← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 438–477 · переход к 443.

стр. 438

إذا نَحْنُ أدلَجْنَا وأنت أمامَنا … كَفَى لِمَطايَانا بذِكرك هاديا (١) قوله ﷺ : «تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ» يعني: أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله، وحَفِظَ حدودَه، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه. فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين. والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله . وقال أحمدُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ: أحبُّ أنْ لا أموتَ حتّى أعرفَ مولاي، وليس معرفتُه الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت منه (٢). ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان: معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٣)، وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٤). والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه،

стр. 439

وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكى عن ربِّه: «ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فلئن سألني، لأُعطِيَنَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه»، وفي رواية: «ولئن دعاني لأجيبنّه» (١). ولما هرب الحسنُ من الحجاج دخلَ إلى بيت حبيب أبي محمد، فقال له حبيب: يا أبا سعيد، أليس بينك وبينَ ربِّك ما تدعوه به فيَستركَ مِنْ هؤلاء؟ ادخل البيتَ، فدخل، ودخل الشُّرَطُ على أثره، فلم يرَوْهُ، فذُكِرَ ذلك للحجاج، فقال: بل كان في البيت، إلا أنَّ الله طَمَسَ أعينهم فلم يروه. واجتمع الفضيلُ بنُ عياض بشعوانة العابدة، فسألها الدُّعاءَ، فقالت: يا فضيلُ، وما بينَك وبينَه، ما إنْ دعوته أجابك، فغُشِيَ على الفضيل (٢). وقيل لمعروف: ما الذي هيَّجك (٣) إلى الانقطاع والعبادة - وذكر له الموت والبرزخ والجنَّة والنار -؟ فقال معروف: إنَّ ملكاً هذا كله بيده إنْ كانت بينك وبينه معرفةٌ كفاك جميع هذا. وفي الجملة: فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدَّته. وخرَّج الترمذيُّ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من سرَّه أنْ يستجيب الله له عندَ الشَّدائد، فليُكثرِ الدُّعاءَ في الرَّخاء» (٤). وخرَّج ابنُ أبي حاتم (٥) وغيرهُ من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس يرفعه: أنَّ يونس

стр. 440

- ﵇ لمَّا دعا في بطن الحوت، قالت الملائكة: يا ربِّ، هذا صوتٌ معروفٌ من بلادٍ غريبة، فقال الله : أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومَنْ هوَ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدُك يونس الذي لم يزل يُرفَعُ له عمل متقبل ودعوةٌ مستجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا ربِّ، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى، قال: فأمر الله الحوتَ فطرحه بالعراء. وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرَّخاء، يذكركُم في الشِّدَّة، وإنَّ يونس ﵇ كان يذكُرُ الله تعالى، فلمَّا وقعَ في بطن الحوت، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١)، وإنَّ فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) (٣). وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجلُ دَعَّاءً في السرَّاء، فنزلت به ضرَّاءُ، فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوتٌ معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدَعَّاءٍ في السَّرَّاء، فنَزلت به ضرَّاءُ، فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ ليس بمعروف، فلا يشفعون له (٤). وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السرَّاء يذكرك الله في الضَّرَّاء (٥). وعنه أنَّه قال: ادعُ الله في يوم سرَّائك لعله أنْ يستجيب لك في يوم ضرَّائك (٦). وأعظمُ الشدائد التي تنْزل بالعبد في الدنيا الموتُ، وما بَعده أشدُّ منه إنْ لم يكن مصيرُ العبد إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمن الاستعدادُ للموت وما بعده في حال

стр. 441

الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعدَّ حينئذٍ للقاء الله بالموت وما بعده، ذكره الله عندَ هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولَطَفَ به، وأعانه، وتولاَّه، وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راضٍ، ومن نسيَ الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعدَّ حينئذٍ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنَّه أعرض عنه، وأهمله، فإذا نزل الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ له، أحسن الظنَّ بربه، وجاءته البُشرى مِنَ اللهِ، فأحبَّ لقاءَ الله، وأحبَّ الله لقاءه، والفاجرُ بعكس ذلك، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشر بما قدمه مما هو قادمٌ عليه، ويَنْدَمُ المفرطُ، ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (٢). قال أبو عبد الرحمان السُّلمي قبلَ موته: كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان (٣). وقال أبو بكر بنُ عيّاش لابنه عندَ موته: أترى الله يُضيِّعُ لأبيك أربعين سنة يَختِمُ القرآن كُلَّ ليلةٍ؟ (٤) وختم آدمُ بن أبي إياس القرآن وهو مسجَّى للموت، ثم قال: بحُبِّي لك، إلا رفقتَ بي في هذا المصرع؟ كنت أؤمِّلُك لهذا اليوم، كنتُ أرجوكَ لا إله إلاَّ الله، ثم قضى (٥). ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عديٍّ، رفع يديه، وقال: اللهمَّ إنِّي إليك لمشتاقٌ (٦).

стр. 442

وقال عبدُ الصمد الزاهد عند موته: سيدي لهذه الساعة خبَّأتك، ولهذا اليوم اقتنيتُك، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بك (١). وقال قتادة في قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢) قال: من الكرب عندَ الموت (٣). وقال عليُّ بن أبي طلحَة، عن ابن عباس في هذه الآية: يُنجيه من كُلِّ كَربٍ في الدنيا والآخرة (٤). وقال زيدُ بن أسلم في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (٥) الآية. قال: يُبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يُبعث، فإنَّه لفي الجنة، وما ذهبت فرحة البِشارة من قلبه. وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أنَّ المؤمنَ حيث يبعثه الله من قبره، يتلقاه مَلَكاه اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمِّنُ الله خوفَه، ويُقِرُّ الله عينَه، فما مِنْ عظيمة تَغشى الناس يومَ القيامة إلاَّ هي للمؤمن قرَّةُ عينٍ لما هداه الله، ولما كان يعملُ في الدُّنيا (٦). وقوله ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله» هذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧)، فإنَّ السؤال لله هو دعاؤُه والرغبةُ إليه، والدُّعاء هو العبادة، كذا روي عن النَّبيِّ ﷺ من حديث النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٨) خرَّجه الإمامُ أحمد، وأبو داود (٩)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١٠).

стр. 443

وخرَّج الترمذي (١) من حديث أنس بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ : «الدُّعاءُ مُخُّ العبادة»، فتضمن هذا الكلام أنْ يُسأل الله ، ولا يُسأل غيره، وأنْ يُستعان بالله دونَ غيره. وأما السؤال، فقد أمر الله بمسألته، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢). وفي " الترمذي " (٣) عن ابن مسعود مرفوعاً: «سَلُوا الله مِنْ فَضلِه، فإنَّ الله يُحِبُّ أنْ يُسأل». وفيه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: «من لا يسألِ الله يغْضَبْ عليه» (٤). وفي حديثٍ آخرَ: «ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجَتَه كلَّها حتَّى يسأله شِسْعَ نعلِه إذا انقطع» (٥). وفي النَّهي عن مسألة المخلوقين أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد بايع النبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه على أنْ لا يسألوا النَّاسَ شيئاً، منهم: أبو بكر الصدِّيق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطُه أو خِطام ناقته، فلا يسأل أحداً أنْ يُناوله إياه (٦).

стр. 444

وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أنَّ رجلاً جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ بني فُلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني وإبلي، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إن آل محمَّدٍ كذا وكذا أهل بيت (١)، مالهم مدٌّ من طعامٍ أو صاع، فاسأل الله » فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قالَ لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعْمَ ما ردَّ عليك، فما لبث أنْ ردَّ الله عليه ابنَه وإبله أوفرَ ما كانت، فأتى النَّبيَّ ﷺ فأخبره، فصعد المنبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله والرغبة إليه، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) (٣). وقد ثبت في "الصحيحين" (٤) عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ الله يقولُ: «هل من دَاعٍ، فأستجيبَ له؟ هل من سائل فأُعْطِيَه؟ هل من مُستغفرٍ فأغْفِرَ له؟». وخرَّج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «قال الله تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أُجبه؟ وسألني فلم أُعطه؟ واستغفرني فلم أغفر له؟ وأنا أرحمُ الراحمين» (٥).

стр. 445

واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسؤول على دفع هذا الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة، وكان الإمامُ أحمد يدعو ويقول: اللهمَّ كما صُنتَ وجهي عَنِ السُّجود لغيرك فصُنْه عن المسألة لغيرك (١)، ولا يقدر على كشف الضرِّ وجلب النفع سواه. كما قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣). والله سبحانه يحبّ أنْ يُسأل ويُرْغَبَ إليه في الحوائج، ويُلَحَّ في سؤاله ودُعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي مِنْ عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كُلِّهم سُؤْلَهم من غير أنْ يَنْقُصَ من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أنْ يُسأل، ويُحبُّ أنْ لا يُسألَ، لعجزه وفقره وحاجته. ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلِقُ عنك بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتحُ لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟! (٤) وقال طاووس لعطاء: إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أنْ تسأله، ووعدك أنْ يُجيبك (٥). وأما الاستعانة بالله دونَ غيره من الخلق؛ فلأنَّ العبدَ عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله، فهو المُعانُ، ومن خذله فهو المخذولُ، وهذا تحقيقُ معنى قول:

стр. 446

«لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله»، فإنَّ المعنى: لا تَحوُّلَ للعبد مِنْ حال إلى حال، ولا قُوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها في الدنيا وعندَ الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه. وفي الحديث الصحيح عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «احرصْ على ما ينفعُكَ واستعن بالله ولا تعجزْ» (١). ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيرِه، وكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولاً. كتب الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ العزيز: لا تستعِنْ بغيرِ الله، فيكِلَكَ الله إليه. ومن كلام بعضِ السَّلف: يا ربِّ عَجبت لمن يعرفُك كيف يرجو غيرك، عجبتُ لمن يعرفك كيف يستعينُ بغيرك. قوله ﷺ : «جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ» وفي روايةٍ أخرى: «رُفِعت الأقلام، وجفَّت الصحف» هو كنايةٌ عن تقدُّم كتابة المقادير كلِّها، والفراغ منها من أمدٍ بعيد، فإنَّ الكتابَ إذا فُرِغَ من كتابته، ورفعت الأقلامُ عنه، وطال عهده، فقد رُفعت عنه الأقلام، وجفتِ الأقلام التي كتب بها مِنْ مدادها، وجفت الصَّحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغِها. وقد دلَّ الكتابُ والسننُ الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). وفي " صحيح مسلم " (٣)

стр. 447

عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله كتبَ مقاديرَ الخلائق قبل أنْ يخلُقَ السَّماوات والأرض بخمسين ألفَ سنة». وفيه (١) أيضاً عن جابر: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقلامُ، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، قال: ففيم العملُ؟ قال: «اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خلق له». وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ أوَّل ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٢). والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جداً يطول ذكرها. قوله ﷺ : «فلو أنَّ الخلق جميعاً أرادوا أنْ ينفعوك بشيء لم يقضِهِ الله، لم يقدِرُوا عليه، وإنْ أرادوا أنْ يضرُّوك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه». هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضاً (٣)، والمراد: إنَّ ما يُصيب العبدَ في دنياه مما يضرُّه أو ينفعه، فكلُّه مقدَّرٌ عليه، ولا يصيبُ العبدَ إلا ما كُتِبَ له من ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعاً. وقد دلَّ القرآنُ على مثل هذا في قوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ

стр. 448

لَنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣). وخرَّج الإمام أحمد (٤) من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ لكلِّ شيء حقيقةً، وما بلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يعلمَ أنَّ ما أصابه لم يكُنْ ليخطئَهُ، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبَه». وخرّج أبو داود (٥) وابنُ ماجه (٦) من حديث زيد بن ثابت، عن النَّبيِّ ﷺ معنى ذلك أيضاً. واعلم أنَّ مدارَ جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذُكِر قبلَه وبعدَه، فهو متفرِّعٌ عليه، وراجعٌ إليه، فإنَّ العبد إذا علم أنَّه لن يُصيبَه إلا ما كتبَ الله له مِنْ خير وشرٍّ، ونفعٍ وضرٍّ، وأنَّ اجتهادَ الخلق كلِّهم على خلاف المقدور غيرُ مفيد البتة، علم حينئذٍ أنَّ الله وحده هو الضَّارُّ النَّافعُ، المعطي المانع، فأوجبَ ذلك للعبدِ توحيدَ ربِّه ، وإفرادَه بالطاعة، وحفظَ حدوده، فإنَّ المعبود إنَّما يقصد بعبادته جلبَ المنافع ودفع المضار، ولهذا ذمَّ الله من يعبدُ من لا ينفعُ ولا يضرُّ، ولا يُغني عن عابدِهِ شيئاً، فمن علم أنَّه لا ينفعُ ولا يضرُّ، ولا يُعطي ولا يمنعُ غيرُ الله، أوجبَ له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرُّع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعةِ الخلق جميعاً، وأنْ يتّقي سخطه، ولو كان فيه سخطُ الخلق جميعاً، وإفراده

стр. 449

بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدَّة وحال الرَّخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عندَ الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعَه مِنْ دُونِه، قال الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١). قوله ﷺ : «واعلم أنَّ في الصَّبر على ما تكره خيراً كثيراً» يعني: أنَّ ما أصاب العبدَ مِنَ المصائب المؤلمةِ المكتوبة عليه إذا صبر عليها، كان له في الصبر خيرٌ كثير. وفي رواية عمر مولى غُفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام، وهي: «فإنِ استطعتَ أنْ تعمل لله بالرِّضا في اليقين فافعل، وإنْ لم تستطع، فإنَّ في الصَّبر على ما تكره خيراً كثيراً». وفي روايةٍ أخرى من روايةِ عليِّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه؛ لكن إسنادها ضعيف، زيادة أخرى بعد هذا، وهي: قلتُ: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ قال: «أنْ تعلم أنَّ ما أصابَك لم يكن ليخطئك، وأنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا أنتَ أحكمتَ باب اليقين». ومعنى هذا أنَّ حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يُعين العبد على أنْ ترضى نفسُه بما أصابه، فمن استطاع أنْ يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل، فإنْ لم يستطع الرِّضا، فإنَّ في الصَّبر على (٢) المكروه خيراً كثيراً. فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب: إحداهما: أنْ يرضى بذلك، وهذه درجةٌ عاليةٌ رفيعة جداً، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣). قال علقمة: هي المصيبة تصيبُ الرَّجلَ، فيعلم أنَّها من عند الله، فيسلِّمُ لها ويرضى. وخرَّج الترمذي من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله إذا أحبَّ قوماً

стр. 450

ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (١)، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه: «أسأَلكَ الرِّضا بعد القضاء» (٢). وممَّا يدعو المؤمن إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قول النَّبيِّ ﷺ : «لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له: إنْ أصابته سرَّاء شكر، كان خيراً له، وإنْ أصابته ضرَّاء صبر، كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن» (٣). وجاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فسأله أنْ يُوصيه وصيَّةً جامعةً موجَزةً، فقال: «لا تتَّهم الله في قضائه» (٤). قال أبو الدرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أنْ يُرضى به، وقال ابن مسعود: إنَّ الله بقسطه وعدله جعلَ الرَّوحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشكِّ والسخط (٥)،

стр. 451

فالرَّاضي لا يتمنّى غيرَ ما هو عليه من شدَّةٍ ورخاء، كذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرهما (١). وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر. فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه في نعيمٍ وسرورٍ، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٢) قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة (٣). وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين (٤). وأهل الرضا تارةً يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء، وأنَّه غير متَّهم في قضائه، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاء، فيُنسيهم ألم المقتضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصلُ إليه خواصُّ أهل المعرفة والمحبَّةِ، حتى ربَّما تلذَّذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أوجدهم في عذابه عُذوبة. وسئل بعضُ التابعينَ عن حاله في مرضه، فقال: أحبُّه إليه أحبُّه إليَّ (٥). وسُئلَ السريّ: هل يجد المحبُّ ألم البلاء؟ فقالَ: لا. وقال بعضهم: عذابُه فيكَ عَذْبُ … وبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ وأَنْتَ عِندي كرُوحي … بل أَنْتَ مِنها أَحَبُّ حسْبي مِنَ الحُبِّ أنِّي … لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ والدرجة الثانية: أنْ يصبرَ على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرِّضا بالقضاء،

стр. 452

فالرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه مستحب، والصبرُ واجبٌ على المؤمن حتمٌ، وفي الصَّبر خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ الله أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجر. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١)، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢). قال الحسن: الرِّضا عزيزٌ، ولكن الصبر معولُ المؤمن (٣). والفرق بين الرضا والصبر: أنَّ الصَّبر (٤): كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخط مع وجود الألم، وتمنِّي زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسُ بالألم، لكن الرضا يخفِّفُه لما يباشر القلبَ من رَوح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرِّضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق. قوله ﷺ : «واعلم أنَّ النَّصر مع الصَّبر» هذا موافق لقول الله : ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٦). وقال عمرُ لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتُمُ الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوماً إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا. وقال بعض السَّلف: كلنا يكره الموت وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصَّبر. وقال البطَّال (٧): الشجاعةُ صبرُ ساعة.

стр. 453

وهذا في جهاد العدوِّ الظاهر، وهو جهادُ الكفار، وكذلك جهاد العدوِّ الباطن، وهو جهاد النَّفس والهَوى، فإنَّ جهادَهُما من أعظم الجهاد، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «المجاهدُ مَنْ جاهد نفسه في الله» (١). وقال عبد الله بنُ عمر لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزُها (٢). وقال بقيةُ بن الوليد: أخبرنا إبراهيمُ بن أدهم، قال: حدثنا الثقة، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: أوَّلَ ما تُنكرون من جهادكم جهادكم أنفسكم. وقال إبراهيم بن أبي عبلة (٣) لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتُم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهادُ القلب (٤). ويُروى هذا مرفوعاً من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدةُ العبدِ لهواه» (٥).

стр. 454

ويُروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك» (١). وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر ﵄ حين استخلفه: إنَّ أوَّل ما أحذِّرُكَ نفسك التي بين جنبيك. فهذا الجهاد يحتاجُ أيضاً إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلبه، وحصل له النصر والظفر، وملَكَ نفسه، فصار عزيزاً ملكاً، ومن جَزِعَ ولم يَصبر على مجاهدة ذلك، غُلِب وقُهر وأُسر، وصار عبداً ذليلاً أسيراً في يدي شيطانه وهواه (٢)، كما قيل: إذا المَرءُ لم يَغلِبْ هواهُ أقامه … بمنْزلةٍ فيها العَزيزُ ذَليلُ قال ابن المبارك: من صبر، فما أقلَّ ما يصبر، ومن جزع، فما أقل ما يتمتع. فقوله ﷺ : «إنَّ النصر مع الصبر» يشمل النصرَ في الجهادين: جهادُ العدوِّ الظاهر، وجهادُ العدوِّ الباطن، فمن صبرَ فيهما، نُصِرَ وظفر بعدوِّه، ومن لم يصبر فيهما وجَزِعَ، قُهِرَ وصار أسيراً لعدوّه، أو قتيلاً له. قوله ﷺ : «وإنَّ الفرج مع الكرب» وهذا يشهد له قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (٣) وقول النَّبيِّ ﷺ : «ضَحكَ ربنا من قُنوط عباده وقُربِ غيرِهِ» خرَّجه الإمام أحمد، وخرَّجه ابنُه عبدُ الله (٤)

стр. 455

في حديث طويل، وفيه: «علم الله يوم الغيث أنَّه ليشرف عليكم أزِلينَ قَنِطينَ، فيظلُّ يضحك قد علم أنَّ غيرَكُم إلى قُرب» (١)، والمعنى: أنَّه سبحانه يعجب من قنوط عباده عندَ احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقتُ فرجه ورحمته لعباده، بإنزالِ الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٤)، وقال حاكياً عن يعقوب أنَّه قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ (٥)، ثم قصَّ قصة اجتماعهم عَقيبَ ذلك. وكم قصَّ سبحانه من قصص تفريجِ كُرُباتِ أنبيائه عند تناهي الكَرْب كإنجاء نوح ومَنْ معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليمِّ، وإغراق عدوِّهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمَّدٍ ﷺ مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك. وقوله ﷺ : «فإنَّ مَعَ العسر يسراً» هو منتزع من قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٦)، وقوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٧). وخرَّج البزار في " مسنده " (٨)،

стр. 456

وابن أبي حاتم - واللفظ له - من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لو جاء العُسْرُ، فدخل هذا الجُحر، لجاء اليسر حتّى يدخل عليه فيخرجه (١)»، فأنزل الله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾. وروى ابنُ جرير (٢) وغيره من حديث الحسن مرسلاً (٣) نحوه، وفي حديثه: فقال النَّبيُّ ﷺ : «لن يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرين». وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: لو أنَّ العسر دخل في جُحر لجاء اليسر حتى يدخل معه، ثُمَّ قال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٤). وبإسناده أنَّ أبا عبيدة حُصِرَ فكتب إليه عمرُ يقول: مهما ينْزل بامرئٍ شدَّةٌ يجعل الله بعدها فرجاً، وإنَّه لن يَغلِبَ عسرٌ يُسرين (٥)، وإنَّه يقول: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦). ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليُسر بالعسر: أنَّ الكربَ إذا اشتدَّ وعَظُمَ وتناهى، وحصل للعبد الإياسُ من كَشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبُه بالله وحده، وهذا هو حقيقةُ التوكُّل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تُطلَبُ بها الحوائجُ، فإنَّ الله يكفي من توكَّل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٧). وروى آدمُ بن أبي إياس في " تفسيره " بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاء مالكٌ الأشجعي إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أُسِرَ ابني عوفٌ، فقال له: أرسل إليه أنَّ رسول الله ﷺ يأمُرُكَ أنْ تُكثِرَ من قول: لا حول ولا قوَّةَ إلا بالله، فأتاه الرسول

стр. 457

فأخبره، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله، وكانوا قد شدُّوه بالقِدِّ فسقط القِدُّ عنه، فخرج فإذا هو بناقةٍ لهم فركبها، فأقبل فإذا هو بسَرحِ القوم الذين كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبع آخرُها أوَّلها، فلم يفاجأ أبويه إلاّ وهو ينادي بالباب، فقال أبوه (١): عوفٌ وربِّ الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه (٢)، وعوف كئيب يألم ما فيه مِنَ القدِّ، فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه، فإذا عوفٌ قد ملأ الفناء إبلاً، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبل، فأتى أبوهُ رسولَ الله ﷺ ، فأخبره بخبرِ عوفٍ وخبرِ الإبل، فقال له رسول الله ﷺ : «اصنع بها ما أحببتَ، وما كنت صانعاً بإبلك» (٣)، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤) الآية. قال الفضيل: والله لو يئستَ مِنَ الخلق حتَّى لا تريد منهم شيئاً، لأعطاك مولاك كُلَّ ما تُريد. وذكر إبراهيمُ بن أدهم عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألةً هي ألحلفُ مِنْ أنْ يقولَ العبدُ: ما شاء الله، قال: يعني بذلك التَّفويض إلى الله . وقال سعيدُ بن سالم القداح: بلغني أنَّ موسى ﵇ كانت له إلى الله حاجةٌ، فطلبها، فأبطأت عليه، فقال: ما شاء الله، فإذا حاجتُه بَيْنَ يديه، فعجب، فأوحى الله إليه: أما علمتَ أنَّ قولَك: ما شاء الله أنجحُ ما طُلِبَتْ به الحوائج. وأيضاً فإنَّ المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعدَ كثرة دعائه وتضرُّعه، ولم يظهر عليه أثرُ الإجابة يرجع إلى نفسه باللائمة، وقال لها: إنَّما أُتيتُ من قِبَلِكَ، ولو كان فيك خيرٌ لأُجِبْتُ، وهذا اللومُ أحبُّ إلى الله من كثيرٍ من الطَّاعاتِ، فإنَّه يُوجبُ انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنَّه أهلٌ لما نزل به من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاء، فلذلك تُسرِعُ إليه حينئذٍ إجابةُ الدعاء وتفريجُ الكرب، فإنَّه تعالى عندَ المنكسرةِ قلوبهم من أجله. قال وهب: تعبَّدَ رجل زماناً، ثم بدت له إلى الله حاجةٌ، فصام سبعين سبتاً،

стр. 458

يأكلُ في كُلِّ سبتٍ إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يُعطَها، فرجع إلى نفسه فقال: منك أُتيتُ، لو كان فيك خيرٌ، أعطيت حاجتك، فنَزل إليه عند ذلك مَلَكٌ، فقال: يا ابنَ آدم ساعتُك هذه خيرٌ من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك. خرَّجه ابن أبي الدنيا. ولبعضِ المتقدمينَ في هذا المعنى شعرٌ (١): عسى ما ترى أنْ لا يَدومَ وأنْ تَرَى … لهُ فَرجاً مِمَّا أَلحَّ به الدَّهرُ عَسى فَرَجٌ يأتِي به الله إنَّه … لَهُ كُلَّ يَومٍ في خَليقتِهِ أَمْرُ إذا لاح عسرٌ فارجُ يُسراً فإنَّه … قَضَى الله أنَّ العُسرَ يَتبَعُهُ اليُسرُ

стр. 459

الحديث العشرون عَنْ أبي مَسعودٍ البَدريِّ ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَم تَستَحْيِ، فاصْنَعْ ما شِئْتَ» رَواهُ البُخاريُّ. هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش، عن أبي مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ (١)، وأظنُّ أنَّ مسلماً لم يخرِّجه؛ لأنَّه قد رواه قوم، فقالوا: عن رِبعي، عن حذيفة، عن النَّبيِّ ﷺ (٢) فاختلف في إسناده، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأنَّ القولَ قولُ من قال: عن أبي مسعود، منهم: البخاري، وأبو زرعة الرازي (٣)، والدارقطني (٤) وغيرهم، ويدلُّ على صحة ذلك أنَّه قد رُويَ من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (٥). وخرَّجه الطبراني من حديث أبي الطفيل، عن النَّبيِّ ﷺ أيضاً (٦). فقولُه ﷺ : «إنَّ ممّا أدرك الناسُ من كلام النبوَّةِ الأولى» يشيرُ إلى أنَّ هذا مأثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأنَّ الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرنٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ النبوات المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام، وأنَّه اشتهر بَيْنَ الناسِ حتى وصل إلى أوَّل هذه الأمة. وفي بعض الروايات قال: «لم يدركِ الناسُ مِنْ كلام النبوَّةِ الأولى إلاَّ هذا». خرَّجها حميدُ بن زنجويه وغيره.

стр. 460

وقوله: «إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت» في معناه قولان: أحدهما: أنَّه ليس بمعنى الأمر: أنْ يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذمِّ والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان: أحدهما: أنَّه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، والمعني: إذا لم يكن لك حياء، فاعمل ما شئت، فإنَّ الله يُجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٢) وقول النَّبيِّ ﷺ : «من باع الخمر، فَليُشَقِّص الخنازير» (٣)، يعني: ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها، وأمثلته متعدِّدة وهذا اختيارُ جماعة، منهم: أبو العباس ثعلب. والطريق الثاني: أنَّه أمرٌ، ومعناه: الخبر، والمعنى: أنَّ من لم يستحي، صنع ما شاء، فإنَّ المانعَ من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ، انهمك في كُلِّ فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء على حدِّ قوله ﷺ : «مَنْ كَذَب عليَّ متعمداً (٤)، فليتبوَّأ مقعده من النارِ» (٥)، فإنَّ لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبر، وإنَّ من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيارُ أبي عبيد القاسم بن سلام ﵀، وابنِ قتيبة، ومحمدِ بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدلُّ على مثل هذا القول.

стр. 461

وروى ابنُ لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا أبغض الله عبداً، نزَعَ مِنْهُ الحَياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إلا بغيضاً متبغِّضاً، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأمانة نزع منه الرَّحمة، فإذا نزع منه الرَّحمةَ نزع منه رِبْقَةَ الإسلام، فإذا نزع منه رِبقةَ الإسلام، لم تلقه إلا شيطاناً مريداً» (١). خرَّجه حميدُ بنُ زنجويه، وخرَّجه ابنُ ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً (٢). وعن سلمانَ الفارسي قال: إنَّ الله إذا أرادَ بعبدٍ هلاكاً، نزَعَ منه الحياءَ، فإذا نزعَ منه الحياءَ، لم تلقه إلاَّ مقيتاً مُمقَّتاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً، نزع منه الأمانةَ، فلم تلقه إلا خائناً مخوَّناً، فإذا كان خائناً مخوناً، نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظاً غليظاً، فإذا كان فظاً غليظاً، نزع رِبْقَ الإيمان من عنقه، فإذا نزع رِبْقَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطاناً لعيناً ملعناً (٣). وعن ابن عباس قال: الحياءُ والإيمانُ في قَرَنٍ، فإذا نُزِعَ الحياءُ، تبعه الآخر. خرّجه كله حميدُ بنُ زنجويه في كتاب " الأدب ". وقد جعل النَّبيُّ ﷺ الحياءَ مِنَ الإيمان كما في " الصحيحين " (٤) عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء يقولُ: إنَّك لتستحيي، كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسولُ الله ﷺ : «دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإيمانِ» (٥). وفي " الصحيحين " (٦) عن أبي هُريرة قال: «الحياءُ شُعبةٌ من الإيمان». وفي " الصحيحين " (٧) عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخيرٍ»، وفي

стр. 462

روايةٍ لمسلم قال: «الحياء خيرٌ كلُّه»، أو قال: «الحياءُ كلُّه خير». وخرَّج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث الأشج العصري قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : «إنَّ فيك لخُلُقَيْن يُحبُّهما الله» قلت: ما هما؟ قال: «الحِلْمُ والحياء» قلت: أقديماً كان أو حديثاً؟ قال: «بل قديماً»، قلت: الحمد لله الذي جعلني على خُلُقين يحبهما الله. وقال إسماعيل بن أبي خالد: دخل عيينة بنُ حِصنٍ على النَّبيِّ ﷺ وعنده رجلٌ فاستسقى، فأُتِيَ بماءٍ فشرب، فستره النَّبيُّ ﷺ ، فقال: ما هذا؟ قال: «الحياء خلَّةٌ أوتوها ومُنِعْتُموها» (٣). واعلم أنَّ الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خَلْقاً وجِبِلَّةً غيرَ مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمْنَحُها الله العبدَ ويَجبِلُه عليها، ولهذا قال ﷺ : «الحياء لا يأتي إلاَّ بخير»، فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءةِ الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر ﵁ أنَّه قال: من استحيى اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي. وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركتُ الذنوب حياءً أربعين سنة، ثم أدركني الورع (٤). وعن بعضهم قال: رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتها مُروءةً، فاستحالت دِيانة (٥). والثاني: ما كان مكتسباً من معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان، بل هو مِنْ أعلى درجات الإحسّان، وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِرجل: «استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلاً مِنْ صالحِ عشيرتِكَ» (٦).

стр. 463

وفي حديث ابن مسعود: «الاستحياءُ مِنَ الله أنْ تحفَظَ الرَّأسَ وما وعى، والبطن وما حوى، وأنْ تذكر الموتَ والبِلَى، ومن أراد الآخرة تركَ زينةَ الدُّنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيى مِنَ الله» خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي مرفوعاً (١). وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنَّه لا إيمانَ له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحياء حياءانِ: طَرَفٌ من الإيمان، والآخر عجز» ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بُشَير بن كعب العدوي لِعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أنَّ منه سكينةً ووقاراً لله، ومنه ضعف، فغضب عِمران وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه؟ (٢) والأمر كما قاله عِمران ﵁، فإنَّ الحياءَ الممدوح في كلام النَّبيِّ ﷺ إنَّما يُريد به الخُلُقَ الذي يَحُثُّ على فعل الجميل، وتركِ القبيح، فأمَّا الضعف والعجزُ الذي يوجب التقصيرَ في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، إنَّما هو ضعفٌ وخَوَرٌ، وعجزٌ ومهانة، والله أعلم. والقول الثاني في معنى قوله: «إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت» (٣): أنّه أمر بفعل ما يشاء على ظاهرِ لفظه، وأنَّ المعنى: إذا كان الذي تريدُ فعله مما لا يُستحيى من فعله، لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنعْ منه حينئذٍ ما شئتَ، وهذا قولُ جماعةٍ من الأئمة، منهم: أبو إسحاق المروزي الشافعي، وحُكي مثله عن الإمام أحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ " مسائل أبي داود " المختصرة عنه، ولكن الذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبلُ، وكذلك رواه عنه الخلال في كتاب " الأدب "، ومن هذا قولُ

стр. 464

بعض السَّلف - وقد سئل عن المروءة - فقال: أنْ لا تعملَ في السرِّ شيئاً تستحيي منه في العلانية، وسيأتي قولُ النَّبيِّ ﷺ : «الإثم ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أنْ يطَّلع عليه الناس» (١) في موضعه من هذا الكتاب إنْ شاء الله تعالى. وروى عبد الرازق في " كتابه " (٢)، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ من مزينة قال: قيلَ: يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أوتي الرجلُ المسلم؟ قال : «الخلق الحسن»، قال: فما شرُّ ما أُوتي المسلم؟ قال: «إذا كرهتَ أنْ يُرى عليكَ شيءٌ في نادي القوم، فلا تفعله إذا خلوتَ». وفي " صحيح ابن حبان " (٣) عن أسامةَ بنِ شريك قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ما كرهَ الله منكَ شيئاً، فلا تفعله إذا خلوتَ». وخرَّج الطبرانيُّ (٤) من حديثِ أبي مالكٍ الأشعري قال: قلت: يا رسول اللهِ ما تمامُ البرِّ؟ قال: «أنْ تعملَ في السرِّ عملَ العلانية». وخرَّجه أيضاً من حديث أبي عامر السكوني (٥)، قال: قلت: يا رسولَ الله، فذكره. وروى عبد الغني بنُ سعيد الحافظ في كتاب " أدب المحدّث " بإسناده عن حرملةَ بنِ عبد الله، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ لأزداد مِنَ العلمِ، فقمتُ بين يديه، فقلت: يا رسولَ اللهِ، ما تأمُرني أنْ أعملَ به؟ قال: «ائتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكرَ، وانظر الذي سمعته أُذُنُكَ مِنَ الخير يقولُه القومُ لك إذا قمتَ من عندهم فأتِه، وانظرِ الذي تكره أنْ يقولَه القومُ لك إذا قمتَ مِنْ عندهم، فاجتنبه» قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئاً: إتيانُ المعروف، واجتنابُ المنكر (٦).

стр. 465

وخرَّجه ابن سعد في " طبقاته " (١) بمعناه. وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولاً آخر حكاه عن جرير قال: معناه أنْ يُريدَ الرجلُ أنْ يعملَ الخيرَ، فيدعهُ حياءً من الناس كأنَّه يخاف الرِّياء، يقول: فلا يمنعك الحياءُ مِنَ المُضيِّ لما أردت، كما جاء في الحديث: «إذا جاءك الشيطانُ وأنت تُصلِّي، فقال: إنَّك تُرائي، فزدها طولاً» (٢) ثم قال أبو عُبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سياقُه ولا لفظُه على هذا التفسير، ولا على هذا يحمله الناس. قلت: لو كان على ما قاله جرير، لكان لفظُ الحديث: إذا استحييتَ مما لا يُستحيى منه فافعل ما شئتَ، ولا يخفى بُعْدُ هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله أعلم.

стр. 466

الحديث الحادي والعشرون عَنْ سُفيانَ بن عبدِ اللهِ ﵁، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عَنْهُ أحداً غَيرَكَ، قال: «قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثمَّ استقِمْ» رواهُ مُسلم. هذا الحديث خرَّجه مسلم (١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان وسفيان: هو ابنُ عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة، وكان عاملاً لعمرَ بنِ الخطَّاب على الطائف. وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوهٍ أخَرَ بزيادات، فخرَّجه الإمام أحمد، والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمان بن ماعز (٢)، وعند الترمذي: عبد الرحمان بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله قال: قلتُ: يا رسولَ الله، حَدِّثني بأمرٍ أعتصمُ به، قال: «قل: ربي الله، ثم استقم»، قلتُ: يا رسول اللهِ، ما أخوفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال : «هذا»، وقال الترمذي: حسن صحيح (٣). وخرَّجه الإمام أحمد، والنَّسائي (٤) من رواية عبدِ الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، مُرني بأمرٍ في الإسلام لا أسألُ عنه أحداً بعدَك، قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقم». قلت: فما أتَّقي؟ فأومأ إلى لسانه (٥).

стр. 467

قول سفيان بن عبد الله للنَّبيِّ ﷺ : «قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدَك» طلب منه أنْ يُعلمه كلاماً جامعاً لأمر الإسلام كافياً حتّى لا يحتاجَ بعدَه إلى غيره، فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «قل: آمنتُ باللهِ، ثُمَّ استقم»، وفي الرواية الأخرى: «قل: ربي الله، ثُمَّ استقم». هذا منتزع من قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١)، وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وخرَّج النَّسائي في " تفسيره " (٣) من رواية سهيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال : «قد قالها الناسُ، ثم كفروا، فمن مات عليها فهو مِن أهل الاستقامة». وخرَّجه الترمذي (٤)، ولفظه: فقال: «قد قالها الناس، ثم كفر أكثرُهم، فمن مات عليها، فهو مِمَّنِ استقامَ»، وقال: حسن غريب، وسهيل تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه (٥). وقال أبو بكر الصديق في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركُوا بالله شيئاً. وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره. وعنه قال: ثم استقاموا على أنَّ الله رَبُّهم (٦). وعن ابن عباس بإسنادٍ ضعيفٍ قال: هذه أرخصُ آيةٍ في كتاب الله ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أنْ لا إله إلا الله (٧). وروي نحوه عن أنس، ومجاهد،

стр. 468

والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّدِّيِّ، وعكرمة، وغيرهم. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قرأ هذه الآية على المنبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: لم يَروغوا رَوَغَانَ الثَّعلب (١). وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداءِ فرائضه (٢). وعن أبي العالية، قال: ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ (٣). وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة (٤). ولعل من قال: إنَّ المرادَ الاستقامة على التوحيد إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإنَّ الإله هو الذي يُطاعُ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلاً ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنَّها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان، قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٥) قالَ الحسن وغيره: هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه (٦)، فهذا يُنافي الاستقامة على التوحيد. وأما على رواية من روى: «قُلْ: آمنْتُ بالله» فالمعنى أظهر؛ لأنَّ الإيمانَ يدخل فيه الأعمالُ الصالحة عند السَّلف ومن تابعهم من أهلِ الحديث (٧)، وقال الله

стр. 469

- : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). فأمره أنْ يستقيمَ هوَ ومن تاب معه، وأنْ لا يُجاوزوا ما أُمِروا به، وهو الطغيانُ، وأخبر أنَّه بصيرٌ بأعمالهم، مطَّلعٌ عليها، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾ (٢). قال قتادة: أُمِرَ محمد ﷺ أنْ يستقيمَ على أمر الله. وقال الثوري: على القرآن (٣)، وعن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية شَمَّرَ رسولُ الله ﷺ ، فما رؤي ضاحكاً. خرَّجه ابن أبي حاتم (٤). وذكر القُشَيْريُّ وغيره عن بعضهم: أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: يا رسولَ الله قلتَ: «شَيَّبَتني هُودٌ وأخواتُها»، فما شيَّبك منها؟ قال: «قوله ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾» (٥). وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (٦). وقد أمرَ الله تعالى بإقامةِ الدِّين عموماً كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٧)، وأمر بإقام الصلاة في غير موضعٍ من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين. والاستقامة: هي سلوكُ الصِّراط المستقيم، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها، الظاهرة والباطنة، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها.

стр. 470

وفي قوله ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه لابُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامة المأمور بها، فيُجبَرُ ذلك بالاستغفار المقتضي للتَّوبة والرُّجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النَّبيِّ ﷺ لمعاذ: «اتَّقِ الله حيثُما كُنت، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها» (١). وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ الناس لن يُطيقوا الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبانَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : «استَقيموا ولن تُحْصوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمنٌ»، وفي روايةٍ للإمام أحمد: «سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن» (٢). وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «سددوا وقاربوا». فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامة، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيُصيبه، وقد أمرَ النَّبيُّ ﷺ عليَّاً أنْ يسألَ الله السَّداد والهدى، وقال له: «اذكر بالسَّدادِ تسديدَكَ السَّهْمَ، وبالهدى هدايَتك الطَّريق» (٤). والمقاربة: أنْ يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه، ولكن بشرط أنْ يكونَ مصمِّماً على قصد السَّداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ، ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ ﷺ في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي: «أيُّها النَّاس،

стр. 471

إنَّكم لن تعملوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكن سدِّدوا وأبشروا» (١) والمعني: اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في العمل كلِّه، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه. فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٢) بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكُّلِ عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء، وهي جنودهُ، فإذا استقامَ الملك، استقامت جنودُه ورعاياه، وكذلك فسَّر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ (٣) بإخلاص القصد لله وإرادته وحدَه لا شريكَ له. وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه، ولهذا لما أمر النَّبيُّ ﷺ بالاستقامة، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ لسانه، وفي " مسند الإمام أحمد " (٤) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيم قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه». وفي " الترمذي " (٥) عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً وموقوفاً: «إذا أصبح ابن آدم، فإنَّ الأعضاءَ كلها تكفر اللِّسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنَّما نحنُ بك، فإنِ استقمتَ استقمنا، وإنِ اعوجَجْتَ اعوججنا».

стр. 472

الحديث الثاني والعشرون عَنْ جَابِر بنِ عبدِ الله ﵄: أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المَكتُوبَاتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولم أزِدْ على ذلك شيئاً، أأدخُلِ الجنَّةَ؟ قالَ: «نَعَمْ». رواهُ مسلم. هذا الحديثُ خرَّجه مسلم (١) من رواية أبي الزبير، عن جابر، وزاد في آخره: قالَ: والله لا أزيدُ على ذَلِكَ شيئاً. وخرَّجه أيضاً (٢) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر قالَ: قالَ النعمان بنُ قوقل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا صليتُ المكتوبةَ، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزِدْ على ذَلِكَ شيئاً أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قال النَّبيُّ ﷺ : «نعم». وقد فسَّر بعضُهم تحليلَ الحلالِ باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمته مع اجتنابه (٣)، ويُحتمل أنْ يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلالُ هاهنا عبارةً عمَّا ليسَ بحرامٍ، فيدخل فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعل ما ليس بمحرَّم عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنب المحرَّمات. وقد روي عن طائفةٍ من السَّلفِ، منهم: ابنُ مسعود وابن عباس في قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (٤)، قالوا: يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامَه، ولا يُحرِّفونه عن مواضِعه (٥).

стр. 473

والمرادُ بالتحليل والتحريم: فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله تعالى في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ (١)، والمراد: أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عاماً، فيُحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عاماً، فيحرِّمونَهُ بذلك (٢). وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ (٣) وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهداً في الدنيا وتقشفاً، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريمٍ، فسمَّى الجميع تحريماً (٤)، حيث قصد الامتناعَ منه إضراراً بالنفس، وكفاً لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له، وإنْ كان يعتقدُ تحريمَ الحرام، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلاً له، وإنْ كان لا يعتقد حلّه. وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خرَّجهُ النَّسائي، وابنُ حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ ﷺ قال: «ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥) (٦).

стр. 474

وخرَّج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ عَبدَ الله، لا يُشركُ به، وأقامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاة، وصامَ رمضان، واجتنبَ الكبائرَ، فله الجنةُ، أو دخل الجنة». وفي " المسند " (٣) عن ابنِ عباس: أنَّ ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النَّبيِّ ﷺ ، فذكر له الصَّلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلها، فلمَّا فرغ، قال: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنْ صدقَ دخلَ الجنَّة». وخرَّجه الطبراني (٤) مِنْ وجهٍ آخرَ، وفي حديثه قال: والخامسة لا أَرَبَ لي فيها، يعني: الفواحش، ثم قال: لأعملنَّ بها، ومن أطاعني، فقال رسولُ الله ﷺ : «لئن صدقَ، ليدخلنَّ الجنَّة». وفي " صحيح البخاري " (٥) عن أبي أيوب: أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاة، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحم». وخرّجه مسلم (٦) إلاَّ أنَّ عنده أنَّه قال: أخبرني بعملٍ يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدُني من النَّارِ. وعنده في رواية: فلما أدبرَ قال رسول الله ﷺ : «إنْ تمسَّك بما أُمِرَ به، دخلَ الجنَّة». وفي " الصحيحين " (٧) عن أبي هريرة: أنَّ أعرابياً قال: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة،

стр. 475

وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضانَ»، قال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أزيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أَنْقُصُ منه، فلمَّا ولَّى، قال النَّبيُّ ﷺ : «مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة، فلينظر إلى هذا». وفي " الصحيحين " (١) عن طلحة بنِ عُبَيد الله: أنَّ أعرابياً جاء إلى رسولِ الله ﷺ ثائرَ الرأس، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ؟ فقالَ: «الصلوات الخمس، إلا أنْ تَطوَّع شيئاً»، فقالَ: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيامِ؟ فقال: «شهر رمضان، إلا أنْ تطوَّع شيئاً» فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة؟ فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك (٢) بالحقِّ، لا أتطوَّعُ شيئاً ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : «أفلحَ إنْ صدق، أو دخل الجنَّة إنْ صدق» ولفظه للبخاري. وفي " صحيح مسلم " (٣) عن أنس: أنَّ أعرابياً سألَ النَّبيَّ ﷺ فذكره بمعناه، وزاد فيه: «حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً» فقال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهن ولا أنقُصُ منهن، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لئنْ صدَقَ ليَدْخُلَنَّ الجنَّة». ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئاً من التطوُّع، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة. وخرَّج الترمذي (٤) من حديث أبي أُمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول: «أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهركم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربكم» وقال: حسن

стр. 476

صحيح، وخرَّجه الإمام أحمد (١)، وعنده: «اعبدوا ربكم» بدل قوله : «اتقوا الله». وخرَّجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر، ولفظ حديثه: «صلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وحُجُّوا بيتكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، طيِّبةً بها أنفسكم، تدخلوا جنَّة ربِّكم» (٢). وخرَّج الإمام أحمد (٣) بإسناده عن ابنِ المنتفق، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجنَّة؟ قالَ: «لئن كنتَ أوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطولت، فاعقل عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئاً وأقم الصَّلاة المكتوبةَ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ، وصُمْ رمضان، وما تُحِبُّ أنْ يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم، وما تكره أنْ يأتي إليك الناس، فذرِ الناس منه». وفي روايةٍ له أيضاً قال: «اتَّقِ الله، لا تشركْ به شيئاً، وتُقيم الصَّلاة، وتُؤتِي الزَّكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان، ولم تَزِدْ على ذلك» وقيل: إنَّ هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (٤). فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنَّة، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (٥) من حديث عمرو بن مرَّة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، شهدتُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّك رسولُ الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاةَ مالي، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «من مات على هذا، كان مع النبيِّين والصدِّيقينَ والشهداءِ (٦) يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه».

стр. 477

وقد ورد ترتُّب (١) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ، ففي الحديث المشهور: «من صلَّى الصلواتِ لوقتِها، كان له عندَ الله عهدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجنّة». وفي الحديث الصحيح: «من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة»، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله (٢) إلاَّ باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (٣) عن بشير بنِ الخَصاصِيةِ، قالَ: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ لأبايِعَه، فشرط عليَّ شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنْ أُقيمَ الصَّلاةَ، وأنْ أُوتي الزكاة، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام، وأنْ أصومَ رمضان، وأنْ أُجاهِد في سبيل الله، فقلتُ: يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أُطيقُهُما: الجهاد والصَّدقةُ، فقبضَ رسولُ الله ﷺ يدَهُ، ثمَّ حَرَّكَها، وقال: «فلا جهادَ ولا صدقةَ؟ فبِمَ تدخلُ الجنَّة إذاً؟» قلتُ: يا رسول الله أنا أُبايعُك، فبايعتُه عليهنَّ كُلَّهنَّ. ففي هذا الحديث أنَّه لا يكفي في دخول الجنَّة هذه الخصالُ بدون الزكاة والجهاد. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ ارتكاب بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنَّة، كقوله: «لا يدخل الجَنَّةَ قاطع» (٤)، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر» (٥)، وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا» (٦) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنَّة بالدَّينِ حتى يُقضى، وفي الصَّحيح : «أنَّ المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ، حُبِسُوا على قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا» (٧).
следующие страницы →