← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 403–442 · переход к 408.

стр. 403

الحدَّ كفَّارةٌ لمن أقيم عليه (١)، وذكر ابنُ جرير الطبري في هذه المسألة اختلافاً بين الناس، ورجَّحَ أنَّ إقامة الحدِّ بمجرَّده كفارة، ووهَّن القول بخلاف ذلك جداً (٢). قلت: وقد رُوي عن سعيد بن المسيب وصفوانَ بنِ سليم أنَّ إقامة الحدِّ ليس بكفَّارة، ولابدَّ معه من التَّوبة، ورجَّحه طائفة من المتأخِّرين، منهم: البغويُّ (٣)، وأبو عبد الله بن تيمية في " تفسيريهما "، وهو قولُ ابنِ حزم الظاهري (٤)، والأوّل قولُ مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد. وأما حديث أبي هريرة المرفوع: «لا أدري: الحدودُ طهارةٌ لأهلها أم لا؟» فقد خرَّجه الحاكم وغيره (٥)، وأعلَّه البخاري، وقال: لا يثبت، وإنَّما هوَ من مراسيل الزهريِّ، وهي ضعيفةٌ، وغلط عبد الرزاق فوصله، قالَ: وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ الحدود كفارة (٦). ومما يستدلُّ به من قال: الحدّ ليس بكفارة قولُه تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٧) وظاهره أنَّه تجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويُجابُ عنه بأنَّه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة (٨)، ولا يلزم اجتماعهما، وأما

стр. 404

استثناء «من تاب» فإنَّما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإنَّ عقوبة الآخرة تسقط بالتوبةِ قبل القُدرة وبعدها. وقوله ﷺ : «ومن أصابَ شيئاً مِنْ ذلك، فستره الله عليه، فهو إلى الله إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له» (١) صريحٌ في أنَّ هذه الكبائر من لقي الله بها كانت جتحتَ مشيئتِهِ، وهذا يدلُّ على أنَّ إقامةَ الفرائضِ لا تكفِّرها ولا تمحوها، فإنَّ عموم المسلمين يُحافظون على الفرائض، لاسيما مَنْ بايعهُم النَّبيُّ ﷺ ، وخرج مِنْ ذلك مَنْ لقي الله وقد تاب منها بالنُّصوص الدَّالَّةِ من الكتاب والسنة (٢) على أنَّ من تابَ إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقى مَنْ لم يتُبْ داخلاً تحت المشيئة. وأيضاً، فيدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفِّرُها الأعمالُ: إنَّ الله لم يجعلْ للكبائر في الدُّنيا كفَّارةً واجبةً، وإنَّما جعلَ الكفارةَ للصغائر ككفَّارةِ وطءِ المُظاهِرِ، ووطءِ المرأة في الحيض على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمامُ أحمد وغيرُه (٣)، وكفارة من ترك شيئاً من واجبات الحج، أو ارتكاب بعضَ محظوراته، وهي أربعةُ أجناس: هديٌ، وعِتقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمدِ عندَ جمهور العلماءِ (٤)، ولا في اليمين الغموس أيضاً عند أكثرهم، وإنَّما يؤمرُ القاتلُ بعتق رقبة استحباباً، كما في حديث واثلة بن الأسقع: أنَّهم جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ في صاحبٍ لهم قد أوجب، فقال: «اعتِقُوا عنه رقبةً يعتقه الله بها مِن النار» (٥). ومعنى أوجب: عَمِلَ عملاً يجب له به النارُ، ويقال: إنَّه كان قتل قتيلاً. وفي " صحيح مسلم " (٦) عن ابنِ

стр. 405

عمر: أنَّه ضربَ عبداً له، فأعتقه وقال: ليس لي فيه مِنَ الأجر مثل هذا - وأخذ عوداً من الأرض - إني سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ لَطَمَ مملوكَه، أو ضربه، فإنَّ كفَّارتَه أنْ يَعتِقَهُ». فإنْ قيل: فالمجامِعُ في رمضان يُؤمَرُ بالكفَّارةِ، والفطرُ في رمضان مِنَ الكبائرِ، قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا يجب عندَ الأكثرين على كلِّ مفطر في رمضان عمداً، وإنَّما هي لِهَتْكِ حُرمةِ نهار (١) رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطراً فطراً لا يجوزُ له في نهار رمضان، ثمَّ جامع، للزمته الكفارةُ عند الإمام أحمد لما ذكرنا (٢). وممَّا يدلُّ على أنَّ تكفيرَ الواجبات مختصٌّ بالصَّغائر ما خرَّجه البخاري عن حُذيفة، قال: بَيْنا نحن جلوسٌ عند عمرَ، إذ قال: أيُّكم يحفظُ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال: قلتُ: «فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده وجارِه يُكَفِّرُها الصلاةُ والصدقةُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر» قال: ليس عن هذا أسألك. وخرَّجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعَه، وفي رواية للبخاري أنَّ حذيفة قال: سمعتُه يقول: «فتنة الرجل» فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي روايةٍ لمسلم أنَّ هذا من كلام عمر (٣). وأما قولُ النَّبيِّ ﷺ للذي قال له: أصبتُ حدَّاً، فأقمه عليَّ، فتركه حتى صلى، ثم قال له: «إنَّ الله غفر لك حَدَّك» (٤)، فليس صريحاً في أنَّ المراد به شيءٌ مِنَ الكبائر؛ لأنَّ حدود الله محارمه كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه﴾ (٥) وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ (٦)،

стр. 406

وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). وفي حديث النواس بن سمعان (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم الذي على جنبتيه سُوران، قال: «والسورانِ حُدودُ الله». وقد سبق ذكره بتمامه. فكلُّ من أصاب شيئاً من محارم الله، فقد أصابَ حدودَه، وركبها، وتعدَّاها. وعلى تقدير أنْ يكونَ الحدُّ الذي أصابه كبيرةً، فهذا الرجل جاء نادماً تائباً، وأسلم نفسه إلى إقامةِ الحدِّ عليه، والنَّدمُ توبة، والتوبةُ تُكفِّرُ الكبائرَ بغير تردُّدٍ، وقد رُوي ما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر تكفرُ ببعض الأعمال الصالحة، فخرَّجَ الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديث ابن عمر: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قالَ: «هل لك مِنْ أمٍّ؟» قالَ: لا، قالَ: «فهل لك من خالةٍ؟» قال: نعم، قال: «فبِرَّها»، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وقال: على شرط الشيخين (٣)، لكن خرَّجه الترمذي من وجهٍ آخر مرسلاً، وذكر أنَّ المرسلَ أصحُّ من الموصول (٤)، وكذا قال عليُّ بنُ المديني والدارقطني (٥). وروي عن عمرَ أنَّ رجلاً قال له: قتلتُ نفساً، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أنْ لا تطعَمه النارُ أبداً. وعن ابن عباس معناه أيضاً (٦). وكذلك المرأة التي عَمِلَت بالسحر بدُومَة الجندلِ، وقدمت المدينةَ تسألُ عن

