيتا، أو مقتيا، وقد نهى الله عنه وذمه ونفر منه.
قال الامام الرازي: مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي.
وقد وصف الله هذا النكاح بكل ذلك، فقوله سبحانه: " فاحشة " إشارة الى مرتبة قبحه العقلي، وقوله تعالى: " ومقتا " إشارة الى مرتبة قبحه الشرعي، وقوله تعالى: " وساء سبيلا " اشارة الى مرتبة قبحه العادي.
وقد روى ابن سعد عن محمد بن كعب سبب نزول هذه الاية، قال: كان الرجل إذا توفي عن امرأته، كان ابنه أحق بها أن ينكحها ان شاء، ان لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء.
فلما مات أبو قيس بن الاسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئا، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: " ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا " فنزلت الاية: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ".
ويرى الاحناف أن من زنى بامرأة، أو لمسها، أو قبلها، أو نظر الى فرجها بشهوة، حرم عليه أصولها وفروعها، وتحرم هي على أصوله وفروعه إذ أن حرمة المصاهرة تثبت عندهم بالزنا، ومثله مقدماته ودواعيه، قالوا: " ولو زنا الرجل بأم زوجته، أو بنتها حرمت عليه حرمة مؤبدة.
ويرى جمهور العلماء أن الزنا لا تثبت به حرمة المصاهرة، واستدلوا على هذا بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم " فهذا بيان
стр. 827
عما يحل من النساء بعد بيان ما حرم منهن، ولم يذكر أن الزنا من أسباب التحريم.
٢ - روت عائشة ﵂، أن النبي ﷺ سئل عن رجل زنى بامرأة.
فأراد أن يتزوجها أو ابنتها. فقال ﷺ : " لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح " رواه ابن ماجه عن ابن عمر.
٣ - ان ما ذكروه من الاحكام في ذلك هو مما تمس إليه الحاجة، وتعم به البلوى أحيانا، وما كان الشارع ليسكت عنه، فلا ينزل به قرآن، ولا تمضي به سنة، ولا يصح فيه خبر، ولا أثر عن الصحابة، وقد كانوا قريبي عهد بالجاهلية التي كان الزنا فيها فاشيا بينهم.
فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركا في الشرع أو تدل عليه علة وحكمة لسألوا عن ذلك، وتوفرت الدواعي على نقل ما يفتنون به (١) .
٤ - ولانه معنى لا تصير به المرأة فراشا، فلم يتعلق به تحريم المصاهرة، كالمباشرة بغير شهوة.
المحرمات بسبب الرضاع:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والذي يحرم من النسب: الام، والبنت، والاخت، والعمة، والخالة، وبنات الاخ، وبنات الاخت.
وهي التي بينها الله تعالى في قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الاخ وبنات الاخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة ".
وعلى هذا، فتنزل المرضعة منزلة الام، وتحرم على المرضع، هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب فتحرم: ١ - المرأة المرضعة، لانها بارضاعها تعد أما للرضيع.
٢ - أم المرضعة، لانها جدة له.
стр. 828
٣ - أم زوج المرضعة - صاحب اللبن - لانها جدة كذلك.
٤ - أخت الام، لانها خالة الرضيع.
٥ - أخت زوجها - صاحب اللبن - لانها عمته.
٦ - بنات بنيها وبناتها، لانهن بنات اخوته وأخواته.
٧ - الاخت، سواء أكانت أختا لاب وأم.
أو أختا لام، أو أختا لاب (١) .
الرضاع الذي يثبت به التحريم:
الظاهر أن الارضاع الذي يثبت به التحريم، هو مطلق الارضاع.
ولا يتحقق إلا برضعة كاملة، وهي أن يأخذ الصبي الثدي ويمتص اللبن منه، ولا يتركه إلا طائعا من غير عارض يعرض له، فلو مص مصة أو مصتين، فان ذلك لا يحرم لانه دون الرضعة، ولا يؤثر في الغذاء.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : " لا تحرم المصة ولا المصتان " رواه الجماعة إلا البخاري.
