← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والحقيقة كذلك أن نظام تعدد الزوجات لا يزال إلى الوقت الحاضر منتشرا في عدة شعوب لا تدين بالاسلام كأفريقيا، والهند، والصين، واليابان. فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن هذا النظام مقصور على الامم التي تدين بالاسلام. والحقيقة كذلك أنه لا علاقة للدين المسيحي في أصله بتحريم التعدد. وذلك أنه لم يرد في الانجيل نص صريح يدل على هذا التحريم. وإذا كان السابقون الاولون إلى المسيحية من أهل أوربا قد ساروا على نظام وحدة الزوجة فما ذاك إلا لان معظم الامم الاوربية الوثنية التي انتشرت فيها المسيحية في أول الامر - وهي شعوب اليونان، والرومان - كانت تقاليدها تحرم تعدد الزوجات المعقود عليهن، وقد سار أهلها، بعد اعتناقهم المسيحية، على ما وجدوا عليه آباءهم من قبل. إذن فلم يكن نظام وحدة الزوجة لديهم نظاما طارئا جاء به الدين الجديد الذي دخلوا فيه، وإنما كان نظاما قديما جرى عليه العمل في وثنيتهم الاولى، وكل ما هنالك أن النظم الكنسية المستحدثة بعد ذلك قد استقرت على تحريم تعدد الزوجات واعتبرت هذا التحريم من تعاليم الدين، على الرغم من أن أسفار الانجيل نفسها لم يرد فيها شئ يدل على هذا التحريم. والحقيقة كذلك، أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب المتقدمة في الحضارة، على حين أنه قليل الانتشار أو منعدم في الشعوب البدائية المتأخرة كما قرر ذلك علماء الاجتماع ومؤرخو الحضارات، وعلى رأسهم " وستر مارك، وهو بهوس، وهيلير، وجنربرج ". فقد لو حظ أن نظام وحدة الزوجية كان النظام السائد في أكثر الشعوب تأخرا وبدائية، وهي الشعوب التي تعيش على الصيد، أو جمع الثمار التي تجود بها الطبيعة عفوا، وفي الشعوب التي تتزحزح تزحزحا كبيرا عن بدائيتها، وهي الشعوب الحديثة العهد بالزراعة. على حين أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب التي قطعت مرحلة كبيرة في الحضارة، وهي الشعوب التي تجاوزت مرحلة الصيد البدائي إلى مرحلة استئناس الانعام وتربيتها ورعيها واستغلالها، والشعوب التي تجاوزت جمع الثمار والزراعة البدائية إلى مرحلة الزراعة.

стр. 877

ويرى كثير من علماء الاجتماع ومؤرخي الحضارات أن نظام تعدد الزوجات سيتسع نطاقه حتما، ويكثر عدد الشعوب الآخذة به كلما تقدمت المدنية واتسع نطاق الحضارة. فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن نظام تعدد الزوجات مرتبط بتأخر الحضارة، بل عكس ذلك تماما هو المتفق مع الواقع. هذا هو الوضع الصحيح لنظام التعدد من الناحية التاريخية، وهذا هو موقف المسيحية منه، وهذه هي الحقيقة فيما يتعلق بمدى انتشاره وارتباطه بتقدم الحضارة. ولم نذكر ذلك لتبرير هذا النظام، وإنما ذكرناه لمجرد وضع الامور في نصابها، ولبيان ما تنطوي عليه حملة الفرنجة من تزييف للحقيقة والتاريخ.

стр. 878

الولاية على الزواج: معنى الولاية: الولاية حق شرعي، ينفذ بمقتضاه الامر على الغير جبرا عنه. وهي ولاية عامة، وولاية خاصة. والولاية الخاصة ولاية على النفس، وولاية على المال. والولاية على النفس هي المقصودة هنا. أي ولاية على النفس في الزواج. شروط الولي: ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ، سواء كان المولى عليه مسلما أو غير مسلم، فلاولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي، لانه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره. ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الاسلام، إذا كان المولى عليه مسلما. فإنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على المسلم لقول الله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١) ". عدم اشتراط العدالة: ولا تشترط العدالة في الولي، إذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج إلا إذا خرج به الفسق إلى حد التهتك، فإن الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت يده، فيسلب حقه في الولاية. اعتبار ولاية المرأة على نفسها في الزواج: ذهب كثير من العلماء إلى أن المرأة لاتزوج نفسها ولا غيرها، وإلى أن الزواج لا ينعقد بعبارتها، إذ أن الولاية شرط في صحة العقد، وأن العاقد هو الولي، واحتجوا لهذا: ١ - يقول الله تعالى: " وأنكحوا الايامى منكم والصالحين

стр. 879

من عبادكم وإمائكم " (١) . ٢ - وبقوله سبحانه: " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا (٢) " ووجه الاحتجاج بالآيتين: أن الله تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال: " لا تنكحوا أيها الاولياء مولياتكم للمشركين. ٣ - وعن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: " لا نكاح إلا بولي ". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححاه. والنفي في الحديث يتجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات. فيكون الزواج بغير ولي باطلا، كما سيأتي في حديث عائشة ﵂. ٤ - وروى البخاري عن الحسن قال: " فلا تعضلوهن " قال: " حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها!!. لا والله لا تعود إليها أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية " فلا تعضلوهن " فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجتها إياه ". قال الحافظ في الفتح: ومن أقوى الحجج هذا السبب المذكور في نزول هذه الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولانها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه. ٥ - وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا (٣) فالسلطان ولي من لا ولي له ". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن.

стр. 880

قال القرطبي: وهذا الحديث صحيح. ولا اعتبار بقول ابن علية عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري، فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية، وقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة. لانه قد نقله عنه ثقات، منهم سليمان بن موسى، وهو ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لان النسيان لا يعصم منه ابن آدم. قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ : عائشة وأم سلمة، وزينب، ثم سرد تمام ثلاثين حديثا. وقال ابن المنذر: إنه لا يعرف عن أحد من أصحابه خلاف ذلك. ٦ - قالوا: ولان الزواج له مقاصد متعددة، والمرأة كثيرا ما تخضع لحكم العاطفة، فلا تحسن الاختيار، فيفوتها حصول هذه المقاصد، فمنعت من مباشرة العقد وجعل إلى وليها، لتحصل على مقاصد الزواج على الوجه الاكمل. قال الترمذي: والعمل على حديث النبي ﷺ في هذا الباب (لانكاح إلا بولي) عند أهل العلم من أصحاب النبي: منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن مسعود وعائشة. وممن ذهب إلى هذا من فقهاء التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري، والاوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي وابن شبرمه، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، وابن أبي ليلى، والطبري، وأبو ثور. وقال الطبري: في حديث حفصة - حين تأيمت، وعقد عليها عمر النكاح، ولم تعقده هي - إبطال قول من قال: إن من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله ﷺ ليدع خطبة حفصة لنفسها، إذ كانت أولى بنفسها من أبيها وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها.

стр. 881

ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف: أن المرأة العاقلة البالغة لها الحق في مباشرة العقد لنفسها. بكرا كانت أو ثيبا. ويستحب لها أن تكل عقد زواجها لوليها. صونا لها عن التبذل إذا هي تولت العقد بمحضر من الرجال الاجانب عنها. وليس لوليها العاصب (١) حق الاعتراض عليها، إلا إذا زوجت نفسها من غير الكفء أو كان مهرها أقل من مهر المثل. فإن زوجت نفسها بغير كفء، وبغير رضا وليها العاصب، فالمروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، والمفتى به في المذهب عدم صحة زواجها، إذ ليس كل ولي يحسن المرافعة، ولاكل قاض يعدل، فأفتوا بعدم صحة الزواج سدا لباب الخصومة. وفي رواية أن للولي حق الاعتراض بأن يطلب من الحاكم التفريق، دفعا لضرر العار ما لم تلد من زوجها، أو تحبل حبلا ظاهرا، فإنه حينئذ يسقط حقه في طلب التفريق لئلا يضيع الولد، ومحافظة على الحمل من الضياع. وإن كان الزوج كفئا، وكان المهر أقل من مهر المثل فإن من حق الولي أن يطالب بمهر مثلها، فإن قبل الزوج لزم العقد، وإن رفض رفع الامر للقاضي ليفسخه. وإن لم يكن لها ولي عاصب. بأن كانت لاولي لها أصلا، أولها ولي غير عاصب، فلاحق لاحد في الاعتراض على عقدها. سواء زوجت نفسها من كفء أوغير كفء، بمهر المثل، أو أقل، لان الامر في هذه الحالة يرجع إليها وحدها، وأنها تصرفت في خالص حقها، وليس لها ولي يناله العار لزواجها من غير كفء، ومهر مثلها قد سقط بتنازلها عنه. واستدل جمهور الاحناف بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (٢) ". ٢ - وقوله سبحانه: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن (٣) ".

стр. 882

ففي هاتين الآيتين إسناد الزواج إلى المرأة. والاصل في الاسناد أن يكون إلى الفاعل الحقيقي. ٣ - ثم إنها تستقل بعقد البيع وغيره من العقود، فمن حقها أن تستقل بعقد زواجها، إذ لا فرق بين عقد وعقد. وعقد الزواج وإن كان لاوليائها حق فيه فهو لم يلغ، إذ اعتبر في حالة ما إذا أساءت التصرف، وتزوجت من غير كفء، إذ أن سوء تصرفها يلحق عاره أولياءها. قالوا: وأحاديث اشتراط الولاية في الزواج تحمل على ناقصة الاهلية، كأن تكون صغيرة، أو مجنونة. وتخصيص العام، وقصره على بعض أفراده بالقياس جائز عند كثير من أهل الاصول. وجوب استئذان المرأة قبل الزواج: ومهما يكن من خلاف في ولاية المرأة، فإنه يجب على الولي أن يبدأ بأخذ رأي المرأة. ويعرف رضاها قبل العقد، إذ أن الزواج معاشرة دائمة، وشركة قائمة بين الرجل والمرأة، ولا يدوم الوثام ويبقى الود والانسجام ما لم يعلم رضاها، ومن ثم منع الشرع إكراه المرأة - بكرا كانت أو ثيبا - على الزواج، وإجبارها على من لارغبة لها فيه، وجعل العقد عليه قبل استئذانها غير صحيح، ولها حق المطالبة بالفسخ إبطالا لتصرفات الولي المستبد إذا عقد عليها: ١ - فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " الثيب أحق بنفسها (١) من وليها. والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها (٢) " رواه الجماعة إلا البخاري. وفي رواية لاحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي (والبكر يستأمرها أبوها) . أي يطلب أمرها قبل العقد عليها. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ

стр. 883

قال: " لا تنكح الايم (١) حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله: كيف إذنها؟ قال: أن تسكت ". ٣ - وعن خنساء بنت خدام " أن أباها زوجها وهي ثيب، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها ". أخرجه الجماعة إلا مسلما. ٤ - وعن ابن عباس: " أن جارية بكرا، أتت رسول الله ﷺ فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني. ٥ - وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " جاءت فتاة الى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الامر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الامر شئ ". رواه ابن ماجه. ورجاله رجال الصحيح. زواج الصغيرة: هذا بالنسبة للبالغة، أما الصغيرة، فإنه يجوز للاب والجد تزويجها دون إذنها، إذ لا رأي لها، والاب والجد يرعيان حقها ويحافظان عليها. وقد زوج أبو بكر ﵁ ابنته عائشة أم المؤمنين من رسول الله ﷺ وهي صغيرة دون إذنها، إذ لم تكن في سن يعتبر فيها إذنها. وليس لها الخيار إذا بلغت. واستحب الشافعية ألا يزوجها الاب أو الجد حتى تبلغ ويستأذنها، لئلا يوقعها في أسر الزواج وهي كارهة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز لغير الاب والجد من الاولياء أن يزوج الصغيرة، فإن زوجها لم يصح. وقال أبو حنيفة والاوزاعي وجماعة من السلف: يجوز لجميع الاولياء ويصح، ولها الخيار إذا بلغت وهو الاصح، لما روي أن النبي صلى الله عليه.

стр. 884

وسلم زوج أمامة بنت حمزة - وهي صغيرة -، وجعل لها الخيار إذا بلغت. وإنما زوجها النبي صلى الله عليه لقربه منها، وولايته عليها، ولم يزوجها بصفته نبيا، إذ لو زوجها بصفته نبيا لم يكن لها حق الخيار إذا بلغت، لقول الله تعالى: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (١) " وهذا المذهب قال به من الصحابة عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، ﵃ أجمعين. ولاية الاجبار: تثبت ولاية الاجبار على الشخص الفاقد الاهلية مثل المجنون، والصبي غير المميز، كما تثبت هذه الولاية على الشخص الناقص الاهلية مثل الصبي، والمعتوه المميزين. ومعنى ثبوت ولاية الاجبار، أن للولي حق عقد الزواج لمن له الولاية عليه من هؤلاء دون الرجوع إليهم لاخذ رأيهم. ويكون عقده نافذا على المولى عليه دون توقف على رضاه. وقد جعل الشارع هذه الولاية إجبارية للنظر في مصالح المولى عليه، إذ أن فاقد الاهلية، أو ناقصها عاجز عن النظر في مصالح نفسه. وليس له من القدرة العقلية ما يستطيع بها أن يدرك مصلحته في العقود التي يعقدها، والتصرفات التي تصدر عنه بسبب الصغر أو الجنون أوالعته، ومن ثم فإن تصرفات فاقد الاهلية أو ناقصها ترجع إلى وليه. إلا أن فاقد الاهلية إذا عقد عقد الزواج، فإن عقده يقع باطلا، إذ لا تعتبر عباراته في إنشاء العقود والتصرفات، لعدم التمييز الذي هو أصل الاهلية. أما ناقص الاهلية إذا عقد عقد الزواج فإن عقده يقع صحيحا، متى توفرت الشروط اللازمة. إلا أنه يتوقف على إجازة الولي، فإن شاء أجازه، وإن شاء رده.

стр. 885

وقال الاحناف: إن ولاية الاجبار هذه تثبت للعصبات النسبية على الصغار، والمجانين، والمعتوهين. أما غير الاحناف، فقد فرقوا بين الصغار وبين المجانين والمعاتهة، فاتفقوا على أن الولاية على المجانين والمعاتهة تثبت للاب، والجد، والوصي، والحاكم. واختلفوا فيمن تثبت له هذه الولاية على الصغيرة والصغير فقال الامام مالك وأحمد: تثبت للاب، ووصيه فقط، ولا تثبت لغيرهما. وذهب الشافعي إلى أنها تثبت للاب والجد. من هم الاولياء؟ ذهب جمهور العلماء، منهم مالك والثوري، والليث والشافعي إلى أن الاولياء في الزواج هم العصبة، وليس للخال ولا للاخوة لام، ولا لولد الام، ولا لاي من ذوي الارحام ولاية. قال الشافعي: لا ينعقد نكاح امرأة إلا بعبارة الولي القريب، فإن لم يكن فبعبارة الولي البعيد، فإن لم يكن فبعبارة السلطان (١) . فإن زوجت نفسها بإذن الولي، أو بغير إذنه بطل الزواج، ولم يتوقف. وعند أبي حنيفة أن لغير العصبة من الاقارب ولاية التزويج. ولصاحب الروضة الندية تحقيق في هذا الموضوع. قال: الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال: " إن الاولياء هم قرابة المرأة: الادنى فالادنى، الذين تلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم ". وهذا المعنى لا يختص بالعصبات، بلى قد يوجد في ذوي السهام، كالاخ لام، وذوي الارحام كإبن البنت. وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الاعمام ونحوهم، فلا

стр. 886

وجه لتخصيص ولاية النكاح بالعصابات، كما أنه لاوجه لتخصيصها بمن يرث. ومن زعم ذلك فعليه الدليل أو النقل، بأن معنى الولي في النكاح شرعا أو لغة هو هذا. قال: ولا ريب أن بعض القرابة أولى من بعض. وهذه الاولوية ليست باعتبار استحقاق نصيب من المال، واستحقاق التصرف فيه حتى يكون كالميراث، أو كولاية الصغير، بل باعتبار أمر آخر، وهو ما يجده القريب من الغضاضة التي هي العار اللاصق به. وهذا لا يختص بالعصبات، بل يوجد في غيرهم، ولاشك أن بعض القرابة أدخل في هذا الامر من بعض. فالآباء والابناء أولى من غيرهم، ثم الاخوة لابوين، ثم الاخوة لاب، أو لام، ثم أولاد البنين، وأولاد البنات، ثم أولاد الاخوة، وأولاد الاخوات، ثم الاعمام، والاخوال، ثم هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعم الاختصاص بالبعض دون البعض فليأت بحجة. وإن لم يكن بيده إلا مجرد أقوال من تقدمه فلسنا ممن يعول على ذلك (١) جواز تزويج الرجل نفسه من موليته: يجوز للرجل أن يزوج نفسه من المرأة التي يلي أمرها دون الاحتياج الى ولي آخر، إذا رضيت به زوجا لها. فعن سعيد بن خالد عن أم حكيم بنت قارظ، قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه خطبني غير واحد، فزوجني أيهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك. وقال مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه، أو ممن اختار لها، لزمها ذلك، ولو لم تعليم عين الزوج. وهذا مذهب الاحناف، والليث، والثوري، والاوزاعي. وقال الشافعي، وداود: يزوجها السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه، لان الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح منكحا كما لا يبيع من نفسه. وناقش ابن حزم رأي الشافعي، وداود، فقال: وأما قولهم: إنه لا

стр. 887

يجوز أن يكون الناكح هو المنكح، ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المنكح، فدعوى كدعوى. وأما قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه، فهي جملة لا تصح كما ذكروا، بل جائز إن وكل ببيع شئ أن يبتاعه لنفسه إن لم يحابها بشئ، ثم ساق البرهان على صحة ما رجحه من أن البخاري روى عن أنس: " أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وأولم عليه بحيس ". قال: فهذا رسول الله ﷺ زوج مولاته من نفسه وهو الحجة على من سواه، ثم قال: قال الله تعالى: " وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم (١) " فمن أنكح أيمة من نفسه برضاها فقد فعل ما أمره الله تعالى به، ولم يمنع الله من أن يكون المنكح لايمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب. غيبة الولي: إذا كان الولي الاقرب المستوفي شروط الولاية موجودا فلا ولاية للبعيد معه، فإذا كان الاب - مثلا - حاضرا لا يكون للاخ ولاية التزويج، ولا للعم، ولا لغيرهما. فإن باشر واحد منهما زواج الصغيرة ومن في حكمها بغير إذن الاب وتوكيله كان فضوليا، وعقده موقوف على إجازة من له الولاية، وهو الاب. أما إذا غاب الاقرب بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه، فإن الولاية تنتقل إلى من يليه، حتى لا تفوت المصلحة، وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على ما باشره من يليه، لانه لغيبته اعتبر كالمعدوم، وصارت حق من يليه. وهذا مذهب الاحناف وقال الشافعي: إذا زوجها من أولياتها الابعد - والاقرب حاضر -

стр. 888

فالنكاح باطل: وإذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها، ويزوجها القاضي. وقال في " بداية المجتهد ": اختلف في ذلك قول مالك، فمرة قال: إن زوج الابعد مع حضور الاقرب فالنكاح مفسوخ. ومرة قال: النكاح جائز. ومرة قال: للاقرب أن يجيز أو يفسخ. قال: وهذا الخلاف كله فيما عدا الاب في ابنته البكر، والوصي في محجورته. فإنه لا يختلف قوله: " إن النكاح في هذين مفسوخ " أعني تزويج غير الاب البنت البكر مع حضور الاب، أو غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي. ويوافق الامام مالك أبا حنيفة في انتقال الولاية إلى الولي البعيد في حالة ما إذا غاب الولي القريب. الولي القريب المحبوس مثل البعيد: وفي المغني: " وإذا كان القريب محبوسا أو أسيرا في مسافة قريبة لاتمكن مراجعته فهو كالبعيد، فإن البعد لم يعتبر لعينه، بل لتعذر الوصول إلى التزويج بنظره. وهذا موجود هاهنا، ولذلك إن كان لا يعلم أقريب أم بعيد، أو يعلم أنه قريب ولم يعلم مكانه فهو كالبعيد. عقد الوليين: إذا عقد الوليان لامرأة، فإما أن يكون العقدان في وقت واحد، أو يكون أحدهما متقدما والآخر متأخرا. فإن كان العقدان في وقت واحد بطلا. وإن كانا مرتبين كانت المرأة للاول منهما، سواء دخل بها الثاني أم لا. فإن دخل بها مع علمه بأنها معقود لها على غيره قبل عقده هو، كان زانيا مستحقا للحد. وإن كان جاهلا ردت إلى الاول، ولا يقام عليه الحد لجهله. فعن سمرة أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة زوجها وليان فهي للاول منهما ".

стр. 889

رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي. فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للاول، دخل بها الثاني، أم لم يدخل. المرأة التي لاولي لها، ولا تستطيع أن تصل إلى القاضي: قال القرطبي: وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا ولي لها، فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها، فيزوجها، ويكون هو وليها في هذه الحال، لان الناس لابد لهم من التزويج وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن (١) . وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوجها من تسند أمرها إليه، لانها ممن تضعف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها. وقال الشافعي: إذا كان في الرفقة امرأة لاولي لها فولت أمرها رجلا حتى زوجها جاز، لان هذا من قبيل التحكيم والمحكم يقوم مقام الحاكم. عضل الولي: اتفق العلماء على أنه ليس للولي أن يعضل موليته، ويظلمها بمنعها من الزواج، إذا أراد أن يتزوجها كفء بمهر مثلها، فإذا منعها في هذه الحال كان من حقها أن ترفع أمرها إلى القاضي ليزوجها. ولا تنتقل الولاية في هذه الحالة إلى ولي آخر يلي هذا الولي الظالم، بل تنتقل إلى القاضي مباشرة، لان العضل ظلم، وولاية رفع الظلم إلى القاضي. فأما إذا كان الامتناع بسبب عذر مقبول، كأن يكون الزوج غير كفء، أو المهر أقل من مهر المثل، أو لوجود خاطب آخر أكفأ منه، فإن الولاية في هذه الحال لا تنتقل عنه، لانه لا يعد عاضلا. عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي فأتاني ابن عم لي، فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقا له رجعة، تم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها، فقلت: لا، والله لا أنكحها أبدا. قال: ففي نزلت هذه الآية: " وإذا طلقتم النساء فبلغن

