من مناقبه وفضائله.
وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي ﷺ ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشرع.
أما من حيث الكثرة، فإنه لا حد لاكثر المهر.
فعن عمر ﵁: أنه نهى وهو على المنبر، أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم.
ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت:
أما سمعت الله يقول: " وآتيتم إحداهن قنطارا "!.
فقال: اللهم عفوا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع، فركب المنبر، فقال: " إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب ".
رواه سعيد بن منصور، وأبو يعلى بسند جيد.
وعن عبد الله بن مصعب أن عمر قال: " لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من فضة، فمن زاد أوقية جعلت الزيادة في بيت المال " فقالت امرأة: ما ذاك لك.
قال: ولم؟.
فقالت: لان الله تعالى يقول: و " آتيتم إحداهن قنطارا ".
فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ.
كراهة المغالاة في المهور:
ومهما يكن من شئ فإن الاسلام يحرص على إتاحة فرص الزواج لاكثر عدد ممكن من الرجال والنساء، ليستمتع كل بالحلال الطيب. ولا يتم ذلك إلا إذا كانت وسيلته مذللة، وطريقته ميسرة.
بحيث يقدر عليه الفقراء الذين يجهدهم بذل المال الكثير، ولا سيما أنهم الاكثرية، فكره الاسلام التغالي في المهور، وأخبر أن المهر كلما كان قليلا كان الزواج مباركا، وأن قلة المهر من يمن المرأة.
فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة ".
وقال: " يمن المرأة خفة مهرها، ويسر نكاحها، وحسن خلقها.
стр. 912
وشؤمها غلاء مهرها، وعسر نكاحها، وسوء خلقها ".
وكثير من الناس جهل هذه التعاليم، وحاد عنها وتعلق بعادات الجاهلية من التغالي في المهور، ورفض التزويج إلا إذا دفع الزوج قدرا كبيرا من المال يرهقه، ويضايقه، كأن المرأة سلعة يساوم عليها، ويتجر بها.
وقد أدى ذلك إلى كثرة الشكوى، وعانى الناس من أزمة الزواج التي أضرت بالرجال والنساء على السواء، ونتج عنها كثير من الشرور والمفاسد، وكسدت سوق الزواج، وأصبح الحلال أصعب منالا من الحرام.
تعجيل المهر وتأجيله:
يجوز تعجيل المهر وتأجيله، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض الاخر، حسب عادات النساء، وعرفهم.
ويستحب تعجيل جزء منه، لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل بفاطمة حتى يعطيها شيئا.
فقال: ما عندي شئ.
فقال: فأين درعك الحطمية؟ فأعطاه إياها.
رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه.
وروى أبو داود، وابن ماجه عن عائشة قالت: " أمرني رسول الله ﷺ أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا ".
فهذا الحديث يدل على أنه يجوز دخول المرأة قبل أن يقدم لها شيئا من المهر.
وحديث ابن عباس يدل على أن المنع كان على سبيل الندب.
قال الاوزاعي: " كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا " وقال الزهري: " بلغنا في السنة ألا يدخل بامرأة حتى يقدم يكسو كسوة. ذلك مما عمل به المسلمون ".
وللزوج أن يدخل على زوجته. وعليها أن تسلم نفسها إليه، ولا تمتنع عليه ولو لم يعطها ما اشترط تعجيله لها من المهر - وإن كان يحكم لها به.
قال ابن حزم: " ومن تزوج فسمى صداقا أو لم يسم فله الدخول بها أحبت أم كرهت مقضي لها بما سمى لها، أحب أم كره، ولا يمنع من
стр. 913
أجل ذلك من الدخول بها، لكن يقضى له عاجلا بالدخول ويقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده من الصداق.
فإن كان لم يسم لها شيئا قضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر ".
وقال أبو حنيفة: " إن له أن يدخل بها أحبت أم كرهت، إن كان مهرها مؤجلا لانها هي التي رضيت بالتأجيل وهذا لا يسقط حقه.
وإن كان معجلا كله أو بعضه لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤذي إليها ما اشترط لها تعجيله، ولها أن تمنع نفسها منه حتى يوفيها ما اتفقوا على تعجيله ".
قال ابن المنذر: " أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها " وقد ناقش صاحب المحلى هذا الرأي.
فقال: " لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد عليها الزوج فإنها زوجة له.
فهو حلال لها، وهي حلال له.
فمن منعها منه حتى يعطيها الصداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نص من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ ".
لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقه منها ولا تمنع هي حقها من صداقها، لكن له الدخول عليها - أحبت أم كرهت - ويؤخذ مما يوجد له صداقها، أحب أم كره..وصح عن النبي ﷺ تصويب قول القائل: " أعط كل
ذي حق حقه ".
متى يجب المهر المسمى كله:
يجب المهر المسمى كله في إحدى الحالات الاتية:
١ - إذا حصل الدخول الحقيقي لقول الله تعالى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا.
أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا؟ وكيف
стр. 914
تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا؟! " (١)
٢ - إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول. وهو مجمع عليه.
٣ - ويرى أبو حنيفة: أنه إذا اختلى بها خلوة صحيحة، استحقت الصداق المسمى.
وذلك بأن ينفرد الزوجان في مكان يأمنان فيه اطلاع أحد عليهما، ولم يكن بأحد منهما مانع شرعي، مثل أن يكون أحدهما صائما صيام فرض عليه، أو تكون حائضا.
أو مانع حسي، مثل مرض أحدهما مرضا لا يستطيع معه الدخول الحقيقي، أو مانع طبيعي بأن يكون معهما ثالث.
واستدل أبو حنيفة بما رواه أبو عبيدة عن زائدة بن أبي أوفى، قال: " قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب، وأرخى الستر، فقد وجب الصداق ".
وروى وكيع عن نافع بن جبير قال: " كان أصحاب رسول الله يقولون: إذا أرخى الستر وأغلق الباب، فقد وجب الصداق ".
ولان التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل.
وخالف في ذلك الشافعي، ومالك وداود فقالوا: " لا يستقر المهر كله إلا بالوطء (٢) ، ولا يجب بالخلوة الصحيحة إلا نصف المهر، لقول الله تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم. (٣) .
أي ان نصف ما فرض من المهر يجب إذا وقع الطلاق قبل المسيس الذي هو الدخول الحقيقي.
وفي حالة الخلوة لم يقع مسيس، فلا يجب المهر كله.
قال شريح: " لم أسمع الله ذكر في كتابه بابا، ولا سترا.
إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق ".
стр. 915
وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل دخلت عليه امرأته، ثم طلقها، فزعم أنه لم يمسها: " عليه نصف الصداق ".
وروى عبد الرزاق عنه قال: " لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها ".
وجوب المهر المسمى بالدخول في الزواج الفاسد: إذا عقد الرجل على المرأة، ودخل بها، ثم تبين فساد الزواج لسبب من الاسباب، وجب المهر المسمى كله، لما رواه أبو داود: أن بصرة بن أكثم تزوج امرأة بكرا في كسرها فدخل عليها، فإذا هي حبلى فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " لها الصداق بما استحللت من فرجها " وفرق بينهما.
ففي هذا الحديث وجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد كما أنه تضمن فساد النكاح وبطلانه إذا تزوجها فوجدها حبلى من الزنا.
الزواج بغير ذكر المهر: الزواج بغير ذكر المهر، ويسمى " زواج التفويض " يصح في قول عامة أهل العلم، لقول الله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة (١) ".
ومعنى الاية: أنه لا إثم على من طلق زوجته قبل المسيس، وقبل أن يفرض لها مهرا.
فإذا تزوج بغير ذكر المهر، واشترط أن لا مهر عليه فقيل: إن الزواج غير صحيح، وإلى هذا ذهبت المالكية وابن حزم.
قال: وأما لو اشترط فيه أن لا صداق، فهو مفسوخ، لقول رسول الله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ".
وهذا شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بل في كتاب الله إبطاله.
قال الله تعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ".
فإذن هو باطل، فالنكاح المذكور لم تنعقد صحته إلا على تصحيح ما لا يصح، فهو نكاح لا صحة له.
стр. 916
وذهبت الاحناف إلى القول بالجواز، إذ المهر ليس ركنا ولا شرطا في عقد الزواج.
وجوب مهر المثل بالدخول أو بالموت قبله: وإذا دخل بها الزوج، أو مات قبل الدخول بها، في هذه الحال، فللزوجة
مهر المثل والميراث، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود أنه قال في مثل هذه المسألة: " أقول فيها برأيي - فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني -: أرى لها صداق امرأة من نسائها: لاوكس (١) ، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار، فقال، أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله ﷺ في بروع واشق.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد، وداود، وأصح قولي الشافعي.
مهر المثل:
مهر المثل هو المهر الذي تستحقه المرأة، مثل مهر من يماثلها وقت العقد في السن، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لاجله الصداق، كوجود الولد أو عدم وجوده، إذ أن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات.
والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها كأختها وعمتها وبنات أعمامها.
وقال أحمد: هو معتبر بقراباتها من العصبات وغيرهم من ذوي أرحامها.
وإذا لم توجد امرأة من أقرباتها من جهة الاب متصفة بأوصاف الزوجة التي نريد تقدير مهر المثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية من أسرة تماثل أسرة أبيها.
زواج الصغيرة بأقل من مهر المثل: ذهب الشافعي، وداود، وابن حزم، والصاحبان، من الاحناف، إلى أنه لا يجوز للاب أن يزوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها، ولا يلزمها
стр. 917
حكم أبيها في ذلك، وتبلغ إلى مهر مثلها ولا بد، إذ أن المهر حق لها، ولا
حكم لابيها في مالها..وقال أبو حنيفة: إذا زوج الاب ابنته الصغيرة، ونقص من مهرها، جاز ذلك عليها، ولا يجوز ذلك لغير الاب والجد.
تشطير المهر:
يجب على الزوج نصف المهر إذا طلق زوجته قبل الدخول بها، وكان قد فرض لها قدر الصداق، لقوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم، إلا أن يعفون (١) أو يعفو الذي بيده عقدة (٢) النكاح، وأن تعفوا أقرب للتقوى.
ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (٣) ".
وجوب المتعة:
إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول، ولم يفرض لها صداقا، وجب عليه المتعة تعويضا لها عما فاتها.
وهذا نوع من التسريح الجميل، والتسريح بإحسان، قال الله تعالى: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (٤) ".
وقد أجمع العلماء على أن التي لم يفرض لها، ولم يدخل بها، لا شئ لها غير المتعة.
والمتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل. وليس لها حد معين، قال الله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة.
ومتعوهن على
стр. 918
الموسع (١) قدره (٢) وعلى المقتر (٣) قدره، متاعا بالمعروف (٤) حقا على المحسنين (٥) .
سقوط المهر:
ويسقط المهر كله عن الزوج، فلا يجب عليه شئ للزوجة في كل فرقة كانت قبل الدخول من قبل المرأة، كأن ارتدت عن الاسلام.
أو فسخت العقد لاعساره، أو عيبه، أو فسخه هو بسبب عيبها، أو بسبب خيار البلوغ.
ولا يجب لها متعة، لانها أتلفت المعوض قبل تسليمه، فسقط البلد كله كالبائع يتلف المبيع قبل تسليمه.
ويسقط المهر كذلك، إذا أبرأته قبل الدخول بها أو وهبته له، فإنه في هذه الحال يسقط بإسقاطها له.
وهو حق خالص لها.
الزيادة على الصداق بعد العقد: قال أبو حنيفة: إن الزيادة على الصداق بعد العقد ثابتة إن دخل بالزوجة، أو مات عنها، فأما إن طلقها قبل الدخول، فإنها لا تثبت، وكان لها نصف المسمى فقط (٦) .
وقال مالك: الزيادة ثابتة إن دخل بها، فإن طلقها قبل الدخول فلها نصفها مع نصف المسمى.
وإن مات قبل الدخول وقبل القبض بطلت، وكان لها المسمى بالعقد.
وقال الشافعي: هي هبة مستأنفة.
إن قبضها جازت وإن لم يقبضها بطلت.
وقال أحمد: حكمها حكم الاصل.
مهر السر ومهر العلانية:
إذا اتفق العاقدان في السر على مهر، ثم تعاقدا في العلانية بأكثر منه.
стр. 919
ثم اختلفا إلى القضاء فبم يحكم القاضي.
؟ قال أبو يوسف: يحكم بما اتفقا عليه سرا، لانه يمثل الارادة الحقيقية وهو مقصد العاقدين.
وقيل: يحكم بمهر العلانية، لانه هو المذكور في العقد، وما كان سرا فعلمه إلى الله، والحكم يتبع الظاهر.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد، وظاهر قول أحمد في رواية الاثرم، وقول الشعبي وابن أبي ليلى، وأبي عبيد.
قبض المهر:
إذا كانت الزوجة صغيرة، فللاب قبض صداقها، لانه يلي مالها، فكان له قبضه كثمن مبيعها.
وإن لم يكن لها أب ولا جد، فلوليها المالي قبض صداقها، ويودعه في المحاكم الحسبية، ولا يتصرف فيه إلا بإذن من المحكمة المختصة.
أما صداق الثيب الكبيرة فلا يقبضه إلا بإذنها، إذا كانت رشيدة، لانها المتصرفة في مالها.
والاب إذا قبض المهر بحضرتها، اعتبر ذلك إجازة منها بالقبض إذا سكتت، وتبرأ ذمة الزوج، لان إذنها في قبض صداقها كثمن مبيعها.
وفي البكر البالغة العاقلة: أن الاب لا يقبض صداقها إلا بإذنها إذا كانت رشيدة (١) ، كالثيب.
وقيل: له قبضه بغير إذنها، لانها العادة، ولانها تشبه الصغيرة.
стр. 920
الجهاز الجهاز هو الاثاث الذي تعده الزوجة هي وأهلها ليكون معها في البيت، إذا دخل بها الزوج.
وقد جرى العرف، على أن تقدم الزوجة، وأهلها، بإعداد الجهاز وتأثيث البيت.
وهو أسلوب من أساليب إدخال السرور على الزوجة بمناسبة زفافها.
وقد روى النسائي عن علي ﵁ قال: " جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل، وقربة، ووسادة حشوها إذخر ".
وهذا مجرد عرف جرى عليه الناس، وأما المسؤول عن إعداد البيت إعدادا شرعيا، وتجهيز كل ما يحتاج له من الاثاث، والفرش، والادوات، فهو الزوج، والزوجة لا تسأل عن شئ من ذلك، مهما كان مهرها، حتى ولو كانت زيادة المهر من أجل الاثاث، لان المهر إنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع بها، لا من أجل إعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حق خالص لها، ليس لابيها، ولا لزوجها، ولا لاحد حق فيه.
وقد رأى المالكية: أن المهر ليس حقا خالصا للزوجة، ولهذا لا يجوز لها أن تنفق منه على نفسها، ولا تقضي منه دينا عليها، وإن كان للمحتاجة أن تنفق منه، وتلتمس بالشئ القليل بالمعروف، وأن تقضي منه الدين القليل كالدينار إذا كان المهر كثيرا.
وإنما ليس لها شئ من ذلك الذي ذكرناه، لان عليها أن تتجهز لزوجها بالمعروف، أي بما جرت به العادة في جهاز مثلها لمثله بما قبضته من المهر قبل الدخول، إن كان حالا، أو بما تقبضه منه إذا كان مؤجلا، وحل الاجل
стр. 921
قبل الدخول بها، فإن تأخر قبض شئ من المهر حتى دخل زوجها بها، لم يكن عليها أن تتجهز بشئ مما تقبضه من بعد إلا إذا كان ذلك مشروطا، أو جرى به العرف.
وقد استوحى واضعو مشروع قانون الاحوال الشخصية، مذهب الامام مالك في هذه الناحية، فقد جاء في المادة رقم ٦٦ منه: " أن الزوجة تلتزم بتجهيز نفسها بما يتناسب وما تعجل من مهر قبل الدخول، ما لم يتفق على غير ذلك، فإذا لم يعجل شئ من المهر فلا تلتزم بالجهاز، إلا بمقتضى الاتفاق أو العرف " (١) .
والجهاز إذا اشترته الزوجة بمالها، أو اشتراه لها أبوها فهو ملك خالص لها، ولاحق للزوج ولا لغيره فيه، ولها أن تمكن زوجها وضيوفه من الانتفاع به، كما أن لها أن تمتنع عن التمكين من الانتفاع، وإذا امتنعت لا تجبر عليه.
وقال مالك: يجوز للزوج أن ينتفع بجهاز زوجته الانتفاع الذي جرى به العرف.
стр. 922
النفقة:
المقصود بالنفقة هنا: توفير ما تحتاج إليه الزوجة من طعام، ومسكن، وخدمة، ودواء، وإن كانت غنية.
وهي واجبة بالكتاب، والسنة، والاجماع.
أما وجوبها بالكتاب:
١ - فلقول الله تعالى: " وعلى الولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
ولا تكلف نفس إلا وسعها " (١) .
والمراد بالمولود له: الاب.
والرزق في هذا الحكم: الطعام الكافي: والكسوة.
اللباس والمعروف: المتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط.
٢ - وقوله سبحانه: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " (٢) .
٣ - وقوله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " (٣) .
وأما وجوبها بالسنة:
١ - فقد روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بكلمة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه
стр. 923
فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن، وكسونهن بالمعروف ".
٢ - وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن هندا بنت عتبة قالت، يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني وولدي إلا أن أخذت منه - وهو لا يعلم - قال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
٣ - وعن معاوية القشيري ﵁ قال: قلت: يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: " تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ".
وأما الاجماع: فقد قال ابن قدامة: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن.
ذكر ابن المنذر وغيره.
قال: وفيه ضرب من العبرة، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من النصرف والاكتساب.
فلابد من أن يتفق عليها.
سبب وجوب النفقة:
وإنما أوجب الشارع النفقة على الزوج لزوجته، لان الزوجة بمقتضى عقد
الزواج الصحيح تصبح مقصورة على زوجها، ومحبوسة لحقه، لاستدامة الاستمتاع بها، ويجب عليها طاعته، والقرار في بيته، وتدبير منزله، وحضانة الاطفال وتربية الاولاد، وعليه نظير ذلك أن يقوم بكفايتها والانفاق عليها، مادامت الزوجية بينهما قائمة، ولم يوجد نشوز، أو سبب يمنع من النفقة عملا بالاصل العام: " كل من احتبس لحق غيره ومنفعته، فنفقته على من احتبس لاجله ".
شروط استحقاق النفقة:
ويشترط لاستحقاق النفقة الشروط الاتية:
١ - أن يكون عقد الزواج صحيحا.
٢ - أن تسلم نفسها إلى زوجها.
٣ - أن تمكنه من الاستمتاع بها.
стр. 924
٤ - ألا تمتنع من الانتقال حيث يريد الزوج (١) .
٥ - أن يكونا من أهل الاستمتاع.
فإذا لم يتوفر شرط من هذه الشروط، فإن النفقة لا تجب: ذلك أن العقد إذا لم يكن صحيحا، بل كان فاسدا، فإنه يجب على الزوجين المفارقة، دفعا للفساد.
وكذلك إذا لم تسلم نفسها إلى زوجها، أو لم تمكنه من الاستمتاع بها، أو امتنعت من الانتقال إلى الجهة التي يريدها، ففي هذه الحالات لا تجب النفقة حيث لم يتحقق الاحتباس الذي هو سببها، كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع من تسليم المبيع، أو سلم في موضع دون موضع.
ولان النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ ودخلت عليه بعد سنتين ولم ينفق عليها إلا من حين دخلت عليه، ولم يلتزم نفقتها لما مضى.
وإذا أسلمت المرأة نفسها إلى الزوج، وهي صغيرة لا يجامع مثلها، فعند المالكية والصحيح من مذهب الشافعية أن النفقة لا تجب، لانه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع.
فلا تستحق العوض من النفقة.
قالوا: وإن كانت كبيرة والزوج صغير فالصحيح أنها تجب، لان التمكين وجد من جهتها، وإنما تعذر الاستيفاء من جهته، فوجبت النفقة كما لو سلمت إلى الزوج، وهو كبير فهرب منها.
والمفتى به عند الاحناف: أن الزوج إذا استبقى الصغيرة في بيته، وأسكنها للاستئناس بها، وجبت لها النفقة لرضاه هو بهذا الاحتباس الناقص. وإن لم يمسكها في بيته فلا نفقة لها (٢) .
وإذا سلمت الزوجة نفسها وهي مريضة مرضا يمنعها من مباشرة الزوج لها وجبت لها النفقة.
وليس من حسن المعاشرة الزوجية، ولا من المعروف الذي أمر الله به أن يكون المرض مفوتا ما وجب لها من النفقة.
стр. 925
ومثل المريضة الرتقاء (١) ، والنحيفة (٢) ، والمعيبة بعيب يمنع من مباشرة الزوج لها.
وكذلك إذا كان الزوج عنينا، أو مجبوبا (٣) ، أو خصيا، أو مريضا مرضا يمنعه من مباشرة النساء، أو حبس في دين أو جريمة ارتكبها، لانه وجد التمكين من الاستمتاع من جهتها، وما تعذر فهو من جهته، وهو سبب لا
تنسب فيه إلى التفريط، وإنما هو الذي فوت حقه على نفسه.
ولا تجب النفقة إذا انتقلت الزوجة من منزل الزوجية إلى منزل آخر بغير إذن الزوج بغير وجه شرعي، أو سافرت بغير إذنه، أو أحرمت بالحج بغير إذنه.
فإن سافرت بإذنه، أو أحرمت بإذنه، أو خرج معها لم تسقط النفقة، لانها لم تخرج عن طاعته وقبضته.
وكذلك لا تجب لها النفقة إذا منعته من الدخول عليها في بيتها المقيم معها فيه، ولم تكن طلبت منه الانتقال إلى غيره فامتنع.
فإن كانت طلبت منه الانتقال فأيى، فمنعته من الدخول، فلا تسقط النفقة.
وكذلك لا تجب النفقة إذا حبست الزوجة في جريمة، أو في دين، أو كان حبسها ظلما، إلا إذا كان هو الذي حبسها في دين له عليها، لانه هو الذي فوت حقه.
وكذلك لو غصبها غاصب، وحال بينها وبين زوجها، فإنها لا تستحق النفقة مدة غصبها.
وكذلك الزوجة المحترفة التي تخرج لحرفتها.
إذا منعها زوجها فلم تمتنع، لا تستحق النفقة.
وكذلك إن منعت نفسها بصوم تطوعا أو باعتكاف تطوعا.
ففي كل هذه الصور لا تستحق الزوجة النفقة، لانها فوتت حتى الزوج في الاستمتاع بها بغير وجه شرعي.
فلو كان تفويتها حقه لوجه شرعي، لم تسقط النفقة.
كما إذا أخرجت من طاعته، لان المسكن غير شرعي أو لان الزوج غير أمين على نفسها.
أو مالها.
стр. 926
المرأة تسلم دون زوجها:
وإذا كان الزوجان كافرين، وأسلمت المرأة بعد الدخول ولم يسلم الزوج، لم تسقط النفقة، لانه تعذر الاستمتاع بها من جهته، وهو قادر على إزالته بأن يسلم، فلم تسقط نفقتها، كالمسلم إذا غاب عن زوجته.
ارتداد الزوج لا يمنع النفقة: وإذا ارتد الزوج، بعد الدخول، لم تسقط نفقتها، لان امتناع الوطء بسبب من جهته، وهو قادر على إزالته بالعودة إلى الاسلام بخلاف ما إذا ارتدت الزوجة، فان نفقتها تسقط، لانها منعت الاستمتاع بمعصية من قبلها، فتكون كالناشز.
مذهب الظاهرية في سبب استحقاق النفقة: وللظاهرية رأي آخر في سبب وجوب النفقة.
وهو الزوجية نفسها. فحيث وجدت الزوجية وجبت النفقة.
وبنوا على مذهبهم هذا وجوب النفقة للصغيرة والناشز، دون النظر إلى الشروط التي قال بها غيرهم من الفقهاء.
قال ابن حزم: " وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها.
دعى إلى البناء، أم لم يدع.
ولو أنها في المهد.
ناشزا كانت أو غير ناشز: غنية كانت أو فقيرة.
ذات أب أو يتيمة.
بكرا كانت أو ثيبا.
حرة كانت أو أمة.
على قدر حاله (١) .
قال: وقال أبو سليمان، وأصحابه، وسفيان الثوري: النفقة واجبة للصغيرة من حين العقد عليها.
وأفتى الحكم بن عتيبة - في امرأة خرجت من بيت زوجها غاضبة - هل لها نفقة؟ قال: نعم.
قال: ولا يحفظ منع الناشز من النفقة عن أحد من الصحابة، إنما هو شئ
روي عن النخعي والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والحسن، والزهري.
وما نعلم لهم حجة، إلا أنهم قالوا: النفقة بإزاء الجماع.
فإذا منعت الجماع منعت النفقة.
انتهى بتصرف قليل.
стр. 927
تقدير النفقة وأساسه:
إذا كانت الزوجة مقيمة مع زوجها، وكان هو قائما بالنفقة عليها، ومتوليا إحضار ما فيه كفايتها، من طعام، وكسوة، وغيرهما، فليس للزوجة أن تطلب فرض النفقة، حيث أن الزوج قائم بالواجب عليه.
فإذا كان الزوج بخيلا لا يقوم بكفاية زوجته، أو أنه تركها بلا نفقة، بغير حق، فلها أن تطلب فرض نفقة لها من الطعام، والكسوة، والمسكن.
وللقاضي أن يقضي لها بالنفقة، ويلزم الزوج بها متى ثبت لديه صحة دعواها.
كما أن لها الحق أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف (١) ، وإن لم يعلم الزوج، إذ أنه منع الواجب عليه وهي مستحقة له، وللمستحق أن يأخذ حقه بيده متى قدر عليه.
وأصل ذلك ما رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
عن عائشة، ﵂: أن هندأ قالت: يارسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي.
إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
وفي الحديث دلالة على أن النفقة تقدر بكفاية المرأة مع التقييد بالمعروف، أي: المتعارف بين كل حهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، وهذا يختلف باختلاف الازمنة، والامكنة، والاحوال، والاشخاص.
وقد رأى صاحب الروضة الندية: أن الكفاية بالنسبة للطعام تعم جميع ما تحتاج إليه الزوجة، فيدخل فيه الفاكهة وما هو معتاد من التوسعة في الاعياد، وسائر الاشياء التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة، بحيث يحصل التضرر بمفارقتها أو التضجر، أو التكدر.
قال: ويدخل فيه الادوية ونحوها، وإليه يشير قوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
"
стр. 928
فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات: إن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه.
والرزق يشمل ما ذكرناه.
ثم ذكر رأي بعض الفقهاء في عدم وجوب ثمن الادوية، وأجرة الطبيب، لانه يراد لحفظ البدن، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار.
ورجح دخول العلاج في النفقة، وأنه واجب فقال: وقال في الغيث: الحجة أن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة.
قال: وهو الحق لدخوله تحت عموم قوله ﷺ : " ما يكفيك ".
وتحت قوله تعالى: " رزقهن ".
فإن الصيغة الاولى عامة باعتبار لفظ " ما ".
والثانية عامة، لانها مصدر مضاف.
وهي من صيغ العموم.
واختصاصه ببعض المستحقين لايمنع من الالحاق.
قال: وبمجموع ما ذكرنا، يقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة، هو ما يكفيه بالمعروف، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في بعض الاحوال، بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لاسرف فيه، بعد تبين مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين، أو تجريب المجربين.
وهو معنى قوله ﷺ : " بالمعروف، أي: لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير.
نعم إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة.
جاز لنا الاذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه، إذا كان من أهل الرشد، لا إذا كان من أهل السرف والتبذير، فإنه لا يجوز تمكينه من مال من عليه النفقة، لان الله تعالى يقول: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ".
ثم قال: ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا، ومن له النفقة ليس بذي رشد، أن نجعل الاخذ إلى ولي من لارشد له، أو إلى رجل عدل. انتهى.
ومما يجب لها عليه من النفقة ما تحتاج إليه من المشط والصابون والدهن وسائر ما تتنظف به.
стр. 929
وقالت الشافعية: أما الطيب فإن كان يراد لقطع السهوكة (١) ، لزمه لانه يراد للتنظيف، وإن كان يراد للتلذذ والاستمتاع، لم يلزمه، لانه حق له، فلا يجبر عليه.
رأي الاحناف: أن النفقة غير مقدرة بالشرع، وأنه يجب على الزوج لزوجته قدر ما يكفيها من الطعام، والادام، واللحم والخضر، والفاكهة، والزيت، والسمن، وسائر مالابد منه للحياة حسب المتعارف. وأن ذلك يختلف باختلاف الامكنة، والازمنة، والاحوال. كما يجب عليه كسوتها صيفا وشتاء.
ورأوا تقدير نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا أو عسرا مهما تكن حالة الزوجة، لقول الله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر (١) عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسرا (٢) ".
وقوله سبحانه: " أسكنوهن من حيث سكنتم، من وجدكم (٤) ".
مذهب الشافعية في تقدير النفقة: والشافعية لم يتركوا تقدير النفقة إلى ما فيه الكفاية، بل قالوا: إنما هي مقدرة بالشرع، وإن اتفقوا مع الاحناف في اعتبار حال الزوج يسرا أو عسرا، وأن على الزوج الموسر وهو الذي يقدر على النفقة بماله وكسبه - في كل يوم مدين، وأن على المعسر الذي لا يقدر على النفقة بمال ولا كسب مدا في كل يوم. وأن على المتوسط مدا ونصفا.
واستدلوا لمذهبهم هذا بقول الله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته.
ومن قدر عليه رزقه فينفق مما آتاه الله ".
قالوا: ففرق بين الموسر والمعسر، وأوجب على كل واحد منهما على
стр. 930
قدر حاله، ولم يبين المقدار فوجب تقديره بالاجتهاد، وأشبه ما تقاس عليه النفقة، الطعام في الكفارة.
لانه طعام يجب بالشرع لسد الجوعة. وأكثر ما يجب في الكفارة للمسكين مدان في فدية الاذى.
وأقل ما يجب مد وهو في كفارة الجماع في رمضان. فإن كان متوسطا لزمه مد ونصف، لانه لا يمكن إلحاقه بالموسر، وهو دونه، ولا بالمعسر وهو فوقه، فجعل عليه مد ونصف.
قالوا: ولو فتح باب الكفاية للنساء من غير تقدير لوقع التنازع، لا إلى غاية. فتعيين ذلك التقدير اللائق بالمعروف.
وهذا خلاف ما لابد منه في الطعام من الادام واللحم، والفاكهة.
وقالوا: يجب لها الكسوة، مع مراعاة حال الزوج من اليسار والاعسار، فلزوجة الموسر من الكسوة، ما يلبس عادة في البلد من رفيع الثياب. ولامرأة المعسر الغليظ من القطن، والكتان، ونحوهما. ولامرأة المتوسط ما بينهما.
ويجب لها مسكن على قدر يساره وإعساره وتوسطه، مع تأثيث المسكن تأثيثا يتناسب مع حالته.
وقالوا: إذا كان الزوج معسرا، ينفق عليها أدنى ما يكفيها من الطعام، والادام، بالمعروف.
ومن الكسوة أدنى ما يكفيها من الصيفية والشتوية.
وإن كان متوسطا، ينفق عليها أوسع من ذلك بالمعروف ومن الكسوة أرفع من ذلك، كله بالمعروف.
وإنما كانت النفقة والكسوة بالمعروف، لان دفع الضرر عن الزوجة واجب، وذلك بايجاب الوسط من الكفاية، وهو تفسير المعروف.
العمل في المحاكم الان: وما ذهب إليه الشافعية وبعض الاحناف من رعاية حال الزوج المالية، حين فرض النفقة، هو ما جرى به العمل الان في المحاكم، تطبيقا للمادة ١٦ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ونصها: " تقدير نفقة الزجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا، وعسرا، مهما كانت حالة الزوجة ".
وهذا هو العدل، لانه يتفق مع الايتين المتقدمتين.
стр. 931
تقدير النفقة عينا أو نقدا: يصح أن يكون ما يفرض من النفقة من الخبز، والادام والكسوة، أصنافا معينة، كما يصح أن تفرض قيمتها نقدا لتشتري به ما تحتاج إليه.
ويصح أن تفرض النفقة سنوية، أو شهرية، أو أسبوعية، أو يومية، حسب ما هو ميسور للزوج.
والذي يسري عليه العمل الان في المحاكم، هو فرض بدل طعام الزوجة شهريا، وبدل كسوتها عن ستة شهور باعتبار أنها تحتاج في السنة إلى كسوة للصيف، وأخرى للشتاء.
وبعض القضاة يفرض مبلغا شهريا للنفقة بأنواعها الثلاثة بدون تفصيل، مراعيا أن يكون فيما يفرضه لها كفاية لطعامها، وكسوتها، وسكناها، حسب حالة الزوج عسرا ويسرا.
تغير الاسعار أو تغير حال الزوج المالية: إذا تغيرت الاسعار عن وقت الفرض، أو تغيرت حالة الزوج المالية، فإما أن يكون هذا التغير في الاسعار إلى زيادة، أو إلى نقص، أو يكون تغير حالة الزوج المالية إلى ما هو أحسن، أو أسوأ.
ولا بد من رعاية كل حالة من هذه الحالات.
فإن تغيرت الاسعار عن وقت الفرض إلى زيادة، كان للزوجة أن تطالب بزيادة نفقتها.
وإن تغيرت إلى نقص كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة.
وإن تحسنت حالة الزوج المالية عما كان عليه حين تقدير النفقة، كان للزوجة أن تطلب زيادة نفقتها.
وإن تغيرت حالة الزوج المالية إلى أسوأ، كان للزوج الحق في طلب تخفيض النفقة.
الخطأ في تقدير النفقة:
إذا ظهر بعد تقدير النفقة أن التقدير كان خطأ لا يكفي الزوجة - حسب
стр. 932
حالة الزوج - من العسر أو اليسر - كان من حق الزوجة المطالبة بإعادة النظر في التقدير، وعلى القاضي أن يقدر لها ما يكفيها لطعامها، وكسوتها، مع ملاحظة حالة الزوج.
دين النفقة يعتبر دينا صحيحا في ذمة الزوج:
قلنا: إن نفقة الزوجة واجبة على زوجها، متى توفرت الشروط التي تقدم ذكرها.
ومتى وجبت النفقة على الزوج لزوجته، لوجود سببها، وتوفر شروطها، ثم امتنع عن أدائها تصير دينا في ذمته.
شأنها في هذا شأن الديون الثابتة، التي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء.
وإلى هذا ذهبت الشافعية، وجرى عليه العمل منذ صدور قانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ فقد جاء فيه:
مادة ١ - تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها، ولو حكما، دينا في ذمته، من وقت امتناع الزوج عن الانفاق مع وجوبه، بلا توقف على قضاء قاض، أو تراض بينهما، ولا يسقط دينها إلا بالاداء أو الابراء.
مادة ٢ - المطلقة التي تستحق النفقة.
تعتبر نفقتها دينا، كما جاء في المادة السابقة.
من تاريخ الطلاق.
وقد جاء مع هذا القانون تعليمات من الجهة التي صدر عنها (١) .
وهي: ١ - إن نفقة الزوجة. أو المطلقة، لا يشترط لاعتبارها دينا في ذمة الزوج - القضاء، أو الرضا - بل تعتبر دينا من وقت امتناع الزوج عن الانفاق، مع وجوبه.
٢ - إن دين النفقة من الديون الصحيحة، وهي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء.
ويترتب على هذين الحكمين:
١ - إن للزوجة، أو المطلقة أن تطلب لها الحكم بالنفقة على زوجها، عن مدة سابقة على الترافع، ولو كانت أكثر من شهر، إذا ادعت أن
стр. 933
زوجها تركها من غير نفقة، مع وجوب الانفاق عليها في هذه المدة، طالت أم قصرت.
ومتى أثبت ذلك بطريق من طرق الاثبات.
ولو كانت شهادة الاسكتشاف المنصوص عليها في المادة ١٧٨ من اللائحة حكم لها بما طلبت.
٢ - أن دين النفقة لا يسقط بموت أحد الزوجين، ولا بالطلاق - ولو خلعا - فللمطلقة مطلق الحق فيما تجمد لها من النفقة، حال قيام الزوجية، ما لم يكن عوضا لها عن الطلاق، أو الخلع.
٣ - أن النشوز الطارئ لا يسقط متجمد النفقة، وإنما يمنع النشوز مطلقا من وجوبها مادامت الزوجة، أو المعتدة ناشزا.
وبعد صدور هذا القانون، استغلته بعض الزوجات، في ترك المطالبة
بالنفقة، حتى يتجمع منها مبلغ باهظ، ثم يطالبن الزوج بالمتجمد كله، مما يرهق الزوج ويثقل كاهله.
فرؤي تدارك هذا الامر بما يرفع الضرر عن الازواج.
وجاء في الفقرة ٦ من المادة ٩٩ من القانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ما نصه: " لا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية، لاكثر من ثلاث سنين ميلادية، نهايتها تاريخ رفع الدعوى ".
وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا القانون، بشأن هذه الفقرة ما نصه: " أما النفقة عن المدة الماضية فقد رؤي - أخذا بقاعدة تخصيص القضاء - ألا تسمع الدعوى بها لاكثر من ثلاث سنوات ميلادية. نهايتها تاريخ قيد الدعوى.
ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة على رفع الدعوى - احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة ترهق الشخص الملزم بها.
رؤي من العدل دفع صاحب الحق في النفقة إلى المطالبة بها، أولا فأولا، بحيث لا يتأخر أكثر من ثلاث سنوات، وجعل ذلك عن طريق منع سماع الدعوى ".
وليس في ذلك الحكم ضرر على صاحب الحق في النفقة، إذ يمكنه المطالبة بها،
стр. 934
قبل مضي ثلاث سنوات (١) .
ولا زال العمل مستمرا بهذا القانون إلى اليوم: الابراء من دين النفقة والمقاصة به: وإذا كانت النفقة التي تستحقها الزوجة على زوجها تعتبر دينا في ذمته، من الوقت الذي امتنع فيه عن أدائها بغير حق شرعي - فإنه يصح للزوجة أن
تبرئه من هذا الدين، كله أو بعضه.
ولو أبرأته مما يكون لها من النفقة في المستقبل لا يصح، لانه لم يثبت دينا بعد، والابراء لا يكون إلا من دين ثابت فعلا.
ويستثنى من ذلك الابراء عن شهر واحد مستقبل، أو عن سنة واحدة - إن كانت النفقة فرضت مشاهرة، أو مسانهة.
وإذا كانت النفقة معتبرة دينا صحيحا، لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء، وكان للزوج دين في ذمتها، وطلب أحدهما مقاصة الدينين، أجيب إلى طلبه لاستواء الدينين في القوة.
وللحنابلة رأي في المقاصة، فهم يفرقون بين أن تكون المرأة موسرة، أو معسرة، فإن كانت موسرة، فله أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها، لان من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله.
وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك، لان قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته.
ودين زوجها الذي هو عليها لا يفضل عنها، ولان الله تعالى أمر بإنظار المعسر.
فقال: " وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة " فيجب إنظاره بما عليها.
تعجيل النفقه وطروء ما يمنع الاستحقاق: إذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر، أو سنة مثلا، ثم
стр. 935
طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة، بأن مات أحد الزوجين أو نشزت الزوجة، فللزوج أن يسترد نفقة ما بقي من المدة التي لا تستحق نفقة عنها، لانها أخذته جزاء احتباسها لحق الزوج، ومتى فات الاحتباس بالموت أو النشوز، فعليها أن ترد النفقة التي عجلت لها بالنسبة للمدة الباقية.
وإلى هذا ذهب الامام الشافعي ومحمد بن الحسن (١) نفقة المعتدة: وللمعتدة الرجعية، والمعتدة الحامل النفقة، لقول الله سبحانه في الرجعيات: " أسكنوهن من حيث سكنتم، من وجدكم " (٢) .
ولقوله في الحوامل: " وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن (٣) ".
وهذه الاية تدل على وجوب النفقة لجامل - سواء أكانت في عدة الطلاق الرجعي، أم البائن، أو كانت عدتها عدة وفاة - أما البائنة فإن الفقهاء اختلفوا في وجوب النفقة لها، إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال: ١ - أن لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك والشافعي، واستدلوا بقول الله تعالى: " أسكنوهن من حيث سكنتم، من وجدكم ".
٢ - أن لها النفقة والسكنى، وهو قول عمربن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، والاحناف، واستدلوا على قولهم هذا بعموم قوله تعالى: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ".
فهذا نص في وجوب السكنى، وحيثما وجبت السكنى شرعا وجبت النفقة
стр. 936
لكون النفقة تابعة لوجوب الاسكان في الرجعية، وفي الحامل، وفي نفس الزوجية.
وقد أنكر عمر وعائشة ﵄ على فاطمة بنت قيس الحديث الذي أوردته، وقال عمر: لانترك كتاب الله (١) وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أم نسيت.
وحين بلغ فاطمة ذلك قالت: " بيني وبينكم كتاب الله ".
قال الله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ".
فأي أمر يحدث بعد الثلاث!.
٣ - أنه لانفقة لها ولاسكنى، وهو قول أحمد، وداود، وأبي ثور، وحكي عن علي، وابن عباس، وجابر، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، والاوزاعي، والامامية.
واستدلوا بما رواه البخاري، ومسلم، عن فاطمة بنت قيس قالت: " طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله ﷺ فلم يجعل لي نفقة ولاسكنى ".
وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال: " إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة ".
وروى أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي: " أنه قال لها رسول الله ﷺ لا نفقة لك، إلا أن تكوني حاملة ".
نفقة زوجة الغائب: جاء في القانون رقم (٢٥) لسنة ١٩٢٠ مادة (٥) : " إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم
стр. 937
عليه بالنفقة في ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة وضرب له أجلا، فإن لم يرسل ما تنفق فيه زوجته على نفسها، طلق عليه القاضي بعد مضي الاجل.
فإن كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه، إذ كان مجهول المحل، أو كان مفقودا، وثبت أنه لامال له تنفق منه الزوجة، طلق عليه القاضي
стр. 938
الحقوق غير المادية:
تقدم أن من حقوق الزوجة على زوجها منها ما هو مادي: وهو المهر والنفقة، ومنها ما هو غير مادي وهو ما نذكره فيما يلي:
(١) حسن معاشرتها:
أول ما يجب على الزوج لزوجته إكرامها، وحسن معاشرتها، ومعاملتها بالمعروف، وتقديم ما يمكن تقديمه إليها، مما يؤلف قلبها، فضلا عن تحمل ما يصدر منها والصبر عليه.
يقول الله سبحانه: " وعاشروهن بالمعروف. فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (١) ".
ومن مظاهر اكتمال الخلق، ونمو الايمان أن يكون المرء رقيقا مع أهله، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم ".
وإكرام المرأة دليل الشخصية المتكاملة، وإهانتها علامة على الخسة واللؤم.
يقول الرسول ﷺ : " ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم ".
ومن إكرامها التلطف معها، ومداعبتها.
وقد كان الرسول ﷺ يتلطف مع عائشة ﵂ فيسابقها، تقول: سابقني رسول الله ﷺ ، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم (٢) ، سابقته فسبقني. فقال: " هذه بتلك السبقة ". رواه أحمد، وأبو داود.
стр. 939
وروى أحمد، وأصحاب السنن، أنه ﷺ قال: " كل شئ يلهو به ابن آدم، فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق ".
ومن إكرامها أن يرفعها إلى مستواه، وأن يتجنب أذاها، حتى ولو بالكلمة النابية.
فعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: " قلت يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه "؟ قال:
" أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ".
والمرأة لا يتصور فيها الكمال، وعلى الانسان أن يتقبلها على ماهي عليه.
يقول الرسول الله ﷺ : " استوصوا بالنساء خيرا، المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج ".
رواه البخاري، ومسلم.
وفي هذا إشارة إلى أن في خلق المرأة عوجا طبيعيا، وأن محاولة إصلاحه غير ممكنة، وأنه كالضلع المعوج المتقوس الذي لا يقبل التقويم. ومع ذلك فلابد من مصاحبتها على ماهي عليه، ومعاملتها كأحسن ما تكون المعاملة، وذلك لايمنع من تأديبها وإرشادها إلى الصواب إذا اعوجت في أي أمر من الامور.
وقد يغضي الرجل عن مزايا الزوجة وفضائلها، ويتجسد في نظره بعض ما يكره من خطالها، فينصح الاسلام بوجوب الموازنة بين حسناتها وسيئاتها، وأنه إذا رأى منها ما يكره - فإنه يرى منها ما يحب.
يقول الرسول ﷺ ": لا يفرك (١) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا، رضي منها خلقا آخر ".
(٢) صيانتها:
ويجب على الزوج أن يصون زوجته، ويحفظها من كل ما يخدش شرفها،
стр. 940
ويثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويعرض سمعتها لقالة السوء، وهذا من الغيرة التي يحبها الله.
روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه ".
وروى عن ابن مسعود أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: " ما أحد أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ".
وروى أيضا أن سعد بن عبادة قال: " لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال الرسول ﵊: " أتعجبون من غيرة سعد. لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ".
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة لا يدخلون الجنة: " العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء ".
رواه النسائي والجزار، والحاكم، وقال: صحيح الاسناد.
وعن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر. قالوا: يارسول الله: أما مدمن الخمر فقد عرفناه. فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله. قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تتشبه بالرجال ". رواه الطبراني. قال المنذري: ورواته ليس فيهم مجروح.
وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته، فإنه يطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة، فلا يبالغ في إساءة الظن بها.
ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها ولا يحصي جميع عيوبها، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، يقول الرسول ﷺ فيما يرويه أبو داود، والنسائي، وابن حبان عن جابر بن عنبرة:
стр. 941
" إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، ومن الخيلاء ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما الغيرة التي يحبها الله: فالغيرة في الريبة، والغيرة التي يبغضها الله: فالغيرة في غير ريبة (١) .
والاختيال الذي يحبه الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال، وعند الصدمة، والاختيال الذي يبغضه الله الاختيال في الباطل ".
وقال علي كرم الله وجهه: لا تكثر الغيرة على أهلك، فترامى بالسوء من أجلك.
إتيان الرجل زوجته:
قال ابن حزم: وفرض على الرجل أن يجامع امرأته، التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة في كل طهر، إن قدر على ذلك.
وإلا فهو عاص لله تعالى.
برهان ذلك قوله : " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله (٢) ".
وذهب جمهور العلماء الى ما ذهب إليه ابن حزم من الوجوب على الرجل ذا لم يكن له عذر.
وقال الشافعي: لا يجب عليه، لانه حق له، فلا يجب عليه كسائر الحقوق.
ونص أحمد على أنه مقدر بأربعة أشهر، لان الله قدره في حق المولي بهذه المدة، فكذلك في حق غيره.
وإذا سافر عن امرأته، فإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع، فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر.
وسئل: كم يغيب الرجل عن زوجته؟ قال: ستة أشهر.
يكتب إليه، فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما.
وحجته ما رواه أبو حفص باسناده عن زيد بن أسلم قال: بينما عمربن الخطاب يحرس المدينة، فمر بامرأة في بيتها وهي تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال علي أن لا خليل ألاعبه
стр. 942
والله لولا خشية الله وحده لحرك من هذا السرير جوانبه ولكن ربي والحياء يكفيني وأكرم بعلي أن توطأ مراكبه فسأل عنها عمر، فقيل له: هذه فلانة، زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها تكون معه، وبعث إلى زوجها فأقفله (١) ، ثم دخل على حفصة، فقال: يا بنية. كم تصبر المرأة عن زوجها؟.
فقالت: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي عن هذا؟.
فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك.
قالت: خمسة أشهر. ستة أشهر.
فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر.
يسيرون شهرا، ويقيمون أربعة أشهر، ويسيرون راجعين شهرا.
وقال الغزالي من الشافعية: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، فهو أعدل، لان عدد النساء أربعة، فجاز التأخير إلى هذا الحد.
نعم ينبغي أن يزيد، أو ينقص حسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب عليه، وإن كان لا تثبت المطالبة بالوطء، فذلك لعسر المطالبة والوفاء بها.
وعن محمد بن معن الغفاري قال: " أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب
﵁ فقالت: يا أمير المؤمنين: إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه - وهو يعمل بطاعة الله فقال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر هذا القول ويكرر عليها الجواب.
فقال له كعب الاسدي: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما.
فقال كعب: علي بزوجها، فأتي به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك.
قال: أفي طعام، أو شراب؟ وقال: لا، فقالت المرأة: يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده فاقض القضا، كعب، ولا ترده نهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمده فقال زوجها: زهدني في النساء وفي الحجل أني امرؤ أذهلني ما نزل
стр. 943
في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب: إن لها عليك حقايا رجل نصيبها في أربع لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك، فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟.
أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
وقد ثبت في السنة أن جماع الرجل زوجته من الصدقات التي يثيب الله عليها.
روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " ... ولك في جماع زوجتك أجر.
قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر ".
ويستحب المداعبة، والملاعبة، والملاطفة، والتقبيل، والانتظار حتى تقضي المرأة حاجتها.
روى أبو يعلى عن أنس بن مالك: أن الرسول ﷺ قال: " إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها " وقد تقدم: " هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ".
التستر عند الجماع: أمر الاسلام بستر العورة في كل حال إلا إذا اقتضى الامر كشفها.
فعن بهزبن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: " يا نبي الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يميتك.
قلت: يارسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ألا يراها أحد فلا يراها.
قال: قلت: إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيا من الناس ".
رواه الترمذي، وقال حديث حسن.
стр. 944
وفي الحديث جواز كشف العورة عند الجماع، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يتجرد الزوجان تجردا كاملا.
فعن عتبة بن عبد السليمي قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردا تجرد العيرين (١) ". رواه ابن ماجه.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم، إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم ".
رواه الترمذي وقال حديث غريب.
قالت عائشة: " لم ير رسول الله ﷺ مني، ولم أر منه ".
التسمية عند الجماع: يسن أن يسمي الانسان ويستعيذ عند الجماع.
روى البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدكم إذا أتى أهله، قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقنا.
فإن قدر بينهما في ذلك ولد، لن يضر ذلك الولد الشيطان أبدا ".
حرمة التكلم بما يجري بين الزوجين أثناء المباشرة:
ذكر الجماع، والتحدث به مخالف للمروءة، ومن اللغو الذي لا فائدة فيه، ولا حاجة إليه، وينبغي للانسان أن يتنزه عنه ما لم يكن هناك ما يستدعي التكلم به.
ففي الحديث الصحيح: " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ".
وقد مدح الله المعرضين عن اللغو فقال: " والذين هم عن اللغو معرضون ".
فإذا استدعى الامر التحدث به ودعت الحاجة إليه فلا بأس، وقد ادعت امرأة أن زوجها عاجز عن إتيانها.
فقال يا رسول الله: " إني لانفضها نفض الاديم ".
стр. 945
فإذا توسع الزوج أو الزوجة في ذكر تفاصيل المباشرة وأفشى ما يجري بينهما من قول أو فعل، كان ذلك محرما.
فعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها ". رواه أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى، فلما سلم، أقبل عليهم بوجهه فقال: " مجالسكم.
هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا؟! فسكتوا، فأقبل على النساء، فقال هل منكن من تحدث؟ فجثت فتاة كعب على إحدى ركبتيها، وتطاولت ليراها الرسول ﷺ وليسمع كلامها، فقالت: إي والله. إنهم يتحدثوه، وإنهن ليتحدثن.
فقال: هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة.
لقي أحدهما صاحبه بالسكة، فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه ". رواه أحمد، وأبو داود.
إتيان الرجل في غير المأتى:
إتيان المرأة في دبرها تنفر منه الفطرة، ويأباه الطبع، ويحرمه الشرع.
قال الله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم (١) ".
والحرث: موضع الغرس والزرع، وهو هنا محل الولد، إذ هو المزروع.
فالامر بإتيان الحرث أمر بالاتيان في الفرج خاصة.
قال ثعلب: إنما الارحام أرضون لنا محترثات
فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات وهذا كقول الله: " فأتوهن من حيث أمركم الله (٢) ".
стр. 946
وكقوله " أنى شئتم " أي كيف شئتم.
وسبب نزول هذه الابة ما رواه البخاري ومسلم: " ان اليهود كانت على عهد رسول الله ﷺ تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وكان الانصار يتبعون اليهود في هذا، فأنزل الله عزوجل: " نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم ".
أي أنه لاحرج في إتيان النساء بأي كيفية، مادام ذلك في الفرج، وما دمتم تقصدون الحرث.
وقد جاءت الاحاديث صريحة في النهي عن إتيان المرأة في دبرها.
روى أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
أن النبي ﷺ قال: " لا تأتوا النساء في أعجازهن. أو قال: في أدبارهن ". ورواته ثقات.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته في دبرها " هي اللوطية الصغرى ".
وعند أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ملعون من أتى امرأة في دبرها ".
قال ابن تيمية: ومتى وطئها في الدبر، وطاوعته عزرا جميعا، وإلا فرق بينهما كما يفرق بين الفاجر ومن يفجر به.
العزل وتحديد النسل (١) :
تقدم ان الاسلام يرغب في كثرة النسل.
إذ أن ذلك مظهر من مظاهر القوة والمنعة بالنسبة للامم والشعوب. " وإنما العزة للكاثر ". ويجعل ذلك من أسباب مشروعية الزواج: " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة ".
إلا أن الاسلام مع ذلك لايمنع في الظروف الخاصة من تحديد النسل باتخاذ دواء يمنع من الحمل، أو بأي وسيلة أخرى من وسائل انجع.
стр. 947
فيباح التحديد في حالة ما إذا كان الرجل معيلا (١) لايستطيع القيام على تربية أبنائه التربية الصحيحة.
وكذلك إذا كانت المرأة ضعيفة، أو كانت موصولة الحمل، أو كان الرجل فقيرا.
ففي مثل هذه الحالات يباح تحديد النسل بل إن بعض العلماء رأى أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحا فقط، بل يكون مندوبا إليه.
وألحق الامام الغزالي بهذه الحالات حالة ما إذا خافت المرأة على جمالها، فمن حق الزوجين في هذه الحالة أن يمنعا النسل.
بل ذهب كثير من أهل العلم إلى إباحته مطلقا واستدلوا لمذهبهم بما يأتي:
١ - روى البخاري ومسلم عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل.
٢ - وروى مسلم عنه قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
وقال الشافعي ﵀: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا.
وقال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الانصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم.
وهو مذهب مالك والشافعي وقد اتفق عمر وعلي ﵄ على أنها لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع.
فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: جلس إلى عمر علي والزبير وسعد ﵃ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وتذاكروا العزل.
فقالوا لا بأس به.
فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى.
فقال على ﵁: لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع، حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة ثم تكون مضغة.
ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر، فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك.
стр. 948
ويرى أهل الظاهر أن منع الحمل حرام، مستدلين بما ورته جذامة بنت وهب: أن أناسا سألوا رسول الله ﷺ عن العزل؟ فقال: " ذلك هو الواد الخفي ".
وأجاب الامام الغزالي عن هذا فقال: " ورد في الصحيح أخبار صحيحة في الاباحة، وقوله: " إنه الوأد الخفي " كقوله " الشرك الخفي " وذلك يوجب كراهيته كراهة لا تحريما.
والمقصود بالكراهة خلاف الاولى، كما يقال: يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة، وبعض الائمة كالاحناف يرون أنه يباح العزل إذا أذنت الزوجة، ويكره من غير إذنها.
حكم إسقاط الحمل:
بعد استقرار النطفة في الرحم لا يحل إسقاط الجنين بعد مضي مائة وعشرين يوما، فإنه حينئذ يكون اعتداء على نفس يستوجب العقوبة في الدنيا والاخرة (١) أما إسقاط الجنين، أو إفساد اللقاح قبل مضي هذه المدة، فإنه يباح إذا وجد ما يستدعي ذلك، فإن لم يكن ثمة سبب حقيقي فإنه يكره.
قال صاحب سبل السلام: " معالجة المرأة لاسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على الخلاف في العزل، فمن أجازه أجاز المعالجة، ومن حرمه حرم هذا بالاولى.
ويلحق بهذا تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، انتهى.
ويرى الامام الغزالي: أن الاجهاض جناية على موجود حاصل، قال: ولها مراتب، أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة، ازدادت الجناية تفاحشا.
стр. 949
الإيلاء:
تعريفه:
الايلاء (١) في اللغة: الامتناع باليمين: وفي الشرع: الامتناع باليمين من وطء الزوجة.
ويستوي في ذلك اليمين بالله، أو الصوم، أو الصدقة، أو الحج، أو الطلاق.
وقد كان الرجل في الجاهلية يحلف على ألا يمس امرأته السنة، والسنتين، والاكثر من ذلك بقصد الاضرار بها، فيتركها معلقة، لاهي زوجة، ولاهي مطلقة.
فأراد الله سبحانه أن يضع حدا لهذا العمل الضار.
فوقته بمدة أربعة أشهر، يتروى فيها الرجل، عله يرجع إلى رشده، فإن رجع في تلك المدة، أو في آخرها، بأن حنث في اليمين، ولامس زوجته، وكفر عن يمينه فيها، وإلا طلق.
فقال: " للذين يؤلون من نسائهم تربص (٢) أربعة أشهر. فإن فاءوا (٣) فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (٤) ".
مدة الايلاء (٥) :
اتفق الفقهاء على أن من حلف ألا يمس زوجته أكثر من أربعة أشهر كان موليا.
واختلفوا فيمن حلف ألا يمسها أربعة أشهر:
стр. 950
فقال أبو حنيفة وأصحابه: يثبت له حكم الايلاء.
وذهب الجمهور ومنهم الائمة الثلاثة: إلى أنه لا يثبت له حكم الايلاء، لان الله جعل له مدة أربعة أشهر، وبعد انقضائها: إما الفئ وإما الطلاق.
حكم الايلاء:
إذا حلف ألا يقرب زوجته، فإن مسها في الاربعة الاشهر، انتهى الايلاء ولزمته كفارة اليمين.
إذا مضت المدة ولم يجامعها، فيرى جمهور العلماء أن للزوجة أن تطالبه: إما بالوطء وإما بالطلاق.
فإن امتنع عنهما فيرى مالك أن للحاكم أن يطلق عليه دفعا للضرر عن الزوجة.
ويرى أحمد والشافعي وأهل الظاهر أن القاضي لا يطلق وإنما يضيق على الزوج ويحبسه حتى يطلقها بنفسه.
وأما الاحناف فيرون أنه إذا مضت المدة ولم يجامعها فإنها تطلق طلقة بائنة بمجرد مضي المدة.
ولا يكون للزوج حق المراجعة لانه أساء في استعمال حقه بامتناعه عن الوطء بغير عذر، ففوت حق زوجته وصار بذلك ظالما لها.
ويرى الامام مالك أن الزوج يلزمه حكم الايلاء إذا قصد الاضرار بترك الوطء وإن لم يحلف على ذلك، لوقوع الضرر في هذه الحال كما هو واقع في حالة اليمين.
الطلاق الذي يقع بالايلاء: والطلاق الذي يقع بالايلاء طلاق بائن، لانه لو كان رجعيا لامكن للزوج أن يجبرها على الرجعة، لانها حق له، وبذلك لا تتحقق مصلحة الزوجة، ولا يزول عنها الضرر.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
وذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه طلاق رجعي، لانه لم يقم دليل على أنه بائن، ولانه طلاق زوجة مدخول بها من غير عوض ولا استيفاء عود.