والمصة هي الواحدة من المص.
وهو أخذ اليسير من الشئ، يقال أمصه ومصصته، أي شربته شربا رقيقا. هذا هو الامر الذي يبدو لنا راجحا.
وللعلماء في هذه المسألة عدة آراء نجملها فيما يأتي:
١ - أن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم أخذا بإطلاق الارضاع في الاية.
ولما رواه البخاري، ومسلم، عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجرت أمة سوداء فقالت: " قد أرضعتكما ".
فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك فقال: " وكيف، وقد قيل؟ دعها عنك ".
فترك الرسول ﷺ السؤال عن عدد الرضعات، وأمره
стр. 829
بتركها دليل على أنه لا اعتبار إلا بالارضاع، فحيث وجد اسمه وجد حكمه.
ولانه فعل يتعلق به التحريم، فيستوي قليله وكثيره، كالوطء الموجب له.
ولان إنشاز العظم، وإنبات اللحم، يحصل بقليله وكثيره.
وهذا مذهب " علي "، و " ابن عباس "، و " سعيد بن المسيب "، و " الحسن البصري " و " الزهري " و " قتادة " و " حماد " و " الاوزاعي " و " الثوري " و " أبي حنيفة " و " مالك " ورواية عن " أحمد ".
٢ - أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات متفرقات.
لما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة قالت: " كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن ".
وهذا تقييد لاطلاق الكتاب والسنة، وتقييد المطلق بيان، لانسخ ولا تخصيص.
ولو لم يعترض على هذا الرأي، بأن القرآن لا يثبت الا متواترا، وأنه لو كان كما قالت عائشة لما خفي على المخالفين.
ولاسيما الامام علي وابن عباس، نقول: لو لم يوجه إلى هذا الرأي هذه الاعتراضات لكان أقوى الاراء، ولهذا عدل الامام البخاري عن هذه الرواية.
وهذا مذهب عبد الله بن مسعود، وإحدى الروايات عن عائشة، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاووس، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وابن حزم، وأكثر أهل الحديث.
٣ - أن التحريم يثبت بثلاث رضعات فأكثر لان النبي ﷺ قال: " لا تحرم المصة ولا المصتان ".
وهذا صريح في نفي التحريم بما دون الثلاث، فيكون التحريم منحصرا فيما زاد عليهما.
وإلى هذا ذهب أبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر، ورواية عن أحمد.
стр. 830
لبن المرضعة يحرم مطلقا: التغذية بلبن المرضعة محرم، سواء أكان شربا أو وجورا (١) أو سعوطا (٢) ، حيث كان يغذي الصبي ويسد جوعه، ويبلغ قدر رضعة، لانه يحصل به ما يحصل بالارضاع من انبات اللحم، وانشاز العظم، فيساويه في التحريم.
اللبن المختلط لبن المرأة بطعام، أو شراب، أو دواء، أو لبن شاة أو غيره، وتناوله الرضيع فان كان الغالب لبن المرأة حرم، وان لم يكن غالبا فلا يثبت به التحريم.
وهذا مذهب الاحناف، والمزني، وأبي ثور قال ابن القاسم من المالكية: " إذا استهلك اللبن في ماء أو غيره، ثم سقيه الطفل لم تقع به الحرمة ".
ويرى الشافعي، وابن حبيب، ومطرف، وابن الماجشون من أصحاب مالك: انه تقع به الحرمة بمنزلة مالو انفرد اللبن، أو كان مختلطا لم تذهب عينه.
قال ابن رشد.
وسبب اختلافهم: هل يبقى للتبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره، أم لا يبقى به حكمها؟ كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر.
والاصل المعتبر في ذلك انطلاق اسم اللبن عليه كالماء، هل يطهر إذا خالطه شئ من الطاهر (٣) ؟.
صفة المرضعة: والمرضعة التي يثبت بلبنها التحريم، هي كل امرأة در اللبن من ثدييها،
стр. 831
سواء أكانت بالغة أم غير بالغة، وسواء أكانت يائسة من المحيض أم غير يائسة، وسواء أكان لها زوج أم لم يكن.
وسواء أكانت حاملا أم غير حامل.
سن الرضاع: الرضاع المحرم للزواج ما كان في الحولين.
وهي المدة التي بينها الله تعالى وحددها في قوله: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ".
لان الرضيع في هذه المدة يكون صغيرا يكفيه اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءا من المرضعة.
فيشترك في الحرمة مع أولادها.
روى الدارقطني، وابن عدي، عن ابن عباس ﵄ قال:
" لارضاع إلا في الحولين ".
وروى مرفوعا إلى النبي ﷺ : " لا رضاع إلا ما أنشز (١) العظم، وأنبت اللحم " رواه أبو داود.
وإنما يكون ذلك لمن هو في سن الحولين، ينمو باللبن عظمه، وينبت عليه لحمه.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق (٢) الامعاء، وكان قبل الفطام ".
رواه الترمذي وصححه.
وقال ابن القيم: هذا حديث منقطع.
ولو فطم الرضيع قبل الحولين واستغنى بالغذاء عن اللبن.
ثم أرضعته امرأة، فان ذلك الرضاع تثبت به الحرمة عند أبي حنيفة والشافعي، لقول الرسول ﷺ : " إنما الرضاعة من المجاعة ".
وقال مالك: ما كان من الرضاعة بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئا، إنما هو بمنزلة الماء.
وقال: إذا فصل (٣) الصبي قبل الحولين، أو استغنى بالفطام عن الرضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للارضاع حرمة ".
стр. 832
رضاع الكبير:
وعلى هذا فرضاع الكبير لا يحرم في رأي جماهير العلماء للادلة المتقدمة.
وذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أنه يحرم - ولو أنه شيخ كبير - كما يحرم رضاع الصغير، وهو رأي عائشة ﵂.
ويروى عن علي كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح وهو قول الليث ابن سعد، وابن حزم، واستدلوا على ذلك بما رواه مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاع الكبير فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث: " أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم ففعلت، وكانت تراه ابنا لها ".
قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين رضيا لله عنها، فيمن كانت تحت أن يدخل عليها من الرجال.
فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.
وروى مالك، وأحمد: أن أبا حذيفة تبنى (١) سالما.
وهو مولى لامرأة من الانصار، كما تبنى النبي ﷺ زيدا.
وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث من ميراثه، حتى أنزل الله ": ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ".
فردوا الى آبائهم. فمن لم يعلم له أب، فمولى وأخ في الدين، فجاء، سهلة.
فقالت: يارسول الله كنا نرى سالما ولدا يأوي معي ومع أبي حذيفة، ويراني فضلا (٢) ، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت.
فقال رسول الله ﷺ : " أرضعيه خمس رضعات "، فكان بمنزلة ولده من الرضاعة.
وعن زينب بنت أم سلمة ﵂ قالت: قالت أم سلمة لعائشة ﵂.
" انه يدخل عليك الغلام الايفغ الذي ما أحب أن يدخل علي "
стр. 833
فقالت عائشة رضيا لله عنها: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟.
فقالت: إن امرأة أن حذيفة قالت: يا رسول الله صلى ان سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شئ.
فقال رسول الله ﷺ : " أرضعيه حتى يدخل عليك ".
والمختار من هذين القولين ما حققه ابن القيم.
قال: إن حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولاعام في حق كل واحد، وإنما هو رخصة للحاجة، لمن لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة.
فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الاسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، والاحاديث النافية للرضاع في الكبير: [إما مطلقة فتفيد بحديث سهلة، أو عامة في كل الاحوال فتخصص هذه الحال من عمومها.
وهذا أولى من النسخ، ودعوى التخصيص لشخص بعينه، وأقرب الى العمل بجميع الاحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له.
انتهى.
الشهادة على الرضاع:
شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع - إذا كانت مرضية - لما رواه عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: " قد أرضعتكما "، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ .
قال فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: " وكيف وقد زعمت أنها
أرضعتكما؟ " فنهاه عنها.
احتج بهذا الحديث: طاووس، والزهري، وابن أبي ذئب، والاوزاعي، ورواية عن أحمد، على أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع.
وذهب الجمهور الى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة، لانها شهادة على فعل نفسها.
وقد أخرج أبو عبيد عن عمر، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس انهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك.
стр. 834
فقال عمر ﵁: " ففرق بينهما ان جاءت بينة، وإلا فخل بين الرجل وامرأته، إلا أن ينتزها (١) .
ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين زوجين إلا فعلت.
ومذهب الاحناف أن الشهادة على الرضاع لابد فيها من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، ولا يقبل فيها شهادة النساء وحدهن، لقول الله عزوجل: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ".
وروى البيهقي: أن عمر ﵁ أتي بامرأدة شهدت على رجل وامرأته أنها أرضعتهما، فقال: لا: حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان.
وعن الشافعي ﵁: أنه يثبت بهذا، وبشهادة أربع من النساء، لان كل امرأتين كرجل، ولان النساء يطلعن على الرضاع غالبا كالولادة.
وعند مالك: تقبل فيه شهادة امرأتين بشرط فشو قولهما بذلك قبل الشهادة.
قال ابن رشد: وحمل بعضهم حديث عقبة بن الحارث على الندب جمعا بينه وبين الاصول، وهو أشبه،] وهي رواية عن مالك.
أبوة زوج الموضع للرضيع:
إذا أرضعت امرأة رضيعا صار زوجها أبا للرضيع وأخوه عما له، لما تقدم من حديث حذيفة، ولحديث عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " ائذني لافلح أخي أبي القعيس فانه عمك ".
وكانت امرأته أرضعت عائشة ﵂.
وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت احداهما جارية والاخرى غلاما: أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ قال: " لا " اللقاح واحد.
وهذا رأي الائمة الاربعة: والاوزاعي، والثوري.
وممن قال به من الصحابة علي، وابن عباس ﵄.
التساهل في أمر الرضاع: كثير من النساء يتساهل في أمر الرضاع فيرضعون الولد من امرأة، أو من
стр. 835
عدة نسوة، دون عناية بمعرفة أولاد المرضعة واخوانها، ولا أولاد زوجها - من غيرها - واخوته، ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الاحكام، كحرمة النكاح، وحقوق هذه القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب.
فكثيرا ما يتزوج الرجل أخته، أو عمته، أو خالته من الرضاعة، وهو لا يدري (١) .
والواجب الاحتياط في هذا الامر، حتى لا يقع الانسان في المحظور.
حكمة التحريم: قال في تفسير المنار (٢) : إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبا من الصلة يتراحمون بها، ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة.
فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الاولاد والوالدين من العاطفة والاريحية.
فمن اكتنه السر في عطف الاب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه الى العناية بتربيته الى أن يكون رجلا مثله.
فهو ينظر إليه كنظره الى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الولد شعورا بأن أباه كان منشأ وجوده، وممد حياته وقوام تأديبه، وعنوان شرفه.
وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والاريحية يعطف الاب على ابنه، وبساعده.
هذا ماقاله الاستاذ الامام محمد عبده.
ولا يخفى على انسان أن عاطفة الام الوالدية أقوى من عاطفة الاب، ورحمتها أشد من رحمته، وحنانها أرسخ من حنانه، لانها أرق قلبا، وأدق شعورا.
وأن الولد يتكون جنينا من دمها الذي هو قوام حياتها.
ثم يكون طفلا يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصة من ثديها عاطفة
стр. 836
جديدة، يستلها من قلبها، والطفل لا يحب أحدا في الدنيا قبل أمه.
ثم انه يحب أباه، ولكن دون حبه لامه، وان كان يحترمه أشد مما يحترمها.
أفليس من الجنابة على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والاولاد حب استمتاع الشهوة - فيزحمه ويفسده - وهو خير ما في هذه الحياة!!
بلى: ولاجل هذا كان تحريم نكاح الامهات هو الاشد المقدم في الآية، ويليه تحريم البنات.
ولولا ما عهد في الانسان من الجناية على الفطرة والعبث بها والافساد فيها، لكان لسليم الفطرة أن يتعجب من تحريم الامهات والبنات، لان فطرته تشعر أن النزوع الى ذلك من قبيل المستحيلات.
وأما الاخوة والاخوات، فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والاولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد، يفان الاخ والاخت من أصل واحد يستويان في النسة إليه من غير تفاوت بينهما.
ثم انهما ينشآن في حجر واحد، على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الاخوة بينهما متكافئة، ليست أقوى في إحداهما منها في الاخرى، كقوة عاطفة الامومة والابوة على عاطفة البنوة.
فلهذه الاسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس لآخر.
إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة.
ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها، وكان يريد قتلهم، وفشفعها في واحد مبهم منهم، وأمرها أن تختار من يبقى، فاختارت أخاها، فسألها عن سبب ذلك فقالت: " ان الاخ لاعوض عنه، وقد مات الوالدان، وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما ".
فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة.
وقال: " لو اختارت الزوجة غير الاخ لما أبقيت لها أحدا ".
وجملة القول: إن صلة الاخوة صلة فطرية قوية، وأن الاخوة والاخوات
стр. 837
لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض، لان عاطفة الاخوة تكون هي المسؤولية على النفس بحيث لا يبقى لسواها معها موضع ما سلمت الفطرة.
فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الاخت حتى يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الاخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الاب والام.
وفي الحديث " عم الرجل صنو أبيه ".
أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة.
ولهذا المعنى - الذي كانت به صلة العمومة من صلة الابوة، وصلة الخؤولة من صلة الامومة - قالوا: إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الامهات وداخل فيه، فكان من محاسن دين الفطرة المحافة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة، والتراحم والتعاون بها، وأن لاتنزو الشهوة عليها، وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الاخ وبنات الاخت، فهما من الانسان بمنزلة بناته، حيث أن أخاه وأخته كنفسه، وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة يمن نفسه، وكذا صاحب الفطرة السقيمة، إلا أن عاطفة هذا تكون كفطرته في سقهما.
نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى لكونها بضعة منه، نمت وترعرعت بعنايته ورعايته.
وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما لما تقدم.
وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الاخوة والاخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لاولئك حب تكريم واحترام.
فهما - من حيث البعد عن مواقع الشهوة - متكافآن.
وانما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات، لان الادلاء بهما من الآباء والامهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الاخوة والاخوات.
هذه أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس ويتعاطفون ويتوادون ويتعاونون بها وبما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان والعطف والاحترام! فحرم الله فيها النكاح لاجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها الى من
стр. 838
ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبة بينهم، كالغرباء والاجانب، والطبقات البعيدة من سلالة الاقارب، كأولاد الاعمام والعمات والاخوال والخالات.
وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس.
فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
ثم قال: إن هنالك حكمة جسدية حيوية عظيمة جدا.
وهي أن تزوج الاقارب بعضهم ببعض يكون سببا لضعف النسل.
فإذا تسلسلت واستمرت بتسلسل الضعف والضوى فيه إلى أن ينقطع، ولذلك سببان: (أحدهما) وهو الذي أشار إليه الفقهاء - أن قوة النسل تكون على قدر قوة داعية التناسل في الزوجين، وهي الشهوة.
وقد قالوا: إنها تكون ضعيفة بين الاقارب.
وجعلوا ذلك علة لكراهية تزوج بنات العم وبنات العمة، الى آخره.
وسبب ذلك، أن هذه الشهوة شعور في النفس، يزاحمه شعور عواطف
القرابة المضاد له، فإما أن يزيله، وإما أن يزلزله ويضعفه.
(والسبب الثاني) يعرفه الاطباء، وإنما يظهر للعامة بمثال تقريبي معروف عند الفلاحين، وهو أن الارض التي يتكرر زرع نوع واحد من الحبوب فيها، يضعف هذا الزرع فيها مرة بعد أخرى، الى أن ينقطع، لقلة المواد التي هي قوام غذائه، كثرة المواد الاخرى التي لا يتغذى منها، ومزاحمتها لغذائه أن يخلص له.
ولو زرع ذلك الحب في أرض أخرى وزرع في هذه الارض نوع آخر من الحب لمناكل منهما.
بل ثبت عند الزراع أن اختلاف الصنف من النوع الواحد من أنواع البذار يفيد.
فإذا زرعوا حنطة في أرض، وأخذوا بذرا من غلتها فزرعوه في تلك الارض يكون نموه ضعيفا وغلته قليلة.
стр. 839
وإذا أخذوا البذر من حنطة أخرى وزرعوه في تلك الارض نفسها يكون أنمى وأزكى.
كذلك النساء حرث - كالارض - يزرع فيهن الولد.
وطوائف الناس كأنواع البذار وأصنافه.
فينبغي أن يتزوج أفراد كل عشيرة من أخرى ليزكو الولد وينجب.
فان الولد يرث من مزاج أبويه ومادة أجسادهما، ويرث من أخلاقهما وصفاتهما الروحية وبياينهما في شئ من ذلك.
فالتوارث والتباين سنتان من سنن الخليقة، ينبغي أن تأخذ كل واحدة منهما حظها لاجل أن ترتقي السلائل البشرية ويتقارب الناس بعضهم من بعض، ويستمد بعضهم القوة والاستعداد من بعض، والتزوج من الاقربين ينافي ذلك.
فثبت بما تقدم كله أنه ضار بدنا ونفسا، مناف للفطرة، مخل بالروابط الاجتماعية، عائق لارتقاء البشر.
وقد ذكر " الغزالي " في الاحياء: أن الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة، ألا تكون من القرابة القريبة.
قال: فان الوليد يخلق ضاويا (١) .
وأورد في ذلك حديث لا يصح.
ولكن روى ابراهيم الحربي في غريب الحديث أن عمر قال لآل السائب: " اغتربوا لاتضووا " أي تزوجوا الغرائب لئلا تجئ أولادكم نحافا ضعافا.
وعلل الغزالي ذلك بقوله: " إن الشهوة إنما تنبعث بقوة الاحساس بالنظر أو اللمس وانما يقوي الاحساس بالامر الغريب الجديد.
فأما المعهود الذي دام النظر إليه، فانه يضعف الحس عن تمام ادراكه والتأثر به، ولا ينبعث به الشهوة ".
قال: وتعليله لا ينطبق على كل صورة، والعمدة ما قلنا.
حكمة التحريم بالرضاع:
وأما حكمة التحريم بالرضاعة، فمن رحمته تعالى بنا أن وسع لنا دائرة
стр. 840
القرابة بإلحاق الرضاع بها، وأن بعض بدن الرضيع يتكون من لبن المرضع، وأنه بذلك يرث منها كما يرث ولدها الذي ولدته (١) .
حكمة التحريم بالمصاهرة:
وحكمة تحريم المحرمات بالمصاهرة أن بنت الزوجة وأمها أولى بالتحريم،
لان زوجة الرجل شقيقة روحه، بل مقومة ماهيته الانسانية ومتممتها.
فينبغي أن تكون أمها بمنزلة أمه في الاحترام.
ويقبح جدا أن تكون ضرة لها فإن لحمة المصاهرة كلحمة النسب.
فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها، وتجددت في نفسه عاطفة مودة جديدة لهم.
فهل يجوز أن يكون سببا للتغاير والضرار بين الام وبنتها؟ كلا.
إن ذلك ينافي حكمة المصاهرة والقرابة ويكون سبب فساد العشيرة.
فالموافق للفطرة، الذي تقوم به المصلحة، هو أن تكون أم الزوجة كأم الزوج، وبنتها التي في حجره كبنته من صلبه.
وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزل ابنته، ويوجه إليها العاطفة يالتي يجدها لبنته، كما ينزل الابن امرأة أبيه منزلة أمه.
وإذا كان من رحمة الله وحكمته أن حرم الجمع بين الاختين وما في معناهما لتكون المصاهرة لحمة مودة غير مشوبة بسبب من أسباب الضرار والنفرة، فكيف يعقل أن يبيح نكاح من هي أقرب إلى الزوجة، كأمها أو بنتها، أو زوجة الوالد للولد، وزوجة الولد للوالد؟ وقد بين لنا أن حكمة الزواج هي سكون نفس كل من الزوجين إلى الآخره، والمودة والرحمة بينهما وبين من يلتحم معهما بلحمة النسب فقال: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة ".
فقيد سكون النفس الخاص بالزوجية، ولم يقيد المودة والرحمة، لانها تكون بين الزوجين ومن يلتحم معهما بلحمة النسب، وتزداد وتقوى بالولد. اه.
стр. 841
المحرمات مؤقتا (١) :
الجمع بين المحرمين: يحرم الجمع بينا الأختين (١) ، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، كما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة، لو كانت إحداهما رجلا لم يجزله التزوج بالاخرى.
ودليل ذلك:
١ - قول الله تعالى: " وأن تجمعوا بين الاختين إلاما قد سلف " (٢) .
٢ - وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
٣ - وما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، عن فيروز الديلمي أنه أدركه الاسلام وتحته أختان.
فقال له رسول الله ﷺ : " طلق أيتهما شئت ".
٤ - عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال: " إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ". قال القرطبي: ذكره أبو محمد الاصيلي في فوائده، وابن عبد البر، وغيرهما.
٥ - ومن مراسيل بي داود، عن حسين بن طلحة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة.
وفي حديث ابن عباس، وحسين بن طلحة التنبيه على المعنى الذي من أجله حرم هذا الزواج، وهو الاحتراز عن قطع الرحم بين الاقارب، فان
стр. 842
الجمع بينهما يولد التحاسد ويجر الى البغضاء، لان الضرتين قلما تسكن عواصف الغيرة بينهما.
وهذا الجمع بين المحارم كما هو ممنوع في الزواج فهو ممنوع في العدة.
فقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فلا يجوز له أن يتزوج أختها، أو أربعا سواها حتى تنقضي عدتها، لان الزواج قائم وله حق الرجعة في أي وقت.
واختلفوا فيما إذا طلقها طلاقا بائنا لا يملك معه رجعتها.
فقال علي، وزيد بن ثابت، ومجاهد، والنخعي، وسفيان الثوري، والاحناف وأحمد: ليس له أن يتزوج أختها ولا أربعة حتى تنقضي عدتها، لان العقد أثناء العدة باق حكما حتى تنقضي، بدليل أن لها نفقة العدة.
قال ابن المنذر،: ولا أحسبه إلا قول مالك، وبه نقول، أن له أن يتزوج أختها أو أربعا سواها.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والشافعي: لان عقد الزواج قد انتهى بالبينونة، فلم يوجد الجمع المحرم.
ولو جمع رجل بين المحرمات فتزوج الاختين مثلا، فاما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، فان تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما، وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد.
فيجب الافتراق عن المعاقدين، وإلا فرق بينهما القضاء.
وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما، ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر.
وان حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل، أو الاقل من مهر المثل، والمسمى.
ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد.
