وكقوله " أنى شئتم " أي كيف شئتم.
وسبب نزول هذه الابة ما رواه البخاري ومسلم: " ان اليهود كانت على عهد رسول الله ﷺ تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وكان الانصار يتبعون اليهود في هذا، فأنزل الله عزوجل: " نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم ".
أي أنه لاحرج في إتيان النساء بأي كيفية، مادام ذلك في الفرج، وما دمتم تقصدون الحرث.
وقد جاءت الاحاديث صريحة في النهي عن إتيان المرأة في دبرها.
روى أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
أن النبي ﷺ قال: " لا تأتوا النساء في أعجازهن. أو قال: في أدبارهن ". ورواته ثقات.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته في دبرها " هي اللوطية الصغرى ".
وعند أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ملعون من أتى امرأة في دبرها ".
قال ابن تيمية: ومتى وطئها في الدبر، وطاوعته عزرا جميعا، وإلا فرق بينهما كما يفرق بين الفاجر ومن يفجر به.
العزل وتحديد النسل (١) :
تقدم ان الاسلام يرغب في كثرة النسل.
إذ أن ذلك مظهر من مظاهر القوة والمنعة بالنسبة للامم والشعوب. " وإنما العزة للكاثر ". ويجعل ذلك من أسباب مشروعية الزواج: " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة ".
إلا أن الاسلام مع ذلك لايمنع في الظروف الخاصة من تحديد النسل باتخاذ دواء يمنع من الحمل، أو بأي وسيلة أخرى من وسائل انجع.
стр. 947
فيباح التحديد في حالة ما إذا كان الرجل معيلا (١) لايستطيع القيام على تربية أبنائه التربية الصحيحة.
وكذلك إذا كانت المرأة ضعيفة، أو كانت موصولة الحمل، أو كان الرجل فقيرا.
ففي مثل هذه الحالات يباح تحديد النسل بل إن بعض العلماء رأى أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحا فقط، بل يكون مندوبا إليه.
وألحق الامام الغزالي بهذه الحالات حالة ما إذا خافت المرأة على جمالها، فمن حق الزوجين في هذه الحالة أن يمنعا النسل.
بل ذهب كثير من أهل العلم إلى إباحته مطلقا واستدلوا لمذهبهم بما يأتي:
١ - روى البخاري ومسلم عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل.
٢ - وروى مسلم عنه قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
وقال الشافعي ﵀: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا.
وقال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الانصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم.
وهو مذهب مالك والشافعي وقد اتفق عمر وعلي ﵄ على أنها لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع.
فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: جلس إلى عمر علي والزبير وسعد ﵃ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وتذاكروا العزل.
فقالوا لا بأس به.
فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى.
فقال على ﵁: لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع، حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة ثم تكون مضغة.
ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر، فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك.
стр. 948
ويرى أهل الظاهر أن منع الحمل حرام، مستدلين بما ورته جذامة بنت وهب: أن أناسا سألوا رسول الله ﷺ عن العزل؟ فقال: " ذلك هو الواد الخفي ".
وأجاب الامام الغزالي عن هذا فقال: " ورد في الصحيح أخبار صحيحة في الاباحة، وقوله: " إنه الوأد الخفي " كقوله " الشرك الخفي " وذلك يوجب كراهيته كراهة لا تحريما.
والمقصود بالكراهة خلاف الاولى، كما يقال: يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة، وبعض الائمة كالاحناف يرون أنه يباح العزل إذا أذنت الزوجة، ويكره من غير إذنها.
حكم إسقاط الحمل:
بعد استقرار النطفة في الرحم لا يحل إسقاط الجنين بعد مضي مائة وعشرين يوما، فإنه حينئذ يكون اعتداء على نفس يستوجب العقوبة في الدنيا والاخرة (١) أما إسقاط الجنين، أو إفساد اللقاح قبل مضي هذه المدة، فإنه يباح إذا وجد ما يستدعي ذلك، فإن لم يكن ثمة سبب حقيقي فإنه يكره.
قال صاحب سبل السلام: " معالجة المرأة لاسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على الخلاف في العزل، فمن أجازه أجاز المعالجة، ومن حرمه حرم هذا بالاولى.
ويلحق بهذا تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، انتهى.
ويرى الامام الغزالي: أن الاجهاض جناية على موجود حاصل، قال: ولها مراتب، أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة، ازدادت الجناية تفاحشا.
стр. 949
الإيلاء:
تعريفه:
الايلاء (١) في اللغة: الامتناع باليمين: وفي الشرع: الامتناع باليمين من وطء الزوجة.
ويستوي في ذلك اليمين بالله، أو الصوم، أو الصدقة، أو الحج، أو الطلاق.
وقد كان الرجل في الجاهلية يحلف على ألا يمس امرأته السنة، والسنتين، والاكثر من ذلك بقصد الاضرار بها، فيتركها معلقة، لاهي زوجة، ولاهي مطلقة.
فأراد الله سبحانه أن يضع حدا لهذا العمل الضار.
فوقته بمدة أربعة أشهر، يتروى فيها الرجل، عله يرجع إلى رشده، فإن رجع في تلك المدة، أو في آخرها، بأن حنث في اليمين، ولامس زوجته، وكفر عن يمينه فيها، وإلا طلق.
فقال: " للذين يؤلون من نسائهم تربص (٢) أربعة أشهر. فإن فاءوا (٣) فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (٤) ".
مدة الايلاء (٥) :
اتفق الفقهاء على أن من حلف ألا يمس زوجته أكثر من أربعة أشهر كان موليا.
واختلفوا فيمن حلف ألا يمسها أربعة أشهر:
стр. 950
فقال أبو حنيفة وأصحابه: يثبت له حكم الايلاء.
وذهب الجمهور ومنهم الائمة الثلاثة: إلى أنه لا يثبت له حكم الايلاء، لان الله جعل له مدة أربعة أشهر، وبعد انقضائها: إما الفئ وإما الطلاق.
حكم الايلاء:
إذا حلف ألا يقرب زوجته، فإن مسها في الاربعة الاشهر، انتهى الايلاء ولزمته كفارة اليمين.
إذا مضت المدة ولم يجامعها، فيرى جمهور العلماء أن للزوجة أن تطالبه: إما بالوطء وإما بالطلاق.
فإن امتنع عنهما فيرى مالك أن للحاكم أن يطلق عليه دفعا للضرر عن الزوجة.
ويرى أحمد والشافعي وأهل الظاهر أن القاضي لا يطلق وإنما يضيق على الزوج ويحبسه حتى يطلقها بنفسه.
وأما الاحناف فيرون أنه إذا مضت المدة ولم يجامعها فإنها تطلق طلقة بائنة بمجرد مضي المدة.
ولا يكون للزوج حق المراجعة لانه أساء في استعمال حقه بامتناعه عن الوطء بغير عذر، ففوت حق زوجته وصار بذلك ظالما لها.
ويرى الامام مالك أن الزوج يلزمه حكم الايلاء إذا قصد الاضرار بترك الوطء وإن لم يحلف على ذلك، لوقوع الضرر في هذه الحال كما هو واقع في حالة اليمين.
الطلاق الذي يقع بالايلاء: والطلاق الذي يقع بالايلاء طلاق بائن، لانه لو كان رجعيا لامكن للزوج أن يجبرها على الرجعة، لانها حق له، وبذلك لا تتحقق مصلحة الزوجة، ولا يزول عنها الضرر.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
وذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه طلاق رجعي، لانه لم يقم دليل على أنه بائن، ولانه طلاق زوجة مدخول بها من غير عوض ولا استيفاء عود.
стр. 951
عدة الزوجة المولى منها:
ذهب الجمهور إلى أن الزوجة المولى منها تعتد كسائر المطلقات لانها مطلقة، وقال جابر بن زيد: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الاربعة أشهر ثلاث حيض.
قال ابن رشد: وقال بقوله طائفة، وهو مروي عن ابن عباس، وحجته: أن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم.
وهذه قد حصلت لها البراءة.
стр. 952
حق الزوج على زوجته من حق الزوج على زوجته أن تطيعه في غير معصية، وأن تحفظه في نفسها وماله، وأن تمتنع عن مقارفة أي شئ يضيق به الرجل، فلا تعبس في وجهه، ولا تبدو في صورة يكرهها، وهذا من أعظم الحقوق.
روى الحاكم عن عائشة قالت: " سألت رسول الله ﷺ أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: زوجها.
قالت: فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ قال: أمه ".
ويؤكد رسول الله هذا الحق فيقول: " لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد.
لامرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها ".
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان.
وقد وصف الله سبحانه الزوجات الصالحات فقال: " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله (١) ".
والقانتات هن الطائعات، والحافظات للغيب: أي اللائي يحفظن غيبة أزواجهن، فلا يخنه في نفس أو مال.
وهذا أسمى ما تكون عليه المرأة، وبه تدوم الحياة الزوجية، وتسعد.
وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك ".
ومحافظة الزوجة على هذا الخلق يعتبر جهادا في سبيل الله.
روى ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك: هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون.
ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا
стр. 953
من ذلك؟ فقال الرسول ﵊: " أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافا بحقه يعدل ذلك.
وقليل منكن من يفعله ".
ومن عظم هذا الحق أن قرن الاسلام طاعة الزوج بإقامة الفرائض الدينية وطاعة الله، فعن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت " رواه أحمد والطبراني.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة ماتت، وزوجها عنها راض، دخلت الجنة ".
وأكثر ما يدخل المرأة النار، عصيانها لزوجها، وكفرانها إحسانه إليها، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء.
يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط ".
رواه البخاري.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح ". رواه أحمد والبخاري ومسلم.
وحق الطاعة هذا مقيد بالمعروف.
فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلو أمرها بمعصية وجب عليها أن تخالفه.
ومن طاعتها لزوجها ألا تصوم نافلة إلا بإذنه، وألا تحج تطوعا إلا بإذنه، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه.
روى أبو داود الطيالسي، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: " حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها، ولو كان على ظهر قتب (١) وأن لا تصوم يوما واحدا إلا بإذنه، إلا لفريضة، فإن فعلت
стр. 954
أثمت، ولم يتقبل منها، وألا تعطي من بيتها شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت كان له الاجر، وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع، وإن كان ظالما ".
عدم إدخال من يكره الزوج: ومن حق الزوج على زوجته أن لا تدخل أحدا بيته يكرهه إلا بإذنه.
عن عمرو بن الاحوص الجشمي ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ. ثم قال: " ألا، واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان (١) عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة.
فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.
ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فروشكم من تكرهونه، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهونه، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ".
رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
خدمة المرأة زوجها: أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
وأصل ذلك قول الله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة (٢) ".
فالاية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها، فكلما طولبت المرأة بشئ طولب الرجل بمثله.
والاساس الذي وضعه الاسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما، هو أساس فطري وطبيعي.
فالرجل أقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل، والمرأة أقدر على تدبير المنزل، وتربية الاولاد، وتيسير أسباب الراحة
стр. 955
البيتية، والطمأنينة المنزلية، فيكلف الرجل ما هو مناسب له، وتكلف المرأة ما هو من طبيعتها، وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببا من أسباب انقسام البيت على نفسه.
وقد حكم رسول الله ﷺ بين على بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه وبين زوجته فاطمة ﵂، فجعل على فاطمة خدمة البيت، وجعل على علي العمل والكسب.
روى البخاري ومسلم أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحاء وتسأله خادمة.
فقال: " ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم ".
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه، وكنت أحش له، وأقوم عليه.
وكانت تعلفه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها، كما أن على الرجل أن يقوم بالانفاق عليها.
وقد شكت السيدة فاطمة ﵂ ما كانت تلقاه من خدمة، فلم يقل الرسول الله ﷺ لعلي لا خدمة عليها وإنما هي عليك.
وكذلك لما رأى خدمة أسماء لزوجها لم يقل لا خدمة عليها، بل أقره على استخدامها.
وأقر سائر أصحابه على خدمة أزواجهن. مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية.
قال ابن القيم: هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصح التفريق بين شريفة دنيئة، وفقيرة وغنية.
فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها وجاءت الرسول ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يشكها (١) .
стр. 956
قال بعض علماء المالكية: (١) إن على الزوجة خدمة مسكنها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة، أو ترفه، فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال، فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك.
وإن كانت دون ذلك، فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل، وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل كلفت ما يكلفه نساؤهم.
وذلك أن الله تعالى قال: " ولهن مثل الذي عليهن، بالمعروف (٢) ".
وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الامر وحديثه بما ذكرنا.
ألا ترى أن أزواج النبي ﷺ وأصحابه، كانوا يتكلفون الطحين والخبز والطبيخ وفرش الفراش، وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت عن ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك، ويأخذنهن بالخدمة. فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن.
هذا هو المذهب الصحيح خلافا لما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي من عدم وجوب خدمة المرأة لزوجها، وقالوا إن عقد الزواج إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع.
والاحاديث المذكورة تدل على التطوع ومكارم الاخلاق.
تجاوز الصدق بين الزوجين:
المحافظة على الانسجام في البيت، وتقوية روابط الاسرة غاية من الغايات التي يستباح من أجل الحصول عليها تجاوز الصدق.
روي أن ابن أبي عذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر ﵁ كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الارقم حتى أتى به إلا منزله، ثم قال لامرأته: أنشدك بالله (٣) هل تبغضينني؟ قالت: لا تنشدني بالله.
стр. 957
قال: فإني أنشدك بالله. قالت: نعم. فقال لابن الارقم أتسمع؟ ثم انطلقا حتى أتيا عمر ﵁ فقال: إنكم لتحدثون أني أظلم النساء، وأخلعهن، فاسأل ابن الارقم، فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟ فقالت: إني أول من تاب، وراجع أمر الله تعالى، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب.
أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبني على الحب. ولكن الناس يتعاشرون بالاسلام والاحساب.
وقد روى البخاري ومسلم عن أم كلثوم ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيرا ".قالت: ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والاصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجها، فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة.
إمساك الزوجة بمنزل الزوجية:
من حق الزوج أن يمسك زوجته بمنزل الزوجية، ويمنعها عن الخروج منه (١) إلا بإذنه ويشترط في المسكن أن يكون لائقا بها، ومحققا لاستقرار المعيشة الزوجية، وهذا المسكن، يسمى بالمسكن الشرعي، فإذا لم يكن المسكن لائقا بها ولا يمكنها من استيفاء الحقوق الزوجية المقصودة من الزواج، فإنه لا يلزمها القرار فيه، لان المسكن غير شرعي.
ومثال ذلك، ما إذا كان بالمسكن آخرون يمنعها وجودهم معها من المعاشرة الزوجية، أو كان يلحقها بذلك ضرر، أو تخشى على متاعها.
وكذلك لو كان
стр. 958
المسكن خاليا من المرافق الضرورية، أو كان بحال تستوحش منها الزوجة، أو كان الجيران جيران سوء.
الانتقال بالزوجة:
من حق الزوج أن ينتقل وزوجته حيث يشاء لقول الله تعالى: " أسكنوهن
من حيث سكنتم، من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (١) ".
والنهي عن المضارة يقتضي ألا يكون القصد من الانتقال بالزوجة المضارة بها، بل يجب أن يكون القصد هو المعايشة، وما يقصد بالزواج، فإن كان يقصد المضارة والتضييق عليها في طلبه نقلها كأن تهبه شيئا من المهر، أو تترك شيئا من النفقة الواجبة عليه لها، أو لا يكون مأمونا عليها، فلها الحق في الامتناع.
وللقاضي أن يحكم لها بعدم استجابتها له.
وقيد الفقهاء استعمال هذا الحق أيضا بألا يكون في الانتقال بها خوف الضرر عليها.
كأن يكون الطريق غير آمن، أو يشق عليها مشقة جديدة لا تحتمل في العادة، أو يخاف فيه من عدو.
فإذا خافت الزوجة شيئا من ذلك فلها أن تمتنع عن السفر، وقد جاء في إحدى المذكرات القضائية ما يلي: " ولما كانت مصلحة الزوجين من النقله وعدمها لا تتحدد ولا تضبط أطلقوها من غير بيان وجهها اعتمادا على فطنة القاضي وعدالته وحكمته.
فإن من البين أن مجرد كون الزوج في شخصه مأمونا على زوجته لا يكفي لتحقق المصلحة في الاجبار على النقلة.
بل لا بد من مراعاة أحوال أخرى ترجع إلى الزوج وإلى الزوجة. وإلى البلدان المنقول منها والمنتقل إليها.
كأن يكون الباعث على الانتقال مصلحة يعتد بها، فلما يمكن الحصول عليها بدون الاغتراب، وكأن يكون الزوج قادرا على نفقات ارتحالها كأمثالها، وفي يده فضل يغلب على الظن أنه لو اتجر فيه مثلا لربح ما يعدل نفقته ونفقة عياله، أو صناعة فنية تقوم بمعاشه ومعاشهم.
" وكأن يكون الطريق بين البلدين مأمونا على النفس والعرض والمال.
стр. 959
وكأن تكون الزوجة بحيث تقول على مشقة السفر من بلدها إلى المكان الذي يريد نقلها إليه.
وكأن لا يكون المحل الذي يريد نقلها إليه بطبيعته منبعا للحميات، والاوبئة، والامراض.
وكأن لا يكون الاختلاف بين البلدين في الحرارة والبرودة مثلا مما لا تحتمله الامزجة والطباع.
وكأن تكون كرامة الزوجة في موضع نقلتها محفوظة ككرامتها في محلها الاصلي.
وكأن لا يلحقها بسبب الانتقال ضرر مادي أو أدبي، إلى كثير من الاعتبارات التي يجب ملاحظتها في مثل هذه الظروف وتختلف باختلاف الاشخاص والمواطن ولا تخفى عن القاضي الفطن ".
وهذا من خير ما يقال تفصيلا في هذا الموضوع.
اشتراط عدم خروج الزوجة من دارها:
من تزوج امرأة، وشرط لها ألا يخرجها من دارها أو لا يخرج بها إلى بلد غير بلدها فعليه الوفاء بهذا الشرط، لقول الرسول ﷺ : " إن أحق الشروط أن توفوا به، ما استحللتم به الفروج " رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عقبة بن عامر.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق بن راهويه، والاوزاعي.
وذهب غير هؤلاء من الفقهاء إلى أنه لا يلزمه الوفاء بهذا الشرط. وله نقلها عن دارها.
وقالوا في الحديث: إن الشرط الواجب الوفاء به هو ما كان خاصا في المهر، والحقوق الزوجية التي هي من مقتضى العقد دون غيرها مما لا يقتضيه.
وقد تقدم في أول هذا المجلد الشروط في الزواج، واختلاف العلماء فيه، مفصلا.
منع الزوجة من العمل:
فرق العلماء بين عمل الزوجة الذي يؤدي إلى تنقيص حق الزوج، أو ضرره، أو خروجها من بيته، وبين العمل الذي لا ضرر فيه، فمنعوا الاول.
وأجازوا الثاني.
стр. 960
قال ابن عابدين، من فقهاء الاحناف: " والذي ينبغي تحريره أن يكون منعها من كل عمل يؤدي إلى تنقيص حقه، أو ضرره، أو إلى خروجها من بيته.
أما العمل الذي لا ضرر فيه فلا وجه لمنعها منه وكذلك ليس له منعها من الخروج إذا كانت تحترف عملا هو من فروض الكفاية الخاصة بالمرأة مثل عمل القابلة ".
خروج المرأة لطلب العلم:
إذا كان العلم الذي تطلبه المرأة مفروضا (١) عليها وجب على الزوج أن يعلمها إياه - إذا كان قادرا على التعليم - فإذا لم يفعل، وجب عليها أن تخرج حيث العلماء ومجالس العلم، لتتعلم أحكام دينها ولو من غير إذنه.
أما إذا كانت الزوجة عالمة بما فرضه الله عليها من أحكام، أو كان الزوج متفقها في دين الله، وقام بتعليمها، فلا حق لها في الخروج إلى طلب العلم إلا بأذنه.
تأديب الزوجة عند النشوز:
قال الله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا (٢) نشوز الزوجة: هو عصيان الزوج وعدم طاعته أو امتناعها عن فراشه، أو خروجها من بيته بغير إذنه.
وعظتها تذكيرها بالله، وتخويفها به، وتنبيهها للواجب عليها من الطاعة وما لزوجها عليها من حق، ولفت نظرها إلى ما يلحقها من الاثم بالمخالفة والعصيان، وما يفوت من حقوقها من النفقة، والكسوة.
والهجر في المضجع: أي في الفراش، وأما الهجر في الكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، لما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ".
ولا تضرب الزوجة لاول نشوزها.
والآية فيها إضمار وتقدير.
أي: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ".
стр. 961
فإن نشزن " فاهجروهن في المضاجع "، فإن أصررن " فاضربوهن ".
أي إذا لم ترتدع بالوعظ والهجر فله ضربها.
يقول الرسول ﷺ : " إن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه.
فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح " أي غير شديد.
وعليه أن يجتنب الوجه، والمواضع المخوفة، لان المقصود التأديب. لا الاتلاف.
روى أبو داود عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قلت يارسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ".
تزين المرأة لزوجها:
من المستحسن أن تتزين المرأه لزوجها بالكحل والخضاب والطيب، ونحو ذلك من أنواع الزينة.
روى أحمد عن كريمة بنت همام: " قالت لعائشة ﵂: ما تقولين يا أم المؤمنين في الحناء؟ فقالت: كان حبيبي ﷺ يعجبه لونه، ويكره ريحه، وليس بمحرم عليكن بين كل حيضتين، أو عند كل حيضة ".
стр. 962
التبرج:
معناه: التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه وأصله الخروج من البرج، وهو القصر، ثم استعمل في خروج المرأة من الحشمة وإظهار مفاتنها وإبراز محاسنها.
التبرج في القرآن: وقد ورد التبرج في القرآن الكريم في موضعين: (الموضع الاول) في سورة النور.
جاء فيه قول الله سبحانه: " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وأن يستعففن خير لهن (١) .
" (والموضع الثاني) ورد في النهي عنه والتشنيع عليه في سورة الاحزاب، في قوله سبحانه: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " (٢) .
منافاته للدين والمدنية: إن أهم ما يتميز به الانسان عن الحيوان اتخاذ الملابس وأدوات الزينة.
يقول الله تعالى: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم
وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون " (٣) .
والملابس والزينة هما مظهران من مظاهر المدنية والحضارة، والتجرد عنهما إنما هو ردة إلى الحيوانية، وعودة إلى الحياة البدائية.
стр. 963
والحياة، وهي تسير سيرها الطبيعي، لا يمكن أن ترجع إلى الوراء، إلا إذا حدثت لها نكسة تبدل آراءها، وتغير أفكارها، وتجعلها تعود القهقرى ناسية أو متناسية مكأسبها الحضارية ورقيها الانساني.
وإذا كان اتخاذ الملابس لازما من لوازم الانسان الراقي، فإنه بالنسبة للمرأة ألزم، لانه هو الحفاظ الذي يحفظ عليها دينها وشرفها وعفافها وحياءها.
وهذه الصفات ألصق بالمرأة، وأولى بها من الرجل، ومن ثم كانت الحشمة أولى بها وأحق.
إن أعز ما تملكه المرأة، الشرف، والحياء، والعفاف، والمحافظة على هذه الفضائل محافظة على إنسانية المرأة في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة، ولا من صالح المجتمع أن تتخلى المرأة عن الصيانة والاحتشام.
ولا سيما وأن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز وأشدها على الاطلاق.
والتبذل مثير لهذه الغريزة ومطلق لها من عقالها.
ووضع الحدود والقيود والسدود أمامها مما يخفف من حدتها ويطفئ من جذوتها ويهذبها تهذيبا جديرا بالانسان وكرامته، ومن أجل هذا عني الاسلام عناية خاصة بملابس المرأة، وتناول القرآن ملابس المرأة مفصلا لحدودها، على غير عادة القرآن في تناوله المسائل الجزئية بالتفصيل، فهو يقول: " يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين (١) ".
وتوجيه الخطاب إلى نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين دليل على أن جميع النساء مطالبات بتنفيذ هذا الامر، دون استثناء واحدة منهن، مهما بلغت من الطهر، ولو كانت في طهارة بنات النبي ﵊ وطهارة نسائه.
ويولي القرآن هذا الامر عناية بالغة ويفصل ذلك تفصيلا، فيبين ما يحل كشفه وما يجب ستره، فيقول: " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن، إلا ما ظهر
стр. 964
منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... الخ " الاية (١) .
حتى ولو كانت المرأة عجوزا لا رغبة لها ولا رغبة فيها: يقول الله تعالى: " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا، فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وأن يستعففن خير (٢) لهن (٣) ".
ويهتم الاسلام بهذه القضية، فيحدد السن التي تبدأ بها المرأة في الاحتشام، فيقول الرسول ﷺ : " يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه ".
والمرأة فتنة، ليس أضر على الرجال منها، يقول الرسول ﷺ : " إن المرأة إذا أقبلت أقبلت ومعها شيطان، وإذا أدبرت أدبرت ومعها شيطان ".
وتجرد المرأة من ملابسها وإبداء مفاتنها يسلبها أخص خصائصها من الحياء والشرف ويهبط بها عن مستواها الانساني.
ولا يطهرها مما التصق بها من رجس سوى جهنم.
يقول الرسول ﷺ : " صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليشم من مسافة كذا وكذا ".
وفي عهد النبوة كان رسول الله ﷺ يرى بعض مظاهر التبرج، فيلفت نظر النساء إلى أن هذا فسق عن أمر الله، ويردهن إلى الجادة المستقيمة، ويحمل الاولياء والازواج تبعة هذا الانحراف، وينذرهم بعذاب الله.
١ - عن موسى بن يسار ﵁ قال: مرت بأبي هريرة امرأة
стр. 965
وريحها تعصف (١) فقال لها أين تريدين (٢) يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد. قال: وتطيبت؟ قالت: نعم. قال: فارجعي واغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقبل الله صلاة من امرأة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل (٣) ". وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة أصابت بخورا (٤) فلا تشهدن العشاء ".
أي: الاخرة. رواه أبو داود والنسائي.
٣ - وروى عن عائشة ﵂ قالت: " بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد دخلت امرأة من مزينة ترفل (٥) في زينة لها في المسجد. فقال النبي ﷺ : " يا أيها الناس: انهوا (٥) نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد، فإن بني اسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبختروا في المسجد "، رواه ابن ماجه.
وكان عمر ﵁ يخشى من هذه الفتنة العارمة، فكان يطب لها قبل وقوعها، وعلى قاعدة " الوقاية خير من العلاج "، فقد روى عنه أنه كان يتعسس ذات ليلة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج فقال: أما في عهد عمر فلا.
فلما أصبح استدعى نصر بن حجاج فوجده من أجمل الناس وجها، فأمر بخلق شعره فازداد جمالا، فنفاه إلى الشام
стр. 966
سبب هذا الانحراف:
وقد سبب الجهل والتقليد الاعمى الانحراف عن هذا الخط المستقيم، وجاء الاستعمار فنفخ فيه وأوصله إلى غايته ومداه، فأصبح من المعتاد أن يجد المسلم المرأة المسلمة، متبذلة، عارضة مفاتنها، خارجة في زينتها، كاشفة عن صدرها ونحرها وظهرها وذراعها وساقها.
ولا تجد أي غضاضة في قص شعرها، بل تجد من الضروري وضع الاصباغ والمساحيق والتطيب بالطيب واختيار الملابس المغرية، وأصبح " لموضات " الازياء مواسم خاصة يعرض فيها كل لون من ألوان الاغراء والاثارة.
وتجد المرأة من مفاخرها ومن مظاهر رقيها أن ترتاد أماكن الفجور والفسق والمراقص والملاهي، والمسارح والسينما، والملاعب والاندية والقهاوي. وتبلغ منتهى هبوطها في المصايف وعلى البلاج.
وأصبح من المألوف أن تعقد مسابقات الجمال تبرز فيها المرأة أمام الرجل، ويوضع تحت الاختبار كل جزء من بدنها، ويقاس كل عضو من أعضائها على مرأى ومسمع من المتفرجين والمفترجات، والعابثين والعابثات.
وللصحف وغيرها من أدوات الاعلام، مجال واسع في تشجيع هذه السخافات، والتغرير بالمرأة للوصول إلى المستوى الحيواني الرخيص، كما أن لتجار الازياء دو خطيرا في هذا الاسفاف.
نتائج هذا الانحراف:
وكان من نتائج هذا الانحراف أن كثر الفسق، وانتشر الزنا، وانهدم كيان الاسرة، وأهملت الواجبات الدينية وتركت العناية بالاطفال، واشتدت أزمة الزواج، وأصبح الحرام أيسر حصبولا من الحلال.
وبالجملة فقد أدى هذا التهتك إلى انحلال الاخلاق وتدمير الاداب التي اصطلح الناس عليها في جميع المذاهب والاديان.
وقد بلغ هذا الانحراف حدا لم يكن يخطر على بال مسلم، وتفنن دعاة التحلل والتفسخ، واتخذوا أساليب للتجميل واستعمال الزينة، ووضعوا لها
стр. 967
منهجا وأعدوا معاهدا لتدريس هذه الاساليب.
نشرت جريدة الاهرام تحت عنوان " مع المرأة " ما يلي " أول معهد لتدريس تصفيف شعر السيدات في الاسكندرية " " خبير ألماني يقوم بالتدريس في المعهد بعد شهر ". لاول مرة تقيم رابطة مصففي شعر السيدات في الاسكندرية معهدا لتصفيف شعر السيدات.
أقيم المعهد من تبرعات أعضاء الرابطة، تبرع أحدهم " بسشوار " وتبرع آخر ببعض المكاوي ودبابيس الشعر والفرش..وهكذا تكون المعهد بعد أن استأجرت له الرابطة شقة صغيرة ليكون نواة معهد كبير في المستقبل. وقد أصدرت الرابطة " أمر تكليف " إلى جميع أعضائها " أصحاب المهنة " بالحضور لالقاء المحاضرات النظرية، والقيام بالتجارب والدروس العملية أمام طلاب المعهد.
افتتح المعهد صباح أمس في مقر الرابطة في كليوباتزه، أحد أعضاء الرابطة بإلقاء محاضرة في كيفية قص الشعر، وبعض الطرق في فن القص، نم قام بعمل تسريحة جديدة لن تصميمه سماها " لشعلة " لاحدى " المنيكانات " وكان يشرح التسريحة وهو يقوم بها. سيد رس في المعهد فن تصفيف الشعر، والصباغة، والالوان، والقص، وتقليم الاظافر، والمسياج، والتدليك، " يقول رئيس الرابطة في القاهرة وضيف رابطة الاسكندرية: إنه أنشأ مثل هذا المعهد في القاهرة منذ ٥ أشهر، وزغم قصر المدة أحرز العهد نتيجة مشرفة، إذ أن الطلبة والطالبات يستفيدون من تبادل الافكار بين أعضاء الرابطة، ومن عرض التسريحات وشرحها أمامهم، مما يرفع مستوى المهنة، كما استفادوا أيضا من حضور بعض الخبراء الالمان ومحاضراتهم العلمية والنظرية أمام الطلبة، وسوف يحضر خبير ألماني إلى معهد الاسكندرية في الشهر القادم، كما تعقد الرابطة في الشهر نفسه مسابقة للحصول على جائزة الجمهورية في فن تصفيف الشعر، وستكون الدراسة في المعهد أسبوعية بصفة مبدئية ".
انتهى ما نشر بالاهرام.
стр. 968
هذا فضلا عن الاموال الطائلة التي تستهلك في شراء أدوات التجميل، فقد بلغ عدد الصالونات في القاهرة وحدها ألف صالون لتصفيف وتجميل الشعر، ويوزع في العام ١٠ ملايين قلم روج وعطر بودرة.
ولم يقتصر هذا الفساد على ناحية دون ناحية، بل تجاوزها إلى دور العلم ومعاهد التربية وكليات الجامعة ... وكان المفروض أن تصان هذه الدور من الهبوط حتى تبقى لها حرمتها وكيانها المقدس، فقد جاء في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ ٢٩ / ٩ / ١٩٦٢ ما يلي.
" فتاة الجامعة لا تفرق بين حرم الجامعة وصالة عرض الازياء " في هذه الايام من كل عام، عندما تعلن الجامعة عن افتتاح أبوابها ... تبدأ
الصحف والمجلات في الكتابة عن الفتاة الجامعية وتثار المناقشات حول زيها ومكياجها ... فيطالب البعض بتوحيد زيها، وينادي آخرون بمنعها من وضع المكياج، قالت الكاتبة وأنا لا أؤيد هذه الاراء، لايماني بأن اختيار الفتاة لازيائها ينمي من شخصيتها، ويساعد على تكوين ذوقها ... والفتيات في معظم جامعات الخارج لا ترتدين زيا موحدا.
ولا يحرمن من وضع المكياج، ولكني مع هذا لا ألوم كثيرا أصحاب هذه الاراء المتطرفة ... فالفتاة الجامعية عندنا تدفعهم إلى المطالبة بذلك، لانها لا تعرف كيف تختار الزي والماكياج المناسبين لها كطالبة، ولا تبذل أي مجهود في هذا السبيل ... إنها لا تفرق كثيرا بين حرم الجامعة وصالة عرض الازياء، أو الكرنفال ... فهي تذهب إلى الجامعة في " عز الصباح " بفستان ضيق يكاد ضيقه يمنعها من الحركة، مع الكعب العالي الذي ترتديه..وعندما تغيره تستبدل به فستانا واسعا تحته أكثر من " جيبونة " تشل بدورها حركة صاحبتها، وتجعلها أشبه بالاباجورة المتحركة، وهي فوق هذا - إن نسيت كتبها ومجد محاضراتها - فهي لا تنسى أبدا الحلق، والعقد، والسوار، والبروش، الذي تحلى به أذنيها وصدرها وذراعيها وشعرها في غير تناسق أو ذوق ... ثم مضت الكاتبة تقول: وهذا كله يرجع في رأيي إلى أن الفتاة الجامعية عندنا لا تأخذ الدراسة الجامعية مأخذ الجد..فهي تضع فوقها زينتها
стр. 969
وأناقتها والمفروض أن يكون العكس هو الصحيح، في وقت نالت فيه ثقافة المرأة أعلى تقدير! ليس معنى هذا أنني أطالب الفتاة الجامعية بإهمال ملابسها وزينتها ... إنني أطالب بالاهتمام أولا بدروسها، ثم بتخفيف ماكياج وجهها، إن لم يكن مراعاة لحرم الجامعة، فعلى الاقل مراعاة لبشرتها التي يفسدها كثرة الماكياج، في سن تكون فضارة الوجه فيها أجمل بكثير من الماكياج المصطنع ... ثم بعد ذلك أطالبها بالحد من استعمال الحلي، وبارتداء الملابس البسيطة التي تناسب الفتاة الجامعية كالفستان " الشيزييه " و " التايير " ذي الخطوط البسيطة، والفستان الذي تنسدل جوبته إلى أسفل، في وسع خفيف لا يعرقل حركتها..والجوب والبلوزة، أو الجوب والبلوفر، أو الجوب والجاكت - وأن ترعى في اختيارها لهذه الازياء الالوان الهادثة التي لا تثير " القيل والقال " بين زملائها الطلبة ... " إنني أطالب الفتاة الجامعية باتباع هذه ... وأطالب أولياء أمورها بضرورة الاشراف التام على ثياب بناتهم، فالفتاة في العهد الجديد لم يعد هدفها الاول والاخير في الحياة جلب الانظار إليها " بالدندشة والشخلعة ". " إنها اليوم يجب أن تصقل بالثقافة والعلم والذوق السليم ".
فلم يعد أقصى ما تصبو إليه هو مكتب سكرتيرة تجلس عليه لترد على تليفونات المدير، وإنما المجال قد فتح أمامها وجلست إلى مكتب الوزارة ... " هذا ما قالته إحدى الكاتبات في الاخبار، وهي تعتب على بنات جنسها، وتنعي عليهم هذا التصرف المعيب.
وهذه الحالة قد أثارت اهتمام زائرات القاهرة من الجنبيات، إذ لم تكن المرأة الغربية تفكر في مدى الانحدار الذي تردت فيه المرأة الشرقية ... ففي " أهرام " ٢٧ مارس ١٩٦٢ جاء فيه في باب " مع المرأة " هذا العنوان: " المرأة الغربية غير راضية عن تقليد المرأة الشرقية لها " وجاء تحت هذا العنوان: " اهتمام المرأة العربية بالمودات الغربية، وحرصها على تقليد المرأة الغربية في تصرفاتها، وفي طباعها، لا تستسيغه السائحات الغربيات اللائي يحضرن لزيارة القاهرة، ولا يرفع من سمعتها في الخارج كما
стр. 970
تظن، أفصحت عن ذلك الرأي صحفية انجليزية زارت القاهرة أخيرا، وكتبت مقالا في مجلتها تقول فيه: " لقد صدمت جدا بمجرد نزولي أرض المطار، فقد كنت أتصور أنني سأقابل المرأة الشرقية بمعنى الكلمة، ولا أقصد بهذا المرأة التي ترتدي الحجاب والحبرة، وإنما المرأة الشرقية المتحضرة التي الازياء العملية التي تتسم بالطابع الشرقي، وتتصرف بطريقة شرقية، ولكنني لم أجد شيئا من هذا، فالمرأة هناك، هي نفسها المرأة التي تجدها عندما تنزل إلى أي مطار أوربي، فالازياء هي نفسها بالحرف الواحد، وتسريحات الشعر هي نفسها، والماكياج هو نفسه، حتى طريقة الكلام والمشية، وفي بعض الاحيان اللغة: إما الفرنسية أو الانجليزية!!! " وقد صدمني من المرأة الشرقية أنها تصورت أن التمدن والتحضر هو تقليد المرأة الغربية ونسيت أنها تستطيع أن تتطور وأن تتقدم كما شاءت، مع الاحتفاظ بطابعها الشرقي الجميل ".
وفي " جمهورية " السبت ٩ يونيو ١٩٦٢ نشر تحت هذا العنوان: " كاتبة أمريكية تقول: امنعوا الاختلاط، وقيدوا حرية المرأة ".
نقلت الصحيفة، تحت هذا العنوان كلاما ثمينا صريحا، وقد بدأت فقدمت الكاتبة الامريكية للقراء.
فقالت: " غادرت القاهرة الصحفية الامريكية " هيلسيان ستانسبري " بعد أن أمضت عدة أسابيع ها هنا، زارت خلالها المدارس، والجامعات، ومعسكرات الشباب والمؤسسات الاجتماعية، ومراكز الاحداث، والمرأة، والاطفال وبعض الاسر في مختلف الاحياء، وذلك في رحلة دراسية لبحث مشاكل الشباب والاسرة في المجتمع العربي.
" وهيلسيان " صحفية متجولة، تراسل أكثر من ٢٥٠ صحيفة أمريكية، ولها مقال يومي، يقرأه الملايين، ويتناول مشاكل الشباب تحت سن العشرين، وعملت في الاذاعة والتيفزيون وفي الصحافة أكثر من عشرين عاما، وزارت جميع بلاد العالم، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها ".
стр. 971
تقول الصحفية الامريكية بعد أن أمضت شهرا في الجمهورية العربية بعد أن قدمتها الجريدة هذا التقديم: " إن المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول.
وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الاوربي والامريكي، فعندكم تقاليد موروثة تحتم تقييد المرأة، وتحتم احترام الاب والام، وتحتم أكثر من ذلك، عدم الاباحية الغربية التي تهدد اليوم المجتمع والاسرة في أوربا وأمريكا.
ولذلك فإن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة الصغيرة - وأقصد ما تحت سن العشرين - هذه القيود صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحة وانطلاق ومجون أوربا وأمريكا. امنعوا الاختلاط قبل سن العشرين، فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الامريكي مجتمعا معقدأ، مليئا بكل صور الاباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين، يملاون السجون والارضفة والبارات والبيوت السرية.
إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات " جيمس دين " وعصابات للمخدرات، والرقيق. إن الاختلاط والاباحية والحرية في المجتمع الاوربي والمريكي هدد الاسر، وزلزل القيم والاخلاق، فالفتاة الصغيرة تحت سن العشرين في المجتمع الحديث تخالط الشبان، وترقص " تشاتشا " وتشرب الخمر والسجاير.
وتتعاطى المخدرات باسم المدنية والحرية والاباحية.
والعجيب في أوربا وأمريكا أن الفتاة الصغيرة تحت سن العشرين تلعب، تلهو تعاشر من تشاء تحت سمع عائلتها وبصرها، بل وتتحدى والديها ومدرسيها والمشرفين عليها، تتحداهم باسم الحرية والاختلاط، تتحداهم باسم الاباحية والانطلاق، تتزوج في دقائق.
وتطلق بعد ساعات!! ولا
стр. 972
يكلفها هذا أكثر من إمضاء وعشرين قرشا وعريس ليلة، أو ليضع ليال، وبعدها الطلاق.
وربما الزواج فالطلاق مرة أخرى.
علاج هذا الوضع الشاذ:
ولا مناص من وضع خطة حازمة للخلاص من هذه الموبقات، وذلك باتخاذ ما يأتي:
١ - نشر الوعي الديني وتبصير الناس بخطورة الاندفاع في هذا التيار الشديد.
٢ - المطالبة بسن قانون يحمي الاخلاق والاداب، ومعاقبة من يخرج عليه بشدة وحزم.
٣ - منع الصحف وجميع أدوات الاعلام من نشر الصور العارية، ووضع رقابة على مصممي الازياء.
٤ - منع مسابقات الجمال والرقص الفاجر، وتحقير كل ما يتصل بهذا الامر.
٥ - اختيار ملابس مناسبة أشبه بملابس الراهبات، وتكليف كل من يشتغل بعمل رسمي بارتدائها.
٦ - يبدأ كل فرد بنفسه، ثم يدعو غيره.
٧ - الاشادة بالفضيلة والحشمة والصيانة والتستر.
٨ - العمل على شغل أوقات الفراغ حتى لا يبقى متسع من الوقت لمثل هذا العبث.
٨ - اعتبار الزمن جزءا من العلاج، إذ أنها تحتاج إلى وقت طويل.
دفع شبهة:
ويحلو لبعض الناس أن يسايروا التيار ويمشوا مع الركب، زاعمين أن ذلك تطور حتمي اقتضته ظروف المدنية الحديثة.
ونحن لا نمنع أن يسير التطور في طريقه، وأن يصل إلى مداه: ولكنا نخشى أن يفسر التطور على حساب الدين والاخلاق والاداب، فإن الدين وما
стр. 973
يتبعه من تعاليم خلقية وأدبية، إنما هو من وحي الله، شرعه لكل عصر ولكل زمان ومكان ... فإذا كان التطور جائزا في أمور الدنيا، وشئون الحياة، فليس ذلك مما يجوز في دين الله.
إن الدين نفسه هو الذي فتح للعقل الانساني آفاق الكون، لينظر فيه، وينتفع بما فيه من قوى وبركات.
ويطور حياته لتصل إلى أقصى ما قدر له من تقدم ورقي ... فثمة فرق كبير بين ما يقبل التطور وبين ما لا يقبله ... والدين ليس لعبة تخضع للاهواء، وتوجهها الشهوات والرغبات (١) .
تزين الرجل لزوجته:
من المستحب أن يتزين الرجل لزوجته، قال ابن عباس ﵄: إني لاتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف (٢) كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي، لان الله تعالى قال: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ".
قال القرطبي في قول ابن عباس هذا: قال العلماء: " أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على الليق (٣) والوفاق.
فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ".
قال: " وكذلك في شأن الكسوة، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق، فإنما يعمل اللائق والوفاق، ليكون عند امرأته في زينة تسرها، ويعفها عن غيره من الرجال ".
стр. 974
قال: " وأما الطيب، والسواك، والخلال، والرمي بالدرن (١) ، وفضول الشعر، والتطهر، وقلم الاظافر، فهو بين موافق للجميع.
والخضاب للشيوخ، والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة، وهو حلى الرجال.
ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجال فيعفها، ويغنيها عن التطلع إلى غيره ... وإن رأي الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها، أخذ من الادوية التي تزيد في باهه، وتقوي شهوته حتى يعفها (٢) .
стр. 975
حديث أم زرع - عن عائشة قالت: " جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن، (١) وتعاقدن أن لا يكتمن من أحبار أزواجهن شيئا: قالت الاولى: زوجي لحم جمل غث (٢) على رأس جبل (٣) لا سهل (٤) فيرتقى (٥) ولا سمين فينتقل (٦) .
وقالت الثانية: زوجي لا أبث (٧) خبره. إني أخاف أن لا أذره (٨) .
стр. 976
إن أذكره أذكر عجره (١) وبجره (٢) .
قالت الثالثة: زوجي العشنق (٣) : إن أنطق أطلق (٤) ، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة (٥) ، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد (٦) ، وإن خرج أسد (٧) ولا يسأل عما عهد (٨) .
قالت السادسة: زوجي إن أكل لف (٩) ، وإن شرب اشتف (١٠) ، وإن اضطجع التف (١١) ولا يولج الكف ليعلم البث (١٢) .
стр. 977
قالت السابعة: زوجي غياباء.
أو عياياء، طباقاء (١) ، كل داء له داء (٢) شجك (٣) أو قلك (٤) أو جمع كلا لك (٥) .
قالت الثامنة: زوجي المس مس (٦) أرنب، والريح ريح زرنب (٧) .
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد (٨) طويل النجاد (٩) ، عظيم الرماد (١٠) قريب البيت من الناد (١١) .
قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك (١٢) قليلات المسارح (١٣) وإذا سمعن صوت المزهر (١٤) أيقن أنهن هوالك (١٥) .
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع؟ (١٦)
стр. 978
أناس (١) من حلي أذني (٢) ، وملا من شحم عضدي (٣) وبجحني فبجحت (٤) إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمه بشق (٥) فجعلني في أهل صهيل (٦) وأطيط (٧) ودائس (٨) ومنق (٩) فعنده أقول فلا أقبح (١٠) ، وأرقد فأتصبح (١١) .
وأشرب فأتقمح (١٢) .
أم أبي زرع، فما أم أبي زرع؟: عكومها (١٣) رداح (١٤) ، وبيتها فساح (١٥) .
ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟
مضجعة كمسل (١٦) شطبة،
стр. 979
ويشبعه ذراع الجفرة (١) .
بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها (٢) ، وملء كسائها (٣) وغيظ جارتها (٤) جارية أبي زرع.
فما جارية أبي زرع؟ لا تبث (٥) حديثنا تبثيثا (٦) ، ولا تنقث (٧) ميراثنا تنقيثا (٨) ولا تملا بيتنا تقشيشا (٩) .
قالت خرج أبو زرع، والاوطاب (١٠) تمخض (١١) فلقي (١٢) امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلقيان من تحت خصرها برمانتين (١٣) فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجلا سريا (١٤) ركب شريا (١٥)
стр. 980
وأخذ خطيا (١) وأراح (٢) علي نعما ثريا (٣) ، وأعطاني من كل رائحة زوجا (٤) ، وقال كلي أم زرع وميري (٥) أهلك.
قالت فلو جمعت كل شي أعطانيه ما بلغ أصغر آنية (٦) أبي زرع.
قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : " كنت لك كأبي زرع لام زرع " (٧) .
رواه الشيخان والنسائي.
стр. 981
الخطبة قبل الزواج:
يستحب أن يقدم العاقد أو غيره بين يدي العقد خطبة.
وأقلها: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
١ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء (١) ".
رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أقطع ".
رواه أبو داود وابن ماجه.
أي أن كل أمر معتنى به، ومحتاج إلى أن يلقي صاحبه باله له من الاهتمام به لا يبدأ بحمدالله فهو مقطوع من البركة.
وليس المراد خصوص الحمد، بل المقصود ذكر الله عزوجل، ليتفق مع الروايات الاخرى.
والافضل أن يخطب خطبة الحاجة.
فعن عبد الله بن مسعود قال: " أوتي رسول الله ﷺ جوامع الخير وخواتيمه، أوقال فواتح الخير، فعلمنا خطبة الصلاة، وخطبة الحاجة، خطبة الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وخطبة الحاجة: إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهد الله فلامضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ... ثم تصل خطبتك بثلاث آيات من كتاب الله:
стр. 982
١ - " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١) ".
٢ - " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
واتقوا الله الذي
تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا (٢) ".
٣ - " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (٣) ".
رواه أصحاب السنن وهذا لفظ ابن ماجه: ولو لم يأت بالخطبة صح النكاح.
فعن رجل بن بني سليم قال: خطبت إلى النبي ﷺ المرأة التي عرضت نفسها عليه ليتزوجها ﷺ .
فقال له: " زوجتكها بما معك من القرآن." ولم يخطب
حكمة ذلك: قال في حجة الله البالغة: " كان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بما يرونه من ذكر فاخر قومهم ونحو ذلك.
يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به، وكان جريان الرسم بذلك مصلحة، فإن الخطبة مبناها على التشهير.
وجعل الشئ بمسمع ومرأى من الجمهور.
والتشهير بما يراد وجوده في النكاح ليتميز من السفاح..وأيضا فالخطبة لا تستعمل إلا في الامور المهمة.
والاهتمام بالنكاح وجعله أمرا عظيما بينهم من أعظم المقاصد، فأبقى النبي ﷺ أصلها، وغير وصفها.
وذلك أنه ضم مع هذه المصالح مصلحة أخرى وهي: أنه ينبغي أن يضم في كل ارتفاق ذكر مناسب له، وينوه في كل عمل بشعائر الله، ليكون الدين الحق
стр. 983
ناشرا أعلامه وراياته، ظاهرا شعاره وأماراته، فسن فيها أنواعا من الذكر كالحمد والاستعانة والاستغفار والتعوذ والتوكل والتشهد وآيات من القرآن.
وأشار إلى هذه المصلحة بقوله: " وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الحذماء ".
وقوله " كل كلام لا يبدأ فيه بحمدالله فهو أجذم ".
وقال ﷺ : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح " الدعاء بعد العقد يستحب الدعاء لكل واحد من الزوجين بالمأثور:
١ - فعن أبي هريرة: " أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الانسان أي إذا تزوج.
قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ".
٢ - وعن عائشة قالت: " تزوجني النبي ﷺ ، فأتتني أمي فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الانصار في البيت، فقلن: على الخير، والبركة وعلى خير طائر ".
رواه البخاري وأبو داود.
٣ - وعن الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب ﵁ امرأة من بني جشم. فقالوا: بالرفاء والبنين.
فقال: قولوا كما قال رسول الله ﷺ : " بارك الله فيكم، وبارك عليكم " رواه النسائي.
стр. 984
إعلان الزواج:
يستحسن شرعا إعلان الزواج، ليخرج بذلك عن نكاح السر المنهي عنه، وإظهارا للفرح بما أحل الله من الطيبات.
وإن ذلك عمل حقيق بأن يشتهر، ليعلمه الخاص والعام، والقريب والبعيد، وليكون دعاية تشجع الذين يؤثرون العزوبة على الزواج، فتروج سوق الزواج.
والاعلان يكون بما جرت به العادة، ودرج عليه عرف كل جماعة، بشرط ألا يصحبه محظور نهى الشارع عنه كشرب الخمر، أو اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك.
١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدقوف ". رواه أحمد، والترمذي، وحسنه.
وليس من شك في أن جعله في المساجد أبلغ في إعلانه والاذاعة به، إذ أن المساجد هي المجامع العامة للناس، ولا سيما في العصور الاولى التي كانت المساجد فيه بمثابة المنتديات العامة.
٢ - وروى الترمذي، وحسنه، والحاكم وصححه عن يحيى بن سليم قال: قلت لمحمد بن حاطب: تزوجت امرأتين ما كان في واحدة منهما صوت - يعني دفا - فقال محمد ﵁: قال رسول الله ﷺ : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف ".
الغناء عند الزواج:
ومما أباحه الاسلام وحبب فيه، الغناء عند الزواج، ترويحا للنفوس وتنشيطأ لها باللهو البرئ.
стр. 985
ويجب أن يخلو من المجون، والخلاعة، والميوعة، وفحش القول وهجره.
١ - فعن عامر بن سعد ﵁ قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الانصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله، ومن أهل بدر - يفعل هذا عندكم!! فقالا: " إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس ".
رواه النسائي والحاكم وصححه.
٢ - وزفت السيدة عائشة ﵂ الفارعة بنت أسعد، وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها - نبيط بن جابر الانصاري - فقال النبي ﷺ : " يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الانصار يعجبهم اللهو " رواه البخاري وأحمد وغيرهما.
وفي بعض روايات هذا الحديث أنه قال: " فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف، وتغني؟ ".
قالت عائشة: تقول ماذا يا رسول الله؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكم - فحيونا نحييكم ولولا الذهب الاحمر - ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء - ما سمنت عذاريكم وعن الربيع بنت معوذ قالت: جاء النبي ﷺ حين بني (١) - بي - فجلس على فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف.
ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر (٢) إذ قالت إحداهن: ... وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: " دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين (٣) ".
رواه البخاري وأبو داود والترمذي.