← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأنت إذ تنظر في كتابه " مصاعد النظر" وقد عُنِيَ فيه بذكر الأحاديث والأخبار والآثار المتعلقة بشأن السور القرآنية تجده ذاكرًا في شأنِ كلِّ سورةٍ حديثًا أو خبرًا أو أثرًا فيه تصريح باسم السورة، وهذا دالّ على أنَّ تلك الأسماء التي هو بصدد تأويلها وتبيان دلالتها على مقصود السورة التي سُمّيتْ بها إنما هي إلى الرفع أقرب. والذي هو من هدي السنَّة النبويّة اعتناؤه ﷺ بتسمية الأشياء: إنسانا وغيره، وكان يهدي إلى حسن التسمية، ويُغيِّر اسم من لايستطيب اسمه، وما كان من جَدِّ " سعيد بن المسيِّب بن حَزْن " ﵁ حين سماه سهلا، فأبى عصبيةً - إنَّما هو قائم في نفوسنا عظة جليلة لكيلا نرغبَ عمَّا رغب فيه البشير النذير صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. فإذا ماكان هذا من هديه ﷺ في الأشياء من حوله، فكيف يكون هديه في شأن تسمية السور القرآنية؟ كتب الصِّحاح من السنَّة النبوية قائم فيها من بيان النبوة ما يقطع بتسمية غير قليل من السور القرآنية.

стр. 212

المهم أنَّ في التسمية مايُغْرِي بأنَّه قد تكونُ هنالك وشيجة نسب بين معنى الاسم ومقصود ما سميت به من السور، فجدير بنا النظر فيها ولا سيّما أنَّ تسمية غير قليل من السور لاتصلح أن تعلَّلَ بأنّها سميت بذلك لذكره فيها، وإلاَّ ما وجه تسمية السورة التالية للتوبة بـ" يونس" ﵇، وقد ذكرت قصته في غيرها بأبسط مما ذكرت فيها؟ ولِمَ لَمْ تُسمَّ واحدة من السور باسم "موسى" ﵇، وهو من أكثر الأنبياء ذكرًا لقصته مع بني إسرائيل؟ ولِمَ لَمْ تُسَمَّ سورة " بني إسرائيل: الإسراء" بموسى"؟ بل لِمَ لَمْ تُسَمَّ سورة القصص بـ"موسى" ﵇ وهي التى بُسِطتْ فيها قصته وذكر فيها من أخباره ما لم يذكر في غيرها، ولم يذكر من قصص الأنبياء فيها غير قصته، وما جاء من قصة قارون فيها فإن قارون كان من قوم موسى ﵇، فهذا دالٌّ دلالة بينة على أن أمر التسمية ليس مرده مجرد ذكر الاسم في تلك السورة. المُهِمُّ أنَّ البقاعيّ ذو عناية بذكر اسم السورة أو أسمائها إن تعددت، وفي تعددها دلالة على عظيم فضلها واتساع مقصودها، فهو يذكر لنا أسماء سورة الفاتحة: " فالفاتحة اسمها "أم الكتاب "و"الأساس" و"المثاني" و"الكنز" و"الشافية" و"الكافية" و"الوافية" و"الرُّقية" و"الحمد" و"الشكر" و"الدعاء" و"الصلاة. ويبين علاقة مقصود الفاتحة: " مراقبة العباد لربهم؛ لإفراده بالعبادة"، فيقول: " مدار هذه الأسماء كما ترى على أمرٍ خفيٍّ كافٍ لكلّ مراد، وهو المراقبة التى سأقول إنها مقصودها، فكلّ شيءٍ لايفتتح بها لااعتداد به، وهي كنز لكل شيءٍ، شافية لكلّ همّ، وافية بكلّ مرام، واقية من كلّ سوء، رُقية لكل ملمّ، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء، فإنَّه التوجه إلى المدعو وأعظم مجامعها الصلاة " (١)

стр. 213

فهو كما سمعت أبرز معنى كلّ اسم من أسمائها من خلال مقصودها الأعظم الذي هو في الحقيقة المقصود الأعظم للقرآن الكريم. التَّأمُّلُ في معنى الاسم يهدي إلى إبصار ملمح من ملامح مقصود السورة، فإذا ما استجمعت تلك الملامح ونسقتها واستبصرت فيها معنى كلّيًا تدور عليه كنت على مقربة من تحقيق المقصود الأعظم للسورة. ويقول في سورة "يونس" ﵇ موضحا وجه اختصاص هذه السورة بهذا الاسم، واختصاص قصة "يونس" ﵇ بأن تكون عنوان السورة على الرغم من أنه قد ذكر فيها غيرها من القصص: "نوح"﵇ (ي:٧١-٧٤) و"موسى" ﵇ (ي:٧٥-٩٣) ثم ذكرت آية واحدة في قصة قوم "يونس"﵇: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس:٩٨) فيقول: " مقصودها: وصف الكتاب بأنّه من عند الله ، لما اشتمل عليه من الحكمة، وأنّه ليس إلا من عنده لأنّ غيره لايقدر على شيءٍ منه، وذلك دالٌّ بلا ريبٍ على أنَّه واحد في ملكه لاشريك له في شيءٍ من أمره. وتمام الدليل على هذا قصة قوم "يونس" ﵇ بأنهم لمّا آمنوا عند المخايل كشف عنهم، فدلّ قطعا على أنّ الآتي به هو الله الذي آمنوا به إذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم، ولو عذبوا كغيرهم لقيل: هذه عادة الدهر، كما قالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء ودلّ ذلك على أنّ عذاب غيرهم من الأمم إنّما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طردًا بأحوال سائر الأمم من أنّه كلّما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب، وعكسًا منه كلمَّا انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى والله الموفق " (١)

стр. 214

فهذا دال على أنَّ اختصاص "يونس" ﵇ بهذه السورة تسمية لما كان من خبر رفع العذاب عن قومه لإيمانهم حين معاينة العذاب، وصدقهم في إيمانهم، فكان من فيض قيومية الحق وأنَّه فعالُّ لما يريد، وأنَّه هو الذي يعذب من شاء بما شاء ومتى شاء ولماشاء، فذلك لحكمة هو بها عليم وهو الذي أنزل هذا الكتاب الذي يهدي إلى ذلك ويقصّ علينا من تلك الأخبار ما لم يقصَّ غيره منها، فالذي أتى بالرحمة من العذاب إلى قوم يونس هو الذي أتى بالكتاب الحكيم إلى عبده ونبيه محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وفي مفتتح سورة "هود" ﵇ يبين المقصود الأعظم بقوله: " مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة المقتضي ذلك لمنزله وضع كلّ شيءٍ في أتمّ محاله وإنفاذه مهما أريد الموجب للقدرة على كلّ شيءٍ" ثُم يبين وجه تسميتها بـ"هود"﵇، وقد ذكر فيها من قصص الأنبياء كثير، وذكرت قصة "هود "﵇ في غيرها ولم تسم بها قائلا: " وأنسب ما فيها لهذا المقصد ما ذكر في سياق قصة "هود" ﵇ من إحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل والتصريح بالجزم بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود:١٢) والعناية بكلّ دابّةٍ والقدرة على كلّ شيءٍ من البعث وغيره المقتضي للعلم بكلّ معلوم اللازم منه التفرد بالملك وسيأتي في"الأحقاف" وجه اختصاص كلّ منهما باسمهما" (١) وفي سورة الأحقاف يقول:

стр. 215

" مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين بما يضادُّ حال بلادهم، وأنّه لايمنع من شيءٍ من ذلك مانعٌ؛ لأنّ فاعل ذلك شريك له، فهو المستحق للإفراد بالعبادة، وعلى ذلك دلت تسميتها بـ"الأحقاف" الدالة على هدوء الريح وسكون الجوّ بما دلت عليه قصة قوم " هود" ﵇ من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما عبدوه عنهم ولا يصحّ تسميتها بـ"هود" ﵇ ولا تسمية سورة" هود " ﵇ بـ " الأحقاف " لما ذكر من المقصود بكل منهما " (١) *** وفي تبيان علاقة اسم سورة النحل بمقصودها يقول من بعد بيانه أنّ مقصودها الأعظم: التدليل بنعم الله على وحدانيته وكمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص: " وأدلّ ما فيها على هذا المعنى أمر النّحل لماذكر من أمرها من دقّة الفهم في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثّمار النافعة والضَّارة وغير ذلك من الأمور. ووسمها بالنعم واضح في ذلك , والله أعلم " ((٢) وإذا ما نظرت في الايات المتحدثة عن النحل" في هذه السورة: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٦٨-٦٩)