أما إذا كان باحداهما مانع شرعي، بأن كانت زوجة غيره، أو معتدته مثلا، والاخرى ليس بها مانع، فان العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح، وبالنسبة للاخرى فاسد تجري عليه أحكامه.
стр. 843
وان تزوجهما بعقدين متعاقبين، واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه، وعلم أسقهما فهو الصحيح، واللاحق فاسد.
وان استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق.
وان لم يعلم أسبقهما، أو علم ونسي، كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنتين، ثم يتبين أنهما أختان، ولا يعلم أسبق العقدين، أو علم ونسي، فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح، وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد (١) .
(٢ و ٣) زوجة الغير ومعتدته: يحرم على المسلم أن يتزوج زوجة الغير، أو معتدته رعاية لحق الزوج، لقول الله تعالى: " والمحصنات من النساء يإلا ما ملكت أيمانكم ".
أي حرمت عليكم المحصنات من النساء، أي المتزوجات منهن إلا
المسبيات، فان المسبية تحل لسابيها بعد الاستبراء، وإن كانت متزوجة، لما رواه مسلم وابن أبي شيبة، عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه سولم بعث جيشا الى لوطاس، فلقي عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: " والمحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم " أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، والاستبراء يكون بحيضة.
قال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسبرئون المسبية بحيضة، وأما المعتدة فقد سبق الكلام عليها في باب " الخطبة ".
(٤) المطلقة ثلاثا: المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الاول حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا (٢)
стр. 844
(٥) عقد المحرم: يحرم على المحرم، أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره بولاية، أو وكالة، ويقع العقد باطلا، لاتترتب عليه آثاره الشرعية.
لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " رواه الترمذي وليس فيه ولا يخطب.
وقال حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول الشافعي، وأحمد، واسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن
نكح فنكاحه باطل، وما ورد من أن النبي ﷺ ميمونة، لانه ﷺ تزوجها في طريق مكة وذهب الاحناف إلى جواز عقد النكاح للمرحم.
لان الاحرام لايمنع صلاحية المرأة للعقد عليه، وإنما يمنع صحية الجماع لاصحية العقد.
(٦) زواج الامة مع القدرة على الزواج بالحرة: اتفق العلماء على أنه يجوز للعبد أن يتزوج الامة، وعلى أنه يجوز للحرة أن تتزوج العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها كما اتتفقوا على أنه لا يجوز أن تتزوج من ملكته، وأنه إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح.
واختلفوا في زواج الحر بالامة.
فرأي الجمهور أنه لا يجوز زواج الحر بالامة إلا بشرطين: (أولهما) عدم القدرة على نكاح الحرة.
(وثانيهما) خوف العنت.
стр. 845
واستدلوا على هذا بقول الله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولا (١) أن ينكح المحصنات (٢) المؤمنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم (٣) المؤمنات ".
إلى قوله تعالى: " ذلك لمن خشي العنت (٤) منكم، وأن تصبروا خير لكم ".
قال القرطبي: الصبر على العزبة خير من نكاح الامة، لانه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس، والصبر على مكارم الاخلاق أولى من البذالة
روي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج أمة فقد أرق نصفه (٥) وعن الضحاك بن مزاحم قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ".
رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف.
وذهب أبو حنيفة إلى أن للحر أن يتزوج أمة، ولو مع طول حرة، إلا أن يكون تحته حرة.
فان كان في عصمته زوجة حرة حرم عليه أن يتزوج عليها محافظة على كرامة الحرة.
(٧) زواج الزانية: لا يحل للرجل أن يتزوج بزانية، ولا يحل للمرأة أن تتزوج بزان، إلا أن يحدث كل منهما توبة.
ودليل هذا:
١ - أن الله جعل العفاف شرطا يجب توفره في كل من الزوجين قبل الزواج.
فقال تعالى: " اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم.
وطعامكم حل لهم، والمحصنات، من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم.