المحرمات مؤقتا (١) :
الجمع بين المحرمين: يحرم الجمع بينا الأختين (١) ، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، كما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة، لو كانت إحداهما رجلا لم يجزله التزوج بالاخرى.
ودليل ذلك:
١ - قول الله تعالى: " وأن تجمعوا بين الاختين إلاما قد سلف " (٢) .
٢ - وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
٣ - وما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، عن فيروز الديلمي أنه أدركه الاسلام وتحته أختان.
فقال له رسول الله ﷺ : " طلق أيتهما شئت ".
٤ - عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال: " إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ". قال القرطبي: ذكره أبو محمد الاصيلي في فوائده، وابن عبد البر، وغيرهما.
٥ - ومن مراسيل بي داود، عن حسين بن طلحة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة.
وفي حديث ابن عباس، وحسين بن طلحة التنبيه على المعنى الذي من أجله حرم هذا الزواج، وهو الاحتراز عن قطع الرحم بين الاقارب، فان
стр. 842
الجمع بينهما يولد التحاسد ويجر الى البغضاء، لان الضرتين قلما تسكن عواصف الغيرة بينهما.
وهذا الجمع بين المحارم كما هو ممنوع في الزواج فهو ممنوع في العدة.
فقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فلا يجوز له أن يتزوج أختها، أو أربعا سواها حتى تنقضي عدتها، لان الزواج قائم وله حق الرجعة في أي وقت.
واختلفوا فيما إذا طلقها طلاقا بائنا لا يملك معه رجعتها.
فقال علي، وزيد بن ثابت، ومجاهد، والنخعي، وسفيان الثوري، والاحناف وأحمد: ليس له أن يتزوج أختها ولا أربعة حتى تنقضي عدتها، لان العقد أثناء العدة باق حكما حتى تنقضي، بدليل أن لها نفقة العدة.
قال ابن المنذر،: ولا أحسبه إلا قول مالك، وبه نقول، أن له أن يتزوج أختها أو أربعا سواها.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والشافعي: لان عقد الزواج قد انتهى بالبينونة، فلم يوجد الجمع المحرم.
ولو جمع رجل بين المحرمات فتزوج الاختين مثلا، فاما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، فان تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما، وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد.
فيجب الافتراق عن المعاقدين، وإلا فرق بينهما القضاء.
وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما، ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر.
وان حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل، أو الاقل من مهر المثل، والمسمى.
ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد.
أما إذا كان باحداهما مانع شرعي، بأن كانت زوجة غيره، أو معتدته مثلا، والاخرى ليس بها مانع، فان العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح، وبالنسبة للاخرى فاسد تجري عليه أحكامه.
стр. 843
وان تزوجهما بعقدين متعاقبين، واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه، وعلم أسقهما فهو الصحيح، واللاحق فاسد.
وان استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق.
وان لم يعلم أسبقهما، أو علم ونسي، كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنتين، ثم يتبين أنهما أختان، ولا يعلم أسبق العقدين، أو علم ونسي، فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح، وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد (١) .
(٢ و ٣) زوجة الغير ومعتدته: يحرم على المسلم أن يتزوج زوجة الغير، أو معتدته رعاية لحق الزوج، لقول الله تعالى: " والمحصنات من النساء يإلا ما ملكت أيمانكم ".
أي حرمت عليكم المحصنات من النساء، أي المتزوجات منهن إلا
المسبيات، فان المسبية تحل لسابيها بعد الاستبراء، وإن كانت متزوجة، لما رواه مسلم وابن أبي شيبة، عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه سولم بعث جيشا الى لوطاس، فلقي عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: " والمحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم " أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، والاستبراء يكون بحيضة.
قال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسبرئون المسبية بحيضة، وأما المعتدة فقد سبق الكلام عليها في باب " الخطبة ".
(٤) المطلقة ثلاثا: المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الاول حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا (٢)
стр. 844
(٥) عقد المحرم: يحرم على المحرم، أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره بولاية، أو وكالة، ويقع العقد باطلا، لاتترتب عليه آثاره الشرعية.
لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " رواه الترمذي وليس فيه ولا يخطب.
وقال حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول الشافعي، وأحمد، واسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن
نكح فنكاحه باطل، وما ورد من أن النبي ﷺ ميمونة، لانه ﷺ تزوجها في طريق مكة وذهب الاحناف إلى جواز عقد النكاح للمرحم.
لان الاحرام لايمنع صلاحية المرأة للعقد عليه، وإنما يمنع صحية الجماع لاصحية العقد.
(٦) زواج الامة مع القدرة على الزواج بالحرة: اتفق العلماء على أنه يجوز للعبد أن يتزوج الامة، وعلى أنه يجوز للحرة أن تتزوج العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها كما اتتفقوا على أنه لا يجوز أن تتزوج من ملكته، وأنه إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح.
واختلفوا في زواج الحر بالامة.
فرأي الجمهور أنه لا يجوز زواج الحر بالامة إلا بشرطين: (أولهما) عدم القدرة على نكاح الحرة.
(وثانيهما) خوف العنت.
стр. 845
واستدلوا على هذا بقول الله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولا (١) أن ينكح المحصنات (٢) المؤمنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم (٣) المؤمنات ".
إلى قوله تعالى: " ذلك لمن خشي العنت (٤) منكم، وأن تصبروا خير لكم ".
قال القرطبي: الصبر على العزبة خير من نكاح الامة، لانه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس، والصبر على مكارم الاخلاق أولى من البذالة
روي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج أمة فقد أرق نصفه (٥) وعن الضحاك بن مزاحم قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ".
رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف.
وذهب أبو حنيفة إلى أن للحر أن يتزوج أمة، ولو مع طول حرة، إلا أن يكون تحته حرة.
فان كان في عصمته زوجة حرة حرم عليه أن يتزوج عليها محافظة على كرامة الحرة.
(٧) زواج الزانية: لا يحل للرجل أن يتزوج بزانية، ولا يحل للمرأة أن تتزوج بزان، إلا أن يحدث كل منهما توبة.
ودليل هذا:
١ - أن الله جعل العفاف شرطا يجب توفره في كل من الزوجين قبل الزواج.
فقال تعالى: " اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم.
وطعامكم حل لهم، والمحصنات، من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم.
стр. 846
إذا آتيتموهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان " (١) .
أي أن الله كما أحل الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، أحل زواج العفيفات من المؤمنات، والعفيفات من أهل الكتاب، في حال كون الازواج أعفاء غير مسافحين ولا متخذي أخدان (٢) .
٢ - وذكر ذلك في زواج الاماء عند العجز عن طول الحرة فقال: " فالنكحوهن باذن أهلهن، وآتوهن أجورهن (٣) بالمعروف محصنا ت غير مسافحات (٤) ولا متخذات أخذان " (٥) .
٣ - يؤيد هذا ما جاء صريحا في قول الله تعالى: " الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين " (٦) .
ومعنى ينكح: يعقد.
وحرم ذلك، أي وحرم على المؤمنين أن يتزوجوا من هو متصف بالزنا أو بالشرك، فانه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك.
٤ - ما رواه عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الاسارى بمكة، وكان بمكة يبغي يقال لها عناق، وكانت صديقته.
قال: فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أأنكح عناقا؟ قال: فسكت عني.
فنزلت: " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ".
فدعاني فقرأها علي وقال: " لا تنكحها " رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
٥ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله " رواه أحمد وأبو داود.
стр. 847
قال الشوكاني: هذا الوصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا.
وفيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنا.
وكذلك لا يحل للمرأة أن تتزوج بمن ظهر منه الزنا.