стр. 216

رأيت أنّها بدأت بأمر الإيحاء إلى النحل، وهذا في نفسه دليل على كمال العلم وكمال القدرة على الإيحاء لما شاء ومن شاء، وما أوحي إلى النحل فيه من العلم الذي يحقق لها أمنها وسعادتها في حياتها مما هو معلوم مشهور بين البشر مؤمنهم وكافرهم، فإذا كان هذا لا مرية فيه فإن الإيحاء إلى أفضل العالمين لايكون إلا بما هو أعظم تحقيقا لأمن العباد وسعادتهم في الدارين،ولا يفعل ذلك إلا إله واحد عالم قادر مختار منزه عن شوائب النقصان إن تدبر حال النحل دالٌّ دلالة بيِّنة على أنّ الذي خلقها وأوحى إليها إنَّما هو الواحد العليم القدير المختار، فكانت هذه الآية وتلك النعمة من أقوى الأدلة على تقرير مقصود السورة، فإنّك لا تجد أحدًا ينازع فيما اختصت به النحل من خصائص مبهرة من أظهر سماتها العلم والنظام والقدرة على تحقيق المراد. وتسمية السورة بسورة " النعم" يكتفي البقاعيّ في تأويله وتعليله بقوله:" وتسميتها بالنعم واضح في ذلك" هذا الوضوح كوضوح تسميتها " النحل" إلا أن جهة الوضوح مختلفة: وضوح الدلالة في التسمية بالنحل مما عرف واشتهر عند العامة والخاصة من شأن النَّحل الذي أشرت إليه قبل ووضوح تسميتها بالنّعم من كثرة ذكر النّعم والآلاء في هذه السورة وكان من سنة البيان عن هذه النعم نظمه على نحو دال على اختصاص الحَقِّ بفعل ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل:١٠) فمثل هذا التركيب: تعريف الطرفين " هو - الذي " مفيد للاختصاص فكأنَّه قيل: ما أنزل من السماء ماء إلا هو، هذا معنى من معاني " لا إله إلا الله" التي هي عنوان التوحيد والكمال المطلق

стр. 217

ولو أنّأ رغبنا في استقصاء الآيات الدالة على التوحيد إفصاحا وإفهاما في سورة النحل لأمكن أن تقول إنّ كل آية من آياتها تصريف بيانيٌّ لمعنى التوحيد لاتفاوت في الدلالة إلا في درجات بيانها: وضوحا وخفاء *** يتبين لك مما سبق أن البقاعي يقوم تأويله على أنّ لكلّ سورة معنى كليًّا هو المهين على معانيها الجزئية هو منها بمثابة الأم من أبنائها، وأنّ هذا المعنى الكلي هو المائز بين السور، وأن في اسم كلِّ سورة دلالة على مقصودها، وهي دلالة منسُولةٌ من أنّ ذلك الاسمَ مرتبطٌ ارتباطا وثيقا بذلك المعنى الكليّ المهيمن على تلك السورة، ومن ثم لايكون معيار التسمية أو باعثه هو أن ذلك الاسم قد ذكر في تلك السورة كما سبقت الإشارة إليه. إن الأمرَ مبعثُه ومردُّه إلى المعنى الكليِّ المُهيمن على تلك السورة وما هو مكنونٌ في ذلك الاسم من الإشارة إلى ذلك المعنى الكليّ المهيمن. هذا لو استثمره نقَّاد الشعر في عصر"البقاعي" وما بعده وبحثوا عن المعنى الكلي المهيمن على القصيدة واختاروا لها اسما دالا على ذلك المعنى المهيمن لكانوا فاتحين للنقدالأدبي طريقا وسيعا وسبيل بديعا - - - المعلم الثالث. تأويل البسملة على وفق مقصود السورة ممايقوم عليها منهاج تأويل القرآن الكريم عند البقاعي أنَّ كلّ كلمة من القرآن الكريم إذا ذكرت مرة أخرى بحروفها في سياق آخر، فإنَّ الذي أعيد إنما هو ما ينطقه اللسان أما ما يعيه الجنان من ذلك المنطوق المعاد في سياق آخر، فإنَّه أمرٌ آخرٌ لم يَسبق وعيُه على النحو الذي هو عليه الآن وهذا ليس خاصًا بالكلمة بل بالجملة والآية، ومن ثمَّ فإنَّه ينظر إلى البسملة على أنها تحمل في مفتتح كل سورة جاءت فيها معنى غيرالذي كانت تحمله في السورة السابقة. وهذا يعنى أنّ للسياق التى تقوم فيه البسملة أثرًا عظيما في أنْ تحمل الكلمات والتراكيب من المعاني التى لاتخلق على كثرة الرد.

стр. 218

يقول: " وأفسّر كلّ بسملة بما يوافق مقصود السورة ولا أخرج عن معاني كلماتها " (١) وهو في تأويله بسملة كلّ سورة إنما يَعْمَدُ إلى الأسماء الحسنى الثلاثة: الله، الرحمن، الرحيم فيذكر مع كل اسم ما يتناسب مع مضمون سورة هذه البسملة شريطة التزامه مع اسم الجلالة الإشارة إلى معنى الجمع والإحاطة، ومع اسمه "الرحمن" الإشارة إلى معنى العموم والاتساع ومع اسمه "الرحيم" الإشارة إلى معنى التخصيص. يقول في بسملة "آل عمران": " (بسم الله) الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال، (الرحمن) الذي وسعت رحمة إيجاده كلّ مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة، (الرحيم) الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه " (٢) تلحظ هنا أنه أشار إلى معنى الوحدانية والتفرد بالإحاطة بالكمال في تأويله اسم الجلالة؛ لأن مقصود سورة "آل عمران" إثبات الوحدانية لله ، والإخبار بأنَّ رئاسة الدنيا غير مغنية. وأشار في تأويل "الرحمن" إلى معنى اتساع رحمة الإيجاد لكلِّ مخلوق المشير إلى تفرده ﷻ وأشارفي تأويل "الرحيم" إلى معنى اختيار أهل التوحيد للقرب. وفي تأويله بسملة سورة "النساء" يقول: " (بسم الله) الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور، (الرحمن) الذي جعل الأرحام رحمة عامة، (الرحيم) الذي خصّ من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة " (٣) وذلك مرده إلى أنَّ مقصود سورة "النساء": " الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه "آل عمران" والكتاب الذي حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة ... " (٤) وغير خفي العلاقة التي بين مقصود السورة وما أوَّل به "البقاعي" الأسماء الحسنى في بسملتها. - - -

стр. 219

وننظر في تأويله بسملة سورة " النحل" وقد سبق أن بينت أنّ مقصودها الأعظم: التدليل بالنعم على وحدانية الله تعالى وكمال علمه وقدرته واختياره، فنراه يقول: " (بسم الله) المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل) ، (الرحمن) الذي عنت نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره، (الرحيم) الذي خصّ من شاء بنعمة النجاة مما يسخطه بما يرضاه " (١) قوله (المحيط بدائرة الكمال) دون قوله: (المحيط بالكمال) إشارة إلى اتساع إحاطته بجميع أنواع الكمال بحيث تحيط بها دائرة تتجه فيها جميع أنواع الكمال نحو مركز الدائرة، وهو الذَات الإلهية، فلا تستطيع تحديد أوّل أنواع الكمال ولا آخرها، فكلّ ما يحتويه مظهره القولي والفعليّ يدور في دائرة الكمال الإلهيّ، ولا شكّ أنّ ذلك لن يكون إلا إذ كان مركز الكمال واحدًا فإذا كان واحدًا كان كامل العلم والقدرة وكامل الاختيار يفعل ما يشاء منزها عن شوائب النقص كلِّها ويفسر اسم (الرحمن) بقوله: (الذي عمّتْ نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره) إشارة إلى أنَّه هو الذي أنعم على الإنسان وهداه إلى ما فيه استقرار معيشته ودلّه على وسائل تحصيل ضرورات حياته وكمالاته، وهو الذي أنعم على أحقر المخلوقات حجما من الدواب والحشرات بذلك أيضًا، كذلك هو الرحمن الذي أنعم بالوحي على أكمل الخلق صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ما فيه سعادة الدارين وهو الذي أوحى إلى حشرة النحل وألهمها ما فيه سعادتها وسعادة غيرها، ولايستطيع تعميم ذلك إلا من كان واحدًا كامل العلم والقدرة يفعل ما يشاء وهذا هو مقصود السورة

стр. 220

وأنت تراه يذكر قوله (جليل خلقه) اولا، ويختم بقوله (وكبيره) وفي هذا نظر منه إلى اللف الدائري، فذلك مما عُنيَ البقاعيّ بالنظر فيه، فيكاد يُقيم نظرَه في التناسب القرآني على أساس نظرية النظم الدائري للبيان سواء في بناء الآية أو المعقد أو السورة بل القرآن الكريم كلّه ويفسر اسم (الرحيم) بقوله:" الذي خصّ من شاء بنعمة النجاة مما يستخطه بما يرضاه " إشارة إلى أنَّه الذي خصَّ النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بإنزال القرآن الكريم عليه (ي:٤٤) وبالتبشير بالإسراء (ي:١٢٧) وخص الخليل أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ بانْ جعله قدوة النبيّ محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا (ي:١٢٣) وخصّ المسلمين بالقرآن الكريم منهاج حياة فأنجاهم من سخطه بالدين الذي ارتضاه لهم (ي:٨٩) وخصّهم بأنْ أحلّ لهم كثيرًا ممَّا حرم على غيرهم (ي:١١٤) وخصّهم بقبول يوم الجمعة الذي رفضه غيرهم من أهل الكتاب من قبلهم فكان بركة على الأمة المحمدية (ي:١٢٤) وخصّ النحلَ بدقة الفهم في هندسة البيوت ورعايتها لشئونها بنظام يستمد منه الإنسان كثيرًا من منهاجه (ي:٦٨-٦٩) وهذا لايكون إبدا إلا من واحد كامل العلم والقدرة يفعل ما يشاء كذلك يتبين لك منهاج البقاعيّ في تأويل معاني البسملة في سورة النحل على وفق مقصودها الأعظم وهو المعنى الكليّ الذي جاءت كلّ آياتها لبيانه بطرق مختلفة في وضوح دلالتها عليه *** وأنت إذ تنظر في صنيعه هذا يتبين لك أنَّ ما يؤوّل به البسملة لا يستنبطه من مقصود السورة بل هو يذكر من المعاني ما يتواءم مع ذلك المقصود، فليس منهاجه في هذا المبحث خاصّة منهجا استنباطيا بل منهاجه توفيقيا يذكر ما يتوافق مع ما تبين له من ذلك المقصود، وكل ما التزم به الأصول الكلية لمعانى الأسماء الثلاثة: "الله" و"الرحمن" و"الرحيم".

стр. 221

وتأويل البسملة في كل سورة على غير ما أولت به في السورة الأخرى لم يك من ابتداع "البقاعي". أنت تلقاه في تفسير " الإمام القشيري: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك " (ت:٤٦٥) المسمى: " لطائف الإشارات" وإن اختلف المنهاج التأويلي ومناطه عند كلٍّ. يقول" القشيري" في بسملة سورة " آل عمران": " اختلف أهل التحقيق في اسم " الله " هل هو مشتق من معنى أمْ لا؟ فكثير منهم قالوا أنه ليس بمشتقٍّ من معنى، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص، يجري في وضعه مجرى أسماء الأعلام في صفة غيره، فإذا قرع بهذا اللفظ أسماع أهل المعرفة لم تذهب فُهُومُهُمْ ولاعلومهم إلى معنى غير وجوده وحقه وحقُّ هذه المقالة أن تكون مقرونة بشهود القلب، فإذا قال بلسانه " الله " أو سمع بآذانه شهد بقلبه " الله " وكما لاتدلُّ هذه الكلمة على معنى سوى " الله " لايكون مشهودُ قائلها إلاَّ "الله"، فيقول بلسانه" الله"، ويعلم بفؤاده"الله"، ويعرف بقلبه"الله "، ويحب بروحه" الله " ... فلا يكون فيه نصيب لغير"الله " وإذا أشرف أن يكون محوًا في"الله" لـ" الله "بـ"الله" تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله"الرحمن الرحيم"استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة في قلوبهم أن تنقى فالتلطف سنة منه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية " (١) غير خفي أن "القشيري يركز هنا على معانى توحيد الله ﷻ ذكرا وعلما وعبادة وشهودا ... إلخ وكأنه يلاحظ معنى التوحيد في سورة "آل عمران" وهو كما ترى يشير إلى أن ذكر اسمه "الرحمن الرحيم" إنما يأتى رحمة بالأولياء من الفناء في بحار تجريد التوحيد. وهذا مخالف لمنهاج البقاعي في تأويل البسملة ويقول " القشيري " في تأويل بسملة سورة " النساء ":

стр. 222

" اختلفوا في الاسم عن ماذا اشتق، فمنهم من قال إنه اشتق من السمو، وهو العلو, ومنهم من قال إنه مشتق من السِّمة وهي الكيّة. وكلاهما في الإشارة: فمن قال إنّه مشتق من السُّمو فهو اسمٌ من ذكرَه سمتْ رتبته ومن عرفه سمت حالته ومن صحبه سمت همته؛ فسموّ الرتبة يوجب وفور المثوبات والمَبَارّ، وسموالحالة يوجب ظهور الأنوار في الأسرار، وسمو الهِمَّة يوجب التحرز عن رِقِّ الأغيارِ. ومن قال أصله من السّمة فهو اسمٌ من قصده وُسِمَ بسِمة العبادة، ومن صحبه وُسِمَ بِسِمَةِ الإرادة، ومن أحبّه وُسِمَ بسِمة الخواصّ، ومن عرفه وُسِمَ بِسِمَةِ الاختصاص، فسِمة العبادة توجب هيبة النَّار أنْ ترمي صاحبها بشررها، وسمة الإرادة توجب حشمة الجِنان أنْ تطمع في استرقاق صاحبها مع شرف خطرها، وسِمَة الخواص توجب سقوط العُجْبِ من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة، وسمة الاختصاص توجب امتحاء الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة. ويقال اسمٌ مَنْ واصله سما عنده عن الأوهام قدرُه سبحانه، ومن فاصله وُسِم بكيّ الفرقة قلبه " (١) "القشيري" كما تراه جعل مناط التأويل في بسملة "النساء" اشتقاق كلمة "الاسم" والدلالة الإشارية لهذا الاشتقاق، وكأنّى به يلحظ في هذا معنى اشتقاق الذرية من الأرحام ويلحظ معنى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:١) فتناسل المعاني من أصل الاشتقاق يقيم بينها رحمًا دلالية كمثل الرحم القائمة بين ذرية أبينا آدم ﵇

стр. 223

وأنت إذا ما نظرت في تأويله بسملة سورة "الحجر" سمعته يقول: "سقطت ألف الوصل من كتابة "بسم الله"، وليس لإسقاطها علة، وزيد في شكل "الباء" من "بسم الله" وليس لزيادتها علة؛ ليعلم أنَّ الإثبات والإسقاط بلا علّة؛ فلم يقبلْ مَنْ فبلَ لاستحقاق علة، ولا ردَّ من ردَّ لاستيجاب علّة. فإنْ قيل: العِلّة في إسقاط الألف من "بسم الله" كثرة الاستعمال في كتابتها أُشْكِلَ بأنَّ"الباء"من"بسم الله" زيد في كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة فإنْ قيل: في زيادة شكل "الباء" بركة أفضالِها أشْكلَ بحذف ألف الوصل؛ لأنّ الاتصال بها موجود. فلم يبق إلاَّ أنَّ الإثباتَ والنَّفيَ ليسَ لهما عِلّةٌ يرقع من يشاء ويمنع من يشاء " (١) جعل مناط التأويل هنا الجانب الكتابي للبسملة: إسقاط حرف وزيادة في شكل حرفٍ آخر متجاورين، ملاحظا انتفاء العلة المعقولة عربيةً بحيث يتحقق المعلول حيث تتحقق العلة وبين أنَّ الأمر إنَّما هو لمطلق المشيئة الإلهية، وأنه ليست هناك عِللٌ تكون المعلولات بكونها، بل هنالك أسباب تكون المسببات عندها وليس بها، وفرق بين أن يكون الشيء بالشيء وأن يكون عنده، وكأنِّي به في اختياره الإشارة إلى هذا المعنى في تأويل بسملة سورة الحجر ناظر إلى قوله فيها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر٢١) وكأنّ هذه الآية هي الآية الأمّ والآية المحور التى عليها مدار المعنى القرآني الكريم في سورة الحجر. المُهِمُّ أنَّ تأويل بسملة كل سورة على غير تأويل بسملة الأخري منهاج قد جاء به بعض أهل العلم من قبل "البقاعي" ولِكُلٍّ سنتُه في التأويل، والذي يُؤخذُ من هذا كلّه أن الآخذين بتلك السنة في التأويل ينزعون من أمر له قدره في الفقه البياني للخطاب:

стр. 224

ينزعون من الرغبة عن القول بالتكرار اللفظي والدلالي للكلمات في سياقات مختلفة، وأنَّ الكلمة وما فوقها لاتأتي إلا مرة واحدة وليس لها إلا موضع واحد، فإذا أقيمت في مقام آخر فما هي بالتي كانت من قبل، وهذا يعنى أن الوجود الدلالي للكلمة يتجدد بتجدد مواقع الكلمة وما فوقها، وأنَّ القول بالتكرار البياني في الخطاب العالي فضلا عن الخطاب العَلِيِّ المعجز إنما هو قولٌ مفتقر إلى التحرير العلمي، ومن ثَمَّ لايعرف عَالَمُ البيان التناسخ بين مكوناته ومكنوناته، فهو عَالَمٌ قائم من متجدّدات، وكأنَّ لعالَم البيان من عالَم الجنة مثلا: تتشابه ثماره ولا تتوحد بل تتجدد وتتعدد: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: من الآية٢٥) وعلى هذا يكون جديرًا بمن يقوم للإبحارِ في قَمامِيسِ التأويل البياني للقرآن الكريم أن يكون على ذكرٍ من أنَّ البيان القرآنيَّ خلاء من التكرار التأكيديّ الذي لايضفي جديدًا حميدًا على ما سبق تأسيسه. وأن يكون على ذكرمن أنَّ البيان القرآنيَّ ذو خصيصتين عظيمتين الأولى: خصيصة تناسل المعنى القرآنيّ وتصاعده والأخرى: خصيصة التصريف البياني. هاتان الخصيصتان أراهما من أشمل خصائص الإعجاز البياني للقرآن الكريم من بعد خصيصة إقامة الشعور بجلال القائل في قلب المتلقى المعافي من داء الغفلة. . المعلم الرابع. براعةُ الاستهلالِ وعلاقتُه بمقصودالسورة لكلِّ سورة من سور القرآن الكريم ولاسيّما الطُّول والمئين مفتتح من الآي يكون استهلالا بديعًا مشيرًا إلى جوهر المعنى الكليِّ الذي يقوم في السورة

стр. 225

وإذا ما كنا قد رأيناه يؤول البسملة بما يتناسب مع مقصود السورة إشارة إلى أنَّ في البسملة براعةَ استهلالٍ , مثلما يرى في اسم السورة براعة استهلالها بمعناها الكلى ومقصودها الأعظم على نحو ما سبقت الإشارة إليه، فإنَّ من فوق هذا استهلالَ الآياتِ الأول من السورة بمعناها، فيكون في كلِّ سورة ما يشير إلى معناها الكلي:اسمها وبسملتها والآية أو الآيات الأول منها. والغالب على البقاعيَّ ان لايُعيّن لنا مطلعَ السورة واستهلالها، ولكنَّه يلمح إلى ذلك في أثناء تأويله، وكذلك قد يُفهم التعيين من موضع ذكره ما ينقله في مفتتح كلِّ سورة من كلام "أبي جعفر بن الزبير " في تناسب السور من كتابه "البرهان" ويزدادُ الأمرُ وضوحا في ختام تأويله السورة حين يَرُدُّ مقطع السورة على مطلعا: في سورة "البقرة" يكون مطلعها من أولها إلى قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة:٥) وما بعده من ذكر الذين كفروا، والمنافقين استكمال للاستهلال، ليبدأ موضوع السورة بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:٢١) وهذا المطلع فيه استهلال بمقصود السورة الأعظم: إقامة الدليل على أنَّ الكتاب هدى ليتبع في كلّ ما قال، وأعظم مايهدي إليه الإيمان بالغيب" وهذا ما ركزعليه المطلع كما لايخفي، فقد صرح بجعل قاعدة وأصل صفات المتقين الذين كان الكتاب هدى لهم إنّما هو الإيمان بالغيب، وجعل رأس صفاتهم في الآية الأولى من وصف المتقين: ومما رزقناهم ينفقون، وجعل رأس صفاتهم في الآية الثانية من وصف المتقين أنَّهم بالآخرة هم يوقنون.

стр. 226

والإنفاق في سبيل الله احتسابا إنَّما هو ثمرة الإيمان بالغيب والإيمان بالآخرة إنَّما هو إيمان بالغيب الذي لاسبيل إلى علم شيءٍ منه إلا من إنباء الكتاب أو السنة. في الاستهلال جمل رئيسة مصرحة بالمقصود إذا ما وُفِّقَ المتدبِّرُ إلى استبصارها كانت السبيل إلى فقه مقصود السورة الأعظم ملحَّبًا ٠ ولذلك تراه في سورة البقرة يشيرإلى أنَّ الحث على الإنفاق قد ظهر جليَّا في مواضع عدة من السورة. تراه يشيرعند تأويله قول الله : ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة:٢١٥) إلى أن في صدر السورة إشارة إلى النفقة، قائلا: ... " ولمَّا كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين [المتقين] (وَمِمَّا رَزَقْناهُم يُنْفِقُونَ) (البقرة:٣) ثُمَّ كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أنْ أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفًا مع أنَّها من دعائم بدايات الجهاد إلى أنْ تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش ... " (١) ومن البين أنَّ الإنفاق احتسابا لوجه الله إنما يتخلَّق به من كان مؤمنا بالغيب، وإلا لم يَكُ إنفاقُه احتسابًا، فكان باطلا في ميزان الشرع وهو يقرِّرُمثلَ هذا الذي نقلته عنه هنا في تأويله قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة:٢٤٥)

стр. 227

قائلاً: " ولمَّا كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثقَ دعائمِ الجهاد، وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديَّان كرَّر الحَثَّ عليْها على وجْهٍ أبلغ تشْويقًا مما مضى ... " (١) وعند تأويل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:٢٥٤) يقول: " ولمَّا كان الاختلاف على الأنبياء سببًا للجهاد الذي هو حظيرة الدين، وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعًا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها، وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحثُّ عليه من أمر النفقة (يأيها الذين آمنوا) " (٢) *** وفي سورة "آل عمران" نجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قول الله ﴿ٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (آل عمران: من الآية٤) " ففي هذا المطلع عناية بتصوير وتقرير معنى الوحدانية لله والإخبار بأنَّ رئاسة الدنيا غير مغنية في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو المقصود الأعظم من السورة، وهو كما ترى ظاهر لك من قول الله ﷻ في المطلع: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران:١-٢) ومن قول الله : ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (آل عمران:٤) " فهاتان الجملتان تؤذِّنانِ بالمقصود الأعظم للسورة لمن كانت له بصيرة في فقه بيان الذِّكر الحكيم عن معانيه ٠ *** وفي سورة " النساء " تجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قوله :

стр. 228

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء: من الآية١) فإن في هذا المطلع مايصرح بمقصود السورة من نحو قوله ﷻ : ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ وقوله : ﴿الذي تساءلون به والأرحام﴾ وقوله ﷻ : ﴿إنّ اللهَ كانَ عليْكُم ْرَقِيبًا﴾ فهذه الجمل كالمصرحة بمعنى الاجتماع على أمر عظيم , وأعظم ما يجتمع عليه هو توحيد الله ، وهو اجتماع يحقق معنى التواصل الرحمي الذي به قيام الوجود الإنساني، وهذا هو المقصود الأعظم لسورة النساء، ليبدأ تفصيل البيان عن هذا المقصود بقوله: " وآتُوا اليتامي ... إلخ " (١) وأنت ترى السورة قد قام فيها من الأحكام والآداب ما يه تحقيق البناء المحكم المتراحم المتلاحم للأسرة والأمة، فتجتمع على ما فيه مرضاة ربها . والبقاعيُّ يناظر استفتاح هذه السورة بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:١) بافتتاح سورة "الحج " بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج:١) وكيف أنَّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضي أن يكون وصف الربّ المأمور باتقائه في أول كل سورة بغير ما وصف به في الأخرى، بل هو ناظر إلى موقع كلّ سورة من السياق القرآني المديد يقول في تأويل مطلع سورة "النساء": " وقد جعلَ سبحانه الأمر بالتقوى مطلعًا لسورتين: هذه وهي رابعة النصف الأوَّل والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلَّلَ الأمر بالتقوى في هذه بما دلّ على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدأ.

стр. 229

وعلَّلَ ذلك في الحج بما صوَّر المعاد تصويرًا لا مزيد عليه، فدلّ فيها على المبدأ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا من أجله؛ لتظهر الأسماء الحُسْنَى والصِّفاتِ العُلَى أتمَّ ظُهورٍ يمكن البشر الاطلاع عليه. ورتّبَ ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدأ على سورة المعاد؛ لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية " (١) *** وللبقاعي عناية طيبة ببراعةِ استهلال السور الخمس بـ"الحمد لله "، وهي سور: الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر، وكيف أنَّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضى أن تسفتح بغير ما تستفتح به الأخرى وإن شاركتها في الابتداء بالحمد لله. وهو في هذا معتمدٌعلى مقالة لـ"السعدالتفتازانيّ" في مقدمة كتابه "التلويح على شرح التنقيح" في أصول فقه الحنفية لصدر الشريعة نقلها عنه البقاعيّ في تأويله سورة الفاتحة قائلاً: " وقد أشير في "أم الكتاب - كما قال العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازانيّ الشافعيّ - إلى جميع النعم، فإنَّها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً وإلى إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء واالبقاء أمَّا الإيجاد الأول فبقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة:٢) فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية. وأمَّا الإبقاء الأوّل فبقوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء. وأمَّا الإيجاد الثاني فبقوله ﷻ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وهو ظاهر. وأمَّا الإبقاء الثاني فبقوله: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلى آخرها، فإنَّ منافع ذلك تعود إلى الآخرة. ثُمَّ جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كلّ سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها. " (٢)

стр. 230

فالفاتحة " أم الكتاب " جامعة الإشارة إلى كلَّ ما يكون بسببه الحمد لله، ثُم توزع عِلَلُ الحمد الكلية الأربعة كلّ علّة في سورة، وتنسق هذه السور على ترتيب العِلَلِ، فتكون سورة الأنعام مستهلة بالحمد لله على نعمة الإيجاد الأول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (الأنعام:١-٢) وسورة "الكهف " مستهلة بالحمد على نعمة الإبقاء الأول، وأعلاه نعمة إنزال الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف:١-٥) وسورة "سبأ "مستهلة بالحمد لله على نعمة الإيجاد الثاني (البعث)

стр. 231

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (سبأ: ١- ٩) وسورة " فاطر" مستهلة بالحمد لله على نعمة الإبقاء الثاني (الجزاء)

стр. 232

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر:١-٢) وفي كل سورة ينتشر ما يدل على علَّة الحمد المستهلة بها على الترتيب والمقام لايتسع هنا لتفصيل القول فيها، وقد فصلته في دراستي للعالمية: التناسب القرآني عند البقاعي". في مطلع كلّ سورة من السورالأربع المستفتحة بالحمد لله ما يدل على مضمون السورة ومقصودها على ترتيب النعم المحمود عليها الله وهي نعم كلية جامعة. والعناية بتأويل مطلع السورة ودلالته على مقصودها الأعظم معدنه الإيمان بأن السورة القرآنية قائمة من معنى كلّيٍّ مهيمن على مكونات السورة كلها، وأنَّ في مفتتح السورة ما يهدي إلى مكنونها من المعاني. وهذا المنهاج في التأويل هو من أصول النظر العربي في فقه البيان، فعلماء العربية لهم عناية بهذا الباب، فقد أوصى بعض النقاد الكتاب: "احسنوا معاشرالكتاب الابتداءات، فإنّهن دلائل البيان " (١) المعلم الخامس. ردُّ مَقطَعِ السورة على مطلعها يقيم "البقاعيَّ" منهاجه في تأويل البيان القرآنيّ على أنَّ بناء السورة القرآنية بناء الدائرة المفرغة الملتحم طرفاها التحامًا لا يتبيّنُ مفصلٌ بين أولها وأخرها. لا , بل ليس هنالك أولٌ ولا آخِرٌ ولا التحامٌ ولا التئامٌ، بل هنالك سبكٌ وإفراغٌ.

стр. 233

في كتابه "مصاعد النظرللإشراف على مقاصد السور": " يُقرّر أنّ" كلَّ سورة لها مقصدٌ واحدٌ يُدار عليه أولُها وآخرُها، ويستدلّ عليها فيها، فترتَّبُ المقدمات الدَّالة عليه على أتقنِ وجه وأبدع نهجٍ وإذا كان فيها شيءٌ يحتاج إلى دليل استدلّ عليه، وهكذا في دليل الدليل، وهلمَّ جرّا فإذا وصل الأمر إلى غايته ختم بما منه كان ابتداءٌ، ثُمَّ انعطف الكلام إليه، وعاد النظر عليه، على نهج بديع ومرقَى غير الأوَّل منيع، فتكون السورة كالشجرة النضيرة العالية والدوحة البهيجة الأنيقة الحالية المزينة بأنواع الزينة المنظومة بعد أنيق الورق بأفنان الدرّ وأفنانها منعطفة إلى تلك المقاطع كالدوائر وكلّ دائرة منها لها شعبة متصلة بما قبلها، وشعبة ملتحمة بما بعدها وآخر السورة قد واصل أولها كما لاحم انتهاؤها ما بعدها، وعانق ابتداؤها ما قبلها، فصارت كلّ سورة كدائرة كبرى مشتملة على دوائر الآيات الغرّ البديعة النظم، العجيبة الضَمّ بلين تعاطفِ أفنانها وحسن تواصل ثمارها وأغصانها " (١) القول بالبناء الدائريّ للسورة لايتعاند مع القول بتصاعد المعنى في بنائها من جهة ولابتصاعده في السياق القرآنِيِّ الكريمِ كلِّه. ذلك أن التَّصاعدَ ليس قائما على نسق تراكميِّ بل على منهاج التناسل وهذا ناظرٌ إلى أنَّ المعاني في السورة القرآنية تتناسل لتطوف على محور واحد هو محور الدائرة الذي يسميه "البقاعي": المقصود الأعظم، فكل سورة كالدّائرة تتناسل معانيها متصاعدة لتشكل دائرة، والسورة الأخرى دائرة تدور معانيها المتناسلة المتصاعدة على محور (مقصود أعظم) مبني على محور (مقصود أعظم) دارت عليه المعاني المتناسلة المتصاعدة في السورة السابقة عليها. وأنت تسمعُه مقررًا ذلك فيما نقلته لك من بيانه في كتابه"مصاعد النظر "

стр. 234

وهو ذو عناية بالغة بتدبّر وتأويل علاقة مقطع تلاوة السورة بمطلع ترتيلها، والكشف لك عن معالم القربى بين المعنيين القائمين في المطلع والمقطع. وقولنا:"معنيين" لايعنى اختلافهما اختلاف تفاصل بل يعنى تغايرهما في درجات الإبانة والتصوير والتَّصريف البيانيّ، وإلا فإنَّ في كلِّ معنًى كليًّا واحدًا مهيمنًا، فهما في عالم البيان القرآنيّ كمثل علاقة الولد البكرمخاضًا بشقيقه الأخير ميلادًا وقد أشرت من قبل إلى أن قولنا (مطلع) نريد به مطلع التلاوة وقولنا (مقطع) نريد به مقطع الترتيل، فهما مصطلحان لايراد بهما علاقة المعاني ببعضهما بل منظور فيهما إلى شأن التلاوة والترتيل. لم يدع "البقاعيّ" سورة من السور، وإن قلَّ عدد كلماتها وآياتها إلا وقد بيَّن لنا علاقة مطعها ترتيلا بمطلعها تلاوة، لافرق عنده في هذا بين أقصر سورة (الكوثر) وأطول سورة (البقرة) وهو في تأويله لاينظر إلى المعنى الجمهوريّ للمطلع والمقطع بل ينظر إلى جوهر المعنى المرتبط بمحور السورة (مقصودها الأعظم) فإنَّ المعاني الجمهورية لآيات السورة قد لاتتراءى معالم تناسبها وتناسلها من المقصود الأعظم للنظر العابر، ولكن جوهر المعنى وروحه هو الذي يبصر المتدبر معالم التناسب بينها من جهةٍ , والتناسل من المقصود الأعظم من جهة أخرى في تأويله ردَّ مقطع سورة"البقرة" على "مطلعها" يقول عند تأويل قول الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (البقرة: من الآية٢٨٥) : "وأمَّا مناسبتها لأوَّلِ السورةِ ردَا للمقطع على المطلع، فهو أنَّه لمَّا ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لاريب فيه على الوجه الذي تقدَّمَ ختمها بذلك بعدَ تفصيلِ الإنفاق الذي وصفهمْ به أولها على وجه يتصلُ بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشدَّ اتصال.

стр. 235

وجعلَ رأسهم الرسول ﷺ تعظيمًا للمدح وترغيبًا في ذلك الوصف، فأخبر بإيمانهم بما أنزلَ إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل، وبقولهم الدَّال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع، فقال استئنافًا لجواب من كأنَّه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها (آمن الرسول) ...." (١) ثُمَّ يقول من بعد تأويل الآيتين الأخيرتيتن ترتيلا: ... " وقدْ بَانَ بذِكْرِ المُنَزَّلِ والإيمانِ به والنصرة على الكافرين بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق من ردُّ مقْطَعِهَا عَلَى مطلَعِها , وآخرِهَا على أوَّلِها " (٢) التناسب بين ما افتتحت به سورة البقرة تلاوة بالحديث عن القرآن الكريم والإيمان به وبالإنفاق والهدى والفلاح وما اختتمت به ترتيلا بالحديث عن إيمان الرسول ﷺ وإيمان المؤمنين بالقرآن الكريم وما كان منهم وما كان لهم هو جليّ لا ترى تكلفا في تقريره أو الإشارة إليه ولا غموضًا في بيان معالمه، فكلّ من نبهته من أهل النظر انتبه وسكن أمَّا أهل البصائر فهم في غنى عن تنبيه وإشارة. وعلاقة ذلك بمقصود السورة وهو تقرير الإيمان بالغيب الذي أعلاه الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر وما فيه لاتخفى، فإنّ آخرها مقرِّرٌ الإيمان بما أنزل والإيمان بالله والملائكة والكتب التي لم يروها والإيمان بالرسل الذين لم يلقوهم لايفرقون بين أحد منهم يقينا بصدق الخبر عنهم، فكلّ هذا من الإيمان بالغيب، وهذا الدعاء والابتهال والرجاء بالنجاة يوم القيامة هو من الإيمان بالغيب، فتبين لك تناسب مقطع ترتيل السورة بمطلع تلاوتها من جهة وتناسلهما من المقصود الأعظم من جهة أخرى *** وفي سورة "الأعراف" لايكتفي بردِّ آخر آية أو آيتين على مطلع السورة بل يرد ثمانيًا وعشرين آية من آخرها على أولها:

стр. 236

يبدأ رد مقطعها المبدوء بقول الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:١٧٩) على مطلعها قائلا من بعد أنْ بيَّن علاقة الآيات الآربع الخيرة بمطلع السورة: " ... وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع غلى وصف إبليس بعصيان امر الله في السجود لادم ﵇ على طريق الاستكبار أيَّ التفات بل شرع في ردَّ المقطع على المطلع حين أتمَّ قصص الأنبياء، فقوله ﴿ولقدذرأنا ... ﴾ (الأعراف:١٧٩) هو قوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً) (الأعراف: من الآية٥٨) يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها. و ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:١٨٠) هو قوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف:٥٥) وقوله ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:١٨١) هوقوله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الأعراف:٤٢)

стр. 237

و [ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:١٨٢) هو] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الأعراف:٣٦) وقوله : ﴿ ... وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية١٨٥) هو قوله : ﴿ ... فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية٣٤) وقوله- : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:١٨٧) هوقوله ﷻ : ﴿ ... كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: من الآية٢٩) وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الأعراف:١٨٩) هو قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الأعراف:١١)

стр. 238

وقوله : ﴿ ... قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية٢٠٣) إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد، هوقوله ﴿ ... كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف:٢) إلى قوله ﷻ : ﴿ ... وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: من الآية٣) فسبحان من هذا كلامه وتعالى حجابه وعزَّ مرامه وعلىمن أنزلَ عليه صلاته وسلامه وتحيته وإكرامه " (١) مقالته في رد مقطع تلاوة سورة" الأعراف" على مطلعها بينة لايفتقر ذو إدراك إلى أن يتبين صدق مذهبه ومنهجه فكلّ آية من المقطع تتلاقى مع مقابلها من المطلع في ظاهر معناها الذي لايكاد يخفى على مبصر وسامع. وإذا ما كان هذا حاله مع أطول سورتين: البقرة، والأعراف فيرد مقطع تلاوة كلّ على مطلعها، فإنّي ناظرٌ حاله في ردّ مقطع تلاوة أقصر سورة في القرآن الكريم على مطلعها: سورة " الكوثر" يبين "البقاعيّ" في مفتتح تأويله لها أنَّ مقصودها " المنحة بكُلّ خير يمكن أن يكون " ثُمَّ يبين استهلال "الكوثر" بقول الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ وعلاقته بسورة " الدين: الماعون" قائلا: " لمّا كانت سورة" الدّين" بإفصاحها ناهيةً عن مساوئ الأخلاق كانت بإفهامها داعية إلى معالى الشيم، فجاءت "الكوثر" لذلك.

стр. 239

[أي أنَّ إفصاح الكوثر توكيد للإفهام الماعون] وكانت: "الدّين" قد ختمت بأبخل البخلاء، وأدنى الخلائق: المنع تنفيرًا من البخل، ومما جرّه من التكذيب، فابتدئت "الكوثر" بأجود الجود والعطاء لأشرف الحلائق ترغيبًا فيه وندبا إليه [أي أنَّ إفصاح الكوثر مقابل لإفصاح الماعون] ، فكان كأنَّه قيل: أنت ياخير الخلق غيرمتلبس بشيءٍ ممانهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون (إنَّا ... أعطيناك ... الكوثر) الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين. " (١) تبين لك علاقة الكوثر بالدّين وأنها علاقة تقابل بين إفصاح السوتين من جهة وتناظر بين إفصاح الكوثر وإفهام "الدِّين" من أخرى. وتبين لك استهلال "الكوثر" بالإفصاح تقرير العطاء الإلهي للنبيّ ﷺ فإذا نظرت في خاتمتها ﴿إنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ﴾ رأيت في بناء نظمها دلالة على أن القطع والمنع من كلّ خير حسيّ ومعنوي مخصوص بشانئ المكرّم المبجّل ﷺ ، وهذا يفيد إفهامًا أنّه ﷺ هو الموصول بجليل العطاء الممنوح كلّ خيرٍمُمْكِنٍ، فما أفاده مقطعُها ترتيلاً هو ما دلَّ عليه إفصاحُ مطلعِها تلاوةً، فكان التَّناسُب الماجِدُ بيْن المقطعِ والمطلعِ. يقول البقاعي: " ولمَّا أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق علَّله بما حاصله أنَّه لاشاغل له ولا حاجة أصلاً تُلِمُّ به، فقال: ﴿إنّ شانئك ... هو﴾ أي خاصة ﴿الأبتر﴾ أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر، لايعقبه من يقوم بأمره ويذكر به وإن جمع المال، وفرغ بدنه لكلّ جمال، وأنت الموصول الأمر النَّابه الذكرِ، المرفوع القدرِ، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه، فإنّهم أقلّ من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضرتنا الشريفة ...

стр. 240

فالآية الأخيرة النتيجة؛ لأنَّ من الكوثر عُلُوُّ أمره وأمر محبيه، وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما. فقد التفَّ كما ترى مفصلها بموصلها، وعرف آخرها من أولها، وعلم أنّ وُسْطاها كالحدودالوسطى، معانقة للأولى بكونها من ثمارها، ومتصلة بالأخرى، لأنها من غايات مضمارها" (١) والقول بردّ المقطع على المطلع أو العجز على الصدر كما يقول البلاغيون هو مما عني به البلغاء المبدعون في عالم البيان العالي قديما ومما لفت إلى قدره البلاغيون الناقدون، فقد جعله "ابن المعتز" في كتابه: " البديع" الركن أو الباب الرابع من أبواب البديع الخمسة التي أقام عليها كتابه البديع وإذا ما كانت عناية البلاغيين في هذا الأسلوب إلى توافق كلمة في عجز البيت أو الفقرة مع أخرى تقدمتها توافقًا في المنطوق قد يجتمع إليه توافق في المفهوم (المعنى) وقد لايتوافق، فإنَّ الأمرَ هنا عند البقاعي يتجاوزُ أوَّلاً التَّوافُقَ الصَّوتِيّ إلى التوافق الدَِّلاليّ، ويتجاوزُالتَّوافقُ مجال الكلمة إلى مجال أرحب قد يبلغ عدة آيات. وفي هذا نقل لأسلوب رد الأعجاز على الصدور من التحسين اللفظي عند البديعيين إلى النظم الترتيبي القائم بعلائق المعاني بعضها ببعض عند "البقاعي" وذلك الضرب من النظم هو العليّ الحميد. *** المعلم السادس. علائقُ الآياتِ في بناء المَعْقِدِ السورة القرآنية في بنائها الدائريّ المنسول أجزاؤه من محور رئيس: ﴿مقصود أعظم﴾ تدورعليه، ويهيمن علىمكوِّناتهاومكنوناتها يتكون ذلك البناء من معاقد وكل معقد من آيات متناسبة متناسلة وقد أشرت قبل إلى أنَّ السورة في البيان القرآنيّ مكونة من معاقد وكل معقِد مكوّنٌ من آيات، وكلّ آية من جُمل وكل جُملة من كلمات وأنّ منزل الكلمة من الجملة منزل العضو من الفرد ومنزل الجملة من الآية منزل الفرد من الأسرة

стр. 241

ومنزل الآية من المعقد منزل الأسرة من البطن ومنزل المعقد من السورة منزل البطن من القبيلة ومنزل السورة من القرآن منزل القبيلة من الجنس البشري وأنَّ للبيان القرآني الكريم مقصودًا أعظم تتناسل منه المعاني القرآنية وتنتسب إليه وقلت إنْ هو إلا تقريب لا تصوير، إذ كيف يُصَوَّرُ ما هو من عالم الأمر بماهو من عالم الخلق؟ وإذا ما كنَّا قد نظرنا في بناء البيان القرآنيّ من سور وعلاقة السور ببعضها: مقاصد ومقاطع ومطالع، وكنَّا قد نظرنا في قيام البيان القرآني في السور على محور مركزي تدور عليه معاني السورة، وبيَّنا منهاج "البقاعي" في تأويله تصاعد المعنى في السورة على نحو ما سمعته في تأويله بناء البيان في سورة " البقرة " فإنا لننظر في بناء المعقد من آيات وترابط هذه الآيات أو تناسبها. والبقاعي في تأويله لايعمد إلى الاكتفاء بربط الآية بالتي هي بعقبها تلاوة، بل قد ينظر فيري تناسب آية بآية هي سابقة عليها تلاوة ومن بينهم آيات عدة. والبلاغيون والمفسرون من قبل كانت لهم عناية بما يعرف بعطف القصة على القصّة والقول بالعطف في تعالق الآيات ليس هو المنهج الفريد في هذا التعالق فإنَّ علائق الآيات تتجاوز ما يمكن أن تطلق عليه التعليق (الربط) حيث عاملُ لسانيّ قائم بذلك الربط أو التعلُّق إلى التعالق (الترابط) حيث العامل معنويّ باطنيّ قائم بذلك التعالق. وفي تسميتهم هذا الضرب من التعلق عطفًا معنى لطيف: كأنَّ المعاني يتعاطف بعضها على بعض، كتعاطف الأم الرؤوم على وليدها أو الحبيب على حبيبه، فالعلائق قائمة بين المعطوف والمعطوف عليه، وليس في الحياة ما يَعْطفُ على شيءٍ ليست له به علقة، فكذلك الأمر في عالم البيان منْ أنّه عالم الإنسان، تتقارب المناهج والمذاهب ومعالم الجمال في كلٍّ.

стр. 242

من العلائق ما هو من التناظر، ومنه ما هومن التناصر ومنه ما هو من التعاطف، فعلائق المعاني تتنوع وتتنوع أدواتها، ولو أنَّا نظرنا في المصطلح البلاغي واللغوي في مجال علاقات المعاني ببعضها لنرى ما بينها من فروق دلالية وما بينها من تنوّع وما تتلاقى عليه لكان في هذا إثراءٌ لفقه علائق البيان , فنختار لكل ضرب من ضروب العلائق بين المعاني مصطلحه الأخص به والأشكل. المهم أنَّ "البقاعيّ" ينقل عن "الحرَّاليّ": " أنَّ في كلِّ آيةٍ معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيَّأُ به للانتظام بما بعدها، وبذلك كان انتظام الآي داخلاً في معنى الإعجاز الذي لايأتي الخلق بمثله، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا " (١) ومن ثَمَّ فإنَّا نرى البقاعي يجعل النظم في البيان القرآني نظمين: نظمًا تركيبيًّا ونظمًا ترتيبيًّا، يقول: " إنّ للإعجاز طريقين: أحدهما نظم كلّ جملة على حيالها بحسب التركيب والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب والأول أقرب تناولا، وأسهلُ ذوقًا، فإنَّ كلَّ من سمع القرآن ... يهتز لمعانيه وتحصلُ له عند سماعه روعة بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره، وكلَّما دقَّق النَّظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز، ثُمَّ إذا عَبَرَ الفَطِنُ من ذلك إلى تأمل ربط كلّ جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه ذلك ورأى أنَّ الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظنَّ أنَّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزِّ والبسط....

стр. 243

فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل، وإظهار العجز والوثوق بأنَّه في الذروة من أحكام الربط، كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ، لكونه كلام من جلَّ عن شوائب النقص، وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب، وتصديقًا للربّ قائلا ما قال الراسخون في العلم: ﴿رَبَّنَا لاتُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَديْتَنَا وَهبْ لَنا مِن لدُنْكَ رحمةإنِّكَ أنْتَ الوَهَّاب﴾ (آل عمران:٨) ، فانفتح له ذلك الباب، ولاحتْ له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقصَ الفكر منه طربًا وشكروا لله استغرابًا وعجبا وشاط لعظمة ذلك جنانه، فرسخ من غير مرية إيمانه " (١) إذا ما نظرنا في سورة "النحل" مثلا فإنَّا نراها من مقدمة وخاتمة وأربعة معاقد: المقدمة من الأولى والمعقد الأول من الآية الثانية إلى الحادية والعشرين (٢-٢١) والثاني من الثانية والعشرين إلى الرابعة والستين (٢٢-٦٤) والثالث من الخامسة والستين إلىالتاسعة والثمانين (٦٥-٨٩) والرابع من الآية التسعين إلى الآية الرابعة والعشرين بعد المئة (٩٠- ١٢٤) والخاتمة الآيات الأربع الأخيرة (١٢٥-١٢٨) حين نتأمل نجد أنَّ "البقاعي قدجعل المعقد الثالث معطوفًا مطلعه على مقطع المعقد الأول أي الآية (٦٥) على الآية (١٩) ووجه ذلك أنَّ المعقد الأول من سورة النحل معقود للتدليل بأنعم الله تعالى على وحدانيته وقدرته وعلمه وكماله والمعقد الثالث معقود أيضًا لتأسيس ضرب جديد من التدليل بالنعم على وحدانيته.... استدلالاً يظهر فيه معنى الامتنان بينما آيات المعقد الأول كان التدليل أظهر من الامتنان أمَّا آيات المعقد الثاني فهي كالجملة الاعتراضية بين المعقدين الأول والثالث، وآيات هذا المعقد الثالث قائمة ببيان ونقض اعتراضات المشركين، فهنالك تشاكلٌ بين موقع هذا المعقد الثالث ومضومونه، وهو ضرب من المشاكلة بين الوقع المضمون بديع.

стр. 244

ننظر في تناسب آيات المعقد الأول: تبدأ آيات المعقد بتقرير نِعْمَةِ النِّعَمٍِ: إنزال الملائكة بالوحي على من يشاء من عباده، ثُم نعمة خلق الله تعالى السموات والأرض وتفرده بذلك وجميع آيات المعقد حديث عن النعم الدالة على وحدانية الله وعلمه وقدرته واختياره الدليل الأول دليل غيبي ترى آثاره وتسمع، ولا تدركه الحواس وهوإنزال الملائكة بالوحي وخلق السموات والأرض. والثاني المعتلق به من غير ناسق لساني دليل شهودي تمكن مشاهدته ولا سيّما في عصرنا هذا هو خلق الإنسان من نطفة، عاطفا عليه دليلا شهوديا يشارك الإنسان في خلقه من نطفة هو خلق الأنعام ... (ي:٥-٩) ثم يأتي دليل من النعم مبسوط يشارك عالم الحيوان في كونه نعمة مسخرة للإنسان (١٠-١٦) وهذا الدليل الثالث المستدل به على وحدانية المنعم وكمال علمه وقدلرته واختياره قد نسقت آياته على نحو بديع يجعلها ثلاثة عوالم: العالم الأول: العالم المكشوف المحيط بالهواء (ي:١٠-١٣) العالم الثاني: العالم المغمور الهابط (البحار) (ي:١٤) العالم الثالث: العالم الشاهق (الجبال) (ي:١٥-١٦) ثُمَّ يأتي مقطع المعقد قائما بالانكارالتوبيخي لمن جعل من يخلق ذلك الخلق البديع الدَّالَّ على وحدانيته ... كمن لايخلق شيئًا تترابط آيات المعقد وتنسق نسقًا بديعا لاقِبَلَ لأحدٍ أن يقدِّمَ وأن يؤخر، وأنت إذ تنظر في أنواع الربط تجد بعضها ربطا معنويا باطنيا كما في الآيات الأول من آيات هذا المعقد وبعضها ربطا بناسق لسانيّ، كما في آيات الدليل الآخير من لآيات المعقد. ولا يتسع المقام لتفصيل الترابط بين آيات كل معقد في السورة والنظر في تأويل البقاعي في تناسب آيات هذا المعقد يكشف لك كثيرًا من معالم منهاجه في هذا " (١) *** وهو قد يبدي وجوهًا عدة في ربط الآية بما سبقها غير مكتف بوجه، كما تراه في تبيان وضع قول الله :

стр. 245

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:٦٢) في سياق قصص بني إسرائيل: " ولمَّا بيّن أنَّهم لمَّا تعنتوا على موسى ﵇ ... أورثهم كفرًا في قلوبهم، فمردوا على العصيان، والتجرؤ على مجاوزة الحدود , فضربَ عليهم الذِّلَّةُ والمسكنة، وأحلهم الغضب وكان في ذلك تحذيرٌ لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم،وإعلامٌ بأنَّ المتقين المستجاب لهم في الدّعاء بالهداية ليسوا في شيءٍ من ذلك بل قالوا: اهدنا، عن يقين وإخلاصٍ متبرئينَ من الدَّعاوى والاعتراض على الرسلِ نبَّه على أنَّ من عملَ ضدَّ عملهم، فأمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضدّ حالهم عند ربهم، فلا يغضبُ عليهم , بل يوفيهم أجورهم، ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضدِّ الذِّلَّةِ والمسكنة , فقال: ﴿إنَّ الَّذِين آمنوا﴾ أو يقال: إنَّه لمَّا علَّل إهانةَ بني إسرائيلَ بعصْيانِهم واعتدائهم كان كأنَّه قيل: فما لِمَنْ أطاعَ؟ فأُجيبَ بجواب عامٍ لهم ولغيرهم. أو يقال:إنَّه لمَّا أخبرَ بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة، وكان ذلك ربَّما أوْهَمَ أنَّه لاخلاصَ لهم منه، وإن تابوا، وكانت عادته جاريةً بأنَّه إذا ذكروعدًا أوْ وعيدًا أعقبه حكمَ ضدّه؛ ليكون الكلام تامًّا، اعلموا أنَّ باب التوبة مفتوح، والربُّ كريم على وجه عامٍّ "

стр. 246

ثُمَّ ينقل لنا مقالة " الحرالّيّ " في بيان مناسبة هذه الآية ما قبلها: " وقال "الحرالّيّ" لمَّا أنهى الحقّ نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، وكانوا هم أوَّل أهل كتاب أشعر - تعالى - بهذا الختم أنَّ جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة. انتهى ثُم يختم " البقاعي ّ" كلامه في الآية بقوله: " وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنَّهم كانوا مأمورين بقتل كلّ ذكر ممن عداهم، وربَّما أمروا بقتل النساء أيضًا , فربَّما ظنَّ من ذلك أنَّ من آمنَ منْ غيرِهم لا يقبلُ.... وفي وضعها أيضًا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم ﴿ليس عليْنَا فِي الأُمّيينَ سبيلٌ﴾ (آل عمران:٧٥) وأنَّ مدار عصمة الدَّم والمال إنّما هو الإيمان والاستقامة، وذلك موجودٌ في نصّ التوراة في غير موضع...." (١) هذه وجوه عدّ' ذكرها في ارتباط هذه الآية بما قبلها، وهي التي قد يذهب عَجِلٌ غير متدبرٍ إلى أنها غيرذات علاقة حميمة بما قبلها٠ وهذا الذي قاله" البقاعيّ" في وجه ترابط هذه الآية بما قبلها تراه قائما فيما ذهب إليه" الطاهر بن عاشور" في تفسيره قائلا:

стр. 247

" توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم، وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث، فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كلُّ بليغ، وهي أنّ ما تقدَّمَ من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضروب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب الله عليهم، ولمَّا كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله لم يترك الله عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم، فبيَّن لهم في هاته الآية أنَّ باب الله مفتوح لهم، وأنّ اللجأ إليه أمر هين عليهم، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات. " (١) وترى مثل هذا في تبيانه ارتباط قول الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:٩٧) بما قبلها، إذ يذكر وجهين من وجوه التناسب والتناسل , فيقول:

стр. 248

" ولمَّا ذكر عداوتهم لأخصّ البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق، وأخصهم حسدًا حسدًا لنزولِ هذا الذكر عليه عبارةً ثُمَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ إشارةً بما رمزه إلى نصبهم لقتلِهِ، وأنهى ذلك بما لامحيص لهم من العذابِ؛ لأنَّه بصيرٌ بأعمالهم الموجبة له ذكرَ ما هو دقيق أعمالهم من عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواصّ الملائكة الذين هم خيرٌ مَحْضٌ لاحامل أصلاً على بغضهم إلاَّ الكفرُ، وبُدئ بذكر المنزّل للقرآن [يعنى المأمور بحمل الوحي وإنزاله: جبريل ﵇] ؛ لأنَّ عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله؛ لأنَّه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمرًا له ﷺ إعلامًا بما أبصره من خفيّ مكرِهم القاضِي بضُرهم (قل) . أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن - ولمَّا أمره ﷺ بما دلَّ على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم، وأخبر بأنه لابد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين , فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون منسوقًا على (قل) الأولى بغير عاطف إشعارًا بأنَّ كلاًّ من الدليلين كاف فيما سيق له، [و] على تقدير كونه دليلاً على الثاني الذي خصَّه يكون جوابًا لمن كأنَّه قال: لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب " (١) فهذا من البقاعي تقليب لوجوه النظر وسعي إلى تتبع منابع العلاقة بين الآيات لما يتسم به البيان القرآن الكريم من تعدد وجوه البيان سواء المتحقق من نظمه التركيبي، أو الترتيبي، بل الترتيبي أكثر وألطف ويقول في بيان علاقة قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام) (آل عمران: من الآية٤)

стр. 249

" ولمَا علم بذلك أمر القيوم بالحق والإيمان علم أنّ لمخالفي أمره من الأضداد المؤمنين الموصوفين، وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزّل الفرقان لمحو أديانهم – الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله ﴿إنّ الذين كفروا﴾ ..... والآية على تقدير سؤال ممن كأنّه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟ أويقال: إنّه لمَّا قال: ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال: " والأحسن من ذلك كلّه أنّه لما أنزل سورة " البقرة" على طولها في بيان أنّ الكتاب هدى للمتقين، وبيّن أول هذه وحدانيته وجياته وقيوميته الدَّالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به أيد ذلك بالإعلام بأنّ ذلك الكتاب مع أنّه هادِ إليه حقٌّ، ودلّ على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب" (١) ونراه يذكر أكثر من وجه في عطف الآية على غيرها إشارة إلى تعدد وجوه الاعتلاق وأنها صالحة للتلاقي والتناسل من أكثر من آية سابقة عليها سواء قاربتها موقعا أو باعدتها ترى ذلك في تبيان المعطوف عليه في قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ (البقرة:٩٩)

стр. 250

" ولمَّا فرغَ من ترغيبهم في القرآن بأنَّه من عند الله ، وأنَّه مصدقٌ لكتابهم، وفي جبريل ﵇ بأنَّه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم ممن عداوتهم أتبعه مدح هذا القرآن، وأنَّه واضح الأمر لمريد الحقّ وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرفُ من الحقّ فإنَّه بحيثُ لايخفى على أحد، فقال تعالى عطفا على قوله ﴿فإنَّه نَزَّله عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ﴾ (ي:٩٧) ، أو قوله : (ولقدْ جاءَكُمْ مُوسَى بالبيناتِ﴾ (ي:٩٢) ، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزَّله جبريلُ ﵇ أنَّ الآخرة ليست خالصة لهم، وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره ﴿ولقد أنزلنا..﴾ . " (١) وقارئ تفسير البقاعي يلحظ غلبة ذهابه إلى العطف على مقدر، وكأنَّه يشير بهذا إلى أنَّ القرآن الكريم إنما تشتد وثاقة المعانى اللازمة بما هي لازمة له من المعانى المصرح بها فيكتفى بدلالة هذه الوثاقة عن التصريح بذكر هذه المعانى اللازمة المعطوف عليه ما بعد المصرح به فيأتي بما بعد العاطف مردودًا على مقدر هو في شدة اقتضاء البيان له كالمصرح بذكره. وبهذا يكون النسيج البياني لمعانى القرآن الكريم قائما على منهاج الحبك الذي تختفي فيه بعض خيوط الإبريسم في نسيج الديباج فلا تكاد تظهر للعين العارضة ولكنها تظهر للبصيرة النافذة، ومن ثَمَّ ترى غلبة الذهاب إلى الإيجاز بالحذف عند البقاعي في تأويله نسق البيان القرآنيّ، ولا سيما حذف المعطوف عليه المقدر من رحم المعنى في الجملة السابقة المصرح بذكرها. والبقاعي قد يذهب إلى عطف آية على أخرى تسبقها بأكثر من أربعين آية كما تراه في عطف قول الله
следующие страницы →