← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما " نظم الكلم " فليس الأمر فيه كذلك؛ لأنَّك تقتفي في نظمها آثار المعانى في النفس فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو "النظم" الذي معناه ضم الشيء كيف جاء واتفق ... " (١) و" التناسب" لايحتاج قائله إلى أن يحتاط كذلك إلا إذا وضع الكلمة في غير موضعها، ولم يلحظ جرثومة مدلولها الاشتقاقي المُؤَذِّنَة بأنّه علاقة جَوَّانيّة تجرى في الأشياء مجرى الروح من الجسد، ذات آثار برَّانيّة مصاحبة لها ,خاضعة لسلطانها فما بين آيات القرآن الكريم، وجمله البيانية ومعاقده وسوره علاقات معنوية، ذات نسب عريق فيما بينها، كأنَّه في ظهوره وإدراكه علاقات أبناء آدم ببعضهم: " كلّكم لآدم " كما هدت الكلمة النبوية المطهرة، وإن كان ذلك النسب في اعتلاقه وآثاره أعظم وأجل مما بين أبناء آدم و" البقاعي" يجعل التناسب القرآني علما من علوم القرآن الكريم، يكشف لنا عن مفهومه بقوله: "علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن، وهو سِرُّ البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المقال لما اقتضاه الحال " (٢) وهو إذ يستخدم مصطلح " العلم" ينطلق من مفهومه في المصطلح العربي، الدَّال على " إدراك الأصول والقواعد عن دليل، وإمكان استحضارها متى أريد" ومن خلال هذا يقف الدارس موقف فقه وعرفان بالعِلَلِ المقتضية الإتيان بكل كلمة وما هو أكثر منها في الموطن الملائم، وعلى الهيئة المناسبة وأنت تلحظ أن " البقاعي" قد عرف هذا العلم بأثره لابحقيقته , وكنهه، فقال: علم تعرف منه وهو بهذا يكشف لنا عن أثر هذا العلم فيمن أحاط به أوأدركه، فبإدراك أصوله نقف على ما كان مقتضيا أن توضعَ أجزاءُ القرآنِ الكريمِ: الكلمة وما فوقها في رتبتها التى وضعت فيها

стр. 142

وهذا يحقق أيضًا: " الاطلاع على الرتبة التى يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلُّق الذي هو كلحمة النسب " (١) . الاطلاع على الرتبة فوق الاطلاع على النظم: في " الترتيب " ملاحظة رتب الأشياء وأقدارها، فلا يُوضع شيءٌ إلا في المرتبة التى يستحقها، أما النظم، فهو في أصله ضم الأشياء بعضها إلى بعض من غير تقييد بملاحظة رتب هذه الأشياء ومنازلها يزيدك بصرًا بهذا النظرُ في قول " عبد القاهر ": " ووجدت المعول علي أن ههنا (نظما وترتيبا/ وتأليفا وتركيبا) و (صياغة وتصويرا/ ونسجا وتحبيرا) (٢) فهذه ثمان نسقها الإمام في هذا الموضع نسقا عجيبا دالا على تصاعدها، فمبدأ مراحل " البناء" " النظم، ومنتهاها" التركيب" ومبدأ مراحل الهيئة (التصوير) : " الصياغة" ومنتهاها" التحبير" وليس المقام لبسط القول في مقالة " عبد القاهر" لكنِّى أردت إلإشارة إلى ان الترتيب مرحلة أعلى من مرحلة " النظم "، في بناء المعاني، والنظم أساسها جميعا، ولعلَّ ذلك ما جعل " عبد القاهر " يطلقه" على سائر منازل العلاقات بين الكلم، فما من مرحلة إلا والنظم قائم فيها، وإذا ما كانت عبارة " البقاعي" هنا دالةً على أنَّه يرى أن علم التناسب مقصور على بيان الرتبة بين أجزاء الكلام، والرتبة واحدة من أحوال الكلام، فيوحي بتقصير في موقفه، فإن الأمر يزداد تحريرًا بقوله عن صنيعه في بيان التناسب بين الجمل والآيات: إنه " يمهد لكل جملة مهادًا يدلّ الحال الذي اقتضى حلولها، وأوجب ترتيبها على ما قبلها من شكلها أو ممَّا أوجب تأكيدها أو إعْراءَها وتقييدها، ونحو ذلك من أفانين الكلام وأساليب النظام" (٣)

стр. 143

ويبين أن علم التناسب يتناول كل أحوال البيان التركيبية والترتيبية، وأنَّه ((به يتبين لك أسرار القصص المكررات، وأن كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى ادعى في تلك السورة استدلَّ عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له السورة السابقة ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب الأغراض، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع انها لايخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة " (١) علم التناسب عنده إذن يتناول بيان مقتضيات أحوال تركيب وترتيب أجزاء الكلام وعناصره على اختلاف مقاديرها ولعلَّه حين اقتصرعلى جانب الترتيب في تعريفه " علم التناسب " نظر إلى قوله من بعد ذلك: " هو سر البلاغة؛ لأدائه إلى مطابقة المقال لما اقتضاه من الحال" ذلك أن المعهود في تحقيق المطابقة النظر في تركيب الجمل أكثر من النظر في الترتيب بين الفِقر والمعاقد (الفصول) لعلَّه أراد بما صنع أن يلفت البصائرَ إلى منزلة "الترتيب " بين الفقر والمعاقد في" علم التناسب القرآني " وأنه لايقل منزلة في الإعجاز البيانى للقرآن الكريم عن التركيب في مجال الجملة. ولعله أيضا يشير بالاقتصارِ على التَّصريحِ بالتّضرتيبِ في التعريفِ إلى المستوى الأعلَى، ذلك أنَّ " التناسب " الذي هو سِرُّ الإعجازِ القرآنى يعتمد على نوعين من النظم عنده للثانى منهما ماليس للأول *** مستويات التناسب . التناسب القرآني عنده قائم من ضربين من النظم، أحدهما أعلى من الآخر: ﴿الأول: النظم التركيبي ..﴾ : هو عنده: " نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب (٢) هذا النظم يتناول كلَّ مظهرٍ بلاغيٍّ في إطار الجملة القرآنية سواء ما تعلق بركنيها أو بالمتعلقات، وإن تكاثرت، وسواء كانت الجملة صغرى أو كبرى ممتدة تشتمل على مجموع جمل وآيات، بل قد تكون السورة القرآنية جملة واحدة

стр. 144

ومن تلك المظاهر الترتيب بين مواقع عناصر الجملة الواحدة، فهو عنده لا يُعدُّ ترتيبا بل هو داخل في النظم التركيبي، فالترتيب عند لا يكون في بناء الجملة وإن امتدت المفردات عنده لاترتب بل تركَّب، ليكون منها جملة واحدة ترتب على أخرى، فكل ما يتناول نظم الجملة وإن امتدت هو عنده تركيب أنت إذ تنظر في ﴿آية الكرسي﴾ : سيدة آي القرآن الكريم ترى أنَّ نظمَها نظمٌ تركيبيّ لا ترتيبي، وذلك أنَّها تكاد تكون جملةً بيانيّةً واحدةً، وإنْ تركبت من عَشْرِ جُمَلٍ نحويّةِ متتابعةِ على النحو التالي: ﴿اللَّهُ﴾ - ﴿ُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأََرْضِ﴾ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ - ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ - ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض﴾ - ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ - ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:٢٥٥ ( فاسم الجلالة عنده مبتدأ خبره محذوف مستفاد من السؤال المَنْسُولِ من الآيات السابقة، وقد قدَّره: " لمن الملك اليوم"؟ ، فيأتي الجواب (الله) وتأتي الجمل من بعد بيانا وتفصيلا، فالعلائق بينها علائق تركيبية، وليست علائق ترتيبية بين جمل بيانية. وأكثرُ ما يتناوله " علم المعاني " في أحوال المسند إليه والمسند ومتعلقاته، وما يتناوله " علم البيان" و" علم البديع "أكثر هذا هو من النظم التركيبي عند " البقاعِيّ ". منزلة النظم التركيبي: .

стр. 145

هوعنده نظم " قريب التناول، سهل التذوق، فإنَّ كلَّ من سمع القرآن من ذكي وغبي [كذا!!] يهتز لمعانيه، وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط، ورهبة مع انبساط لاتحصل عند سماع غيره، وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز " فكثير من الناس في صحبة استحضار قواعد علم بلاغة العربية التى عُنِىَ البلاغيون بها تحريرا وتطبيقا يستشعر في نفسه القدرة على أن يقول في النظم التركيبي في بناء الجملة، فيظنّ أنّه قد أبحر في قاموس الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، وهو بَعْدُ لمَّا يغمس أخمص قدمه في شاطئ القاموس المحيط المتلاطم موجه. يمكن القول بأن ترك " البقاعي " التصريح بهذا النظم التركيبي في تعريف " علم التناسب " ـ على أهميته عنده ـ إنّما هو ضربٌ من الإشارة إلى قيمة هذا النظم بالنظر إلى قيمة النظم الترتيبي عنده، وهذا ضرب من منهجه في التقويم والتعبير عنه. ﴿الآخر: النظم الترتيبي ..﴾ هو عنده:" نظم كل جملة مع أختها بالنظر إلى الترتيب " هو نظم لايتناول من خصائص البيان إلا علاقاتِ الجمل بعضها ببعض، ومِن ذلك ما يُسميّه البلاغيون " الفصل والوصل "، وعلاقاتِ المعاقد والسور بعضها ببعض، وهي علاقاتٌ تَنْظر إلى منازل الجمل والمعاقد والسور بعضها من بعض , فيتحقق من علاقات المنازل تصاعد البيان المحتضن تصاعد المعانى. وهذا النظم هو الدعامة الرئيسة للتناسب عند " البقاعي"، ومهمَّته بناء نتاج النظم التركيبي في بناء متكامل متآخٍ متناغٍ بحيث يكون كلّ عنصر من عناصر هذا البناء المتكامل آخذًا بحجز بعضه ٠ والأخذ بالحجز ليس من بابة الربط الجزئي بين عناصر البيان بل هو من بابة الاعتلاق الجوهري بين الجمل والمعاقد والسور في القرآن الكريم كلِّه *** هو ذاهب إلى أنَّ القرآن الكريم في جميع مكوناته البيانية معجزٌ:

стр. 146

هو معجزٌ في اصطفاء مفرداته، وفي بناء جمله، وفي بناء آياته، ومعاقده وسوره، لافرق في ذلك بين شيء وآخر، وفي جميع مكنوناته المعنويّة: هو معجِزٌ معنى ومبنى، يقول: " أمَّا مِنْ جهةِ المُفرداتِ، فلكونها النهاية في جلالة الألفاظ ورشاقة الحروف وجمع المعانى، فيفيد ذلك أنَّه لاتقوم كلمة أُخرَى مقام كلمةٍ منه أصلاً وأمَّا من جهةِ التركيب، فلكون كلِّ كلمة منها أحقُّ في موضعها بحيثُ إنَّه لو قدم شيء منها أو أخر لاختل المعنى المراد في ذلك السياق بحسب ذلك المقام وأمَّا من جهةِ الترتيب في الجمل والآياتِ والقصص في المبادئ والغايات، فلكون مثل تركيب الكلمات: كلُّ جملة منتظمة بما قبلها انتظام الدُّرِّ اليتيم في العقد المحكم النظيم؛ لأنها إمَّا أن تكون عِلَّةً لما تلته، أوْ دليلاً، أوْ متَمِّمةً بوجهٍ من الوجوهِ الفائقةِ على وَجْهٍ ممتنع الجَنابِ، جليلِ الحجاب؛ لتكون أحْلَى في فمهِ، وأجْلَى بعدَ ذوْقِهِ في نظمهِ وسائر علمه " (١) هو إذن لايقف به مذهبه عند بناء الجملة من كلمات، ولا بناء آية من جمل، وإن بلغت الآية من البسط مبلغًا، بل يتجاوز به بناء المعقد من الآيات، وبناء السورة من المعاقد، وبناء القرآن الكريم كلِّه من السُّوَرِ أصغر وحدة من النظم الترتيبي الذي هو روح البيان عنده إنما هي الجملة الكاملة، وأكبر وحدة هي السورة القرآنية. الوحدات في النَّظم التركيبيِّ المُنْتِجِ الجملة تستحيل في علاقتها ببعضها، كوحدات بناء الكلمة التى هي الحروف والحركات في بناء بعضها ببعض. ومن البين أنَّ أيَّ تغييرٍ يطرأُ على أيِّ وحدةٍ (حرف أو حركة) في بناء الكلمة إنما يؤثر في دلالة الكلمة، وقدرتها الدِّلاليِّة تأثيرًا بيِّنًا عند قومٍ، وخفيًّا عند آخرين، إى أنَّه تأثيرٌ قأئمٌ يختلفُ ظهورًا وخفاءً اختلافًا نسبيًّا لأمورٍ ترجع إلى ملكات المتلقين.

стр. 147

وكذلك الأمر في بناء الجملة: أيُّ تغيير يطرأُ على أيِّ وحدةٍ منها (الكلمة) إنما يؤثِّرُ في دلالة الجملة، وقدرتها الدلالية، تأثيرًا جليا أو خفيا، وفق قدرات المتلقين. والأمر كمثله في الوحدات المكونة بناء الآية، والمعقد والسورة، فإن ما يؤثر في الصغير، يؤثر في ما كان أكبر منه وفي كل وحدة تشكلت من وحدات أصغر روحٌ يهيمن عليها، هذا الروحُ ينبثقُ من علائقِ المكونات ببعضها، وفي امتلاك المتلقى الوعى بهذا الروح المهيمن ما يعينه على إتقان الفهم وإحسان التدبر من هنا يذهب " البقاعي " إلى أنَّ في كلّ سورةٍ روحًا مهيمنا على بيانها، يسمى هذا الروح: (المقصود الأعظم) يقول: " إنَّ كلَّ سورةٍ لها مقصدٌ واحد يُدار عليه أولها وآخرها، ويستدلُّ عليه فيها " (١) وهذا المقصود الكلى الأعظم تُفيدُ معرِفَتُه معرفة المقصود من جميع أجزاء السورة (٢) فالعلم بـ " التناسب القرآنيِّ "عنده" تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها (٣) " ولأجلِ اختلاف مقاصد السور تتغير نظوم القصص وألفاظها بحسب الأسلوب المفيد للدلالة على ذلك المقصِدِ (٤) ويقول أيضًا: " وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات، وأنَّ كلَّ سورة أعيدت فيها قصة، فلمعنى ادعُي في تلك السورة استدلَّ عليه بتلك القصَّةِ غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لايُخالف شيءٌ مِنْ ذلكَ أصل المعنى الذي تكونت به القصَّةُ " (٥) ويقول: " ومَنْ حَقَّقَ المقصودَ مِنْها عرفَ تناسبَ آيِها وقصصها وجميع أجزائها " (٦)

стр. 148

بسطت لك النقل عنه، لأهميته أولا، ولتقفَ على حقيقة مذهبه وعموده بلغته هو، وسوف يكون لنا وقفة تحليل وتقويم لبعضٍ من ذلك المهم أنَّ تحرير هذا المقصود الأعظم الكلي لايتأتى خبط عشواء، ولا يمتلكه المرءُ من قراءاتٍ عَجْلَى للسورة القرآنية، بل هو لايملك معالمه الكبرى إلاَّ من بعد معايشةٍ للسورة، وسعي بليغٍ إلى أن يقيم فيها بعقله وقلبه وروحه حتى تستحيل إلى جزء من وجوده الدَّاخلىّ أو إلى أنْ تقوم هي فيه. يظَلُّ المتدبرُ يتنقلُ بينَ تأمل الجزء وتأمل الكلِّ، فيعيشُ في حركةٍ دائريةٍ تردديةٍ، وهو يحاول تأويل السورة وتدبرها وقد كان " البقاعي" يدور في تدبره تحليل الكلمات والجمل والآيات والمعاقد في ضوء المعالم الكبرى للمقصود العظم للسورة، حتى ينتهى إلى تحرير المعالم الدقيقة لذلك المقصود، فيعود إلى تدبر الجمل والآيات والمعاقد تدبرًا أعمق من سابقه في ضوء هذا التحرير الدقيق للمعالم الدقيقة للمقصود نرى " البقاعي" مثلاً يقوم بتعديل منهجه وخطته في التدبر عندما يتقدم فيه، وعندما يصل إلى سورة " سبأ" يرجع إلى ما سبق أن صنعه من أول سورة " الفاتحة " وحتى سورة " سبأ" فيعيد النظر فيه، وهكذا يقين نفسه في حركة دائرية ترددية بين المقصود الكلى والعناصر في إطار السورة القرآنية، ثمَّ في القرآن الكريم كلُّهِ، لرحابة ميدان التناسب. وإذا ماكان عمودا " التناسب " عنده هما " النظم التركيبي" و" النظم الترتيبي "وكان كلُّ منهما يعتمد على الآخر كما تراه في قوله: " المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف، بديعة الرصف، عَلِيَّةُ الأمر، عظيمة القدر، مباعدة لمعانى الكلام على أنها منها أخذت " إذا ماكان ذلك فإن"البقاعي" ليذهبُ إلى أنَّ "النظم الترتيبي " يحتاج متدبرُه إلى أنْ يكون ذا فراسة بيانية في تدبره، لأنَّه في غاية الخفاء

стр. 149

فإذا ما أراد المتدبِّرُ العبورَ من " النظم التركيبي " إلى تأمل ربط الجمل أو الآيات ... بما جاء من بعد خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظنَّ أنَّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزِّ والبسط، فربما شككه ذلك وزلزل إيمانه، وزحزح إيقانه، وربما وقف ذلك بكثير من المخالفين عن الدخول في هذا الدين " (١) لنتجاوز شيئا ما عن مبالغة " البقاعي " في أثر الجهالة ببعض منازل " النظم الترتيبي " لننتهى إلى أنَّ " النظم الترتيبي" الذي هو الممثل لروح الكلام عنده يأتيه سمو أثره وصعوبة تأمله وإدراكه من خفائه وشموله وهيمنته على كل عنصر بحيثُ يحتاجُ المتدبرُ إلى رَحابةِ أفقٍ، وعمقِ فهمٍ، وبصيرةٍ وقدرةٍ على الاختزانِ الأمين لدقائقِ البيانِ، والتتبعِ الدقيقِ لكلِّ حركةً جزئيةٍ، فيرصدها ببصيرةٍ نافذةٍ؛ ليَحْظَى بالروح الممسكِ بكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ وشاردةٍ بعد أن ألقت إليه قيادَها، وذلك أمرٌ صعبٌ مراسُه، ومنْ ثَمَّ كان مثيرًا للذَّةِ والمتعةِ فينا٠ ***** وهو يتخذ منهاجا في تدبره تناسب البيان القرآني المعجز، هذا المنهاج ذو معالم كليّه أرى حاجة إلى بيان بعضها، ولن يكون بياني بعض هذه المعالم بالموفي حق الكشف والبيان عن كثير مما يقوم في تفسير البقاعي. *** إذا ما كان الذي مضي بيانا لمفهوم التناسب عن البقاعي ومستوياته ومجالته التي يتحقق فيها فإنّ البقاعيّ يتخذ هذا أساسًا لمنهاج تأويل بلاغة البيان القرآنيّ المعجز، تراه قائما في كلّ مرحلة من مراحل تأويله البيان القرآنيّ المعجز بمكنوناته ومكوناته: معنى ومبنى وهذا المنهاج ذو سمات ومعالم عديدة آثرت أن أوجز القول في أهمها، وأن أشفع كل معلم منها بشيء من تأويله ليتبين لنا منه ما لم يسطع بياني أن يبين عنه، وهذه المعالم ضربان: ﴿الضرْب الأول﴾ :

стр. 150

معالم منهاجه في تأويل تناسب ترتيب سور القرآن كما هي في نسق التلاوة، وكما عليه الأمة قائما بين دفتي المصحف , فكلّ سورة إنّما هي نازلة منزلها الحكيم الذي لايكون لها غيره لما اقتضاه مقصودها الأعظم وما تناسل منه من معانى الهدى الكلية والجزئية، فتحقق للسورتصاعدها في ترتيبها وتناسل مقاصدها ومعانيها. وهذا الضرب تراه في المعالم الأربعة الأولى وقد جعلتها الفصل الأول من هذا الباب. وعناية كثير من المفسيرين بهذا الضرب قليلة بالنسبة إلى منزلها في الإعجاز البياني للقرآن الكريمِ،ومنزلها من الفقه والفهم وعناية البقاعي بهذا الضرب عناية متميزة عن عناية أقرانه وأشياخه مما يجعل لتفسيره (نظم الدرر) مكانا يمكنك أن توقن أن غيره لا يزاحمه فيه. ومنهاجه في تدبر هذا الضرب متميِّز عن منهاج سابقيه ولاحقيه ممن تكلموا في مناسبات السور، وسوف تكشف لك الأوراق القادمة - إن شاء الله تعالى - بعضًا من ملامح هذا التميز في منهاج البقاعي في تأويله بلاغة القرآن الكريم في تناسب سوره. ﴿والضرب الآخر﴾ : معالم تأويل بناء السورة القرآنية وتصاعد معانيها الكلية والجزئية وتناسلها من مقصود كليّ أعظم وهذا تراه في بقية المعالم التي أوجزت القول فيها، وقد جعلته الفصل الثاني من هذا الباب، وهذا الضربُ هو الجامعُ بين نوعي النَّظم عند البقاعيّ: النظم التركيبي، والنظم الترتيبي وإذ ما كانت مسالك النظم التركيبي عديدة لا يكاد يحاط بها على نحو ما تراه في علوم البلاغة العربية فإنَّ مسالك النظم الترتيبيّ أشدَّ مؤونة على سالكها فقها وتدبرًا، وأبسط ميدانا وأبعد مدى، مما بستوجب على القائم لفقهها أن يتخذ لها الزاد، وخير الزاد التقوى وإتقان العمل.

стр. 151

الفصل الأول: منهاج تأويل بلاغة النّص القرآنيّ (تناسب السور) المعلم الأول تبيان الغاية العظمى والمغزى الرئيس للقرآن الكريم لكلِّ كتاب ذي قّدْرٍ في بيان البشر غايةٌ يساق البيانُ فيه إليها ومقصودٌ أعظمُ يُؤمّ إليه، وأحقُّ الكتب بذلك ما كان بيانًا من الله إلى عباده بل فضله في هذا على كتب العباد كفضل الله تعالى على عباده، وأحقّ كتبِ الله قاطبة بهذا كتابُه الكريمُ المنزّلُ على عبده ونبيه ورسوله محمد ﷺ ، فهو الكتاب الخاتم المُنزَّل على النبيّ الخاتم ﷺ إلى خير أمَّة أخرجت للناس، وهو الكتاب الذي جعل بيانه معجزة من أنزل عليه، ولم يجعل كتابٌ من قبله بيانُه معجزة من أنزل عليه، فكان جديرًا بأن يكون كل ما فيه من الإعجاز المُبْلِسُ للعالمين أجمعين. يبيّن "البقاعيَّ" في تاويله سورة " الفاتحة " وبيانه مقصودها الأعظم: " أنَّ المقصود من إرسال الرسلِ، وإنزالِ الكتبِ نصبُ الشرائعِ، والمقصود من نصبِ الشرائع جمع الخلق على الحقّ، والمقصود من جمعهم تعرِيفُهُم المَلكَ وبما يُراضيه، وهو مقصود القرآن، الذي انتظمته " الفاتحة " بالقصد الأول، ولن يكونَ ذلك إلا بما ذكرعلمًا وعملا " (١) وهو يقرر مثل هذا في مواطن عديدة من تفسيره يبين فيها المقصود الأعظم من إنزال القرآن الكريم.

стр. 152

والحقّ أن القرآن الكريم نفسه لم يدع لنا الاجتهاد في تحرير مقصوده الأعظم استنباطًا، فنتفاوت في تحريره، بل قرَّر لنا ذلك في آيات كثيرة، فإن للقرآن الكريم حديثا عن نفسه ليس كمثله حديث أحد من العالمين، فمن أراد أن يعلم حقيقة القرآن الكريم ورسالته ومنزلته وفضله، فليس عليه إلا أن يستجمع في سمعه وبصره وقلبه الآيات التي تتحدث عن القرآن الكريم، وينسقها مستحضرًا سياقاتها التي تقوم فيها في سورها , فإنَّ في هذا من الكشف ما فيه، فخير الحديث عن القرآن الكريم هو حديث القرآن المجيد نفسه، ثُمَّ من بعده حديث النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وجميل أن يعمد عامد إلى جمع الحديثين: حديث القرآن الكريم والسنة عن القرآن العظيم في وعاء بحث تحليليّ تأويليّ. ومن رحيمية الله ﷻ أو رحمانيته أنَّه إذا ماكان مستفتحًا سورة (أم الكتاب: الفاتحة) بالحديث عن نفسه معلنا استحقاقه الحمد , ومعلما عباده كيف يحمدوه، مبرزًا لهم خمسة أسماء من أسمائه الحسنى: اسم الذات وأربع صفات من صفات كماله العَلِيّة: الله - ربِّ العالمين , الرحمن ,الرحيم، مالك يوم الدين , فإنَّه ﷻ يستفتح أول تفصيله ﴿أم الكتاب﴾ بسورة ﴿البقرة﴾ مستهلا بيانه بالحديث عن القرآن الكريم: ﴿ذَلِك الكِتابُ لارَيبَ فِيه هُدى للمتَّقين﴾ (البقرة:١-٢) وإذا ماكان ﷻ قد نسق اسمه وصفاته الحسنى نسقا دالا على عظيم ارتباطها واعتلاقها، فاستغنت عن ناسق لسانيّ (حرف عطف) فجاءت متتابعة غير معطوفة (الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) فإنه أيضًا نسق حديثه عن القرآن العظيم نسقا تتابع فيه النعوت على نحو لامحلّ فيه لعاطِفٍ، فهي نعوت يتناسل ثانيها من أولها , وثالثها من ثانيها

стр. 153

الحق قد أعلن في مفتتح تفصيل البيان المجمل في سورة الفاتحة أن القرآن الكريم هو الكتاب البعيد المنزلة العليِّ القدر الذي لا قِبَلَ لأحد أن يستشرف إلى اللحوق به , وهو القائم الشاهد الذي لايغيب بما أشار إليه اصطفاء اسم الإشارة للبعيد (ذلك) وكأنَّ في هذا إشارة إلى الصراط المستقيم المطلوب الهداية إليه في سورة الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال ذلك الصرط المستقيم الذي تطلبون الهداية إليه هو (الكتاب) وبما أشار إليه التعريف باللام (الكتاب) واصطفاء كلمة (كتاب) الدالة على الجمع من جهة وعلى القضاء والحتم والتوثيق من أخرى , فهو البيان الجامع الموثَّق المحتوم الذي لايتأتى لأحدٍ من العباد أن ينقض بما أبرمه، فهذه معانٍ مكنونة في اصطفاء كلمة (كتاب) دون ذكر أو قرآنٍ، في هذا السياق، فلم يقل ذلك الذكر أو ذلك القرآن. وأعلن أنَّ ذلك الكتاب البعيد الشأن العليَّ القدر هو أيضًا بعيد كلَّ البعد عن أن يكون محلا للريب أو أن يكون أهلا لأنْ يرتاب فيه مرتابٌ يقوم ارتيابه من شيء في ما يرتاب فيه أمَّا أولئك الذين يرتابون فيما ليس فيه ما يُغْرِى بريب، بل يسقطون ما اعتمل في صدورهم من الريب على ما هو العليّ المنزه عن مثل ذلك فإنه لا اعتداد بمثلهم وكأنَّ في هذا هداية وتعليمأ للأمَّة ألا تعتد بكل ما تتقاذفه الألسنة من أقوال بل عليها أن تتحقق وأن تتثبت، وهذا الذي أفاده قوله (لاريب) فيه إلاحة وإيماء جاء البيان عنه إفصاحا في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات:٦)

стр. 154

فقوله (لا ريب فيه) ليس نفيًا للريب ولكنه نفي لما يمكن أن يحسِبَ حاسبٌ ما أنّه مما يُرتاب ذو ريبٍ فيه، وهذا من الإبلاغ في النفي، وفي هذا بشرى لكلّ من أراد أن يقف من القرآن الكريم موقفًا موضوعيا علميًّا في طور بحثه عن الحقّ أنه ما عليه إلا أن يلتزم بالأصول العلمية المقررة في البحث عن الحقِّ والبحث فيه، فلينظر ماذا يرى؟ وما الذي ينتهى إليه؟ لن ينتهي إلا إلى حقيقة الحقائق: أن هذا المنزَّل على عبد الله ورسوله محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ليس إلا الكتاب العلىَّ القدرالذي ليس كمثله كتاب وأنه المنزه عن أن يكون فيه ما يصحُّ أنْ يكون محلا للريب وفي هذا - أيضًا - تعليم للأمّة أن لا تخشي من أن يسعى ساعٍ إلى ما يطلقون عليه في الثقافات الإنسانية الدراسات النقدية القائمة على منهاج الشك في كل الموروثات والمسلَّمات السلفية، فإن مثل تلك الدراسات إذا ما التزمت بالموضوعية العلمية والتزمت بأصول النظر وبالتحقيق العلمي، فلن ينتهي الأمر إلا إلى الإذعان والإعلان بأنَّ القرآن الكريم إنِّما هو الكتاب الكامل الذي لايقوله إلا رب العالمين ، كل ُّ ما هنالك أن يلتزم الساعون إلى تلك الدراسات بأن يكونوا متخلقين بأخلاق العلماء الموضوعين وأعلنَ الحقُّ من بعد هذا أنَّ ذلك الكتاب العليَّ المنزَّه عن أنْ يكون محلا لريب مرتابٍ يعتدُّ أحدٌ بريبه إنَّما هو كتابٌ نازلٌ لأنْ يكون هدى للمتقين كلّ مامُنَي به غيرهم المذكورون في رأس المعنى من سورة الفاتحة: المغضوب عليهم والضالون منهاج هذين الفريقين في البحث عن الصراط المستقيم هو المنهاج الجدير بالاتقاء، والإعراض عنه والفرار منه، فمن أخذ نفسه بأن لا يسلك سبيلهم في البحث عنه، فإنَّه بهذه التقوى واجد في القرآن الكريم هدايته إلى ما يسعى إليه ويبحث عنه

стр. 155

بهذا يبين لنا الحقُّ ﷻ أن القرآن الكريم مقصوده الأعظم دلالة العباد على الصراط المستقيم إلى معرفة ربهم وخالقهم وما يرضاه منهم، فيأخذوا به، وما لا يرضاه منهم، فيجتنبوا المهم أنَّ في تبيان هذا المقصود وتحقيقه وتحريره وتعيينه معيارًا لكلَّ من سعى إلى تاويل كلمة أو جملة أو آية أو معقد أو سورة من القرآن الكريم: أن يكون في تأويله هذا ما يتجلى فيه منهاج القرآن الكريم في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكلُّ تأويلٍ لايتحققُ به ذاك فليس من الاجتهاد في استنباط المعنى القرآنّي الكريم استباطًا علميًّا محررًا من شوائب الغفلة والزيف والضلالة والتدليس وإذا ماكان للقرآن المجيد مقصودٌ أعظم تتناسل المعاني منه فإنَّ الله من فيض رحيميته قد جعل القرآن العظيم سورًا تتفاوت في عدد آياتها وطولها، وجعل كلّ سورة من آيات وجعل الآيات جملا، فهو ﷻ أحكمه ثُمّ فصَّله، وذلك وجه من وجوه المعنى القرآني في قوله في مستفتح تلاوة سورة " هود": ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياتُه ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:١) ومن ثَمَّ فإنَّا نرى البيان القرآنيّ قد فصِّلَ إلى سور، والسورإلى معاقد (فصول) والمعاقد إلى آيات والآيات - غالبًا- إلى جمل. والعلائق فيما بين هذه علائق تناسب وتناسل بكلّ ما تحمله هاتان الكلمتان: تناسب وتناسل من دقيق المعنى وجليله

стр. 156

الجنس البشري في عالم الخلق مكونا من قبائل وشعوب، وكانت القبيلة مكونة من بطون والبطون من أسر والأسر من أفراد وكان الفرد مكونا من أعضاء متلاحمة، وهذا ماأراد الله بالجنس البشري قدرًا أن يكونوا عليه في تناسبهم وتناسلهم، وإن كان كثير منهم في حركة سلوكهم على غير ما أراد الله تعالى منهم تلكيفا، فنَظرُنا إلى ماأراد الله بهم: (قدره) إذ هم جميعًا عبيده لا ما أراد منهم (تكليفه) إذ قليل منهم عباده: كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، إذا ما كان هذا فهل لنا أن نقول تقريبًا لا تصويرًا: إن السورة في البيان القرآني كالقبلية، وكلّ سورة مكونة من معاقد هي كالبطون للقبيلة، وكل معقد مكون من آيات هو كالأسر للبطن، وكلّ آية من جمل هي كالأفراد للأسرة، وكل جملة من كلمات هي كالأعضاء بالنسبة للفرد في بناء جسده: منزل الكلمة من الجملة منزل العضو من الفرد ومنزل الجملة من الآية منزل الفرد من الأسرة ومنزل الآية من المعقد منزل الأسرة من البطن ومنزل المعقد من السورة منزل البطن من القبيلة ومنزل السورة من القرآن منزل القبيلة من الجنس البشري هذا من عالم الخلق، والقرآن الكريم من عالم الأمر ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (لأعراف: من الآية٥٤) للجنس البشري أب يتناسل منه وينتسب إليه وللبيان القرآني الكريم مقصود أعظم تتناسل منه المعاني القرآنية وتنتسب إليه. إنْ هو إلا تقريب لا تصوير، إذ كيف يصور ما هو من عالم الأمر بمامن عالم الخلق؟ المقصود الأعظم للقرآن العظيم هو الذي على أساسه القويم كانت سنة اختيار الكلمة في نظم الجملة وسنة نظم الجملة من الكلمات المختارة وسنة نظم الآية من هذه الجملة وسنة نظم المَعْقد من هذه الآيات وسنة نظم السورة من هذه المعاقد

стр. 157

ثم سنة نظم السور وترتيبها ومن ثمَّ كانت عناية البقاعي بتدبر بلاغة تناسب البيان القرآني الكريم من وجوه عدة أعمُّها بلاغة ترتيب السور وتناسب موقعها وهو أمر عظيم يقوم عليه منهاج التدبُّر والتَّأويل في تفسير البقاعي لايتخلى عنه في موضع من مواضعه. وسوف نشير إلى معالم أخرى منسولة من هذا المعلم الكليّ وكلها رامية إلى تقرير حقيقة تناسب القرآن الكريم في ترتيب بناء جمله وآياته ومعاقده وسوره. و" البقاعِيُّ " يقرر في نهاية مقدمة تفسيره " أنّه لا وقف تام في كتاب الله، ولا على آخر سورة (قل أعوذ برب الناس) بل هي متصلة مع كونها آخر القرآن بالفاتحة التي هي أوله كاتصالها بما قبلها بل أشدّ" (١) ويقرر عند تأويل قول الله ﷻ : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة:٨٨) تبعًا لـ"الحرَالّيّ" انَّه: " انتظم صدر هذه السورة إظهار الشيْطَنَتَيْنِ من الجنِّ والإنِسِ الذي انختم به القرآن من قوله: " منَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ" (الناس:٦) ليتصل طرفاه، فيكون ختمًا لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به. لايقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك حتم بعض القراء بوصله حتَّى لايتبيّنَ له طرف، كما قالت العربية لمَّا سئلت عن بنيها: " هم كالحلقة المفرغة لايدرى أين طرفاها (٢) وهذا الذي يتخذه أساسًا لتأويله يقضي بأنَّ كل وجه من وجوه التأويل للبيان القرآنيّ المجيد لايكون فيه تحقيق للمقصود الأعظم للقرآن المجيد , ولا يتناسب معه لايكون ذلك الوجه من الصواب في شيء. وهذا معيار موضوعيّ من ذات البيان المؤول يكون مثابة ومرجعًا لما قد يشتجر في تأويله القول بين طوائف العلماء. المعلم الثاني ... بيان تصاعد مقاصد السور ومعانيها

стр. 158

إذا ما كان البقاعيَّ ذاهبًا إلى أنَّ للبيان القرآني المجيد مقصودًا أعظم، فإنّه لذو عناية ببيان علائق مقاصد السور ببعضها وتصاعد معانيها منسولة من ذلك المقصود الأعظم للقرآن العظيم فكان معنيًّا ببيان ترتب مقصود السورة على مقصود التى قبلها، مما يعنى أن الترابط القائم بين سور القرآن الكريم ليس ترابطًا منحصرًا في تناسب أوَّل السُّورة مع خاتمة ما قبلها، بل الأمر أكبر من ذلك. في تبيانه مقصود سورة " البقرة " يركز على المعنى الذي هو أساس المعاني المنسولة من معنى الفاتحة الذي هو إجمال معنى القرآن العظيم فهو لها كالحجر الأساس في البناء: معنى الإيمان بالغيب، يقول: " مقصودها إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدًى؛ ليتبع في كلّ ما قال [حال] ، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب، ومجمعه الإيمان بالاخرة، وفمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصَّة البقرة التي مدارها الإيمان بالغيب، فلذلك سمِّيتْ بها السّورةُ " (١) كلَّ آيات سورة" البقرة " ناظرة إلى تقرير معنى الإيمان بالغيب في القلوب (٢)

стр. 159

ومن ثَمَّ كانت أول صفة للمتقين فيها هي صفة الإيمان بالغيب (هدى للمتقين الذين يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب ... ) فهذا الإيمان بالغيب هو أساس كلّ عمل صالحٍ مُصْلِحٍ، فإنَّه لامعنى البتة لأيِّ عمل صالح أو إيمان بدين إذا لم يكن ذلك مؤسسا على تقرر معنى الإيمان بالغيب ، فليس هنالك دين من الأديان لايقوم إلا على ما ترى الأعين كلها وما تسمع الآذان كلها وما تلمس الأيدى....بل إنَّ أساس كل دين يدين به أحد من العباد باطلا كان ذلك الدين أو كان حقًا نازلاً به الوحي الإلهي من السماء إنَّما هو الإيمانُ بالغيب؛ لأنَّ أساس الدين الإيمان بوجود ووحدانية الإله المعبود. ولا يصلح الإله المعبود أن يكون مشهودًا ملموسا بل لابد أن يكون غيبا مطلقا تشهد الأبصار والبصائر دلائل وجوده ووحدانيته وكمال جلاله وجماله وقهره ورحمته ... إلخ ومن ثَمَّ كان مقصود السورة الأولى من سور تفصيل أم الكتاب الفاتحة: سورة البقرة الهداية إلى الإيمان بالغيب. وهذا تراه جليًا في تسمية السورة بالسنام، والذروة، والفسطاط، فإنَّ الفسطاط جامعٌ لما كان منه بسبب. وإذا ما جاء " البقاعيّ " لتبيان المقصود الأعظم من سورة (آل عمران) فإنَّه يبسط القول في هذا: يبيّن لنا ما كان قد ظهر له أوَّل الأمر في تاويلها، فلمَّا راجع وبالغ التدبّر تبين له تحرير مقصودها على نحو آخر، وهو يبسط القول، فيبين علاقة مقصود سورة (آل عمران) بمقصود سورة (البقرة) ومقصودهما معا بمقصود سورة (الفاتحة) بل إنه ليبسط النظر أكثر، فيمدُّه إلى مقصود سورة (النساء) .

стр. 160

يقول:" المقاصد التي سيقت لها هذه السورةُ إثبات الوحدانية لله ، وإلإخبار بأنَّ رئاسةَ الدُّنْيَا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئًا في الدنيا، ولا في الآخرة، وأنَّ ما أعدَّ للمتقين من الجنَّةِ والرضوان هو الذي يَنْبغِي الإقبالُ عليْهِ والمسارعةُ إليهِ. وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة. هذا ما كان ظهر لي أولاً. وأحسنُ منه أن نخصَّ القصدَ الأول وهو التوحيد بالقصد فيها، فإنَّ الأمرين الأخيرين يرجعان إليه، وذلك لأنَّ الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام يكون على كلّ نفسٍ، والاستقامة العدلُ...... وهذا الوجه أوفق للترتيب لأنَّ الفاتحة لماَّ كانت جامِعةً للدين إجمالاً جاء ما به التفصيلُ محاذِيًا لذلك، فابتدئ بسورة الكتاب [البقرة] المحيط بأمرالدين، ثُمّ بسورة التوحيد [آل عمران] الذي هو سرُّ حرف "الحمد"، وأوَّل حروف الفاتحة، لأنَّ التوحيدَ هو الأمرُ الذي لايقوم بناءٌ إلاَّ عليه، ولمَّا صحَّ الطريقُ، وثبت الأساسُ جاءت التي بعدها [النساء] داعيةً إلى الاجتماع على ذلك. وأيضًا فلمَّا ثبت بالبقرة أمرُ الكتابِ في أنَّه هدى، وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه [آل عمران] لإثبات الدعوة الجامعة في قوله (يَأيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا ربَّكُمْ) (البقرة:٢١) فأثبت الوحدانية لله بإبطال إلهية غيره بإثبات أنّ " عيسى" ﵇ الذي كان يحيى الموتى عبدُهُ، فغيره بطريق الأوْلَى، فلمَّا ثبتَ أنَّ الكُلَّ عبيدُهُ دعت سورة " النساء" إلى إقبالهم إليه، واجتماعهم عليه.

стр. 161

ومما يدلّ على أنَّ القصد بها [أي آل عمران] هوالتوحيد تسميتها بـ " آل عمران" فإنَّه لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعربَ عنه ما ساقه فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التَّاجُ الّذي هو خاصَّة الملك المحسوسة، كما أنَّ التوحيد خاصته المعقولة. والتوحيد موجب لزهرة المتحلِّي به، فلذلك سمّيت الزهراء" (١) هذه الوحدانية هي اللبنة الثانية في أساس الإيمان؛ لأنَّه إذا تقرَّر أنَّ الإله لابُدَّ أن يكونَ غيبًا غيرَ منظورٍ أو ملموسٍ، فإنَّه أيضًا لابدَّ أن يكون واحدًا، فكما أنه يتعاند مع معنى الألوهية أن يكون الإله مشهوداً منظورًا ملموسا يتعاند أيضًا مع معنى الألوهية أن يكون الإله غير واحد؛ لأنَّ هذا يترتَّبُ عليه فسادُ الكون والحياة فسادًا يقرره منطق العقل المُعافَى من الضلالة. التعالق بين سورة " البقرة " وسورة " آل عمران " تعالق عظيم؛ لأنهما قائمان على أمر واحد هو تقرر ما هو جوهر في معنى الألوهية وما يجب أن يكون أساسًا عظيما من أسس صفات الإله المعبود بحق: أن يكون غيبا لاتدركه الأبصار وأن يكون واحدًا ليس كمثله شيء، وهذا كأنَّه من عطف الخاص على العام. وهذا التعالق تراه بادِيا في ما جاءت به السُّنَّة النبوية الشريفة في فضل هاتين السورتين. روى "مسلم " في صحيحه من كتاب: صلاة المسافرين: باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة بسنده عن أبي أُمامة البَاهِليّ ﵁ أنَّه سمع رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا يقول: " اقرأوا القُرآنَ، فإنَّه يَأتِي يَومَ القِيامَة شَفِيعًا لأصْحابِه.

стр. 162

اقرَأُوا الزَّهْرَاوينِ: البقرة وسورة آل عمران، فإنَّهما تأتيان يوم القيامة كأنَّهما غَمَامَتان أوْ كأنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صوافّ تُحاجَّانِ عَنْ صَاحبهما. اقرأُوا سُورة البقرة فإنَّ أخذها بركةٌ، وتركها حسرةٌ، ولا يسْتطيعُها البطَلَةُ " (حديث رقم:٢٥٢/٨٠٤) فهذا دالّ دلالة جليلة على ما بين هاتين السورتين من التناسب والتآخي، والتناسل والتناغي. والبقاعي كما سمعته لم يكتف ببيان تعالق مقصود سورة (آل عمران) بمقصود سورة (البقرة) بل إنَّه ليمد النظر إلى علاقة مقصود سورة (النساء) بما قبلها في مفتتح تأويله سورة " النساء " يبيّنُ لنا ما به يتقرر العلم ويتأكّدُ أنَّ مقصودها مبنيٌّ على مقصود " آل عمران" المبنيّ على مقصود سورة "البقرة" قائلا: " مقصودها: الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه "آل عمران "، والكتاب الذي حدت عليه "البقرة "؛ لأجل الدين الذي جمعته " الفاتحة " تحذيرًا مما أراده " شاس بن قيس ِ" , وأنظاره من الفرقة " (١) وأنت إذ تنظر في الأحكام والآداب التى قامت بها سورة "النساء" ترى أنها أحكامٌ وآدابٌ تحقق للمجتمعِ الآخذِ بها اجتماعُه على أساس الدين: " التوحيد ". هذا الأساس إذا ما أقيمت عليه علائق أي مجتمع بحيث تكون حركته مرتبطة باليقين بأنَّه ليس لهذا الكون إلا إله واحد وخالق واحد ومالك واحد ومنعم واحد ومانع واحد....فإنِّك لن ترى في هذا المجتمع ما تراه في غيره من المجتمعات التى لا تُؤسِّس دينها على التوحيد الخالص. ويأتي تأويل " البقاعي " وتبيانه المقصود الأعظم لسورة " المائدة " فلا يخرج عن ذلك المنهاج، فيقول: " مقصودها الوفاء بماهدى إليه الكتاب، ودلَّ عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكرًا لنِعَمِه واستدفاعًا لنقمه " (٢) ويقول في سورة "الأنعام ":

стр. 163

" مقصودها: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد بأنّه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره " ويقول أيضًا من بعد تأويله مطلع السورة: ... " فقد لاح أنّ مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله ، والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه وحده الخالق الحائزلجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره " (١) فهو بهذا يريك قيام مقصود" النساء"و" آل عمران"و" البقرة" في مقصود" المائدة " وقيام مقصود تلك السورة كلها في مقصود سورة " الأنعام ". وأنت إذ تنظر في مقال البقاعي في صدر سورة " الأعراف " تراه يبين مقصودها بما يقرر بناءه على ماقررته مقاصد السور السابقة عليها بدأً من سورة " البقرة " وما قامت عليه من دعوة الكتاب المستفتح بيانها بالإشارة إلى عظيم قَدْرِهِ: ﴿ذلك الكتَابُ لارَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وما قامت عليه سورة " آل عمران " من تقرير معنى التوحيد وما قامت عليه سورة " النساء " من تقرير الدعاء إلى الاجتماع على الخير وما قامت عليه سورة " المائدة " من الدعوة إلى الوفاء بالعقود، وما قامت عليه سورة " الأنعام " من التدليل على ماسبق قيام السور السابقة عليها (٢) وهكذا تتناسل مقاصد السور بعضها من بعضٍ تناسلا يقوم بأمرين جليلين: الأول: تأسيس معنى لم يكن مؤسسا في التي قبلها. والآخر: تأكيد ما سبق تأسيسه وفي كل تأكيد تأسيسُ من وجه آخر، ولايكون التأكيد بالتكرير بل بالتصريف البياني في تصوير المعاني ذلك أن القرآن الكريم لا يقوم على منهاج التكرير العقيم المنتجه إعادة البيانِ مكوِّنًا ومكنُونًا ذلك أنَّه لايتأتى البتة تكرّر عنصرٍ مهِمّ من عناصر البيان هو ذو أثر جليل في تصوير المعنى.

стр. 164

ذلك العنصر هو السياق الذي يقوم فيه البيان المًعاد ذكر مُكَوّنه المرتَّل، فإذا ما تغير موقع البيان المعاد مكوِّنه المرتلّ تغير المكنون المتذوّق، فليس القائم بالمعنى المكنون في البيان هو ما يرتله اللسانُ بل هنالك أمورٌ أخرى هي لاتقِلُّ منزلة عنه منها السياق المقالى الذي يقوم فيه لك البيان، وذلك السياق معصوم من التناسخ، فهو كدفقة الموج في سياق ماء المحيط الزّاخر لاتتكرّر أبدًا والبقاعيّ ينظر في السياق الكلّيّ للمعنى القرآنيِّ فيبصرُ أنّه من منازل ومراحل ذات وجوه عدَّة من تلك الوجوه النظر في بيان الله عن القرآن الكريم مَنْزِلَه ومقصده , فنظر" البقاعيّ " في هذا البيان فرأى أن تفصيل أم الكتاب قد بدأ بالبقرة المستهلة بيانها عن القرآن الكريم ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لارَيْبَ فِيه هُدًى لِلْمُتَّقينَ﴾ وكانت التالية لمفتتح هذه المرحلة هي سورة " آل عمران " وقد أثبت فيها أنَّ القرآن الكريم حقٌّ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بِيْنَ يَدَيْهِ﴾ (آل عمران:٣) وأنّ السياق قد امتدَّ حتى آخر سورة " التوبة " التي هي آخر (الطول) والنازلة في شأن غزوة العسرة: تبوك، وهي في غزو الروم، وكان انتهاء التلاوة فيها ﴿يأيُّها الّذين آمنُوا قَاتِلُوا الّذِين يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقينَ﴾ إلى قوله : ﴿فإنْ تَوَلَّوا فَقَلْ حَسْبِيَ اللهُ لاإِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيمِ﴾ (التوبة:١٢٣-١٢٩) وابتدأ البيان من بعد هذه المرحلة بسورة (يونس) التي هي أوَّل (المئين) والمستهلة بيانها أيضًا عن القرآن الكريم

стр. 165

﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (يونس:١-٢) وكان مقصودها الأعظم " وصف الكتاب بأنَّه من عند اللهِ ﷻ لما اشتمل عليه من الحكمة...." وكانت التالية لها سورة " هود " مقصودها " وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة) ... ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبيرِ﴾ (هود:١) وأن السياق قد امتدّ حتّى آخر سورة " الروم" النازلة في شأن الروم وانتصار الفرس عليهم ووعد الله بنصرالروم عليهم ليفرح المؤمنون، وكان انتهاء التلاوة في هذه المرحلة قول الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كلِّ مثَلٍ وَلَئنْ جِئْتهُمْ بِآيِة لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الّّذِين لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلايَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لايُوقِنُونَ﴾ (الروم:٥٨-٦٠) وابتدأ البيان من بعد هذه المرحلة بسورة " لقمان" المستهلة بيانها أيضًا عن القرآن الكريم ﴿الم * تلك آياتُ الْكِتَاب الْحكِيمِ * هُدًى وَرَحْمةً للْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاة وَهُمْ بٍِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِمْ وَأُولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان:١-٥) وكانت التالية لها سورة " السجدة " مقررة نفي الريب عن القرآن الكريم ومقرّرة أنّه تنزيل من ربّ العالمين.

стр. 166

﴿الم * تَنْزِيلُ الكِتابِ لارَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمينَ﴾ (السجدة:١-٢) وتنتهي هذه المرحلة بانتهاء سورة " الفتح " التي هي آخر (المئين) فأوَّلُ كلّ مرحلة حديث عن القرآن الكريم، وآخر كلّ مرحلة سورة من سور الجهاد وانتصار الحق (التوبة- الروم- الفتح) وتأتي سور (المفصل) المفتتحة بسورة " الحجرات " - على مذهب البقاعي (١) - والمفصّل مَنْزِلُهُ مَنْزِلُ ملخَّص القرآن، فهي كالختام لمراحل السياق الكلّي للمعنى القرآنيّ الكريم. يقول "البقاعيّ" في مفتتح تأويله البيان القرآنيّ في سورة (لقمان) :

стр. 167

" مقصودها إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله، وقصّة لقمان المسمَّى بها السورة دليل واضح على ذلك كأنّه لمَّا أكمل ما أراد من أوَّل القرآن إلى آخر" براءة " التي هي سورة غزو الروم، وكان قد ابتدا القرآن بعد " أمّ القرآن " بنفي الرَّيب عن هذا الكتاب وأنَّه هدًى للمتّقين واستدلّ على ذلك فيما تبعها من السور، ثُمَّ ابتدأ سورة" يونس "بعد سورة غزو الروم بإثبات حكمته، وأتبع ذلك دليله إلى أنْ ختم سورة الروم، ابتدأ دورًا جديدًا على وجه اضخم من الأول فوصفه في أوّل هذه التالية للروم بما وصفه به في" يونس " التالية لغزو الروم، وذلك الوصف هو الحكمة، وزاد أنَّه هدى وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون أصحاب البدايات. ولمَّا أثبت في" آل عمران " [التالية للبقرة التي هي أوَّل المرحلة الأولى] أنّه أنزل بالحق أثبت في" السجدة " التالية للقمان التي هي أول المرحلة الثالثة] تنزيله ونفي الريب عن أنّه من عنده وأثبت أنّه الحقُّ واستمر فيما بعد هذا من السور مناظرًا في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكّر والتَّأمُّلِ والتَّدبُّر" (١) ويقول في مفتتح تأويل سورة (الحجرات) : "حاصل مقصودها مراقبة النبيّ ﷺ في الأدب معه؛ لأنَّها أوَّل المفصّل الذي هو ملخَّصُ القرآن الكريم، كما كان مقصود (الفاتحة) التي هي أوَّلُ القرآن مراقبة الله وابتدئ ثاني المفصّل بحرف من الحروف المقطّعة، كما ابتدئ ثاني ما عداه [المئين والمثاني] بالحرف المقطَّعة " (٢) كذلك يتبيّن لك عناية "البقاعيّ"بالنظر في تصاعد المعنى القرآني، وتصاعد المقاصد الكلية.

стр. 168

والقول بتصاعد مقاصد السور وتناسلها من بعضها مبناه القول بأنَّ من وراء ترتيب سور القرآن الكريم معنى من معاني الإعجاز البياني للقرآن الكريم وهذا ما يزداد بيانه تأسيسًا وتقريرًا في المَعْلَمَيْنِ الآتيين من بعد.. المعلم الثَّالث. علاقة فاتحة كل سورة بخاتمة ما قبله ا. لكلِّ سورة مطلع تلاوة ومقطع ترتيل، وسوف يتبين لنا مَنْزِلُ المطلع في الدلالة على مقصودهاومضمونهاومنزل المقطع في تكريس معانيها وتكثيف مضامينها. و"البقاعيُّ " ذو عناية بالنظر في تأويل علاقة مطلع السورة بمقطع ما قبلها مثلما كان ذا عناية بتأويل علاقة مقاصد السور ببعضها، ليكون التناسب بين السورذا أسباب عديدة ومتجليًا في مظاهر كثيرة وقولنا " مطلع " السورة،أو فاتحتها، و" مقطع " السورة أوخاتمتها لايعنى أن مطلعها هو منقطع عن السابقة عليها المصطلح هنا ليس منظورًا فيه إلى علائق معاني السور، وإنما منظور فيه إلى شأن التلاوة والترتيل المهمّ أنّ " البقاعيَّ " ليس منهاجه بالمقتصر على أن يربط الآية الأولى من السورة بأخر آية من التي قبلها فحسب، بل مستهل السورة عنده هو مفتاحها ومكتنز مقصودها، فربط أولها بآخر التي قبلها الممثل حسن ختامها الراجع على مستهلها هو في حقيقته ربط مقصود بمقصود، فصنيعه هنا ليس ربط جزئيات بجزئيات بل ربط مضمون كليٍّ لسورة بمضمون كلىٍّ لأُخرى سابقة عليها، وهذا ضرب من التصريف المنهجي لدي البقاعي في تقرير الحقيقة التي انتهى إليها. يقول في إيلاء سورة "المائدة" سورة "النساء": " لمَّا أخبر تعالى في آخر سورة "النساء" أنّ اليهود لمَّا نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلّت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله:

стр. 169

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (الأنعام:١٤٦) (١) واستمر في هتك أستارهم وبيان عَوارِهم إلى أنْ ختمَ بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنّه شامل العلم ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذين اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جلّ مبناه القلب الذي هو غيب، فقال مشيرًا إلى أنّ النّاسَ الذين خوطبوا أول تلك تأهلوا لأول أسنان الإيمان (٢) ووصفوا بما هم محتاجون إليه، وتخصيصهم مشيرا إلى أنَّ من فوقهم من الأسنان (٣) عندهم من الرسوخ ما يغنيهم عن الحمل بالأمر، وذلك أبعثُ له على التدبّر والامتثال (يأيُّها الذين آمنوا) (المائدة:١) أي ادّعوا ذلك بألسنتهم (أوفوا) أي صدقوا ذلك بأن توفوا (بالعقود) (٤) هذا نظرٌ إلى رأس المعنى في سورة "النساء" وكيف أنه كالمهاد لما هو أصل المعنى في سورة "المائدة" ففي سورة "النساء " تمهيد بمخاطبة من كانوا في الدرجة التي لم يتأهلوا فيها بالنداء عليهم بـ" يأيها الذين آمنوا "، كما كان افتتاح " المائدة " بل كان النداء عليهم بـ "يايها الناس "، وهذا أدنى درجات الخطاب، وأعمها.

стр. 170

وأنت إذ تنظر إلى النداء في سورة " النساء " تجد أنها استفتحت بـ " يأيها الناس " (ي:١) ، وختمت بذلك (ي:١٧٠، ١٧٤) وجاء في ثبجها (ي: ١٣٣) وكان النداء بـ " يأيهاالذين آمنوا " فيها مكنوفًا بهذا ولم يزد على عشرمرات على الرغم من طول سورة "النساء" وسورة "المائدة " لم يأت فيها النداء بـ" يأيها الناس" قط، بل كان النداء بـ " يأيها الذين آمنوا " ست عشرة مرة على الرغم من أنَّها أقلّ عدد آيات وكلمات من سورة "النساء" ويقول في مناسبة أوّل" الأنفال" لآخر"الأعراف": ... " وأمَّامناسبة أولها لآخرتلك فقد تبين أنّ آخر"الأعراف" آخرقصة موسى ﵇ المختتمة بقصة " بلعام " وأنّ مابعد ذلك إنماهو تتمات لماتقدم لابد منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهلهم لعنديته بإذعان وتمام الخضوع، فلمَّا أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية اقتضى ذلك سؤالا عن حال الذين عند المخاطب صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا فأجيبَ بقوله تعالى (يسألونك) أي الَّذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك ... فهم المستحقون للأنفال، وليس لهم إليها التفات، وإنّما همهم العبادة والذين عندك إنّما جعلتهم آلة ظاهرة، ومع ذلك، فهم يٍسألون (عن ألأنفال) التي توليتهم إيّاها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعاذة بالله منها - كما نبَّه عليه آخر الأعراف - لأنّ ذلك يُفضِي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداء " (١) أنت تراه لا يقف في الربط عند الآية الأخيرة من السورة السابقة بل ينظرإلى المقطع الخاتم، فليس الاعتداد بآخر جملة من السورة بل بالجملة التي هي أم الختم وإن جاء من بعدها جمل عديدة.

стр. 171

وتراه أيضًا يلاحظ علاقة ضمير الفاعل في (يٍسْألونك) ولم يسبق له مرجع بالمسند إليه (اسم الموصول) في الجملة الأخيرة من سورة الأعراف (إنّ الَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ) وما بين حالي المتحدث عنهما في كلّ من التقابل والتباين والاختلاف. وهو قد يمد تدبره علاقة مطلع السورة بسورة من قبلها غير قاصر لها على السورة التي سبقتها مباشرة على نحو ما تراه فاعلا في سورة " يونس" قائلا: " لمَّا قدّم في أوّل الأعراف الحثَّ على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذيرمن مثل وقائع الأوليين ومصارع الماضيين، وما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبيّ الكريم ﵇ مع قومه في أوامره وأثنائه وآخره في سورتي "الأنفال" و"براءة" وختم ذلك بأنّ سور الكتاب تزيد كلّ أحد مما هو ملائم له متهيئ لقبوله وتبعده عمَّا هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته , أنّ الرسولَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بذلك قد حوى من الأوصاف والحلى والأخلاق العُلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه، والإخبار بأنّ توليه عنه لايضرّه شيْئًا؛ لأنّ ربّه كافيه؛ ولأنَّه لامثل له، وأنّه ذو العرش العظيم لما كان ذلك كذلك أعاد القول في شأن الكتاب الذي افتتح به "الأعراف" وختم به سورة التوبة، وزاده وصف الحكمة، وأشار بأداة البعد إلى أنَّ رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال، فقال: " تلك" ... "آيات الكتاب" ... وهذا ماظهر لي في التحامها بما قبلها " (١)

стр. 172

ومن البيّن أن العناية بتدبُّر وتأويل علاقة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها إنّما هو كالعناية بتدبر وتأويل علاقة مقاصد السور المتتالية ببعضها، وكالعناية بافتتاح القرآن العظيم بسورة "الفاتحة" مبنيٌ على الإيمان بأن ترتيب السور في السياق الترتيلي الذي هو بين دفتى المصحف الذي عليه الأمة جمعاء إنما هو مظهر من مظاهر إعجازه البياني، وأنَّ تناسبه المعجز ليس بالمحصور في تناسب نظمه التركيبي الماثل في بناء الجملة بل هو أيضًأ متحقق على كماله في نظمه الترتيبي الماثل في علاقات الجمل بعضها ببعض في بناء المعقد وعلاقات المعاقد بعضها ببعض في بناء السورة وعلاقات السور بعضها ببعض في بناء البيان القرآني العظيم كلّه مفتتحا بسورة "الفاتحة " ومختتما بسرورة "الناس" *** مناقدة مذهبه إلى أن ترتيب السور اجتهاد .. "البقاعي" يصرح في مفتتح تفسيره سورة"آل عمران" برأي "أبي الحسن ألحرَالّيّ" المتمثل في أنَّ ترتيب بعض السور على ما هو عليه بين أيدينا بين دفتى المصحف إنما هو توفيق: " قال "الحراليّ" مشيرًا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنّه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارًا لله لهذا الانتظام والترتيب السُّورِيِّ في مقررهذا الكتاب: هو ما رضيه الله فأقره.." (١) البقاعيّ كما ترى هنا مصرّح بصحة القول بأنَّ ترتيب السور إنّما هو باجتهاد الصحابة ولعلّ الحرَّالي والبقاعيّ من بعده وجمع من العلماء من قبلهما في ذهابهم إلى القول بالاجتهاد من الصحابة في ترتيب بعض السور مثابتهم أو برهانهم ما روي من حديث "يزيد الفارسي" عن "ابن عباس" ﵄ ٠

стр. 173

روى "الترمذيّ" ﵁: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهل بن يوسف قالوا حدثنا عوف بن أبي جميلة حدثنا يزيد الفارسي حدثنا ابن عباس ﵄ قال: قلت لعثمان بن عفان ﵁: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك؟ فقال "عثمان" ﵁: كان رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا،وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن،وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، فوضعتها في السبع الطول ". قال أبو عيسى هذا حديث حسن ... لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث. ويقال هو يزيد بن هرمز ويزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي ولم يدرك ابن عباس ﵁ إنما روى عن أنس بن مالك ﵁ وكلاهما من أهل البصرة ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي (الجامع الصحيح لأبي عيسى الترمزي: كتاب: تفسير القرآن - سورة التوبة - حديث:٣٠٨٦) وهذا فيه نظر نافذ:

стр. 174

الحديث رواه "أحمد" ﵁ في مسنده و"الترمزي" ﵁ في جامعه الصحيح عن " يزيد الفارسي متفردًا به ,و"يزيد الفارسي" هذا ذكره "البخاري" ﵁ في الضعفاء، وهو كما ترى غير متيقن اسمه ونسبه (١) فإذا ما كان هذا حال من تفرد برواية هذا الحديث فكيف يظن به أنّه مما يمكن أن يؤخذ بما فيه ولاسيما في أمر يتعلق بتبليغ النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؟ كيف يحسِب حاسبٌ أنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا يمكن أن يدع إبلاغ الصحابة شيئا من القرآن الكريم وإن كان ذلك الشيء من أمر ترتيب سور القرآن الكريم؟ إنّ في الاستدلال بهذا الحديث ما لايطمئنّ إلىالقول به أو ترجيح ما فيه أوظنه ظنًا. ولست بالدافع هذا الاستدلال من أنَّه استدلال بحديث آحاد بل من أنَّ راويه: " يزيد الفارسي" ليس بذاك، ولو أنَّه كان ذا منزلة عند الأئمة لكُّنَّا أول الخاضعين. المعجب في الأمر أنّ " الحرالّي" يقول في المذهب الذي ذكرته لك من قبل " أنّه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارًا لله لهذا الانتظام والترتيب السُّورِيِّ...." فلا ندري كيف كان ذلك الإقرار؟ وما وجه أن يدع الله مثل هذا لعباده وإنْ كانوا صحابة نبيه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؟

стр. 175

فإن قيل: إن هذا كمثل ما كان من شأن الأذان ومن شأن موافقات عمر بن الخطاب ﵁، فهو أمر مدفوع بأن ذلك كان في زمن الوحي فكان الإقرار معلوما بإقرار النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا الذي إقراره من إقرار الوحي لامحالة فيكون مآل الأمر أنه سنة نبوية سبيلها الإقرار. والذي يقول به "الحرالّي" من اقرار الله اجتهاد الصحابة في ترتيب سور القرآن الكريم إنما هو أمر كائن على زعمه من بعد انقضاء الوحي، فكيف كان العلم بإقرار الله ما كان من اجتهاد الصحابة في هذا؟ لو أنَّ "الحرالّيّ " أراد بقوله" باجتهاد الصحابة " اجتهادهم في ترتيبه جمعا بين دفتى المصحف كمثل ما كان جمعا في صدر النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ثم صدور أصحابه رضوان الله عليهم لكان أمرًا غير مدفوع عندنا ... أمَّا أنّ النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا انتقل إلى الرفيق الأعلى والصحابة لا يقوم ترتيب سور القرآن الحكيم في صدورهم على النحو الذي هو قائم بين دفتي المصحف الذي بين أيدينا، فهذا امرٌ هو المدفوع عندنا. وأنت حين تتابع "البقاعيّ" في تفسيره تجده مصرحا في مواضع منه بما يدلّ دلالة بيّنة جليّة على أن ترتيب السور إنما هو وجه من إعجازه الذي هو من منزله ﷻ في مفتتح تأويله سورة "النساء" يقرر أنها من أواخر ما نزل، ويذكرما رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه من أنّ عراقيًا سأل أمَّ المؤمنين " عائشة " الصديقة ﵂ فقال: " أيّ الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟

стр. 176

قال ياأم المؤمنين أريني مُصحفَك. قالت: لم؟ قال: لعلِّى أؤلف القرآن عليه؛ لأنّه يُقرأُ غير مؤلف. قالت: وما يضُرُّك أيَّهُ قرأت قَبْلُ. إنّما نزل أوَّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيءٍ: لاتشربوا الخمر لقالوا: لاندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لاتزنوا لقالوا: لاندع الزنا أبدا. لقد نزل بمكة على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا وإنّي لجاريةٌ ألْعبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم والسَّاعَةُ أدْهَى وَأمرّ) (القمر:٤٦) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه آيَ السّورةِ" ويعلّق "البقاعيّ" على هذا بقوله: "وقد عَنَتْ بهذا ﵂ أنّ القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقًا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان، ثُمّ رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال كمانشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال " (١) تعليقه هذا قائم من أنَّ أم المؤمنين أشارت إلى أمرين: الأول: ناظر إلى مراعاة حال الأمة حين نزول الآيات، فكان النزول كالدواء لما حلَّ من أدواء فكان نزولا مطابقا لحال الأمة وواقع حركتها في تأسيس الأمة المسلمة والآخر: ناظر إلى مراعاة حال المعنى والإعجاز البياني، فتنزل كلّ آية في سياق ترتيلها منزلها المحَقِّقِ لها كمالَ إعجازها البيانيّ بما تنتجه مع ما قبلها وما بعدها من معاني الهدى إلى الصراط المستقيم وكان حريًّا بالبقاعي أن يتدبر هذا الخبر:

стр. 177

سؤال العراقي وقوله: " فإنه يقرأ غير مؤلف" دالٌ دلالة بينة على أن مناط الطلب هو الوقوف على ترتيب السور وتأليفها وليس ترتيب الآيات، فإن ترتيب الآيات لم يثبت أنّ مسلما واحدًا يجرؤ على أن يقرأ آيات القرآن الكريم على وفق ترتيب نزولها تعبدًا ولا سيّما في الصلاة، ولكن الذي يمكن أن يقع أن يقرأ مسلم سورة قبل سورة وجواب أم المؤمنين ﵂ دال على أنَّها دلته على أنّه لايقع عليه ضرر أي ضررٌ يخرجه من مقام الطاعة لله رب العالمين أو يلبس عليه فقه المعنى الجمهوري الإيمانيّ إذا ما قرآ سورة قبل سورة أخرى، وإن كانت المؤخرة سابقة في الترتيب النزولي أو الترتيب الترتيلي، فإنَّ المعاني المأخوذة من فقه ترتيب السور معانٍ إحسانية تعلو المعاني الجمهورية الإيمانية، فقالت له ﵂: " وما يضُرُّك أيَّهُ قرأت قَبْل"ُ أي في سياق ترتيب السور، وليس في سياق ترتيب الآيات؛ لأنَّه لاريب أنَّه إذا ما قرأ آية من قبل التي هي قبلها في نسق التلاوة سيقع عليه ضرر عظيم في فقه المعنى الجمهوري الإيماني الذي هو هدى للناس. ثُمَّ قالت له:إنّما نزل أوَّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام" فهذا منها دال دلالة بينة على أن النزول كان على وفق ما يقتضيه منهاج التربية والتثقيف النفسيِّ والقلبيِّ للأمة والأخذ بأيدي النَّاس إلى ما هو اليسير عليهم والتصاعد بهم في مدارج الطاعة والقرب: " ولو نزل أوّل شيءٍ: لاتشربوا الخمر لقالوا: لاندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لاتزنوا لقالوا: لاندع الزنا أبدا"

стр. 178

فإذا ما كان هذا منظورًا فيه إلى حال الأمة من قبل أن يثوب الناس إلى الإسلام ويرسخ في قلوبهم، فإن الأمر يقتضي مراعاة مقتضى الحال الذي انتهى إليه الناس من رسوخ الإسلام في قلوبهم، فيكون للقرآن الكريم ترتيبه الذي يراعي مقتضي حال آخرى غير التي راعها الترتيب النزولي. ولكن يبقى أمر وهو أنَّ "العراقي" سأل عن تأليف السور وليس تأليف الآيات في السورة ونهاية الخبر تقول: " فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه آيَ السّورةِ " وفي رواية (آي السور) مقتضى الظاهر أن يقول الخبر: فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه تأليف السور، وليس آيَ السورة، فليس تأليف آي السورة هو مناط مساءلة، فما الوجه في هذا؟ يقول "ابن حجر " في فتح الباري: " الذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه ... فكان تأليف مصحفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان. ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف. وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور ويدل على ذلك قولها له: " وما يضرك أيَّه قرأت قبل " ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث: فأملت عليه أي السور" أي آيات كل سورة كأنْ تقول له سورة كذا مثلا كذا كذا آية الأولى كذا الثانية ... الخ وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري وقد اعتنى أئمة القرَّاء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين والله أعلم " (١) والذي قاله " ابن حجر " ليس فيه غناء أو شفاء

стр. 179

والذي يبدو لي في صنيع " أم المؤمنين: عائشة " رضي الله تعالى عنها في إملائها آي السورة أو السور إنَّما هو من قبيل أسلوب الحكيم النازع إلى لفت انتباه السائل إلى ما هو أولى به أن يسأل عنه، فكأنها تشير إلي العراقيّ أنَّ الذي هو أولى بمثلك أن تعنى بتأليف آيات السورة، فأنت أو مثلك أحوج إلى ذلك من أن ينازع غيره في تأليف السور، وحتى لايتخذ العراقيّ صنيعها سببا في مجادلة أو مجالدة الآخذين بترتيب مصحف " ابن مسعود " أو مصحف " أبيّ بن كعب "، فيقف في وجه الآخر وفي يده نسخة من مصحف أم المؤمنين، وهي من هي، فيحتدم التجادل، وذلك من حكمتها في درء الفتنة وغلق باب المجادلة فيما لايليق بالأمة التنازع فيه وهي مهمومة حينذاك بما هو أهم من ذلك ويحسن أنْ نستمع في هذا إلى كلمة " أبي سليمان حمد الخطابيّ (ت٣٨٨) في هذه المسألة: " والقدر الذي يحتاج إلى ذكره هنا هو أنْ يُعلم أنّ القرآن كان مجموعًا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده وقرؤه، فلم يقع فيه تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان إلا سورة "براءة" كانت من أواخر ما نزل من القرآن لم يبين رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة بالأنفال. وبيان ذلك في خبر "ابن عباس" قال: " قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتموهما في السبع الطوال؟ ..... (الحديث (الترمذي: التفسير حديث: ٣٠٨٦)

стр. 180

قلت: هذا يدلك على أنّ الجمع كان حاصلاً والتأليف أيام حياة رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كان موجودًا.... وقد ثبت أنّ أربعة من الصحابة كانوا جمعوا القرآن كله في زمان رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ... وقد كان لهم في ذلك شركاء من الصحابة وإن كان هؤلاء أشدّ اشتهارًا به وأكثر تجريدًا للعناية بقراءته..... جمع القرآن كان متقدما لزمان أبي بكر ﵁،وإنما جمع "أبو بكر" القرآن في الصحف والقراطيس وحوّلَه إلى ما بين الدّفتين شهرًا له وإذاعة في زمانه وتخليدًا لرسمه مستأنف الزمان، وكان قبل في الأكتاف ورقاع الأدم والعسب وصفايح الحجارة ونحوها مما كانت تكتب العرب فيه من الظروف. ويشبه أن تكون العلَّة في ترك النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا جمع القرآن في مُصحفٍ واحد كما فعله من بعده من الصحابة أن النَّسخ كان قد يرد على المنزل منه فيرفع الشيء بعد الشيء من تلاوته كما يرفع بعض أحكامه.....
следующие страницы →