← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 368–407 · переход к 373.

стр. 368

عن ابن عباس، وأبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " وعنده: قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسيرَ، ثم يدعونها حتى تموتَ، ولا يقطعون الودجَ، فنهى عن ذلك (١). وروى عبدُ الرزاق في " كتابه " (٢) عن محمد بن راشدٍ، عن الوضين بنِ عطاء، قال: إنَّ جزَّاراً فتح باباً على شاةٍ ليذبحها فانفلتت منه حتَّى جاءت النَّبيَّ ﷺ ، فاتبعها، فأخذ يَسْحَبُها برجلها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «اصبري لأمرِ الله، وأنتَ يا جزَّارُ فسُقْها إلى الموتِ سَوقاً رفيقاً». وبإسناده عن ابن سيرين: أنَّ عُمَرَ رأى رجلاً يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت (٣) قوداً جميلاً (٤). وروى محمدُ بنُ زيادٍ: أنَّ ابن عمر رأى قصَّاباً يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقاً جميلاً، فأخرج القصابُ شفرة، فقال: ما أسوقها سوقا جميلاً وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقاً جميلاً (٥). وفي " مسند الإمام أحمد " (٦) عن معاوية بنِ قُرة، عن أبيه: أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «والشاة إنْ رحمتها رَحِمَكَ الله».

стр. 369

وقال مطرف بنُ عبد الله: إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور (١). وقال نوفٌ البكالي: إنَّ رجلاً ذبح عِجَّوْلاً (٢) له بين يدي أمه، فخُبِّلَ، فبينما هو تحتَ شجرة فيها وكْرٌ فيه فَرْخٌ، فوقع الفرخُ إلى الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فردَّ الله إليه قوَّته (٣). وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها، وهو عام في بني آدم وغيرهم (٤). وفي " سنن أبي داود " (٥): أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الفَرَعِ، فقال: «هو حَقٌّ وإنْ تتركوه حتّى يكونَ بكراً ابنَ مخاض، أو ابنَ لَبُون، فتُعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خيرٌ من أنْ تَذْبَحَهُ فيلصقَ لحمُه بوبره، وتُكفئ إناءك وتُولِّه ناقتك». والمعنى: أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه (٦).

стр. 370

الحديث الثامن عشر: عَنْ أَبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ ﵄: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه التِّرمِذيُّ وقال: حَديثٌ حَسنٌ، وفي بعضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحيحٌ. هذا الحديث خرَّجه الترمذي (١) (٢) من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذرٍّ، وخرَّجه أيضاً بهذا الإسناد عن ميمون، عن معاذ (٣)، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنَّه قال: حديثُ أبي ذرٍّ أصحُّ (٤). فهذا الحديثُ قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن حبيب (٥)، عن ميمون: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وصَّى بذلك، مرسلاً، ورجَّحَ الدارقطني هذا المرسل (٦). وقد حسَّن الترمذي هذا الحديثَ، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه (٧)،

стр. 371

فبعيد، ولكن الحاكم خرَّجه، وقال: صحيح على شرطِ الشيخين (١)، وهو وهم مِن وجهين: أحدُهما: أنَّ ميمونَ بنَ أبي شبيب، ويقال: ابنُ شبيب لم يخرج له البخاري في " صحيحه " شيئاً، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثاً عن المغيرة بن شعبة (٢). والثاني: أنَّ ميمون بن أبي شبيب لم يصحَّ سماعه من أحدٍ من الصحابة، قال الفلاس (٣): ليس في شيء من رواياته عن الصحابة: «سمعتُ»، ولم أخبر أنَّ أحداً يزعم أنَّه سمع من أصحاب النَّبيِّ ﷺ (٤). وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذرٍّ وعائشة غير متصلة (٥). وقال أبو داود: لم يدرك عائشة (٦)، ولم يَرَ علياً (٧)، وحينئذٍ فلم يُدرك معاذاً بطريق الأولى. ورأْيُ البخاري وشيخِه عليّ بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أنَّ الحديثَ لا يَتَّصِلُ إلا بصحة اللقيِّ، وكلامُ الإمام أحمد يدلُّ على ذلك، ونصَّ عليه الشافعي في " الرسالة " (٨) وهذا كُلُّه خلاف رأي مسلم ﵀ (٩). وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه وصَّى بهذه الوصية معاذاً وأبا ذرٍّ من وجوهٍ أخَر، فخرّج

стр. 372

البزارُ (١) من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثه إلى قوم، فقال: يا رسول الله أوصني، فقال (٢): «أفش السَّلام، وابذل الطعام، واستحي من الله استحياء رجل ذا هيئةٍ من أهلك، وإذا أسأتَ فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت». وخرّج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بنِ عمرو بن العاص: أنَّ معاذَ ابن جبل أراد سفراً، فقال: يا رسولَ الله أوصني، قال: «اعبد الله، ولا تشرك به شيئاً» قال: يا رسول الله زِدني، قال: «إذا أسأتَ فأحسنْ»، قال: يا رسول الله زدني، قال: «استقم ولْتُحْسِنْ خلقك» (٣). وخرّج الإمامُ أحمدُ (٤) من حديث درَّاج، عن أبي الهيثم (٥)، عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «أُوصيك بتقوى الله في سِرِّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً وإنْ سقط سوطُك، ولا تَقبضْ أمانةً، ولا تقضِ بين اثنين». وخرَّج أيضاً من حديث آخر عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسول الله علِّمني عملاً يقرِّبني من الجنة ويُباعدني من النار، قال: «إذا عملتَ سيئةً، فاعْمَلْ حسَنَةً، فإنَّها عشرُ أمثالها» قال: قلتُ: يا رسول الله، أمِنَ الحسناتِ لا إله إلاَّ الله؟ قال: «هي أحسنُ الحسناتِ» (٦). وخرّج ابن عبد البرّ في " التمهيد " (٧) بإسناد فيه نظر عن أنسٍ قال: بعث النَّبيُّ ﷺ

стр. 373

معاذاً إلى اليمن، فقال: «يا معاذ اتَّق الله، وخالِقِ النَّاس بخُلُقٍ حَسَنٍ، وإذا عملتَ سيئةً، فأَتْبِعْهَا حسنةً» فقال: قلتُ: يا رسولَ الله لا إله إلا الله مِن الحسنات؟ قالَ: «هي من أكبرِ الحسناتِ». وقد رويت وصية النَّبيِّ ﷺ لمعاذ من حديثِ ابنِ عمر وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف. ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ: ما أَكْثَرُ (١) ما يُدخِلُ الناسَ الجنة؟ قالَ: «تقوى الله وحسنُ الخُلُقِ» خرَّجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وابن حبان في " صحيحه " (٢). فهذه الوصية وصيةٌ عظيمةٌ جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإنَّ حقَّ الله على عباده أنْ يتقوه حقَّ تقاته، والتقوى وصيةُ الله للأوّلين والآخرين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ (٣). وأصلُ التّقوى (٤): أنْ يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أنْ يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه. وتارة تُضافُ التقوى إلى اسم اللهِ (٥)، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧)، فإذا أضيفت التقوى إليه ، فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٩)، فهو سبحانه أهل أنْ يُخشى ويُهاب ويُجلَّ ويُعَظَّمَ في صدورِ عباده حتَّى يعبدوه ويُطيعوه، لما يستحقُّه من

стр. 374

الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمة وقوَّةِ البطش، وشِدَّةِ البأس. وفي الترمذي (١) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ في هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: «قال الله تعالى: أنا أهل أنْ أُتَّقى، فمن اتَّقاني فلم يَجْعَل معي إلهاً آخر، فأنا أهْلٌ أنْ أغفِرَ له». وتارةً تُضافُ التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه، كالنار، أو إلى زمانه، كيوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٥)، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا﴾ (٦). ويدخل في التقوى الكاملة فعلُ الواجبات، وتركُ المحرمات والشبهات، وربما دَخَلَ فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وتركُ المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى (٧)، قال الله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٩).

стр. 375

قال مُعاذُ بنُ جبل: يُنادى (١) يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرحمان لا يحتجِبُ منهم ولا يستترُ، قالوا له: مَنِ المتَّقون؟ قال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثان، وأخلصوا للهِ بالعبادة (٢). وقال ابنُ عباس: المتَّقون الذين يَحْذَرون من الله عقوبتَه في ترك ما يعرفون من الهدى، ويَرجون رحمَته في التصديق بما جاء به (٣). وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افْتُرِض عليهم (٤). وقال عُمَر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله، وأداءُ ما افترضَ الله، فمن رُزِقَ بعد ذلك خيراً، فهو خيرٌ (٥) إلى خير (٦). وقال طلقُ بنُ حبيب: التقوى أنْ تعملَ بطاعةِ الله، على نورٍ من الله، ترجو ثوابَ الله، وأنْ تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من الله تخافُ عقابَ الله (٧). وعن أبي الدرداء قال: تمامُ التقوى أنْ يتقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرَّةٍ، حتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ خشيةَ أنْ يكون حراماً يكون حجاباً بينه وبينَ الحرام (٨)، فإنَّ الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٩)، فلا تحقرن شيئاً من الخير أنْ تفعله، ولا شيئاً من الشرِّ أنْ تتقيه. وقال الحسنُ: ما زالت التقوى بالمتقين حتَّى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام (١٠).

стр. 376

وقال الثوري: إنَّما سُمُّوا متقينَ؛ لأنَّهم اتقوا ما لا يُتقى (١). وقال موسى بنُ أَعْيَن: المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أنْ يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين. وقد سبق حديثُ: «لا يَبلغُ العبدُ أنْ يكونَ من المتقين حتَّى يدعَ ما لا بأس به حذراً مما به بأس» (٢). وحديث: «من اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لِدينه وعِرْضِه» (٣). وقال ميمونُ بنُ مِهران: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه (٤). وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٥)، قال: أنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. وخرَّجه الحاكم مرفوعاً والموقوف أصحّ (٦)، وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات. ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. وقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتناب المحرَّمات كما قال أبو هريرةَ وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذتَ طريقاً ذا شوكٍ؟ قالَ: نعم، قالَ: فكيف صنعتَ؟ قال: إذا رأيت الشوكَ عدلْتُ عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى (٧).

стр. 377

وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال: خلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها … وكَبِيرَها فَهْوَ التُّقَى واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ … ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً … إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى وأصلُ التقوى: أنْ يعلم العبدُ ما يُتَّقى ثم يتقي، قال عونُ بنُ عبد الله: تمامُ التقوى أنْ تبتغي علمَ ما لم يُعلم منها إلى ما عُلِمَ منها (١). وذكر معروفٌ الكرخيُّ (٢) عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقياً من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثُمَّ قالَ معروفٌ: إذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي أكلتَ الربا، وإذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي لقيتكَ امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تُحسن تتقي وضعتَ سيفك على عاتقك، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ لمحمد بن مسلمة: «إذا رأيتَ أُمَّتِي قد اختلفَتْ، فاعمد إلى سيفِكَ فاضْرِبْ به أُحُداً (٣)» (٤)، ثُمَّ قالَ معروف: ومجلسي هذا لعله كانَ ينبغي لنا أنْ نتَّقِيَهُ، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أنْ نتقيه، أليس جاء في الحديث: «إنَّه فتنة للمتبوع مذلة للتابع؟» (٥) يعني: مشيُ الناس خلف الرجل (٦).

стр. 378

وفي الجملة، فالتقوى: هي وصيةُ الله لجميع خلقه، ووصيةُ رسول الله ﷺ لأمته، وكان ﷺ إذا بَعَثَ أميراً على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً (١). ولما خطبَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوداع يومَ النحر وصَّى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم (٢). ولما وَعَظَ الناسَ، وقالوا له: كأنَّها موعِظَةُ مودِّع فأوصنا، قال: «أُوصيكم بتقوى اللهِ والسَّمْعِ والطَّاعة» (٣). وفي حديث أبي ذرٍّ الطويل الذي خرَّجه ابنُ حبان وغيره: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: «أوصيكَ بتقوى الله، فإنَّه رأسُ الأمرِ كله» (٤). وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنَّه رأسُ كُلِّ شيء، وعليكَ بالجهاد، فإنَّه رهبانيةُ الإسلام» (٥)،

стр. 379

وخرَّجه غيرُه ولفظه: قال: «علَيكَ بتقوى الله فإنَّها جِماع كُلِّ خيرٍ». وفي الترمذي (١) عن يزيد بن سلمة: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني سمعتُ منك حديثاً كثيراً فأخافُ أنْ ينسيني أوَّلَه آخرُه، فحدثني بكلمة تكون جماعاً، قال: «اتَّق الله فيما تَعْلَمُ». ولم يزل السَّلفُ الصالح يتَواصَوْنَ بها، وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: أما بعد، فإني أُوصيكم بتقوى الله، وأنْ تُثنوا عليه بما هو أهلُه، وأنْ تَخلِطُوا الرغبةَ بالرهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة، فإنَّ الله أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢) (٣). ولمَّا حضرته الوفاةُ، وعهد إلى عمر، دعاه، فوصَّاهُ بوصيةٍ، وأوَّلُ ما قالَ له: اتَّقِ الله يا عمر (٤). وكتب عُمَرُ إلى ابنه عبد الله: أما بعدُ، فإني أُوصيك بتقوى الله ، فإنَّه من اتقاه وقاه، ومَنْ أقرضه جزاه، ومَنْ شكره زاده، فاجعل التقوى نصبَ عينيك وجلاء قلبك. واستعمل عليُّ بن أبي طالب رجلاً على سَريَّة، فقال له: أُوصيك بتقوى الله الذي لابُدَّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونَه، وهو يَملِكُ الدنيا والآخرة (٥). وكتب عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى رجلٍ: أُوصيك بتقوى الله التي لا يقبلُ

стр. 380

غَيرَها، ولا يَرْحَمُ إلاَّ أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإنَّ الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإيَّاك من المتقين (١). ولما وُلِّي خطب، فحَمِد الله، وأثنى عليه، وقال: أُوصيكُم بتقوى الله ، فإنَّ تقوى الله خَلفٌ من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى الله خَلَفٌ (٢). وقال رجل ليونس بن عُبيد: أوصني، فقال: أُوصيك بتقوى الله والإحسّان، فإنَّ الله مَعَ الذين اتَّقَوا والَّذينَ هُمْ مُحسِنُون. وقال له رجل يُريدُ الحجَّ: أوصني، فقال له: اتَّقِ الله، فمن اتقى الله، فلا وحشة عليه. وقيل لرجل (٣) من التابعين عندَ موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورةِ النحل: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٤). وكتب رجلٌ من السَّلف إلى أخٍ له: أوصيكَ بتقوى الله، فإنّها أكرم ما أسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننا الله وإيَّاكَ عليها، وأوجب لنا ولك ثوابَها. وكتب رجلٌ منهم إلى أخٍ له: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقوى، فإنَّها خيرُ زادِ الآخِرَةِ والأُولى، واجعلها إلى كلِّ خيرٍ سبيلَك، ومِن كلِّ شرٍّ مهرَبك، فقد توكل الله لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون. وقال شعبة: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجةٌ، فقال أوصيك بما أوصى به النَّبيُّ ﷺ معاذَ بنَ جبل: «اتَّقِ الله حيثُما كُنتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئة الحَسَنة تَمحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ» (٥). وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كان يقولُ في دعائه: «اللَّهُمَّ إني أسألُك الهُدى والتُّقى والعِفَّةَ والغِنَى» (٦).

стр. 381

وقال أبو ذرٍّ: قرأ رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (١)، ثم قال: «يا أبا ذرٍّ لو أنَّ النَّاسَ كُلَّهم (٢) أخذوا بها لَكَفَتهم» (٣). فقوله ﷺ : «اتَّق الله حيثما كُنت» مراده في السرِّ والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «أُوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته (٤)» (٥)، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه: «أسألك خشيتَك في الغَيبِ والشَّهادة» (٦) وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات. وقد سبق من حديث أبي الطفيل، عن معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك» (٧) وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره، وسرِّه وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ، وإلى هذا المعنى

стр. 382

الإشارةُ في القرآن بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١). كان بعضُ السَّلف يقولُ لأصحابه: زهَّدنا الله وإيَّاكم في الحرام زهد مَنْ قَدَرَ عليه في الخلوة، فَعَلِم أنَّ الله يراه، فتركه من خشيته، أو كما قال (٢). وقال الشافعي: أعزُّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قِلَّة، والورعُ في خَلوة، وكلمةُ الحقِّ عند من يُرجى ويُخاف. وكتب ابنُ السَّماك الواعظ إلى أخٍ له: أما بعدُ، أُوصيكَ بتقوى الله الذي هو نَجِيُّكَ في سريرتك ورقيبُك في علانيتك، فاجعلِ الله من بالك على كُلِّ حالك في ليلك ونهارك، وخفِ الله بقدر قُربه منك، وقُدرته عليك، واعلم أنَّك بعينه ليس تَخرُجُ من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى مُلك غيره، فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلُكَ والسلام (٣). وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم تَرَونَ أني أراكم (٤) فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ وكان وهيبُ بن الورد يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك (٥)، وقال له رجل: عِظني، فقال: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك (٦). وكان بعضُ السَّلف يقول: أتراك ترحم مَنْ لم تقرَّ عينيه بمعصيتك حتَّى علم أنْ لا عين تراه غيرك؟ وقال بعضُهم: ابنَ آدم إنْ كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك مِن عينٍ ناظرةٍ إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صَفَتْ لك معصيتُهُ، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحدُ رجلين: إنْ كنت ظننتَ أنَّه لا يراك، فقد كفرتَ، وإنْ كنت

стр. 383

علمتَ أنَّه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه لقد اجترأت عليه (١). دخل بعضُهم غَيضةً (٢) ذات شجر، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصيةٍ مَنْ كان يراني؟ فسمع هاتفاً بصوت ملأ الغَيْضَةَ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) (٤). راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟ رأى محمد بن المنكدر رجلاً واقفاً مع امرأة يُكلمها فقال: إنَّ الله يراكما سترنا الله وإياكما. قال الحارثُ المحاسبي: المراقبةُ علمُ القلب بقرب الربِّ (٥). وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ: إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً … ولا أنَّ ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ (٦) وكان ابنُ السَّماك ينشد: يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي … والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ … وستْرُهُ طولَ مَساوِيكَا والمقصود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما وصَّى معاذاً بتقوى الله سِرَّاً وعلانيةً، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك وهو أنْ يستحييَ من الله كما يستحيي من رجلٍ ذي هيبةٍ من قومه. ومعنى ذلك: أنْ يستشعِرَ دائماً بقلبه قُرْبَ الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه.

стр. 384

وقد امتثل معاذٌ ما وصَّاه به النَّبيُّ ﷺ ، وكان عمر قد بعثه على عَمَلٍ، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأتُه، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يُضيق عليَّ، ويمنعني من أخذ شيءٍ، وإنَّما أراد معاذ ربَّه ، فظنت امرأتُه أنَّ عُمَر بعث معه رقيباً، فقامت تشكوه إلى النَّاس. ومن صار له هذا المقام حالاً دائماً أو غالباً، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنَّهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحِشَ إلا اللممَ. وفي الجملة فتقوى الله في السرِّ هو علامةُ كمالِ الإيمانِ، وله تأثيرٌ عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: «ما أَسَرَّ عبدٌ سَريرةً إلا ألبسه الله رِدَاءها علانيةً إنْ خيراً فخيرٌ، وإنْ شراً فشرٌّ» (١) رُوي هذا مرفوعاً، ورُوي عن ابن مسعودٍ من قوله. وقال أبو الدرداء: لِيَتَّقِ أحدُكم أنْ تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين (٢). قال سليمانُ التيميُّ: إنَّ الرجل لَيُصيب الذنبَ في السرِّ فيصبح وعليه مذلتُه (٣)، وقال غيره (٤): إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله، ثم يجيءُ إلى إخوانه، فيرون أَثَرَ ذلك عليه، وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة (٥)، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله (٦)، فإنَّه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله، عاد حامده من النَّاس له ذاماً.

стр. 385

قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد. ومِنْ أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيبٌ أبو محمد تاجراً يَكْرِي الدراهمَ، فمرَّ ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكِلُ الربا، فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ، أفشيت سرِّي إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كُلَّه، وقال: يا ربِّ إنِّي أسيرٌ، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فاعتقني، فلما أصبح، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ في العبادة، ثم مرَّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض (١): اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد، فبكى وقال: يا ربّ أنتَ تذمّ مرَّةً وتحمد مرَّةً، وكله من عندك. قوله ﷺ : «وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها» لما كان العبدُ مأموراً بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنَّه لابُدَّ أنْ يقع منه أحياناً تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أنْ يفعل (٢) ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة، قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣). وفي " الصحيحين " (٤) عن ابنِ مسعود: أنَّ رجلاً أصاب من امرأة قُبلَةً، ثم أتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فسكت النَّبيُّ ﷺ حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: «بل للناس عامة». وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصَّى به النَّبيُّ ﷺ في هذه الوصية في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ

стр. 386

وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١). فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسّان إليهم بالإنفاق، وكظمِ الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وهذا هو غايةُ حسن الخلق الذي وصى به النَّبيُّ ﷺ لمعاذ، ثم وصفهم بأنَّهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يُصرُّوا عليها، فدلَّ على أنَّ المتقين قد يَقَعُ منهم أحياناً كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنَّهم لا يُصرُّون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، ويستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة: هي تركُ الإصرار على الذنبِ (٢). ومعنى قوله: ﴿ذَكَروا الله﴾ أي: ذكروا عظمته وشِدَّة بطشه وانتقامِه، وما توعد به على المعصية من العقابِ، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال والاستغفارَ وتركَ الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٣). وفي " الصحيحين " (٤) عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أَذْنَبَ عبدٌ ذنباً، فقال: رَبِّ إنِّي عملتُ ذنباً فاغْفِر لي فقال الله: عَلِمَ عبدي أنَّ له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي، ثم أذنب ذنباً آخر - إلى أنْ قال في الرابعة: - فليعمل ما شاء» يعني: ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنباً استغفر منه. وفي الترمذي (٥) من حديث أبي بكر الصِّديق ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما أصرَّ من استَغْفَر ولو عادَ في اليومَ سَبْعِينَ مرَّة».

стр. 387

وخرَّج الحاكم (١) من حديث عُقبة بنِ عامر: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله أحدُنا يُذنب، قال: «يُكتب عليه»، قال: ثم يستغفرُ منه، قال : «يغفر له، ويُتاب عليه»، قال: فيعود فيذنب، قال: «يكتب عليه»، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: «يغفر له، ويتاب عليه، ولا يَمَلُّ الله حتَّى تملُّوا». وخرَّج الطبراني (٢) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عائشة ﵂ قالت: جاء حبيبُ بنُ الحارث إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنِّي رجل مِقْرافٌ للذنوب، قال: «فتب إلى اللهِ »، قال: أتوبُ، ثم أعودُ، قال: «فكلما أذنبتَ، فتُبْ»، قال: يا رسول الله إذاً تكثرُ ذنوبي، قال: «فعفو الله أكثرُ من ذنوبك يا حبيب بن الحارث». وخرَّجه بمعناه من حديث أنس مرفوعاً (٣) بإسناد ضعيفٍ. وبإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عَمِلَها، فوَجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله، لم يحبسها شيءٌ حتى يمحاها. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عليٍّ قال: خيارُكم كُلُّ مُفَتَّنٍ توَّاب، قيل: فإنْ عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإنْ عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإنْ عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب (٤)، قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. وخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعاً: «التائبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنبَ لَهُ» (٥). وقيل للحسن (٦): ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه، ثم يعود، ثم

стр. 388

يستغفر، ثم يعود، فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار. وروي عنه أنَّه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين (١)، يعني: أنَّ المؤمن كلما أذنب تاب، وقد رُوي «المؤمن مُفَتَّنٌ توَّاب» (٢). وروي من حديث جابر بإسنادٍ ضعيفٍ مرفوعاً: «المؤمن واهٍ راقعٌ فسعيدٌ من هلك على رقعه» (٣). وقال عمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: من أحسن منكم فليَحْمَدِ الله، ومن أساء فليستغفر الله وليتب (٤)، فإنَّه لابُدَّ لأقوامٍ من أنْ يعملوا أعمالاً وظَّفها الله في رقابهم، وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى عنه أنَّه قال: أيُّها الناسُ مَنْ ألمَّ بذنبٍ فليستغفرِ الله وليتب، فإنْ عاد فليستغفر الله وليتب، فإنْ عادَ فليستغفر الله وليتب، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال، وإنَّ الهلاك كُلَّ الهلاك في الإصرار عليها (٥). ومعنى هذا أنَّ العبدَ لا بُدَّ أنْ يفعل ما قُدِّرَ عليه من الذنوب كما قال النَّبيُّ ﷺ : «كُتِبَ على ابنِ آدم حَظُّهُ من الزنى، فهو مُدركٌ ذلك لا محالةَ» (٦). ولكنَّ الله جعل للعبد مخرجاً مما وقع فيه من الذنوب (٧) بالتوبة والاستغفار، فإنْ فعل، فقد تخلص من شرِّ الذنب، وإنْ أصرَّ على الذنب، هلك. وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ارحَمُوا تُرْحَموا، واغْفِروا يُغْفَرْ لكُم، وَيلٌ لأقْماعِ القولِ، وَيلٌ للمُصِرِّين الذين يُصرون على ما فعلوا وهُمْ يَعْلَمون» (٨)

