قال ياأم المؤمنين أريني مُصحفَك. قالت: لم؟ قال: لعلِّى أؤلف القرآن عليه؛ لأنّه يُقرأُ غير مؤلف. قالت: وما يضُرُّك أيَّهُ قرأت قَبْلُ. إنّما نزل أوَّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيءٍ: لاتشربوا الخمر لقالوا: لاندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لاتزنوا لقالوا: لاندع الزنا أبدا.
لقد نزل بمكة على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا وإنّي لجاريةٌ ألْعبُ:
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم والسَّاعَةُ أدْهَى وَأمرّ) (القمر:٤٦)
وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.
قال: فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه آيَ السّورةِ"
ويعلّق "البقاعيّ" على هذا بقوله:
"وقد عَنَتْ بهذا ﵂ أنّ القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقًا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان، ثُمّ رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال كمانشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال " (١)
تعليقه هذا قائم من أنَّ أم المؤمنين أشارت إلى أمرين:
الأول: ناظر إلى مراعاة حال الأمة حين نزول الآيات، فكان النزول كالدواء لما حلَّ من أدواء فكان نزولا مطابقا لحال الأمة وواقع حركتها في تأسيس الأمة المسلمة
والآخر: ناظر إلى مراعاة حال المعنى والإعجاز البياني، فتنزل كلّ آية في سياق ترتيلها منزلها المحَقِّقِ لها كمالَ إعجازها البيانيّ بما تنتجه مع ما قبلها وما بعدها من معاني الهدى إلى الصراط المستقيم
وكان حريًّا بالبقاعي أن يتدبر هذا الخبر:
стр. 177
سؤال العراقي وقوله: " فإنه يقرأ غير مؤلف" دالٌ دلالة بينة على أن مناط الطلب هو الوقوف على ترتيب السور وتأليفها وليس ترتيب الآيات، فإن ترتيب الآيات لم يثبت أنّ مسلما واحدًا يجرؤ على أن يقرأ آيات القرآن الكريم على وفق ترتيب نزولها تعبدًا ولا سيّما في الصلاة، ولكن الذي يمكن أن يقع أن يقرأ مسلم سورة قبل سورة
وجواب أم المؤمنين ﵂ دال على أنَّها دلته على أنّه لايقع عليه ضرر أي ضررٌ يخرجه من مقام الطاعة لله رب العالمين أو يلبس عليه فقه المعنى الجمهوري الإيمانيّ إذا ما قرآ سورة قبل سورة أخرى، وإن كانت المؤخرة سابقة في الترتيب النزولي أو الترتيب الترتيلي، فإنَّ المعاني المأخوذة من فقه ترتيب السور معانٍ إحسانية تعلو المعاني الجمهورية الإيمانية، فقالت له ﵂:
" وما يضُرُّك أيَّهُ قرأت قَبْل"ُ أي في سياق ترتيب السور، وليس في سياق ترتيب الآيات؛ لأنَّه لاريب أنَّه إذا ما قرأ آية من قبل التي هي قبلها في نسق التلاوة سيقع عليه ضرر عظيم في فقه المعنى الجمهوري الإيماني الذي هو هدى للناس.
ثُمَّ قالت له:إنّما نزل أوَّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام"
فهذا منها دال دلالة بينة على أن النزول كان على وفق ما يقتضيه منهاج التربية والتثقيف النفسيِّ والقلبيِّ للأمة والأخذ بأيدي النَّاس إلى ما هو اليسير عليهم والتصاعد بهم في مدارج الطاعة والقرب:
" ولو نزل أوّل شيءٍ: لاتشربوا الخمر لقالوا: لاندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لاتزنوا لقالوا: لاندع الزنا أبدا"
стр. 178
فإذا ما كان هذا منظورًا فيه إلى حال الأمة من قبل أن يثوب الناس إلى الإسلام ويرسخ في قلوبهم، فإن الأمر يقتضي مراعاة مقتضى الحال الذي انتهى إليه الناس من رسوخ الإسلام في قلوبهم، فيكون للقرآن الكريم ترتيبه الذي يراعي مقتضي حال آخرى غير التي راعها الترتيب النزولي.
ولكن يبقى أمر وهو أنَّ "العراقي" سأل عن تأليف السور وليس تأليف الآيات في السورة ونهاية الخبر تقول:
" فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه آيَ السّورةِ "
وفي رواية (آي السور)
مقتضى الظاهر أن يقول الخبر: فأخرجت له المُصحف، فأملت عليه تأليف السور، وليس آيَ السورة، فليس تأليف آي السورة هو مناط مساءلة، فما الوجه في هذا؟
يقول "ابن حجر " في فتح الباري:
" الذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه ... فكان تأليف مصحفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان.
ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف.
وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور ويدل على ذلك قولها له: " وما يضرك أيَّه قرأت قبل "
ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث: فأملت عليه أي السور" أي آيات كل سورة كأنْ تقول له سورة كذا مثلا كذا كذا آية الأولى كذا الثانية ... الخ
وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري وقد اعتنى أئمة القرَّاء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين والله أعلم " (١)
والذي قاله " ابن حجر " ليس فيه غناء أو شفاء
стр. 179
والذي يبدو لي في صنيع " أم المؤمنين: عائشة " رضي الله تعالى عنها في إملائها آي السورة أو السور إنَّما هو من قبيل أسلوب الحكيم النازع إلى لفت انتباه السائل إلى ما هو أولى به أن يسأل عنه، فكأنها تشير إلي العراقيّ أنَّ الذي هو أولى بمثلك أن تعنى بتأليف آيات السورة، فأنت أو مثلك أحوج إلى ذلك من أن ينازع غيره في تأليف السور، وحتى لايتخذ العراقيّ صنيعها سببا في مجادلة أو مجالدة الآخذين بترتيب مصحف " ابن مسعود " أو مصحف " أبيّ بن كعب "، فيقف في وجه الآخر وفي يده نسخة من مصحف أم المؤمنين، وهي من هي، فيحتدم التجادل، وذلك من حكمتها في درء الفتنة وغلق باب المجادلة فيما لايليق بالأمة التنازع فيه وهي مهمومة حينذاك بما هو أهم من ذلك
ويحسن أنْ نستمع في هذا إلى كلمة " أبي سليمان حمد الخطابيّ (ت٣٨٨) في هذه المسألة:
" والقدر الذي يحتاج إلى ذكره هنا هو أنْ يُعلم أنّ القرآن كان مجموعًا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده وقرؤه، فلم يقع فيه تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان إلا سورة "براءة" كانت من أواخر ما نزل من القرآن لم يبين رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة بالأنفال.
وبيان ذلك في خبر "ابن عباس" قال: " قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتموهما في السبع الطوال؟ .....
(الحديث (الترمذي: التفسير حديث: ٣٠٨٦)
стр. 180
قلت: هذا يدلك على أنّ الجمع كان حاصلاً والتأليف أيام حياة رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كان موجودًا....
وقد ثبت أنّ أربعة من الصحابة كانوا جمعوا القرآن كله في زمان رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ... وقد كان لهم في ذلك شركاء من الصحابة وإن كان هؤلاء أشدّ اشتهارًا به وأكثر تجريدًا للعناية بقراءته.....
جمع القرآن كان متقدما لزمان أبي بكر ﵁،وإنما جمع "أبو بكر" القرآن في الصحف والقراطيس وحوّلَه إلى ما بين الدّفتين شهرًا له وإذاعة في زمانه وتخليدًا لرسمه مستأنف الزمان، وكان قبل في الأكتاف ورقاع الأدم والعسب وصفايح الحجارة ونحوها مما كانت تكتب العرب فيه من الظروف.
ويشبه أن تكون العلَّة في ترك النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا جمع القرآن في مُصحفٍ واحد كما فعله من بعده من الصحابة أن النَّسخ كان قد يرد على المنزل منه فيرفع الشيء بعد الشيء من تلاوته كما يرفع بعض أحكامه.....