ويدل على ذلك الآية المذكورة في الكتاب الكريم، لان في آخرها: " وحرم ذلك على المؤمنين " فانه صريح في التحريم.
الزنا والزواج:
وثمة فرق كبير بين الزواج، والعملية التناسلية، فان الزواج هو نواة المجتمع، وأصل وجوده، وهو القانون الطبيعي الذي يسير العالم على نظامه، والسنة الكونية التي تجعل للحياة قيمة وتقديرا.
وأنه هو الحنان الحقيقي والحب الصحيح، وهو التعاون في الحياة والاشتراك في بناء الاسرة وعمار العالم.
غاية الاسلام من تحريم نكاح الزنا: والاسلام لم يرد للمسلم أن يلقى بين أنياب الزانية، ولا للمسلمة أن تقع في يد الزاني، وتحت تأثير روحه الدنيئة، وأن تشاركه تلك النفس السقيمة، وأن تعاشر ذلك الجسم الملوث بشتى الجراثيم، المملوء بمختلف العلل والامراض.
والاسلام - في كل أحكامه وأوامره وفي كل محرماته ونواهيه - لا يريد غير إسعاد البشر والسمو بالعالم الى المستوى الاعلى الذي يريد الله أن يبلغه الجنس البشري.
الزناة ينبوع لاخطر الامراض:
وكيف يسعد الزناة في دنياهم وهم ينبوع لاخطر الامراض وأشدها فتكا بهم، وأكثرها تغلغلا في جميع أعضائهم؟!! ولعل الزهري والسيلان من الامراض التناسلية التي تجعل - وحدها - الزناة شرا مستطيرا يجب اقتلاعه من العالم وخلعه من الارض.
وكيف تسعد انسانية فيها مثل هؤلاء الزناة.
ينقلون أمراضهم النفسية إلى
стр. 848
نسلهم، وينقلون مع هذه الامراض النفسية أمراض الزهري الوراثي؟ بل كيف تسعد عائلة تلد أطفالا مشوهي الخلق والخلق بسبب الالتهابات التي تصيب الاعضاء التناسلية، والعلل التي تطرأ عليها.
وجه الشبه بين الزناة والمشركين: والمسلم المتأدب بأدب القرآن الكريم، المتبع لسنة أفضل الخلق سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، لا يمكن أن يعيش مع زانية لا تفكر تفكيره، ولا يستطيع أن يعاشر امرأة لاتحيى حياته المستقيمة، ولا يستطيع الارتباط برابطة الزواج مع كائنة لا تشعر شعوره، وهو يعلم أن الله تعالى قال عن الزواج: " خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة ".
فأين المودة التي تحصل بين المسلم والزانية؟ وأين نفس الزانية من تلك النفس التي تسكن إليها نفس المؤمن الصحيح الايمان؟.
وأن المسلم الذي لايستطيع نكاح الزانية - كما بينا لفساد نفسها وشذوذ عاطفتها - لا يمكن كذلك أن يعيش مع مشركة لا تعتقد اعتقاده، ولا تؤمن إيمانه، ولا ترى في الحياة ما يراه. لا تحرم ما يحرمه عليه دينه من الفسق والفجور. ولا تعترف بالمبادئ الانسانية السامية التي ينص عليها الاسلام. لها عقيدتها الضالة واعتقاداتها الباطلة. لها التفكير البعيد عن تفكيره، والعقل الذي لايمت الى عقله بصلة.
ولذلك قال الله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك، ولو أعجبكم.
أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ".
стр. 849
التوبة تجب ما قبلها:
فان تاب كل من الزاني والزانية توبة نصوحا بالاستغفار والندم والاقلاع عن الذنب، واستأنف كل منهما حياة نظيفة مبرأة من الاثم ومطهرة من الدنس، فان الله يقبل توبتهما ويدخلهما برحمته في عباده الصالحين: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما ".
سأل رجل ابن عباس فقال: إني كنت ألم بامرأة، آتي منها ما حرم الله علي، فرزق الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها.
فقال أناس: " إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ".
فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها، فما كان من إثم فعلي. رواه بن أبي حاتم.
وسئل ابن عمر عن رجل فجر بامرأة، أيتزوجها؟ قال: إن تابا وأصلحا.
وأجاب بمثل هذا جابر بن عبد الله، وروى ابن جرير أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة فأمرت الشفرة على أوداجها، فأدركت، فداووها حتى برأت. ثم ان عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت، حتى كانت من أنسك نسائهم.
فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يدلسها، ويكره أن يغش على ابنة أخيه. فأتى عمرا فذكر ذلك له. فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه.
وفي رواية أن عمر قال: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه، والله لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لاجعلنك نكالا لاهل الامصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة.
стр. 850
وقال عمر: لقد هممت ألا أدع أحدا أصاب فاحشة في الاسلام أن يتزوج محصنة.
فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب.
ويرى أحمد أن توبة المرأة تعرف بأن تراود عن لفسها، فان أجابت، فتوبتها غير صحيحة، وان امتنعت فتوبتها صحيحة.
وقد تابع في ذلك ما روي عن ابن عمر.
ولكن أصحابه قالوا (١) : لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنا ويطلبه منها.
لان طلبه ذلك منها يكون في خلوة، ولا تحل الخلوة بأجنبية، ولو كان في تعليمها القرآن، فكيف يحل في مراودتها على الزنا؟.
ثم لا يأمن إن أجابته الى ذلك أن تعود الى المعصية، فلا يحل التعرض لمثل هذا.
لان التوبة من سائر الذنوب، وفي حق سائر الناس، وبالنسبة إلى سائر الاحكام على غير هذا الوجه، فكذلك يكون هذا.
وإلى هذا (٢) ذهب الامام أحمد، وابن حزم، ورجحه ابن تيمية وابن القيم.
إلا أن الامام أحمد ضم الى التوبة شرطا آخر، وهو انقضاء العدة.
فمتى تزوجها قبل التوبة أو انقضاء عدتها، كان الزواج فاسدا ويفرق بينهما.
وهل عدتها ثلاث حيض، أو حيضة؟.
روايتان عنه.
ومذهب الحنفية، والشافعية، والمالكية، أنه يجوز للزاني أن يتزوج الزانية، والزانية يجوز لها أن تتزوج الزاني، فالزنا لايمنع عندهم صحة العقد.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ".
هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الاشارة في قوله تعالى: " وحرم ذلك على المؤمنين " الى الزنا أو النكاح؟.
стр. 851
وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لاعلى التحريم، لما جاء في الحديث أن رجلا قال للنبي ﷺ في زوجته: انها لا ترد يد لامس. فقال له النبي ﷺ : " طلقها " فقال له: إني أحبها. فقال له: " أمسكها " (١) .
ثم ان المجوزين اختلفوا في زواجها في عدتها.
فمنعه " مالك " احتراما لماء الزوج وصيانة لاختلاط النسب الصريح بولد الزنا.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي، إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة.
ثم ان الشافعي يجوز العقد عليها وان كانت حاملا لانه لاحرمة لهذا الحمل.
وقال أبو يوسف، ورواية عن أبي حنيفة: لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحمل لئلا يكون الزوج قد سقى ماؤه زرع غيره.
ونهى رسول الله ﷺ (أن توطأ المسبية الحامل حتى تضع) ، مع أن حملها مملوك له.
فالحامل من الزنا أولى ألا توطأ حتى تضع. لان ماء الزاني وان لم يكن له حرمة، فماء الزوج محترم، فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور؟.