стр. 890

أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن (١) " الآية. قال: فكفرت عن يميني، فأنكحتها إياه. زواج اليتيمة: يجوز تزويج اليتيمة قبل البلوغ. ويتولى الاولياء العقد عليها، ولها الخيار بعد البلوغ. وهو مذهب عائشة ﵂ وأحمدو أبي حنيفة. قال الله تعالى: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن، وترغبون أن تنكحوهن " (٢) . قالت عائشة ﵂: " هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يقسط لها سنة صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لها سنة صداقهن ". وفي السنن الاربعة عنه ﷺ " اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها ". وقال الشافعي: لا يصح تزويج اليتيمة إلا بعد البلوغ، لقول الرسول ﵊ " اليتيمة تستأمر " ولا استئمار إلا بعد البلوغ، إذ لا فائدة من استئمار الصغيرة. انعقاد الزواج بعاقد واحد: إذا كان للشخص الواحد ولاية على الزوج والزوجة يجوز له أن يلي العقد، فللجد أن يزوج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة، وكما إذا كان وكيلا. ولاية السلطان (القاضي) : تنتقل الولاية إلى السلطان في حالتين: (الاولى) إذا تشاجر الاولياء. (الثانية) إذا لم يكن الولي موجودا، ويصدق ذلك بعدمه مطلقا، أو غيبته. فإذا حضر الكفء، ورضيت المرأة البالغة به، ولم يكن أحد من الاولياء حاضرا، بأن كان غائبا ولو في محل قريب، إذا كان خارجا عن بلد المرأة، ومن يريد زواجها. فإن للقاضي في هذه الحالة حق العقد إلا أن ترضى

стр. 891

المرأة ومن يريد التزوج بها انتظار قدوم الغائب، فذلك حق لها وإن طالت المدة. أما مع عدم الرضا فلاوجه لايجاب الانتظار. ففي الحديث: " ثلاث لا يؤخرن وهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والايم إذا وجدت كفئا ". رواه البيهقي وغيره عن علي "، وسنده ضعيف وقد ورد في الباب أحاديث كلها واهية، أمثلها هذا.

стр. 892

الوكالة في الزواج: الوكالة، من العقود الجائزة في الجملة، لحاجة الناس إليها في كثير من معاملاتهم. وقد اتفق الفقهاء على أن كل عقد جاز أن يعقده الانسان بنفسه، جاز أن يوكل به غيره، كالبيع، والشراء، والاجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة. وقد كان النبي، صلوات الله وسلامه عليه، يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج بالنسبة لبعض أصحابه. روى أبو داود، عن عقبة بن عامر، ﵁، أن النبي ﷺ قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم. وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها، ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا - وكان ممن شهد الحديبية - وكان من شهد الحديبية لهم سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمه فباعته بمائة ألف. وفي هذا الحديث دليل على أنه يصح أن يكون الوكيل وكيلا عن الطرفين. وعن أم حبيبة: " أنها كانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فزوجها النجاشي رسول الله ﷺ وهي عنده " رواه أبو داود. وكان الذي تولى العقد عمرو بن أمية الضمري وكيلا عن رسول الله ﷺ وكله بذلك. وأما النجاشي، فهو الذي كان قد أعطى لها المهر فأسند التزويج إليه.

стр. 893

من يصح توكيله ومن لا يصح: يصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر، لانه كامل الاهلية (١) . وكل من كان كامل الاهلية، فإنه يملك تزويج نفسه بنفسه. وكل من كان كذلك فإنه يصح أن يوكل عنه غيره. أما إذا كان الشخص فاقد الاهلية، أو ناقصها، فإنه ليس له الحق في توكيل غيره، كالمجنون، والصبي، والعبد، والمعتوه، فإنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه. وقد اختلف الفقهاء في صحة توكيل المرأة البالغة العاقلة في تزويج نفسها، حسب اختلافهم في انعقاد الزواج بعبارتها. فقال أبو حنيفة: يصح منها التوكيل كما يصح من الرجل، إذ من حقها أن تنشئ العقد. وما دام ذلك حقا من حقوقها، فمن حقها أن توكل عنها من يقوم بإنشائه. أما جمهور العلماء فإنهم قالوا: إن لوليها الحق في أن يعقد عليها من غير توكيل منها له. وإن كان لابد من اعتبار رضاها كما تقدم. وفرق بعض علماء الشافعية بين الاب والجد، وبين غيرهما من الاولياء. فقالوا: إنه لا حاجة إلى توكيل الاب والجد، أو غيرهما فلابد من التوكيل منها له. التوكيل المطلق والمقيد: والتوكيل يجوز مطلقا ومقيدا: فالمطلق: أن يوكل شخص آخر في تزويجه دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدار معين من المهر. والمقيد: أن يوكله في التزويج، ويقيده بامرأة معينة. أو امرأة من أسرة معيبة، أو بقدر معين من المهر. وحكم التوكيل المطلق، أن الوكيل لا يتقيد بأي قيد عند أبي حنيفة. فلو زوج الوكيل موكله بامرأة معيبة أو غير كفء، أو بمهر زائد عن مهر المثل

стр. 894

جاز ذلك (١) ، وكان العقد صحيحا نافذا، لان ذلك مقتضى الاطلاق. وقال أبو يوسف ومحمد: لابد أن يتقيد بالسلامة والكفاءة ومهر المثل. ويتجاوز عن الزيادة اليسيرة التي يتغابن الناس فيها عادة. وحجتهما: أن الذي يوكل غيره إنما يوكله ليكون عونا له على اختيار الاصلح بالنسبة إليه. وترك التقييد لا يقتضي أن يأتي بأي امرأة، لان المفهوم أن يختار له امرأة مماثلة بمهر مماثل، ولابد من ملاحظة هذا المفهوم واعتباره، لان المعروف عرفا كالمشروط شرطا. وهذا هو الرأي الذي لا ينبغي التعويل إلا عليه. وحكم التوكيل المقيد: أنه لا تجوز فيه المخالفة إلا إذا كانت المخالفة إنى ما هو أحسن. بأن تكون الزوجة التي اختارها الوكيل أجمل وأفضل من الزوجة التي عينها له، أو يكون المهر أقل من المهر الذي عينه. فإذا كانت المخالفة إلى غير ذلك، كان العقد صحيحا غير لازم على الموكل. فإن شاء أجازه، وإن شاء رده. وقالت الاحناف: إن المرأة إذا كانت هي الموكلة، فإما أن توكله بمعين، أو غير معين. فإن كان الاول، فلا ينفذ العقد عليها إلا إذا وافقها في كل ما أمرته به، سواء كان من جهة الزوج أو المهر. وإن كان الثاني - وهو ما إذا أمرته بتزويجها بغير معين، كما إذا قالت له: وكلتك في أن تزوجني رجلا، فزوجها من نفسه، أو لابيه، أو لابنه - لا يلزم العقد، للتهمة. فإن حصل ذلك توقف نفاذ العقد على إجازتها. فإن زوجها بغير من ذكر: أي بأجنبي. فإن كان الزوج كفئا، والمهر مهر المثل، لزم النكاح وليس لهاولا لوليها رده. وإن كان الزوج كفثا، والمهر أقل من مهر المثل - وكان الغبن فاحشا - فلا ينفذ العقد، بل يكون موقوفا على إجازتها وإجازة وليها، لان كلامنهما له حق في ذلك.

стр. 895

وإن كان الزوج غير كفء وقع العقد فاسدا. سواء كان المهر أقل من مهر المثل، أو مساويا له، أو أكثر، ولا تلحقه الاجازة، لان الاجازة لا تلحق الفاسد وإنما تلحق الزواج الموقوف. الوكيل في الزواج سفير ومعبر (١) : تختلف الوكالة في الزواج عن الوكالة في العقود الاخرى، فالوكيل في الزواج ما هو إلا سفير ومعبر لاغير، فلا ترجع إليه حقوق العقد، فلا يطالب بالمهر (٢) ولا بإدخال الزوجة في طاعة زوجها إذا كان وكيل الزوجة، ولا يقبض المهر عن الزوجة إذا كان وكيلا عنها إلا إذا أذنت له، فيكون إذنها توكيلا له بالقبض. وهو غير توكيل الزواج الذي ينتهي بمجرد إتمام العقد.

стр. 896

الكفاءة في الزواج: تعريفها: الكفاءة: هي المساواة، والمماثلة. والكفء والكفاء، والكفء: المثل والنظير. والمقصود بها في باب الزواج أن يكون الزوج كفئا لزوجته. أي مساويا لها في المنزلة، ونظير الها في المركز الاجتماعي، والمستوى الخلقي والمالي. وما من شك في أنه كلما كانت منزلة الرجل مساوية لمنزلة المرأة، كان ذلك أدعى لنجاح الحياة الزوجية، وأحفظ لها من الفشل والاخفاق. حكمها: ولكن ما حكم هذه الكفاءة؟ وما مدى اعتبارها؟. أما ابن حزم، فذهب إلى عدم اعتبار هذه الكفاءة، فقال: " أي مسلم - ما لم يكن زانيا - فله الحق في أن يتزوج أية مسلمة، ما لم تكن زانية ". قال: وأهل الاسلام كلهم إخوة لا يحرم على إبن من زنجية لغية (١) نكاح لابنة الخليفة الهاشمي. والفاسق المسلم الذي بلغ الغاية من الفسق - ما لم يكن زانيا - كفء للمسلمة الفاسقة ما لم تكن زانية. قال: والحجة قول الله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة (٢) " وقوله مخاطبا جميع المسلمين: " نانكحوا ما طاب لكم من النساء. " (٣) وذكر ما حرم علينا من النساء، ثم قال سبحانه: " وأحل لكم ما وراء ذلكم (٤) ". وقد أنكح رسول الله ﷺ زينب أم المؤمنين زيدا مولاه و

стр. 897

وأنكح المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. قال: وأما قولنا في الفاسق والفاسقة فيلزم من خالفنا ألا يجيز للفاسق أن ينكح إلا فاسقة، وأن لا يجيز للفاسقة أن ينكحها إلا فاسق، وهذا لا يقوله أحد، وقد قال الله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة " (١) وقال سبحانه: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (٢) ". اعتبار الكفاءة بالاستقامة والخلق: وذهب جماعة إلى أن الكفاءة معتبرة، ولكن اعتبارها بالاستقامة والخلق خاصة، فلا اعتبار لنسب، ولا لصناعة، ولا لغنى، ولا لشئ آخر، فيجوز للرجل الصالح الذي لا نسب له أن يتزوج المرأة النسيبة، ولصاحب الحرفة الدنئية أن يتزوج المرأة الرفيعة القدر، ولمن لاجاه له أن يتزوج صاحبة الجاه والشهرة، وللفقير أن يتزوج المثرية الغنية - ما دام مسلما عفيفا - وأنه ليس لاحد من الاولياء الاعتراض، ولاطلب التفريق. وإن كان غير مستوفي الدرجة مع الولي الذي تولى العقد ما دام الزواج كان عن رضى منها، فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل فلا يكون كفئا للمرأة الصالحة، ولها الحق في طلب فسخ العقد إذا كانت بكرا وأجبرها أبوها على الزواج من الفاسق. وفي بداية المجتهد: ولم يختلف المذهب - المالكية - أن البكر إذا زوجها الاب من شارب الخمر، وبالجملة من فاسق، أن لها أن تمنع نفسها من النكاح، وينظر الحاكم في ذلك، فيفرق بينهما، وكذلك إذا زوجها ممن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق، واستدل أصحاب هذا المذهب بما يأتي: ١ - ان الله تعالى قال: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (٣) ". ففي هذه الآية تقرير أن الناس متساوون في الخلق، وفي القيمة الانسانية، وأنه لا أحد أكرم من أحد إلا من حيث تقوى الله عزوجل، بأداء حق الله وحق الناس.

стр. 898

٢ - وروى الترمذي بإسناد حسن عن أبي حاتم المزني، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد كبير، قالوا يارسول اللهوإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه - ثلاث مرات - " ففي هذا الحديث توجيه الخطاب إلى الاولياء أن يزوجوا مولياتهم من يخطبهن من ذوي الدين والامانة والخلق، وإن لم يفعلوا ذلك بعدم تزويج صاحب الخلق الحسن، ورغبوا في الحسب، والنسب، والجاه، والمال، كانت الفتنة والفساد الذي لا آخر له. ٣ - وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يا بني بياضة أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه " (١) وكان حجاما. قال في معالم السنن: في هذا الحديث حجة لمالك ومن ذهب مذهبه في الكفاءة بالدين وحده دون غيره، وأبو هند مولى بني بياضة، ليس من أنفسهم. ٤ - وخطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فامتنعت، وامتنع أخوها عبد الله، لنسبها في قريش، وأنها كانت بنت عمة النبي ﷺ ، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وأن زيدا كان عبدا، فنزل قول الله عزوجل: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (٢) "، فقال أخوها لرسول الله ﷺ : مرني بما شئت. فزوجها من زيد. ٥ - وزوج أبو حذيفة سالما من هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الانصار. ٦ - وتزوج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف. ٧ - وسئل الامام علي كرم الله وجهه عن حكم زواج الاكفاء، فقال: الناس بعضهم أكفاء لبعض، عربيهم وعجميهم، قرشيهم وهاشميهم إذا

стр. 899

أسلموا وآمنوا. وهذا مذهب المالكية. قال الشوكاني: ونقل عن عمر، وابن مسعود، وعن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. ورجحه ابن القيم فقال: فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الكفاءة في الدين أصلا وكمالا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولاعفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسبا، ولا صناعة، ولا غنى، ولا حرفة. فيجوز للعبد القن نكاح المرأة النسيبة الغنية إذا كان عفيفا مسلما. وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيان، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات (١) . مذهب جمهور الفقهاء: وإذا كان المالكية وغيرهم من العلماء الذين سبقت الاشارة إليهم، يرون أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والصلاح لا غير، فإن غير هؤلاء من الفقهاء يرون أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والصلاح، وأن الفاسق ليس كفئا للعفيفة، إلا أنهم لا يقصرون الكفاءة على ذلك، بل يرون أن ثمة أمورا أخرى لابد من اعتبارها. ونحن نشير إلى هذه الامور فيما يأتي: (أولا) النسب: فالعرب بعضهم أكفاء لبعض، وقريش بعضهم أكفاء لبعض ... فالاعجمي لا يكون كفئا للعربية، والعربي لا يكون كفئا للقرشية. ودليل ذلك: ١ - ما رواه الحاكم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: " العرب أكفاء بعضهم لبعض، قبيلة لقبيل، وحي لحي، ورجل لرجل، إلا حائكا أو حجاما ". ٢ - وروى البزار عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال:

стр. 900

" العرب بعضهم لبعض أكفاء، والموالي بعضهم أكفاء بعض ". ٣ - وعن عمر قال: لامنعن تزوج ذوات الاحساب إلا من الاكفاء. رواه الدارقطني. وحديث ابن عمر سأل عنه ابن أبي حاتم أباه فقال: هذا كذب لا أصل له. وقال الدارقطني في الملل: لا يصح. قال ابن عبد البر: هذا منكر موضوع. وأما حديث معاذ، ففيه سليمان بن أبي الجون. قال بن القطان: لا يعرف. ثم هو من رواية خالد بن معدان عن معاذ، ولم يسمع منه. والصحيح أنه لا يثبت في اعتبار الكفاءة والنسب من حديث. ولم يختلف الشافعية، ولا الحنفية في اعتبار الكفاءة بالنسب على هذا النحو المذكور. ولكنهم اختلفوا في التفاضل بين القرشيين. فالاحناف يرون أن القرشي كفء للهاشمية (١) . أما الشافعية فإن الصحيح من مذهبهم أن القرشي ليس كفئا للهاشمية والمطلبية. واستدلوا لذلك بما رواه واثلة بن الاسقع أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار، من خيار، من خيار ". رواه مسلم. قال الحافظ في الفتح: والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء لبعض. والحق خلاف ذلك. فإن النبي ﷺ زوج ابنتيه عثمان بن عفان، وزوج أبا العاص بن الربيع زينب، وهما من عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وعمر عدوي. على أن شرف العلم دونه كل نسب، وكل شرف، فالعالم كفء لاي امرأة، مهما كان نسبها، وإن لم يكن له نسب معروف، لقول رسول الله ﷺ : " الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في

стр. 901

الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا ". وقول الله تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " (١) . وقوله عزوجل: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (٢) . هذا بالنسبة للعرب، وأما غيرهم من الاعاجم فقيل: لا كفاءة بينهم بالنسب. وروي عن الشافعي وأكثر أصحابه: أن الكفاءة معتبرة في أنسابهم فيما بينهم قياسا على العرب، ولانهم يعيرون إذا تزوجت واحدة منهم زوجا دونها نسبا، فيكون حكمهم حكم العرب لاتحاد العلة. (ثانيا) الحرية: فالعبد ليس بكفء للحرة، ولا العتيق كفئا لحرة الاصل، ولا من مس الرق أحد آبائه كفئا لمن لم يمسها رق، ولا أحدا من آبائها، لان الحرة يلحقها العار بكونها تحت عبد، أو تحت من سبق من كان في آبائه مسترق. (ثالثا) الاسلام: أي التكافؤ في إسلام الاصول. وهو معتبر في غير العرب، أما العرب فلا يعتبر فيهم، لانهم اكتفوا بالتفاخر بأنسابهم، ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم. وأما غير العرب من الموالي والاعاجم، فيتفاخرون بإسلام الاصول، وعلى هذا إذا كانت المرأة مسلمة لها أب وأجداد مسلمون، فإنه لا يكافئها المسلم الذي ليس له في الاسلام أب ولاجد، ومن لها أب واحد في الاسلام يكافؤها من له أب واحد فيه، ومن له أب وجد في الاسلام فهو كفء لمن لها أب وأجداد، لان تعريف المرء يتم بأبيه وجده، فلا يلتفت إلى ما زاد. ورأي أبي يوسف أن من له أب واحد في الاسلام كفء لمن لها آباء، لان التعريف عنده يكون كاملا بذكر الاب، أما أبو حنيفة ومحمد فلا يكون التعريف عندهما كاملا إلا بالاب والحد.

стр. 902

(رابعا) الحرفة: إذا كانت المرأة من أسرة تمارس حرفة شريفة، فلا يكون صاحب الحرفة الدنيئة كفئا لها، وإذا تقاربت الحرف فلا اعتبار للتفاوت فيها. والمعتبر في شرف الحرب ودنائتها العرف، فقد تكون حرفة ما شريفة في مكان ما، أو زمان ما، بينما هي دنيئة في مكان ما، أو زمان ما. وقد استدل القائلون باعتبار الكفاءة بالحرفة بالحديث المتقدم: " العرب بعضهم أكفاء لبعض، إلى: حائكا أو حجاما ". وقد قيل لاحمد بن حنبل ﵀: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل على هذا. قال في المغني: يعني أنه ورد موافقا لاهل العرف. ولان أصحاب الصنائع الجليلة والحرف الشريفة يعتبرون تزويج بناتهم لاصحاب الصنائع الدنيئة - كالحائك، والدباغ، والكناس، والزبال - نقصا يلحقهم، وقد جرى عرف الناس بالتعيير بذلك، فأشبه النقص في النسب. وهذا مذهب الشافعية، ومحمد وأبي يوسف من الحنفية. ورواية عن أحمد وأبي حنيفة. ورواية عن أبي يوسف أنها لا تعتبر إلا أن تفحش. (خامسا) المال: وللشافعية اختلاف في اعتباره، فمنهم من قال باعتباره، فالفقير عند هؤلاء ليس بكفء للموسرة لما روى سمرة أن رسول الله ﷺ قال: " الحسب المال، والكرم التقوى ". قالوا: ولان نفقة الفقير دون نفقة الموسر. ومنهم من قال: لا يعتبر، لان المال غاد ورائح، ولانه لا يفتخر به ذوو المروءات، وأنشدوا قول الشاعر: غنينا (١) زمانا بالتصعلك والفقر وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر

стр. 903

وعند الاحناف اعتبار المال، والمعتبر فيه أن يكون مالكا المهر والنفقة، حتى إن من لم يملكهما، أو لا يملك أحدهما لا يكون كفئا. والمراد بالمهر قدر ما تعارفوا تعجيله، لان ما وراءه مؤجل عرفا. وعن أبي يوسف أنه اعتبر القدرة على النفقة دون المهر، لانه تجري المساهلة فيه، وبعد المرء قادرا عليه بيسار أبيه. واعتبار المال في الكفاءة رواية عن أحمد، لان على الموسرة ضررا في إعسار زوجها، لاخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها، ولان الناس يعتبرون الفقر نقصا، ويتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب، وأبلغ. (سادسا) السلامة من العيوب: وقد اعتبر أصحاب الشافعي - وفيما ذكره ابن نصر عن مالك - السلامة من العيوب من شروط الكفاءة. فمن به عيب مثبت للفسخ ليس كفئا للسليمة منه، فإن لم يكن مثبتا للفسخ عنده وكان منفرا كالعمى، والقطع، وتشويه الخلقة. فوجهان، واختيار الروياني أن صاحبه ليس بكفء. ولم يعتبرها الاحناف ولا الحنابلة. وفي المغني: وأما السلامة من العيوب فليس من شروط الكفاءة، فإنه لا خلاف في أنه لا يبطل النكاح بعدمه، وكلنها تثبت الخيار للمرأة دون الاولياء، لان ضرره مختص بها، ولوليها منعها من نكاح المجذوم، والابرص والمجنون. فيمن تعتبر؟ والكفاءة في الزواج معتبرة في الزوج دون الزوجة. أي أن الرجل هو الذي يشترط فيه أن يكون كفئا للمرأة ومماثلا لها، ولا يشترط أن تكون المرأة كفئا للرجل (١) .

стр. 904

ودليل ذلك: (أولا) أن النبي ﷺ قال: " من كانت عنده جارية، فعلمها وأحسن تعليمها، وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ". رواه البخاري ومسلم. (ثانيا) أن النبي ﷺ لا مكافئ له في منزلته، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج من صفية بنت حيي وكانت يهودية وأسلمت. (ثالثا) أن الزوجة الرفيعة المنزلة، هي التي تعير هي وأولياؤها عادة، إذا تزوجت من غير الكفء. أما الزوج الشريف فلا يعير إذا كانت زوجته خسيسة ودونه منزلة. الكفاءة حق للمرأة والأولياء: يرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة حق للمرأة والاولياء، فلا يجوز للولي أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الاولياء (١) . لان تزويجها بغير الكفء فيه إلحاق عار بها وبهم، فلم يجز من غير رضاهم جميعا. فإذا رضيت، ورضي أولياؤها جاز تزويجها لان المنع لحقهم، فإذا رضوا زال المنع. وقال الشافعية: هي لمن له الولاية في الحال. وقال أحمد - في رواية: هي حق لجميع الاولياء: قريبهم وبعيدهم. فمن لم يرض منهم فله الفسخ. وفي رواية عن أحمد: أنها حق الله، فلو رضي الاولياء والزوجة بإسقاط الكفاءة لا يصح رضاهم، ولكن هذه الرواية مبنية على أن الكفاءة في الدين لا غير، كما جاء في إحدى الروايات عنه. وقت اعتبارها: وإنما يعتبر وجود الكفاءة عند إنشاء العقد، فإذا تخلف وصف من أوصافها

стр. 905

بعد العقد فإن ذلك لا يضر، ولا يغير من الواقع شيئا، ولا يؤثر في عقد الزواج، لان شروط الزواج إنما تعتبر عند العقد. فإن كان عند الزواج صاحب حرفة شريفة، أو كان قادرا على الانفاق، أو كان صالحا. ثم تغيرت الظروف فاحترف مهنة دنيئة، أو عجز عن الانفاق أو فسق عن أمر ربه بعد الزواج. فإن العقد باق على ما هو عليه ... فإن الدهر قلب، والانسان لا يدوم على حال واحدة. وعلى المرأة أن تقبل الواقع، وتصبر وتتقي، فإن ذلك من عزم الامور.

стр. 906

الحقوق الزوجية: إذا وقع العقد صحيحا نافذا ترتبت عليه آثاره، ووجبت بمقتضاه الحقوق الزوجية. وهذه الحقوق ثلاثة أقسام: ١ - منها حقوق واجبة للزوجة على زوجها. ٢ - ومنها حقوق واجبة للزوج على زوجته. ٣ - ومنها حقوق مشتركة بينهما. وقيام كل من الزوجين بواجبه، والاضطلاع بمسؤولياته هو الذي يوفر أسباب الاطمئنان والهدوء النفسي، وبذلك تتم السعادة الزوجية. وفيما يلي تفصيل وبيان بعض هذه الحقوق: الحقوق المشتركة بين الزوجين: والحقوق المشتركة بين الزوجين هي: ١ - حل العشرة الزوجية واستمتاع كل من الزوجين بالاخر. وهذا الحل مشترك بينهما، فيحل للزوج من زوجته ما يحل لها منه..وهذا الاستمتاع حق للزوجين، ولا يحصل إلا بمشاركتهما معا، لانه لا يمكن أن ينفرد به أحدهما. ٢ - حرمة المصاهرة: أي أن الزوجة تحرم على آباء الزوج، وأجداده، وأبنائه، وفروع أبنائه وبناته. كما يحرم هو على أمهاتها، وبناتها، وفروع أبنائها وبناتها. ٣ - ثبوت التوارث بينهما بمجرد إتمام العقد. فإذا مات أحدهما بعد إتمام العقد ورثه الاخر ولو لم يتم الدخول. ٤ - ثبوت نسب الولد من الزوج صاحب الفراش.

стр. 907

٥ - المعاشرة بالمعروف: فيجب على كل من الزوجين أن يعاشر الاخر بالمعروف حتى يسودهما الوئام، ويظلهما السلام. قال الله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف (١) ". الحقوق الواجبة للزوجة على زوجها: الحقوق الواجبة للزوجة على زوجها منها: ١ - حقوق مالية: وهي المهر، والنفقة. ٢ - وحقوق غير مالية: مثل العدل بين الزوجات إذا كان الزوج متزوجا بأكثر من واحدة، ومثل عدم الاضرار بالزوجة. ونذكر تفصيل ذلك فيما يلي من صفحات ...

стр. 908

المهر: من حسن رعاية الاسلام للمرأة واحترامه لها، أن أعطاها حقها في التملك، إذ كانت في الجاهلية مهضومة الحق مهيضة الجناح، حتى ان وليها كان يتصرف في خالص مالها، لا يدع لها فرصة التملك، ولا يمكنها من التصرف. فكان أن رفع الاسلام عنها هذا الاصر، وفرض لها المهر، وجعله حقا على الرجل لها، وليس لابيها، ولا لاقرب الناس إليها أن يأخذ شيئا منها إلا في حال الرضا والاختيار قال الله تعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (١) ". : وآتوا النساء مهورهن عطاء مفروضا لا يقابله عوض، فإن أعطين شيئا من المهر بعد ما ملكن من غير إكراه ولا حياء ولا خديعة، فخذوه سائغا، لا غصة فيه، ولا إثم معه. فإذا أعطت الزوجة شيئا من مالها حياء، أو خوفا، أو خديعة، فلا يحل أخذه. قال تعالى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا؟ (٢) ". وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى. فهو يطيب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها. قال تعالى: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم (٣) " مع ما يضاف إلى ذلك من توثيق الصلات، وإيجاد أسباب المودة والرحمة.

стр. 909

قدر المهر: لم تجعل الشريعة حدا لقلته، ولا لكثرته، إذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فتركت التحديد ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته، وعادات عشيرته، وكل النصوص جاءت تشير إلى أن المهر لا يشترط فيه إلا أن يكون شيئا له قيمة، بقطع النظر عن القلة والكثرة، فيجوز أن يكون خاتما من حديد، أو قدحا من تمر أو تعليما لكتاب الله، وما شابه ذلك، إذا تراضى عليه المتعاقدان. ١ - فعن عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : " أرضيت عن نفسك ومالك بنعلين؟ فقالت: نعم. فأجازه ". رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه. ٢ - وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت: يارسول الله إني وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل، فقال: يارسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي ﷺ : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال: ما أجد شيئا، فقال: التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ : هل معك من القرآن شئ؟ قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور يسميها، فقال النبي ﷺ : قد زوجتكها بما معك من القرآن. رواه البخاري ومسلم. وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة: " علمها من القرآن ". وفي رواية أبي هريرة: أنه قدر ذلك بعشرين آية. ٣ - وعن أنس: أن أبا طلحة خطب أم سليم، فقالت: " والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر وأنا مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره. فكان ذلك مهرها ". فدلت هذه الاحاديث على جواز جعل المهر شيئا قليلا، وعلى جواز جعل المنفعة مهرا. وأن تعلم القرآن من المنفعة.

стр. 910

وقد قدر الاحناف أقل المهر بعشرة دراهم، كما قدره المالكية بثلاثة. وهذا التقدير لا يستند إلى دليل يعول عليه، ولا حجة يعتد بها. قال الحافظ: وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شئ، وقال ابن القيم - تعليقا على ما تقدم من الاحاديث - وهذا هو الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذل نفسها له إن أسلم. وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزوج، فإن الصداق شرع في الاصل حقا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدين، وإسلام الزوج، وقراءته القرآن - كان هذا من أفضل المهور، وأنفعها، وأجلها. فما خلا العقد عن مهر وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم، أو عشرة من النص، والقياس، إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصا وقياسا. وليس هذا مستويا بين هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وهي خالصة له من دون المؤمنين، فإن تلك وهبت نفسها هبة مجردة من ولي وصداق، بخلاف ما نحن فيه فإنه نكاح بولي وصداق، وإن كان غير مالي. فإن المرأة جعلته عوضا عن المال، لما يرجع إليها من منفعة. ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة، كهبة شئ من مالها بخلاف الموهوبة التي خص الله بها رسوله ﷺ . هذا مقتضى هذه الاحاديث. وقد خالف في بعضه من قال: لا يكون الصداق إلا مالا، ولا يكون منافع أخر، ولا علمه ولا تعليمه صداقا كقول أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله في رواية عنه. ومن قال: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك ﵀ وعشرة دراهم كأبي حنيفة ﵀. وفيه أقوال أخرى شاذة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب. ومن ادعى في هذه الاحاديث التي ذكرناها، اختصاصها بالنبي ﷺ وأنها منسوخة، أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل. والاصل بردها. وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين - سعيد بن المسيب - ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك

стр. 911

من مناقبه وفضائله. وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي ﷺ ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشرع. أما من حيث الكثرة، فإنه لا حد لاكثر المهر. فعن عمر ﵁: أنه نهى وهو على المنبر، أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم. ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: أما سمعت الله يقول: " وآتيتم إحداهن قنطارا "!. فقال: اللهم عفوا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع، فركب المنبر، فقال: " إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب ". رواه سعيد بن منصور، وأبو يعلى بسند جيد. وعن عبد الله بن مصعب أن عمر قال: " لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من فضة، فمن زاد أوقية جعلت الزيادة في بيت المال " فقالت امرأة: ما ذاك لك. قال: ولم؟. فقالت: لان الله تعالى يقول: و " آتيتم إحداهن قنطارا ". فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. كراهة المغالاة في المهور: ومهما يكن من شئ فإن الاسلام يحرص على إتاحة فرص الزواج لاكثر عدد ممكن من الرجال والنساء، ليستمتع كل بالحلال الطيب. ولا يتم ذلك إلا إذا كانت وسيلته مذللة، وطريقته ميسرة. بحيث يقدر عليه الفقراء الذين يجهدهم بذل المال الكثير، ولا سيما أنهم الاكثرية، فكره الاسلام التغالي في المهور، وأخبر أن المهر كلما كان قليلا كان الزواج مباركا، وأن قلة المهر من يمن المرأة. فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة ". وقال: " يمن المرأة خفة مهرها، ويسر نكاحها، وحسن خلقها.

стр. 912

وشؤمها غلاء مهرها، وعسر نكاحها، وسوء خلقها ". وكثير من الناس جهل هذه التعاليم، وحاد عنها وتعلق بعادات الجاهلية من التغالي في المهور، ورفض التزويج إلا إذا دفع الزوج قدرا كبيرا من المال يرهقه، ويضايقه، كأن المرأة سلعة يساوم عليها، ويتجر بها. وقد أدى ذلك إلى كثرة الشكوى، وعانى الناس من أزمة الزواج التي أضرت بالرجال والنساء على السواء، ونتج عنها كثير من الشرور والمفاسد، وكسدت سوق الزواج، وأصبح الحلال أصعب منالا من الحرام. تعجيل المهر وتأجيله: يجوز تعجيل المهر وتأجيله، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض الاخر، حسب عادات النساء، وعرفهم. ويستحب تعجيل جزء منه، لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل بفاطمة حتى يعطيها شيئا. فقال: ما عندي شئ. فقال: فأين درعك الحطمية؟ فأعطاه إياها. رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه. وروى أبو داود، وابن ماجه عن عائشة قالت: " أمرني رسول الله ﷺ أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا ". فهذا الحديث يدل على أنه يجوز دخول المرأة قبل أن يقدم لها شيئا من المهر. وحديث ابن عباس يدل على أن المنع كان على سبيل الندب. قال الاوزاعي: " كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا " وقال الزهري: " بلغنا في السنة ألا يدخل بامرأة حتى يقدم يكسو كسوة. ذلك مما عمل به المسلمون ". وللزوج أن يدخل على زوجته. وعليها أن تسلم نفسها إليه، ولا تمتنع عليه ولو لم يعطها ما اشترط تعجيله لها من المهر - وإن كان يحكم لها به. قال ابن حزم: " ومن تزوج فسمى صداقا أو لم يسم فله الدخول بها أحبت أم كرهت مقضي لها بما سمى لها، أحب أم كره، ولا يمنع من

стр. 913

أجل ذلك من الدخول بها، لكن يقضى له عاجلا بالدخول ويقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده من الصداق. فإن كان لم يسم لها شيئا قضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر ". وقال أبو حنيفة: " إن له أن يدخل بها أحبت أم كرهت، إن كان مهرها مؤجلا لانها هي التي رضيت بالتأجيل وهذا لا يسقط حقه. وإن كان معجلا كله أو بعضه لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤذي إليها ما اشترط لها تعجيله، ولها أن تمنع نفسها منه حتى يوفيها ما اتفقوا على تعجيله ". قال ابن المنذر: " أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها " وقد ناقش صاحب المحلى هذا الرأي. فقال: " لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد عليها الزوج فإنها زوجة له. فهو حلال لها، وهي حلال له. فمن منعها منه حتى يعطيها الصداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نص من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ ". لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقه منها ولا تمنع هي حقها من صداقها، لكن له الدخول عليها - أحبت أم كرهت - ويؤخذ مما يوجد له صداقها، أحب أم كره..وصح عن النبي ﷺ تصويب قول القائل: " أعط كل ذي حق حقه ". متى يجب المهر المسمى كله: يجب المهر المسمى كله في إحدى الحالات الاتية: ١ - إذا حصل الدخول الحقيقي لقول الله تعالى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا؟ وكيف

стр. 914

تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا؟! " (١) ٢ - إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول. وهو مجمع عليه. ٣ - ويرى أبو حنيفة: أنه إذا اختلى بها خلوة صحيحة، استحقت الصداق المسمى. وذلك بأن ينفرد الزوجان في مكان يأمنان فيه اطلاع أحد عليهما، ولم يكن بأحد منهما مانع شرعي، مثل أن يكون أحدهما صائما صيام فرض عليه، أو تكون حائضا. أو مانع حسي، مثل مرض أحدهما مرضا لا يستطيع معه الدخول الحقيقي، أو مانع طبيعي بأن يكون معهما ثالث. واستدل أبو حنيفة بما رواه أبو عبيدة عن زائدة بن أبي أوفى، قال: " قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب، وأرخى الستر، فقد وجب الصداق ". وروى وكيع عن نافع بن جبير قال: " كان أصحاب رسول الله يقولون: إذا أرخى الستر وأغلق الباب، فقد وجب الصداق ". ولان التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل. وخالف في ذلك الشافعي، ومالك وداود فقالوا: " لا يستقر المهر كله إلا بالوطء (٢) ، ولا يجب بالخلوة الصحيحة إلا نصف المهر، لقول الله تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم. (٣) . أي ان نصف ما فرض من المهر يجب إذا وقع الطلاق قبل المسيس الذي هو الدخول الحقيقي. وفي حالة الخلوة لم يقع مسيس، فلا يجب المهر كله. قال شريح: " لم أسمع الله ذكر في كتابه بابا، ولا سترا. إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق ".

стр. 915

وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل دخلت عليه امرأته، ثم طلقها، فزعم أنه لم يمسها: " عليه نصف الصداق ". وروى عبد الرزاق عنه قال: " لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها ". وجوب المهر المسمى بالدخول في الزواج الفاسد: إذا عقد الرجل على المرأة، ودخل بها، ثم تبين فساد الزواج لسبب من الاسباب، وجب المهر المسمى كله، لما رواه أبو داود: أن بصرة بن أكثم تزوج امرأة بكرا في كسرها فدخل عليها، فإذا هي حبلى فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " لها الصداق بما استحللت من فرجها " وفرق بينهما. ففي هذا الحديث وجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد كما أنه تضمن فساد النكاح وبطلانه إذا تزوجها فوجدها حبلى من الزنا. الزواج بغير ذكر المهر: الزواج بغير ذكر المهر، ويسمى " زواج التفويض " يصح في قول عامة أهل العلم، لقول الله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة (١) ". ومعنى الاية: أنه لا إثم على من طلق زوجته قبل المسيس، وقبل أن يفرض لها مهرا. فإذا تزوج بغير ذكر المهر، واشترط أن لا مهر عليه فقيل: إن الزواج غير صحيح، وإلى هذا ذهبت المالكية وابن حزم. قال: وأما لو اشترط فيه أن لا صداق، فهو مفسوخ، لقول رسول الله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ". وهذا شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بل في كتاب الله إبطاله. قال الله تعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ". فإذن هو باطل، فالنكاح المذكور لم تنعقد صحته إلا على تصحيح ما لا يصح، فهو نكاح لا صحة له.
следующие страницы →