← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفي إسكان الظاء معنى إباحة أن يكون الإنظار على قدر الإعسار دون فضل، وإلاحة إلى أنه ليس بالعسير تحقيقه على صاحب المال، فهي قراءة ناظرة لحال صاحب المال من وجهين، وجه هو من حقه ووجه فيه نفع له بالتربية والإغراء والتحريض على ألا يستثقل الإنظار فإنَّه خفيف وإنْ طال أمده. فأهل الهمم العالية يلمحون في إسكان الظاء إغراء لهم بالتحمّل وتصويرا لهم أنَّ ذلك غير عسير عليهم بل هو في حقيقته خفيف بما كان من تخفيف صوت وسط الكلمة. (ذلك خير وأحسن تأويلا) (النساء:٥٩) وأهل الهمة الدانية ينظرون إلى أنَّ في الإسكان إشارة إلى حقهم في ألاَّ يكونَ الإنظار بالغا تمام كمال زوال الإعسار. كلٌّ يقرأ في وجه الأداء ما يليق به (واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما انْزِلَ إليْكُم من رَّبِّكُم) (الزمر:٥٥) وفي الكلمة قراءة أخرى: قرأ عطاء بن أبي رباح (فناظرُهُ) بالألف: اسم فاعل، والهاء ضمير مضاف إلى اسم الفاعل أيْ فمن أنظر المدين فهو إلى ميسرة. في هذه القراءة إشارة إلى البشرى بأنَّ من يُنظر المَدين المُعْسر فإنَّ حاله وأمره كلَّه بسبب من لإنظاره له يكون إلى ميسره. ففي هذا مجاوبة لما جاء به بيان النبوة: " ... ومن فرَّج عن مُسلمٍ فرَّج الله عَنْه كُرْبَةً مِنْ كُرُباتِ يومِ القِيامةِ " (متفق عليه: البخاري: المظالم،ومسلم البر) وقراءة رابعة فيها: قرأ عطاء أيضًا (فناظرْه) بإسكان الراء على أنه فعل أمر علىمعنى فياسِرْهُ وسامِحْهُ إلى وقت الإنظار، فهو من المناظرة أي المسامحة والمداناة، وليس من المناظرة بمعنى المحاجة والمجادلة..

стр. 317

كذلك يتبن لك أن في الآية وجوها من الأداء وأنَّ في هذه الوجوه تناسبا مع السياق فإنَّ الآية معقودة لدعوة المسلم إلى أن يكون في عون أخيه وألا يكونَ إقراضُه له من وراء الانتفاع بما يأخذه منه بل الانتفاع بما يكتسبه من ثواب الله ثمَّ بما يحققه للأمَّة من الشعور بالتآلف والتناصر،وهذا إذا شاع في أمَّة طهَّرها من كثير من الأدواء التى تنهك قواها وتهتك قوامها وتردي في مذلذة الفُرْقة والتناحُرش والتغافثلِ والتشاغُلِ عن الاعتناء بأحوال الإخوان،وذلك هو الدَّاء التى تؤتى منه الأُمَّة. ***** إنَّ كلَّ عُنصرٍ من عناصر البيان ولا سيَّما البيانُ القرآنيُّ لذو أثر بليغ مجيد في بناء المعنى وتصويره وتحبيره، قد تخفى علينا نحن ملامح ذلك الأثر، ولكن هذا لايصح أن يكون مدعاة إلى نفي وجوده، ولو أنَّ المرءَ نفى كل ما لايرى لكان الأمر جدَّ خطيرٍ، إنَّ من رأس الإيمان في الإسلام الإيمان بالغيب، فوجب أن يقف المرء عند ما يعلم غير ناف وجود ما لايعلم. *** الوقوف على ماجاء في هذه الآيات من قراءات هو من باب العلم النافع، والدراسة العربية تحتفى بمثل هذا، فكثرة القراءات في الآية فيه من فيوض المعانى مايعين العباد على أن يقوموا في رياض الطاعة، وأن تفتح أمامهم سبل القرب من خالقهم وليس كمثل التيسير المحكم بأصول العلم على العباد كَيْمَا لاتنفر نفس عن رحاب الطاعة المَعْلم الثَّاني عشر. تبِيْان مدلول ودلالة الكلمة القرآنية:مادة وصيغة "البقاعيّ" ذو عناية بالغة بتبيان مدلول مادة الكلمة القرآنية وصيغتها في بناء جملتها وبما يكشف تناسبها مع سياقها والمقصود من السورة وعلاقتها بأخواتها في بناء الجملة الذي يشكل عنده (النظم التركيبي) في السورة والذي يجعله لبنة في بناء (النظم الترتيبي) فيها..

