← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9492

الصوم جنة

خالد الجريسي

Полный текст (177 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكذلك لو جامع ليلاً ولم يغتسل، فأصبح جنباً، فإن صيامه صحيح، وذلك لما روت عائشةُ وأمُّ سلمةَ ﵄ «أن النبيَّ ﷺ كان يصبح جُنُباً من غير حُلُم ثم يصوم» (١٠١) . مسألة: لو أسلم المرتد - عاد إلى الإسلامٍ بعد أن تركه -، فهل يقضي صياماً تَرَكه حال رِدَّته؟ نعم، لو أسلم المرتدُّ وجب عليه قضاء ما فاته، لأن الرِّدَّة لا يَسقط بها وجوبُ العبادات عنه، فقد التزم هذه العبادات حال الإسلام، فيستمر وجوبها عليه حال رِدَّته، والله أعلم. مسألة: ما حكم الرِّدَّة بعد نية الصوم؟ حصول الرِّدَّة - والعياذ بالله - بعد نية الصوم يُبطِل الصومَ بلا خلاف.

стр. 72

٧ - الصوم الواجب (المفروض) : هذا الصوم لا يسع المؤمن الجهل بأحكامه، وذلك لوقوع الإثم على من لم يلتزم به. وقد مرّ أنه من حيث كيفية الأداء هو على قسمين اثنين، وهاك تفصيلاً لذلك: أ - ما يجب في أدائه التتابع (عدم انقطاع) ، وهو: - ... صوم رمضان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، ومعلوم أن الشهر لا يكون َإلا متتابعاً قي أيامه فيكون صومه متتابعاً بالضرورة. - ... صوم بعض الكفَّارات، وهي: كفَّارة القتل الخطأ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٢] . - ... وكذلك كفَّارة الظِّهار - والظِّهار: قول الرجل لامرأته أنتِ عليَّ كظَهْر أمي! يريد بذلك تحريمَها - قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ

стр. 73

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤] . - ... ويشترط التتابع أيضاً في صوم كفَّارة الجماع عمداً في نهار رمضان، وهي المسمّاة (الكفَّارة الكبرى) . قال أبو هريرة ﵁: بينما نحن جلوس عند النبيِّ ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: «ما لَكَ؟» ، قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبةً تعتقها؟» ، قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» ، قال: لا، فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟» ، قال: لا. قال: «فمكث النبيُّ ﷺ » . فبينا نحن على ذلك، أُتِِيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيها تمر، [والعَرَق المِكتَلُ] (١٠٢) ، قال ﷺ : «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذها فتصدَّق به» فقال الرجل: أعَلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها [لابتي المدينة: يريد الحرّتين] ، أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي. فضحك النبيُّ ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أَطْعِمْه أهلَك» (١٠٣) .

стр. 74

- ... كما يُشترط التتابع في أداء الصوم الواجب، لمن نذر أو حلف أن يصوم أياماً بعينها، كالعشر الأولى من شهر رجب مثلاً، أو صوم شهر شعبان، ونحو ذلك، فإنه يتعين عليه التتابع لتعيينه الوقت، فلا يَصْدُق على العشر الأولى إلا إذا تتابعت، وإلا لم تكن أولى، ولا يَصْدُُق على شهر إلا إذا تتابع. ب- ما لا يجب في أدائه التتابع (يجوز تفريق أداء صيامه) : من الصوم الواجب، ما يكون صاحبه بالخِيار: إن شاء فرّق، وإن شاء تابع، ومن ذلك: - صوم قضاء رمضان. فلو أفطر مسلم في رمضانَ أياماً لعذرٍ كمرض أو سفر، فعليه المبادرة إلى إسقاط الفرض، ويستحب له أن يتابع في القضاء، ولكن هذا التتابع لا يشترط، لقوله تعالى: [البَقَرَة: ١٨٤] ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، فقد

стр. 75

ذكر تعالى صوم القضاء لرمضان، بصيغة ُ ٨ ِ، وهي نَكِرة مُنَوَّنة، فتعمّ لتشمل أي يوم آخر من غير أيام شهر الصيام، - ويستثنى من ذلك ما يحرم صومه من أيامٍ، وقد ذُكِر بيانه آنفًا - كما أن الله تعالى قد ذكر الصوم هنا مطلقاً عن التتابع، لذا، فإنه لا يجب فيه التتابع. - صوم المتعة في الحج. فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأتى بأعمالها، حتى إذا فرغ من أداء عمرته تحلل منها، ثم أحرم بعدها بالحج من مكة في تلك السنة: سُمِّي حاجًّا متمتعاً، وهذا الحاجُّ - بسبب تمتُّعِه بالتحلُّل من العمرة قبل إحرامه بالحج -، قد أوجب الله عليه الهَدْي، وهو: ما يُهدى إلى البيت ويُفرَّق لحمُه على مساكين الحرم، من بدَنَة (١٠٤) ، أو بقرة، أو شاة، فإن عجز عن الهَدْيَة (سوق الهَدْي) إلى البيت، وجب عليه الصيام عشراً كاملةً من ذي الحجة، والأفضل صوم

стр. 76

الأيام الثلاثة في أيام الحج قبل يوم النحر (١٠ ذي الحجة) ، على أن يكون يوم عرفة (٩ ذي الحجة) مفطراً، فإن لم يدرك الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فإن له أن يصوم أيام التشريق، وهي (١١-١٢-١٣ ذي الحجة) ، ثم يصوم السبعة المتبقية عند فراغه من الحج وعودته إلى أهله ووطنه. قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمْوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦] . - صوم ثلاثة أيام فديةً لحلقٍ أو تقصير في حجٍّ أو عمرة. والمقصود: وجوب الفدية - على التخيير - بين صيام ثلاثة أيام ولو مُتفرِّقات، أو التصدُّقِ على ستة مساكين، أو ذبحِ شاةٍ أو أعلى منها، وتجب تلك الفدية على من كان به مرض يحوجه إلى الحلق أو

стр. 77

التقصير، فتحلَّل التحلُّل الأول في الحج، أو تحلَّل من عمرته، وذلك قبل أن يبلغ زمانَ ذبح الهدي، وهو يوم النحر للحاج (١٠ ذي الحجة) ، ويوم يبلغ الهديُ الحرمَ للمعتمر، هذا إن لم يكن الحاجُّ أو المعتمر مُحصَراً - أي: منعه عدو من وصولٍ إلى الحرم -، فإن كان مُحصَراً فمَحِلُّ ذَبْحِه حيث أُحصِر. فائدة: من حلق أو قصَّر لغير عذر، فهو أولى بالكفَّارة من المريض، وكذلك من استمتع بغير الحلق كالطيب والدهن لعذر، أو لغيره. - صوم جزاء الصيد. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ

стр. 78

فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ *﴾ [المَائدة: ٩٥] . تأمل - أخي القارئ - كيف ذكر الله تعالى الصوم في هذه الآية مطلقاً عن شرط التتابع. هذا، وقد اتفق الفقهاء - جزاهم الله خيراً - على أنه يَحرُم التعرُّضُ لصيدٍ في الحرم، سواء في ذلك من أحرم بنُسُك (من حجٍّ أو عمرة) ومن لم يُحرم، فلا يُقتل الصيد مطلقًا في الحرم، ولا يُجرح، ولا يؤذى، ولا يُستولى عليه، ولا يُنفَّر، ولا يُساعد في اصطياده بأي وجه؛ كدلالة عليه إن كان غير مرئي للصائد، أو إشارة إليه إن كان مرئياً للصائد، ولا فرق في ذلك - كما سبق - بين محرِمٍ بحج أو عمرة وبين الحلال (غير المُحرِم) ، فلو فُرِض أن تعرض مُحرِم أو حلالٌ لصيدٍ في الحرم فقتله، فقد أثم بذلك، ويجب عليه الجزاء: فيخيّر عندها - إن كان الصيد مثلياً (أي توافر مثلُه من الحيوان الإنسي) بين أمور ثلاثة: إما إخراج مثله من النَّعَم؛ ففي النعامة مثلاً بَدَنة، وفي بقرة الوحش بقرة،

стр. 79

وفي الغزال عنز، فيذبحه ويتصدق به على مساكين الحرم، وإما أن يُقوِّمه بنقد فيشتري بثمنه طعاماً يطعمه مساكين الحرم، لكل مسكين مُدٌّ (والمدّ هو وزن ملء أربع حفنات بكفَّي رجل معتدل من قمح ونحوه، أي ما يقارب ٧٠٠ سبعمائة غرام) ، أو يختار الصيام، فيصوم عن كل مُدٍّ يوماً، ويسمى هذا الصوم صوم التعديل. أما إن لم يكن الصيد مثلياً، فإن الصائد يُخيِّر عندها بين أمرين: إما تقويمه نقداً وشراء طعام بذلك ثم التصدق به لكل مسكين مُدٌّ، وإما بتعديل الأمداد أيامَ صومٍ؛ عن كل مُدٍّ يوماً. ويختصُّ المُحرِم (وهو من جاوز الميقات ملبِّياً بحج أو عمرة) ، بأنه يَحْرُم عليه التعرُّضُ لصيدٍ؛ سواء كان ذلك في الحرم، أو فيما دون المواقيت، كما يحرم عليه بيعُه وشراؤه وحَلْبُ لبنه. أما صيد البحر فإن للمُحرِم ولغيره أن يصيد صيدَ البحر وأن يتعرَّض له، وأن يشير إليه، وأن يأكل منه،

стр. 80

قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المَائدة: ٩٦] . فائدة: المعتبر في قيمة مِثْل المِثْلي: ما يكون في مكة، لا بمحل الإتلاف. والمعتبر في قيمة غير المثلي: ما يكون في محل الإتلاف، لا بمكة. ومما لا يشترط فيه التتابع كذلك صوم الأيام الثلاثة في كفارة اليمين: قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *﴾ [المَائدة: ٨٩] . قال الحافظ ابن كثير ﵀: [فهذه خصالٌ ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل

стр. 81

الحانث - الذي لم يفِ بيمينه - أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ سبحانه بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسرُ من العِتْق، فرُقيَ فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المُكلَّف على واحد من هذه الخصال الثلاث كفَّر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ ] (١٠٥) . ٨- مفسدات الصوم: لا ريب بأن هذا المبحث هو الأهم في فقه عبادة الصوم، لذا فإنه يكثر طلب المؤمنين الصائمين بيانه من أهل العلم، فيكون الشغل الشاغل لهم في شهر الصيام، وقد أحببت تأصيل ذلك، بذكر ضوابط فيه تُبَيِّن: أ) ... ما يفسد الصوم عامة. ب) ... ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط. جـ) ... ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً.

стр. 82

أ) ما يُفسِد الصوم عامة . يَفْسد الصوم - بوجه عام - إذا انتفى شرط من شروطه، سواء كان شرطَ وجوبٍ كالإسلام؛ أو شرطَ صحةٍ كالطهارة من المحيض والنفاس. وبيان ذلك أنه لو ارتد مسلم - والعياذ بالله - وهو صائم فقد بطل صومه، ويلزمه القضاء إن عاد إلى الإسلام، كذلك لو طرأ حيض أو نفاس بطل صوم الحائض أو النفساء، ثم تقضي حال الطهارة. ومما يُفسِد الصوم أيضاً حصولُ ما ينافيه كأكل أو شرب أو جماع، أو دخول شيء - مغذياً كان أم غير مغذٍ - من خارج البدن إلى جوف الصائم، بضوابط منها: أن يكون الداخل إلى الجوف من منفذ مفتوح خِلْقَةً كالفم والأنف والأذن، وأن يكون الصائم قاصداً ذاكراً لصومه مختاراً فيما يتناوله من طعام أو شراب أو دواء. ب) ما يُفسِد الصوم ويُوجِب القضاء فقط . الحالات التي يفسد بها الصوم، ويجب بها القضاء

стр. 83

فقط - دون الكفارة - عديدة لا يحسن ذكرها بتفصيل، لذا سأكتفي بالتعريف بضوابط ذلك، ثم أمثل لكل منها، بما يكفي النبيه الأريب، إن شاء الله. أولاً: تناول ما لا يؤكل عادة، سواء كان مما يُتغذى به كأكل أرز نَيْئٍ، أو ثمرة فِجَّة لا تؤكل عادة قبل نضجها كسفرجلة مثلاً، أو كان مما لا يتغذى به كشرب ما لا يُشرب من السوائل كإسبيرتو مثلاً، أو تناول دواء بطريق الفم لمرض، فصورة الإفطار في مثل هذه الأحوال قد تحققت بالابتلاع أو بإدخال شيء إلى الجوف عامداً مختاراً، فعليه في مثل ذلك القضاء دون الكفارة. ثانياً: التقصير في حفظ الصوم كمن أكل أو شرب أو جامع شاكًّا لشبهةٍ في طلوع الفجر وهو طالع، أو أفطر ظاناً الغروب والشمس باقية، ففيما ذكر آنفًا وأمثاله يجب القضاء فقط دون الكفارة. ثالثاً: قضاء (تحقيق) شهوة الفرج، ولكن بصورة غير كاملة،

стр. 84

ومن أمثلة ذلك: تعمُّد إنزال المنيِّ بلا جماع، كالاستمناء بالكف، أو بالتقبيل واللمس، أو مساحقة بين المرأتين إذا أنزلت، أو الإنزال بتكرار النظر وأمثال ذلك من حالات قضاء الوَطَر من غير جماع، أي بشكل قاصر عن الإيلاج، فإنه يفسد الصوم بذلك، وعليه القضاء فقط. جـ) ما يُفسِد الصوم ويُوجِب القضاء والكفارة معاً . يندرج تحت ذلك أمران: الأول: قضاء (تحقيق) شهوة الفرج، بصورة كاملة، أي: بجماع في نهار رمضان عامداً مختاراً، فإذا التقى الختانان، وغُيِّبت حَشَفَةٌ (وهي رأس الذَّكَر) في أحد السبيلين، أَنْزل أو لم يُنزِل، وجب القضاء والكفارة الكبرى، وهي - كما سبق تفصيله - على الترتيب: عتق رقبة، فإن لم يجد: صوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع: إطعام ستين مسكيناً. لكل مسكين مقدار مدّ (٧٠٠ غ تقريباً) مما يَطعَمه

стр. 85

أهل البلد، كقمح أو تمر أو أرزٍ، ونحو ذلك، أو يطعم كل مسكين منهم فيشبعه. مسألة: هل يَفسُد صوم المرأة أيضاً بالجماع؟ لا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع، لأنه من المُفطِّرات، فيستوي فيه الرجل والمرأة. مسألة: هل تجب على المرأة الكفارة الكبرى بالجماع؟ المختار: أن المرأة إن غُصِبت أو أُتِيت وهي نائمة، فلا كفارة عليها، وإن مَكَّنت الرجلَ منها لزمتها الكفارة (١٠٦) ، والله أعلم. مسألة: من لزمته الكفارةُ الكبرى فلم يجد رقبة يعتقها، فانتقل إلى صيام شهرين متتابعين، ثم أفطر يوماً أو أكثر فيهما، فهل يتابع الصوم، أم ينشئ صيام شهرين

стр. 86

متتابعين غير اللذَيْن شرع بصومهما؟ لقد نصّ الحديث الشريف على وجوب التتابع في الشهرين، بقوله ﷺ : «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» (١٠٧) ، لذا فإن من أفسد تتابع الصيام بانقطاع يوم أو أكثر، يُنظر؛ فإن كان الانقطاع لعذر مبيح للفطر كحيض أو مرض، فلا ينقطع التتابع بذلك، فيُكمِل عدة الشهرين ستين يوماً، أما إن كان الانقطاع لغير عذر مبيح، وكان الفطر مُتعمَّداً، فإن التتابع ينقطع به، وعليه أن يستأنف صيام شهرين كاملين آخرين، والله أعلم. مسألة: إن جامع مسلم صائم في يومين من رمضان واحد، فهل يتكرر وجوب الكفارة عليه؟ نعم، تجب عليه كفارتان، لأن كل يوم صيام هو عبادة مستقلة، فهو كيومين من رمضانين، أما لو جامع في يوم، ثم جامع في اليوم نفسه، فعليه كفارة واحدة، والله أعلم.

стр. 87

مسألة: لو أفسد صوم يوم بجماع، وكان يقضيه عن أداء رمضان، فهل يلزمه الكفارة الكبرى مرتبة، وهي (عتق رقبة، ثم صوم شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكيناً) ؟ لا يلزمه ذلك لعدم هَتْكِه حرمة شهر رمضان، إلا أنه يقضيه يوماً بيوم. أما الأمر الثاني مما يفسد الصوم ويوجب القضاءَ والكفارة معاً فهو: الأكل أو الشرب عمداً، لمن نوى الصيام ليلاً، وكان غير مُكرَه على الإفطار، ولم يطرأ عليه عذر شرعي مبيح لإفطاره، كمرض أو حيض. فليحذر المسلم كل الحذر من إفساد صومه، ونحن نرى أن بعض المسلمين ممن ابتلي - عافانا الله - بمعصية التدخين، يجترئ على نقض صومه بهذا السبب!! فيكون بذلك قد أفسد صومه وارتكب إثماً وأضرَّ بنفسه في آنٍ، والله المستعان.

стр. 88

ولا يخفى أنه قد صار من المسلَّم به - طِبًّا - ثبوت الضرر البالغ للتدخين، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١٠٨) . تنبيه: مَن تعمَّد الفِطْر في نهار رمضان بجماع، فعليه الإمساك بقية النهار فلا يأكل مثلاً بعد الجماع، لأن في ذلك مزيد انتهاك لحرمة الشهر، فيزداد بذلك إثمه، والعياذ بالله. ٩- ما لا يفسد الصومَ أصلاً: إن المتدبر لما ذكره الفقهاء - جزاهم الله خيراً - من مسائلَ لا يَفسد بها الصوم، يدرك أن ذلك منحصر بضوابط منها: أن يكون مما يُتسامح فيه مما لم يُتعمَّد، أو مما لم يمكن الاحتراز منه، أو هو مما لم يأت به نصٌّ عليه، كما لم يمكن القياس عليه، أو كان مما فيه شبهة، أو كان مشروعاً فِعْلُه في نهار رمضانَ وغيره، أو هو ليس أكلاً وشرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب،

стр. 89

والأمثلة على ما ذُكِر آنفًا عديدة، لا يمكن حصرها، أذكر منها: ١- ابتلاع الريق، حتى لو جمعه داخل فمه. ٢- ابتلاع النخامة ما لم تخرج إلى حد ظاهر الفم (مخرج الحاء المهملة) . ٣- استنشاق أو ابتلاع غبار الطريق. ٤- الأكل أو الشرب حال النسيان. ٥- الادّهان بعطر، أو الاختضاب بحِنَّاء. ٦- المضمضة والاستنشاق، ولو ابتلع البلل الذي يبقى بعد المضمضة. (لكن لو بالغ بهما فدخل الماءُ جوفَه، وهو ذاكر لصومه عالم بكراهة المبالغة أفطر، لنهيه ﷺ الصائم عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق) . ٧- ابتلاع قليلٍ مما يبقى بين الأسنان من أثر طعام بغير قصد، أو عند عجزه عن تمييزه ومجِّه.

стр. 90

٨- القيء، إذا ذرعه (أي غلبه) ، لقوله ﷺ : «من ذَرَعَهُ القيءُ، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض» (١٠٩) . وقال أبو هريرة ﵁: (إذا قاء فلا يفطر؛ إنما يُخرِج ولا يُولِج) (١١٠) . ٩- القُبلة ونحوها بدون إنزال. ١٠- الإمذاء بتكرار النظر. ١١- تكرار النظر من غير إنزال. ١٢- الإمناء أو الإمذاء عند التفكير. ١٣- الشكُّ في طلوع الفجر، فلو أكل أو شرب أو جامع شاكًّا في طلوع الفجر ودام شكُّه لم يُفطِر؛ لأن الأصل واليقين بقاءُ الليل، واليقين لا يزول بالشك. ولأنه لم يتبين له الفجر، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] . ثم إنْ تبيَّنَ له بعدُ أن الفجر قد كان طلع حالَ أكلِه أو شربه أو جماعه، أفطر وعليه القضاء، وكذلك لو أفطر يظن الشمس قد غابت،

стр. 91

وفي الواقع تبين له أنها لم تغب، فإنه يكون قد أفطر كذلك ويلزمه القضاء. ١٤- التسوُّك طوال النهار، فهو غير مُفَطِّر، إلا إذا ابتلع جزءاً من عود السواك. ولا يخفى كذلك استحباب المحافظة على خَلوف (ريح فم الصائم) ، وبخاصة عند اشتداده بعد الزوال. ١٥- الاكتحال في العين، ولو وجد طَعْمَه في حَلْقه، فالعين ليست منفذاً مفتوحاً إلى الحلق، وما يصل إلى الحلق من طعم القطرة بالعين أو الاكتحال فإنما هو بتشَرُّب المسام، لا عن طريق منفذ مفتوح. وفي حديث عائشةَ ﵂: «اكتحل رسولُ الله ﷺ وهو صائم» (١١١) . وجاء رجل إلى النبيِّ ﷺ قال: اشتكت عينيَّ، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال «نعم» (١١٢) . ١٦- شَمُّ هواءٍ تطيَّبَ بريح عطرٍ كمسك أو ورد ونحوه، وليُتنبَّه هنا إلى أن مَنْ تبخر بعود أو عنبر

стр. 92

ونحوهما، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، فوصل إلى حلقه، ذاكراً لصومه، أفطر، وذلك لإمكان التحرز من إدخال ذلك، ولأن جوهر الدخان وصل إلى الجوف، والله أعلم. ١٧- الحِجامة: وهي استخراج الدم المُحقَّن من الجسم مصًّا أو شرطاً، وهي غير مُفطِّرة للحاجم ولا للمحجوم، لكنها تكره فقط (١١٣) . ١٨- اغتسال الصائم، فهو غير مُفطِّر، ولا يُكره، ولو كان للتبرُّد. فعن عائشةَ وأمِّ سلمةَ ﵄: «كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر، وهو جُنُب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» (١١٤) . ١٩- ... التقطير في الإحليل عند الذَّكَر، أي: في مسلك البول، فهو غير مُفطِّر، سواء وصل إلى المثانة أم لم يصل. أما التقطير في فَرْج المرأة، والاحتقان بمائع أو بجامد في الدُّبُر، كل ذلك مُفطِّر، والله أعلم.

стр. 93

٢٠- ... دخول الغبار ونحوه حلقَ الصائم، - ولو كان ذاكراً لصومه - ليس مُفطِّرًا، وذلك لعدم قدرته على التحرُّز منه. أخي القارئ الكريم! هذه مسائل عشرون جمعتها مما لا يُفسِد الصوم (١١٥) ، مكتفياً بها، فليس القصد هنا استقصاء جميع ما ليس مُفطِّراً، وإنك تلحظ في جميعها - كما سبق الإشارة إليه -: أن عدم التعمد، أو عدم إمكان الاحتراز، أو عدم النص مع عدم إمكان القياس، أو ما فُعِل نسياناً، هي ضوابط يفقه بها الأريب - من أمثالك - متى يفسد الصوم، ومتى لا يفسد، وفَّقك الله تعالى لمزيد التفقُّهِ في دينه. ١٠- مبيحات الإفطار وما يلحق بها (١١٦) : المقصود بمبيحات الإفطار: العوارض التي لأجلها يُرَخَّص بالفطر، وهي سبعة عوارض: (١) ... المرض. (٢) ... والسفر.

стр. 94

(٣) ... والحمل. (٤) ... والإرضاع. (٥) ... والكِبَر، (الشيخوخة) . (٦) ... الإرهاق الشديد، بجوع أو عطش. (٧) ... والإكراه. فلو جعلتَ الإرهاق الشديد بالجوع عارضاً منفصلاً، وبالعطش عارضاً آخر منفصلاً، ثم ألحقت بإرهاق الجوع والعطش خوفَ الضعف عند لقاء العدو (في الجهاد المتوقع أو المُتيقَّن) ، صارت العوارض تسعاً، وقد نظمها بعضهم بقوله: وَعَوَارِضُ الإِْفْطَارِ الَّتِي قَدْ يُغْتَفَرْ ... لِلْمَرْءِ فِيهَا الْفِطْرُ تِسْعٌ تُسْتَطَرْ حَبَلٌ وَإِرْضَاعٌ وَإِكْرَاهٌ سَفَرْ ... مَرَضٌ جِهَادٌ جُوعُهُ عَطَشٌ كِبَرْ

стр. 95

ولنشرع بعدها ببيان كلٍّ منها على حدة: (١) المرض: وهو كل علة يَخرج بها الإنسان عن حدّ الصحة. فتتغير الطبيعة في صحته إلى الفساد. وهو عارض يُباح لأجله عدم الصوم في الجملة، وذلك بإجماع أهل العلم؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] . فما ضابط المرض المبيح للفِطْر؟ يُعتبر الإنسان مريضاً يُباح له الفِطْر في ثلاثة أحوال: الأولى: إذا خاف على نفسه (غلب على ظنه) الهلاك إن صام. الثانية: إذا خاف ضرراً شديداً بصومه، كتعطيل منفعة مهمة من سمع أو بصر، ونحوهما. الثالثة: إذا تيقن زيادة المرض أو بطء البُرء منه (تأخر حصول الشفاء) بصومه، أو شق عليه الصوم -

стр. 96

حال مرضه - مشقة بالغة يصعب تحمُّلُها. ففي الحالتين الأُوليين يحرم عليه الصوم، ويجب عليه الفِطْر؛ لأن حفظ النفس والمنافع الضرورية واجب. وفي الحالة الثالثة: يباح له الفطر، بل يستحب له ذلك، ويكره له إتمام الصوم؛ لأنه قد يُفضِي إلى الهلاك، والواجب الاحتراز عن كل ما قد يوصل إليه. ومن أمثلة الحالة الثالثة - كما يرى الأطباء الثقات - الأمراض التالية: حالات السُّكَّري المتقدم، القُرْحة الشديدة المُصاحِبة لنزيف - سواء في المعدة، أو في الإثني عشر - التهاب الكُلْية الحادّ، الالتهاب الرئوي، أمراض القلب، تصلُّب الشرايين، ونحو ذلك. مسألة: هل يشترط للمريض، أن ينوي ليلاً الترخُّصَ بإفطار نهار غدٍ؟

стр. 97

لا يشترط ذلك عند جمهور الفقهاء، وذهب السادة الشافعية إلى اشتراط نية الترخص للفطر ليلاً، إن كان المرض متقطعاً، أما لو كان مستمراً مُطبِقاً، فلا يشترط الترخص - بنية الإفطار ليلاً - عندهم، والله أعلم. (٢) السفر: وهو عموماً عبارة عن خروج من بلد الإقامة، خروجاً يتكلف فيه الخارج مؤنة - أي: نفقة - ويفصله فيه بُعْدٌ في المسافة عن بلده. والسفر من العوارض المبيحة للفطر، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] . مسألة: ما هي الشروط التي ينبغي توافرها ليكون السفر مرخِّصا للفطر؟ هذه الشروط أربعة، هي: أولاً: أن يكون السفر طويلاً، بحدٍّ يُقاس على الحد

стр. 98

في تقصير الصلاة، حيث إنه لم يرد من الشارع نص في المسافة المعتبرة لقصر الصلاة، ولا للسفر المرخِّص للفطر، لكنْ ورد تنبيه عليه في قوله ﵊: «لا يَحِلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ يوم وليلة ليس معها حُرْمة» (١١٧) ، - أي: «إلا ومعها رجل ذو حُرْمة منها» ، كما عند مسلم ﵀ وهذه المسيرة قدّرها الفقهاء بمرحلتين، وهي أربعة بُرُدٍ، أو ستة عشر فرسخًا، والفرسخ مُقدَّر بما يقارب (٥٥٤٤) م، فتكون المسافة التي تعتبر سفراً مبيحاً للفطر (٨٨.٧٠٤) كلم، على وجه التقريب. ثانياً: ألاَّ ينوي المسافرُ الإقامةَ أربعة أيام بلياليها (١١٨) . ثالثاً: أن يكون سفره مباحاً (في غير معصية) ، وذلك لأن الفطر رخصة للمسافر وتخفيف عنه، فلو سافر لمعصية كقطع طريق مثلاً، أو لتجارة بخمر، فإنه

стр. 99

قد بنى سفره على معصية، فلا يستحق هذه الرخصة بسفره (١١٩) . رابعاً: أن يشرع المسلم بالسفر وأن يجاوز عمران بلد الإقامة قبل طلوع الفجر، وكذلك لو طلع الفجر وهو مسافر، فإنه يجوز له الفِطْر، حيث إنه متصف بالسفر، عند وجود سبب وجوب الصوم، وهو طلوع الفجر. مسألة: متى تنقطع الرخصة في السفر؟ تسقط الرخصة في السفر اتفاقاً بأمرين: الأول: إذا نوى المسافر الإقامة مطلقاً (الإقامة الدائمة) ، أو بلغت إقامته حد الأيام الأربعة بلياليها، أو تجاوزت ذلك، فيُتِمّ عندها الصلاة، ويصوم ولا يُفطِر. الثاني: إذا عاد المسافر إلى بلد الإقامة ليلاً أو نهاراً [بتفصيل ليس هذا مقام بسطه، لكن ينظر في مظانّه من كتب الفروع] .

стр. 100

(٣) (٤) الحَمْل والرَّضاع: إن من المقرر أن الحامل لا تحيض، وبذا لم يمتنع صومها إذا نوته، فيباح لها وللمرضع (حال خلوّها من النفاس طوال النهار) ، أن تصوما، فلو صامتا ولم تخافا ضرراً أجزأهما، فإن خافتا ضرراً جاز لهما الفطر. [وقد اتفق الفقهاء على أن الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان، إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته، أو الضرر أو الهلاك، فالولد من الحامل بمنزلة عضو منها، فالإشفاق عليه من الضرر كالإشفاق على بعض أعضائها] (١٢٠) . وهذه الرخصة قد فصّلها الفقهاء على النحو الآتي: ١- إن خافتا على أنفسهما أو على ولدَيْهما هلاكاً، أو أذى شديداً، وجب عليهما الفطر، ويحرم عليهما الصوم.

стр. 101

٢- إن خافتا على أنفسهما أو على ولديهما مرضاً أو زيادة مرض (بغلبة ظنٍّ بتجربة سابقة، أو بقول طبيب مسلم عدل بارع في مهنته) أو شق ذلك عليهما مشقة شديدة، جاز لهما الإفطار. مسألة: ما الواجب على الحامل أو المرضع إن أفطرتا؟ - قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤] . - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] . دلت هاتان الآيتان على أن المريض (ومثله الحامل والمرضع) ، ومن يطيق الصيام لكن بمشقة شديدة (والحبلى والمرضع داخلتان في عموم ذلك أيضاً) ، فيجب في حقهما القضاء والفدية، لكنْ قرر جمهور الفقهاء وجوبَ القضاء فقط عليهما إن خافتا على أنفسهما، ووجوبَ القضاء مع الفدية (إطعام مسكين

стр. 102

مداً عن كل يوم) إذا خافتا على ولديهما، فيكون القضاء عن أنفسهما، والفدية عن الولد، والله أعلم. ٥- الكِبَر (الشيخوخة أو الهرم) : لا خلاف بين الفقهاء في أن الشيخ الفاني (من أصبح كل يوم في نقص صحةٍ إلى أن يموت) ، والمرأة المُسِنَّة كذلك، لا خلاف في أنهما لا يلزمهما الصوم، لكون العارض المبيح للفطر هنا مستمراً لديهما، فهما عاجزان عن الصوم لكونه يجهدهما ويشق عليهما مشقة بالغة، فجاز لهما الفطر، وتلزمهما الفدية: إطعام مسكين عن كل يوم يفطرانه، لكنهما لا تقضيان. - قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤] ، وفي تفسير هذه الآية قال عبد الله بن عباس ﵄: (الآية ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كلِّ يوم مسكيناً) (١٢١) .

стр. 103

٦- الإرهاق الشديد بجوع أو عطش: لا شك بأن الخوف على النفس من الهلاك - بسبب شدة جوع أو عطش - هو في معنى المرض، بل هو أولى منه بإباحة الفطر، لذلك فهو ملحق بحكم المريض، لأن حفظ النفس من الضرورات الخمس التي أوجب الشرع المحافظة عليها، فإن غلب على ظن الصائم تحقُّقُ الهلاك بصومه، ولَحِقَتْه بذلك مشقة بالغة كأنْ كان من أرباب المهن الشاقة، كالعامل في منجم، أو الحصَّاد والخبَّاز ونحوهم، جاز لهؤلاء وأمثالهم الفطر، وعليهم القضاء (١٢٢) . * ويلحق بما ذُكِر آنفًا: الخوف من الضعف - بالجوع الشديد أو العطش - عند لقاء العدو. فإن المجاهد في سبيل الله إن علم يقيناً أو بغلبة ظنٍّ أنه يلقى عدوًا وأن الصيام مُضعِف له عن قتاله وحاجز له عن إيقاع النكاية به، فله الفطر قبل النِّزال (المعركة) - حتى لو كان مقيماً غير مسافر - فإن له أن يتقوى

стр. 104

باعتدالٍ بالطعام والشراب على لقاء العدو، ثم يقضي ذلك بعد انقضاء الحرب، لأن الحاجة داعية إلى الفطر، والله أعلم (١٢٣) . ٧- الإكراه: ويُقصد به حَمْل الغير على فعل ما لا يرضاه أو على ترك ما يرضاه، بتوعُّده بأذىً ونحوه إن لم يمتثل. فلو فُرض أن صائماً أكره على الفطر بتهديد بالقتل إن لم يفعل، فهو مرخَّص له - في هذه الحال - أن يفطر، كذلك لو أُوْجِرَ (صُبَّ) الماءُ في حَلْقه مكرهاً، أو نائماً، فإنه لا يفطر بذلك، ولا يقضي. - قال النبيُّ ﷺ : «إن الله عفا لي عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١٢٤) . ١١- مندوبات الصوم إن ما يعنينا في هذا المقام - فضلاً عن تبيان مُستحبّات الصوم - هو تلمُّس الحكمة البالغة التي

стр. 105

لأجلها شرع الصيام، وتشرفت بالعمل به الأمم جميعاً؛ إنها تحصيل تقوى الله تعالى، وزجُّ النفس البشرية في اختبار تهذيب، وميدان صبر، ومحطة ثبات، وتجربة ملموسة لمعرفة معنى الحق، والتجرد عن الهوى، وتحقق منزلة العبودية، ليستحيل العبد بعدها قادراً على التحكم بدفة عواطفه وميوله، فيرى الكرامة الإنسانية لديه قد تجلّت في أبهى حُلّة، فلا تمر به لحظة - وهو صائم - إلا وصورة المحتاج ماثلة أمام ناظرَيْه قابعة في شغاف قلبه، فيهرع بعدها إلى التكافل معه طواعية وعبودية لله تعالى، هذا هو مسلك التقوى الحق، واقرأ - متدبراً إن شئت - قولَ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] . ولنأت بعد ما تقدم إلى بيان ما يُرجى تحقق التقوى به من مستحبات الصيام، وهي عشرة:

стр. 106

١- ... كفّ الجوارح عن المحرّمات: والمقصود بالجوارح جنود القلب؛ من لسان وعين وأذن ويد ورجل، فإن المعاصي أول ما تتعلق بالقلب فإن أُشرِبها وأحبّها ظهرت آثار ذلك معاصي ظاهرة على باقي الجوارح. فإنْ أحب العبدُ اللغوَ لغا، وإن استمرأ الكذب كَذَب، وإن راقَتْه غِيبةٌ اغتاب، وخلافه صحيح: إن أبغض القلبُ جميعَ ذلك كفّ اللسانُ عن غيبة ونميمة ولغو ومراء، ثم لازم السكوتَ واشتغل بمحابّ الله ومراضيه من ذِكْر وتلاوة وقول سديد وصدق لهجة، بل إن الصائم يبلغ به الحِلْم في قوله كلَّ مبلغٍ، فيغلب لسانُ حاله لسانَ مقاله، فلا يقابل الإساءة بمثلها، بل يترفع عن ذلك ذاكراً صيامه، قال رسول الله ﷺ : «الصيام جُنّة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، مرتين» (١٢٥) ، وقُلْ مثلَ ذلك في باقي الجوارح، فالصائم غاضٌّ من بصره غير ناظر إلى

стр. 107

ما يُذم ويُكره فضلاً عما يَحْرم، متوجه إلى النظر بآيات الله في كتابه وآياته في عجائب خلقه، وكذا سمعه متنزه عن سماع غيبة أو كذب أو فحش في كلام، وهو مقبل على سماع الخير من تلاوة ودرس علم، وموعظةٍ تذكّرُ الآخرةَ، ومثل ذلك امتثال اليد والرجل، بل وسائر الجوارح. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠-٧١] ، انظر كيف ترتب صلاح العمل على سداد القول! وقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ... ﴾ [المَائدة: ٤٢] ، وانظر كيف سوى سبحانه بين كثرة الاستماع للكذب وبين المبالغة في أكل المال الحرام! وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ... ﴾ [النُّور: ٣٠] ، تدبَّر كيف كان غضُّ البصر سبباً لحفظ الفرج، وكان ذلك أدعى لتزكية النفس والسموِّ بها!

стр. 108

وقال ﵊: «من لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (١٢٦) ، تأمل كيف انتفى الداعي إلى تجشُّم مشقةِ الصيام، بمجرد النطق بقولٍ فيه زور، أو القيام بعملٍ سلب حقاً أو أثبت باطلاً! ٢- ... المبالغة في الجُود: ففي رمضانَ يُندب المسارعة إلى وجوه الإنفاق، ومواساة البائسين، ومواصلة ذوي الأرحام، والتوسعة على العيال، فقد «كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآنَ، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الريح المرسَلَة» (١٢٧) . ونحن نشهد في عصرنا إقبالَ كثيرٍ من الموسرين على جعل حَوْل زكاة أموالهم في رمضان، بل والإكثار من التصدق فيه، وفي ذلك إحياء لسُنَّة المصطفى ﷺ ، فليستكثر الصائمون من الخير، فإن في ذلك علامة

стр. 109

قبول العبادة ومضاعفة الأجور، لقوله ﷺ : «كل عمل ابن آدم يُضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» (١٢٨) . ٣- ... تفطير الصائمين: ولو على تمرة أو جرعة ماء؛ لقول رسول الله ﷺ : «من فَطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا يَنْقُصُ من أجر الصائم شيئاً» (١٢٩) . ٤- ... السَّحور: وهو سُنَّة خاصة بهذه الأمة في صيامها، وهو يتحقق ولو بجرعة ماء، وابتداء وقته من انتصاف الليل (١٣٠) . قال رسول الله ﷺ : «تسحّروا، فإن في السَّحور بركةً» (١٣١) . وقال ﵊: «فَصْل ما بين صيامنا وصيام أهل

стр. 110

الكتاب: أَكْلة السَّحَر» (١٣٢) . وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «السُّحور أكلةٌ بركةٌ، فلا تَدَعوه، ولو أن يجرع أحدُكم جَرْعةً من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المُتسحِّرين» (١٣٣) . ٥- ... تأخير السحور: إلى قريب انفجار الفجر، فإن خشي المتسحِّر طلوع الفجر الثاني، فالأَوْلى له ترك السحور. قال ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (١٣٤) ، وقال ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما عجَّلوا الإفطار وأخَّروا السُّحور» (١٣٥) . وقال زيدُ بن ثابتٍ ﵁: (تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس بن مالك لزيد ﵄: كم كان قَدْر ما بينهما؟ قال: خمسين آية) (١٣٦) . وقال ﵊: «إن بلالاً يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أم مكتوم» (١٣٧) ، قال (١٣٨) : (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) ، وقال سهل بن سعد ﵁:
следующие страницы →