ولان النبي ﷺ هم بلعن الذي يريد أن يطأ أمته الحامل من غيره وكانت مسبية، مع انقطاع الولد عن أبيه وكونه مملوكا له.
وقال أبو حنيفة في الرواية الاخرى يصح العقد عليها، ولكن لا توطأ حتى تضع (٢) .
اختلاف حالة الابتداء عن حالة البقاء: ثم ان العلماء قالوا ان المرأة المتزوجة إذا زنت لا ينفسخ النكاح، وكذلك
стр. 852
الرجل، لان حالة الابتداء تفارق حالة البقاء.
وروي عن الحسن، وجابر بن عبد الله: أن المرأة المتزوجة إذا زنت يفرق بينهما.
واستحب أحمد مفارقتها وقال: لا أرى أن يمسك مثل هذه، فتلك لا تؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولدا ليس منه.
(٨) زواج الملاعنة: لا يحل للرجل أن يتزوج المرأة التي لاعنها، فانها محرمة عليه حرمة دائمة بعد اللعان.
يقول الله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين.
ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين.
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " (١) .
(٩) زواج المشركة: اتفق العلماء على أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج الوثنية، ولاالزنديقة، ولاا لمرتدة عن الاسلام، ولا عابدة البقر، ولا المعتقدة لمذهب الاباحة - كالوجودية ونحوها من مذاهب الملاحدة - ودليل ذلك قول الله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم.
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون الى النار، والله يدعو الى الجنة والمغفرة بإذنه " (٢) .
стр. 853
سبب نزول هذه الآية:
١ - قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل: في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي.
بعثه رسول الله ﷺ الى مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها " عناق " فجاءته فقال لها: إن الاسلام حرم ماكان في الجاهلية، قالت: فتزوجني. قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ . فأتى رسول الله فاستأذنه، فنهاه عن التزوج بها لانه مسلم، وهي مشركة (١) .
٢ - وروى السدي عن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فالطمها. ثم انه فزع فأتى النبي ﷺ فأخبره خبرها. فقال له النبي ﷺ : " ماهي يا عبد الله؟ ".
قال: هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: " يا عبد الله هي مؤمنة ".
قال عبد الله فوالذي بعثك بالحق لاعتقنها ولاتزوجنها، ففعل. فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم فأنزل الله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ". الآية.
قال في المغني: وسائر الكفار غير أهل الكتاب - كمن عبد ما استحسن من الاصنام والاحجار والشجر والحيوان - فلاخلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم.
قال: والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت
زواج نساء أهل الكتاب:
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب لقول الله تعالى: " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
стр. 854
لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ".
قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الاوائل أنه حرم ذلك.
وعن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن زواج الرجل بالنصرانية أو
اليهودية، قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الاشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله.
قال القرطبي.
قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة.
لانه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة، منهم عثمان، وطلحة، وابن عباس، وجابر، وحذيفة.
ومن التابعين سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة، والشعبي، والضحاك، وفقهاء الامصار.
ولا تعارض بين الآيتين، فان ظاهر لفظ " الشرك " لا يتناول أهل الكتاب لقول الله تعالى: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة " ففرق بينهم في اللفظ.
وظاهر العطف يقتضي المغايرة.
وتزوج عثمان ﵁ نائلة بنت القراقصة الكلبية النصرانية، وأسلمت عنده.
وتزوج حذيفة يهودية من أهل المدائن.
وسئل جابر عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: تزوجنا بهن زمن الفتح مع سعد بن أبي وقاص.
كراهة الزواج منهن: والزواج بهن - وان كان جائزا - إلا أنه مكروه، لانه لا يؤمن أن يميل إليها فتفتنه عن الدين، أو يتولى أهل دينها.
стр. 855
فإن كانت حربية (١) فالكراهية أشد، لانه يكثر سواد أهل الحرب.
ويرى بعض العلماء حرمة الزواج من الحربية.
فقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال لا تحل، وتلا قول الله عزوجل: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ".
قال القرطبي: وسمع بذلك ابراهيم النخعي فأعجبه.
حكمة إباحة التزوج منهن:
وإنما أباح الاسلام الزواج منهن ليزيل الحواجز بين أهل الكتاب وبين الاسلام.
فان في الزواج المعاشرة والمخالطة وتقارب الاسر بعضها ببعض، فتتاح الفرص لدراسة الاسلام، ومعرفة حقائقه ومبادئه ومثله.
فهو أسلوب من أساليب التقريب العملي بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب، ودعاية للهدى ودين الحق.
فعلى من يبتغي الزواج منهن أن يجعل ذلك غاية من غاياته، وهدفا من أهدافه.
الفرق بين المشركة والكتابية (٢) :
والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة، ويوجب عليها الامانة، ويأمرها بالخير، وينهاها عن الشر، فهي موكولة الى طبيعتها وما تربت عليه في عشيرها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها وأماني الشياطين وأحلامها، تخون زوجها وتفسد عقيدة ولدها.
فإن ظل الرجل على إعجابه بجمالها كان ذلك عونا لها على التوغل في ضلالها وإضلالها.
وإن نبا طرفه عن حسن الصورة، وغلب على قلبه استقباح تلك السريرة،
стр. 856
فقد تنغص عليه التمتع بالجمال، على ما هو عليه من سوء الحال. وأما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة.
فانها تؤمن بالله وتعبده، وتؤمن بالانبياء، وبالحياة الاخرى وما فيها من الجزاء، وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر.
والفرق الجوهري العظيم بينهما، هو الايمان بنبوة محمد ﷺ . والذي يؤمن بالنبوة العامة لا يمنعه من الايمان بنبوة خاتم النبيين إلا الجهل بما جاء به. وكونه قد جاء بمثل ما جاء به النبيون وزيادة اقتضتها حال الزمان في ترقيه، واستعداده لاكثر مما هو فيه، أو المعاندة والمجاحدة في الظاهر، مع الاعتقاد في الباطن - وهذا قليل - والكثير هو الاول.
ويوشك أن يظهر للمرأة من معاشرة الرجل أحقية دينه وحسن شريعته والوقوف على سيرة من جاء بها، وما أيده الله تعالى به من الآيات البينات، فيكمل إيمانها ويصح إسلامها، وتؤتى أجرها مرتين إن كانت من المحسنات في الحالين. ا. هـ.
زواج الصابئة:
الصابئون هم قوم بين المجوس، واليهود، والنصارى. وليس لهم دين.
قال مجاهد: وقيل هم فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور.
وعن الحسن أنهم قوم يعبدون الملائكة.
وقال عبد الرحمن بن زيد: هم أهل دين من الاديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبي، إلا قول لا إلا إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول.
فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون لاصحاب النبي ﷺ : " هؤلاء الصابئون "، يشبهونهم بهم في قول لا إله إلا الله.
قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون، ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة.
واختار الرازي: أنهم قوم يعبدون الكواكب، بمعنى أن الله جعلها قبلة
стр. 857
للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها.
وبناء على هذا اختلفت أنظار الفقهاء في حكم التزوج منهم.
فمنهم من رأى أنهم أصحاب كتاب دخله التحريف والتبديل، فسوى بينهم وبين اليهود والنصارى، وأنهم بمقتضى هذا يصح الزواج منهم لقول الله عزوجل: " اليوم أجل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " الآية.
وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه.
ومنهم من تردد، لعدم معرفة حقيقة أمرهم فقالوا: إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول الدين - من تصديق الرسل والايمان بالكتب - كانوا منهم.
وإن خالفوهم في أصول الدين لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عباد الاوثان.
وهذا هو المروي عن الشافعية والحنابلة.
زواج المجوسية (١) :
قال ابن المنذر: ليس تحريم نكاح المجوس وأكل ذبائحهم متفقا عليه.
ولكن أكثر أهل العلم عليه، لانه ليس لهم كتاب، ولا يؤمنون بنبوة، ويعبدون النار.
وروى الشافعي أن عمر ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٢) ".
فهذا دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب.
وسئل الامام أحمد: أيصح على أن للمجوس كتابا؟ فقال: هذا باطل، وأستعظمه جدا.
стр. 858
وذهب أبو ثور الى حل التزوج بالمجوسية، لانهم يقرون على دينهم بالجزية كاليهود والنصارى.
الزواج ممن لهم كتاب غير اليهود والنصارى: ذهبت الاحناف الى أن كل من يعتقد دينا سماويا، وله كتاب منزل، كصحف ابراهيم، وشيت، وزبور داود، ﵈، يصح الزواج منهم وأكل ذبائحهم ما لم يشركوا.
وهو وجه في مذهب الحنابلة، لانهم ممسكوا بكتاب من كتب الله فأشبهوا اليهود أو النصارى.
ومذهب الشافعية، ووجه عند الحنابلة: أنه لا تحل مناكحتهم، ولا تؤكل ذبائحهم لقول الله تعالى: " أن تقولوا انما أنزل الكتاب على
طائفتين من قبلنا " الآية.
ولان تلك الكتب كانت مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها، فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الاحكام.
زواج المسلمة بغير المسلم:
أجمع العلماء على أنه لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم، سواء أكان مشركا أو من أهل الكتاب.
ودليل ذلك أن الله تعالى قال: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن (١) ".
وحكمة ذلك أن للرجل حق القوامة على زوجته، وأن عليها طاعته فيما يأمرها به من معروف، وفي هذا معنى الولاية والسلطان عليها.
وما كان لكافر أن يكون له سلطان على مسلم أو مسلمة.
стр. 859
يقول الله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ".
ثم ان الكافر لا يعترف بدين المسلمة، بل يكذب بكتابها، ويجحد رسالة نبيها، ولا يمكن لبيت أن يستقر ولا لحياة أن تستمر مع هذا الخلاف الواسع والبون الشاسع.
وعلى العكس من ذلك المسلم إذا تزوج بكتابية، فانه يعترف بدينها، ويجعل الايمان بكتابها وبنبيها جزءا لايتم إيمانه إلا به.
(١٠) الزيادة على الاربع: يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع روجات في وقت واحد، إذ أن في الاربع الكفاية، وفي الزيادة عليها تفويت الاحسان الذي شرعه الله لصلاح الحياة الزوجية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: " وان خفتم (١) ألا تقسطوا (٢) في اليتامى فانكحوا ما (٣) طاب لكم من النساء، مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا (٤) ".
سبب نزول هذه الآية: روى البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن عروة بن الزبير " أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ عن قول الله تعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ".
فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في
стр. 860
صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم ان الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله عزوجل: " يستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن، وترغبون أن تنكحوهن ".
قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الاولى التي قال الله سبحانه فيها: " وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ".
قالت عائشة: وقول الله في الآية الاخرى: " وترغبون أن تنكحوهن ".
هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال.
فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إن كن قليلات المال والجمال.
معنى الآية: ويكون معنى الآية على هذا أن الله يخاطب أولياء اليتامى فيقول: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم وتحت ولايته، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل عنها إلى غيرها من النساء، فانهن كثيرات، ولم يضيق الله عليه فأحل له من واحدة الى أربع.
فان خاف أن يجور إذا تزوج أكثر من واحدة، فواجب عليه أن يقتصر على واحدة، أو ما ملكت يمينه من الاماء.
افادتها الاقتصار على الاربع:
стр. 861
قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لاحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.
وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وقال بعضهم بلا حصر.
وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيح.
وقد رد الامام القرطبي على هؤلاء فقال: اعلم أن هذا العدد " مثنى " و " ثلاث " و " رباغ " لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الامة، وزعم أن الواو جامعة.
وعضد ذلك بأن النبي نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة، الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا " مثنى " مثل اثنين اثنين. وكذلك ثلاث، ورباع.
وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسكا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع. فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع.
وهذا كله جهل باللسان (١) والسنة، ومخالفة لاجماع الامة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع.
وأخرج مالك في الموطأ، والنسائي، والدارقطني، في سننها أن النبي ﷺ قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: " اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن ".
وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " اختر منهن أربعا ".
وقال مقاتل: ان قيس بن الحارث كان عنده ثماني نسوة حرائر، فلما
стр. 862
نزلت الاية أمره رسول الله ﷺ أن يطلق أربعا، ويمسك أربعا، كذا قال قيس بن الحارث.
والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الاسدي كما ذكر أبو داود.
وكذا روى " محمد بن الحسن " في كتاب " السير " الكبير، أن ذلك كان حارث بن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء.
وأما ما أبيح من ذلك للنبي ﷺ ، فذلك من خصوصياته.
وأما قولهم: ان الواو جامعة، فقد قيل ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات.
والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وأن تقول اثنين وثلاثة، وأربعة.
وكذلك تستقبح ممن يقول أعط فلانا أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول، ثمانية عشر.
وإنما الواو في هذا الموضع بدل، أي أنكحوا ثلاثة بدلا من مثنى، ورباعا بدلا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف ب " أو ".
ولو جاء ب " أو " لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع.
وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثا، ورباع أربعا فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالة منهم.
وكذلك جهله الاخرون لان مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث: ثلاثا ثلاثا، ورباع: أربعا أربعا.
ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، حصر للعدد. ومثنى وثلاث ورباع بخلافها.
ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الاصل.
وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجة.
قال الجوهري: وكذلك معدول العدل.
وقال غيره فإذا قالت: جاءني قوم مثنى أو ثلاث، أو آحاد، أو عشار،
стр. 863
فانما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة.
وليس هذا المعنى في الاصل لانك إذا قلت: جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة.
فإذا قلت جاءوني ثناء ورباع، فلم تحصر عدتهم، وإنما تريد أنهم جاءوك اثنين اثنين، أو أربعة أربعة، سواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب.
فقصرهم كل صيغة على أقل مما تقتضيه بزعمهم تحكم. انتهى.
وجوب العدل بين الزوجات:
أباح الله تعدد الزوجات وقصره على أربع، وأوجب العدل بينهن في الطعام والسكن والكسوة والمبيت (١) ، وسائر ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة، وعظيمة وحقيرة، فان خاف الرجل الجور وعدم الوفاء بحقوقهن جميعا حرم عليه الجمع بينهن، فان قدر على الوفاء بحق ثلاث منهن دون الرابعة حرم عليه العقد عليها.
فان قدر على الوفاء بحق اثنتين دون الثالثة حرم عليه العقد عليها.
وكذلك من خاف الجور بزواج الثانية حرمت عليه لقول الله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا ".
أي أقرب ألا تجوروا.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه.
ولا تعارض بين ما أوجبه الله من العدل في هذه الاية وبين ما نفاه الله في الاية الاخرى من سورة النساء وهي: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة "
стр. 864
فان العدل المطلوب هو العدل الظاهر المقدور عليه وليس هو العدل في المودة والمحبة، فان ذلك لا يستطيعه أحد، بل العدل المبتغى هو العدل في المحبة والمودة والجماع.
قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن هذه الاية فقال هو الحب والجماع.
