← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والرعب الذي مَلأهم، وَهُمْ في قبضة المسلمين. أحدهما قبل الإنزال، والآخر بعده وقد صرح بالرعب الثاني ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ لهول ما ترتب عليه، وهو قوله: ﷻ ﴿فريقا تقتلون وتأسرون فريقا﴾ بخلاف ما ترتب عليه الإنزال الأول. ويتدبر تقديم المفعول في ﴿فريقا تقتلون﴾ فيرى أنه " لمَّا ذكر ما أذلَّهم به ذكر ما تأثرعنه مقسّما له فقال (فريقا) فذكره بلفظ الفرقة، ونصبه ليدل بادئ بدء على أنَّه طوعٌ لأيدي الفاعلين (تقتلون) وهم الرجال، وقد كانوا نحو سبع مئة. ولمَّا بدأ بما دلَّ على التقسيم مما منه الفرقة، وقَدَّمَ أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب أَوْلاهُ الأثرَ الآخرَ؛ ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة، فقال: (وتأسرون فريقا) وهم الذراري والنساء. ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم، وقدم الرجال لتحتم القتل فيهم " (١) جلى البقاعي عطاء مادة (فريق) وإيقاعه مفعولا، دون أن يرفع ليجعل مسندًا إليه فيقال: وفريق تقتلون أي تقتلونه، وتفاعل العطائين: المادة والموقع (المفعولية) لتصوير الهوان الذي حاق بهم مما يؤكد ويبين ثراء الكلمة القرآنية وتكاثر روافد الدلالة والإفادة، ويُبَيّنُ يقظة البقاعي في تدبره النّافِذ. وفي التقديم فوق ما ذكر تشويق النفس المسلمة التي عاشت لحظات القلق على مصير الإسلام، فيأتي الفعل بعد تحديد المفعول ليحدد مصير الفريق المقدَّم، فإذا ما أضيفت إليه دلالة إسناد الفعل إلى المسلمين، بينما الأفعال السابقة أسندت إلى الحق ، فإن العطائين يتناغيان بما فيه شفاء النفوس التي عانت أقصى لحظات القلق.

стр. 282

والبقاعي وهو يجلى عطاء تأخير المفعول في (تأسرون فريقا) كان جوادًا مُجِيدًا، فملاحظة التنسيق للأفعال والمفعولين يؤكد دقَّة ملاحظة البقاعي تنسيق الجملة القرآنية تنسيقًا يتفاعل فيه المضمون والشكل، وكم كان البقاعي مرهف الحس حين لمح وأشار إلى دلالة تقديم المفعول أولا على تحتم المصير لمن قدم، وكأنَّ في التقديم دلالة على تأكيد وقوع ما أخر عليهم (القتل) وفي تأخير المفعول على الفعل (تأسرون فريقا) إشارة إلى أنه لايتحتم فعل ذلك بهم بل لهم أن يفعلوا به غير ذلك إذا ما اقتضى الأمر. مقال "البقاعي" في عطاء التقديم ونواله في بناء البيان القرآني جد وسيع وبديع،ولياذن المقام ببسطة قول،وإنما هي إشارة تغري بالسفر في تأويله بلاغة القرآن الكريم في تفسيره " نظم الدرر"ومختصره" دلالة البرهان القويم " الذي ما يزال مخطوطًا. *** ومن النظم التركيبيّ المعنىّ به عند البلاغيين والمفسرين في تأويل القرآن الكريم (الحذف) وهوفي اللغة: القطع والإسقاط والرمي وفي اصطلاح البلاغيين: ترك ذكر بعض الكلام لمقتضٍ يقتضي ذلك الترك ولقرينةٍ دالة علي المتروك. وفي تسمية المتروك ذكره محذوفًا إشارة إلى أن هذا المتروك لمَّاكان الأصل: (الكثيرالغالب) ذكرَه لشدَّة حاجة البيان إليه أو لغير ذلك كان كأنَّه ذُكِرَ،، ولو بالقوة البيانية، وليس بالفعل، ثم حذف لأمر اقتضى ذلك الحذف: (الترك) . وفي هذا مزيد تنبيه إلى أن ترك ذكره مع أهميته إنما يكون لمقتضٍ قوىٍّ وجديرٍ بالاعتداد به. هذا وجه ووجه آخر يمكن أن تلحظه، وهو أنَّ المتروك ذكره لايكون إلا مع قرينة دالة عليه، فجعلوا دلالة القرينة عليه كأنَّه ذكر، ثم كان حذفُ لفظه وبقاءُ دليله، فتحقق شيء من معنى الإسقاط الذي هو المعنى اللغوى للحذف

стр. 283

وفي هذا الوجه تنبيه على أهمية القرينة الدالة عليه، بَيْنَا الوجهُ الأوَّلُ فيه تنبيه على أهمية المقتضي لترك ذكره , وغيرخفي أن النظر البلاغي مرتب على النظر النحوي والنحوُ مَعْنِىٌّ بشأن القرينة التى هى مصحح الحذف، والتى كان لها الوجه الثانى والبلاغة معنية بشأن المقتضي للترك، وهو المرجح المحسن للحذف، والذي كان له الوجه الأول، وقد قدمته تناسبا مع العلم الذي نحن بصدد الكلام فيه ومما أثر عن أهل العلم قولهم:" البلاغة الإيجاز" وهى مقالةٌ فاقِهةٌ طبيعةَ البيانِ البليغِ الذي يكون ملفوظُ اللسان فيه نزيرًا، ومكنونُ الجَنان فيه كثيرًا، فهذا الملفوظ اللسانيُّ يحمل في رحمه فيضا من المعانى دقيقها ولطيفها لا يقتدر اللسان على أن يتقاذف منه المعادل الصوتي لهذه المعانى. لايقف فضل الإيجاز عند هذا بل إنَّه ليكون طريقا إلى أن يقيم السامع والمتلقى له مقاما يذهب فيه المذاهب الوسيعة الفسيحة لاجتناء ثمرات هذا البيان الموجز، فإنَّ السامع ليجد لذة عظيمة في سعيه إلى تقدير ما جاء نسج البيان على حذفه وطي ذكره، وكأنَّ السامع والمخاطب، ولاسيما في البيان العلىِّ المعجز قرآنا وسنة، يجدُ في فتحِ المتكلمِ له بابَ تقديرِ ما طوى ذكرُه إعلاءً من شأنه، وكانَّه يدعوه إلى أن ينسج نفسه في هذا البيان، أن يدخل خيط الإبريسم الذي يمدُّه هو ليتم به نسج ذلك الديباج البديع. إنها اللذة التى لاتعدلها لذة، ومن العجيب أنك كلما ازددت علما بالكلام، وازددت قربا من المتكلم وعلما به انفتحت لك أبوابٌ عَلِيَّةٌ من التقدير لم تكن منفتحة لك وأنت في المنزلة الأدنى والأبعد كذلك تجد نفسك مع بيانات الحذف في ارتقاء وتطرية نشاط، وتمتع بصنوف من اللذة لاتتناهى ولا تنحصر الإيجاز قِرَى المتكلم للسامع، وأَذَانٌ منه للمتلقي بالتآخي: إنّما المتكلم البليغ والمتلقي البليغ في تلفيه إخوة ...

стр. 284

والإيجاز في دلالته على المعانى المتكاثرة إنّما يتخذُ سبيلا غير مكشوف بل يُهدِى إليك لطائفَه ملفوفة في ستائر حريرية، وذلك مما تعشقه النفس المتذوقة جمال البيان. والحذف ضرب من ضروب الايجاز التى تتسم بما هو فوق الذي ذكرت لك، وقد كان من "الإمام عبد القاهر الجرجانى " في كتابه: " دلائل الإعجاز" كلماتٌ في صدر كلامه في باب "الحذف" أشار فيها إلى شيء من محاسن الحذف وفضائله وعطاياه يقول فيها: " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به تركَ الذّكرِ أفصحَ من الذكر، والصمتَ عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطقْ، وأتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تُبِنْ. وهذه جملة قد تنكرها حتى تَخْبُر وتدفعها حتى تنظر " (١) وعبارة "عبد القاهر" هذه جِدُّ غنية بالدَِّلالات اللَّطيفة والمدلولات النبيلة، وقد أغراك وهداك إلى شيء من لطائفها ببيانه فيها بيانا أقامه على منهاج التوقيع النغمى المِرْنان. تأمل عبارته معزوفةً على أوتار السجع والتوازن ورد الأعجاز على الصدور من جهة، والتقابل من جهة أخرى، ففي هذا إيماء إلى ما يحتويه "الحذف" من بدائع المعانى والمَغانِى (٢)

стр. 285

قد يكون من وراء حذف كلمة أوحرف ... ما يدفق إلى قلبك فيضا من المعانى، وإلى سمعك فيضا من المغانى، والمتلقى البليغ في تلقيه، والبديع في قراءة البيان مشغوف بمغانى الكلام شغفه بمعانه، ولاسيما بيان الوحي المعجز الكريم، فإنَّ من مغانيه غيثًا من معانيه ولا يتسع المقام هنا لتفصيل صور من تأويل البقاعيّ اسلوب الحذف في القرآن الكريم ومدلولات ذلك الحذف ووجه دلالته عليها، ولكن الذي يلفت نظر قارئ تفسيره عنايته بضرب من ضروب الحذف لايعنى به كثير من المفسرين والبلاغيين، وإن كان النظر إليه قديمًا قدم التفكير والتدبر البيانيّ لبيان العربية عمومًا وبيان القرآن الكريم خصوصًا وهو ما يسمّى: "الحذف التقابليّ"، أو" الاحتباك ". كانت للبقاعيّ عناية بالغة بليغة بتأويل هذا الأسلوب، ولو أنَّا جمعنا مقالاته فيه في تفسيره لكان لنا من ذلك سفر يكون لنا عوضًا عن كتابه الذي صنفه وألفه فيه وسماه (الإدراك لفن الاحتباك) . (١)

стр. 286

أول ما يلقاك من هذا في تفسيره تأويلا لهذا الأسلوب تأويلُه قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:٢٩) يقول: " لمّا أجملَ في اوّلِ هذه الآيةِ (ي:٢٨) أوّل أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه الذي تقدم أنّه مُنَبِّهٌ على الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه من باهر الأدلة شرع يفصّله على وجه داعٍ لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من العالي إلى الأعلى، فساق ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده ... فقال (هو) .. (الذي خلق لكم.. ما في الأرض) بعد أن سواهن سبعا ... (جميعا) .... ولم كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لايرام.... عبر في أمرها بـ" ثُمَّ " فقال (ثُمّ استوى إلى السماء) .... (فسوّاهنّ سبع سموات) ... وخلق جميع ما فيها لكم. فالآية من "الاحتباك": حذف أولاً كون الأراضي سبعًا لدلالة الثاني عليه، وثانيًا كون ما في السماء لنا لدلالة الأول عليه. وهو فنّ عزيز نفيس وقد جمعتُ فيه كتابًا حسنًا ذكرتُ فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته: "الإدراك لفنّ الاحتباك "...." (١) أبان البقاعي لنا ما كان محذوفًا لدلالة القرينة المقالية عليه، ولم يُبَيِّنْ لنا هنا الوجه البيانيّ لحذف ما حذف وذكر ما ذكر، وكما أنَّه لم يبين لنا هنا تعريف (الاحتباك) وإن كان قد عرَّفه في موضع آت من بعد ٠

стр. 287

لعلَّ وجه حذف ما حذف في الآية أنَّ المحذوف وهوجعل الأرض سبعًا والمدلول عليه بذكر جعل السموات سبعًا أنَّ جَعْلَ السموات سبعا من الغيب الذي لاسبيل إلى معرفته إلا بالوحي، ولن يكون بمَُِلك العلم في طور من أطواره إلى قيام الساعة أن يطلع عليه بأدواته ومناهجه. فنحن حتى يومنا هذا لم نر سماء واحدة من تلك السموات،وما تنبصره عيوننا ليس هو السماء في حقيقتها، بل هو حجاز أزرق بين أبصارنا والسماء أمَّا جعل الأرض سبعا فذلك أمر قد يكون للعلم سبيل إلى عرفانه، على أنّ في سورة (الطلاق) ما يدل على ذلك ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:١٢) وفي السنّة النبوية تصريح بذلك، روى الشيخان: " من أخذ شيئا من الأرض بغير حقّه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " (البخاري: بد الخلق،والنص له،ومسلم:مساقاة)

стр. 288

وكذلك جعل ما في السموت لنا لمَّا كان لايَتَبَيّنُ لكثير من العباد بخلاف ما في الأرض حذفه، وذكرما هو ظاهرٌ أمرُه للعباد كافة.، وطوى ما كان أمره غير ظاهر لهم جميعا تحقيقا لتمام الإبلاغ بالامتنان بذكر النعمة، فجمع لنا بين نعمة إعلامنا بما لا سبيل لنا إلى علمه إلا بالوحي وهي نعمة عليّة جدًا لا يقدرها حقَّ قدرها إلا من يعرف لنعمة المعرفة والعلم قدرها، ويعرف لبلية الجهالة والضلالة خطرها، وأن العرفان حياة والجهالة موت، ونعمة الامتنان بأنَّ ما في الأرض لنا، فعلينا أن نحرص على أن نحسن استثماره لما فيه حسن المآب والمعاد، وأنّ من غفل عن حسن استيعاب استثمار ما في الأرض قد خسر خسران مبينا،ولو أننا عدنا ببصيرتنا إلى قوله ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعا﴾ ً وتدبرنا هذا التعريف للطرفين (هو) (الذي) ودلالته على التخصيص المؤذِّن بالتوحيد، وأنه ليس من جاعلٍ ذلك إلا الله ، وتذوقنا تقديم (لكم) المفيض في قلوب أهل العرفان فيوض الأنس والمحبة والاستشراف إلى معرفة نوال الحبيب لهم، فانظر كم يكون شوق المحب إلى معرفة ما يهديه محبوبه له حين يشار إليه أن له منه عطية؟!!! فكيف إذا ما كان النوال من رب العالمين؟!! وتذوق طلاقة العطية في قوله (ما في الأرض) وما تشير إليه العبارة من آيات حفظه وكَنِّهِ عن أيدي من لا يستحقون، وأنّ العطية من كريمها على معطيعا لم يجعلها على ظاهر الأرض تلامسها أيدي من ليسوا لها بأهل، بل جعلها (في الأرض) هذه الظرفية دالة على عظيم الحفظ أولاً لجليل المكنون، وعلى فريضة الجد في الطلب إيمانا بعظيم قدر المكنون من النوال.

стр. 289

وتدبر قوله (جميعًا) وهي ذات دلالة متسعة: تحتمل أن تكون حالا من الضمير في (لكم) أي لافرق بينكم في هذا إلا بمقدار سعيكم في تحصيل نوال ربكم إليكم، وهذا منسول من معنى قوله (رب العالميبن) وقوله (الرحمن) في صدر سورة الفاتحة، فهما اسمان دالان على وسيع فضله وأنّه متجعل على كل خلقه بفيوض من الربوبية الرحمانية. ويحتمل أن يكون حالا من مفعول (جعل) أي جعل ما في الأرض جميعه لم يبخل بشيءٍ منه على أحد من خلقه إن كان أهلا لأنْ ينالَ. ولا أرى بأسًا من الجمع بين الوجهين معًا. ذلك ما تبيّن لي. وهو وإن تعرض لأسلوب الاحتباك في سورة البقرة في عدة مواضع منها فإنّه لم يبينْ لنا مفهوم الاحتباك إلا في سورة (آل عمران) عند تأويله قول الله : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ) (آل عمران:١٣) فيقول: " الآية كما ترى من وادي الاحتباك وهو: أن يؤتى بكلامين يحذف من كلّ منهما شيءٌ إيجازًا يدلّ ما ذكر على ما حذف من الآخر ٠وبعبارة أخرى: هو أن يحذف من كلّ جملة شيءٌ إيجازًا، ويذكرُ في الجملة الأخرى ما يدل عليه " (١) والغالب علي منهاج البقاعي أنّه يُعنى ببيان ما حذف وما دلّ عليه مذكورا من البيان، وقد يذكر الوجه البيانيّ لحذف ما حذف وذكر ما ذكر، وذلك كمثل ما تراه في تأويله النظم التركيبيّ في قول الله :

стр. 290

﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:٧٤) يقول: " " (وَمَن يُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أيْ فيريدُ إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال (فَيُقْتَلْ) أي في ذلك الوجه، وهو على تلك النّية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفْسِهِ (أو يغلبْ) أي الكفار فيسلم (فسوف نؤتِيهِ) أيْ بوعد لاخلف فيه ... والآية من الاحتباك: ذِكرُ القتلِ أولاً دليلٌ على السّلامة ثانيًا وذكرُ الغالِبِيَّة ثانيًا دليلٌ على المَغْلُوبِيَّة أولاً وربّما دلّ التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالبًا، خلافًا لما يتوهمه كثير من الناس إعلامًا بأنَّ المدار على فعل الفاعل المختار، لا على الأسباب (أجرًا عظيمًا) .... واقتصاره على هذين القسمين حثّ على الثبات، ولو كان العدوّ أكثر من الضعف ... " (١) يشير البقاعيّ إلى أنّ البيان القرآنيّ قد ذكر من جانب القتل ما كان إسناده إلى المسلم على جهة المفعولية (يُقْتَل) وذكر من جانب الغلبِ ما كان إسناده إليه على جهة الفاعلية (يَغْلِبْ) لبيان جوهر غاية الإسلام من الجهاد، فليس همّ المسلم في جهاده قتل الأعداء أو الاستحواز على الغنائم، بل همّه نصر الإسلام والاستشهاد في سبيل الله تعالى. الانتصار دلّ عليه قوله (يَغْلبْ) والشهادة دلّ عليها قوله (يُقتلْ) وهذا يقتضي من كُلِّ مجاهد أن يثبت في القتال وإن كان عدوه ذا عدد وعتاد. وإذا ماكان هذا منهاج المسلم فلن يكون إلا عزُّ ومجدٌ، وفي عزّ أهل الاسلام سلام أهل الدنيا وسلامتهم، فإنّه ما كان الأمر للمسلمين في عصر أو مصر إلاَّ كان النَّاس في أمن ودعة ٠ ***

стр. 291

وقد يتلاقى "الاحتباك" والتشبيه التركيبيّ فيكون نسيج التشبيه مبنيًّا على الحذف التقابلي. ومن أشهر الآيات في هذا قول الله ﷻ : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:١٧١) جاءت هذه الآية في سياق مصور حال طائفة من الناس يتخذون من دون الله أندادا، ويتبعون خطوات الشيطان، وإذا أمروا باتباع ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفوا عليه آباءهم الذين لايعقلون ولا يهتدون، فصورهم في صورة تنفر منها كلّ نفس عاقله، صورهم مع دعاتهم إلى الهدى في صورة راع وغنمه ينعق بها يدفعها عن المهلكة فلاتسمع إلا صوته ولا تعقل ما ينعق به عليها يقول البقاعيّ: " ولمَّا كان التقدير فمثلهم حينئذٍ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله - منبهًا على أنّهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضلّ؛ لأنها وإنْ كانت لاتعقلُ، فهي تسمع وتبصر، فتهتدي إلى منافعها (ومثل) وبيّن الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله (الذين كفروا) ... في أنهم لايسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودويّ الصوت من غير إلقتاء أذهانٍ ولا استبصارٍ (كمثل) قال "الحرَالّيُّ": المثلُ ما ينحصلُ في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، فيقع لذلك جالِيًا لمعنًى مثل المعنى المعقول، ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى، فلذاك ياتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس، وتنزيل للغائب المعلوم. ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين، لا بين الممثولين، لتقارب المِثلين معنًى وهو وجه الشبه، وتباعد الممثولين..

стр. 292

وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحدٍ، كأنَّ وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز: مثل الذين كفروا ومثلُ راعيهم، وكمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب ومن لايصلُ فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثلٍ واحدٍ فيقدّر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا (كمثل الذي ينعق) أي يصيح وذلك لآنّ التأويلَ يحملُ على الإضمار والتقدير والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حدّه ووجهه......... وقد علم بهذا أنّ الآية من الاحتباك: حذف من الأوّلِ مثل الدَّاعي لدلالة النّاعق عليه، ومن الثَّاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه ... " (١) تأويل نظم الآية على هذا المنهاج (الحذف التقابلي) والذي اعتمد فيه على " الحرالّي" هو التأويل الذي ترى أصله في صنيع " سيبويه" في " الكتاب " (٢) وهذا التأويل ينظر إلى التمثيل التشبيهي، وتركبه من عدّة عناصر لا يستوجب المقام ذكرها كلّها بل بستوجب الدلالة على بعضها ببعضها طاويا من كل جانب ما يدلُّ عليه المذكور في الجانب الآخر. ونحن إذ ننظر في المثل الأول: مثل الذين كفروا نرى تمثيلهم بالغنم التي ينعق بها راعيها الشفوق الرؤوف بها السائقها إلى ما فيه نجاتها، وهي لاتسمع إلا صوتا ولاتفهم مما ينعق بها، فذكر ماهم قائمون فيه: حالهم المعرض عن الدَّاعي ليكون دليلا على ما هم عالمون به من حال الغنم المنعوق بها ولاتسمع إلا دعاء ونداء (ومثل الذين كفروا في إعراضهم عن دعوة من ينفعهم كمثل غنم ينعق بها صاحبه لينقذها)

стр. 293

وفي المثل الثاني: مثل داعي الذين كفروا نرى تمثيله بحال راعى الغنم في حرصه عليها وذَوْدِها عما يضرها إلى ما ينفعها، وقد كانت العرب أهل رعي تفقه حال الراعي برعيته وشفقته عليها وحرصه على ما ينفعها وصبره عليها وهذا يستحضر في قلب من يعقل منهم حقيقة حال النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا معهم، ولهذا كان المذكور من هذا المثل ما لا يمكن لهم أن يغفلوا عنه لأنه قائم فيهم صباح مساء، فذكر راعي الغنم وطوى ذكر حال راعيهم وسائقهم إلى ما فيه نجاتهم (ومثل داعيهم إلى الهدى كمثل الذي ينعق ... ) . إنَّ صياغة الآية على هذا النحو مما يحدث في المتلقي حين يسمع أو يقرأ تنبيها إلى أنّ في الأمر شيئًا، وأنَّه لايكون البتة - بدلالة السياق المستصحب من آيات عديدة سابقة - تمثيل حال الذين كفروا وقد أجمل ولم يبين مناط الممثل منه بحال الذي ينعق بما لايسمع إلا دعاء إذا ما أريد بما لا يسمع الغنم بدلالة (ينعق) فإن قيل المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم أصنامهم حين تلم بهم حاجة كمثل الذي ينعق (يدعو) ما لايسمع إلا دعاء ونداء، فإنّ هذا التأويل وإن كان قريبًا إدراكه لكن السياق دالٌ على أنَّ قوله (صم بكم عمي فهم لايعقلون) راجع إلى الذين كفروا، وليس الأصنام، فالسياق كله ليس حديثا عن الأصنام وإنما حديث عن الذين كفروا وموقفهم من دعوتهم إلى اتباع ما أنزل الله فتدّعي أنها تتبع ما ألْفَوا عليه آباءهم فهم كالغنم التى تتبع الكبش الذي يتقدمها لاتعقل ما هي مقدمة عليه ***

стр. 294

ومن النظم التركيبي الذي عُنيَ البقاعيُّ بتأويله وهو ضرب من ضروب شجاعة العربية كالتقديم والتأخير والحذف ما يعرف بالالتفات، وهو من التصرف في حركة الضمائر ذات مرجع واحد، فتكون مرة ضمير غيبة وأخرى ضمير متكلم، والمرجع واحد، أمَّا إذا تنوعت الضمائر وتنوعت مراجعها بتنوعها فليس من الالتفات الذي هو من شجاعة العربية في شيءٍ. ولست بالناظر هنا فيما كان بين البلاغيين من مناقدة في تبيين الملتفت منه في ذلك الأسلوب بل فيما كان من"البقاعيّ"في هذا. هو على مذهب أن الملتفت عنه ما كان يقتضيه الظاهر أن يكون، وهو ما يعرف بمذهب الزمخشري والسكّاكيّ لا ما كان البيان به أولاً وهو ما يعرف بمذهب الخطيب والجمهور. ترى هذا في تاويل "البقاعي" البيان في أول سورة عبس: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى *أنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَما يُدْرِكَ لَعَلَّهُ يَتزَكَّى﴾ يقول في بيان مقصودها الأعظم:" مقصودها: شرح ﴿إنَّمَا أنتَ منْذِرُ من يَّخشاها﴾ بأنّ المراد الأعظم تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة ... " ثُم يعمد إلى تأويل مطلع تلاوة السورة قائلا:..

стр. 295

" لمّا قصره على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ﵁ وكان من السابقين وكان النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله ، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع " عبد الله" ﵁ يسأله وهو لايعلم ما هو فيه من الشغل ... فكره ﷺ أن يقطع كلامه مع أولئك خوفًا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم ... فكان ﷺ يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر الكراهة في وجهه، لاطفه بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتّصدِّي لمن شأنه أن لايخشى ... فقال مبينَا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا، وخسّة أهل الدنيا وإن زانوا، معظمّا له صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بسياق الغيبة ... (عبس) أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجلّه عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء.... وآذن بمدح صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بأنّ ذلك خلاف ما طبع عليه من رحمة المساكين ... بقوله : (وتولّى) أي كلّف نفسه ﷺ الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف ... (أن جاءه الأعمى) .... ولمَّاعرَّفَ بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال، وكان طول الإعراض موجبًا للانقباض أقبل عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا، فقال (وما يدرك ... لعله ... يزّكَّى) ... " (١)

стр. 296

في هذا المنهاج من خطاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا إعلاء لشأنه أولا وبيان لمنزله عند ربّه ثانيا وتعليم لأمته كيف يكون خطابها مع نبيها صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا،وتبيان لأنّ ماكان منه ﷺ إنّما هو مراعاة ما فيه صالح الأمة كلّها، فقدم نفع الأمة على نفع واحد منها فإنّ أولئك الصناديد إذا ما دخلوا في الإسلام أو بعضهم كان في دخولهم نفع للإمة من جهة ولعبد الله بن أم مكتوم نفسه ﵁ ثانيًا من أنّه يأمن شرهم. وكان من البقاعي إشارة إلى تناظر الالتفات من الخطاب الذي يقتضيه ظاهر الحال إلى الغيبة ثُمّ من الغيبة إلى الخطاب، ومع ذلك الالتفات من صيغة الفعل المجردة في (عبس) إلى صيغة (التفعّل) في (تولى) فذلك كلّه قائم إلى الإبانة عن عظيم شأن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وغيرخفي أن العدول عن صيغة التجريد في الفعل (عبس) إلى صيغة الزيادة (التفعيل) في (تولى) ليس من الالتفات الاصطلاحيّ عن البلاغيين المتأخرين، ولكنّه من باب العدول من شيء إلى آخر لمعنى ومقتضٍ ٠ *** ومن النظم التركيبيّ ما يعرف عند البديعيين باللف والنشر وأنت إذا ما دققت التأمل في أساليب التحسين البديعي رأيت كثيرًا منها مرجعه إلى النظم التركيبيّ أو الترتيبيّ، وإن اختلفت جهة النظر إليه فاختلفت مناهج التأويل. البقاعيُّ مَعْنِىٌّ بضرب من ضروب اللف والنشر هو اللف والنشر المعكوس الذي يكون فيه الرابع للأول والثالث للثاني، وهو يسميه اللف والنشر المشوّش، وهي تسمية غير دقيقة، وليس في البيان القرآنيّ إلا ضربان من النشر: المرتب على وفق ترتيب اللف: المقدم في النشر للمقدم في اللف،والمؤخر في النشر للمؤخر في اللف على ترتيبه..

стр. 297

والمرتب على عكسه وليس فيه نشر مختلط والذي يمكن تسميته مشوّشا. المهم أنَّ اللف والنشر وإن كان من المحسنات البديعية عند المتأخرين وهو مما انتبه إليه الأقدمون منذ المبرد (١) فإنّه داخل في النظم التركيبي. في تأويل قول الله ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأسَاءُ والضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حتَّى يَقُول الرَّسُولُ والَّذِينَ آمًَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نصْرَ اللهِ قريبٌ * يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بهِ عَلِيمٌ * كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تكْرَهُوا شَيْئًا وَهُو خَيْرُ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكمْ وَاللهُ يَعلمُ وَأَتتُمْ لا تَعْلَمونَ﴾ يذهب "البقاعيّ" إلى أنَّ في ألآية لفًا ونشرًا مشوّشًا: ذكر في الآية الأولى البأساء والضرّاء على هذا الترتيب، وفي الثانية ذكر الإنفاق، وهو يناسب الضرّاء، وفي الثالثة ذكر القتال، وهو يناسب البأساء، يقول:

стр. 298

" لمَّا كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ ثُمَّ كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أنْ أمر بها في أوّل آيات الحج الماضية آنفا [ي:١٩٥-١٩٧] مع أنّها دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة [ي:٢١٤] مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما، فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش، وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء، فإنّ استعماله [أي المشوش] في القرآن أكثر من المرتّب فقال معلمًا لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ (يسألونك ماذا..ينفقون ... " (١) يذهب البقاعيّ إلى أنّ البأساء أكثر استعمالا في الحرب والضراء أكثر ما تستعمل في الأموال، وهذا منه إشارة إلى المنهج الإحصائي التأويلي الذي يستجمع شواهد الظاهرة البيانية في الخطاب المتدبّر كلّه ليقف المتدبّر على ما هو الغالب على الخطاب في سنّته البيانيّة ليتّخذ المتدبّر من ذلك منهاجه في التَّأويل على ما هو الغالب على ذلك البيان وأنت إذا ما نظرت في دلالة مادة البأساء في البيان القرآنيّ وجدتها لما اصاب الجسد (النساء: ٨٤، والنحل:٨١، والإسراء: ٥، والأنبياء: ٨٠، والنمل: ٢٣، والحديد: ٢٥) وإذا نظرت في مادة "الضراء" وجدتها لما أصاب المال (البقرة:٢٣٣، وآل عمران: ١٣٤، ويوسف: ٨٨، والطلاق:٦) فما ذهب إليه البقاعيّ أعلى وأليق بالبيان القرآنيّ ٠ وإذا ما نظرت في سياق الآيات التي قال فيها البقاعيّ بالنشر المشوَّش ألفيت أنّ سورة "البقرة" قد كثر فيها الحديثُ عن الإنفاق، وجعلته أصلا من صفات المتقين، وقد تقدم في السورة البلاء في الأموال على البلاء في النفس (ي١٥٥) وتحدثت عن الإنفاق (ي:١٧٧، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٧٤)

стр. 299

وفوق هذا كانت قصة البقرة المشتملة عليها السورة والمسماة بها متضنة التشديد في الإنفاق على بني إسرائيل، فلمّا كان المقام للإنفاق قدمه على القتال، فقال أولا (يسألونك ماذا ينفقون) ثُمّ قال (كتب عليكم القتال) فكان لفّا ونشرا مشوّشًا (معكوسًا) والبقاعيّ لم يشر إلى وجه البيان بهذا النهج التركيبيّ في هذه الآية، ولعلَّ ذلك من أنّ الله لمَّا قال في صدر السورة (هدى للمتقين * الّذين يؤمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمونَ الصّلاة ومِمَّا رزَقْنَاهم يُنْفِقُونَ) (البقرة:٢-٣) وكان البيان عن موقف الإسلام من المال له شانُ في السورة أيّما شأنٌ كان من العناية أن يجعل البيان عنه في وسط المعنى، وكأنّ فيه إشارةً إلى أنّ الجهادَ بالمال عمود الجهاد بالسَّيْفِ، وأنّ نصر الدينِ لايكونُ بالسّيفِ وحده بل يكونُ بأمور أخرى المال فيها رئيس. *** إنَّ النظر في تأويل النظم التركيبي في بناء الجملة أو الآية في تفسير "البقاعيّ" لايتسع للوفاء ببعض حقه المقام بكل وجوهه، وما كنت آمًّا إلى تفصيل، بل إلى تكريس البيان عن معالم المنهاج بيانا عامًّا ضميمته بعض نماذج هادية وهذا يجعلنى غير متهيبٍ الرغبة عن البسط في هذا المعلم القائم بالنظر في النظم التركيبي. المَعْلَمُ العاشر. تأويل التصريف البياني (متشابه النظم) مِمَّا قرره الحقّ ﷻ في بيانه عن القرآن الكريم قوله : ﴿اللهُ نزَّلَ أحْسنَ الحَديثِ كِتابًا متشَابِهًا مثَانيَ تقشِعِرُّ منْهُ جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ من يَّشَاءُ وَمن يُّضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:٢٣) ..

стр. 300

قوله: (متشابها مثاني) جامع أصلاعظيما من أصول البيان القرآني الحكيم اقتضاه المقصود الأعظم من إنزال القرآن الكريم، ومايعليه منهاج التربية الربّانيّة المفاض من معدن الرحمة بالعالمين. المقاصد الكلية للقرآن الكريم لايأتي البيان عنها في موضع واحد من القرآن الكريم بل تراه يصرِّف البيان عنها في مواضع عديدة وينوع طرائق الدلالة عليها تنويعا لايكاد التدبُّر النافذ والوسيع يحيط بها. يقول البقاعيّ في تأويل قول الله : (متشابها مثاني) " (متشابها) أي في البلاغة المعجزة والموعظة الحسنة لا تفاوت فيه أصلاً في لفظ ولا معنى، مع كونه نزل مفرقًا في نيّفٍ وعشرين سنة.... ولم يقل " مشتبهًا" لئلا يظن أنّه كله غير واضح الدلالة، وذلك لايمدح به. ولمَّا كان مفصّلا إلى سور وآيات وجمل، وصفه بالجمع في قوله (مثاني) جمع مثْنَى من التثنية بمعنى التكرير أي تثنّى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم، مختلفة البيانِ في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات، من غير اختلاف أصلاً في أصل المعنى، ولا يملُّ من تكراره، وترداد قراءته وتأمله واعتباره مع انَّ جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده ... فلا ترتب على شيءٍ من ذلك جزاء صريحًا إلاَّ ثُنّي بإفْهامِ ما لِضِدّه تلْويحًا، فكان مذكورا مرّتينِ، ومرغبًا فيه أو مرهّبًا منه كرَّتين.... وفائدة التكرير انَّ النفوس أنفر شيءٍ عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكررعليه عودًا على بَدْءٍ لم يرسُخْ عندَها، ولمْ يعْمَلْ عَمَلَهُ، ومن ثَمَّ كان النّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا يكرّرُ قولَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ فَأكْثَرَ....." (١) البيان القرآنيّ قائم على أصلين عظيمين أشرت إليهما من قبل، وأثنّي الإشارة إليهما تقريرا وتوطيدًا: تصاعد المعاني في السياق القرآنيّ

стр. 301

التصريف البياني لأصول معاني الهدي في القرآن الكريم هذان الأصلان حاضران في البيان القرآنيّ حضورًا لاتغيب أو تغيم شواهده الباهرة القاهرة والأصل الثاني (التصريف البيانيّ) قد لقي بعض حقه من كثير من العلماء وصنِّفت فيه أسفارٌ، وقد عرف عند أهل العلم بـ" متشابه النّظم" والحقّ أنَّ "التصريف البيانيّ" عندى أوسع مجالا من "متشابه النظم": متشابه النظم أذهب إلى أنّه يجدر به أن يكون مصطلحا لما تشابه من البيان في علاقاته النظمية من تقديم وتأخير وفصل ووصل وذكر وحذف في بناء الجملة أو الآية أو المعقد أو السورة أي التشابه الذي مناطه السمات النَّظمية التي هي علاقات نحوية بين معاني الكلم في بناء الجملة (النظم النحوي: التركيبي) ، والذي مناطه السمات النظمية التي هي علاقات سياقية بين معاني الجمل في بناء الآية أوبين معاني الآيات في بناء المعقدأومعاني المعاقدفي بناء السورة ... (النظم السياقي: الترتيبيّ) . والتصريف البيانيّ يشمل هذا مضمومًا إلى التشابه الذي مرده اختيار كلمة مكان أخرى (انفجرت: انبجست) (قضى: كتب) (حلف: أقسم) (خاف: خشي) (سنة: عام) (زوج: امرأة) (أنزل: نزّل) (نجّى: أنجى) ....إلخ ما هو معروف عند العلماء بالتصريف في اختيار الكلمات وصيغها البقاعيّ ذو عناية بالغة بليغة بتدير هذا الضرب من التصريف البيانيّ (متشابه النظم) ملتزما بمنهج النظر فيما يقتضيه السياق والقصد، وهو في هذا جدير بأن تفرد له دراسة خاصة، وأن يوزان بين منهاجه في هذا ومنهاج" أبي جعفربن الزبير" في (ملاك التأويل) أو" الكرماني " في (البرهان) أو " الإسكافي " في (درَّة التنزيل) . ومن هذا الباب ما جاء عن البقاعي في تأويل قول الله : ﴿ختم الله على قُلُوبِهِمْ وعَلَى سَمْعِهِمْ وعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ (البقرة:٧) وقول الله :..

стр. 302

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبَِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (االجاثية:٢٣) يقول في آية البقرة: " ولمّا سوّى بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم، ولمّا كان الغبيّ قد يسمع أو يبصر، فيهتدي، وكان [الإحتياج] إلى السمع أضر لعمومه، وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثمّ البصر تسفيلا لهم عن حال البهائم، بخلاف ما في " الجاثية " فإنّه لمّا أخبر فيها بالإضلال، وكان الضال أحوج شيءٍ إلى سماع الهادي نفاه، ولمّا كان الأصم ذا فهم أو بصر أمكنت هذايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب" (١) ويقول في تأويل آية "الجاثية": " ولمَّا كان الضالّ أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره، وكان من لاينتفع بما هو له في حكم العادم له قال: (وختم) أي زيادة على الإضلال الحاضر (على سمعه) فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولمَّا كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال (وقلبه) أي فهو لايعي ما من حقه وعيه. ولمَّا كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال (وجعل على بصره غشاوة) فصار لايبصر الآيات المرئية وترتيبها هكذا؛ لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في "البقرة". " (٢) بيّن أن البقاعي لم يتوقف في تأويل مشتبه النظم في الآيتين إلا عند التشابه في الترتيب بين القلب والسمع والبصر، إذ قدَّمَ السمع على القلب في الجاثية من بعد أن كان مقدما القلب.

стр. 303

وهو لم يتوقف عند إعادة الجار في البقرة مع السمع والقلب (على قلوبهم وعلى سمعهم) وتركه في"الجاثية" (على سمعه وقلبه) وكذلك لم يقف عند الإتيان بالجملة الاسمية في " البقرة " (وعلى بصره غشاوةٌ) بالرفع، وبالجملة الفعلية في "الجاثية" (وجعل على بصره غشاوة) ومن هذا ما تراه من تبينه لنا وجه البيان بقوله في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:٣٥) وبقوله في سورة "الأعراف": ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (لأعراف:١٩) جاءت قصة أبينا "آدم" ﵇ في سورٍ عدّة، ولكنه لم يأت الأمر بالأكل من الجنة من حيث شاءا إلا في سورتين: البقرة والأعراف. في سورة " البقرة":جاء البيان معطوفا بالواو وفي الأعراف بالفاء، وفي البقرة جاء البيان بقوله (منها) وفي الأعراف (من حيث شئتما) ، في البقرة جاء قوله (رغدّا) سايقا قوله (حيث شئتما) ، ولم يأت ذلك في الأعراف، على الرغم من أنَّ البيان عن أمرهما كان عن شيء واحد، فلأيهما كان البيان الإلهي بأمرهما؟ وإذا جئنا إلى مشتبه النظم في هذه الجملة المصورة الأمر الإلهي لآدم ﵇ وزوجه بالأكل من الجنة ألفينا أنَّه لمَّا كان السياق فيها " لمجرد بيان النعم استعطافًا إلى الموالفة كان عطف الأكل بالواو في قوله ﷻ (وكُلا منها) كافيًا في ذلك، وكان التصريح بـ"الرغد" الذي هو أجلُّ النعم عظيم الموقع، فقال تعالى (رغدًا) ... (حيث..شئتما) ..

стр. 304

بخلاف سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين، وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيرًا للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش ممن إحلال السطوات ... " (١) وفي سورة " الأعراف " يقول: " ولمَّا كان السياق هنا للتعريف بأنّه مكَّنَ لأبشينَا ﵇ في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارنًا لوجوده، ثمَّ حسن في قوله (فكلا) العطف بالفاء الدَّال على أنَّ المأكول كان مع الإسكان لم يتأخر عنه، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في "البقرة"؛لأنّ مفهوم"الفاء" نوعٌ داخل تحت مفهوم " الواو" ولا منافاة بين النوع والجنس وقوله (من حيث شئتما) بمعنى رغدًا أي واسعًا، فإنَّه يدلّ على إباحة الأكل من كلّ شيء فيها غير المنهي عنه وأمَّا آية البقرة فتدلّ على إباحة الأكل منها في أي مكان كان. وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أنَّ من خالف أمره ثُلَّ عرشه وهدم عزّه، وإن كان فيه غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أَعْظَمَ له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كلّ ما فيهاغير شجرة واحدة ... " (٢) *** ومن مشتبه النظم الذي تلبث البقاعيّ عنده ما جاء من تأخير (التزكية) عن التعليم في دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ وتقديمها عليه في غيرها، قال الله : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهمْ رسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:١٢٩)

стр. 305

﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يتْلُو عَليْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وإنْ كَانوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران:١٦٤) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكَِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة٢) هذه ثلاث آيات قدمت التزكية على التعليم في أولاها وقدّم التعليم على التزكية في الأُخْرَيَيْنِ فما وجه البيان بذلك؟ ينظر البقاعي في تأويل التشابه النظمي بالتقديم والتأخير إلى معنى الكلمة المقدمة والسياق الذي وردت فيه ومن كان الكلام بشأنهم. نَظَرَ فرأى أن آية سورة" البقرة" الحاكية دعاء أبي الأنبياء: إبراهيم ﵇ إنَّما هي بشأن الدعاء للأمة المسلمة (ذريتي) وهي لاتكون كذلك إلا إذا كانت مكتسبة التزكية من الشرك بأصل الإسلام المتسمة به ' فالتزكية المطلوبة هنا ليست هي التزكية من الشرك بل هي تزكية تؤسس على سبق علم بالكتاب والحكمة أي هي تزكية ترقٍّ في مقامات الطاعة والقرب. والتزكية في سورة الجمعة هي تزكية من الشرك بها يتأسس أصل الإيمان؛ لأنّ السياق للحديث عن الأميين هم أمَّة الدعوة وفيهم من الشرك ما فيهم فكأنَّ التزكية هنا ليست هي التى طلبها سيدنا إبراهيم ﵇ لقومه في آية سورة "البقرة" التزكية هنا تحتاج إلى أن تسبق تعليم الكتاب والحكمة، لأنَّ تعليمها لا يثمر لمن كان قلبه غير مزكّى من الشرك، ومن ثُم قدّمت التزكية من الشرك على تعليم الكتاب والحكة ...

стр. 306

ويبقى ما في آية " آل عمران" والسياق للحديث عن المؤمنين وهم مزكون من الشرك، فكان مقتضى الظاهر أن تؤخر التزكية على التعليم كما كان في دعاء سيدنا إبراهيم ﵇ ولكن البقاعيَّ يلحظُ أمرًا مُهِمًّا،وهو أنَّ آية " آل عمران" جاءت في سياق عتاب المؤمنين في شأن الغنائم يوم أحد، فهذا منهم أمر عظيم هم مفتقرون إلى التزكية منه أولا ثُمّ يأتي تعليم الكتاب والحكمة ترقية لهم وتطهيرًا مما لا يليق بهم وإن كانوا مطهرين من الشرك. اختلاف مدلول التزكية ومن كان الخطاب بشأنه هو المقتضي التقديم والتأخير. يقول"البقاعي" في آية "البقرة": " ولمّا طلب ما هو له في منصبِ النّبوةِ من تعليمِ اللهِ له المناسكَ بغير واسطة طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة لأمثالهم فقال (ربنا وابعث فيهم) أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل (رسولا منهم) ... وذلك الرسول هو محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، فإنّه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره..... (يتلو ... عليهم آياتك ... ويعلمهم الكتاب ... والحكمة ... ولمَّا كان ظاهر دعوته ﵇ انّ البعثَ في الأمة المسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية، فإنّ أصلها موجود بالإسلام، فأخر قوله (ويزكيهم) أي يطهر قلوبهم بما أُوتي من دقائق الحكمة فترقى بصفائها ولطفها من ذروة الذِّين إلى محلّ يؤمنُ عليها فيه أنْ ترتدَّ على أدبارها وتحرّف كتابها كما فعل من تقدمها..... ولمَّا ذكر في سورة"الجمعة" بعثَه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر؛ ليقْبَلوا ما جاءهم من العلم..

стр. 307

وأمَّا تقديمها في " آل عمران" مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال المعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على الدّنيا التي هي أمّ الأدناس" (١) - - - متشابه النظم وتأويله عند "البقاعيّ" في صحبة السياق والمقصود باب وسيع جدير بأن يكون مناط دراسة قائمة له لتقوم بنزيرٍ من حقّه، وفيما أشرت إليه ما يهدي إلى ذلك المعلم من معالم منهاج "البقاعيِّ" في تأويل البيان القرآنيّ الحكيم المعلم الحادي عشر. التوجيه البياني للقراءات القرآنية كان من فضل اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ على عباده أن لم ينزل كتابه على وجه واحد من وجوه الترتيل التي يستنبط منها معانى الهدى، بل جاء التنزيل بوجوه عدَّة، كما هدت إلي ذلك السنة المطهَّرة: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه" (الشيخان: البخاري كتاب: فضائل القرآن، و "مسلم" كتاب: المسافرين ـ والنص له حديث٠رقم:٢٧٠/٨١٨) وفي الباب نفسه روى مسلم عن أبي بن كعب أن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِه وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال ".... إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا (حديث:٢٧٤/٨٢١) أن في تعدد هذه القراءات فيضًا من رحمة التخفيف على هذه الأمة، وهو تخفيف غير مقصور على الأداء والتلاوة، وإن كان هذا أظهرها بل هو تخفيف في التكليف القائم من معانى الهدى المستنبطة من تلك القراءات فمن قرأ بحرف واستنبط منه معانى الهدى استنباطًا صحيحًا على وفق الأصول العلمية للاستنباط، فقد أصاب فكلها كافٍ شافٍ والحمد لله رب العالمين.

стр. 308

تعدد صور الأداء ليس تعدد عقيما من المقاصد التى نزل القرآن لها: إنباء العباد بمعاني الهدي التى يريدها الحق بل كل صورة من صور الأداء المتواتر ذات عطاء من ضروب هذه المعاني المتكاثرة والتي لاتخلق على كثرة الرد، ومن ثم كان من التعبد الاستماع إلى القرآن الكريم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعلَّكُمْ تُرْحمُونَ﴾ (الأعراف ٢٠٤) فقد شرط لتحقق الرحمة شرطين: الاستماع والإنصات معا: الاستماع بالقاء السمع والاجتهاد في عدم التشاغل بشاعل كما تلوّح به صيغة الافتعال (استمعوا) والإنصات وهو ترك الكلام بالكلية حتى لايكون في أدنى صور الكلام ما شغل عن التلقى لما في الاستماع إليه من لطيف المعانى التى قد لايتمكن المرء من إدراكها إذا ما شغله شاغل من كلام وإن استمع معه. وإذا ماكانت صور الأداء توقيفية فإن في كل صورة قامت في موضعها وسياقها ما يجعلها ذات تناسب وتناسج وتأخ وتناغ مع السياق الذي قامت فيه،وهذا ما يجعل الروايات تتعدد في أداء كلمة قرآنية في سياق بينما الكلمة نفسها في سياق آخر لاترد فيها إلا رواية واحدة مما دلَّ على أن السياق والقصد لهما علاقة وثيقة بتعدد صور الأداء أو توحدها، وهذا ما أرغب إلي النظر في تأويل البقاعي لمثل هذه الوجوه. ***** من صور الأداء الإدغام والفك لكلمة ما من كلمات القرآن المجيد فالإدغام ذو وجه صوتي ماثل في إدخال صوت حرف في صوت حرف آخر، والفكّ مقابله وعجيب أن يكون في صورة وأداء لفظ " الفك" إدغام فهذه المفارقة كأنَّ فيه إلاحة إلى أنه وإن كان الفك هو الأصل فإن الاعتداد بما يقتضيه التناسب الصوتي في هذا الذي هو أساس عظيم من أسس التناسب القرآني الكريم....

стр. 309

وقد كان لعلماء البلاغة العربية عناية جليلة بالتناسب الصوتي في أسفارهم البلاغة، ولاسيما المتأخرين الجاعلين ذلك التناسب الصوتي مقدمة فصاحة الخطاب التى هي أساس بلاغته، وهذا الوجه الصوتي: الإدغام والفك له في البيان القرآني وجه دلالي يتدبر البقاعي بعض صوره فيه: جاءت كلمة (يَرْتَدّ) في سورة البقرة وفي سورة المائدة: قال في سورة "البقرة": ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:٢١٧) وفي سورة "المائدة " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة:٥٤) في سورة البقرة (ي٢١٧) أجمع الرواة على قراءة فك الإدغام فيها (يرتدد) وولم يجمعوا على ذلك في سورة المائدة (ي:٥٤) في المائدة " قرأ نافع وأبوجعفر وابن عامر (من يرتدد) بفك الإدغام وقرأ بقية العشرة (يرتَدّ) بدال واحدة مشددة " (١)

стр. 310

وليس يخفى أن اتفاق الرواة في آية البقرة إنما هو توقيف، لامواضعة، ومثله اختلاف الروايات بالفك والإدغام في المائدة توقيف. ومن ثَمَّ كان عَلِيًّا النظر في مقتضي تعدد صورة الأداء في المائدة وتوحدها في سورة البقرة يقول البقاعي في تدبر آية البقرة: " وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أنَّ الحبوط مشروط بالكفر ظاهرًا باللسان وباطنا بالقلب، فهو مُلِيحٌ بالعفوِ عن نطق اللسان مع طمانينة القلب. وأشارت قراءة الإدغام في (المائدة) إلى أنَّ الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنا " (١) ويقول في سورة المائدة: " ولمَّا نهى عن موالاتهم وأخبر أنَّ فاعلها منهم نفى المجاز مصرحا بالمقصود، فقال مظهرا لنتيجة ما سبق (يا أيها الذين آمنوا) أي أقروا بالإيمان من يوالهم منكم هكذا كان الأصل، ولكنه صرح بأنَّ ذلك ترك الدين، فقال (من يرتد) ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر (منكم عن دينه........" (٢) آية البقرة في سياق الحكم بإحباط عمل المرتد عن الاسلام في الدنيا والآخرة، وهذا لايكون إلا لمن ارتد ظاهرًا باللسان وباطنا بالقلب، والآية قد نصت بالعبارة على الارتداد الباطنيّ بالقلب في قوله: (فيمت وهو كافر) فبقي الارتداد الظاهري فكان الأداء هو الدال عليه، فالفَكُّ لازم هنا لأن في الفَكِّ إظهارٌ وهو عملٌ لسانيٌّ مما يُلِيحُ إلى التناسب الدقيق في الإشارة. ففي الآية جمع بين شرطي إحباط العمل بالردة: الردة ظاهرًا مدلولا عليها هنا بفك الإدغام والردة باطنا مدلولا عليه بالعبارة (فيمت وهو كافر) وعجيب أن الردة الباطنة دل عليها بالعبارة، والردة الظاهرة دلَّ عليها بأداء العبارة (فك الإدغام)

стр. 311

وفي اشتراط الردة الباطنية لإحباط العمل والدلالة عليها بطريق العبارة فتح باب العفو لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان،فهو مما أكره على ارتداد ظاهري لم يجمع إليه ارتدادا باطنيا. أما آية (المائدة) فقد كانت في سياق النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء (الآية:٥١) وعدم الصبر على البلاء (الآية: ٥٢) فجاءت الآية (٥٤) مشيرة إلى أنَّ الله قد يعاقب على الارتداد الباطني المشار إليه برواية (الإدغام) والارتداد الظاهري المشار إليه برواية (الإظهار) بالإتيان بقوم يحبهم ويحبونه، وهذا فيه من التهديد العظيم ما تنخلعُ له قلوب الفاقهين. ولو أن الرواية جاءت بوجه واحد من وجوه الأداء لكان في هذا أخلالٌ بشروط العقوبة: تحقيق الارتداد بأحد وجهين، فليست العقوبة متوقفة على اجتماع الشرطين معا في وقت واحد بل تحقيق أحدهما قد يترتب عليه العقاب: الإتيان بقوم يحبهم ويحبونه وثَمَّ إشارة أخرى: الإدغام هنا مشير إلى أنَّ الصبر الذي لم يحرص عليه من تحدثت عنه الآية (٥٢) إنّما هو أرفع درجة من الارتداد الظاهري باللسان. علينا ملاحظة الفرق بين جواب الشرط في (البقرة) وجوابه في (المائدة) : في (البقرة) حبوط عمل وذلك قاتلٌ مُبِيرٌ، وفي (المائدة) تبدل وإحلال قوم مكان قوم، وهو وإن كان عند اهل العرفان عظيم إلا أنه من دون إحباط العمل، فكان المشير إلى شرط جواب الشرط في (المائدة) بطريق الأداء، وهي دلالة فيها شيء من خفاء لايفقهها كثير من الناس، وكان المشير إلى الشرط الرئيس لتحقق الجواب بطريق العبارة الصريحة. وهذا فيه من ضروب التناسب ما فيه. هذا ماكان "البقاعي" فانظر في صحبته ما قال شيخه "ابن الجزري " في النشرمعللا فك الادغام اتفاقا في البقرة بقوله:..

стр. 312

" لأن طول البقرة يقتضي الاطناب وزيادة الحرف من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى (ومن يشاقق الله ورسوله) في الأنفال (ي:١٣) كيف أجمع على فك إدغامه، وقوله (ومن يشاقق الله) في (الحشر:٤) كيف أجمع على إدغامه، وذلك لتقارب المقامين من الإطناب والإيجار) (١) ما قال "ابن الجزري" لو استقام للزم أن يكون كلّ شيء في البقرة على منهاج البسط، وألا يكون فيها إيجاز بحذف كلمة أو إيجاز قصر فكيف يعلل "ابن الجزريّ" نهجًا بيانيّا بنهج بياني هو مفتقر إلى التعليل مثله، طول البيان ليس مقتضيًا يوجه به وجه بياني فالمقتضِي يكون من ذات المعانى والمقاصد التي تساق السورة إليها، والأحوال التي تكتنف التنزيل. ***** ومما أجمعت الرواية على أدائه في سورة على وجه واختلفت في أدائه في سورة أخرى الفعل (يرى) في قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل:٧٩) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (الملك:١٩) اختلفوا في قراءة (يروا) في (النحل) بالغيبة والخطاب واتفقوا على الغيبة في الملك: " قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو وعاصم والكسائي (ألم يروا ... ) بالياء وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف (ألم تروا) بالتاء)) (٢) يذهب البقاعي في آية النحل إلى " أنّ الكلام وسياقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك " (٣)

стр. 313

وقال في سورة الملك: "أجمع القراء على القراءة هنا بالغيبة؛ لأنَّ السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل " (١) لو نظرنا سياق آية النحل رأينا أنها جاءت في معرض تعدد النعم تدليلا وامتنانا، والامتنان على الأقل إنما هو للمقبل والمعرض، والآيات (٧٠-٧٢، ٧٨ ,٨٠-٨١) مؤكدة هذا من قرأ بالخطاب لاحظ جانب المُقْبِلِ؛ لأنَّ النعم في الحقيقة إنما خلقت له (الأعراف:٣٢) فهو مقدم لذلك، فليكن أداء الآية ملاحظا ذلك في بعض الوجوه ومن قرأ بالغيبة لاحظ جانب التدليل الذي هو أساسا للمعرض كيما يقتنع من هذه الجهة فلاحظته قراءة الغيبة. سياق آية النحل كما ترى محتمل الوجهين معا المقبل والمعرض فكانت الروايتان. وسياق (المُلك) للعرض وحده وللرد على المكذبين (الآيات:١٥وما بعدها) فهو سياق لايحتمل توجيه الخطاب في هذه الآية، ولأنها أيضا لم تأت لتهديد المعرضين كسابقتها ولاحقتها بل لبيان أن من يخسف بالجبارين بسلطان القهر يملك القدرة على أن يمسك الطير الضعيف بفيض رحمته فلا يقع ومن ثَمَّ كان التعبير في آية الملك بقوله (إلا الرحمن) بينما في آية النحل (ما يمسكهن إلا الله) . **** وننظر في آية أخرى اقتبس البقاعي فيها تأويل صورة الأداء من الحرالّىّ ولكنَّه لم يضف إليه شيئا وكان بملكه أن يفعل، مما يبن لنا وجها من منهجه في هذا قال : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:٢٨٠) في قوله (عسرة) قراءتان (بضم السين وبإسكانها) ، وفي (ميسره) قراءة بضم السين وقراءة بفتحها وقراءة بضم السين وكسر الهاء المشبعة ٠ يقول " ابن مهران": " قرا أبو جعفر وحده (وإن كان ذو عسرة) بضم السين، وقرأ الباقون (عسْرة) ساكنة السين

стр. 314

قرأ نافع (فنظرة إلى ميسرة) بضم السين، وروى "زيد" عن يعقوب (إلى ميسرة) بضم السين وكسر الهاء مشبعة، وقرأ الباقون (إلى ميسرة) بفتح السين" (١) في الاية وجوه من الأداء، وكل وجه له فيض من المعنى المتناسب مع السياق المديد والقصد الوسيع الذي يجمع الأمة فيمنح كل ذي درجة شيئا من عطائه، يقول البقاعي مقتبسا من "الحرالى": " لما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنَّه قيل هذا حكم الموسر (وإن كان) أي وجد من المَدِنِينَ (ذو عسرة) لايقدر على الأداء في هذا الوقت (فنظرة) أي فعليكم نظرة له قال "الحرالى": وهو التأخير المرتقب نجازه (إلى ميسرة) إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم. وقرأ نافع وحمزة بضم السين. قال "الحرالي" إنباء عن استيلاء اليسر وهو أوسع النظرتين والباقون بالفتح إنباءٌ عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة. انتهى " (٢) نظر البقاعي تبعا للحرالى إلى دلالة ضم السين من (ميسرة) فاستشعر من صوتها القوى الإشارة إلى تمام يسر المعسر، فتكون دعوة إلى أن يكون إنظاره حتى يكتمل يسره ونظر إلى دلالة فتح السين منها فاستشعر من صوتها الإشارة إلى توسط اليسر من أن الفتحة أضعف من الضمة، ففي أحوال صوت حركة الكلمة إشارة إلى أحوال المعنى نفسه وعلاقته بمن له البيان أي الإنظارين للمعسر طاعة إلا أنَّ أدناهما حق لازم على كلّ مسلم وأعلاهما فضل يقوم له وبه أهل الإحسان، ومن كان إلى الأعلى المشار إليه بالضم كان افضل توبة مما كان منه من إقراضه بنفع هو عين الربا المقيت الممحوق. فقراءة الفتح لأهل أول أسنان الإيمان (الذين آمنوا) ، وقراءة الضَّمّ لمن علاهم في أسنان الإيمان: المؤمنون....المحسنون

стр. 315

تنوّع المعانى بتنوع القراءات فيه وفاء بمنازل ومقامات الطاعة فليس أهل الطاعة سواء في منازلهم منها، فمن القراءات ما يصور معنى إحسانيا متساميا على ما صورته قراءة أخرى من المعاني الجمهورية التي هي هدى للناس وللذين آمنوا فكلها كاف شاف كلّ ذي منزل ومقام من مقامات القرب المتصاعدة وفي الآية وجوه من الأداء في (عسرة) بضم السين وبإسكانها، ومن وراء كل وجه معنى قائم في السياق إلى القصد الذي ترمي إليه الآية الكريمة استشعر في قراءة ضم السين من (عسُرة) ملاحظة حال من كان عسرُهُ شديدًا فحقُّه لامحالة إنظاره بمقدار عسره، فإن زال كان لصاحب الدين مطالبته. وفي إسكان السين من (عسْرة) ملاحظة لحال من كان عسره خفيفا فحقه أن ينظر أيضا على قدره ولايحرم من الإنظار ' ولو جاءت الرواية بضم السين وحدها لكان في هذا حرمان من كان عسره يسيرًا من رحمة الإنظار، وفي إنظار ذي العسر اليسير تربية وتدريب على التخلق بالرحمة والإحسان والتفضل. وفي قوله (نظرة) وجوه من الأداء بعضها ليس من القراءات العشر: قرأ الجمهور (فنظرة) بكسر (الظاء) فهو خبر محذوف أي فالواجب نظرة وقرأ الحسن ومجاهد والضحاك (فنظْرة) بسكون (الظاء) وهي من تخفيف (نظرة) وهي على لغة في تميم: يقولون في كلِمة: كلْمة. وكأنّ في هذه الآية تخفيفا على صاحب المال من وجه وترغيبا له في الإنظار من وجه وإيحاء له أنَّ الإنظارَ إنَّما هو خفيفٌ فلا يحسَِب أنَّ في دعوته إليه إثقالا عليه قراءة كسر (الظاء) فيها إلاحة إلى أن يكون الإنظار تاما قويا مستوليا على حال المعسر، وأن يتمكَّن صاحب المال من تحقيق هذا الواجب: الإنظار، وهذا فيه تربية على الإحسان والإتقان والتنفيس على ذوي الحاجة والعسر..

стр. 316

وفي إسكان الظاء معنى إباحة أن يكون الإنظار على قدر الإعسار دون فضل، وإلاحة إلى أنه ليس بالعسير تحقيقه على صاحب المال، فهي قراءة ناظرة لحال صاحب المال من وجهين، وجه هو من حقه ووجه فيه نفع له بالتربية والإغراء والتحريض على ألا يستثقل الإنظار فإنَّه خفيف وإنْ طال أمده. فأهل الهمم العالية يلمحون في إسكان الظاء إغراء لهم بالتحمّل وتصويرا لهم أنَّ ذلك غير عسير عليهم بل هو في حقيقته خفيف بما كان من تخفيف صوت وسط الكلمة. (ذلك خير وأحسن تأويلا) (النساء:٥٩) وأهل الهمة الدانية ينظرون إلى أنَّ في الإسكان إشارة إلى حقهم في ألاَّ يكونَ الإنظار بالغا تمام كمال زوال الإعسار. كلٌّ يقرأ في وجه الأداء ما يليق به (واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما انْزِلَ إليْكُم من رَّبِّكُم) (الزمر:٥٥) وفي الكلمة قراءة أخرى: قرأ عطاء بن أبي رباح (فناظرُهُ) بالألف: اسم فاعل، والهاء ضمير مضاف إلى اسم الفاعل أيْ فمن أنظر المدين فهو إلى ميسرة. في هذه القراءة إشارة إلى البشرى بأنَّ من يُنظر المَدين المُعْسر فإنَّ حاله وأمره كلَّه بسبب من لإنظاره له يكون إلى ميسره. ففي هذا مجاوبة لما جاء به بيان النبوة: " ... ومن فرَّج عن مُسلمٍ فرَّج الله عَنْه كُرْبَةً مِنْ كُرُباتِ يومِ القِيامةِ " (متفق عليه: البخاري: المظالم،ومسلم البر) وقراءة رابعة فيها: قرأ عطاء أيضًا (فناظرْه) بإسكان الراء على أنه فعل أمر علىمعنى فياسِرْهُ وسامِحْهُ إلى وقت الإنظار، فهو من المناظرة أي المسامحة والمداناة، وليس من المناظرة بمعنى المحاجة والمجادلة..

стр. 317

كذلك يتبن لك أن في الآية وجوها من الأداء وأنَّ في هذه الوجوه تناسبا مع السياق فإنَّ الآية معقودة لدعوة المسلم إلى أن يكون في عون أخيه وألا يكونَ إقراضُه له من وراء الانتفاع بما يأخذه منه بل الانتفاع بما يكتسبه من ثواب الله ثمَّ بما يحققه للأمَّة من الشعور بالتآلف والتناصر،وهذا إذا شاع في أمَّة طهَّرها من كثير من الأدواء التى تنهك قواها وتهتك قوامها وتردي في مذلذة الفُرْقة والتناحُرش والتغافثلِ والتشاغُلِ عن الاعتناء بأحوال الإخوان،وذلك هو الدَّاء التى تؤتى منه الأُمَّة. ***** إنَّ كلَّ عُنصرٍ من عناصر البيان ولا سيَّما البيانُ القرآنيُّ لذو أثر بليغ مجيد في بناء المعنى وتصويره وتحبيره، قد تخفى علينا نحن ملامح ذلك الأثر، ولكن هذا لايصح أن يكون مدعاة إلى نفي وجوده، ولو أنَّ المرءَ نفى كل ما لايرى لكان الأمر جدَّ خطيرٍ، إنَّ من رأس الإيمان في الإسلام الإيمان بالغيب، فوجب أن يقف المرء عند ما يعلم غير ناف وجود ما لايعلم. *** الوقوف على ماجاء في هذه الآيات من قراءات هو من باب العلم النافع، والدراسة العربية تحتفى بمثل هذا، فكثرة القراءات في الآية فيه من فيوض المعانى مايعين العباد على أن يقوموا في رياض الطاعة، وأن تفتح أمامهم سبل القرب من خالقهم وليس كمثل التيسير المحكم بأصول العلم على العباد كَيْمَا لاتنفر نفس عن رحاب الطاعة المَعْلم الثَّاني عشر. تبِيْان مدلول ودلالة الكلمة القرآنية:مادة وصيغة "البقاعيّ" ذو عناية بالغة بتبيان مدلول مادة الكلمة القرآنية وصيغتها في بناء جملتها وبما يكشف تناسبها مع سياقها والمقصود من السورة وعلاقتها بأخواتها في بناء الجملة الذي يشكل عنده (النظم التركيبي) في السورة والذي يجعله لبنة في بناء (النظم الترتيبي) فيها..

стр. 318

ويُعنى بما يَعْتَري الكلمة القرآنية من التحوُّل الدَِّلالىّ من موروثها الاشتقاقي والتركيبي إلى ما تكتسبه من السياق الذي تقوم على لاحبه في السورة،وهذا المعلم من معالم منهاجه في تأويل بلاغة القرآن الكريم معلم وسيع لا يحيط به بحثٌ مُفرد من وفير ما جاء عنه فيه. مادة الكلمة هي الحروف الأصلية التى تتكون منها الكلمة وتشترك فيها مع أقرانها وشقائقها، وهذه الحروف الأصلية تحمل في نفسها وفي طريقة ترتيبها ما تدلّ به على معنى من المعانى، ولعلماء العربية عناية بالغة بهذا، والنظريات اللغوية في هذا المجال متسعة عميقة ذاتُ دقائقَ ولطائفَ، وقد كان لـ"ابن جنىّ" و"ابن فارس" وآخرين فضل لايتوارى في هذا المجال. والمراد بمدلول المادة ما ترثه الكلمة من أصولها التى كونتها، تحملُ هذا الميراث معها في مواقعها مازجة بعض المدلولات التى تكتسبها من روافد أخرى بها كمدلولات صورتها أومدلولات أدائها. والكلمة في بيان العربية كالفرد في عالم الإنسان يحمل من أصول نسبه وجرثومته فيضًا من السمات والخصائص التي لايتخلى عنها ما بقيت الحياة في قيده أو بقيي هو في قيدها، ثُمّ تتنوع أفاعيله وما يمنح وما يمنع، وما يظهر وما يبطن وفقًا لما يرمي إليه ويؤم، وما يقوم فيه أويقام، فهو بليغ في فعله نازل على مقتضى أحواله وسياقات وجوده على تنوعها وتعددها كمثله الكلمة في بيان العربية بليغة بما تنزل عليه من مقتضيات الأحوال على تنوعها وتعددها، والسياقات على امتدادها وبعدها وقربها إنّ عالم البيان في لسان العربية من عالم الإنسان في الجزيرة العربية يوم أن كانت عربية ورحم الله زمانًا كان شربُه العزّة وطعامُه المنعة والنجدة لكلّ مستصرخ، ولباسه المجدُ المؤثلُ المصُونُ المُعَلّى ***..

стр. 319

منهج البقاعيّ قائم على استبصار معالم تناسب القرآن الكريم في كلماته وجمله وآياته ومعاقده وسوره، وهذا التناسب أساسه تحقق معنى جامع للمتناسبات، واستبصار هذا المعنى هوالمفتاح الذي يحقق للبقاعيّ ما يصبو إليه , ذلك ما يبدو لمن يتابع التبصر في صنيعه. وليس من شك في أنَّه لن يكون بمَُِلكى أن أُحيط بنَزيرٍ مما عُنِىَ به "البقاعيّ" في شأن تناسب مادة الكلمة مع السياق مدلولا ودلالة، غير أنِّى مجتهد في أنْ أقفَ عند ما يرسم منهجه ويكشف معالم حركته وما انتهى إليه في هذا. - - - لله السماء الحسنى، ولكل اسمٍ منها مدلوله ودلالته، ولكلّ منها موقعه الذي هو به أخصّ، وفقه البيان باسم من أسمائه الحسنى ومناسبة اصطفائه في سياقه من الفقه العَلِىّ، وكانت للبقاعيّ عناية بذلك. من أسمائه الحسنى التي لم يتكرر ذكره في القرآن الكريم (البارئ) وقد يظن أنّه مرادف لاسمه (الخالق) أو (الفاطر) الذي تكرر ذكركُلٍّ في القرآن الكريم، بينا اسمه (الباري) لم يأت إلا في آيتين: الأولى جاءت في موطن تعداد بعض أسمائه في آخر سُورة (الحشر) ، والأخرى في سورة (البقرة- ي:٥٤) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُمْ فَقْتُلوا أنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) ليس يخفى أن أصل المعنى في كلمة (خالق) إنما هو التقدير، بينما أصل المعنى في كلمة (بارئ) هو البراءة من النقص في الإيجاد والتقدير، ومزيد الامتنان يظهر في البيان بقوله (بارئ) ، فإذا ما كان السياق للتذكير بمزيد الفضل إغراءً بحسن الإقبال، فإنّ البيان باسمه (البارئ) أعظم تناسبًا مع السياق. يقول "البقاعيّ":..

стр. 320

" (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) العابد للعجلِ والساكت عنه ... (ياقوم) وأكّد لعراقتهم في الجهل ِبعظيمِ ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى، فقال: (إنكم ظلمتم أنفسكم) ظلمّا تستحقون به العقوبة (باتخاذكم العجل) أي إلها من دون الله ، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئًا ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزّها بخضوعها لمولاها الذي لايذلُّ من والاه ولا يعزّ من عاداه إلى ذُلّها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم ... (فتوبوا إلى بارئكم) الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال "الحرَالّيّ": "البارئ اسم قائم بمعنى البرء، وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفًّا وقميصًا، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزًا وفخارًا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته. انتهى " ... (فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم. وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان.." (١) في استحضار معنى (بارئ) ما يهزّ النفس الساعية إلى تدنيس ما فطره الله بريئًا من دنس الشرك به، وهذا ضرب من الإفساد، وليس أعظم إفسادًا ممن يفسد نفسه المفطورة على التوحيد البريئة من الشرك، فإنّ مثل هذا لايؤتمن على غيره، فمن خان نفسه التي بين جنبيه ولم يحفظها فإنّ خيانته غيره أشذُ وأنكلى. وفي هذا تنفير لهذه الأمة المحمَّدية من أن تسلك مسالك الخائنين أنفسهم المدنسينها بالشرك
следующие страницы →