стр. 389

وفسر أقماعُ القول بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه (١) خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع. وقوله ﷺ : «أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنة» قد يُراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث مرسَلٍ (٢) خرَّجه ابنُ أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جُبيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «يا معاذ اتَّقِ الله ما استطعتَ، واعمل بقوَّتِكَ لله ما أطقت، واذكرِ الله عند كلِّ شجرةٍ وحجر، وإن أحدثت ذنباً، فأحدث عنده توبة، إنْ سرَّاً فسر، وإنْ علانيةً فعلانية» (٣). وخرَّجه أبو نعيم (٤) بمعناه من وجهٍ آخرَ ضعيف عن معاذ. وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنة في سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانية، فأحسن حسنةً في علانية، لكي تكونَ هذه بهذه. وهذا يحتمِلُ أنَّه أراد بالحسنة التوبة أو أعمَّ منها. وقد أخبر الله في كتابه أنَّ من تاب من ذنبه، فإنَّه يُغفر له ذنبه أو يتاب عليه في مواضع كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦)، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٨)، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ (٩)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا

стр. 390

اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (١). الآيتين. قال عبدُ الرازق: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: بلغني أنَّ إبليسَ حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، بكى (٢). ويُروى عن ابن مسعودٍ قال: هذه الآية (٣) خيرٌ لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها (٤). وقال ابنُ سيرين: أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله لو كانت (٥) كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيل، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللهمَّ لا نبغيها - ثلاثاً - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبةً على بابه وكفارَتها، فإنْ كفَّرها كانت خزياً في الدنيا، وإنْ لم يكفِّرها كانت له خزياً في الآخرة، فما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٦) (٧). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٨)، قال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة والكفارة (٩). وظاهر هذه النصوص تدلُّ على أنَّ من تاب إلى الله توبةً نصوحاً، واجتمعت شروطُ التوبة في حقه، فإنَّه يُقطع بقبولِ الله توبته، كما يُقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلاماً صحيحاً، وهذا قولُ الجمهور، وكلامُ ابن عبدِ البرِّ يدلُّ على أنَّه إجماع (١٠).

стр. 391

ومِنَ الناسِ مَنْ قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبُها تحت المشيئة وإنْ تاب (١)، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ (٢) فجعل الذنوبَ كُلَّها تحت مشيئته، وربما استدلَّ بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣)، وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٦). والظاهر أنَّ هذا في حقِّ التائبِ؛ لأنَّ الاعترافَ يقتضي الندم، وفي حديث عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تابَ تاب الله عليه» (٧)، والصحيح قولُ الأكثرين. وهذه الآيات لا تدلُّ على عدم القطع، فإنَّ الكريمَ إذا أطمع، لم يقطع من رجائه المطمع، ومِنْ هنا قال ابنُ عباس: إنَّ «عسى» من الله واجبة (٨)، نقله عنه عليُّ بن أبي طلحة. وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ : «عسى» أيضاً، ولم يدلَّ ذلك على أنَّه غيرُ مقطوع به، كما في قوله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٩). وأما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٠)، فإنَّ التائب ممن شاء أنْ يغفرَ له، كما أخبر بذلك في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه.

стр. 392

وقد يُراد بالحسنة في قول النَّبيِّ ﷺ : «أتبع السَّيِّئة الحسنة» ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، وقد رُوي من حديث معاذ أنَّ الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النَّبيُّ ﷺ أنْ يتوضَّأ ويُصلِّي (٢). وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وابنُ ماجه (٧) من حديث أبي بكر الصدِّيق ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذنِبُ ذنباً، ثمَّ يقومُ فيتطهَّر، ثمَّ يُصلِّي، ثمَّ يستغفر الله إلاَّ غَفَرَ الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٨). وفي " الصحيحين " (٩) عن عثمانَ: أنَّه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: «مَنْ توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه». وفي " مسند الإمام أحمد " (١٠) عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ قام فصلَّى ركعتين أو أربعاً يُحسِنُ فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثمَّ استغفرَ الله غُفِرَ له».

стр. 393

وفي " الصحيحين " (١) عن أنس قال: كُنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فجاء رجل، فقال: يا رسولَ الله إني أصبتُ حداً، فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلى مع النَّبيِّ ﷺ ، فلما قضى النَّبيُّ ﷺ الصلاةَ قام إليه الرجلُ فقال: يا رسول الله إنِّي أصبت حداً، فأقم فيَّ كتاب الله، قال: «أليس قد صلَّيت معنا؟» قال: نعم، قال: «فإنَّ الله قد غَفَرَ لك ذنبك - أو قال: - حدَّك»، وخرَّجه مسلم (٢) بمعناه من حديث أبي أمامة، وخرَّجه ابنُ جرير الطبري (٣) من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: «فإنَّك مِنْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك فلا تَعُدْ»، وأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤). وفي " الصحيحين " (٥) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أرأيتُم لو أنَّ نهراً ببابِ أحدكم يَغْتَسِلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مَثَلُ الصَّلواتِ الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا». وفي " صحيح (٦) مسلم " (٧) عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من تَوضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ، خرجت خطاياه من جسده حتى تَخرجَ من تحت أظفاره». وفيه (٨) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال (٩): «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدَّرجات؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله، قالَ: «إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكَثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصَّلاة، فذلكُم الرباطُ، فذلكُمُ الرباط». وفي " الصحيحين " (١٠)

стр. 394

عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَنْ قَام لَيلةَ القدرِ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه (١)». وفيهما (٢) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ حَجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُثْ، ولم يَفسُقْ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّهُ». وفي " صحيح مسلم " (٣) عن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الإسلام يَهدِمُ ما كان قبله، وإنَّ الهِجرةَ تَهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يَهدِمُ ما كانَ قبله». وفيه (٤) من حديث أبي قتادة، عن النَّبيِّ ﷺ قال في صوم عاشوراء: «أحتسبُ على الله أنْ يُكفِّر السنة التي قبله»، وقال في صوم يوم عرفة : «أحتسِبُ على اللهِ أنْ يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده». وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث عُقبة بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ، ثم يعمل الحسناتِ، كمثل رجلٍ كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عَمِلَ حسنة فانفكت حلقة، ثم عَمِلَ حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض» (٥). ومما يُكفِّرُ الخطايا ذكرُ الله ، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن قول: «لا إله إلاَّ الله» أمِنَ الحسنات هي؟ قالَ: «هي أحسن الحسنات». وفي " الصحيحين " (٦)

стр. 395

عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من قال: سبحان اللهِ وبحمده في يومه مئة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإنْ كانت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ». وفيهما (١) عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ قالَ: لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرَّة، كانت له عِدْل عشرِ رقابٍ، وكتبت له مئةُ حسنةٍ، ومُحيت عنه مئةُ سيئة، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ مِنْ ذلك». وفي " المسند " وكتاب ابن ماجه عن أمِّ هانئ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنباً، ولا يسبقها عمل» (٢). وخرَّج الترمذيُّ (٣) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه مرَّ بشجرةٍ يابسة الورق، فضربها بعصاه، فتناثر الوَرَقُ، فقال: «إنَّ الحمدَ للهِ، وسبحان الله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر لتساقط من ذنوبِ العبد كما يتساقط ورقُ هذه الشجرة». وخرَّجه الإمام أحمد (٤) بإسنادٍ صحيح عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال : «إنَّ سبحانَ اللهِ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تَنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشَّجرةُ ورقَها». والأحاديث في هذا كثيرة جداً يطولُ الكتاب بذكرها. وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أنَّ لسانه لا يفتر من ذكر الله، قال: إنَّ ذلك لَعَوْنٌ حَسَنٌ.

стр. 396

وسُئِلَ الإمام أحمد عن رجلٍ اكتسب مالاً من شبهةٍ: صلاتُه وتسبيحُهُ يَحُطُّ عنه شيئاً من ذلك؟ فقالَ: إنْ صلَّى وسبَّح يريد به ذَلِكَ، فأرجو، قالَ الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئة يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ الورقَ اليابسَ. وقال عطاء: من جلس مجلساً من مجالس الذِّكر، كَفَّر به عشرة مجالس من مجالس الباطل (٢). وقال شويس العدوي (٣) - وكان من قدماء التابعين - إنَّ صاحبَ اليمين أمير - أو قال: أمين - على صاحب الشمال، فإذا عَمِلَ ابنُ آدم سيئة، فأراد صاحبُ الشمال أنْ يكتبها، قال له صاحبُ اليمين: لا تَعْجَلْ لعلَّه يعمل حسنة، فإنْ عَمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشَّيطانُ: يا وَيلَه من يدرك تضعيف ابن آدم (٤). وخرَّج الطبراني (٥) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي مالك الأشعري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا نام ابنُ آدمَ، قال الملك للشيطان: أعطني صحيفَتك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهنَّ حسناتٍ، فإذا أراد أنْ ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، فتلك مئة» وهذا غريبٌ منكر. وروى وكيع (٦): حدَّثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبدُ الله، يعني: ابنَ مسعود: وددتُ أني صُولحت على أنْ أعمل كُلَّ

стр. 397

يوم (١) تسع خطيئات وحسنة (٢). وهذا إشارة منه إلى أنَّ الحسنة يُمحى بها التسع خطيئات، ويَفضُلُ له ضعفٌ واحدٌ من ثواب الحسنة، فيكتفي به، والله أعلم. وقد اختلفَ الناسُ في مسألتين: إحداهما: هل تُكفِّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصغائرَ أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تُكفر سوى الصغائر (٣)، وقد رُوي هذا عن عطاء وغيره من السَّلف في الوضوء أنَّه يُكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسيُّ في الوضوء: إنَّه يكفر الجراحات الصِّغار، والمشي إلى المسجد يُكفر أكبرَ من ذلك، والصلاة تكفر أكبرَ من ذلك. خرَّجه محمد بن نصر المروزي (٤). وأما الكبائر، فلابدَّ لها من التوبة؛ لأنَّ الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالماً، واتفقت الأمةُ على أنَّ التوبة فرض، والفرائضُ لا تُؤدى إلا بنيةٍ وقصدٍ، ولو كانت الكبائرُ تقع مكفرةً بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يُحْتَجْ إلى التوبة، وهذا باطلٌ بالإجماع. وأيضا فلو كُفِّرَت الكبائرُ بفعل الفرائض لم يبق لأحدٍ ذنبٌ يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قولَ المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البرِّ في كتابه " التمهيد " (٥) وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدلَّ عليه بأحاديث: منها: قولُ النَّبيِّ ﷺ : «الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضان مُكفِّراتٌ لما بَينَهُنَّ ما اجتُنِبت الكبائرُ» وهو مخرَّج في " الصحيحين " (٦)

стр. 398

من حديث أبي هريرة، وهذا يدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفرها هذه الفرائضُ. وقد حكى ابنُ عطية في " تفسيره " في معنى هذا الحديث قولين: أحدُهما - وحكاه عن جمهور أهل السُّنة -: أنَّ اجتنابَ الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإنْ لم تُجتنب، لم تُكفر هذه الفرائض شيئاً بالكلية. والثاني: أنَّها تُكفر الصغائر مطلقاً، ولا تُكفر الكبائر وإنْ وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدمِ الإصرار عليها، ورجَّحَ هذا القول، وحكاه عن الحذاق (١). وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدمِ الإصرار عليها، مرادُه أنَّه إذا أصرَّ عليها، صارت كبيرةً، فلم تكفرها الأعمالُ. والقولُ الأوَّلُ الذي حكاه غريب، مع أنَّه قد حُكِيَ عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثلُه. وفي " صحيح مسلم " (٢) عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَا مِن امرئ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِنُ وضوءها وخُشوعَها ورُكوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدهر كُلَّه». وفي " مسند الإمام أحمد " (٣) عن سلمان، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يتطهَّرُ الرجلُ -يعني: يوم الجمعة- فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فَيُنْصِتَ حتى يقضيَ الإمامُ صلاته، إلا كان كفَّارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت الكبائر المقتلة». وخرَّج النسائي، وابنُ حبان (٤)، والحاكمُ من حديث أبي سعيدٍ وأبي هُريرة، عن

стр. 399

النَّبيِّ ﷺ قال: «والَّذي نفسي بيده ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة، ثم قيل له: ادخل بسلام» (١). وخرَّج الإمامُ أحمد والنَّسائي من حديث أبي أيوب، عن النَّبيِّ ﷺ معناه أيضاً (٢). وخرَّج الحاكم (٣) معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ . ويُروى من حديث ابن عمر مرفوعاً: «يقولُ الله : ابنَ آدمَ اذكُرني من أوَّلِ النهار ساعةً ومن آخرِ النهار ساعةً، أَغْفِر لك ما بَينَ ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها» (٤). وقال ابن مسعود: الصلواتُ الخمس كفَّاراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (٥). وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنَّهنَّ كفَّارات لهذه الجراح ما لم تُصب المقتلة (٦). قال ابنُ عمر لرجل: أتخاف النارَ أنْ تدخلها، وتحبُّ الجنَّةَ أنْ تدخلها؟ قال: نعم، قال: برَّ أمَّك فوالله لَئِنْ ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطَّعام، لتدخلن الجنَّة ما اجتنبت الموجبات (٧). وقال قتادة: إنَّما وعد الله المغفرةَ لمن اجتنب الكبائر (٨)، وذكر لنا أنَّ

стр. 400

النَّبيَّ ﷺ قال: «اجتنبوا الكبائرَ وسدِّدوا وأبشروا» (١). وذهب قومٌ من أهل الحديث وغيرهم إلى أنَّ هذه الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ، ومنهم: ابن حزم الظاهري، وإيَّاه عنى ابنُ عبد البرّ في كتاب " التمهيد " بالردِّ عليه وقال: قد كنتُ أرغبُ بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قولُ ذلك القائل، وخشيتُ أنْ يغترَّ به جاهلٌ، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتِّكالاً على أنَّها تكفِّرُها الصلواتُ دونَ الندم والاستغفار والتوبة، والله نسألُه العصمة والتوفيقَ (٢). قلتُ: وقد وقع مثلُ هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع مثلُه في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يُرجى لمن قامها أنْ يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإنْ كان مرادهم أنَّ مَنْ أتى بفرائض الإسلام وهو مُصرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائرُ قطعاً، فهذا باطلٌ قطعاً، يُعْلَمُ بالضرورة من الدِّين بطلانه، وقد سبق قولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأوَّلِ والآخر» (٣) يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهرُ من أنْ يحتاجَ إلى بيانٍ، وإنْ أرادَ هذا القائلُ أنَّ من ترك الإصرارَ على الكبائرِ، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندمٍ على ما سلف منه، كُفِّرَت ذنوبه كلُّها بذلك، واستدلَّ بظاهر قوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٤). وقال: السيئات (٥) تشملُ الكبائرَ والصغائر، فكما أنَّ الصغائرَ تُكفَّرُ باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيَّةٍ، فكذلك الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلك بأنَّ الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السَّيِّئات،

стр. 401

وهذا مذكورٌ في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتَّقين، فإنَّه فعل الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ، واجتنابُ الكبائر لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكن أنْ يُقال في الجملة. والصَّحيح قول الجمهور: إنَّ الكبائر لا تُكفَّرُ بدون التوبة؛ لأنَّ التوبة فرضٌ على العباد، وقد قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم (٢)، ومنهم من فسَّرها بالعزم على أنْ لا يعود (٣)، وقد روي ذلك مرفوعاً من وجه فيه ضعفٌ (٤)، لكن لا يعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومَنْ بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، والحسن وغيرهما. وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (٧)، فإنَّه لم يُبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمَنْ لم يتب، فهو ظالم، غيرُ متّقٍ.

стр. 402

وقد بين في سورة آل عمران خصالَ التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنَّة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفيرَ السيئات ومغفرة الذنوب إلاَّ لمن كان على هذه الصفة، والله أعلم. ومما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبَادةَ بنِ الصامت، قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ فقال: «بايعوني على أنْ لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولاتزنوا»، وقرأ عليهم الآية «فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعُوقِبَ به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له» خرَّجاه في " الصحيحين " (١)، وفي روايةٍ لمسلم: «من أتى منكم حداً فأقيم عليه فهو كفارته» (٢). وهذا يدلُّ على أنَّ الحدود كفارات. قال الشافعيُّ: لم أسمع في هذا البابِ - أنَّ الحد يكونُ كفَّارةً لأهله - شيئاً أحسنَ مِنْ حديث عُبادةَ ابن الصامت (٣). وقوله: «فعوقب به» يعمُّ العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدَّرةُ أو غير المقدَّرة، كالتعزيزات، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب والأسقام والآلام، فإنَّه صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يصيبُ المسلمَ نصبٌ ولا وَصَبٌ (٤) ولا هَمٌّ ولا حزن حتَّى الشَّوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه» (٥). ورُوي عن عليٍّ أنَّ

стр. 403

الحدَّ كفَّارةٌ لمن أقيم عليه (١)، وذكر ابنُ جرير الطبري في هذه المسألة اختلافاً بين الناس، ورجَّحَ أنَّ إقامة الحدِّ بمجرَّده كفارة، ووهَّن القول بخلاف ذلك جداً (٢). قلت: وقد رُوي عن سعيد بن المسيب وصفوانَ بنِ سليم أنَّ إقامة الحدِّ ليس بكفَّارة، ولابدَّ معه من التَّوبة، ورجَّحه طائفة من المتأخِّرين، منهم: البغويُّ (٣)، وأبو عبد الله بن تيمية في " تفسيريهما "، وهو قولُ ابنِ حزم الظاهري (٤)، والأوّل قولُ مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد. وأما حديث أبي هريرة المرفوع: «لا أدري: الحدودُ طهارةٌ لأهلها أم لا؟» فقد خرَّجه الحاكم وغيره (٥)، وأعلَّه البخاري، وقال: لا يثبت، وإنَّما هوَ من مراسيل الزهريِّ، وهي ضعيفةٌ، وغلط عبد الرزاق فوصله، قالَ: وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ الحدود كفارة (٦). ومما يستدلُّ به من قال: الحدّ ليس بكفارة قولُه تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٧) وظاهره أنَّه تجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويُجابُ عنه بأنَّه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة (٨)، ولا يلزم اجتماعهما، وأما

стр. 404

استثناء «من تاب» فإنَّما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإنَّ عقوبة الآخرة تسقط بالتوبةِ قبل القُدرة وبعدها. وقوله ﷺ : «ومن أصابَ شيئاً مِنْ ذلك، فستره الله عليه، فهو إلى الله إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له» (١) صريحٌ في أنَّ هذه الكبائر من لقي الله بها كانت جتحتَ مشيئتِهِ، وهذا يدلُّ على أنَّ إقامةَ الفرائضِ لا تكفِّرها ولا تمحوها، فإنَّ عموم المسلمين يُحافظون على الفرائض، لاسيما مَنْ بايعهُم النَّبيُّ ﷺ ، وخرج مِنْ ذلك مَنْ لقي الله وقد تاب منها بالنُّصوص الدَّالَّةِ من الكتاب والسنة (٢) على أنَّ من تابَ إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقى مَنْ لم يتُبْ داخلاً تحت المشيئة. وأيضاً، فيدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفِّرُها الأعمالُ: إنَّ الله لم يجعلْ للكبائر في الدُّنيا كفَّارةً واجبةً، وإنَّما جعلَ الكفارةَ للصغائر ككفَّارةِ وطءِ المُظاهِرِ، ووطءِ المرأة في الحيض على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمامُ أحمد وغيرُه (٣)، وكفارة من ترك شيئاً من واجبات الحج، أو ارتكاب بعضَ محظوراته، وهي أربعةُ أجناس: هديٌ، وعِتقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمدِ عندَ جمهور العلماءِ (٤)، ولا في اليمين الغموس أيضاً عند أكثرهم، وإنَّما يؤمرُ القاتلُ بعتق رقبة استحباباً، كما في حديث واثلة بن الأسقع: أنَّهم جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ في صاحبٍ لهم قد أوجب، فقال: «اعتِقُوا عنه رقبةً يعتقه الله بها مِن النار» (٥). ومعنى أوجب: عَمِلَ عملاً يجب له به النارُ، ويقال: إنَّه كان قتل قتيلاً. وفي " صحيح مسلم " (٦) عن ابنِ

стр. 405

عمر: أنَّه ضربَ عبداً له، فأعتقه وقال: ليس لي فيه مِنَ الأجر مثل هذا - وأخذ عوداً من الأرض - إني سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ لَطَمَ مملوكَه، أو ضربه، فإنَّ كفَّارتَه أنْ يَعتِقَهُ». فإنْ قيل: فالمجامِعُ في رمضان يُؤمَرُ بالكفَّارةِ، والفطرُ في رمضان مِنَ الكبائرِ، قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا يجب عندَ الأكثرين على كلِّ مفطر في رمضان عمداً، وإنَّما هي لِهَتْكِ حُرمةِ نهار (١) رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطراً فطراً لا يجوزُ له في نهار رمضان، ثمَّ جامع، للزمته الكفارةُ عند الإمام أحمد لما ذكرنا (٢). وممَّا يدلُّ على أنَّ تكفيرَ الواجبات مختصٌّ بالصَّغائر ما خرَّجه البخاري عن حُذيفة، قال: بَيْنا نحن جلوسٌ عند عمرَ، إذ قال: أيُّكم يحفظُ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال: قلتُ: «فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده وجارِه يُكَفِّرُها الصلاةُ والصدقةُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر» قال: ليس عن هذا أسألك. وخرَّجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعَه، وفي رواية للبخاري أنَّ حذيفة قال: سمعتُه يقول: «فتنة الرجل» فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي روايةٍ لمسلم أنَّ هذا من كلام عمر (٣). وأما قولُ النَّبيِّ ﷺ للذي قال له: أصبتُ حدَّاً، فأقمه عليَّ، فتركه حتى صلى، ثم قال له: «إنَّ الله غفر لك حَدَّك» (٤)، فليس صريحاً في أنَّ المراد به شيءٌ مِنَ الكبائر؛ لأنَّ حدود الله محارمه كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه﴾ (٥) وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ (٦)،

стр. 406

وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). وفي حديث النواس بن سمعان (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم الذي على جنبتيه سُوران، قال: «والسورانِ حُدودُ الله». وقد سبق ذكره بتمامه. فكلُّ من أصاب شيئاً من محارم الله، فقد أصابَ حدودَه، وركبها، وتعدَّاها. وعلى تقدير أنْ يكونَ الحدُّ الذي أصابه كبيرةً، فهذا الرجل جاء نادماً تائباً، وأسلم نفسه إلى إقامةِ الحدِّ عليه، والنَّدمُ توبة، والتوبةُ تُكفِّرُ الكبائرَ بغير تردُّدٍ، وقد رُوي ما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر تكفرُ ببعض الأعمال الصالحة، فخرَّجَ الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديث ابن عمر: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قالَ: «هل لك مِنْ أمٍّ؟» قالَ: لا، قالَ: «فهل لك من خالةٍ؟» قال: نعم، قال: «فبِرَّها»، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال: على شرط الشيخين (٣)، لكن خرَّجه الترمذي من وجهٍ آخر مرسلاً، وذكر أنَّ المرسلَ أصحُّ من الموصول (٤)، وكذا قال عليُّ بنُ المديني والدارقطني (٥). وروي عن عمرَ أنَّ رجلاً قال له: قتلتُ نفساً، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أنْ لا تطعَمه النارُ أبداً. وعن ابن عباس معناه أيضاً (٦). وكذلك المرأة التي عَمِلَت بالسحر بدُومَة الجندلِ، وقدمت المدينةَ تسألُ عن

стр. 407

توبتها، فوجدت النَّبيَّ ﷺ قد توفي، فقال لها أصحابُه: لو كان أبواك حَيَّيْنِ أو أحدهما كانا يكفيانك. خرَّجه الحاكم وقال: فيه إجماعُ الصحابة حِدْثَان وفاةِ الرسول ﷺ على أنَّ برَّ الأبوين يكفيانها (١). وقال مكحول والإمام أحمد: بِرُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر. وروي عن بعض السَّلف في حمل الجنائز أنَّه يَحطُّ الكبائر، وروي مرفوعاً من وجوهٍ لا تَصِحُّ. وقد صحَّ من رواية أبي بُردة أنَّ أبا موسى لما حضرته الوفاةُ قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف: كان رجلٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ أُراه سبعينَ سنة، فشبَّه الشيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها سبعةَ أيامٍ وسبعَ ليالٍ، ثم كُشِفَ عن الرجل غطاؤه، فخرج تائباً، ثمَّ ذكر أنَّه باتَ بين مساكين، فتُصُدِّقَ عليهم برغيف رغيف، فأعطوه رغيفاً، ففقده صاحبُه الذي كان يُعطاه، فلمَّا علم بذلك، أعطاه الرغيفَ وأصبح ميتاً، فوُزِنَتِ السَّبعونَ سنة بالسَّبع ليال، فرجحت الليالي، ووُزِنَ الرَّغيفُ بالسَّبع اللَّيال، فرجح الرغيف (٢). وروى ابنُ المبارك بإسناده في كتاب " البر والصلة " عن ابن مسعود، قال: عبَدَ اللهَ رجلٌ سبعين سنةً، ثم أصابَ فاحشةً، فأحبطَ الله عملَه، ثم أصابته زَمَانةٌ وأُقْعِدَ، فرأى رجلاً يتصدَّقُ على مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفاً، فتصدَّقَ به على مسكينٍ، فغفرَ الله له، وردَّ عليه عملَ سبعين سنة. وهذه كلُّها لا دِلالةَ فيها على تكفير الكبائر بمجرَّد العمل؛ لأنَّ كلَّ من ذكر فيها كان نادماً تائباً من ذنبه، وإنَّما كان سؤاله عن عملٍ صالح يتقرَّب به إلى الله بعد التوبة حتّى يمحوَ به أثَرَ الذنب بالكلية، فإنَّ الله (٣) شرط في قبول التوبة ومغفرةِ الذنوب بها العملَ الصالح، كقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦)، وفي هذا متعلَّقٌ لمن يقول: إنَّ التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير مِنَ الخائفين مِنَ السَّلف. وقال
следующие страницы →