قال ابو بكر بن العربي: وصدق، فان ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء، وكذلك الجماع فقد ينشط للواحدة مالا ينشط للاخرى، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه، فانه مما لا يستطيعه، فلا يتعلق به تكليف.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تلك ولا أملك " قال أبو داود: يعني القلب.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الخطابي في هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر، وإنما المكروه في الميل، هو ميل العشرة الذي يكون معه نجس الحق، دون ميل القلوب، فان القلوب لا تملك.
فكان رسول الله ﷺ يسوي في القسم بين نسائه ويقول: " اللهم هذا قسمي " الحديث.
وفي هذا نزل قوله تعالى: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ".
وإذا سافر الزوج فله أن يصطحب من شاء منهن وان أقرع بينهن كان حسنا.
ولصاحبة الحق في القسم أن تنزل عن حقها، إذ أن ذلك خالص حقها، فلها أن تهيه لغيرها.
فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة (١) .
стр. 865
حق المرأة في اشتراط عدم التزوج عليها:
كما أن الاسلام قيد التعدد بالقدرة على العدل، وقصره على أربع، فقد جعل من حق المرأة أو وليها أن يشترط ألا يتزوج الرجل عليها.
فلو شرطت الزوجة في عقد الزواج على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ولزم، وكان لها حق فسخ الزواج إذا لم يف لها بالشرط، ولا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته، ورضيت بمخالفته.
وإلى هذا ذهب الامام أحمد، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم.
إذ الشروط في الزواج أكبر خطرا منها في البيع والاجارة، ونحوهما، فلهذا يكون الوفاء بما التزم منها أوجب وآكد.
واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي:
١ - بما رواه البخاري، ومسلم، أن رسول الله ﷺ قال: " إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج ".
٢ - ورويا عن عبد الله بن أبي مليكة أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: " إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما
آذاها " وفي رواية: " إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها ".
ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، قال: " حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحدا أبدا ".
стр. 866
قال ابن القيم: فتضمن هذا الحكم أمورا: أن الرجل إذا اشترط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ.
ووجه تضمن الحديث لذلك أنه ﷺ أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ﵂، ويريبها، وأنه يؤذيه ﷺ ويريبه.
ومعلوم قطعا أنه ﷺ إنما زوجه فاطمة ﵂ على ألا يؤذيها، ولا يريبها، ولا يؤذي أباها ﷺ ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشروطا في صلب العقد، فانه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه.
وفي ذكره ﷺ صهره الاخر وثنائه عليه بأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، تعريض بعلي ﵁ وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يشعر بأنه قد جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها.
فهيجه على الوفاء له، كما وفى له صهره الاخر.
فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا، وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه، فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون الزوج من ذلك البتة.
واستمرت عادتهم بذلك، كان كالمشروط لفظا، وهو مطرد على قواعد أهل المدينة.
وقواعد أحمد ﵀، أن الشرط العرفي كاللفظي سواء، ولهذا أوجبوا الاجرة على من دفع ثوبه الى غسال أو قصار، أو عجينه إلى خباز، أو طعامه إلى طباخ يعملون بالاجرة، أو دخل الحمام واستخدم من يغسله ممن عادته أن يغسل بالاجرة، أنه يلزمه أجرة المثل.
وعلى هذا فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة، ولا يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظا.
وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا يمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها، وحسبها، وجلالتها، كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظا.
وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين، أحق النساء بهذا، فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا، وفي منع علي من
стр. 867
الجمع بين فاطمة ﵂ وبين بنت أبي جهل حكم حكم بديعة، وهي أن المرأة مع زوجها في درجة تبع له، فان كانت في نفسها ذات درجة عالية وزوجها كذلك، كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها، وهذا شأن فاطمة وعلي ﵄.
ولم يكن الله ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة ﵂ في
درجة واحدة، لا بنفسها ولا تبعا، وبينهما من الفرق ما بينهما، فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا، لا شرعا ولا قدرا، وقد أشار ﷺ الى هذا بقوله: " والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحدا أبدا ".
فهذا إما أن يتناول درجة الاخر بلفظه أو اشارته. انتهى.
وقد تقدم رأي الفقهاء في اشتراط مثل هذا الشرط ونحوه مما فيه للمرأة، فليرجع إليه.
حكمة التعدد:
١ - من رحمة الله بالانسان وفضله عليه أن أباح له تعدد الزوجات، وقصره على أربع.
فللرجل أن يجمع في عصمته في وقت واحد أكثر من واحدة، بشرط أن يكون قادرا على العدل بينهن في النفقة والمبيت كما تقدم.
فإذا خاف الجور وعدم الوفاء بما عليه من تبعات حرم عليه أن يتزوج بأكثر من واحدة.
بل إذا خاف الجور بعجزه عن القيام بحق المرأة الواحدة حرم عليه أن يتزوج حتى تتحق له القدرة على الزواج (١) .
وهذا التعدد ليس واجبا ولا مندوبا، وإنما هو أمر أباحه الاسلام، لان ثمة مقتضيات عمرانية وضرورات إصلاحية لا يجمل بمشترع إغفالها، ولا ينبغي له التغاضي عنها.
стр. 868
٢ - ذلك أن للاسلام رسالة إنسانية عليا كلف المسلمون أن ينهضوا بها، ويقوموا بتبليغها للناس.
وهم لا يستطيعون النهوض بهذه الرسالة إلا إذا كانت لهم دولة قوية، قد توفر لها جميع مقومات الدولة: من الجندية، والعلم، والصناعة، والزراعة والتجارة، وغير ذلك من العناصر التي يتوقف عليها وجود الدولة وبقاؤها مرهوبة الجانب نافذة الكلمة قوية السلطان.
ولا يتم ذلك إلا بكثرة الافراد، بحيث يوجد في كل مجال من مجالات النشاط الانساني عدد وفير من العاملين، ولهذا قيل: " إنما العزة للكاثر ".
وسبيل هذه الكثرة إنما هو الزواج المبكر من جهة، والتعدد من جهة أخرى.
ولقد أدركت الدول الحديثة قيمة الكثرة العددية وآثارها في الانتاج، وفي الحروب، وفي سعة النفوذ، فعملت على زيادة عدد السكان بتشجيع الزواج ومكافأة من كثر نسله من رعاياها لتضمن القوة والمنعة.
ولقد فطن الرحالة الالماني " بول اشميد " الى الخصوبة في النسل لدى المسلمين، واعتبر ذلك عنصرا من عناصر قوتهم فقال في كتاب " الاسلام قوة الغد " الذي ظهر سنة ١٩٣٦: " ان مقومات القوى في الشرق الاسلامي، تنحصر في عوامل ثلاثة: (أ) في قوة الاسلام " كدين "، وفي الاعتقاد به، وفي مثله، وفي تأخيه بين مختلفي الجنس، واللون، والثقافة.
(ب) وفي وفرة مصادر الثروة الطبيعية في رقعة الشرق الاسلامي الذي يمتد من المحيط الاطلسي، على حدود مراكش غربا إلى المحيط الهادي على حدود أندونيسيا شرقا.
وتمثيل هذه المصادر العديدة لوحدة اقتصادية سليمة قوية ولاكتفاء ذاتي لا يدع المسلمين في حاجة مطلقا الى أوربا أو غيرها إذا ما تقاربوا وتعاونوا.
(ج) وأخيرا أشار إلى العامل الثالث وهو: خصوبة النسل البشري لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة، ثم قال: " فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث فتأخى المسلمون على وحدة العقيدة
стр. 869
وتوحيد الله، وغطت ثروتهم الطبيعية حاجة تزايد عددهم، كان الخطر الاسلامي خطرا منذرا بفناء أوربا، وبسيادة عالمية في منطقة هي مركز العالم كله ".
ويقترح " بول أشميد " هذا، بعد أن فصل هذه العوامل الثلاثة، عن طريق الاحصاءات الرسمية، وعما يعرفه عن جوهر العقيدة الاسلامية، كما تبلورت في تاريخ المسلمين، وتاريخ ترابطهم وزحفهم لرد الاعتداء عليهم " أن يتضامن الغرب المسيحي - شعوبا وحكومات - ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر، ولكن في أسلوب نافذ حاسم (١) ".
٣ - والدولة صاحبة الرسالة، كثيرا ما تتعرض لاخطار الجهاد، فتفقد عددا كبيرا من الافراد، ولا بد من رعاية أرامل هؤلاء الذين استشهدوا ولا سبيل إلى حسن رعايتهن إلا بتزويجهن.
كما أنه لا مندوحة عن تعويض من فقدوا، وإنما يكون ذلك بالاكثار من النسل، والتعدد من أسباب الكثرة.
٤ - قد يكون عدد الاناث في شعب من الشعوب أكثر من عدد الذكور، كما يحدث عادة في أعقاب الحروب، بل تكاد تكون الزيادة في عدد الاناث مطردة في أكثر الامم، حتى في أحوال السلم، نظرا لما يعانيه الرجال غالبا من الاضطلاع بالاعمال الشاقة التي تهبط بمستوى السن عند الرجال أكثر من الاناث.
وهذه الزيادة توجب التعدد، وتفرض الاخذ به لكفالة العدد الزائد
وإحصانه، وإلا اضطرون إلى الانحراف واقتراف الرذيلة، فيفسد المجتمع وتنحل أخلاقه، أو إلى أن يقضين حياتهن في ألم الحرمان وشقاء العزوبة، فيفقدن أعصابهن، وتضيع ثروة بشرية كان يمكن أن تكون قوة للامة، وثروة تضاف إلى مجموع ثرواتها.
ولقد اضطرت بعض الدول التي زاد فيها عدد النساء على الرجال إلى إباحة التعدد، لانها لم ترحلا أمثل منه مع مخالفته لما تعتقده، ومنافاته لما ألفته ودرجت عليه.
стр. 870
قال الدكتور " محمد يوسف موسى ": أذكر أني وبعض اخواني المصريين دعينا عام ١٩٤٨ - ونحن في باريس - لحضور مؤتمر الشباب العالمي بمدينة " ميونخ " بألمانيا.
وكان من نصيبي أن اشتركت أنا وزميل لي من المصريين في الحلقة التي كانت تبحث مشكلة زيادة عدد النساء بألمانيا أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب، وتستعرض ما يمكن أن يكون حلا طيبا لها.
وبعد استعراض سائر الحلول التي يعرفونها هناك ورفضها جميعا تقدمت وزميلي بالحل الطبيعي الوحيد، وهو إباحة تعدد الزوجات.
فقوبل هذا الرأي أولا بشئ من الدهشة والاشمئزاز، ولكنه بعد بحثه بحثا عادلا عميقا رأى المؤتمرون أنه لا حل غيره، وكانت النتيجة اعتباره توصية من التوصيات التي أقرها المؤتمر.
وكان مما سرني كثيرا بعد عودتي الى الوطن عام ١٩٤٩ ما عرفته من أن بعض الصحف المصرية نشرت أن أهالي مدينة " بون: عاصمة ألمانيا الغربية " طلبوا أن ينص في الدستور على إباحة تعدد الزوجات.
٥ - ثم إن استعداد الرجل للتناسل أكثر من استعداد المرأة، فهو مهيأ للعملية الجنسية منذ البلوغ إلى سن متأخرة.
بينما المرأة لا تتهيأ لذلك مدة الحيض (وهو دورة شهرية قد تصل إلى عشرة أيام) ولا تتهيأ كذلك مدة النفاس والولادة (وقد تصل هذه المدة الى أربعين يوما) يضاف الى ذلك ظروف الحمل والرضاع. واستعداد المرأة للولادة ينتهي بين الخامسة والاربعين والخمسين، بينما يستطيع الرجل الاخصاب إلى ما بعد الستين، ولا بد من رعاية مثل هذه الحالات ووضع الحلول السليمة لها.
فإذا كانت الزوجة في هذه الحالة عاجزة عن أداء الوظيفة الزوجية، فماذا يصنع الرجل أثناء هذه الفترة؟ وهل الافضل له أن يضم إليه حليلة تعف نفسه وتحصن فرجه يتخذ خليلة لا تربطه بها رابطة إلا الرابطة التي تربط الحيوانات بعضها ببعص؟! مع ملاحظة أن الاسلام يحرم الزنا أشد تحريم:.
стр. 871
" ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ".
ويقرر لمقترفه عقوبة رادعة: " الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (١) ".
٦ - وقد تكون الزوجة عقيما لا تلد، أو مريضة مرضا لا يرجى شفاؤها منه، وهي مع ذلك راغبة في استمرار الحياة الزوجية، والزوج راغب
في إنجاب الاولاد، وفي الزوجة التي تدبر شؤون بيته.
فهل من الخير للزوج أن يرضى بهذا الواقع الاليم، فيصطحب هذه العقيم دون أو يولد له، وهذه المريضة دون أن يكون له من يدبر أمر منزله، فيحتمل هذا الغرم كله وحده؟!.
أم الخير في أن يفارقها وهي راغبة في المعاشرة فيؤذيها بالفراق؟! أم يوفق بين رغبتها ورغبته، فيتزوج بأخرى ويبقي عليها فتلتقي مصلحته ومصحلتها معا؟! أعتقد أن الحل الاخير هو أهدى الحلول وأحقها بالقبول، ولا يسع صاحب ضمير حي وعاطفة نبيلة إلا أن يتقبله ويرضى به.
٧ - وقد يوجد عند بعض الرجال - بحكم طبيعتهم النفسية والبدنية - رغبة جنسية جامحة، إذ ربما لا تشبعه امرأة واحدة، ولا سيما في بعض المناطق الحارة.
فبدلا من أن يتخذ خليلة تفسد عليه أخلاقه، أبيح له أن يشبع غريزته عن طريق حلال مشروع.
٨ - هذه بعض الاسباب الخاصة والعامة التي لاحظها الاسلام، وهو يشرع لا لجيل خاص من الناس، ولا لزمن معين محدود، وإنما يشرع للناس جميعا إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، فمراعاة الزمان والمكان لها اعتبارها، وتقدير ظروف الافراد لابد وأن يحسب حسابها.
والحرص على مصالح الامة - بتكثير سوادها ليكونوا عدتها في الحرب والسلم - من أهم الاهداف التي يستهدفها المشرع.
стр. 872
٩ - ولقد كان لهذا التشريع والاخذ به في العالم الاسلامي فضل كبير
في بقائه نقيا بعيدا عن الرذائل الاجتماعية والنقائص الخلقية التي فشت في المجتمعات التي لا تؤمن بالتعدد ولا تعترف به.
فقد لوحظ في المجتمعات التي تحرم التعدد:
١ - شيوع الفسق، وانتشار الفجور، حتى زاد عدد البغايا عن عدد المتزوجات في بعض الجهات.
٢ - وتبع ذلك كثرة المواليد من السفاح إذ بلغت نسبتها في بعض الجهات ٥٠ % من مجموع المواليد هناك.
وفي الولايات المتحدة يولد في كل عام أكثر من مائتي ألف ولادة غير شرعية!!! نشرت جريدة الشعب في شهر أغسطس سنة ١٩٥٩ ما يلي: " الرقم المذهل للاطفال غير الشرعيين الذي ولدوا في الولايات التحدة، أثار من جديد الجدل حول انحطاط مستوى الاخلاق في أمريكا، والحمل الذي يقع على عاتق دافع الضرائب الامريكي - نتيجة لتحمله نفقات هذا الجيش من الاطفال - ولا غرو فقد تعدى عدد هؤلاء المواليد ال " مائتي ألف " سنويا.
ولمواجهة هذه المشكلة تدرس الجهات الرسمية في بعض المجتمعات إمكانية تعقيم النساء اللاتي يحدن عن التعاليم الدينية.
ويتركز الجدل في أماكن أخرى، حول المقترحات التي تطالب بتخفيض الاعانات للامهات اللاتي يضعن أكثر من مولود واحد غير شرعي.
وتقول وزارات الصحة، والتعليم، والشؤون الاجتماعية، في الولايات المتحدة: ان دافعي الضرائب في أمريكا سوف يتحملون هذا العام مبلغ ٢١٠ مليون دولارا لتغطية نفقات الاطفال غير الشرعيين، وذلك بواقع ٢٧ دولارا و ٢٩
سنتا شهريا لكل طفل.
وتقول الاحصاءات الرسمية ان عدد هؤلاء الاطفال ارتفع من " ٨٧ ألفا و ٩٠٠ " عام ١٩٣٨ الى " ٢٠١ ألف و ٧٠٠ " عام ١٩٥٧.
стр. 873
كما تقدر وزارة الشؤون الاجتماعية عدد هؤلاء الاطفال في عام ١٩٥٨ - ٢٠٥ ألف طفل ... ولكن الخبراء يعتقدون أن الرقم الصحيح يتعدى هذا بكثير.
وتدل الاحصاءات الاخيرة على أن معدل هذه الولادات غير الشرعية في كل ألف، قد زاد ثلاثة أضعاف - خلال الجيلين الاخيرين - مع زيادة تنذر بالخطر بين الفتيات المراهقات.
ويعلن علماء علم الاجتماع حقيقة أخرى، وهي أن العلائلات المقتدرة تخفي عادة أن إحدى بناتها حملت بطريقة غير شرعية، وترسل الطفل بهدوء الى أسرة أخرى تتبناه ". انتهى.
٣ - وأثمرت هذه الاتصالات الخبيثة الامراض البدنية والعقد النفسية والاضطرابات العصبية.
٤ - وتسربت عوامل الضعف والانحلال إلى النفوس.
٥ - وانحلت عرى الصلات الوثيقة بين الزوج وزوجته، واضطربت الحياة الزوجية وانفكت روابط الاسرة حتى لم تعد شيئا ذا قيمة.
٦ - وضاع النسب الصحيح، حتى أن الزوج لا يستطيع الجزم بأن الاطفال الذين يقوم على تربيتهم هم من صلبه.
فهذه المفاسد وغيرها كانت النتيجة الطبيعية لمخالفة الفطرة والانحراف عن تعاليم الله، وهي أقوى دليل وأبلغ حجة على أن وجهة الاسلام هي أسلم وجهة، وأن تشريعه هو أنسب تشريع لانسان يعيش على الارض، وليس لملائكة يعيشون في السماء.
ولنختم هذه الكلمة بالسؤال والجواب اللذين أوردهما الفونس اتيين دينيه حيث قال: هل في زوال تعدد الزوجات فائدة أخلاقية؟ ثم أجاب: إن هذا أمر مشكوك فيه، فالدعارة التي تندر في أكثر الاقطار الاسلامية سوف تتفشى فيها، وتنشر آثارها المخربة.
وكذلك سوف يظهر في بلاد الاسلام داء لم تعرفه من قبل، هو عزوبة النساء التي تنتشر بآثارها المفسدة في البلاد المقصور فيها الزواج على واحدة،
стр. 874
وقد ظهر ذلك فيها بنسبة مفزعة، وخاصة عقب فترات الحروب (١) تقييد التعدد: ولقد كان سوء التطبيق، وعدم رعاية تعاليم الاسلام حجة ناهضة للذين يريدون أن يقيدوا تعدد الزوجات، وألا يباح للرجل أن يتزوج بأخرى إلا بعد دراسة القاضي أو غيره - من الجهات التي يناط بها هذا الامر - حالته ومعرفة قدرته المالية، والاذن له بالزواج.
ذلك أن الحياة المنزلية تتطلب نفقات باهظة، فإذا كثر أفراد الاسرة بتعدد الزوجات ثقل حمل الرجل، وضعف عن القيام بالنفقة عليهم، وعجز عن تربيتهم التربية التي تجعل منهم أفرادا صالحين، يستطعيون النهوض بتكاليف الحياة وتبعاتها، وبذلك يفشو الجهل، ويكثر المتعطلون، ويتشرد عدد كبير من أفراد الامة، فيشبون وهم يحملون جراثيم الفساد التي تنخر في عظامها.
ثم ان الرجل لا يتزوج في هذه الايام بأكثر من واحدة إلا لقضاة الشهوة أو الطمع في المال، فلا يتحرى الحكمة من التعدد، ولا يبتغي وجه المصلحة فيه، وكثيرا ما يعتدي على حق الزوجة التي تزوج عليها، ويضار أولاده منها، ويحرمهم من الميراث، فتشتعل نيران العداوة بين الاخوة والاخوات من الضرائر، ثم تنتشر هذه العداوة إلى الاسر، فيشتد الخصام، وتسعى كل زوجة للانتقام من الاخرى، وتكبر هذه الصغائر حتى تصل الى حد القتل في بعض الاحايين.
هذه بعض آثار التعدد، والتي اتخذ منها دليل التقييد.
ونبادر فنقول: إن العلاج لا يكون بمنع ما أباحه الله، وإنما يكون ذلك بالتعليم والتربية وتفقيه الناس في أحكام الدين.
ألا ترى أن الله أباح للانسان أن يأكل ويشرب دون أن يتجاوز الحد، فإذا أسرف في الطعام والشراب فأصابته الامراض وانتابته العلل، فليس ذلك راجعا الى الطعام والشراب بقدر ما هو راجع الى النهم والاسراف.
стр. 875
وعلاج مثل هذه الحالة لا يكون بمنعه من الاكل والشرب، وإنما يكون بتعليمه الادب الذي ينبغي مراعاته اتقاء لما يحدث من ضرر.
ثم إن الذين ذهبوا إلى حظر التعدد إلا بإذن من القاضي مستدلين بالواقع من أحوال الذين تزوجوا بأكثر من واحدة، جهلوا أو تجاهلوا المفاسد التي تنجم من الحظر، فان الضرر الحاصل من إباحة التعدد أخف من ضرر حظره، والواجب أن يتقى أشدهما باباحة أخفهما - تبعا لقاعدة ارتكاب أخف الضررين - وترك الامر للقاضي مما لا يمكن ضبطه، فليست هناك مقاييس صحيحة يمكن أن يعرف بها ظروف الناس وأحوالهم، وقد يكون ضره أقرب من نفعه.
ولقد كان المسلمون، من العهد الاول إلى يومنا هذا، يتزوجون بأكثر من واحدة، ولم يبلغنا أن أحدا حاول حظر التعدد، أو تقييده على النحو المقترح، فليسعنا ما وسعهم، وما ينبغي لنا أن نضيق رحمة الله الواسعة، وننتقص من التشريع الذي جمع من المزايا والفضائل ما شهد به الاعداء، فضلا عن الاصدقاء.
تاريخ تعدد الزوجات (١) :
الحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل ظهور الاسلام في شعوب كثيرة.