стр. 181
فلو كان قد جمع بين الدفتين كله وسارت به الركبان وتناقلته الأيدي في البقاع والبلدان ثم قد نسخ بعضه ورفعت تلاوته لأدَّى ذلك إلى اختلاف أمر الدين ووجود الزيادة والنقصان فيه، وأوشك أنْ تنتقض به الدَّعوة، وتتفرق فيه الكلمة، وأن يجد الملحدون السبيل إلى الطعن عليه والتشكيك فيه، فأبقاه الله على الجملة التي أنزل عليها من التفريق في ظروفِه وحفظه من التبديل والتغيير إلى أنْ ختم الدين بوفاة رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ثُمّ قيض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعَهُ بين الدفتين، ويسّرلهم حصرَه كلَّه باتفاق من إملاء الصحابة وإجماعٍ من آرائهم حين لم يكن بقي للنسخ منه مرتقب، ولا شيء من أحكامه متعقب " (١)
стр. 182
هذادالٌّ من أبي سليمان الخطّابيِّ على أن جمع القرآن الكريم في الصدور مرتبا آياته وسوره قائم على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا، ومبين وجه تأخير جمعه على ذلك النحو بين دفتي مُصحف، ووجه قيام الصحابة بجعل جمعه كذلك في الصدور زمن النبوة مضموما إليه جمعه بين دفتين، فكان الجمعان توثيقًا وتحقيقا مخافة أن يزول الجمع الأول بزوال الصدور التي جمعته حين استحر القتل بكثير منهم جهادًا في سبيل الله ، فما فعله الصحابة من الجمع لم يكن أكثر من استنساخ الجمع القائم في الصدور ليكون بين دفتي مصحف، وهذا شأنه شأن الوراقين الذين ينسخون الكتاب من النسخة الأم التي أبدعها ورتَّبها وألف بين أجزائها مؤلف الكتاب في عالم اهل العلم، فلا يكون من الورَّاق إلا أن ينقله من النسخة الأم التي خطها مؤلفها كما هي إلى نسخ أخرى متعددة، غير أن النسخة الأم هنا في شأن القرآن الكريم كانت الصدور المحفوظة بالإيمان والمحفوظ ما بها من القرآن الكريم بحفظ منزله على عبده ونبيه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
﴿إنَّا نحنُ نزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَه لحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩)
стр. 183
وأنت إذ تنظر في بيان هذه الآية الجليلة لا تجدها قائمة من جملة واحدة مخبر فيها عن المسند إليه بخبرين معطوف ثانيهما على أولهما بل قائما من جملتين عطفت الثانية على الأولي، وبنيت كلٌّ منهما على المسند إليه المؤكد المدلول عليه بنون العظمة (إنّا) مع توكيده في الأولى المخبرة عن الله بتفرد الإنزال بقوله (نحن) من دون الثانية المخبرة عن الله باختصاص حفظه بالذكر الحكيم ففي كلّ اختصاص: في الأولى اختص نفسه بإنزله، فلم ينزل القرآن الكريم غيره، فهو من قصر الصفة على الموصوف: قصر إنزال القرآن الكريم عليه
وفي الأخرى قصر حفظه تعالى على القرآن الكريم أي ما تكفلنا بحفظ كتاب مما أنزلنا من الكتب السماوية إلا بحفظ الذكر الحكيم، أي أنَّ قصر حفظه على كونه واقعا على القرآن الكريم دون غيره، فهو على منهاج " ما استمعت إلا لمحمدِ " فهو من قصر الموصوف على الصفة، فاجتمع للقرآن الكريم أمران:
الأول أنه لم ينزله غير الله
والآخر: أنه المخصوص بحفظ الله له من دون غيره من الكتب السماوية السابقة عليه التى منيت بالتحريف على أيدي أتباع من أنزلت عليهم.
стр. 184
وفي هذا إشارة إلى المفارقة العظيمة بين حال أصحاب وأتباع النبي سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مع القرآن الكريم الذي نزل علي نبيهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحال التابعين للأنبياء والمرسلين وموقفهم من الكتب التي أنزلت عليهم إليهم: صحابة النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كانوا آلات تأكيد حفظ ذلك الكتاب وعصمته من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان. وأمة الأنبياء السابقين كانت سببا في التحريف والتبديل والتغيير بالزيادة والنقصان. فانظر فضل الله على أتباع حبيبه محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
وهذا يؤكد تقرير أن حفظ القرآن الكريم من أدنى تغيير بتقديم أوتأخير لآية أو سورة إنِّما هو من الله وأنَّ ما كان من فضل أجراه الله على أيدي صحابة عبده ونبيه ورسوله سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إنما هو متمثل في أن جعلهم آلات إظهار الحفظ في وعاء آخر مضموما إلى الوعاء السابق:
الحفظ بين دفتي المصحف ضميمة إلى الحفظ في الصدور.
مجمل الأمر في هذا: أنَّ ترتيب السور بين دفتي المصحف على النحو الذي هو بين أيدينا والذي سيبقى كذلك إلى قيام الساعة هوهو الذي كان قائما في صدرالنبي سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وحيا من الله تعالى، وفي صدور أصحابه رضوان الله عليهم تلقيا من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وليس اجتهادًا، وأن في هذا الترتيب من آيات الإعجاز البياني ما في تركيب آياته في السورة الواحدة، بل وما في تركيب كلمات الآية الواحدة من الإعجاز البياني العظيم المجيد.
стр. 185
وإذا كان هذا الذي سمعت من رأي " أبي سليمان الخطابيّ " فإنَّ لصاحب كتاب " المباني لنظم المعاني" وهو من علماء القرن الرابع والخامس " ليذهب في مقدمة كتابه هذا في الفصل الثالث إلى أنَّ القرآن الكريم على ترتيبه الذي بين أيدنا بين دفتي المصحف هو هو الذي في اللوح المحفوظ قائلا:
" وأمَّا الدليل على أنَّه في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي في أيدينا، وأنَّه تعالى أنزله جملة إلى السماء الدّنيا في ليلة القدر، ثُمَّ كان ينزل منه الشيء بعد الشيء على حسب الحاجة إليه، فهو قول الله :
﴿إنَّ عَليْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ (القيامة:١٧-١٩)
وهذا أدلّ الدليل على أنّ الله تولى تنزيله وجمعه ونظمه، وأنزله على المصطفي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا على لسان حبريل ﵇ وعصمه السهو والخطأوالتحرف فيه " (١)
ثمَّ يقول: " وتدلّ عليه الأخبار المرويةُ عن النّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا في تسمية سورة " الحمد لله ربّ العالمين " فاتحة الكتاب، فلولا أنَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أمر الصحابة أن يرتبوا هذا الترتيب عن أمر "جبريل" ﵇ عن "الله " لما كان لتسميته هذه السورة فاتحة الكتاب معنى، إذ قد ثبت بالإجماع أنَّ هذه السورة ليست بفاتحة سور القرآن نزولا، فثبت أنَّها فاتحته نظمًا وترتيبًا وتكلُّمًا " (٢)
المعلم الرابع.
رَدُّ مَقْطَعِ القرآنِ الكريم ِعلَى مَطْلَعِهِ
стр. 186
يقوم تأويل "البقاعي" البيان القرآني الكريم على أنَّ القرآن الكريم متناسبة أجزاء بيانه إن كلمة وإن سورة وما بينهما، وأن كل جزء قائم في مقامه قيامًا أساسُه اقتضاءُ المقامِ له، وأنَّ ما قدِّم لم يقدَّم على الآخر وهو منفصل معناه عن معنى ما قدِّم عليه، بل معانى الهدى في القرآن الكريم متناسل بعضها من بعض، فلست بالذي يستطيع أن تقول إنَّ معنى كذا ابتداء لايسبقه من المعانى ما يبنى عليه، بل هو في تناسب معانيه وتناسلها كالحلقة المفرغة لايدرى أين طرفاها.
ومن ثَمَّ فإنَّه في مقدمة تفسيره يصرح بأنَّه " لاوقف تامّ في كتاب الله تعالى، ولا على آخر سورة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) بل هي متصلة مع كونها آخر القرآن بالفاتحة التي هي أوله كاتصالها بما قبلها بل أشدّ" (١)
والغاية من تفصيل القرآن الكريم إلى آيات وسورقائمة عند "البقاعيّ" في " أنَّ الشيءَ إذا كان جنسًا وجعلت له أنواع، واشتملت أنواعه على أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه، وأنبل، ولاسيّما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام، وتجاوبت النظائر بحسن الالتئام، وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الإحكام وجمال الأحكام.
وذلك أيضًا أنشط للقارئ، وأعظم عنده لما يأخذه منه مسمى بآيات معدودة، أو سور معلومة، وغيرذلك " (٢)
وهذا التفصيل إلى سور لا يعنى كما سمعت أنّ سورة " الناس " نهايته التى لاتلتحم معانى الهدى فيها بمعانى الهدى في أول القرآن الكريم، فهذه الأولية والآخرية في ترتيب السور إنما هي أولية في نسق التلاوة، وليست أولية في تفاصل المعنى.
هو ذو سياقِ دائريٍّ ليس له بداية لا تلتحم بشيءِ وليس له نهاية ينقطع عندها، ومن ثَمَّ كان التحريض النبوي لتالى القرآن الكريم أن يكون الحال المرتحل
стр. 187
" سئل النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا:"أيّ العمل أفضل؟ قال الحالّ المرتحل.قيل: وما الحلّ المرتحل؟
قال: صاحب القرآن يضربُ من أوّل القُرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوّله كلما حل ارتحل" (سنن الدارمي: فضائل القرآن)
ومن ثَم فإنَّ "البقاعيَّ" سعى إلى ّ رَدِّ تسعِ سورٍ من القرآن الكريم من آخره إلى تسعِ سورٍ من أولِه، وهو بذلك يتجاوزُ بأسلوب رد العجز على الصدر ماهو عند البلاغيين، فيجعله شاملا بناء السورة بل بناءَ القرآن الكريم كلِّه.
وهو في ختام سورة " قريش" يبدأ النظر في رد تسع سور من آخر القرآن الكريم تلاوة على تسع سور من أوله ترتيلا، قائلا:
((وكما التقَى آخرُ كلِّ سورةٍ مع أولها، فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها، فإنَّ حاصلها المَنُّ على " قريش" بالإعانة على المتجر إيلافًا لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصه بالأمر بعبادة الذي مَنَّ عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان
. ومن أعظم مقاصد التوبة المناظرة لها بكونها التاسعة من الأول البراءة من كلّ مارق، وأنَّ فعل ذلك يكون سببًا للألفة بعد ما ظنَّ أنَّه سببٌ للفرقة، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته، والفوز بأمنه ونعمته، والبشارة بالغنى على وجه اعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر وأوفى وأوفر وأزهى وأزهر وأجلّ وأفخر بقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (التوبة:١٧)
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية٢٨)
стр. 188
فعلم بهذا علمًا جلِيًّا أنَّه شرعَ في ردّ المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال القرآن بلسانهم، وأرسل به النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم، وتعظيمه إغناهم وأمنهم.
ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها في ردُّ المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة المناظرة لها حتى إنَّ في كلّ منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة، فإنَّ براءة مع الأنفال كذلك حتَّى قال "عثمان" ﵁: " إنََّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا توفيَ ولم يبين أمرها، فلم يتحرَّرْ له أنَّها مستقلةٌ عنها، ولذلك لم يكتب بينهما سطر ﴿بسم الله الرّحمنِ الرَّحيم﴾
وكانت هذه التي من الآخر مقطوعًا بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف " أبي ّ"﵁، وقراءة "عمر" ﵁ لهما على وجه يشعر بذلك، كما مضى إشارة إلى أنَّ الآخري كون أوضح من الأول ومن أغرب ذلك أنَّ السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق، فالأولى في الاخر وهي " الفيل" أكرم الله فيها قريشًا بإهلاك أهل "الإنجيل"، والأولى في الأول، وهي " الأنفال " أكرمهم الله ﷻ فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم , فكان ذلك سببًا لكسر شوكتهم، وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم
وعلم أنَّ البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم؛ لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأوَّلِ بالإرسال والنَّاسُ لهم تبعٌ، كما أنَّ جميع الرسلِ تبعٌ للرسولِ الفاتحِ الخاتمِ ... )) (١)
стр. 189
كذلك يسعى البقاعي إلى تأويل تنسيق السور القرآنية تنسيقا يجعل من النظم البياني للقرآن الكريم في علائقه ببعضه كعلاقة أجزاء الدائرة المفرغة ببعضها لايدرى أين طرفاها.
وهو يستمر في تبيان تعالق كل سورة من السور التسع في آخر القرآن الكريم ترتيلا بما قابلها من التسع في أوله تلاوة.
ومما هوجلِيٌّ لايدفع، ولا يظهر فيه شائبة تكلّف تأويل ما تراه من العلاقة الوثيقة بين سورة " المسد " الرابعة من آخر تلاوته وسورة " النساء " الرابعة من أول تلاوته
يقول في ختام تاويله سورة "المسد":
" وحاصلُ هذه السورةِ أنَّ أبا لهبٍ قطع رحمه، وجار عن قصد السبيل، واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره، وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لمْ يألُ جهدًا في نصحه على ما تراه من أنّه لم يألُ هو جهدًا في أذاه، واعتمد على ماله وأكسابه، فهلك وأهلك امرأته معه، ومن تبعه من أولاده.
ومن أعظم مقاصد سورة" النساء" المناظرة لها في ردّ المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لاسيّما لذوي الأرحام والعدل في جميع القوال والأفعال، فكان شرح حال الناصح الذي لاينطق عن الهوى، وحال الضالّ الذي إنما ينطق عن الهوى قوله تعالى:
(يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء:٢٦)
وختمها إشارةً إلى التحذيرِ منْ مثلِ حالِهِ، فكأنَّه قيلَ: يبينُ الله لكم أن تضلوا فتكونوا كأبي لهبٍ في البوار، وصَلْيِ النَّار كما تبين لكم فكونوا على حذرمن كلّ ما يشابه حاله، وإن ظهر لكم خلاف ذلك، فأنا أعلم منكم، والله بكل شيءٍ عليم والحمد لله رب العالمين)) (١)
هذا الذي أبداه "البقاعيّ" من تعانق سورتي " المسد " و" النساء" لا ترى فيه شائبة تكلف، وما هوإلا أن يلفت بصيرتك إليه حتى تسكن إلى ما لفتك إليه.
стр. 190
وهو هنا يهدى إلينا إرشادًا أن نمدَّ مجال الدرس البلاغي للأساليب فلا نجعلها بالمنحصرة في بناء الجملة أو الآية بل نتجاوز ذلك إلى بناء المعقد أو السورة بل القرآن الكريم كله.
الطباق يمتد به من التقابل بين كلمتين في بناء الجملة أو الجملتين في بناء الآية أو البيت إلى أن نجعله مقابلة بين قصة وقصة كمثل ما عرفه المفسرون والبلاغيون من عطف القصة على القصة، ونمتد به فنجعله تقابلا بين سورة وسورة.
وبهذا يكون عندنا طباقٌ مفرد وطباق متعدد وطباقٌ كليّ مركبٌ، وقد كان للبلاغيين نظر كذلك في التشبيه، ولكنهم لم يفعلوا في شأن الطباق وهو بذلك جدير.
وكذلك " التَّصدير " نتجاوز به رد العجز على الصدر في بناء البيت إلى بناء الفصل في القصيدة ورد عجز القصيدة على مطلعها، وفي البيان القرآني نتجاوز به إلى ردّ عجز السورة على مطلعها وردّ مقطع البيان القرآني الكريم تلاوته على مطلعه،ويمكن أن يفعل مثل هذا في أساليب التقديم والتأخير والحذف والفصل والوصل.
مجمل الأمر أنَّ هذا الذي كان من" البقاعيّ " دالٌّ على أنَّه ذاهب إلى أن ترتيب سور القرآن العظيم فيه من أسرار الإعجاز البياني ما فيه، وأنه ليس بالمعجز في نظم تراكيب جمله أو آياته بل في ترتيب آياته وسوره
ولو أنَّ البلاغيين المحدثين انصرفت عناية جمع منهم إلى الوفاء ببعض حق هذا الباب من التأمل والتدّبر واستنباط أصول بلاغته في القرآن الكريم لكان لنا أن نقيم إلى مأ أقامه الأسلاف ما يرضي به الله عنا من أنّه من باب النصيحة لكتابه الكريم.
стр. 191
ولأمكننا أن نضيف إلى التفكير البلاغي والنقدي للكلمة الإنسان: شعرًا ونثرًا فنيًّا ما يؤكد أنَّنا لسنا بالمفتقرين إلى استجداء أصول التفكير النقدي من قوم لا يتكلمون بلساننا ولا يحملون في صدورهم هَمًّا كمثل همّنا، وإنّه لَمِنَ المَعَرّة أن يستجدي الأحفادُ ما هو مطمور في خزائن أجدادهم التي بين أيديهم، ولا يكلفون أنفسهم شرف الاستنباط منها، ويرون أنَّ شرفَهم في أن يقتاوتوا فتاتَ موائدِ الأغيار، وأن ينبشوا الأجداث ليستخرجوا ما واراه الآخر من الفكر النقديّ الذي نسيه القوم ورغبوا عنه.
إنَّ غير قليل مما تقرأ من التفكير النَّقدي المستجدَى من الآخر على الشاطئ الغربيّ أنت واجدٌ أصولَه التي يمكن أن تُنْمَى إنْ صدقَ العزم في تراث أجدادنا وفي نتاج " البقاعي" خاصّة من تلك الأصول كثير نبيل.
стр. 192
الفصل الثَّاني: منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم في بناء السورة
... المعلم الأول....
تحقيقُ مقصودِ كُلِّ سُورةٍ، وتصاعُدِ معانيه ا
المعالم السابقة كانت فيما يتعلق بمنهاج "البقاعي"في تأويل تناسب ترتيب سور القرآن الكريم، وما يأتيك من معالم قائم بتبيان منهاجه في تأويل تناسب النظم التركيبيّ والترتيبيّ في بناء السورة القرآنية
وأساس منهاجه في هذا عنايته بتحقيق وتحرير المقصود الأعظم للسورة القرآنية التي هو بصدد تأويلها وتبيان الإعجاز البياني في نظمها تركيبا وترتيبا
المقصود الأعظم هو ما تدور عليه معاني البيان في هذه السورة، وهو الذي يتحكم في كل شيءٍ فيها.
يقرر في مقدمة تفسيره (نظم الدرر) أنّ علم مناسبات القرآن الكريم علمٌ تعرف منه علل ترتيب أجزائه (أي أجزاء القرآن: جمله وآياته ومعاقده وسوره)
وهو سرّ البلاغة؛ لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال. وهذا يعنى أنَّه لايرى أنَّ سرَّ البلاغة القرآنية قائم في النظم التركيبي المتحقق من علاقات الكلم ببعضها في بناء الجملة مفردة عن قرائنها في سياقها وإن امتدت فحسب بل قائم في النظم الترتيبيّ، فليست البلاغة العليّة المعجزة في أن عُرِّفتْ هذه الكلمة, فأفادت معنى كذا أو قُدمت فأفادت كذا، أو حُذف المسند إليه أو المفعول به، فأفاد معنى كذا فإنَّ شيئا من ذلك في بناء الجملة مفردة عن قرائنها في سياقها أنت واجده في غير البيان القرآنيِّ، ولكنّ البلاغة العليَّة المعجزة المُبْلِسَة العالمين أجمعين قائمة في علاقات الجمل ببعضها في سياق الآية وعلاقات الآيات ببعضها في سياق المعقد وعلاقات المعاقد ببعضها في سياق السورة وعلاقات السور ببعضها في السياق الكلّى للمعنى القرآنِيّ الكريم.
والبقاعيّ يبين أيضًا في مقدمة تفسيره ما تتوقف عليه إجادة فقه ذلك وإتقان تأويل البلاغة القرآنية المعجزة قائلا:
((وتتوقف الإجادة فيه [أيْ في علم فقه مناسبات القرآن الكريم] على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها.
ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها)) (١)
هو كما ترى يجعل العِرفان بمقصود السورة أساسَ الإجادةِ في فقه تناسب القرآن الكريم من حيث العِرفانُ بعلل ترتيب أجزاء البيان القرآنيّ بدأ من الكلمة في الجملة وانتهاءً بالسُّورة، وفي الوقت نفسه يعود ذلك بالنفع الجليل على معرفة المقصود من جمل السورة بفقه نظمها التركيبي.
وهذا يجعل المُؤَوِّلَ للبيان القرآني الكريم قائمًا في مقام الحركة الترددية بين تأمل وتذوق الجزء وتدبر وتذوق الكلِّ، فكلَّما زدت البيان القرآني نظرًا في جزء منه زادك اقتدارًا على عرفان المقصود الأعظم وكلَّما زدت المقصود الأعظم نظرًا زادك فهما لبيان النظم التركيبي للجملة.
стр. 193
ذلك ما تراه من بيان "البقاعيّ " منزلَ العِرفانِ بمقاصدِ السُّورِ في إتقانِ تأويلِ البيانِ القرآنِيِّ المجيدِ.
وإذا ما نظرت في موقع بيانه مقصود السورة، فإنَّك ترى الغالبَ عليه أنّه بستفتح القول بذكر مقصود السورة من قبل ذكر اسمها كما تراه في تأويله سورة "البقرة" وسورة "النساء"، و"المائدة"، و"الأنعام"،و"الأعراف" و"التوبة"، و"يونس".
وقد يستفتح الكلام بتاويل "البسملة" من قبل ذكر مقصود السورة، كما في سورة "آل عمران" و"إبراهيم".
وقد يستفتحه بذكر اسم السورة، وتأويل البسملة، كمافي سورة " الأنفال" و" الملك" و" القلم" و"المعارج
يبقى أن تنظر في منهاجه في تبيان ذلك المقصود لترى أنَّه يتخذ منهاجا قائمًاعلى السعي إلى تحرير المعنى الكلِّىِّ الذي يسري في معاقد السورة المُكَوِّنَة لمعانيها الكُلِّيَّة القائمة من المعاني الجُزئية المُصَوَّرَةِ ببيان نظم الجملة والآية.
стр. 194
في كتابه "مصاعد النظر" يقرر أنّ ((كلَّ سورة لها مقصد واحدٌ يدار عليه أولها وآخرها، ويستدلّ عليها فيها، فترتب المقدمات الدَّالة عليه على أتقن وجه وأبدع نهجٍ وإذا كان فيها شيءٌ يحتاج إلى دليل استدلّ عليه، وهكذا في دليل الدليل، وهلمَّ جرّا، فإذا وصل الأمر إلى غايته ختم بما منه كان ابتداء، ثُمَّ انعطف الكلام إليه، وعاد النظر عليه، على نهج بديع ومرقى غير الأول منيع، فتكون السورة كالشجرة النضيرة العالية والدوحة البهيجة الأنيقة الحالِيِة المُزَيَّنَة بأنواع الزينة المنظومة بعد أنيق الورق بأفنان الدرّ وأفنانها منعطفة إلى تلك المقاطع كالدوائر، وكلّ دائرة منها لها شعبة متصلة بما قبلها، وشعبة ملتحمة بما بعدها، وآخر السورة قد واصل أولها كما لاحم انتهاؤها ما بعدها، وعانق ابتداؤها ما قبلها، فصارت كلّ سورة كدائرة كبرى مشتملة على دوائر الآيات الغرّ البديعة النظم العجيبة الضَمّ بلين تعاطفِ أفنانها وحسن تواصل ثمارها وأغصانها " (١)
هو في هذا منطلق من القاعدة الكلية التى أرشده إليه شيخه "أبو الفضل المشداليّ المغربي " والتى نصَّ عليها في مفتتح تأويله سورة "الفاتحة" قائلا: " الأمر الكُلّي المفيدُ لعِرْفانِ مناسبَات الآياتِ في جميع القرآن هو أنّك تنظرُ إلى مراتبِ تلك المقدِّمات في القربِ والبعدِ من المطلوبِ، وتنظرَ عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستبعته من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشرافِ إلى الوقوفِ عليْها ٠فهذا هو الأمر الكلّيُّ المهيمن على حكم الربطِ بينَ جميعِ أجزاء القرآنِ، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله تعالى وجه النظم مفصلا بين كلّ آية وآية في كلّ سورة وسورة، والله الهادي " (٢)
стр. 195
وإذا ماكان في تفسيره (نظم الدرر) يستفتح القول في تأويل سورة "البقرة" بقوله: " مقصودها الأعظم: إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدى ليتبع في كل ما قال، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب، ومجمعه الإيمان بالآخرة، فمدار الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة التى مدارها الإيمان بالغيب ... " (١)
تجده من بعد فراغه من تأويل البيان وتناسبه في قول الله :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٣٩)
يقف مليًّا لينظر في تناسب آيات السورة من أولها إلى أول هذا المعقد وهويقدم لنا وجهين من تقرير المناسبات بين آيات هذا المعقد، فيقول:
стр. 196
" ولمَّا أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا، وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعيًا للناس عامة [يقصد قول الله : يَأيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا ربَّكُم....الآية ٢١] لاسيَّما بني إسماعيل: العرب الذينَ هم قوم الدَّاعي ﷺ ، وكان الحقّ من دُعِيَ بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حقٍّ، فزاغوا عنه، ولاسيّما إنْ كانت لهم قرابة؛ لأنَّهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدْنى بيان وأيسر تذكير، فإنْ رجعوا اقتدى بهم الجاهل، فسهل أمره وانحسم شرّه، وإن لم يرجعوا طال جدالهم، فبَانَ للجاهل ضلالُهم، فكان جديرًا بالرجوع والكفّ عن غيِّه والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام وبَانَ الحلالُ والحرامُ؛ فلذلك لمَّا فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار، وختم بأنْ وعد في اتباع الهدى وتوعَّد شرع يخصُّ العلماء من المنافقين بالذكر، وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزام عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خصَّ بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب , وأشهرها وأجمعها , فقصّ عليهم ما مثله يليّن الحديدَ، ويخشع الجلاميد، فقال تعالى مذكرًا لهم بنعمه الخاصة بهم (يابني إسرائيل) " (١)
وهو من بعد أن يفرغ من تبيان تسلسلِ المعاني في المعقد الأول من معاقد السورة وكيف أنه قد تناسل منه الحديث في المعقد الثاني المبدوء بقول الله :
﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البقرة:٤٠)
يقرر وجها آخر من وجوه التناسب والتناسل قائلا:
стр. 197
" ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على وجه آخر، فيقال:
لمَّا كان الكفّارُ قسمين: قسم محضٌ كفره وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض قسمين: قسم لاعلم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب، وقسم له كتاب يعلم الحقّ منه، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعمُّ قسميه: العالم والجاهل، فقال " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة:٦)
ثُمَّ أتبعه قسم المنافقين؛لأنَّهم أهَمُّ بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين , وإظهارهم انّهم منهم ليكونوا من خذاعهم على حذر, فقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة:٨)
ولمََّا فرغَ من ذلك استتبعه من الأمر بالوحدانية، وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها، ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل والاستعطاف بذكر النعم شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنّه يعرف الحقَّ ويخفيه فالمنافق ألفَ الكفرَ، ثُمَّ أقلع عنه، وأظهر التلبس بالإسلام، واستمرَّ على الكفرِ باطنًا، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبيِّ ﷺ قبل دعوته، فلمَّا دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به، وأظهروا الكفر واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاءِ المعرفةِ التي هي مبدأُ الإيمان، فحالُهم كما ترى أشبه بحال المنافقين، ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثيرٍ من القرآنِ.
وأخَّرهم لطولِ قصَّتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم، فإنًَّ مجادلة العالمِ ترسل في ميادين العلمِ أفراسَ الأفكار، فتسرع في أقطار الأوطار حتّى تصير كالأطيار وتأتي ببديع الأسرار.
стр. 198
ولقد نشر في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما أقام البرهان على أنَّهُ هدى للعالمين
هذا إجمال الأمر
وفي تفاصيله كما سترى من بدائع الوصف أمور تجلّ عن الوصف تذاق بحسن التعليم ويشفي عيَّ جاهلها بلطيف التكليم والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق " (١)
وأنت ترى في الوجه الثاني تفصيلاً ليس في الأول ييسر لك رؤية حركة المعنى القرآني في آيات ذلك المعقد من معاقد السورة.
وفي إشارته إلى تعدد وجوه التناسب والتناسل ما يهدي إلى وثاقة الاعتلاق بين أجزاء السورة القرآنية، وهذا شأن البيان العليّ لايمنحك وجها واحدًا من المعانى أو العطاء بل هو يكنز لك في بيانه ضروبا من معانى الهدى ويدع لك الاجتهاد في استخراج ما يتوافق مع قدرك تحريضًا على متابعة الاجتهاد في الاستنباط، وفي الوقت نفسه يدفع عنك غائلة الملل إذا ما أنت أخذت في كل محاولة اجتهادية ما أخذته في السابقة عليها، ولكنك إذا ما لقيت في كل مرة من فيض العطاء غير ما لقيت في التي قبلها أقبلت إقبال المتطلع التائق المؤمِّل.
وفيه أن درجات العطاء تتعدد وتفاوت بتعدد المجاهدين في التدبر وتتفاوت بتفاوت أقدارهم.
والبقاعي من بعد أن يلقي إليك ما قام في صدره من وجهي التناسب والتناسل في آيات هذا المعقد الممهدة لآيات المعقد التالي له يعمد إلى أن يقيم بين يديك ما قام في صدر"أبي الحسن الحرَالَّيِّ"من ذلك قائلا:
" وقال "الحرَالّيُّ" " ثُمّ أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظمًا بابتداء خطاب العرب من قوله (يأيها الناس) وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه، وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أوَّل وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختامٌ بنو إسرائيل الذين هم ابتداءٌ، بما هم أوّل من أنزل عليهم الكتاب
стр. 199
الأول من التوراة التي افتتح الله تعالى بها كتبه تلو صحفه وألواحه.
ثُمَّ قال: لمَّا انتظمَ إقبالُ الخطابِ على العربِ التي لمْ يتقدَّمْ لها هُدًى بما تقدَّمه من الخطابِ للنبيِّ ﷺ انتظم بخطابِ العربِ خطاب بني إسرائيل بما تقدَّم لها من هدًى في وقتها
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:٤٤)
وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدَّم لها في ارتقائها من كمال الهدى بمحمد ﷺ وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدى بهم العرب، ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق. انتهى" (١)
ما قام ببيانه "الحرَالّيّ" فيه ما يهدي إلى السنة البيانية للقرآن الكريم في تنسيق المعاني وتقديم بعضها على بعض لما في ترتب الثاني على الأول وتناسله منه.
وغير خفي عليك أنَّ ما قام البقاعيّ ببيانه ولا سيَّما الوجه الثاني فيه وشيجة انتساب إلى مقال " الحرالّي ".
والبقاعي" ما يزال في أثناء السور يُجْمِلُ لك حركة المعنى في سياقها فتراه عند تأويله قول الله
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (البقرة:٢٥٢)
يقول: " ولعلّ ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصّة لما فيها للنبيّ ﷺ من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة؛ لأنهاممالايعلمه إلا القليلُ من حُذَاق علماء بني إسرائيل
стр. 200
ثُمَّ عقبها بآية الكرسيّ التي هي الأعظم من دلائل التوحيد، فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قول الله :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١) إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوّة المفتتح بها قصص بني إسرائيل، فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصَّتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريًا على الأسلوب الحكيم في مُناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء، فكان خلاصة ذلك كأنّه قيل (ألم) تنبيها للنفوسِ بما استأثرالعليم بعلمه، فلمَّا ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل: يأيها النَّاسُ، فلمَّاعظم التَّشوفُ قال" اعبدوا ربكم " ثُمَّ عينه بعد وصفه بما بينه بقوله :
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:٢٥٥)
كما سيجمع ذلك من غيرفاصلٍ أول سورة "التوحيد":"آل عمران"المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النَّصارى وغيرهم، وتختتم قصصهم يقوله :
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران:١٩٣)
стр. 201
يعنى بالمنادي – والله أعلم - القائل: " يأيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا ربَّكُمْ" (البقرة:٢١) إلى آخرها ٠)) (١)
وإذا ما نظرت في موقفه من تصاعد المعنى القرآني في سورة البقرة وتناسل تلك المعانى عند تأويله الآية التي يذهب إلى أنها خاتمة سورة البقرة على الرغم من أنها متلوة بثلاثين آية أخرى: "آية الكرسيّ" (٢) تسمعه قائلا: ...
" ولمَّا ابتدأ "الفاتحة" كما مضى بذكر الذَات ثُمَّ تعرّف بالأفعال؛ لأنها مشاهدات، ثُمَّ رقَّى الخطاب إلى التعريف بالصّفات، ثُمَّ أعلاه رجوعًا إلى الذَات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة [سورة البقرة] بصفة الكلام [يقصد قوله: ذلك الكتاب ... ] ؛لأنَّها أعظم المعجزات، وأبينها، وأدلّها على غيب الذَّات وأوقعها في النّفوس لاسيّما عند العرب، ثُمَّ تعرف بالأفعال، فأكثر منها، فلمَّا لم يبق لَبسٌ أثبت الوحدانية بأيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب، فلمَّا تمت الأوامر، وهالتْ تلك الزواجر، وتشوفت الأنفس في ذلك اليوم إذ كان المألوف من ملوك الدّنيَا أنَّهم لايكادون يتمكنون من أمرٍ من الأمورِ حقَّ التمكن من كثرة الشفعاء والرَّاغبين من الأصدقاء إذْ كان الملك منهم لايخلو مجلسه قطُّ من جمع كلّ منهم صالح للقيام مقامه، ولو خذله أو وجه إليه مَكْرَهُ ضَعْضَعَ أمره، وفَتَّ في عضده، فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بيَّنَ صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصدّ والتنزه عن الكفر والنّدّ والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتمَّ انكشاف؛ لأنْ تتوجه الهِممُ لغيره، وأن تنطق بغير إذنه، وأن يكون غير ما يريد؛ ليكون ذلك أدعَى إلى قبول أمره والوقوفِ عند نهيه
стр. 202
وزجرِه
ولأجل هذه الأغراضِ ساق الكلام مساق جواب السؤال، فكأنَّه قيل: هذا مالا يعرف من أحوال الملوك، فمن الملك في ذلك اليوم؟
فذكرآية الكرسيّ سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتابٌ على مثلها مفتتحًا لها بالاسم العَلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره " (١)
يأتي أيضًا في مقدمة تأويله موقع قصة سيدنا إبراهيم ﵇ وطلبه من ربّه عزّ وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى، فيلفت نظرنا إلى المقصود الأعظم للسورة قائلا:
" ولمَّ كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج، واختلاف الطرق، فبيّن أولاً بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان، وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان عَلا عَنْ ذلك البيان في قصة "الخليل" ﷺ إى ما يثبت الطمانينة ٠
وقد قرر أمر البعث في هذ السورة بعد ما أشارت إليه "الفاتحة" بيوم الدين أحسن تقرير، فبثَّ نجومه فيها خلال سماوات آياتها، وفرَّق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقى ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصِّرٍ، فكرَّر ذكره بالآخرة تارة، والإحياء أخرى، تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله :
وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة: من الآية٤)
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٢٨)
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:٥٦)
﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ (البقرة: من الآية٧٣)
﴿ِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) (البقرة: من الآية٢٤٣)
стр. 203
وما كان من أمثاله ونظائره واشكاله في تلك الأساليب المرادة غالبًا بالذَّات لغيره، فاستانست أنفس المنكرين له به , فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله ﵇ والتحية والإكرام، فكان كأنَّه قيل: يامنكري البعث ومظهري العجب منه ومقلِّدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذبٌ, اسمعوا قصة أبيكم "إبراهيم" ﷺ التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق، وإعادة الروح بإخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيءٍ منه، فشهادته شهادة الله؛ لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين...." (١)
فأنت تراه ساعيا إلى تبيان تصاعد المعنى القرآنِيّ وهيمنة المقصود الأعظم على تلك المعانى المتصاعدة يقينا منه بأنَّ المعنى القرآني في سياق السورة إنَّما هو خاضعٌ لسلطان معنى كلّيّ، وأنَّ المعاني الجزئية المشكِّلة لمعاني المعاقد التي منها قوام السورة القرآنية إنَّما هي معانٍ متصاعدة تؤسِّسُ من وجه ما لم يكن له ذكرٌ سابقٌ، وتؤكِّد من آخر ما سبق تأسيسه، وفي كلِّ تأكيد تأسيسٌ لما يقوم عليه البيان القرآنيُّ من منهاج تصريف المعاني.
هذان الأمران:
تصاعدُ المعاني وتناسلُها من جهة
وتصريفُ البيان عنها من جهة أخرى
من الخصائص الجليلة للسُّنَّة البيانيَّة في القرآن الكريم أنت لاتجدها في غيره على نحو ولو شديد المفارقة لها. وهذا فيما أزعم مَعْلَمٌ من معالم خصائص الإعجازالبياني للقرآن الكريم.
والبقاعي إذا ما تجلت لك عنايته بتبيان وجه انتظام المعاني في سورة البقرة وتصاعدها وخضوعها لسلطان معنى كلّي هو مقصودها الأعظم، فإنه يحرص في نهاية تأويله البيان القرآنيّ في سورة البقرة على أن يخلّص لنا القول في ترتيب معانيها على النحو المعجزِ الذي جاءت عليه قائلا:
стр. 204
" وسِرُّ ترتيب سورة " السنام " على هذا النّظام أنّه لمَّا افتتحها بتصنيف النَّاس الذين هم للدّينِ كالقوائم الحاملة لذي السَّنام، فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلىأفهام أهل القيام، فقال مخاطبا لجميع الأصناف التي قدمها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١)
واستمر إلى أنْ بَانَ الأمرُ غاية البيان، فأخذ يذكر مِنَنَه- سبحانه- على النَّاس المامورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم "آدم" ﵇، ثُمَّ خصّ العرب ومن تبعهم ببيان المنّة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم
وهو يؤكد كلّ قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيءٍ من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل، فذكره على وجه الامتنان به على العرب , وتبكيت بني إسرائيل بتركه ,لا على أنَّه مقصود بالذَّات.
فلمَّا تزكّوا , فارتقوا , فتأهلوا لأنواع المعارفِ قال مُعليًا لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية:
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:١٦٣)
فلمَّا تسنَّموا هذا الشرف لقَّنهم العبادات المزكية، ولقَّاهم أرواحها المصفية، فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعًا الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكلِ والمشاربِ والمناكح، وغير ذلك من المصالح، فتهيؤوا بها، وأنَّها المواردات الغرَّ من ذي الجلال، فقال مرقِّيًا لهم إلى غيب حضرته الشَّمَاء ذاكرًا مسمَّى جميع الأسماء
стр. 205
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:٢٥٥)
ولمَّا كان الواصلُ إلى أعلى مقام الحريّة لابد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمالِ اللائقةِ بهمْ، فحثَّ على أشياءَ أكثَرُها من وادِي الإحسانِ الذي هو مَقامُ أولى العِرفانِ، فذكرَ مثلَ النفقة التي هي أحدُ مباني السورة عقبَ ما ذكرَ مقامَ الطّمأنينةِ إيذانًا بأنَّ ذلك شأنُ المطْمَئنّ، ورغّب فيها إشارةً إلى أنَّه لامطمعَ في الوصولِ إلاَّ بالانسلاخِ من الدُّنيا كلّها
وأكثر من الحَثِّ على طيب المطعمِ الذي لابقاء بحال من الأحوال بدونه، ونهى عن الربا أشدَّ نهْيٍّ إشارة إلى التَّقنع بأقلّ الكفافِ، ونهيًا عن مطلق الزيادة للخواصّ، وعن كلّ حرام للعوام
وأرشدَ إلى آداب الدّينِ الموجبِ للثقة بما عند الله المقتضي بصدقٍ التوكل المثمر للعون من الله والإرشاد إلى ذلك، توفِّيَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وهو متلبّسٌ بِهِ.
وبنَى كلَّ ثُلثٍ من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به.
وزاد الثالث لكونه الختام، وبه بركة التّمام أن أكَّد عليْهِمْ بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة.
стр. 206
وختم بالإشارة إلى أنّ عمدة ذلك الجهادُ الذي لذوي الغِيّ والعنادِ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد، وذلك هو طريقُ أهلِ الرشادِ والهداية والسداد.
والله هو الموفق للصواب)) (١)
بهذا التخليص المحيط بما هو مرتكزات رئيسة ترتكز عليها سورة البقرة وتقوم عليها قياما يحقق لها إعجازها في ترتيب معاني الهدى فيها على نحو يجعل منها سنام القرآن الكريم وفسطاطه وذروته.
وقد كان البقاعي مدركا حسن التقسيم وبديعه للمعاني الكلية التى قامت منها سورة البقرة ومدركا لمنهاج القرآن الكريم في تقسيمه الأحكام والآداب العلية التى احتوتها سنام القرآن الكريم ومنهاج السورة في افتتاح كل قسم واختتامه.
***
وننظر في سورة أخرى من سور ' المئين " من بعد نظرنا في سورة من " الطول " ننظر في تبيانه مقصود سورة " النحل"
يقول: " مقصودها الدلالة على أنّه تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص " ((٢)
ثُمَّ يضيف تصريحا بالتدليل على الوحدانية التي أبان عنها إجمالا بقوله (منزه عن شوائب النقص) وأوَّل وأكبر شوائب النقص الشرك، فمن كان له شريك كان غير منزه عن رأس شوائب النقص، ولعلَّ البقاعيّ لم يصرح بالوحدانية أولا في تحقيق مقصود السورة وهو كثير المراجعة لتأويله إشارة منه إلى أنّ الوحدانية ملزوم ما صرح به من كمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص، والتصريح باللوازم يلزمه العلم بالملزوم، ومن سلّم باللازم وجب عليه التسليم بالملزوم لا محالة: من سلم لك بأنَّ فلانا يتحرك وجب عليه التسليم بأنَّه حيّ , فالحياة ملزوم الحركة، وهذا منهاج من مناهج الإلزام بالحقيقة.
стр. 207
وكأنّ البقاعي يشير بذلك إلى منهاج السورة في التدليل، فهي تتخذ ذكر النعم امتناناً دليلا على وحدانية المنعم وكمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص، وهذا ما تقوم عليه السورة، فأشعرنا البقاعي بصنيعه هذا حقيقة المنهاج الذي يقوم عليه البيان في السورة من التصريح باللازم لتحقيق وتأكيد الملزوم.
على أنّ بيان السورة يقيم جملا مصرحة بالوحدانية يقيمها في مواقع معينة من مساحة البيان فيها:
تجده في صدر المعقد الأول يقول : ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) (النحل: من الآية٢) ويقول في ختام تعديده مجموعة من نعمه الممتن بها والمدلّل بها على وحدانيته وعلمه وقدرته وتنزهه عن شوائب النقص (ي:٢-٢١) : ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل: من الآية٢٢)
ومن بعد أن يذكر مااعتراض به الكافرون على الدعوة ويقوضها (ي:٢٤-٥٠) يصرح بالوحدانية
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل:٥١)
أنت إذ تتابع النظر في آيات السورة تجد أنها منسولة من معنى التدليل بالنعم على وحدانية الله وما يلزمها من الصفات الحسنى: كمال العلم والقدرة والاختيار
وإن تفاوتت دلالة الايات على هذا المعنى، فالسورة قائمة على منهاج تصريف البيان عن المعنى الواحد (المقصود الأعظم) بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه
وهذا ليس خاصًّا بسورة " النحل" بل هو شاملٌ كلّ سورة من سور القرآن الكريم
стр. 208
ولا أكاد أملّ تأكيد القول بأنّ علم البيان في البلاغة القرآنية ليس بالمحصور في " التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية " فمن شاء أن يدرس سورة ما في ضوء منهاج علم البيان فإنّ عليه ألا يقتصر اجتهاده في التدبر والتأويل على هذه الأساليب في السورة بل يشمل تأمل وتدبر دلالة كل جملة وآية على المقصود الأعظم للسورة (المعنى الواحد) المتعين فيها، ودرجات الاختلاف في الدلالة وعلاقة هذا التباين بين سبل الابانة بالمعنى الجزئي والمعنى الكلّي، مرتكزًا على تأمل وتدبر النظم التركيبي والترتيبي للجمل والآيات والمعاقد
***
وإذا ما كان البقاعيّ معنيًّا بحقيق مقصود السورة التي هو بصدد تدبر منهاج البيان فيها فإنه - أيضًا - حريصٌ على مراجعة ما ينتهى إليه من استنباط المقصود الأعظم للسورة التي هو بصدد تأويل بيانها وبيان عظيم تناسب نظامها، فيبينُ لنا أحيانًا أنَّه قد أعاد النظر في تحقيق وتحرير مقصود السورة وبدا له ما هو أعلى مما كان قد أشار إليه من قبل، يقول في مفتتح سورة "الأعراف":
" مقصودها إنذارُ من أعرضَ عمَّا دعا إليه الكتابُ في السورة الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل من الأنعام، وتحذيره بقوارع الدارين.
وهذا أحسن مما كان ظهرلي، وذكرته عند: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لأعراف:٨) (١)
وهو في تفسيره تلك الآية يقول بعد بيانه معنى الوزن وأنّه بميزان حقيقي لصحف الأعمالِ أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور ...
стр. 209
فتحرر أنَّ مقصود السورة الحثُّ على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحثَّ على اتّباع الرسولِ والدلالة على التوحيد والقدرة على البعثِ ببيان الأفعالِ الهائلةِ في ابتداءِ الخلقِ وإهلاكِ الماضينَ إشارة إلى أنَّ من لمْ يتبعه ويوحّدُ من أنزله على هذا الأسلوب الذي لايستطاعُ والمنهاج الذي وقفتْ دونه العقول والطباع لما قام من الأدلة على توحيده يعجز من سواه عن أقواله وأفعاله أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقابِ الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادّخر له في ذلك اليومِ من سَوءِ المُنْقلبِ ولإظْهار أثرِ الغضبِ " (١)
تراه في صدر السورة مُكَرِّسًا المقصود في معنى الإنذار، فهذا المعنى هو محور ما تدور عليه المعاني الكلية للسورة المكونة من معانِ جزئية تصورها جمل السورة وآياتُها
وفي تأويله الآية الثامنة ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لأعراف:٨) يجعل المقصود أعم من معنى الإنذار وإن كان قائما الإنذار في ذلك المقصود العام، فإنَّ في الإشارة إلى القدرة على البعث معنى الإنذار، لأنه لا معنى للبعث إذا لم يترتب عليه جزاء العباد على ما عملوا إن خيرًا وإن شرًا.
مجمل الأمر أنَّ البقاعي ذو حرصٍ على السعي إلى تحقيق المعنى الكليّ المهيمن على السورة التي هو بصدد تأويل بيانها وتبيان تناسب نظامها، وحريص على أن يكون لهذا المعنى وجود في معاقد السورة، وإن لطف أثره أحيانا في فقه المعانى الجزئية المكونة لمعاني المعاقد التي يتكون منها نظام السورة.
وهذا المنهاج من أهم ما يميز تفسير البقاعي عن غيره من التفاسير السابقة عليه بل اللاحقة له، فإنك لاتكاد تجد تفسيرًا كمثله في ذلك الحرص، والتتبع في كلّ سورة من سور القرآن الكريم كلّها.
стр. 210
فليس من شك في أن الالتفات إلى أبراز بعض وجوه تناسب بعض الآيات في تواليها أمر غير مستحدث على يدي "البقاعيّ" فهو مما تجده في غير قليلٍ من كتب التفسير من قبله، غير أنك تجد هذا فيها كالشذرات، ولا تجد من تنصرف عنايته إلى تحقيق المعنى الكليّ لكلِّ سورة من سور القرآن الكريم وتنصرف إلى العناية بتبيان تلاحم بل تناسل المعاني الكليَّة القائمة في معاقد السورة، وتناسل المعاني الجزيئة القائمة في جمل السورة وآياتها ولكنك الواجِدُ البقاعيَّ يفعل ذلك في كلّ سورة من سور القرآن الكريم.
المعلم الثاني.
علاقةُ اسمِ السُّورَةِ بمقصُودِها
لكلِّ سورة من سور القرآن الكريم اسم أوأكثر به تعرف منذ نزلت وإلى أن تقوم الساعة.
وللبقاعيّ عناية بتأويل تسمية السور، والغالب عليه أنه يذكر اسم السورة أو أسماءها من بعد بيانه مقصودها الأعظم ليبين وجه دلالة اسمها على مقصودها، فذلك من أصوله الذي صرح به في صدر تفسيره سورة الفاتحة من بعد أن ذكر القاعدة الكلية التي تعلمها من شيخه "المشدّالي" قائلا:
" وقد ظهر لي باستعمالى لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة "سبأ" في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب:
أنّ اسم كلّ سورة مترجم عن مقصودها؛ لأنّ اسم كلّ شيءٍ تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدّال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به "آدم" ﵇ عند العرض على الملائكة - عليهم الصلاة والسلام" (١)
وهذا قائم على أنَّ أسماء السور من المرفوع نسبه أو الموقوف اجتهادًا من الصحابة رضوان الله عليهم.
والبقاعي لم يصرِّحْ بمذهبه في ذلك، وإنْ دلَّ منهاجُ تاويلِه التسمية على أنه إلى الرفع أقرب منه إلى الوقف.
стр. 211
وأنت إذ تنظر في كتابه " مصاعد النظر" وقد عُنِيَ فيه بذكر الأحاديث والأخبار والآثار المتعلقة بشأن السور القرآنية تجده ذاكرًا في شأنِ كلِّ سورةٍ حديثًا أو خبرًا أو أثرًا فيه تصريح باسم السورة، وهذا دالّ على أنَّ تلك الأسماء التي هو بصدد تأويلها وتبيان دلالتها على مقصود السورة التي سُمّيتْ بها إنما هي إلى الرفع أقرب.
والذي هو من هدي السنَّة النبويّة اعتناؤه ﷺ بتسمية الأشياء: إنسانا وغيره، وكان يهدي إلى حسن التسمية، ويُغيِّر اسم من لايستطيب اسمه، وما كان من جَدِّ " سعيد بن المسيِّب بن حَزْن " ﵁ حين سماه سهلا، فأبى عصبيةً - إنَّما هو قائم في نفوسنا عظة جليلة لكيلا نرغبَ عمَّا رغب فيه البشير النذير صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فإذا ماكان هذا من هديه ﷺ في الأشياء من حوله، فكيف يكون هديه في شأن تسمية السور القرآنية؟
كتب الصِّحاح من السنَّة النبوية قائم فيها من بيان النبوة ما يقطع بتسمية غير قليل من السور القرآنية.
стр. 212
المهم أنَّ في التسمية مايُغْرِي بأنَّه قد تكونُ هنالك وشيجة نسب بين معنى الاسم ومقصود ما سميت به من السور، فجدير بنا النظر فيها ولا سيّما أنَّ تسمية غير قليل من السور لاتصلح أن تعلَّلَ بأنّها سميت بذلك لذكره فيها، وإلاَّ ما وجه تسمية السورة التالية للتوبة بـ" يونس" ﵇، وقد ذكرت قصته في غيرها بأبسط مما ذكرت فيها؟ ولِمَ لَمْ تُسمَّ واحدة من السور باسم "موسى" ﵇، وهو من أكثر الأنبياء ذكرًا لقصته مع بني إسرائيل؟ ولِمَ لَمْ تُسَمَّ سورة " بني إسرائيل: الإسراء" بموسى"؟ بل لِمَ لَمْ تُسَمَّ سورة القصص بـ"موسى" ﵇ وهي التى بُسِطتْ فيها قصته وذكر فيها من أخباره ما لم يذكر في غيرها، ولم يذكر من قصص الأنبياء فيها غير قصته، وما جاء من قصة قارون فيها فإن قارون كان من قوم موسى ﵇، فهذا دالٌّ دلالة بينة على أن أمر التسمية ليس مرده مجرد ذكر الاسم في تلك السورة.
المُهِمُّ أنَّ البقاعيّ ذو عناية بذكر اسم السورة أو أسمائها إن تعددت، وفي تعددها دلالة على عظيم فضلها واتساع مقصودها، فهو يذكر لنا أسماء سورة الفاتحة:
" فالفاتحة اسمها "أم الكتاب "و"الأساس" و"المثاني" و"الكنز" و"الشافية" و"الكافية" و"الوافية" و"الرُّقية" و"الحمد" و"الشكر" و"الدعاء" و"الصلاة.
ويبين علاقة مقصود الفاتحة: " مراقبة العباد لربهم؛ لإفراده بالعبادة"، فيقول:
" مدار هذه الأسماء كما ترى على أمرٍ خفيٍّ كافٍ لكلّ مراد، وهو المراقبة التى سأقول إنها مقصودها، فكلّ شيءٍ لايفتتح بها لااعتداد به، وهي كنز لكل شيءٍ، شافية لكلّ همّ، وافية بكلّ مرام، واقية من كلّ سوء، رُقية لكل ملمّ، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء، فإنَّه التوجه إلى المدعو وأعظم مجامعها الصلاة " (١)
стр. 213
فهو كما سمعت أبرز معنى كلّ اسم من أسمائها من خلال مقصودها الأعظم الذي هو في الحقيقة المقصود الأعظم للقرآن الكريم.
التَّأمُّلُ في معنى الاسم يهدي إلى إبصار ملمح من ملامح مقصود السورة، فإذا ما استجمعت تلك الملامح ونسقتها واستبصرت فيها معنى كلّيًا تدور عليه كنت على مقربة من تحقيق المقصود الأعظم للسورة.
ويقول في سورة "يونس" ﵇ موضحا وجه اختصاص هذه السورة بهذا الاسم، واختصاص قصة "يونس" ﵇ بأن تكون عنوان السورة على الرغم من أنه قد ذكر فيها غيرها من القصص: "نوح"﵇ (ي:٧١-٧٤) و"موسى" ﵇ (ي:٧٥-٩٣) ثم ذكرت آية واحدة في قصة قوم "يونس"﵇:
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس:٩٨)
فيقول: " مقصودها: وصف الكتاب بأنّه من عند الله ، لما اشتمل عليه من الحكمة، وأنّه ليس إلا من عنده لأنّ غيره لايقدر على شيءٍ منه، وذلك دالٌّ بلا ريبٍ على أنَّه واحد في ملكه لاشريك له في شيءٍ من أمره.
وتمام الدليل على هذا قصة قوم "يونس" ﵇ بأنهم لمّا آمنوا عند المخايل كشف عنهم، فدلّ قطعا على أنّ الآتي به هو الله الذي آمنوا به إذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم، ولو عذبوا كغيرهم لقيل: هذه عادة الدهر، كما قالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء
ودلّ ذلك على أنّ عذاب غيرهم من الأمم إنّما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طردًا بأحوال سائر الأمم من أنّه كلّما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب، وعكسًا منه كلمَّا انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى والله الموفق " (١)
стр. 214
فهذا دال على أنَّ اختصاص "يونس" ﵇ بهذه السورة تسمية لما كان من خبر رفع العذاب عن قومه لإيمانهم حين معاينة العذاب، وصدقهم في إيمانهم، فكان من فيض قيومية الحق وأنَّه فعالُّ لما يريد، وأنَّه هو الذي يعذب من شاء بما شاء ومتى شاء ولماشاء، فذلك لحكمة هو بها عليم وهو الذي أنزل هذا الكتاب الذي يهدي إلى ذلك ويقصّ علينا من تلك الأخبار ما لم يقصَّ غيره منها، فالذي أتى بالرحمة من العذاب إلى قوم يونس هو الذي أتى بالكتاب الحكيم إلى عبده ونبيه محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وفي مفتتح سورة "هود" ﵇ يبين المقصود الأعظم بقوله:
" مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة المقتضي ذلك لمنزله وضع كلّ شيءٍ في أتمّ محاله وإنفاذه مهما أريد الموجب للقدرة على كلّ شيءٍ"
ثُم يبين وجه تسميتها بـ"هود"﵇، وقد ذكر فيها من قصص الأنبياء كثير، وذكرت قصة "هود "﵇ في غيرها ولم تسم بها قائلا:
" وأنسب ما فيها لهذا المقصد ما ذكر في سياق قصة "هود" ﵇ من إحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل والتصريح بالجزم بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود:١٢)
والعناية بكلّ دابّةٍ والقدرة على كلّ شيءٍ من البعث وغيره المقتضي للعلم بكلّ معلوم اللازم منه التفرد بالملك
وسيأتي في"الأحقاف" وجه اختصاص كلّ منهما باسمهما" (١)
وفي سورة الأحقاف يقول:
стр. 215
" مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين بما يضادُّ حال بلادهم، وأنّه لايمنع من شيءٍ من ذلك مانعٌ؛ لأنّ فاعل ذلك شريك له، فهو المستحق للإفراد بالعبادة، وعلى ذلك دلت تسميتها بـ"الأحقاف" الدالة على هدوء الريح وسكون الجوّ بما دلت عليه قصة قوم " هود" ﵇ من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما عبدوه عنهم
ولا يصحّ تسميتها بـ"هود" ﵇ ولا تسمية سورة" هود " ﵇ بـ " الأحقاف " لما ذكر من المقصود بكل منهما " (١)
***
وفي تبيان علاقة اسم سورة النحل بمقصودها يقول من بعد بيانه أنّ مقصودها الأعظم: التدليل بنعم الله على وحدانيته وكمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص:
" وأدلّ ما فيها على هذا المعنى أمر النّحل لماذكر من أمرها من دقّة الفهم في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثّمار النافعة والضَّارة وغير ذلك من الأمور.
ووسمها بالنعم واضح في ذلك , والله أعلم " ((٢)
وإذا ما نظرت في الايات المتحدثة عن النحل" في هذه السورة: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٦٨-٦٩)