стр. 407

توبتها، فوجدت النَّبيَّ ﷺ قد توفي، فقال لها أصحابُه: لو كان أبواك حَيَّيْنِ أو أحدهما كانا يكفيانك. خرَّجه الحاكم وقال: فيه إجماعُ الصحابة حِدْثَان وفاةِ الرسول ﷺ على أنَّ برَّ الأبوين يكفيانها (١). وقال مكحول والإمام أحمد: بِرُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر. وروي عن بعض السَّلف في حمل الجنائز أنَّه يَحطُّ الكبائر، وروي مرفوعاً من وجوهٍ لا تَصِحُّ. وقد صحَّ من رواية أبي بُردة أنَّ أبا موسى لما حضرته الوفاةُ قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف: كان رجلٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ أُراه سبعينَ سنة، فشبَّه الشيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها سبعةَ أيامٍ وسبعَ ليالٍ، ثم كُشِفَ عن الرجل غطاؤه، فخرج تائباً، ثمَّ ذكر أنَّه باتَ بين مساكين، فتُصُدِّقَ عليهم برغيف رغيف، فأعطوه رغيفاً، ففقده صاحبُه الذي كان يُعطاه، فلمَّا علم بذلك، أعطاه الرغيفَ وأصبح ميتاً، فوُزِنَتِ السَّبعونَ سنة بالسَّبع ليال، فرجحت الليالي، ووُزِنَ الرَّغيفُ بالسَّبع اللَّيال، فرجح الرغيف (٢). وروى ابنُ المبارك بإسناده في كتاب " البر والصلة " عن ابن مسعود، قال: عبَدَ اللهَ رجلٌ سبعين سنةً، ثم أصابَ فاحشةً، فأحبطَ الله عملَه، ثم أصابته زَمَانةٌ وأُقْعِدَ، فرأى رجلاً يتصدَّقُ على مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفاً، فتصدَّقَ به على مسكينٍ، فغفرَ الله له، وردَّ عليه عملَ سبعين سنة. وهذه كلُّها لا دِلالةَ فيها على تكفير الكبائر بمجرَّد العمل؛ لأنَّ كلَّ من ذكر فيها كان نادماً تائباً من ذنبه، وإنَّما كان سؤاله عن عملٍ صالح يتقرَّب به إلى الله بعد التوبة حتّى يمحوَ به أثَرَ الذنب بالكلية، فإنَّ الله (٣) شرط في قبول التوبة ومغفرةِ الذنوب بها العملَ الصالح، كقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦)، وفي هذا متعلَّقٌ لمن يقول: إنَّ التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير مِنَ الخائفين مِنَ السَّلف. وقال

стр. 408

بعضهم لرجلٍ: هل أذنبت ذنباً؟ قال: نعم، قال: فعلمتَ أنَّ الله كتبه عليك؟ قال: نعم، قال: فاعمل حتّى تعلمَ أنَّ الله قد محاه. ومنه قولُ ابن مسعود: إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه في أصل جبل يخاف أنْ يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبَه كذُبابٍ طار على أنفه، فقال به هكذا. خرَّجه البخاري (١). وكانوا يتَّهمُون أعمالهم وتوباتهم، ويخافون أنْ لا يكونَ قد قُبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يُوجِبُ لهم شدَّةَ الخوف، وكثرةَ الاجتهاد في الأعمال الصالحة. قال الحسن: أدركتُ أقواماً لو أنفق أحدهم ملءَ الأرض ما أمِنَ لِعظم الذنب في نفسه (٢). وقال ابنُ عون: لا تَثِقْ بكثرة العمل، فإنَّك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك، فإنَّك لا تدري كُفِّرَتْ عنك أم لا، إنَّ عملك مُغَيَّبٌ عنك كله. والأظهر - والله أعلم - في هذه المسألة - أعني: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال - أنَّه إنْ أُريدَ أنَّ الكبائر تُمحى بمجرَّد الإتيان بالفرائضِ، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تُكفَّرُ الصَّغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطلٌ. وإنْ أريدَ أنَّه قد يُوازن يومَ القيامة بين الكبائر وبينَ بعض الأعمال، فتُمحى الكبيرة بما يُقابلها من العمل، ويَسقُطُ العمل، فلا يبقى له ثوابٌ، فهذا قد يقع. وقد تقدَّم عن ابنِ عمرَ أنَّه لمَّا أعتق مملوكَه الذي ضربه، قال: ليس لي فيه مِنَ الأجر شيءٌ، حيث كان كفارةً لذنبه، ولم يكن ذنبُه مِنَ الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفراً للكبائر؟ وسبق أيضاً قولُ مَنْ قالَ مِنَ السَّلف: إنَّ السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل، فإذا كانَ هذا في الصغائر، فكيف بالكبائر؟ فإنَّ بعضَ الكبائر قد يُحبِطُ بعضَ الأعمال المنافية لها، كما يُبطل المنُّ والأذى الصدقةَ، وتُبطلُ المعاملة بالرِّبا الجهادَ كما قالت عائشة (٣).

стр. 409

وقال حذيفةُ: قذفُ المحصنة يَهْدِمُ عملَ مئة سنة، وروي عنه مرفوعاً خرَّجه البزار (١)، وكما يبطل ترك صلاة العصر العمل (٢)، فلا يستنكر أنْ يبطل ثواب العمل الذي يكفر الكبائر. وقد خرَّج البزار في "مسنده" والحاكم من حديث ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يُؤتَي بحسناتِ العبد وسيِّئاتِه يَوْمَ القيامة، فَيُقص أو يُقضى بعضُها من بعض، فإنْ بقيت له حسنةٌ، وُسِّعَ له بها في الجنة» (٣). وخرَّج ابنُ أبي حاتم من حديث ابن لَهيعة، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ دينار، عن سعيد بن جُبير في قولِ الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (٤)، قال: كان المسلمون يرون أنَّهم لا يُؤجرون على الشَّيءِ القليلِ إذا أعطوه، فيجيءُ المسكينُ، فيستقلُّون أنْ يُعطوه تمرةً وكِسرة وجَوزةً ونحو ذلك، فيردُّونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنَّما نُؤجر على ما نُعطي ونحن نحبُّه، وكان آخرون يرون أنَّهم لا يُلامون على الذَّنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنَّما وعد الله النار على الكبائر، فرغَّبهم الله في القليل من الخير أنْ يعملوه، فإنَّه

стр. 410

يُوشِكُ أنْ يَكثُرَ، وحذَّرهم اليسيرَ من الشرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أنْ يَكْثُرَ، فنَزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، يعني: وزن أصغر النمل ﴿خَيْراً يَرَه﴾ يعني: في كتابه، ويَسُرُّهُ ذلك قال: يُكتب لكلِّ برٍّ وفاجر بكلِّ سيئةٍ سيئة واحدة، وبكلِّ حسنة عشر حسنات، فإذا كان يومُ القيامة، ضاعف الله حسناتِ المؤمن أيضاً بكلِّ واحدةٍ عشراً، فيمحو عنه بكلِّ حسنةٍ عشرَ سيئات، فمن زادت حسناتُه على سيئاتِه مِثقالَ ذرَّةٍ، دخل الجنة (١). وظاهرُ هذا أنَّه تقع المقاصةُ بين الحسناتِ والسيئات، ثم تسقط الحسناتُ المقابلة للسيئات، ويُنظر إلى ما يَفضُلُ منها بعدَ المقاصة، وهذا يُوافق قولَ مَنْ قال بأنَّ من رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاته بحسنة واحدةٍ أُثيب بتلك الحسنة خاصة، وسَقَطَ باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافاً لمن قال: يُثاب بالجميع، وتسقُط سيئاتُه كأنَّها لم تكن، وهذا في الكبائر، أمَّا الصغائر، فإنَّه قد تُمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال ﷺ : «ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرَةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصلاة» (٢) فأثبت لهذه الأعمال تكفيرَ الخطايا ورَفْعَ الدَّرجات، وكذلك قولُه ﷺ : «مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير (٣) مئة مرَّةٍ، كتبَ الله له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشر رقاب» (٤)، فهذا يدلُّ على أنَّ الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابُه لِعامله مضاعفاً.

стр. 411

وكذلك سيئاتُ التائب توبةً نصوحاً تُكفَّر عنه، وتبقى له حسناتُه، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، فلمَّا وصف هؤلاء بالتَّقوى والإحسّانَ، دلَّ على أنَّهم ليسوا بمصرِّين على الذُّنوب، بل هم تائبون منها. وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يدخل فيه الكبائر؛ لأنَّها أسوأ الأعمال، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (٣) فرتَّب على التقوى المتضمنة لفعلِ الواجبات وتركِ المحرَّمات تكفيرَ السيئات وتعظيمَ الأجر، وأخبرَ الله عَنِ المؤمنين المتفكِّرين في خلق السماوات والأرض أنَّهم قالوا : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ (٤)، فأخبر أنَّه استجاب لهم ذلك، وأنَّه كفَّر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم الجنات. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخصَّ الله الذنوبَ بالمغفرة، والسيئاتِ بالتَّكفير. فقد يقال: السيئات تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها الكبائر، فالسيئاتُ تكفر؛ لأنَّ الله جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاجُ إلى مغفرة تقي صاحبَها مِنْ شرِّها والمغفرة والتكفير متقاربان، فإنَّ المغفرة قد قيل: إنَّها ستْرُ الذُّنوب، وقيل: وقاية شرِّ الذنب مع ستره، ولهذا يسمَّى (٥) ما ستر الرأسَ ووقاه في الحرب مِغْفَراً، ولا يُسمَّى كلُّ ساترٍ للرأس مغفراً، وقد أخبر الله عَنِ الملائكة أنَّهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقايةِ السيئات والتكفير مِنْ هذا الجنس؛ لأنَّ أصل الكفر السترُ والتغطيةُ أيضاً.

стр. 412

وقد فرَّق بعضُ المتأخرين بينهما بأنَّ التكفير محوُ أثر الذَّنب، حتَّى كأنَّه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر. وقد يُفسر بأنَّ مَغفرةَ الذنوبِ بالأعمَال الصالحة تَقلِبُها حسناتٍ، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط، وفيه أيضاً نظر، فإنَّه قد صحَّ أنَّ الذنوبَ المعاقَب عليها بدخول النار تُبَدَّلُ حسناتٍ فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارةً لها أولى. ويحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أنَّ المغفرة لا تحصلُ إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة؛ لأنَّها وقاية شرّ الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإنَّ المصائبَ الدنيوية كلَّها مكفراتٌ للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفوُ يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك الرَّحمة. والثاني: أنَّ الكفاراتِ من الأعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفرةِ بها، ويكون ذلك هو ثوابَها، ليس لها ثوابٌ غيرُه، والغالبُ عليها أنْ تكون من جنس مخالفة هوى النفوسِ، وتَجَشُّم المشقة فيه، كاجتنابِ الكبائر الذي جعله الله كفارةً للصغائر. وأما الأعمال التي تُغفر بها الذنوبُ، فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرةُ والثوابُ عليها، كالذكر الذي يُكتب به الحسنات، ويُمحى به السيئات، وعلى هذا الوجه فَيُفرَّقُ بين الكفارات من الأعمال وغيرها، وأما تكفيرُ الذنوب ومغفرتها إذا أُضيف ذلك إلى الله، فلا فرق بينهما، وعلى الوجه الأوَّل يكونُ بينهما فرق أيضاً. ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران: أحدهما: قولُ ابن عمر لمَّا أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه مِنْ الأجر شيء، واستدلَّ بأنَّه كفارة. والثاني: أنَّ المصائب الدنيوية كُلَّها مكفراتٌ للذنوب، وقد قال كثير مِنَ الصحابة وغيرهم مِنَ السَّلف: إنَّه لا ثواب فيها مع التكفير، وإنْ كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنامِ بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقلِ الأقدامِ إلى الصلوات (١)،

стр. 413

وقال: مَنْ فعل ذلك عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيئته كيومَ ولدته أمه. وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفعُ الدرجات، ويحصل عليها الثوابُ، لأنَّا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئانِ يُرفعُ بأحدهما الدرجات، ويُكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه يُثاب عليه، لكن إسباغَه في شدَّة البردِ من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا، فيكون كفارةً في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قُربةٌ وطاعةٌ، ويُثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به مِنَ المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة، وكذلك حبسُ النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنَزُّه، هو مِنْ هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكونُ كفارةً (١). وقد جاء في الحديث أنَّ إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفعُ له درجةً، والأخرى تحطُّ عنه خطيئة (٢). وهذا يُقوِّي ما ذكرناه، وأنَّ ما حصل به التكفيرُ غيرُ ما حصل به رفعُ الدَّرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في العمل الواحد تكفيرُ السيِّئات، ورفعُ الدرجات من جهتين، ويُوصَفُ في كلِّ حال بكلا الوصفين، فلا تنافيَ بين تسميته كفارةً وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال ﷺ

стр. 414

: «الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ مُكَفِّراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائرُ» (١)، فإنَّ في حبس النفس على المواظبة على الفرائضِ من مخالفة هواها وكَفِّهَا عما تميلُ إليه ما يُوجبُ ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادةُ في سبيل الله تكفِّرُ الذُّنوب بما يحصُل بها من الألم، وترفعُ الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيَّن بهذا أنَّ بعضَ الأعمال يجتمع فيها ما يُوجِبُ رفع الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكونُ بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذُّنوب الصَّغائر بلا ريب، وأمَّا الكبائر، فقد تُكَفَّر بالشَّهادة مع حصولِ الأجر للشَّهيد، لكن الشهيد ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا رُوي عن النَّبيِّ ﷺ من حديث فضالة بن عُبيد خرَّجه الإمام أحمد والترمذي (٢). وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دلَّ عليه الأحاديثُ الصحيحة في الذِّكر، وقد قيل: إنَّ تلك السيئات تُكتب حسنات أيضاً، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكرُه (٣)، وذكرنا أيضاً عن بعض السَّلف أنَّه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحد من أضعاف ثواب الحسنة، وتبقى له تسع حسنات (٤). والظاهر أنَّ هذا مختصٌّ بالصغائر، وأمَّا في الآخرة، فيُوازَنُ بين الحسنات والسيئات، ويقُصُّ بعضُها من بعضٍ، فمن رجحت حسناتُه على سيئاته، فقد نجا، ودخل الجنَّة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقَهم من حسناته، وبقي له حسنةٌ،

стр. 415

دخل بها الجنة. قال ابن مسعود: إنْ كان ولياً لله ففضل له مثقال ذرَّةٍ، ضاعفها الله لهُ حتَّى يدخل الجنة، وإنْ كان شقياً قال الملك: ربِّ فَنِيَتْ حسناتُه، وبقي له طالبون كثير، قال: خُذوا من سيئاتهم، فأضعِفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكاً إلى النار. خرَّجه ابن أبي حاتم وغيرُه (١). والمرادُ أنَّ تفضيلَ مثقالِ ذرَّةٍ مِنَ الحسنات إنَّما هو بفضل الله ، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته فيها، وهكذا حالُ مَنْ كانت له حسناتٌ وسيئاتٌ، وأرادَ الله رحمته، فضل له من حسناته ما يُدخِلُه به الجنةَ، وكُلُّه من فضل الله ورحمته، فإنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّةَ إلاَّ بفضل الله ورحمته (٢). وخرَّج أبو نعيم بإسنادٍ ضعيفٍ عن عليٍّ مرفوعاً: «أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل: قُل لأهل طاعتي من أُمتك: لا يَتَّكلوا على أعمالهم، فإنِّي لا أُقَاصُّ عبداً الحساب يومَ القيامة أشاءُ أنْ أُعَذِّبه إلاَّ عذبتُه، وقل لأهل معصيتي من أمتك: لا يُلقوا بأيديهم، فإني أغفرُ الذَّنب العظيمَ ولا أُبالي» (٣)، ومصداقُ هذا قولُ النَّبيِّ ﷺ في الحديث الصحيح: «مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ»، وفي رواية : «هلك» (٤)، والله أعلم. المسألة الثانية: أنَّ الصغائر هل تجبُ التَّوبةُ منها كالكبائر أم لا؟ لأنَّها تقع مكفرةً

стр. 416

باجتناب الكبائر (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٢). هذا ممَّا اختلف الناسُ فيه. فمنهم من أوجب التوبة منها، وهو قولُ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمرَ الله بالتوبةِ عَقيبَ ذكر الصغائرِ والكبائرِ، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إلى قوله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). وأمر بالتوبة من الصَّغائر بخصوصها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤). ومن النَّاس من لم يُوجب التوبة منها، وحكي عن طائفةٍ من المعتزلة، ومن المتأخرين من قال: يجبُ أحد أمرين، إمَّا التوبةُ منها، أو الإتيانُ ببعض المكفِّرات للذُّنوب من الحسنات. وحكى ابنُ عطية في " تفسيره " (٥) في تكفير الصَّغائر بامتثالِ الفرائض واجتناب الكبائر قولين: أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث -: أنَّه يُقطع بتكفيرها بذلك قطعاً، لظاهر الآية والحديث. والثاني - وحكاه عن الأصوليين -: أنَّه لا يُقطع بذلك، بل يُحمل على غلبة الظنِّ وقوَّة الرجاء، وهو في مشيئة الله ، إذ لو قطع بتكفيرها لكانتِ الصَّغائرُ في حكم المباح الذي لا تَبِعَةَ فيه، وذلك نقضٌ لِعُرى الشريعة.

стр. 417

قلت: قد يقال: لا يُقطع بتكفيرها؛ لأنَّ أحاديث التَّكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيَّدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصَّلاة، وحينئذٍ فلا يتحقَّق وجودُ حسن العملِ الذي يوجب التَّكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابنُ عطية ينبني الاختلافُ في وجوب التوبة من الصغائر. وقد خرَّج ابنُ جرير من رواية الحسن: أنَّ قوماً أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يُعْمَلُ بها، فقال لرجلٍ منهم: أقرأتَ القرآن كُلَّه؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهمَّ لا، قال: فهل أحصيتَه في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثَرِك؟ ثم تتبَّعهم حتَّى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكِلَت عمرَ أمُّه، أتكلفونه أنْ يُقيمَ على النَّاس كتاب الله؟ قد علم ربُّنا أنَّه سيكون لنا سيئات (١)، قال: وتلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٢). وبإسناده عن أنس بن مالك: أنَّه قال: لم أرَ مثلَ الذي بلغنا عن ربِّنا تعالى، ثم لم نَخْرُجْ له عن كلِّ أهلٍ ومالٍ، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلَّفنا ربنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر، فمالنا ولها، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ وخرَّجه البزار في " مسنده " مرفوعاً، والموقوف أصحُّ (٣). وقد وصف الله المحسنينَ باجتناب الكبائر قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٤). وفي تفسير اللمم قولان للسَّلف: أحدهما: أنَّه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة (٥)،

стр. 418

وعن ابن عباس: هو ما دُونَ الحدِّ من وعيد الآخرة بالنار وحدِّ الدُّنيا (١). والثاني: أنَّه الإلمامُ بشيء من الفواحش والكبائر مرَّةً واحدةً، ثم يتوبُ منه (٢)، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة، وروي عنه مرفوعاً بالشَّكِّ في رفعه، قال: اللمة من الزنى ثم يتوب فلا يعود، واللمة من شرب الخمر، ثم يتوب فلا يعود، واللمة من السرقة، ثم يتوب فلا يعود (٣). ومن فسَّر الآية بهذا قال: لابدَّ أنْ يتوبَ منه بخلاف مَنْ فسَّره بالمقدِّمات، فإنَّه لم يشترط توبة. والظاهرُ أنَّ القولين صحيحان، وأنَّ كليهما مرادٌ من الآية، وحينئذٍ فالمحسنُ: هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادراً ثم يتوبُ منها، ومن إذا أتى بصغيرةٍ كانت مغمورةً في حسناته المكفرة لها، ولابدَّ أنْ لا يكون مُصِراً عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وروي عن ابن عباس أنَّه قال: لا صَغيرة مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع الاستغفار، وروي مرفوعاً من وجوهٍ ضعيفةٍ (٥). وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلا بُدَّ للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٦).

стр. 419

فهذه الآيات تضمَّنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم مِنَ الإيمان والتوكلِ، وإقام الصَّلاةِ، والإنفاق مما رزقهمُ الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا فهم مجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيقُ التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عندَ الغضبِ، وندبهم إلى العفو والإصلاح. وأمَّا قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فليس منافياً للعفو، فإنَّ الانتصارَ يكون بإظهار القُدرة على الانتقام، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكون أتمَّ وأكملَ. قال النَّخعيُّ في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يُستذلُّوا، فإذا قَدَرُوا عَفَوا (١). وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أنْ يذلَّ نفسه، فيجترئ عليه الفُسَّاق (٢)، فالمؤمن إذا بُغِي عليه، يُظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثلُ هذا لكثيرٍ من السَّلف، منهم: قتادة وغيرُه (٣). فهذه الآياتُ تتضمن جميعَ ما ذكره النَّبيُّ ﷺ في وصيته لمعاذ، فإنَّها تضمنت أصولَ خصالِ التَّقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرَّمات ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو، ولازِمُ هذا أنَّهم إنْ وقع منهم شيءٌ من الإثم من غير الكبائر والفواحش، يكونُ مغموراً بخصالِ التَّقوى المقتضية لتكفيرها ومحوها. وأما الآياتُ التي في سورة آل عمران، فوَصَفَ فيها المتقين بالإحسّان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدمِ الإصرار على ذلك، وهذا هو الأكمل، وهو إحداثُ التوبة، والاستغفار عَقِيبَ كلِّ ذنب مِنَ الذُّنوب صغيراً كان أو كبيراً، كما رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ وصَّى بذلك معاذاً، وقد ذكرناه فيما سبق. وإنَّما بسطنا القولَ في هذا؛ لأنَّ حاجةَ الخلق إليه شديدة، وكلُّ أحد يحتاجُ إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفقُ والمعينُ. وقوله ﷺ : «أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحها» ظاهرُه أنَّ السيِّئات تُمحى بالحسنات،

стр. 420

وقد تقدَّم ذكرُ الآثار التي فيها أنَّ السيِّئة تمحى من صُحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطيَّة العَوفي (١): بلغني أنَّه من بكى على خطيئة مُحيت عنه، وكُتِبت له حسنة (٢). وعن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عَمِلَها، فوَجِلَ قلبُه منها، فاستغفر الله لم يحبسها شيءٌ حتى يمحوها عنه الرَّحمان. وقال بِشْرُ بنُ الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النَّهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ اللَّيل يمحو ذنوبَ السرِّ. وقد ذكرنا قول النَّبيِّ ﷺ : «ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» (٣) الحديث. وقالت طائفة: لا تُمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبةٍ ولا غيرها، بل لابُدَّ أنْ يُوقف عليها صاحبُها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ (٤)، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر؛ لأنَّه إنَّما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهرُ من هذا الاستدلالُ بقولِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٥)، وقد ذكر بعضُ المفسرين أنَّ هذا القول هوَ الصحيحُ عندَ المحققين، وقد روي هذا القولُ عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قالَ الحسن: في العبدُ يذنب، ثُمَّ يتوبُ ويستغفِرُ: يُغفر لهُ، ولكن لا يُمحاه من كتابه دونَ أنْ يَقِفَه عليهِ، ثُمَّ يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاءً شديداً، وقال: لو لم نَبكِ إلاَّ للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلالُ بن سعد: إنَّ الله يغفرُ الذنوبَ، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يُوقِفَهُ عليها يومَ القيامة وإنْ تاب (٦).

стр. 421

وقال أبو هريرة: يُدني الله العبدَ يومَ القيامة، فيضع عليه كَنَفَهُ، فيسترُه مِنَ الخلائق كُلِّها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابنَ آدم كتابَك، فيقرأ، فيمر بالحسنة، فيبيضُّ لها وجهُهُ، ويُسرُّ بها قَلبُه، فيقولُ الله: أتعرِفُ يا عبدي؟ فيقول: نعم، فيقول: إنِّي قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسَك وعُد في كِتابك، فيمر بالسيِّئة، فيسودُّ لها وجهه، ويَوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذه من الحياء من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُه، فيقول: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إنِّي قد غفرتُها لك، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلاَّ السُّجود حتى ينادي بعضهم بعضاً: طوبى لهذا العبد الذي لم يَعصِ الله قطُّ، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وَقَفَهُ عليه (١). وقال أبو عثمان النَّهديُّ، عن سلمان: يُعطى الرجل صحيفته يوم القيامة، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كادَ يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات (٢). ورُوي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصحُّ. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهلُ الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قيل: لم سُمُّوا أصحابَ اليمين؟ قال: لأنَّهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفاً حرفاً قالوا: يا ربَّنا هذه سيِّئاتنا فأين حسناتُنا؟ فعندَ ذلك محا الله السيِّئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ (٣) فهم أكثرُ أهل الجنة (٤). وأهلُ هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف، والله أعلم.

стр. 422

وقوله ﷺ : «وخالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسن» هذا من خصال التقوى، ولا تَتِمُّ التقوى إلا به، وإنَّما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإنَّ كثيراً من النَّاس يظنُّ أنَّ التقوى هي القيامُ بحقِّ اللهِ دونَ حقوق عباده، فنصَّ له على الأمر بإحسان العشرة للناس، فإنَّه كان قد بعثه إلى اليمن معلماً لهم ومفقهاً وقاضياً، ومَنْ كان كذلك، فإنَّه يحتاج إلى مخالقَةِ النَّاسِ بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيرُه ممن لا حاجةَ للنَّاس به ولا يُخالطهم، وكثيراً ما يغلب على من يعتني بالقيامِ بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكُلِّيَّة أو التقصير فيها، والجمعُ بَيْنَ القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جداً لا يَقوى عليه إلاَّ الكُمَّلُ مِنَ الأنبياءِ والصديقين. وقال الحارث المحاسبي: ثلاثةُ أشياء عزيزة أو معدومة: حسنُ الوجه مع الصِّيانة، وحسن الخلق مع الدِّيانة، وحُسنُ الإخاء مع الأمانة (١). وقال بعضُ السَّلف: جلس داود ﵇ خالياً، فقال الله : مالي أراك خالياً؟ قال: هجرتُ الناسَ فيك يا ربَّ العالمين، قال: يا داود ألا أدلُّك على ما تستبقي به وجوه الناس (٢)، وتبلغ فيه رضاي؟ خالق النَّاسَ بأخلاقهم، واحتجز الإيمانَ بيني وبينك (٣). وقد عدَّ الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وروى ابنُ أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري قال: بلغنا أنَّ رجلاً جاء إلى عيسى بنِ مريمَ ﵇ فقال: يا معلِّمَ الخير، كيف أكون تقياً للهِ كما ينبغي له؟

стр. 423

قالَ: بيسيرٍ من الأمر: تُحِبُّ الله بقلبك كُلِّه، وتعمل بكدحك وقوَّتك ما استطعت، وترحمُ ابن جنسك كما ترحم نفسَك، قالَ: من ابنُ جنسي يا معلِّم الخير؟ قال: ولَدُ آدم كلهم، وما لا تُحب أنْ يؤتى إليك، فلا تأته لأحدٍ وأنت تقيٌّ للهِ كما ينبغي له (١). وقد جعل النَّبيُّ ﷺ حسن الخلق من أحسن خصال الإيمانِ، كما خرَّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» (٢)، وخرَّجه محمد بن نصر المروزي، وزاد فيه: «وإنَّ المرءَ ليَكُونُ مؤمناً وإنَّ في خُلُقه شيئاً فيَنقُصُ ذلك من إيمانه» (٣). وخرَّج أحمد، وأبو داود، والنَّسائي، وابنُ ماجه، من حديث أسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أُعطي المرءُ المسلمُ؟ قال: «الخُلق الحَسَنُ» (٤). وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصلاة، ويَظُنُّ أنَّ ذلك يقطعه عن فضلهما، فخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ المؤمن ليُدرِكَ بحُسْنِ خُلُقه درجاتِ الصَّائم القائم» (٥). وأخبر أنَّ حسن الخُلق أثقلُ ما يُوضَعُ في الميزان، وإنَّ صاحبَه أحبُّ الناسِ إلى

стр. 424

الله وأقربهم من النبيين مجلساً، فخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما مِنْ شيءٍ يوضَعُ في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإنَّ صاحبَ حسن الخلق (١) ليَبلُغُ به درجةَ صاحبِ الصَّوم والصلاة» (٢). وخرَّج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عبدِ الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ألا أخبركم بأحبِّكُم إلى الله وأقربِكُم منِّي مجلساً يومَ القيامة؟» قالوا: بلى، قال: «أحسَنُكُم خُلُقاً» (٣). وقد سبق حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّة تقوى الله وحُسنُ الخلق» (٤). وخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنُ خُلُقُه»، وخرَّجه الترمذي وابنُ ماجه بمعناه من حديث أنس (٥). وقد رُوِيَ عَن السَّلف تفسيرُ حُسنِ الخُلق، فعن الحسن قال: حُسنُ الخلق: الكرمُ والبذلة والاحتمالُ. وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبِشرُ الحسن، وكان الشعبي كذلك. وعن ابن المبارك قال: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى (٦).

стр. 425

وسئل سلامُ بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد: تراهُ إذا ما جئته متهلِّلاً … كأنَّك تُعطيه الذي أنت سائِلُه ولَوْ لَم يَكُنْ في كَفِّه غيرُ رُوحِهِ … لَجَادَ بِها فَليَتَّق الله سائِلُه هُو البَحرُ مِنْ أيِّ النَّواحِي أتيتَهُ … فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ سَاحِلُه وقال الإمامُ أحمد: حُسنُ الخلق أنْ لا تَغضَبَ ولا تحْتدَّ، وعنه أنَّه قال: حُسنُ الخلق أنْ تحتملَ ما يكونُ من الناس. وقال إسحاق بن راهويه: هو بسطُ الوجهِ، وأنْ لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر. وقال بعضُ أهل العلم: حُسنُ الخلق: كظمُ الغيظِ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديباً أو إقامة حدٍّ وكفُّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكر أو أخذاً بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ (١). وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) من حديث معاذ بنِ أنس الجُهَني، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أفضلُ الفضائلِ أنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وتُعطي من حَرمك، وتصفحَ عمَّن شَتَمكَ (٣)». وخرَّج الحاكم من حديث عُقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : «يا عقبةُ، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وتُعطِي مَنْ حَرَمَك، وتَعْفُو عَمَّن ظَلَمك» (٤).

стр. 426

وخرَّج الطبراني من حديث عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ألا أدلُّك على أكرم أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخرة؟ أنْ تَصِلَ من قطعك، وتعطي من حرمك، وتَعفو عمَّن ظلمك» (١).

стр. 427

الحديث التاسع عشر عَنْ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: كُنتُ خَلفَ النَّبيِّ ﷺ فقال: «يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكُ كَلماتٍ: احفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سَأَلْت فاسألِ الله، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كَتَبَهُ الله لكَ، وإنِ اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ، لم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ الله عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنَ صَحيحٌ. وفي رواية غير التِّرمذي: «احفظ الله تجده أمامَك، تَعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ، واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وما أصابَكَ لم يَكُن ليُخطِئَكَ، واعلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ معَ العُسْرِ يُسراً». هذا الحديث خرَّجه الترمذيُّ (١) من رواية حَنَشٍ الصنعاني، عن ابنِ عباس، وخرَّجه الإمامُ أحمد (٢) من حديث حنش أيضاً مع إسنادَيْن آخرين منقطعين (٣) ولم يُميز لفظ بعضها من بعض، ولفظ حديثه: «يا غلام أو يا غليم ألا أُعَلِّمُك كلماتٍ ينفعُك الله بهنَّ؟» فقلتُ: بلى، فقالَ: «احفظِ الله يحفَظْكَ، احفظ الله تجدهُ أمامك، تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وإذا سألتَ، فاسألِ الله، وإذا استعنتَ، فاستعن بالله، قد جفَّ القلمُ بما هوَ كائن، فلو أنَّ الخلق كُلَّهم جميعاً أرادوا أنْ ينفعوك بشيءٍ لم يقضه الله، لم يَقدِرُوا عليهِ، وإنْ أرادوا أنْ يضرُّوك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيراً

стр. 428

كثيراً، وأنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرجَ مع الكربِ، وأنَّ مع العسر يسراً». وهذا اللفظُ أتمُّ من اللفظ الذي ذكره الشيخ ﵀، وعزاه إلى غير التِّرمذي، واللفظُ الذي ذكره الشيخ رواه عبدُ بنُ حُميد في " مسنده " بإسناد ضعيفٍ عن عطاء (١)، عن ابن عباس، وكذلك عزاه ابنُ الصلاح في " الأحاديث الكلية " التي هي أصلُ أربعين الشيخ ﵀ إلى عبد بنِ حُميد وغيره. وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طُرقٍ كثيرة من روايةٍ جماعةٍ منهم (٢): ابنه عليٍّ، ومولاه عكرمة (٣)، وعطاء بن أبي رباح (٤)، وعمرو بن دينار، وعُبيد الله بن عبد الله (٥)، وعمر مولى غفرة، وابن أبي مليكة (٦) وغيرهم (٧). وأصحُّ الطرق كلها طريقُ حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي (٨)، كذا قاله ابنُ منده وغيرُه. وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه وصَّى ابن عباس بهذه الوصية من حديث عليِّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٩)، وسهل بن

стр. 429

سعد (١)، وعبد الله بن جعفر (٢)، وفي أسانيدها كلها ضعف. وذكر العقيلي أنَّ أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضُها أصلحُ من بعض (٣)، وبكلِّ حال، فطريق حنشٍ التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهمِّ أمور الدين، حتى قال بعض العلماء (٤): تدبرتُ هذا الحديثَ، فأدهشني وكِدتُ أطيشُ، فوا أسفى من الجهل بهذا الحديث، وقِلَّةِ التفهم لمعناه. قلت: وقد أفردت لشرحه جزءاً كبيراً ونحن نذكر هاهنا مقاصِدَهُ على وجه الاختصار إنْ شاء الله تعالى (٥). فقوله ﷺ : «احفظِ الله» يعني: احفظ حدودَه، وحقوقَه، وأوامرَه، ونواهيَه، وحفظُ ذلك: هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتنابِ، وعندَ حدوده، فلا يتجاوزُ ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه، وقال : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٦). وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامرِ الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها. ومن أعظم ما يجبُ حِفظُه من أوامر الله الصَّلاةُ، وقد أمر الله بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (٧) ومدح المحافظين عليها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٨).

стр. 430

وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ حافظ عليها، كان له عندَ الله عهدٌ أنْ يُدخِلَه الجنَّة» (١) وفي حديثٍ آخرَ: «من حافظ عليهنَّ، كُنَّ له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة» (٢). وكذلك الطهارة، فإنَّها مفتاحُ الصلاة، وقال النَّبيُّ ﷺ : «لا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن» (٣). وممَّا يُؤمر بحفظه الأيمانُ، قال الله : ﴿واحْفَظوا أَيْمَانَكُم﴾ (٤)، فإنَّ الأيمان يقع الناس فيها كثيراً، ويُهْمِل كثيرٌ منهم ما يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه. ومن ذلك حفظُ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع: «الاستحياءُ من الله حَقَّ الحياء أنْ تَحْفَظَ الرأس وما وَعَى، وتحفظ البطنَ وما حوى» خرَّجه الإمام أحمد والترمذي (٥). وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظُ السَّمع والبصر واللسان من المحرمات،

стр. 431

وحفظُ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عَنِ الإصرار على محرم. قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (١)، وقد جمع الله ذلك كُلَّه في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٢). ويتضمن أيضاً حفظُ البطنِ من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب. ومِنْ أعظم ما يجبُ حفظُه من نواهي الله : اللسانُ والفرجُ، وفي حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ حَفِظَ ما بَينَ لَحييه، وما بَينَ رِجليهِ، دَخَلَ الجنة» خرَّجه الحاكم (٣). وخرَّج الإمام أحمد (٤) من حديث أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ حَفِظ ما بينَ فَقْمَيهِ وفرجه، دخل الجنة». وأمر الله بحفظ الفروج، ومدحَ الحافظين لها، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٦)، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٧). وقال أبو إدريس الخولاني: أوَّلُ ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظُ فرجه، وقال: لا تضعه إلا في حلال. وقوله ﷺ : «يحفظك» يعني: أنَّ من حفظَ حدود الله، وراعى حقوقَه، حفظه الله، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٨)،

стр. 432

وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢). وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (٣). قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونَهُ بأمرِ الله، فإذا جاء القدر خَلُّوْا عنه (٤). وقال عليٌّ ﵁: إنَّ مع كلِّ رجلٍ ملكين يحفظانه مما لم يقدرْ فإذا جاء القدر خلّيا بينه وبينَه، وإنَّ الأجل جُنَّةٌ حصينة (٥). وقال مجاهد: ما مِنْ عبدٍ إلاَّ له مَلَكٌ يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامِّ، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئاً أذن الله فيه فيصيبه (٦). وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر، قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدَّعوات حين يُمسي وحين يُصبح: «اللهمّ إني أسألُكَ العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغتَالَ من تحتي» (٧). ومَنْ حفظ الله في صباه وقوَّته، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحولِه وقوَّته وعقله. كان بعض العلماء قد جاوز المئة سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدةً، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفظناها عَنِ المعاصي في الصِّغر،

стр. 433

فحفظها الله علينا في الكبر (١). وعكس هذا أنَّ بعض السَّلف رأى شيخاً يسأل الناسَ، فقال: إنَّ هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره. وقد يحفظُ الله العبدَ بصلاحه بعدَ موته في ذريَّته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً﴾ (٢): أنَّهما حُفِظا بصلاح أبيهما (٣). قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدنَّ في صلاتي مِنْ أجلِك، رجاءَ أنْ أُحْفَظَ فيكَ، ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً﴾ (٤)، وقال عمرُ بن عبد العزيز: ما من مؤمن (٥) يموتُ إلاَّ حفظه الله في عقبه وعقبِ عقبه. وقال ابن المنكدرِ: إنَّ الله ليحفظُ بالرجل الصالح ولدَه وولدَ ولده والدويرات التي حوله فما يزالونَ في حفظ من الله وستر (٦). ومتى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله، فإنَّ الله يحفظه في تلك الحال، وفي " مسند الإمام أحمد " عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كانت امرأةٌ في بيتٍ، فخرجت في سريَّةٍ من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزاً وصيصيتها كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزاً لها وصيصيتها، فقالت: يا ربِّ، إنَّك قد ضَمِنْتَ لمن خرج في سبيلك أنْ تحفظَ عليه، وإنِّي قد فَقَدتُ عنزاً من غنمي وصيصيتي، وإني أَنْشُدُكَ عنزي وصيصيتي». قال: وجعل رسولُ الله ﷺ يذكر شدَّة مناشدتها ربَّها ﵎، قال رسول الله ﷺ : «فأصبحت عنزها ومثلها، وصيصيتها ومثلها» (٧). والصيصية: هي الصِّنارة التي يُغزل بها ويُنسج (٨).

стр. 434

فمن حفظ الله حَفِظَهُ الله من كُلِّ أذى. قال بعضُ السَّلف: من اتقى الله، فقد حَفِظَ نفسه، ومن ضيَّع تقواه، فقد ضيَّع نفسه، والله الغنىُّ عنه. ومن عجيب حفظِ الله لمن حفظه أنْ يجعلَ الحيوانات المؤذية بالطبع حافظةً له من الأذى، كما جرى لِسَفِينةَ مولى النَّبيِّ ﷺ حيث كُسِرَ به المركبُ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسدَ، فجعل يمشي معه حتَّى دلَّه على الطريق، فلمَّا أوقفه عليها، جعل يُهَمْهِمُ كأنَّه يُوَدِّعُهُ، ثم رجع عنه (١). ورؤي إبراهيمُ بن أدهم نائماً في بستان وعنده حَيَّةٌ في فمها طاقةُ نَرجِس، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ (٢). وعكسُ هذا أنَّ من ضيع الله، ضيَّعهُ الله، فضاع بين خلقه حتى يدخلَ عليه الضررُ والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السَّلف: إني لأعصي الله، فأعرِفُ ذلك في خُلُقِ خادمي ودابَّتي (٣). النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظُ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المُضِلَّة، ومن الشهوات المحرَّمة، ويحفظ عليه دينَه عندَ موته، فيتوفَّاه على الإيمان، قال بعض السلَّف: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، قال: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شمَّ قدميه، قال: أجد في قدميه القيام، قال: حَفظَ نفسَه، فحفظه الله. وفي " الصحيحين " عن البراء بن عازب (٤)،

стр. 435

عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه أمره أنْ يقولَ عندَ منامه: إنْ قبضتَ نفسي فارحمها، وإنْ أرسلتَها فاحفظها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين. وفي حديث عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ علمه أنْ يقول: اللَّهُمَّ احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تُطِعْ فيَّ عدواً ولا حاسداً. خرَّجه ابن حبان في " صحيحه " (١). وكان النَّبيُّ ﷺ يودِّع من أراد سفراً، فيقول: «استودعُ الله دينكَ وأمانتَكَ وخواتِيمَ عملك»، وكان يقول: «إنَّ الله إذا استُودعَ شيئاً حَفِظَهُ». خرَّجه النَّسائي وغيره (٢). وفي الجملة، فالله يحفظُ على المؤمن الحافظ لحدود دينَه، ويحولُ بينَه وبين ما يُفسد عليه دينَه بأنواعٍ مِنَ الحفظ، وقد لا يشعرُ العبدُ ببعضها، وقد يكونُ كارهاً له، كما قال في حقِّ يوسُف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣). قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٤)، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار (٥).

стр. 436

وقال الحسن - وذكر أهل المعاصي -: هانوا عليه، فعَصَوْه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم (١). وقال ابنُ مسعود: إنَّ العبد ليهمُّ بالأمرِ من التجارة والإمارة حتى يُيسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إنْ يسرته له أدخلتُه النار، فيصرفه الله عنه، فيظلُّ يتطيَّرُ يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله . وخرَّجه الطبراني من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ : «يقول الله : إنَّ من عبادي من لا يُصلحُ إيمانَهُ إلاَّ الفقر، وإنْ بسطت عليه أفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلح إيمانَه إلا الغنى، ولو أفقرتُه، لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلاَّ الصِّحَّة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححتُه، لأفسده ذلك، وإنَّ مِنْ عبادي من يطلب باباً من العبادة، فأكُفُّه عنه، لكيلا يدخله العُجْبُ، إني أُدبِّر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليمٌ خبير» (٢). وقوله ﷺ : «احفظ الله تجده تجاهك»، وفي رواية: «أمامك» معناه: أنَّ مَنْ حَفِظَ حُدودَ الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كُلِّ أحواله حيث توجَّه يَحُوطُهُ وينصرهُ ويحفَظه ويوفِّقُه ويُسدده فـ ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣) قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل (٤). كتبَ بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: أمَّا بعد، فإنْ كان الله معك فمن تخاف؟ وإنْ كان عليك فمن ترجو؟ وهذه المعيةُ الخاصة هي المذكورةُ في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي

стр. 437

مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١)، وقول موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢). وفي قول النَّبيِّ ﷺ لأبي بكر وهما في الغار: «ما ظَنُّكَ باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إنَّ الله معنا» (٣). فهذه المعيةُ الخاصةُ تقتضي النَّصر والتَّأييدَ، والحفظ والإعانة بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٥)، فإنَّ هذه المعية تقتضي علمَه واطِّلاعه ومراقبته لأعمالهم، فهي مقتضيةٌ لتخويف العباد منه، والمعية الأولى تقتضي حفظ العبد وحياطَتَه ونصرَه، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، وجده أمامَه وتُجاهه على كُلِّ حالٍ، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه، كما في حديث: «أفضلُ الإيمان أنْ يعلمَ العبدُ أنَّ الله معه حيث كان» (٦) وقد سبق. ورُويَ عن بُنان الحمَّال: أنَّه دخل البريَّةَ وحدَه على طريق تبوك، فاستوحش، فهتف به هاتف: لِمَ تستوحش؟ أليس حبيبُك معك؟ (٧) وقيل لبعضهم: ألا تستوحشُ وحدَك؟ فقال: كيف أستوحش، وهو يقول: «أنا جليسُ مَنْ ذكرني» (٨)، وقيل لآخر: نراكَ وحدكَ؟ فقال: من يكن الله معه، كيف يكونُ وحده؟، وقيل لآخر: أما مَعَكَ مؤنسٌ؟ قال: بلى، قيل له: أين هو؟ قال: أمامي (٩)، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وفوقي. وكان الشبلي ينشد:

стр. 438

إذا نَحْنُ أدلَجْنَا وأنت أمامَنا … كَفَى لِمَطايَانا بذِكرك هاديا (١) قوله ﷺ : «تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ» يعني: أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله، وحَفِظَ حدودَه، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه. فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين. والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله . وقال أحمدُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ: أحبُّ أنْ لا أموتَ حتّى أعرفَ مولاي، وليس معرفتُه الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت منه (٢). ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان: معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٣)، وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٤). والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه،

стр. 439

وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكى عن ربِّه: «ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فلئن سألني، لأُعطِيَنَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه»، وفي رواية: «ولئن دعاني لأجيبنّه» (١). ولما هرب الحسنُ من الحجاج دخلَ إلى بيت حبيب أبي محمد، فقال له حبيب: يا أبا سعيد، أليس بينك وبينَ ربِّك ما تدعوه به فيَستركَ مِنْ هؤلاء؟ ادخل البيتَ، فدخل، ودخل الشُّرَطُ على أثره، فلم يرَوْهُ، فذُكِرَ ذلك للحجاج، فقال: بل كان في البيت، إلا أنَّ الله طَمَسَ أعينهم فلم يروه. واجتمع الفضيلُ بنُ عياض بشعوانة العابدة، فسألها الدُّعاءَ، فقالت: يا فضيلُ، وما بينَك وبينَه، ما إنْ دعوته أجابك، فغُشِيَ على الفضيل (٢). وقيل لمعروف: ما الذي هيَّجك (٣) إلى الانقطاع والعبادة - وذكر له الموت والبرزخ والجنَّة والنار -؟ فقال معروف: إنَّ ملكاً هذا كله بيده إنْ كانت بينك وبينه معرفةٌ كفاك جميع هذا. وفي الجملة: فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدَّته. وخرَّج الترمذيُّ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من سرَّه أنْ يستجيب الله له عندَ الشَّدائد، فليُكثرِ الدُّعاءَ في الرَّخاء» (٤). وخرَّج ابنُ أبي حاتم (٥) وغيرهُ من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس يرفعه: أنَّ يونس

стр. 440

- ﵇ لمَّا دعا في بطن الحوت، قالت الملائكة: يا ربِّ، هذا صوتٌ معروفٌ من بلادٍ غريبة، فقال الله : أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومَنْ هوَ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدُك يونس الذي لم يزل يُرفَعُ له عمل متقبل ودعوةٌ مستجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا ربِّ، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى، قال: فأمر الله الحوتَ فطرحه بالعراء. وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرَّخاء، يذكركُم في الشِّدَّة، وإنَّ يونس ﵇ كان يذكُرُ الله تعالى، فلمَّا وقعَ في بطن الحوت، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وإنَّ فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) (٣). وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجلُ دَعَّاءً في السرَّاء، فنزلت به ضرَّاءُ، فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوتٌ معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدَعَّاءٍ في السَّرَّاء، فنَزلت به ضرَّاءُ، فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ ليس بمعروف، فلا يشفعون له (٤). وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السرَّاء يذكرك الله في الضَّرَّاء (٥). وعنه أنَّه قال: ادعُ الله في يوم سرَّائك لعله أنْ يستجيب لك في يوم ضرَّائك (٦). وأعظمُ الشدائد التي تنْزل بالعبد في الدنيا الموتُ، وما بَعده أشدُّ منه إنْ لم يكن مصيرُ العبد إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمن الاستعدادُ للموت وما بعده في حال

стр. 441

الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعدَّ حينئذٍ للقاء الله بالموت وما بعده، ذكره الله عندَ هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولَطَفَ به، وأعانه، وتولاَّه، وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راضٍ، ومن نسيَ الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعدَّ حينئذٍ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنَّه أعرض عنه، وأهمله، فإذا نزل الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ له، أحسن الظنَّ بربه، وجاءته البُشرى مِنَ اللهِ، فأحبَّ لقاءَ الله، وأحبَّ الله لقاءه، والفاجرُ بعكس ذلك، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشر بما قدمه مما هو قادمٌ عليه، ويَنْدَمُ المفرطُ، ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (٢). قال أبو عبد الرحمان السُّلمي قبلَ موته: كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان (٣). وقال أبو بكر بنُ عيّاش لابنه عندَ موته: أترى الله يُضيِّعُ لأبيك أربعين سنة يَختِمُ القرآن كُلَّ ليلةٍ؟ (٤) وختم آدمُ بن أبي إياس القرآن وهو مسجَّى للموت، ثم قال: بحُبِّي لك، إلا رفقتَ بي في هذا المصرع؟ كنت أؤمِّلُك لهذا اليوم، كنتُ أرجوكَ لا إله إلاَّ الله، ثم قضى (٥). ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عديٍّ، رفع يديه، وقال: اللهمَّ إنِّي إليك لمشتاقٌ (٦).

стр. 442

وقال عبدُ الصمد الزاهد عند موته: سيدي لهذه الساعة خبَّأتك، ولهذا اليوم اقتنيتُك، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بك (١). وقال قتادة في قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢) قال: من الكرب عندَ الموت (٣). وقال عليُّ بن أبي طلحَة، عن ابن عباس في هذه الآية: يُنجيه من كُلِّ كَربٍ في الدنيا والآخرة (٤). وقال زيدُ بن أسلم في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (٥) الآية. قال: يُبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يُبعث، فإنَّه لفي الجنة، وما ذهبت فرحة البِشارة من قلبه. وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أنَّ المؤمنَ حيث يبعثه الله من قبره، يتلقاه مَلَكاه اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمِّنُ الله خوفَه، ويُقِرُّ الله عينَه، فما مِنْ عظيمة تَغشى الناس يومَ القيامة إلاَّ هي للمؤمن قرَّةُ عينٍ لما هداه الله، ولما كان يعملُ في الدُّنيا (٦). وقوله ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله» هذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧)، فإنَّ السؤال لله هو دعاؤُه والرغبةُ إليه، والدُّعاء هو العبادة، كذا روي عن النَّبيِّ ﷺ من حديث النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٨) خرَّجه الإمامُ أحمد، وأبو داود (٩)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١٠).
следующие страницы →