منها: " العبريون " و " العرب " في الجاهلية، وشعوب " الصقالبة " أو " السلافيون ".
وهي التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي نسميها الآن: " روسيا، وليتوانيا، وليثونيا، واستونيا، وبولونيا، وتشيكو سلوفاكيا ويوغوسلافيا ".
وعند بعض الشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي تسميها الآن " ألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، والدانيمارك، والسويد، والنرويج، وانجلترا ".
فليس بصحيح إذن ما يدعونه من أن الاسلام هو الذي قد أتى بهذا النظام.
стр. 876
والحقيقة كذلك أن نظام تعدد الزوجات لا يزال إلى الوقت الحاضر منتشرا في عدة شعوب لا تدين بالاسلام كأفريقيا، والهند، والصين، واليابان.
فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن هذا النظام مقصور على الامم التي تدين بالاسلام.
والحقيقة كذلك أنه لا علاقة للدين المسيحي في أصله بتحريم التعدد.
وذلك أنه لم يرد في الانجيل نص صريح يدل على هذا التحريم.
وإذا كان السابقون الاولون إلى المسيحية من أهل أوربا قد ساروا على نظام وحدة الزوجة فما ذاك إلا لان معظم الامم الاوربية الوثنية التي انتشرت فيها المسيحية في أول الامر - وهي شعوب اليونان، والرومان - كانت تقاليدها تحرم تعدد الزوجات المعقود عليهن، وقد سار أهلها، بعد اعتناقهم المسيحية، على ما وجدوا عليه آباءهم من قبل.
إذن فلم يكن نظام وحدة الزوجة لديهم نظاما طارئا جاء به الدين الجديد الذي دخلوا فيه، وإنما كان نظاما قديما جرى عليه العمل في وثنيتهم الاولى، وكل ما هنالك أن النظم الكنسية المستحدثة بعد ذلك قد استقرت على تحريم تعدد الزوجات واعتبرت هذا التحريم من تعاليم الدين، على الرغم من أن أسفار الانجيل نفسها لم يرد فيها شئ يدل على هذا التحريم.
والحقيقة كذلك، أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب المتقدمة في الحضارة، على حين أنه قليل الانتشار أو منعدم في الشعوب البدائية المتأخرة كما قرر ذلك علماء الاجتماع ومؤرخو الحضارات، وعلى رأسهم " وستر مارك، وهو بهوس، وهيلير، وجنربرج ".
فقد لو حظ أن نظام وحدة الزوجية كان النظام السائد في أكثر الشعوب تأخرا وبدائية، وهي الشعوب التي تعيش على الصيد، أو جمع الثمار التي تجود بها الطبيعة عفوا، وفي الشعوب التي تتزحزح تزحزحا كبيرا عن بدائيتها، وهي الشعوب الحديثة العهد بالزراعة.
على حين أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب التي قطعت مرحلة كبيرة في الحضارة، وهي الشعوب التي تجاوزت مرحلة الصيد البدائي إلى مرحلة استئناس الانعام وتربيتها ورعيها واستغلالها، والشعوب
التي تجاوزت جمع الثمار والزراعة البدائية إلى مرحلة الزراعة.
стр. 877
ويرى كثير من علماء الاجتماع ومؤرخي الحضارات أن نظام تعدد الزوجات سيتسع نطاقه حتما، ويكثر عدد الشعوب الآخذة به كلما تقدمت المدنية واتسع نطاق الحضارة.
فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن نظام تعدد الزوجات مرتبط بتأخر الحضارة، بل عكس ذلك تماما هو المتفق مع الواقع.
هذا هو الوضع الصحيح لنظام التعدد من الناحية التاريخية، وهذا هو موقف المسيحية منه، وهذه هي الحقيقة فيما يتعلق بمدى انتشاره وارتباطه بتقدم الحضارة.
ولم نذكر ذلك لتبرير هذا النظام، وإنما ذكرناه لمجرد وضع الامور في نصابها، ولبيان ما تنطوي عليه حملة الفرنجة من تزييف للحقيقة والتاريخ.
стр. 878
الولاية على الزواج:
معنى الولاية: الولاية حق شرعي، ينفذ بمقتضاه الامر على الغير جبرا عنه.
وهي ولاية عامة، وولاية خاصة.
والولاية الخاصة ولاية على النفس، وولاية على المال.
والولاية على النفس هي المقصودة هنا. أي ولاية على النفس في الزواج.
شروط الولي: ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ، سواء كان المولى عليه مسلما أو غير مسلم، فلاولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي، لانه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره.
ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الاسلام، إذا كان المولى عليه مسلما.
فإنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على المسلم لقول الله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١) ".
عدم اشتراط العدالة:
ولا تشترط العدالة في الولي، إذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج إلا إذا خرج به الفسق إلى حد التهتك، فإن الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت يده، فيسلب حقه في الولاية.
اعتبار ولاية المرأة على نفسها في الزواج: ذهب كثير من العلماء إلى أن المرأة لاتزوج نفسها ولا غيرها، وإلى أن الزواج لا ينعقد بعبارتها، إذ أن الولاية شرط في صحة العقد، وأن العاقد هو الولي، واحتجوا لهذا: ١ - يقول الله تعالى: " وأنكحوا الايامى منكم والصالحين
стр. 879
من عبادكم وإمائكم " (١) .
٢ - وبقوله سبحانه: " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا (٢) " ووجه الاحتجاج بالآيتين: أن الله تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال: " لا تنكحوا أيها الاولياء مولياتكم للمشركين.
٣ - وعن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: " لا نكاح إلا بولي ".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححاه.
والنفي في الحديث يتجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات.
فيكون الزواج بغير ولي باطلا، كما سيأتي في حديث عائشة ﵂.
٤ - وروى البخاري عن الحسن قال: " فلا تعضلوهن " قال: " حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها!!.
لا والله لا تعود إليها أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية " فلا تعضلوهن " فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجتها إياه ".
قال الحافظ في الفتح: ومن أقوى الحجج هذا السبب المذكور في نزول هذه الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولانها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه.
٥ - وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا (٣) فالسلطان ولي من لا ولي له ".
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن.
стр. 880
قال القرطبي: وهذا الحديث صحيح.
ولا اعتبار بقول ابن علية عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري، فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية، وقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة.
لانه قد نقله عنه ثقات، منهم سليمان بن موسى، وهو ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لان النسيان لا يعصم منه ابن آدم.
قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ : عائشة وأم سلمة، وزينب، ثم سرد تمام ثلاثين حديثا.
وقال ابن المنذر: إنه لا يعرف عن أحد من أصحابه خلاف ذلك.
٦ - قالوا: ولان الزواج له مقاصد متعددة، والمرأة كثيرا ما تخضع لحكم العاطفة، فلا تحسن الاختيار، فيفوتها حصول هذه المقاصد، فمنعت من مباشرة العقد وجعل إلى وليها، لتحصل على مقاصد الزواج على الوجه الاكمل.
قال الترمذي: والعمل على حديث النبي ﷺ في هذا الباب (لانكاح إلا بولي) عند أهل العلم من أصحاب النبي: منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن مسعود وعائشة.
وممن ذهب إلى هذا من فقهاء التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.
وبهذا يقول سفيان الثوري، والاوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي وابن شبرمه، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، وابن أبي ليلى، والطبري، وأبو ثور.
وقال الطبري: في حديث حفصة - حين تأيمت، وعقد عليها عمر
النكاح، ولم تعقده هي - إبطال قول من قال: إن من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله ﷺ ليدع خطبة حفصة لنفسها، إذ كانت أولى بنفسها من أبيها وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها.