← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثُمَّ ينقل لنا مقالة " الحرالّيّ " في بيان مناسبة هذه الآية ما قبلها: " وقال "الحرالّيّ" لمَّا أنهى الحقّ نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، وكانوا هم أوَّل أهل كتاب أشعر - تعالى - بهذا الختم أنَّ جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة. انتهى ثُم يختم " البقاعي ّ" كلامه في الآية بقوله: " وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنَّهم كانوا مأمورين بقتل كلّ ذكر ممن عداهم، وربَّما أمروا بقتل النساء أيضًا , فربَّما ظنَّ من ذلك أنَّ من آمنَ منْ غيرِهم لا يقبلُ.... وفي وضعها أيضًا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم ﴿ليس عليْنَا فِي الأُمّيينَ سبيلٌ﴾ (آل عمران:٧٥) وأنَّ مدار عصمة الدَّم والمال إنّما هو الإيمان والاستقامة، وذلك موجودٌ في نصّ التوراة في غير موضع...." (١) هذه وجوه عدّ' ذكرها في ارتباط هذه الآية بما قبلها، وهي التي قد يذهب عَجِلٌ غير متدبرٍ إلى أنها غيرذات علاقة حميمة بما قبلها٠ وهذا الذي قاله" البقاعيّ" في وجه ترابط هذه الآية بما قبلها تراه قائما فيما ذهب إليه" الطاهر بن عاشور" في تفسيره قائلا:

стр. 247

" توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم، وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث، فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كلُّ بليغ، وهي أنّ ما تقدَّمَ من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضروب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب الله عليهم، ولمَّا كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله لم يترك الله عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم، فبيَّن لهم في هاته الآية أنَّ باب الله مفتوح لهم، وأنّ اللجأ إليه أمر هين عليهم، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات. " (١) وترى مثل هذا في تبيانه ارتباط قول الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:٩٧) بما قبلها، إذ يذكر وجهين من وجوه التناسب والتناسل , فيقول:

стр. 248

" ولمَّا ذكر عداوتهم لأخصّ البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق، وأخصهم حسدًا حسدًا لنزولِ هذا الذكر عليه عبارةً ثُمَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ إشارةً بما رمزه إلى نصبهم لقتلِهِ، وأنهى ذلك بما لامحيص لهم من العذابِ؛ لأنَّه بصيرٌ بأعمالهم الموجبة له ذكرَ ما هو دقيق أعمالهم من عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواصّ الملائكة الذين هم خيرٌ مَحْضٌ لاحامل أصلاً على بغضهم إلاَّ الكفرُ، وبُدئ بذكر المنزّل للقرآن [يعنى المأمور بحمل الوحي وإنزاله: جبريل ﵇] ؛ لأنَّ عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله؛ لأنَّه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمرًا له ﷺ إعلامًا بما أبصره من خفيّ مكرِهم القاضِي بضُرهم (قل) . أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن - ولمَّا أمره ﷺ بما دلَّ على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم، وأخبر بأنه لابد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين , فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون منسوقًا على (قل) الأولى بغير عاطف إشعارًا بأنَّ كلاًّ من الدليلين كاف فيما سيق له، [و] على تقدير كونه دليلاً على الثاني الذي خصَّه يكون جوابًا لمن كأنَّه قال: لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب " (١) فهذا من البقاعي تقليب لوجوه النظر وسعي إلى تتبع منابع العلاقة بين الآيات لما يتسم به البيان القرآن الكريم من تعدد وجوه البيان سواء المتحقق من نظمه التركيبي، أو الترتيبي، بل الترتيبي أكثر وألطف ويقول في بيان علاقة قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام) (آل عمران: من الآية٤)

стр. 249

" ولمَا علم بذلك أمر القيوم بالحق والإيمان علم أنّ لمخالفي أمره من الأضداد المؤمنين الموصوفين، وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزّل الفرقان لمحو أديانهم – الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله ﴿إنّ الذين كفروا﴾ ..... والآية على تقدير سؤال ممن كأنّه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟ أويقال: إنّه لمَّا قال: ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال: " والأحسن من ذلك كلّه أنّه لما أنزل سورة " البقرة" على طولها في بيان أنّ الكتاب هدى للمتقين، وبيّن أول هذه وحدانيته وجياته وقيوميته الدَّالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به أيد ذلك بالإعلام بأنّ ذلك الكتاب مع أنّه هادِ إليه حقٌّ، ودلّ على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب" (١) ونراه يذكر أكثر من وجه في عطف الآية على غيرها إشارة إلى تعدد وجوه الاعتلاق وأنها صالحة للتلاقي والتناسل من أكثر من آية سابقة عليها سواء قاربتها موقعا أو باعدتها ترى ذلك في تبيان المعطوف عليه في قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ (البقرة:٩٩)

стр. 250

" ولمَّا فرغَ من ترغيبهم في القرآن بأنَّه من عند الله ، وأنَّه مصدقٌ لكتابهم، وفي جبريل ﵇ بأنَّه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم ممن عداوتهم أتبعه مدح هذا القرآن، وأنَّه واضح الأمر لمريد الحقّ وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرفُ من الحقّ فإنَّه بحيثُ لايخفى على أحد، فقال تعالى عطفا على قوله ﴿فإنَّه نَزَّله عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ﴾ (ي:٩٧) ، أو قوله : (ولقدْ جاءَكُمْ مُوسَى بالبيناتِ﴾ (ي:٩٢) ، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزَّله جبريلُ ﵇ أنَّ الآخرة ليست خالصة لهم، وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره ﴿ولقد أنزلنا..﴾ . " (١) وقارئ تفسير البقاعي يلحظ غلبة ذهابه إلى العطف على مقدر، وكأنَّه يشير بهذا إلى أنَّ القرآن الكريم إنما تشتد وثاقة المعانى اللازمة بما هي لازمة له من المعانى المصرح بها فيكتفى بدلالة هذه الوثاقة عن التصريح بذكر هذه المعانى اللازمة المعطوف عليه ما بعد المصرح به فيأتي بما بعد العاطف مردودًا على مقدر هو في شدة اقتضاء البيان له كالمصرح بذكره. وبهذا يكون النسيج البياني لمعانى القرآن الكريم قائما على منهاج الحبك الذي تختفي فيه بعض خيوط الإبريسم في نسيج الديباج فلا تكاد تظهر للعين العارضة ولكنها تظهر للبصيرة النافذة، ومن ثَمَّ ترى غلبة الذهاب إلى الإيجاز بالحذف عند البقاعي في تأويله نسق البيان القرآنيّ، ولا سيما حذف المعطوف عليه المقدر من رحم المعنى في الجملة السابقة المصرح بذكرها. والبقاعي قد يذهب إلى عطف آية على أخرى تسبقها بأكثر من أربعين آية كما تراه في عطف قول الله

стр. 251

) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (النحل:٦٥) على قول الله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النحل:١٩) يقول: " ولمَّا انقضى الدليلُ على أنَّ قلُوبهم منكرة استكبارًا وما يتعلّقُ به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات, النبوات ,والمعاد, وإثبات القضاء والقدروالفعل بالاختيار وكان أجلُّ هذه المقاصد الإلهيات شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أنَّ أدلة ذلك أكثر من أوراق الشجر، وأجلى من ضياء النهار، فعطف على قوله ﴿واللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرّون وَما تُعْلِنُونَ﴾ قولا جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿واللهُ أنْزَلَ من السَّماء ماءً ... ﴾ " (١) وهذا قائم على أساس ما يعرف عند البلاغيين بعطف القصة على القصة وهو منهاج من مناهج علاقات المعاني ببعضها، والبقاعي نفسه مؤكد ان منهاج العلائق بين المعاني في السورة القرآنية كمهاج علاقات فروع وأغصان وافنان الشجرة. والقول في علاقة الآيات بعضها ببعض وسيع لايكاد يحاط به، وهو مبنيّ على ما إجمع عليه أهل العلم من أن ترتيب الآيات توقيف جاء به الوحي، فليس لأحد من العالمين أجمعين: ملَكًا أو نبيًّا دخل فيه، فأنت لاتكاد تجد واحدًا ينتسب إلى العلم يزعم أنَّ ترتيب الآيات في السورة اجتهاد من صحابي أو نبيّ أو مَلَكٌ.

стр. 252

وإذا ما كان الأمر توقيفا فلا بد أن يكون من وراء ذلك حكمة ذات منزلة عليه في مناط الإعجاز القرآنيّ: الإعجاز البيانيّ، فكان ضرورة أنّ ثَمَّ علاقةَ تناسبٍ وتناسلٍ بين لآيات السورة الواحدة، وأن كلّ آية ليست بمقطوعة الرحم من سابقتها ولاحقتها المعلم السَّابع. تأويل النظم في القصص القرآني قد جاء البيان القرآنيّ عن مراد الله من عباده مازِجًا بين سياقين: سياقٍ تشريعِيِّ عمادُه الأمرُ والنَّهي على اختلاف مسالكهما وصورهما وسياقٍ تثقيفيٍّ عماده الترغيب والترهيب. ولا يكاد سياق منهما يتجرد من صحبة الآخر، فهما قائمان معا، وإن تباينت درجات ظهور أحدهما ولطف الآخر. والقصص القرآنيِّ الكريم ضرب من ضروب التثقيف النفسيّ والقلبيّ ترغيبًا وترهيبًا، تدرك البصائر النافذة في غوره فيضًا من درجات التكليف بالمعاني الإحسانية لطائفة ارتقت في مسيرها إلى ربّها من الدرجة الدنيا من درجات الطاعة لله إلى درجة أعلى: ارتقت من سن " الذين آمنوا " إلى سنِّ " المؤمنين " ومن فوقهم إلى شرف سنِّ " المحسنين " الذين يعبدون الله كأنَّهم يروْنه رأي بصيرة. والقرآن الكريم يقرر مَنْزِلَ القصصِ ورسالته الجليلة في آيات عِدَّة كريمة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:٦٢) ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٦) ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف:٣)

стр. 253

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف:١١١) ونظرة متأنية في بيان هذه الآية الأخيرة التى تختم بهاسورة" يوسف " القائمة بقصة تامة لم يتكرر مشهد من مشاهدها على غير ماهو السنة البيانية في القرآن الكريم للقصص القرآني تغريك بالتأمل في قوله : ﴿عِبْرَةٌ لأُُولِي الألْبَابِ﴾ وكأنَّ في هذا إشارة إلى أنّ العبور من الانشغال بظاهر الحدث المقصوص في ذلك القصص وما قام منه المشهد القصصيّ فيها إلى ما هو الغاية المنصوبة المساق لها هذا القصص إنما يكون من أولي الألباب، الذين يُنيط القرآن الكريم بهم التذكر الذي هو استحضار ما كان للمرء معه صحبة علم سبق، فالقصص القرآنيّ الكريم إنّما هو للاعتبار. وبالتأمل في قوله : ﴿ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كلّ شيء..﴾ فهذا كاشف عن حقيقة هذا القصص الذي لايتأتى لأي قصص آخر أن يدانيه فيه، والذي لن يتأتى لما تقذف به الأزمان أن يقوم فيها ما يكذب أمرًا منه جليلا أو دقيقًا. وبالتأمل في قوله : ﴿وهدى ورحمة لقوم يُؤْمِنون﴾ فهذا دالّ دلالة بيّنة على أن هذا القصص إنما يهتدي به على نحو يليق بقدره من كان قائمًا بالإيمان بأنّ ما يسمع من ذلك القصص ليس افتراء ولا نتاج خيال وهيام في كلّ واد ولكن تصديق االذي بين يديه من الكتب الحق التي أنزلها الله على رسله ﵈ وكأنَّ عجز الآية ناظر إلى صدرها، فهي من قبيل الرد المعنوي للمقطع على المطلع " العجز على الصدر " وفي هذا من القرآن الكريم هداية نيّرة باهرة تَفْصِلُ بين حقيقتين:

стр. 254

حقيقة القصص القرآنيّ الكريم القائم من الحق والقائم به الذي لايتطرق إليه أدنى شبهة أن يكون فيه مباعدة بين ما يقصّ وما كان أو يكون في عالم الشهود وحقيقة ما يسمى في عالم الإبداع الأدبي قصصا معدنه التخيل والتوهم يباعد الحق أَيَّمَا مباعدة، وإن انتزع بعضه أو شبهه من حركة الحياة الهادرة. وفوق هذا هما متباعدان رسالة وغاية. وهذا يقضي بالمباعدة بينهما منهاج إبانة وتصوير، ومن ثَمَّ لايكون من موضوعية التأويل بيانا قرآنيًّا أو موضوعية النقد إبداعًا أدبيا أن يؤخذ من مناج النقد الأدبي عربيًّا أو أعجميا للقصص الفنيِّ ما يقرأ به المسلم معالم الإعجاز البياني للقصص القرآنيّ الكريم. *** واليقاعيُّ يتدبر فصول القصص وأحداثه مبرزا تناسب ذلك مع السياق والقصد من السورة، وقد يعقد موازنة بين مواقع القصة الواحدة في سور متعددة مما يبرز مشتبه النظم التركيبي والترتيبي في القصة ومقالة "البقاعيّ" في شأن القصص القرآني مقالة وسيعة لايتسع لها مثل هذه الأوراق في جديرة بأن يفرد لها بحث علميّ يستوعب شذرات الذهب المتناثرة في سياق تأويله البيان القرآني الكريم وفق أصول علم التناسب القرآني عنده، فلسنا إلى غير الإشارة إلى بعض ما يحرض بالقيام إلى النظر فيما كان من مقالة " البقاعيّ " في هذا. يقول عن "علم التناسب": " وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات، وأنّ كلّ سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى أدعى في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة. ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لايخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة " (١)

стр. 255

وهذا من "البقاعيّ " أصل عظيم من أصول التأويل البيانيّ للقرآن الكريم، ناظر إلى منزل السياق والغرض المنصوب له الكلام في فقه المعنى وتذوق البيان، ودالٌّ على أنّ البيان القرآنيّ لايقوم فيه تكرار عقيم بل هو إلى التصريف البياني في تصوير المعاني مما يمنح المتلقي فيضًا من العطاء الدلالي يدفع عنه غائلة الملل والسأم، فهو البيان الذي لايخلق على كثرة الرّد، ولا تنتهي عجائبه. ومما قاله في تأويل القصص في سورة " الأعراف": " واعلمْ أنَّه لاتكرير في هذه القصص , فإنَّ كلّ سياقٍ منها لأمر لم يسبق مثله، فالمقصود من قصّة " موسى" ﵇ , و" فرعون" عليه اللعنة والملام هذا الاستدلال الوجوديّ على قوله:" وإنْ وجدنا أكثرهم لفاسقين " ومن هنا تعلم أن سياق قصّة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوّهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود. واستمرّ في هذا الاستدلال إلى آخر السورة،وما أنسب " قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف:١٧٢) لقوله : ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأََكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف:١٠٢) وذكر في أوّل التي تليها [سورة الأنفال] تنازعهم في الأنفال تحذيرًا لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه. هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسرائيل في " البقرة" فإنّه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم؛ لأنّ ذلك في سياق خطابه - سبحانه - لجميع النّاسِ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١)

стр. 256

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة:٢٨) وما شاكله من الاستعطاف بتعدّد النّعمِ ودفعِ النّقَمِ. والله أعلم " (١) فهذ دالّ دلالة بيّنة على أنّه يرى سياقًا خاصًّا لكل قصّة ولكل جانب/مشهد من جوانبها هو الذي يقتضي أن تكون هذه القصة هنا وأن يكون هذا الجانب منها، وأن يكون نظمها على هذا النحو. *** ومما هو معنيّ ببيانه ترتيب أحداث القصص القرآني، وبيان أنّ معيار ترتيبه ليس التوالي الزمنيّ للأحداث في الواقع بل السياق والغرض العام من البيان هو الذي يقضي بتقديم الإنباء بحدث مقدما على الإنباء بحدث قد سبقه في الوقوع. ترى شيئًا من هذا في أول قصة وردت في السياق الترتيلي للقرآن الكريم: قصة أبينا آدم ﵇ في سورة " البقرة": جاء الإنباء عن أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇ بعد الإنباء عن تعليمه الأسماء وإخبار الملائكة بما لم تعلم. ومقتضى الظاهر عنده أنَّ السجود كان أولا، وكان أمر الملائكة بأن تنبئ بأسماء الأشياء من بعده في واقع الأمر، وجاء البيان القصصيّ على غير ذلك، يقول: " مشى "البيضاويّ " على أنَّ الأمر بالسجود كان بعد الإنباء بالأسماء، ولم يذكر دليلا يصرفُ عن هذا الظاهر (٢)

стр. 257

على أنَّ المشيَ عليه أولى من جهة المعنى؛ لأنَّ سجود الملائكة ﵈ قبلُ [أيْ قبل إظهار فضيلة العلم لآدم ﵇] يكون إيمانًا بالغيب على قاعدة التكليف، وأمَّا بعد إظهار فضيلة العلم، فقد كشف الغطاء، وصار وجه الفضل من باب عين اليقين. وأمَّا الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه، وهو جعل السجود بعد الإنباء، فهو لنكتة بديعة: وهي أنَّه لمَّا كان في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعمًا، فبيَّن أولاً نعمته على كلّ نفسٍ في خاصتها بخلقها، وإفاضة الرزق عليها [يشير إلى الآيات:٢١-٢٢] ثُمَّ ذكّر الكلّ بنعمة تشملهم، وهي محاجته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم ﵇ قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة، فذكر ما آتاه من العلم، فلمَّا فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكّر بنيه بنعمة السجود له، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل " (١) يبرز "البقاعيّ" كما ترى أثر السياق والغرض المنصوب له الكلام في النظم الترتيبيّ لأحداث القصة، وكيف أنَّهما قد يقتضيان تقديم حدث في الذكر على حدث مقدَّم في وقوع القصة، فالأعتداد بما يقتضيه الحال والمقام ***

стр. 258

وهو حين ينظر في التصريف البيانيّ للقصة الواحدة وتصويرها بصور بيانية متنوعة يشير إلى أنَّ " المقصود من حكاية القصص في القرآن الكريم إنّما هو المعاني [أي معاني الهدى التي بها الاعتبار "عبرة لأولي الألباب"] فلايضرّ اختلاف اللفظ إذا أدّى جميع المعنى أو بعضه , ولم يكن هناك مناقضة , فإنّ القصَّة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة، ثمَّ إنَّ الله يُعبِّرُ لنا في كلّ سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عمّا يليق من المعاني , ويترك مالا يقتضيه ذلك المقام. " (١) في هذا إشارة إلى أن الذي يقص علينا ما كان وما يكون إنِّما هو العليم الخبير ﷻ ، فهو العليم بدقائق ولطائق المعاني المكنونة في الصدور التي يقصُّ أخبارها وما كان منها وما سيكون، وهو العليم بما يملك لسان العربية من قدرات الإبانة عن لطائف المعاني وشواردها وأوابدها وكأني بـ"البقاعيّ" يستحضر في عقله هنا مقالة " أبي سليمان: حمد الخطابيّ" (ت:٣٨٨هـ) التي يقول فيها: " وإنّما تعذّر على البشرِ الإتيان بمثْلِه لأمورٍ منها: أنّ علمَهم لايحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها. ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ٠ولا تكملُ معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلُ باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أنّ يأتوا بكلام مثله.." (٢)

стр. 259

يبيّن البقاعيّ الغاية من القصص القرآنيّ وهي بيان المعاني فإذا أديت فلا يضرّ اختلاف الألفاظ لاختلاف المقامات ذلك أنَّ الأحداث حين وقوعها تكون كاملة المعاني والله عليم بها جميعها فيعبر عنها في كل مرة بما يلائم ذلك المقام والغرض المنصوب له الكلام. في هذا إشارة إلى أن الذي يقصُّ علينا ما كان وما يكون إنَّما هو العليم الخبير ﷻ ، فهو العليم بدقائق ولطائق المعاني المكنونة في الصدور التي يقص أخبارها وما كان منها ومكا سيكون، وهو العليم بما يملك لسان العربية من قدرات الإبانة عن لطائف المعاني وشواردها وأوابدها، فيصطفي في كلّ مرة من النظوم ما ينقل إلينا جانبًا من جوانب المعنى بحيث يكون ذلك المنقول إلينا هو المتناسب مع السياق والغرض المنصوب له الكلام، لأنّ ذلك القصص له غاية تثقيفية تربوية تهذيبية هي المعيار في الاصطفاء معنى وصورة معنى وأكثر ما قصّه القرآن الكريم من قصص لم يكن المخبر عنه المحكي أخبارهم بالناطقين بلسان العربيّ ولكن القرآن الكريم قد صور بلسان العربية المبين دقائق معانيهم القائمة في ألسنتهم الأعجمية وما كان من المعاني مكنونا في صدورهم التي خلقها الله وعلم خفاياها ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللطيف الخبير﴾ (الملك:١٣-١٤) ﴿يِعْلَمُ خائِنَة الأعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:١٩) فلم يدع بيان القرآن الكريم بلسان العربية المبين من معاني المقصوص خبرهم شيئًا بل صورها تصويرًا معجزًا ﴿مَا كَانَ حَدِيثًًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْء﴾ (يوسف:١١١) إنها الآية الجامعة الخاتمة المقررة حقيقة القص القرآني المجيد ***

стр. 260

وأنت تراه في سور البقرة وسورة الأعراف يقف وقفات كاشفة عن السنة البيانيّة للقرآن الكريم في نظم قصصه ولا سيّما النظم الترتيبي٠ في قصة "البقرة" وقد سميت السورة بها مما يوحي بأنّها مبينة عن معالم المقصود الأعظم من السورة إبانة محكمة وإن لطفت ودقت نجده ينظر في النظم الترتيبي لها ولا سيما موقعها في سياق السورة، وفي نظمها التركيبي ّ القصة جاءت في سياق قصة بني إسرائيل وما كان من أمرهم وفي عقب الإشارة إلى اعتدائهم في السبت، وما كان من أمرهم أن يكونوا قردة خاسئين نكالا لما كان منهم وموعظة للمتقين مثل صنيعهم، وكأنَّ فيه تحذيرًا عظيما لهذه الأمة أن تعتدي في اختيار الله لها: يوم الجمعة. في هذا السياق الكاشف عن حال بني إسرائيل من قساوتهم في حق الله عامة وخاصة جاء البيان عن قساوتهم في مصالح أنفسهم بما كان منهم من قتل النفس بغير حقّ. يقول البقاعي فيما يقول مبينا اقتضاء المقام إنزال قصة البقرة في سياق السورة حيث أنزلت: ... " إنَّه لمَّا كان السبت إنّما وجب عليهم، وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة ... كان أنسب الأشياء تعقبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه، وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت ويجوز أن يقال أنّه لمَّا كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لايحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان، وكان في قصّة "البقرة" التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها " (١) هذا من "البقاعي" بيان لوجه من وجوه إنزال هذه القصة في هذا المنزل من السياق الترتيليّ للسورة

стр. 261

فيها كشف لجانب من جوانب سوء صنيعهم واختيارهم وإعراضهم عن اختيار الله لهم، وكيف أنّهم فيما يذهبون إليه مع مقتضى اختيار عقولهم ساقطون في سوء العقبى، ففي القرن بين الخبرين مراعاة نظير، وفي هذا موعظة للمتقين أن يكون منهم انتهاج ما انتهج أولئك المعاندون من بني إسرائيل *** وإذا ما كان البقاعيّ قد نظر في منزل قصة "البقرة" في السياق الترتيليّ من سورة البقرة فإنّه ينظر في نسق النظم الترتيبي لأحداثها فيرى أنَّ نظمها الترتيبي للأحداث لم يكن على نسق ترتيب تلك الأحداث في الوجود زمن وقوعها، وأن ذلك لمقتضى من الغرض المنصوب له الكلام. يقول: " لمَّا قسمت القصة شطرين تنبيهًا على النعمتين: نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق وتنبيهًا على أنَّ لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك وقدّم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر " (١) كان مقتضى الظاهر أن يبدأ القصّ بقوله ﷻ : ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ... ﴾ (البقرة ٧٢) وأن يكون من بعده ﴿وإذْ قِالِ مُوسَى لِقَومِهِ....﴾ (البقرة:٦٧) ولكنه قدَّم مقالة نبيِّهم لهم وما كان منهم لما اقتضاه المقام ومراعاة النظائر وتقديمًا لتقريعهم على إساءة الأدب وتوقفهم عن الامتثال، وهو ناظر إلى قوله : ﴿ومَوعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ليتقي كلّ مسلم انتهاج سبيلهم في حياتهم، فليس من الاقتداء بهم إلا مَعرَّة الدنيا ومذلة الآخرة القول في القصص القرآنيّ وما فيه من نظم ترتيبي للأحداث ومواقع ذلك القصص في سياق السورة وسيع مجاله لايكاد مثلى يستوعب الإشارة مجرد الإشارة إلى كثيرًا منه, ولا سيّما في هذا المقام.

стр. 262

والقول في النظم الترتيبيّ للقصص القرآنيّ جانب من جوانب القصص القرآنيّ الحكيم، فإنّ جوانبه عديدة منها تصريف البيان عن مشاهد القصص وأحداثه ومنها المعاني القرآنية: الجمهورية والإحسانية التي جاءت في القصص القرآنيّ ووجه الإعجاز فيها ومنها فرائد القصص القرآني: المشاهد التي لم يثنّ ذكرها ولم يصرف البيان عنها، والكلمات التي لم تأت إلامرة واحدة فيه أو في القرآن الكريم كلّه ومنها معجم القصص القرآنيّ، والفروق الدلالية وفوق هذا خصائص النظم التركيبي ومناهج التصوير والتحبير في البيان القصصي في القرآن الكريم....إلخ هذه أبواب وسيعة وقمماميس تدبُّر بيانِيٍّ لايحاط بها، فضلا عن أن تحصى أسرارها، إذ أنها من أجلّ النعم الربَّانية: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللهِ لاتُحْصُوهاإنّ الله لغفورٌ رحيمٌ﴾ (النحل:١٨) ***** المعلم الثَّامن. بيانُ النَّظمِ التَّرتِيبي للجُملِ في بناء الآية القرآنية من البيّن أن من مناهج البيان القرآني الكريم تفصيل سوره إلى آيات، وهذه الآيات لم يكن تفصيلها وتعيين مطلع تلاوتها ومقطعها قائما على أساس لغويّ بيانيّ،لتنظر قول الله : ﴿أَرَأيْتَ الَّذي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (العلق:٩-١٠) جعل الحقُّ ﷻ مطلعَ تلاوة الآية الثانية مفعولَ الفعل الذي جعله مقطع تلاوة الآية السابقة عليها، مما يدلُّ على أنّ الأمرَ ليس مردُّه إلى معيارٍ لسانيّ، وإن كان مثل هذا ليس بالغالب على تفصيل السورة إلى آيات، ولاسيّما الآيات التي تبسط، فتكوّن من جمل عدّة قد تكون فيما بينها علائق نحوية وقد تكون علائق سياقية. للبقاعيّ عناية ماجدة بتأويل النظم الترتيبي للجمل في بناء الآية، ولاسيَّما الآيات الممتدّة التي تنزل فيها الجملة النحويّة من الآية منزلة الكلمة من الجملة.

стр. 263

وهو أيضًا معنيٌّ ببيان علاقة دلالات هذا النظم بالسياق القريب والبعيد، وهذا مردّه أنَّه يعدّ النظم الترتيبيّ أعلى منزلة في تدبّر تناسب القرآن الكريم من النظم التركيبيّ، ويعدّ الوقوف عليه مما يختص به الأئمة من أهل العلم أمَّا النظم التركيبي القائم ببناء الجملة فذلك مما يتيسر الوقوف عليه وإتقان فهمه لكثير يقول وهو بصدد بيان موضوع علم التناسب: " وموضوعه أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيثُ الترتيبُ وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتياط والتعلّق الذي هو كلحمة النسب " (١) ويقول: " بهذا العلم - أي علم المناسبات - يرسخ الإيمان في القلب، ويتمكنُ من اللبّ، وذلك أنّه يكشفُ أنَّ للإعجاز طريقين: أحدهما نظم كلّ جملة على حيالها بحسب التركيب. والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقًا ... " (٢) لعلَّ سهولة تأويل النَّظم التركيبيّ في بناء الجملة بالنِّسبة إلى تأويل النظم الترتيبيِّ للجمل المركبة في بناء الآية من أسبابه أنَّ النظم التركيبي مرجعه موضوعيّ من العلاقات النحوية بين معاني الكلم، وهو ما أطلق عليه عبد القاهر النظم (٣)

стр. 264

فمعاني النحو المتوخاة بين معاني الكلم في بناء الجملة أمرٌ موضوعيٌّ متعينٌ وإن تعددت الوجوه، وما كان كذلك كان أمرُه أيسرَ بالنسبة إلى ما لم يكن مردُّه إلى معيار موضوعي كالنظم التركيبيِّ، فإنّ مردَّه سياقيّ قصديّ أي راجع إلى سياق الكلام على اتساع دوائره: دائرة بناء الآية، ودائرة بناء المعقد ودائرة بناء السورة ودائرة بناء البيان القرآنيّ كله وكلمّا اتسعت الدائرة كان لطف المسمع والمنظر، فتباينت الأسماع والأنظار. الجملة التي ينظر في نظمها الترتيبيّ في بناء الآية قد تكون جملة مديدة تحتضن في رحمها جملا صغرى عديدة ترتبط بها ارتباطا تركيبيا عماده العلائق النحوية، والذي يعنينا هنا هو علائق الجمل النحوية القائمة من النظم التركيبي لتشكِّل بما بينها من نظم ترتيبيِّ آية من آيات السورة، فذلك هو الذي يكون فيه النظم الترتيبيّ. وهذا القائم بين الجمل في بناء الآية هو أضيق مجالات النظم الترتيبي الذي قد تتسع مجالاته لنظم الآيات في بناء المعاقد ونظم المعاقد في بناء السورة، ثُمّ نظم السور وترتيبها لتحقيق السياق الترتيليّ للقرآن الكريم المستفتح تلاوته بسورة الفاتحة والمتختتم تلاوة بسورة النَّاس، وقد سبق أن نظرت في ما هو أعلى من مجال النظم الترتيبي بين الجمل لبناء الآية. الآية القرآنية قد تتشكل من مجموع جمل نحوية لكل جملة منها استقلالها الإعرابيّ، ولكنَّها برغم من ذلك لا يتم معنى الكلام إلا بمجموع هذه الجملة النحوية، ولا يتأتي لك الوقوف على تمام المعنى البيانيّ من الكلام إلا بمجموع هذه الجملة النحوية. آية الكرسي إذا نظرت فيها ألفيتها تسع جمل نحوية أو عشر جمل إذا ما قلنا إنّ اسم الجلالة جملة حذف أحد ركنيها ودل عليه السؤال المقدر: لمن المَلك اليوم؟ وهو ما ذهب إليه البقاعي،. المعنى النحوي في كل جملة لا يفتقر إلى السابق عليه عند النحاة وإن تناسل منه

стр. 265

هذه الجمل النحوية هي عناصر جملة قرآنية (بيانية) واحدة، فأنت لاتقف على المعنى القرآنيّ الكريم من هذه الآية من جملة نحوية واحدة، فالمعنى القرآني البياني الذي جعل هذه الآية سيدة آي القرآن الكريم كما هدت إليه السنة لاتقوم به الجملة النحوية الأولى وحدها (الله لاإله إلا هو الحي القيوم) بل لابُدَّ من الإحاطة بكل الجُملِ التي بنيت عليها. الجملة النحوية الأولى هنا هي الجملة المفتاح والجملة الأساس الذي بنيت عليه بقية الجمل في بناء وتشكيل المعنى القرآني لهذه الجملة القرآنية. والبقاعي عُنى بتأويل سيدة آي القرآن الكريم:آية الكرسي في تفسيره، وأفرد لها كتابه: الفتح الكرسي في تفسير آية الكرسي ولننظر في تأويله النظم التريبييّ لجمل هذه الآية في تفسيره، يقول: " لمّا ابتدأ الفاتحة، كما مضى بذكر الذَّات، ثُمّ تعرف بالأفعال؛ لأنها مشاهدات، ثُمّ رقّى الخطابَ إلى التعريف بالصفات، ثُمّ أعلاه رجوعًا إلى الذّات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام، لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلّها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لاسيما عند العرب، ثُمّ تعرف بالأفعال فأكثر منها فلمَّا لمْ يبقَ لبْسٌ أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب، فلمَّا تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم إذ كان المألُوفُ من ملوكِ الدنيا أنّهم لايكادون يتمكنون من أمرٍ من الأمورِ حقَّ التّمكُّنِ من كثرةِ الشفعاء والراغبين من الأصدقاء.... بيّن صفة الآمر بما هو عليه من الجلالِ والعظمة ونفوذ الأمر.....

стр. 266

ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال، فكأنَّه قيل: هذا ما لايعرف من أحوال الملوك، فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسيّ سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد الجامعُ الذي لم يَتَسَمّ به غيره، وذلك لمَّا تأهّل السّامعُ بعد التعرف بالكلامِ والتودّدِ بالأفعالِ لمقام المعرفة فترقَّى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائدًا إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرامِ؛ لأنّه من أعظمِ مقاماتِهِ (الله) أي هو الملك في ذلك اليوم. ثُمَّ أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص مفتتحا لها بالتفرد فقال (لاإله إلا هو) ...... ولمَّا وحَّد نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته، وبيّن أنّ المراد بالحياة الأبديّة بوصف القيّوميه فقال (الحيّ ... القيوم) ... ثُمّ بيّن قيوميته وكمال حياته بقوله ﷻ (لاتأخذه سنة ... ولا نوم) ... ثُم بيّن هذه الجملة بقوله (له ... ما في السموات وما في الأرض) ... ثُمَّ بيّن ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكرًا على من ربّما توهم أنَّ شيئًا يخرج عن أمره، فلا يكون مختصًا به (منْ ذا الَّذِي يَشْفَعُ ... عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ) أي بتمكينه؛ لأنّ من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّنِ أنّ كلّ شيءٍ في قبضته، وكلّ ذلك دليلا على تفرده بالإلهية ... ثُمَّ بين جميع ما مضى بقوله (يَعلمُ مابَيْن أيْديهِم ... وما خلفهم) ...

стр. 267

ولمَّا بيّن قهره لهم بعلمه بيّن عجزهم عن كلِّ شيءٍ من علمه إلا ما أفاضَ عليهم بحلمه فقال ﷻ : (ولا يحيطون بشيء..من علمه إلا بما شاء) .. ثُمَّ بيَّن ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورًا لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاد الناس في ملوكهم (وسع كرسيّه.. السموات والأرض) .. فبان بذلك ما قبله؛ لأنَّ من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لايثقلها شيء،ولذا قال (ولا يؤوده ... حفظهما) في قيوميته كما يثقل غيره ... ولمَّا لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرًا فيما تقدم عطف عليه قوله ﷻ (وهو..العليّ..العظيم) كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظمِ الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوًا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام ... وقد علم من هذا التقرير أنّ كلّ جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها، وأنّ الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة ... فمن ادّعَى شركة فليحفظ هذا الكون،ولو في عام واحد من الأعوام وليعلم بما هو فاعلٌ في ذلك العام ليصحّ قوله وأنَّى له ذلك وأنَّى!!! واتضح بما تقررله من العلو والعظمة أنّ الكافر به هو الظالم، وأنّ يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلّة، وأمّا البيع فهم عنه في أشغل الشغْلِ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنّه لاسبيل إليه ولا تعريج عليه. وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار ﷺ : "إنّ هذه الآية سيّدة آي القرآن " (رواه الترمزي في صحيحه: فضائل القرآن: حديث:٢٨٧٨)

стр. 268

وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذّات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات الكمال، ووفت به من أدلّة التوحيد على أتمّ وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك. " (١) تبيّن لنا من تأويل البقاعي علائق الجمل العشر التي تكونت منها آية الكرسي، وأنّ النظم الترتيبي لها قائم على منهاج التصاعد والتناسل، وقد صرَّح البقاعي في خاتمة تأويله أنَّ كلّ جملة علَّةٌ لسابقته ومبينة ما هو مكنون فيما فبلها. في التَّعليل معنى التَّناسل وفي التَّبين معنى التّصاعد؛ لأنَّه تبيّن لايقف عند شرح ما سبق وتبيينه بل هو يضيف إليه جديدا تأتي الأخرَى فتقومُ ببيانِه، فيتصاعدُ المعنى إلى ذروته، وتكاثف أنوار الإبانة , فلا يبقى غموض في معنى من معاني سيدة آي القرآن الكريم التي هي في الحقيقة خاتمة المعنى القرآني في سورة البقرة وما جاء من بعدها من الآيات إنّما هو بيانٌ كما صرّح به "البقاعي" في مفتتح سورة "آل عمران" (٢) *** وإذا ما نظرت في " آية المداينة " أيضًا رأيت أنها جملة قرآنية (بيانية) واحدة على الرغم من أنها أبسط آية في القرآن الكريم. ورأيت أسلوب الشرط بجملتيه هو الأساس الذي بني عليه بقية الآية (الجملة البيانية) ما رتب على أسلوب الشرط في المداينة جِدُّ عديدٍ وفي آخر الآية أسلوبُ شرطٍ في المبايعة (وأشهدوا إذا تبايعتم) لم يُعلِّق به جملاً عديدةً كما علَّقها في أسلوب الشرط في المداينة لما بين التصرفين الماليين من فروق قوله (أشهدوا) هو في الحقيقة معطوف على أسلوب الشرط في أول الآية، فالمعنى: يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وإذا تبايعتم فأشهدوا)

стр. 269

وهذا وجه من وجوه "الواو" التى يمكن أنْ نقولَ إنَّها مما استأنف بما بعدها حديثٌ عن البيع من بعد الانتهاء من الحديث عن المداينة، لما بين التصرفين من علائق لطيفة , فهو من عطف القصة على قصّة ذات رحم موصولة بينهما فيكون السياق الأبسط للمعنى القرآني ذا مراحل خمس: مرحلة الحديث عن الصدقات (ي:٢٦١-٢٧٤) ومرحلة الحديث عن الربا (ي:٢٧٥-٢٨١) ومرحلة الحديث عن المداينة (ي:٢٨٢) ومرحلة الحديث عن المبايعة (ي:٢٨٢) ومرحلة الحديث عن الرهن (ي:٢٨٣) كان الحديث عن المرحلتين الأخيرتين موجزًا وعن المراحل الثلاث الأولى مبسوطا وجعل الحديث عن الربا مكنوفا بالحديث عن تصرفين ماليين جليلين لا يُعنى بحظه منهما من العباد إلا من كان عظيم الإيمان بالغيب:الإيمان بالبعث واليوم الآخر، وذلك هو رأس المعنى الكليّ والمقصود الأعظم لسورة " البقرة" وضمَّ الحديث عن المبايعة مع الحديث عن المداينة في آية واحدة من أنّ المداينة في وجه من وجوهها ضرب من ضروب المبايعة إلا أنّها مع الله فهو الذي تكفل بالمقابل ومن ثم حرمت الفائدة المأخوذة من المدين منّ أنّ عقد الدين في أصله عقد مع الله ﷻ وليس مع المدين،فالله تعالى متحمل عن المدين ما هو مقابل للدين، ومن ثمّ كان ثواب القرض الحسن أعلى من ثواب الصدقة. وثمّ إشارة أخرى لأهل الإحسان: في كل مبايعة شرعية متأدبة بآدب النبوة مداينة روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا قال: " رَحِمَ الله رَجُلاً سَمْحًا إذا بَاعَ،وإذا اشْتَرَى وإذَا اقْتَضَى " (البخاري - ك:البيوع - باب:السهولة والسماحة في البيع والشراء) فكأنَّ ما سامح فيه مبايعة وشراء إنّما ناظر إلى جزائه في الآخرة.

стр. 270

مجمل الأمرأن النظم الترتيبي في بناء الآية القائم على العلاقات السياقية بين الجمل يفتقر متدبره إلى مزيد من اللقانة ورهاقة الحس ونفوذ الذوق والقدرة على استبصار منابع الماء وإلى أن تكون معرفته معرفة الصَّنع الحاذقِ الذي يعلمُ كلّ خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكلَّ قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطّع وكلّ آجرة من الآجر الذي في البناء البديع، كما يقول الإمام عبد القاهر. ... المعلم التاسع. تدبر النظم التركيبي لبناء الجملة أشرت قبل إلى أنّ النظم عند " البقاعيّ" نوعان: نظم ترتيبيّ أضيق مجالاته أن يكون بين الجمل النحوية وهي تشكل بناء الآية القرآنية وتكون العلائق بين هذه الجمل علائق سياقية وليست علائق إعرابية ذات معايير نحوية، وقد نظرت في موقف البقاعيّ من تأويل ذلك النمط من النظم، ومَنْزِلَهُ في الإعجاز البيانيّ للقرآن الكريم. ونظم تركيبي يكون بين عناصر بناء الجملة النحوية أساسه العلائق النحوية بين مكونات الجملة. ومن البين أن الجملة النحوية وإن امتدت وتكاثرت عناصرها وتنوعت فكانت ألفاظا وكانت جُملا في قوة المفرد (لها محل من الإعراب) إنِّما أساس العلائق علاقة الاسناد القائم بين مسند ومسند إليه ثُم يبنى على تلك العلاقة الإسنادية الأم علائق أخرى كمثل علاقة التبعية أو علاقة التضايف أو التعلق ... بعضُ الآيات القرآنية وإن تكونت من جمل عدة، فإنك إذا نظرت في هذه الآية رأيت العلائق بين جملها علائق نحوية، بل إنّ بعض السّور ليست إلاَّ جملة نحوية تحتضن في سياقها جملا صغرى متعلقة ببعضها تعلقًا نحويا

стр. 271

انظر سورة (والعصر) ماذا ترى؟ لا ترى إلا جملة نحوية واحدة تعلَّقت مكونها كلُّها ببعضها تعلُّقا نحويًّا، ومن ثَمّ فإنّ السُّورة كلَّها قائمة من النَّظم التركيبيِّ، وليس النَّظم الترتيبيّ، وهذا ما تراه أيضًا في سورة (قُلْ هُوَ اللهُ أحدٌ) وعلى الرّغم من ذلك فهي معجزة الخلائق أجمعين. و"البقاعيّ" في تأويله النظم التركيبيّ في بناء الجملة يربط دلالة التركيب وسمات الأسلوب بالسياق القريب والبعيد للجملة وبالقصد الرئيس من السُّورة أحيانًا، وإن كان بيانه ارتباط الدلالة التركيبية للجملة بالسِّياق الممتدِّ للجملة قد يكون خافتا لايبصره من كان متعجلا وغير خفي أنّه كلّما اتسعت دائرة السياق كانت علاقة خصائص بناء الجملة به أدخل في اللطف الذي يفتقر المتدبِّره إلى فيض من اللقانة العقليِّة والصفاء الذوقيِّ ***** لاريب في أنَّ أساليب وأنماط البناء التركيبيّ إنما هي أساليب وأنماط جدُّ عديدة لاتكاد يحاط بها فضلا عن أنْ تحصى، وهذا يقيمنا في مقام المضطر إلى أن يأخذ وأن يدع، وأنْ يُجملَ وألا يستوفي التفصيل فيما يأخذ، فثمَّ معابتان لاقِبَلَ لى أن أتطهر منهما: معابة أخذ بعض الأساليب وترك بعضها، ومعابة الإجمال أو الاكتفاء من الأسلوب ببعض صوره، فهذه معابة في البحث العلمي نكراء أبغضها أيَّما إبغاض. كم كنت راغبا في الأ أتلطخ بأي منهما ولكنَّ الغاية التي نصبت لهذا البحث لاتدع لى مجالا للتقية. *** ومن النظم التركيبيّ الذي عُنى به البقاعي مثلا التخصيص ومسالكه الذي يطلق عليه البلاغيون (القصر) ومن البيّن أنّ مسالك التخصيص في العربية جِدُّ عديدة، وإن كانت عناية البلاغيين بضربٍ ذي خصوصية في الدلالة على التخصيص، فهم في دراستهم لطرق القصر اختاروا طرائق معينة (النفي والاستثناء، وإنما، والتقديم، والعطف بـ (بل) و (لكن) ، و (لا) وضمير الفصل وتعريف الطرفين.

стр. 272

وكان معيار الاصطفاء هو طريق الدلالة على ذلك المعنى، وليس كلُّ ما دلّ على التخصيص عند غير البلاغيين هو من التخصيص الاصطلاحي عند البلاغيين الذي يسمونه (القصر) ومن ثَمّ فإنّ دراسة طرق القصرعند البلاغيين هو - عندي - من علم البيان وليس من علم المعاني. (١)

стр. 273

هو في تأويله التخصيص الذي يطلق عليه البلاغيون (القصر) معنيّ بأمور منها طرائقه ودلالتها وعلاقة ذلك بالسياق وبالقصد القريب أو البعيد أحيانا تراه يصرّح بأنّ طريق "النفي والاستثناء هو أصرح أنواع الحصر فيقول في قول الله : ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلّظَّى * لايَصْلاهَا إلاَّ الأشقَى * الّذِي كذَّبَ وتَوَلَّى﴾ (والليل:١٤-١٦) " لمَّا كان قد تقدَّمَ غير مرة تخصيص كلّ من المحسنِ والمسيء بداره بطريق الحصر إنكارًا لأنْ يسوّى محسنٌ بمسيء في شيءٍ، وكان الحصر بـ (لا) و (إلا) أصرح أنواعه قال (لايصلاها) أي يقاسي حرّها وشدّتها عن طريق اللزوم والانغماس (إلا الأشقى) أي الذي هو في الذروة من الشقاوة، وهو الكافر" (١) تبصَّر قوله " أصرح أنواعه، فهذا دالٌّ على أنّه ناظر في طريق ودرجة دلالته على معنى الحصر، وهذا من خصائصِ علم البيان " علمٌ يعرفُ به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه " كما يقول "الخطيب " في "الإيضاح" وهو يبين لنا وجه اقتضاء المقام البيان بأصرح طرق التخصيص النفي والاستثناء المقام قاضٍ بألاَّ يكون لبس البتة في التفريق بين مصير المحسن والمسيء ودار كلّ في أخراه، فكان لزامًا أن يكون الحصر بأداة دلالتها على الحصر دلالة وضعية لايتوقف فيها أحد، ولا تكون لها دلالة على غيره في أيِّ سياقٍ آخرَ، فالنفي الاستثناء المفرَّغ يستفاد منه معنى الحصر بطريق الوضع ـ ولاتجد هذا الطريق دالا على غير الخصيص بحال، بخلاف إنما أو التقديم أو التعريف.... والبقاعي ينظرفي موضع آخرللحصر بالنفي والاستثناء، واصطفائه من بين طرق الحصر الأخرى

стр. 274

يقول الله ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:١٧٤) إذا ما نظرت في هذه الجملة رأيت أنَّ خبر المسند إليه المعبَّر عنه باسم الإشارة جاء جملة بُنِيَتْ من أسلوب قصْرٍ طريقه النفي والاستثناء، والنظر يقف عند كلمتين من عناصرهذه الجملة الواقعة موقع المسند: "يأكلون" و" النّار" فيحسب حاسِبٌ أنّ في كلٍّ تحولا دلاليّا، ولكنّ البقاعي يرى في اصطفاء النفي والاستثناء طرقَ حصر في الآية مانعًا يمنع حسبان التجوز، فيقول: " وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببًا، وصرفٌ له إلى وجه التحقيق الذي يناله كشف يقصر عنه الحسّ، فكانوا في ذلك كالحَدِر الذي تحصل يده في الماء ولا يحسّ به، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه " (١) سياق الآية متحدثٌ عن أولئك الأحبار الكاتمين ما أنزل الله ليشتروا به ثمنا قليلا، وذلك أحطُّ ما يمكن أن يصل إليه مشتغل بالعلم او منتسب إليه، فبيّن "البقاعيّ" أنّ التصريح بقوله (في بطونهم) يتناسب مع عطاء الحصر إذ يرفعان حسبان التجوز في الأكل أو النار، فكلاهما حقيقة لامجاز (٢)

стр. 275

فهي نارٌ حقيقية تحرق المعاني الباطنية التي بها يكون المرء آدميًّا، وعدم الإحساس بهذه النار لبلادة حسّهم لا لعدم وجودها فيهم أو وجودهم فيها، واصطفاء النفي والاستثناء لايتناسب معه القول بالتجوز في النار أو الأكل،لأنّ التجوز فيه ادعاء وفي الحصر بهذا الطريق قطع وحسم والجريمة هنا لايقدم عليه إلا من بلغ في الضلالة والقطيعة مبلغا عظيما، فمن كان من علماء الكتاب الإلهي المنزل ثُمّ يستبدل به عرضًا من أعراض الدنيا التي لاتزن عند الله جناح بعوضة لايكن صنيعه هذا إلاَّ من احتراق معانى الخير فيه احتراقًا بالغًا وفي هذا تحذير لعلماء الأمة المحمدية من أن يكتموا شيئًا مما أنزل الله ارضاء لذي سلطة أو خوفًا منه أو تطلعًا إلى متاعٍ من الدنيا *** وننظر في موضع آخر من مواضع تأويل البقاعي أسلوب التخصيص في قول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (صّ:٦٥) يرى البقاعيّ أنّ القصرَ في (إنما أنا منذر) قصر موصوف على صفة قصرَ قلبٍ، وأنَّه في (وما من إله إلا الله الواحد القهار) قصر صفة على موصوف قصر إفرادٍ يقول: " ولمَّا كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت صادقًا فيما ادعيت، ومن المقطوع به أنَّه لايقدر على ذلك إلاَّ الإله، فصاروا كأنّهم نسبوه إلى أنَّه ادعى الإلهية، قال تعالى منبهًا على ذلك أمرًا له بالجواب (قل) أي لمن يقول لك ذلك (إنّما أنا منذر) أي مخوف لمن عصى، ولم أدّعِ أنّي إله ليطلبَ منى ذلك، فإنّه لايقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة. وأفرد قاصرً للصفة في قوله (وما) وأغرق في النفي بقوله (من إله) أي معبود بحق، لكونه محيطا بصفات الكمال

стр. 276

ولمَّا كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين، فقال (إلا الله) وللإحاطة عبّر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى، ولو شاركه شيء لم يكن محيطًا، وللتفرد قال مبرهنا على ذلك (الواحد) اي بكلّ اعتبار، فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه، فيكون محتاجا مكافئا (القهار) أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنّه الإله وحده، وأنّ آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافؤها بالمشابهة واحتياجها " (١) السياق والقصد هاديان إلى انّ التركيب في (إنما أنا منذر) دالٌّ على قصر النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا على صفة الإنذار، وإبعاده من مظنة أنه يدَّعِى الإلهية، فإنّ من عادتهم التي درجوا عليها عند تخويفه لهم بسوء العقبي أن ينسبوه إلى ادعاء ما لايكون إلا من الله ، ويطالبونه أن يأتي لهم بما يخوفهم به، فيأتي البيان القرآني الكريم قالبًا عليهم دعواهم نسبته إلى ذلك مؤكدًا أنَّه لايعدو أن يكون منذرًا مخوفًا كما أوحي إليه. تعيين الصِّفة المنفيّة في القصر بإنّما هنا مرتبط ارتباطا وثيقًا بالسياق، وموقف المخاطبين منه، وهو ناظرٌ إلى السياق القريب القائم في تبيانِ مآب المتقين، ومآبِ الطاغين، وما اشتمل عليه من التهديد للمكذبين، وإلى حال المكذبين حين يواجهون بذلك التهديد والبيان لمآلهم إن هم أقاموا عليه. وإذا ماكان "البقاعيُّ" على أنَّ المنفيّ في (إنما أنا منذر) هو دعوى الألوهية، فإنَّه يشيرُ من بعد قليل إلى أنّ في ذلك أيضًا نفيا لدعوى أنَّه كذّاب. وكأنّ التركيب في هذا السياق يَرْنُو إلى أوَّلِ السياق وآخره:

стр. 277

آخره يهدي إلى أنّ الوصف المنفيّ في (إنما أنا منذر) هو دعوى الألوهية، وأوَّلُ السيَّاق ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (صّ: من الآية٤) يهدي إلى أنّ الوصف المنفيّ في (إنّما أنا منذر) هو الكذب يقول البقاعيّ من بعد ط ولمَّا قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعونه فيه، وينسبونه إلى الكذب دلَّ على صدقه وعلى عظم هذا النبا بقوله ﷻ : ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (صّ:٦٩) فهو يَلْمَحُ في قول الله (ما كان لي من علمٍ ... ) دلالة على صدقه فيما يخبر به عن ربه دمغًا لدعواهم أنّه كذَّاب، وويلمح فيه تاكيد مفهوم القصر في (إنما أنا منذر) على الوجه الآخر وكأنّ القصر في (إنّما أنا منذر) قد اكتنفه ما يهدي إلى أنّه يقصر نفسه على الإنذار وينفي عنها ما يرميه به بعضهم من دعوى الإلهية والقدرة على الإتيان بما يهددهم به، وينفي عنها ما يرميه به الآخرون من أنّه كذّابٌ، فالتركيب حاملٌ الدلالة على انتفاء الوصفين بمعونة السياق والقرائن الكتنفة. *** ولننظر في نمط تركيبي آخر عليّ المنزل ماجد العطاء كريمه:أساسه منازل الكلم في بناء الجملة يعرف عند علماء البيان بالتقديم والتأخير. والوقوف على منازل الكلمات ومجالات حركتها في بناء الأسلوب ذو أهمية مجيدة وهو في الوقت نفسه ذو صعوبة بالغة، ولعلَّه لذلك كانت عناية عبد القاهر الجرجاني بالتقديم والتأخير ومنازل الكلمات ورتبها في بيان عمود بلاغة الكلام (النظم) فقد أكثر من الإشارة إلى التقديم والتأخيروالترتيب، وأفرد للتقديم فصلا خاصا في دلائل الإعجازاستهله بتوطئة نبيلة يقول فيها:

стр. 278

" هو باب كثير الفوائد جمّ المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لايزال يفترّ لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة، ولاتزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثُمَّ تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قُدّم فيه شيءٌ وحُوِّل اللفظ عن مكان إلى مكان" (١) توطئة علِيَّة النظم والصياغة أرى أنها قد صيغت على نهج يكشف به الإمام عن شيءٍ من منزلة التقديم والتاخير في نظم البيان، وفي الوقت نفسه يغرينا بالتلبث عند ذلك المنهاج البياني لنوفيه بعض حقه ولتجتنى بعض ثمره. وهو قد فعل مثل ذلك مع باب (الحذف) ومع باب (الفصل والوصل) وهي أبواب كاد يستكمل القول فيها في موطنها. والبقاعي ذوعناية بأسلوب التقديم والتاخيروالترتيب، بل هو يجعل التقديم والتأخبر والترتيب في بناء الجملة ممَّا أسماه النظم التركيبي. لايكون ثقديم إلا إذا كان هناك عدولٌ بالشيء عن محله الذي هو له في الأصل، فكلُّ ما وضع على أن يكونَ سابقًا فلا يكونُ من التقديم المبني على العدول دَِلالةً على مرغوب في الإبانة عنه، فتقديم أدوات الاستفهام أو النفي لايقال إنَّ من ورائه معنًى يسبق المتكلِّمُ بالتقديم إليه سبقًا اقتضى منه مَصْنَعًا واختيارًا، بل هو تقديمٌ من أصل اللغة، وقائمٌ فريضةً في كلِّ لسان متكلم بالعربية، فلا فَضْلَ للمتكلمِ في هذا التقديم، بل الفضلُ - وهو قائمٌ متقرِّرٌ - لفطرة لسان العربية المبين. ومثل هذا تقديم الخبر شبه الجملة على المبتدأ النكرة لايكون من ورائه سبقا قد رمى إليه المقدّم له على ما هو الفطرة البيانية في العربية بل ترى في تقديم ذلك المبتدأ حين إذٍ سبقا إلى سعي للدلالة على معنى لا يكون إلا بذلك السبق المبني على العدول عما هو أصل الفطرة البيانية.

стр. 279

ومن ثمَّ فأنَّ التقديم ينظرُ في عدول الكلمة أو المقدم عن محله الذي له إلى محل سابق، وهذا قد يستصحبه عدول عن الاسم الذي كان له أو لايستصحبه. وإذا ما كان البلاغيون المتأخرون قد كانت عنايتُهم مصروفةً أوَّلاً إلى تقديم أحد ركنى الجملة على الآخر، ثمَّ تقديم المتعلقات على ما تتعلق به أو ما أسند إليه ما تتعلق به أو تقديم المتعلقات بعضها على بعض فإنَّ البقاعيّ تمتدّ نظرته إلى تقديم عناصر عديدة سواء ما كان من ركني الجُملة أو قيودها أو متعلقاتها. ***** يقول الحق ﷻ : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (الانبياء:١) ينظر البقاعيّ في نظم الآية، فيرى تقديما لمتعلّق الفعل وتأخيرُأ للفاعل، فيبيّن لنا أنه " جاء البيان بتأخير " الفاعل " وتقديم متعلَّق الفعل، لأنّ في هذا التأخير" تهويلا، لتذهب النّفس في تعيينه كلَّ مذهب" (١) وهذا يتناسب مع مقصود السورة وما سيقت له من " الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير " (٢) وكأنَّ في الاستهلال بصيغة الافتعال (اقترب) دون الفعل المجرد (قرب) الإشارةَ " إلى مزيدِ القرب؛ لأنّه لا أمَّة بعد هذه الأمة ينتظر أمرها " فهي في نَفَسِ السَّاعة فتلاقى البيان بصيغة الافتعال وتأخير الفاعل في الدلالة على شدة قرب الساعة وشدة هول ما فيها

стр. 280

وقوله " لتذهب النفس في تعينه كلّ مذهب " فيه دلالة على أنَّ اتساع المدلول وتنوعَه قد لايكون البيان عنه بكلمة ينطق بها اللسان بل قد تكون بالعدول عن موقع للكلمة إلى موقع آخر، وكأنَّ تخلى الكلمة عن موضعها الذي هو لها إنّما هو لأمر جليل عجزت عن الوفاء بحقه ضروب من الإبانة الناطقة بكلمة، فانْتُدِبَ للوفاء بحقه العدولُ عن مواقع الكلمات، وفي هذا تأديب للأمة أن على كلّ ذي موقع يرى أنَّ في التأخر عنه أو التقدم عليه ما يمنح هذه الأمة فيضًا من النعمة فإنَّ من الأدب العَليّ الأخذَ به نزولاً على مقتضى حالها، فكم من مقدّم في وضع الحياة تقضي بعض الأحوال تأخُّره وتقديم من هو دونه في مرتبة وضعه، فالاعتداد بما تقضي به الأحوال. *** ومما كان العدول فيه ماجد العطاء قول الحق : ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (الأحزاب:٢٦) ما يحيط بالآيات يرسم الهول والفزع والتنكيل الذي أصاب اليهود المظاهرين للأحزاب، والبيان عن بني قريظة بالموصول وصلته (الذين ظاهروهم) لايخفى عطاؤه، وإبرازه الاشتهار بالصلة ومطابقة الجزاء لجريرتهم، فكان إنزالهم من معاقلهم آية الجزاء على هذه الخيانة، ومجرد البداية بهذا في سياق الهول والتنكيل يفهم منه أنّه إنزال إهانة، ولكن " البقاعي" يرى أنَّه " لمَّا كان الإنزال من محل التمنع عجبًا وكان على وجوه شتى، فلم يكن صريحا في الإذلال، فتشوقت النفس إلى بيان حاله بين أنّه الذّل، فقال عاطفا بـ"الواو" ليصلح لما قبل ولما بعد ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ ... " (١) وهو يوجه العطف بـ" الواو " بأنه كان ليصلح قوله ﴿قذف في قلوبهم الرعب﴾ أن يشير إلى رُعْبَينِ: الرُّعبُ الذي أنزلهم من صياصيهم

стр. 281

والرعب الذي مَلأهم، وَهُمْ في قبضة المسلمين. أحدهما قبل الإنزال، والآخر بعده وقد صرح بالرعب الثاني ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ لهول ما ترتب عليه، وهو قوله: ﷻ ﴿فريقا تقتلون وتأسرون فريقا﴾ بخلاف ما ترتب عليه الإنزال الأول. ويتدبر تقديم المفعول في ﴿فريقا تقتلون﴾ فيرى أنه " لمَّا ذكر ما أذلَّهم به ذكر ما تأثرعنه مقسّما له فقال (فريقا) فذكره بلفظ الفرقة، ونصبه ليدل بادئ بدء على أنَّه طوعٌ لأيدي الفاعلين (تقتلون) وهم الرجال، وقد كانوا نحو سبع مئة. ولمَّا بدأ بما دلَّ على التقسيم مما منه الفرقة، وقَدَّمَ أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب أَوْلاهُ الأثرَ الآخرَ؛ ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة، فقال: (وتأسرون فريقا) وهم الذراري والنساء. ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم، وقدم الرجال لتحتم القتل فيهم " (١) جلى البقاعي عطاء مادة (فريق) وإيقاعه مفعولا، دون أن يرفع ليجعل مسندًا إليه فيقال: وفريق تقتلون أي تقتلونه، وتفاعل العطائين: المادة والموقع (المفعولية) لتصوير الهوان الذي حاق بهم مما يؤكد ويبين ثراء الكلمة القرآنية وتكاثر روافد الدلالة والإفادة، ويُبَيّنُ يقظة البقاعي في تدبره النّافِذ. وفي التقديم فوق ما ذكر تشويق النفس المسلمة التي عاشت لحظات القلق على مصير الإسلام، فيأتي الفعل بعد تحديد المفعول ليحدد مصير الفريق المقدَّم، فإذا ما أضيفت إليه دلالة إسناد الفعل إلى المسلمين، بينما الأفعال السابقة أسندت إلى الحق ، فإن العطائين يتناغيان بما فيه شفاء النفوس التي عانت أقصى لحظات القلق.

стр. 282

والبقاعي وهو يجلى عطاء تأخير المفعول في (تأسرون فريقا) كان جوادًا مُجِيدًا، فملاحظة التنسيق للأفعال والمفعولين يؤكد دقَّة ملاحظة البقاعي تنسيق الجملة القرآنية تنسيقًا يتفاعل فيه المضمون والشكل، وكم كان البقاعي مرهف الحس حين لمح وأشار إلى دلالة تقديم المفعول أولا على تحتم المصير لمن قدم، وكأنَّ في التقديم دلالة على تأكيد وقوع ما أخر عليهم (القتل) وفي تأخير المفعول على الفعل (تأسرون فريقا) إشارة إلى أنه لايتحتم فعل ذلك بهم بل لهم أن يفعلوا به غير ذلك إذا ما اقتضى الأمر. مقال "البقاعي" في عطاء التقديم ونواله في بناء البيان القرآني جد وسيع وبديع،ولياذن المقام ببسطة قول،وإنما هي إشارة تغري بالسفر في تأويله بلاغة القرآن الكريم في تفسيره " نظم الدرر"ومختصره" دلالة البرهان القويم " الذي ما يزال مخطوطًا. *** ومن النظم التركيبيّ المعنىّ به عند البلاغيين والمفسرين في تأويل القرآن الكريم (الحذف) وهوفي اللغة: القطع والإسقاط والرمي وفي اصطلاح البلاغيين: ترك ذكر بعض الكلام لمقتضٍ يقتضي ذلك الترك ولقرينةٍ دالة علي المتروك. وفي تسمية المتروك ذكره محذوفًا إشارة إلى أن هذا المتروك لمَّاكان الأصل: (الكثيرالغالب) ذكرَه لشدَّة حاجة البيان إليه أو لغير ذلك كان كأنَّه ذُكِرَ،، ولو بالقوة البيانية، وليس بالفعل، ثم حذف لأمر اقتضى ذلك الحذف: (الترك) . وفي هذا مزيد تنبيه إلى أن ترك ذكره مع أهميته إنما يكون لمقتضٍ قوىٍّ وجديرٍ بالاعتداد به. هذا وجه ووجه آخر يمكن أن تلحظه، وهو أنَّ المتروك ذكره لايكون إلا مع قرينة دالة عليه، فجعلوا دلالة القرينة عليه كأنَّه ذكر، ثم كان حذفُ لفظه وبقاءُ دليله، فتحقق شيء من معنى الإسقاط الذي هو المعنى اللغوى للحذف

стр. 283

وفي هذا الوجه تنبيه على أهمية القرينة الدالة عليه، بَيْنَا الوجهُ الأوَّلُ فيه تنبيه على أهمية المقتضي لترك ذكره , وغيرخفي أن النظر البلاغي مرتب على النظر النحوي والنحوُ مَعْنِىٌّ بشأن القرينة التى هى مصحح الحذف، والتى كان لها الوجه الثانى والبلاغة معنية بشأن المقتضي للترك، وهو المرجح المحسن للحذف، والذي كان له الوجه الأول، وقد قدمته تناسبا مع العلم الذي نحن بصدد الكلام فيه ومما أثر عن أهل العلم قولهم:" البلاغة الإيجاز" وهى مقالةٌ فاقِهةٌ طبيعةَ البيانِ البليغِ الذي يكون ملفوظُ اللسان فيه نزيرًا، ومكنونُ الجَنان فيه كثيرًا، فهذا الملفوظ اللسانيُّ يحمل في رحمه فيضا من المعانى دقيقها ولطيفها لا يقتدر اللسان على أن يتقاذف منه المعادل الصوتي لهذه المعانى. لايقف فضل الإيجاز عند هذا بل إنَّه ليكون طريقا إلى أن يقيم السامع والمتلقى له مقاما يذهب فيه المذاهب الوسيعة الفسيحة لاجتناء ثمرات هذا البيان الموجز، فإنَّ السامع ليجد لذة عظيمة في سعيه إلى تقدير ما جاء نسج البيان على حذفه وطي ذكره، وكأنَّ السامع والمخاطب، ولاسيما في البيان العلىِّ المعجز قرآنا وسنة، يجدُ في فتحِ المتكلمِ له بابَ تقديرِ ما طوى ذكرُه إعلاءً من شأنه، وكانَّه يدعوه إلى أن ينسج نفسه في هذا البيان، أن يدخل خيط الإبريسم الذي يمدُّه هو ليتم به نسج ذلك الديباج البديع. إنها اللذة التى لاتعدلها لذة، ومن العجيب أنك كلما ازددت علما بالكلام، وازددت قربا من المتكلم وعلما به انفتحت لك أبوابٌ عَلِيَّةٌ من التقدير لم تكن منفتحة لك وأنت في المنزلة الأدنى والأبعد كذلك تجد نفسك مع بيانات الحذف في ارتقاء وتطرية نشاط، وتمتع بصنوف من اللذة لاتتناهى ولا تنحصر الإيجاز قِرَى المتكلم للسامع، وأَذَانٌ منه للمتلقي بالتآخي: إنّما المتكلم البليغ والمتلقي البليغ في تلفيه إخوة ...

стр. 284

والإيجاز في دلالته على المعانى المتكاثرة إنّما يتخذُ سبيلا غير مكشوف بل يُهدِى إليك لطائفَه ملفوفة في ستائر حريرية، وذلك مما تعشقه النفس المتذوقة جمال البيان. والحذف ضرب من ضروب الايجاز التى تتسم بما هو فوق الذي ذكرت لك، وقد كان من "الإمام عبد القاهر الجرجانى " في كتابه: " دلائل الإعجاز" كلماتٌ في صدر كلامه في باب "الحذف" أشار فيها إلى شيء من محاسن الحذف وفضائله وعطاياه يقول فيها: " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به تركَ الذّكرِ أفصحَ من الذكر، والصمتَ عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطقْ، وأتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تُبِنْ. وهذه جملة قد تنكرها حتى تَخْبُر وتدفعها حتى تنظر " (١) وعبارة "عبد القاهر" هذه جِدُّ غنية بالدَِّلالات اللَّطيفة والمدلولات النبيلة، وقد أغراك وهداك إلى شيء من لطائفها ببيانه فيها بيانا أقامه على منهاج التوقيع النغمى المِرْنان. تأمل عبارته معزوفةً على أوتار السجع والتوازن ورد الأعجاز على الصدور من جهة، والتقابل من جهة أخرى، ففي هذا إيماء إلى ما يحتويه "الحذف" من بدائع المعانى والمَغانِى (٢)

стр. 285

قد يكون من وراء حذف كلمة أوحرف ... ما يدفق إلى قلبك فيضا من المعانى، وإلى سمعك فيضا من المغانى، والمتلقى البليغ في تلقيه، والبديع في قراءة البيان مشغوف بمغانى الكلام شغفه بمعانه، ولاسيما بيان الوحي المعجز الكريم، فإنَّ من مغانيه غيثًا من معانيه ولا يتسع المقام هنا لتفصيل صور من تأويل البقاعيّ اسلوب الحذف في القرآن الكريم ومدلولات ذلك الحذف ووجه دلالته عليها، ولكن الذي يلفت نظر قارئ تفسيره عنايته بضرب من ضروب الحذف لايعنى به كثير من المفسرين والبلاغيين، وإن كان النظر إليه قديمًا قدم التفكير والتدبر البيانيّ لبيان العربية عمومًا وبيان القرآن الكريم خصوصًا وهو ما يسمّى: "الحذف التقابليّ"، أو" الاحتباك ". كانت للبقاعيّ عناية بالغة بليغة بتأويل هذا الأسلوب، ولو أنَّا جمعنا مقالاته فيه في تفسيره لكان لنا من ذلك سفر يكون لنا عوضًا عن كتابه الذي صنفه وألفه فيه وسماه (الإدراك لفن الاحتباك) . (١)
следующие страницы →