стр. 318

ويُعنى بما يَعْتَري الكلمة القرآنية من التحوُّل الدَِّلالىّ من موروثها الاشتقاقي والتركيبي إلى ما تكتسبه من السياق الذي تقوم على لاحبه في السورة،وهذا المعلم من معالم منهاجه في تأويل بلاغة القرآن الكريم معلم وسيع لا يحيط به بحثٌ مُفرد من وفير ما جاء عنه فيه. مادة الكلمة هي الحروف الأصلية التى تتكون منها الكلمة وتشترك فيها مع أقرانها وشقائقها، وهذه الحروف الأصلية تحمل في نفسها وفي طريقة ترتيبها ما تدلّ به على معنى من المعانى، ولعلماء العربية عناية بالغة بهذا، والنظريات اللغوية في هذا المجال متسعة عميقة ذاتُ دقائقَ ولطائفَ، وقد كان لـ"ابن جنىّ" و"ابن فارس" وآخرين فضل لايتوارى في هذا المجال. والمراد بمدلول المادة ما ترثه الكلمة من أصولها التى كونتها، تحملُ هذا الميراث معها في مواقعها مازجة بعض المدلولات التى تكتسبها من روافد أخرى بها كمدلولات صورتها أومدلولات أدائها. والكلمة في بيان العربية كالفرد في عالم الإنسان يحمل من أصول نسبه وجرثومته فيضًا من السمات والخصائص التي لايتخلى عنها ما بقيت الحياة في قيده أو بقيي هو في قيدها، ثُمّ تتنوع أفاعيله وما يمنح وما يمنع، وما يظهر وما يبطن وفقًا لما يرمي إليه ويؤم، وما يقوم فيه أويقام، فهو بليغ في فعله نازل على مقتضى أحواله وسياقات وجوده على تنوعها وتعددها كمثله الكلمة في بيان العربية بليغة بما تنزل عليه من مقتضيات الأحوال على تنوعها وتعددها، والسياقات على امتدادها وبعدها وقربها إنّ عالم البيان في لسان العربية من عالم الإنسان في الجزيرة العربية يوم أن كانت عربية ورحم الله زمانًا كان شربُه العزّة وطعامُه المنعة والنجدة لكلّ مستصرخ، ولباسه المجدُ المؤثلُ المصُونُ المُعَلّى ***..

стр. 319

منهج البقاعيّ قائم على استبصار معالم تناسب القرآن الكريم في كلماته وجمله وآياته ومعاقده وسوره، وهذا التناسب أساسه تحقق معنى جامع للمتناسبات، واستبصار هذا المعنى هوالمفتاح الذي يحقق للبقاعيّ ما يصبو إليه , ذلك ما يبدو لمن يتابع التبصر في صنيعه. وليس من شك في أنَّه لن يكون بمَُِلكى أن أُحيط بنَزيرٍ مما عُنِىَ به "البقاعيّ" في شأن تناسب مادة الكلمة مع السياق مدلولا ودلالة، غير أنِّى مجتهد في أنْ أقفَ عند ما يرسم منهجه ويكشف معالم حركته وما انتهى إليه في هذا. - - - لله السماء الحسنى، ولكل اسمٍ منها مدلوله ودلالته، ولكلّ منها موقعه الذي هو به أخصّ، وفقه البيان باسم من أسمائه الحسنى ومناسبة اصطفائه في سياقه من الفقه العَلِىّ، وكانت للبقاعيّ عناية بذلك. من أسمائه الحسنى التي لم يتكرر ذكره في القرآن الكريم (البارئ) وقد يظن أنّه مرادف لاسمه (الخالق) أو (الفاطر) الذي تكرر ذكركُلٍّ في القرآن الكريم، بينا اسمه (الباري) لم يأت إلا في آيتين: الأولى جاءت في موطن تعداد بعض أسمائه في آخر سُورة (الحشر) ، والأخرى في سورة (البقرة- ي:٥٤) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُمْ فَقْتُلوا أنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) ليس يخفى أن أصل المعنى في كلمة (خالق) إنما هو التقدير، بينما أصل المعنى في كلمة (بارئ) هو البراءة من النقص في الإيجاد والتقدير، ومزيد الامتنان يظهر في البيان بقوله (بارئ) ، فإذا ما كان السياق للتذكير بمزيد الفضل إغراءً بحسن الإقبال، فإنّ البيان باسمه (البارئ) أعظم تناسبًا مع السياق. يقول "البقاعيّ":..

стр. 320

" (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) العابد للعجلِ والساكت عنه ... (ياقوم) وأكّد لعراقتهم في الجهل ِبعظيمِ ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى، فقال: (إنكم ظلمتم أنفسكم) ظلمّا تستحقون به العقوبة (باتخاذكم العجل) أي إلها من دون الله ، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئًا ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزّها بخضوعها لمولاها الذي لايذلُّ من والاه ولا يعزّ من عاداه إلى ذُلّها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم ... (فتوبوا إلى بارئكم) الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال "الحرَالّيّ": "البارئ اسم قائم بمعنى البرء، وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفًّا وقميصًا، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزًا وفخارًا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته. انتهى " ... (فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم. وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان.." (١) في استحضار معنى (بارئ) ما يهزّ النفس الساعية إلى تدنيس ما فطره الله بريئًا من دنس الشرك به، وهذا ضرب من الإفساد، وليس أعظم إفسادًا ممن يفسد نفسه المفطورة على التوحيد البريئة من الشرك، فإنّ مثل هذا لايؤتمن على غيره، فمن خان نفسه التي بين جنبيه ولم يحفظها فإنّ خيانته غيره أشذُ وأنكلى. وفي هذا تنفير لهذه الأمة المحمَّدية من أن تسلك مسالك الخائنين أنفسهم المدنسينها بالشرك

стр. 321

ورأسُ أولئك اليهود عليهم من الله ما يستحقون من اللعن والهوان والنكال في الدارين. (١) إنَّ فقه مواقع الأسماء الحسني في البيان القرآنيّ من أعظم الفقه، فموقع الاسم فيه كاشف عن لطيف معانيه، وتدبُّر سياقه وموقعه ومناظرته بما قاربه في أصل معناه وسياق مواقعه مفتاح من مفاتيح فهم معاني الأسماء الحسني ذلك الفهم الذي أرى أنّه وجه من وجوه الإحصاء الذي حثَّ النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عليه (إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنّة) (البخارى: التوحيد- فتح:١٣- ٣٣٢)

стр. 322

ولو أنّأ عمدنا إلى تدبر وتأويل أسماء الله الحسنى في الذكر الحكيم: موقعا ومدلولا ودلالة لكان لنا في ذلك من المعانى ما يفتقر كثير من أهل العلم استبصاره ووعيه، ولعلَّ الله يسدد ويعين على شيءٍ من ذلك. ومن هذا أيضًا أسماء القرآن الكريم، فقد جاء البيان باسم (الكتاب) والقرآن) و (الفرقان) ..إلخ ولكلّ موقعٌ ومدلولٌ ودلالةٌ، وقد كان للبقاعيّ تبعًا للحرالّي تأمّل لمدلولات تلك الأسماء ودلالاتها ومنازلها في سياق البيان وذلك مما يحمد النظر فيه في مواطنه من تفسيره. *** ومما أفتقر إلى النظر فيه هنا تربية نفسٍ أمَّارة بغير ما ينفع قوله تعالى في سورة (الهمزة:١- ٤) : ﴿وَيْلٌُ لِكُلِّ هُمَزةٍ لُمَزةٍ * الّذِي جمعَ مَالاُ وَعَدَّدهُ * يَحْسَبُ أنَّ مَالَهُ أخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمة﴾ اصطفى البيان القرآنيّ الحكيم فعل النبذ:" ليُنْبَذَنَّ" واصطفى للنار اسمًا لم يأت إلا في هذه السورة من أنّ السياق هنا من بعد ما جاء في سورة (والعصر) سياق تثقيف النفس الأمارة بعظيم الترهيب من تلك الأفاعيل المحطِّمة بنيان الأمة والراغبة عمَّا به نجاتها من الخسر بحسن الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فيكشف " البقاعي" عما بين مدلول مادة هذا الفعل وهذا الاسم وسياقهما من تناسبٍ قائلا: " ... (لينْبذنّ) : أيْ ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هينٌ جدًا على كلِ طارحٍ، كما دلَّ عليْه التعبيرُ بالنبذ، وبالبناء للمفعول (في الحطمة) أي الطبقة من النار التى من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة وعنف كلَّ ما طرحَ فيها، فيكون أخسرَ الخاسرين وعبَّر بها في مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق. قال الأستاذ "أبو الحسن الحرالّيّ ":..

стр. 323

" فلمعنى ما يختص بالحكم يسمى تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم، فيما يكون مواجهة، ومن نحو " الحطمة" فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد بعدد، ونحوذلك في سائر أسمائها. " وعظَّم شأنها بقوله: (وما أدراك " ... "ما الحطمة" ... "نار الله" ... " الموقدة) ولما وصف الهامز اللامز وصف الحاطم، فقال (التي) ولمَّا كان لايطلع على أحوال الشيء إلا من قِبَلِهِ علمًا قال (تطلع) اطلاعًا شديدًا (على الأفئدة) جمع فؤاد: وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه، فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه، وتشتمل عليه اشتمالا بليغًا سُمي بذلك لشدة توقده. وخصّ بالذكر؛ لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألمًا بأدنى شيءٍ من الأذى ولأنه منشأُ العقائدِ الفاسدةِ وَمَعْدِنُ حب المال الذي هو منشأُ الفساد والضلال، وعنه تصدرالأفعال القبيحة " (١) يلمح " البقاعي" تناسبًا عليًّا بين مدلول مادة الفعل" نبذ"والجرائم التىاقترفها أولئك الهمّاَزون اللمازون المستهترون في جمع المال، فكان عقابهم هوانًا عظيمًا وكراهية بالغة تتعادل مع ما كان منهم وإذا ما نظرنا في المواضع التى أتت فيها مفردات هذه المادة في القرآن الكريم رأينا الغالب عليها ذلك المعنى مما يؤكد أنها تصطفى لإبرازه في السياق الذي ترد فيه: (البقرة: ١٠٠، ١٠١، آل عمران: ١٨٧، الأنفال: ٥٨، القصص: ٤٠، الذاريات: ٤٠، القلم: ٤٩) وكذلك البيان عن النار باسم الحطمة الجاهر بمدلول التحطيم والتكسيرفي عنف فيه تناسب علِيٌّ مع السياق الذي جاءت فيه الآية

стр. 324

وهي من فرائد القرآن الكريم التى لم تتكرر فيه (١) وإذا ما نظرنا في مدلول مفردات هذ المادة في القرآن الكريم رأينا الغالب عليها أيضًا ذلك المعنى مما يؤكد أنها تصطفى لإبرازه في السياق الذي ترد فيه (النمل:١٨، الزمر:٢١، الواقعة: ٦٥، الحديد: ٢٠) وكانت إشارة" الحرالي" التى نقلها عنه" البقاعي" في شأن أسماء " النار" ومواقع البيان بكلِّ اسمٍ في القرآن الكريم إشارةً ماجدةً حاملةً كثيرًا من لطيف المعانى، وهذا يلفت نظرنا إلى أهمية الوقوف عند البيان بأسماء الجزاء على الطاعات والمعاصي وعلاقة ذلك بكل ما يقابله من كسب العباد إن خيرًا وإن شرًا، وفي هذا بيان من الله لعباده أن جزاءهم من جنس أعمالهم، فعلى العبد أن يتخير الجزاء الذي يريد. وهذا يبرز عظيم مسئولية العبد على ما كسبت يداه. ويضاف إلى الذي مضى من تناسب مدلول المادة للسياق ما أحدثه ذلك الاصطفاء من تناسب نغميّ بين: " همزة، لمزة، حطمة " وهذا التناغم ذو فاعلية في إبراز المعانى وتصويرها والبقاعي كما رأيت ذو قدرة على إدراك منزلة اصطفاءالكلمات لمدلول مادتها المستحضر في قلب المتلقي الواقع الذي يثقف القرآن الكريم بإيقاعه في القلوب النفس الإنسانية، فتنفر من تلك الأفاعيل البغيضة فرار من ذلك الجزاء المهين، ولتعلم أن كل متكبر جبار سيلقى في الآخرة من الهوان ما يضارع تكبره وتجبره.

стр. 325

ولو أننا وضعنا كلمة " يُطْرَحَنَّ " موضع " ينبذن" في غير القرآن الكريم وكلمة " النار" موضع " الحطمة" لنبا بذلك السياق، ولافتقر البيان إلى كثير مما يؤدي ما هو مسوق إليه. *** يصطفي القرآن الكريم كلمة في سياقٍ يُصوِّرُ بها ما يَضْطّرم في خبايا قوم يحكي عنهم مقالهم، فتكون الكلمة بما تصوره في سياقها الفاضحة لهم، يقول الله حاكيا مقال المنافقين في سورة " الأحزاب": ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ (الأحزاب:١٣) لم تأت كلمة (يثرب) في غير هذه الاية وجاء ت كلمة" تثريب" وهي من مادتها في سورة (يوسف:٩٢) ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يقول " البقاعي": " عدلُوا عن الاسم - الذي وسمها به النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا من المدينة وطيبة مع حسنه - إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديمًا مع احتمال قبحه باشتقاقه من " الثرب" الذي هو اللوم والتعنيف، إظهارًا للعدول عن الإسلام ٠ قال في " الجمع بين العباب والمحكم": " ثرب عليه ثربًا وأثرابًا، بمعنى ثرب تثريبًا إذا لامه وعيره بذنبه وذكَّره به " (١) فهذه الكلمة تحمل بمدول ماتها (ث - ر - ب) معنى التَّأنيبِ والتَّعيير بمعابة ما يومئُ إليه أولئك المنافقون من تعنيف القائمين لنصرة الإسلام ورسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

стр. 326

وفي هذا العدول منهم عن الكلمة التى اصطفاها النبي ﷺ إلى تلك الكلمة البغيضة إيماء إلى دعوتهم إلى العدول عما دعا إليه ﷺ إلى ما كان عليه أجدادهم، وهذا يصوِّرُ ما يَعْتلِجُ في صدورهم من النفاق، وقد صدق الله : ﴿.... فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٠) فهذه الكلمة في سياق تثبيط المنافقين لعزائم المسلمين بالغة الأنس بمقامها، فهي الكلمة التى هي أخصُّ بذلك المعنى وأتمُّ له وأكشفُ عنه، وهي الفاضحة ما يجتهد المنافقون في كفره وستره وفي ملاحظة "البقاعي" تلك الإشارة القرآنية نقضٌ ما يعيب به بعض المحدثين تراثنا أنَّ أصحابه في فقههم البيانيّ لايلاحظون مطابقة البيان الأحوال الداخلية التى تمر بها نفوس المتكلمين،، فيلتقطون الأسرار النفسية من بين ثنايا الأسرار اللغوية. *** ويلمح " البقاعيُّ" في اصطفاء كلمة أخرى ما يكشف عن حقيقة عقول المنافقين في سياق السورة نفسها في قول الله ﷻ : ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلآّ قَلِيلاً) (الأحزاب:٢٠) جاء البيان بالفعل (يحسب) دون غيره من نحو " يظن " لما بين الفعلين من فرق دلالي، ولما بين مدلول الفعل (يحسب) وسياقه هنا من تناسب جدِّ بديع، وهو في هذا يقول:..

стр. 327

" أخبر تحقيقًا لقوله الماضي في جُبْنِهم [الآية السابقة] أنَّ المانع الذي ذكره لم يزلْ من عندهم لفرط جبنهم، فقال تحقيقًا لذلك وجوابا لمن رُبَّما قال: قد ذهب الخوفُ فما لَهم ماسلَقُوا؟ (يحسبون) أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوفُ لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف (الأحزاب) وقد علمتم أنهم ذهبوا (لم يذهبوا) بل غابوا خداعًا. وعبّر بالحسبان؛ لأنَّه - كما مضى عن" الحرالّي" في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له. والظن فيما هو من المعلوم الماخوذ بالدليل والعلم. قال: فكان ضعف علم العالم ظن، وضعف عقل العاقل حسبان" (١) إذا ما رجعنا لمواقع بيان القرآن الكريم بما جاء من مادة " حسب" و" ظن " ألفيناه مقيما كلمات " حسب" في سياق المذمَّة أو النهي عن قبيح أو إنكار وتوبيخ، أو مايدل على أنَّ ما وقع خطأ أو ضلال إشارة إلى حقيقة مدلول كلمات هذه المادة التى كشف عنها "البقاعيّ " تأثرًا بـ" الحرالّيّ " أمَّا الفعل (ظنّ) فإنَّه في البيان القرآنيِّ قد يأتى في سياق الدلالة على أن ما وقع حق وصواب، وقد يقام مقام اليقين ... - - - ويقف أمام البيان بكلمة " مؤتفكات" في قول الله : ﴿أَلَمْ يَأتِهِمْ نَبَأُ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ﴿التوبة: ٧٠﴾

стр. 328

ويقول كاشفًا عن معالم التناسب البديع بين البيان بكلمة" المؤتفكات" وطبيعة فعل الكافرين من أمّة سيدنا " لوط "﵇ الذي كان مدلول كلمة " مؤتفكات" جزاء وفاقًا لفعلتهم النكراء، وطبيعة المنافقين الذين سياق الكلام لهم، فالآيات متتابعة من الآية الثانية والأربعين إلى آخر السورة للحديث عن المنافقين يقول " البقاعيّ ": ﴿ولما قرر بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل وختمها بهذا الختام المؤذن بالانتقام، أتبع ذلك بتخويفهم من مشابتهم فيما حلّ بالطوائف منهم، ملتفتًا إلى مقام الغيبة؛ لأنَّه أوقع في الهيبة، فقال مقررًا لخسارتهم: (ألم يأتهم) أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق (نبأ الذين من قبلهم) أي خبرهم العظيم الذي هو جديرٌ بالبحث عنه؛ ليعمل بما يقتضيه حين عصَوا رسلَنا، ثُمّ أبدل منه قوله (قَوْمِ نُوحٍ ... وَعَادٍ ... وَثَمُودَ ... وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ ... وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ) ... (والمؤتفكات) أي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم في اتباع لذائذ أغراضهم، فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم....... وعبر عنهم بـ" المؤتفكات"؛لأنَّ القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب، وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها، فالمعنى أنَّ أولئك لمَّا قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم، فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه. ومادة " إفك" بكل ترتيب تدور على القلب، فإذا كافأت الرجلَ، فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفتته عنك، وأكاف الدابة شبه بالإناء الملوب، والكذب صرف الكلام عن وجهه، فهو إفك لذلك، والله أعلم " (١)

стр. 329

يبصر " البقاعيّ"الوشائج بين الموروث الدلالى لكلمة" مؤتفكات" وطبيعة السياق الخاصِّ والعامِّ للسورة، وأشار إلى خصوصية هذه الكلمة في دلالتها على حقيقة حال المنافقين الذين السياق لهم، وهي أيضًا تلقى في قلب المتلقي إدراكًا لما يبلغه النفاق من مقابح تنفر منها النفس السوية، فإذا ما كانت الفطرة نافرة من فعلة الكافرين من أمة سيدنا لوط ﵊ فإنَّ النِّفاق من باب هذه الفعلة، فالفطرة السوية والقلب المُعَافَى أشد نِفَارًا. *** وإذا ما كان البيان القرآنيّ الكريم قائمًا على (التصريف البياني) فإنّ هذا التصريف يتضمن ما يعرف بمشتبه النظم وقد سبقت الإشارة إلي شيء منه وقد يتضمن اصريفًا في اختيار الكلمة من حيث مادتها في سياق،ويختار أخرى في سياق آخر، فلا يكون من مشتبه النظم لأنه ليس التصريف راجعا إلى نظم الكلمة بل إلى اختيارها هي من حيث مادتها أو صيغتها. من ذلك ما تراه في قول الله تعالى في سورة"البقرة (ي:٦٠) : ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة:٦٠) وفي سورة "الأعراف ") (ي:١٦٠) ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ..

стр. 330

جاء البيان كما ترى في سورة البقرة بقوله (انفجرت) وفي سورة الأعراف (انبجست) وغير خفيّ أنهما ليسا سواء في مدلولهما، فالانفجار أعظم من الانبجاس فما أثر السياق في اصطفاء كلّ كلمة في سياقها؟ يقول "البقاعي": " وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج من المحيط: هذا خروج يحيي، وذاك خروج يميت. قال " الحرالّيّ ": الانفجار انبعاث وحي من شيءٍ مُوعَى أو كأنّه موعَى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه "انتهى ولأنّ هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاثٌ مع انتشارٍ واتساعٍ وكثرةٍ. ولمَّا لم يكُنْ سياق "الأعراف" للامتنان عبّر بالانبجاس الذي يدورمعناه على مجرد الظهور والنبوع" (١) فالسياق هو الذي اقتضى اصطفاء الانفجار في سورة "البقرة" وهو الذي اقتضى اصطفاء الانبجاس في سورة" الاعراف" وأنت إذا نظرت في دائرة السياق القريبة في سورة "البقرة" تجده قد بدأ من الآية الأربعين: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ بالامتنان على بني إسرائيل بذكر ما أفاض عليهم من النعم غير انّه لم يكن منهم إلا تماديا في الضلالة تنفيرًا للأمَة المحمدية من ان تقتدي بمنهاجهم وشرعتهم أمَّا السياق القريب في سورة "الأعراف" فإنّه ظاهر في تصوير إسراع بني إسرائيل في الضلالة، تراه يبدأ بقوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَملئهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (لأعراف:١٠٣) فكان الأليق الأنسب بسياق آية سورة "البقرة" اصطفاء الكلمة الأدلّ على قوة الحدث (انفجرت) بخلاف سياق آية سورة "الأعراف" ***

стр. 331

ونقف معه في تأويل قول الله في سورة الكهف (ي:٧٧) ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ وقوله فيها (ي:٨٢) ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ . في الأولى قال (القرية) وفي الأخرى قال (المدينة) والمراد بهما بقعة واحدة، وليس من شك في أن من وراء اصطفاء القرية أولا مقتضِيًا غيرالمقتضِي الذي اصطفى كلمة (المدينة) في الأخرى يلقى البقاعي بصيرته إلى السياق والغرض المنصوب له الكلام، وإلى مدول مادة كل كلمة من هاتين الكلمتين يقول في الأولى (ي:٧٧) : " عبر عنها ـ هنا ـ بالقرية دون المدينة؛ لأنَّه أدلُّ على الذَّمِّ؛ لأنَّ مادة " قرأ" تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك ... ثُمّ وصفها ليبين أنَّ لها مدخلا في لؤم أهلها بقوله تعالى "استطعما" وأظهر، ولم يضمر في قوله" أهلها" لأنَّ الاستطعام لبعض من أتوه، أو كلِّ من ألإتيان والاستطعام لبعضٍ، ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر؛ لأنَّهُ هو الموافق للعادة " (١) ثُمَّ يقول في الآية ألأُخرى (ي:٨٢) :

стр. 332

" ولمَّا كانت القرية لاتنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية أولاً أليقَ؛ لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذِّمِّ في ترك الضيافة؛ لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع، وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة بمعنى الإقامة، فكان التعبير بها أليق؛ للإشارة إلى أنَّ الناس يقيمون فيها، فيتهدم الجدار، وهم مقيمون، فيأخذون الكنز" (١) عمد"البقاعي"إلى النظر في ما تقوم عليه مادة كلٍّ من كلمتى: " القرية" و" المدينة" وما يراد من آية كلٍ، فأبصر تناسبًا بين مادة كلٍّ وسياقها ومقصودها: كلمة" قرية" تقوم على معنى الجمع، فالقاف والراء وما يثلثهما فيه معنى الجمع، وهذا ما يستحضر في قلب المتلقى معنى اجتماع أهلها، والآية جاءت في سياق إبراز أن أهل تلك البقعة متصفون بمذمة البخل والإعراض عن إكرام الضيفان، وأنهم مجمعون على مثل هذا، وهذا من أبلغ البخل؛ لأنَّ من يبخل والقوم في جمع كان بخله منفردًا أعظم، وفيه مذمَّة وهي أنّه ليس فيهم من ينهاهم عن تلك المذمَّة، وكأنَّها أضحت فيهم معروفًا غير مستنكر، وهذا من إحالة المنكر معروفًا، وإذا ما بلغت أمة ذلك، فهي الخواء من كلِّ فضل. في اصطفاء هذه المادة تناسبٌ مع سياق الإبلاغ في ذمهم ويؤازر هذا البيان بقوله: " اسْتَطْعمَا أهلَها " وقوله" فأبوا أن يضيفوهما " وكلمة" المدينة" تبرز معنى آخر هو أليق بالتعليل لإقامة الجدار: تدور أصول هذه الكلمة على معنى الإقامة، والآية جاءت في سياق بيان وجه ما فعل، وأنَّ العبد الصالح لو لم يقم الجدارلتهدم وساعد في إسراع تهدمه إقامة أولئك من حوله، فيكون عرْضَة انتهابه، فمعنى " الإقامة" الذي هو مركزمدلول مادة"مدن"هوالمتناسب مع وجه إقامة ذلك الجدار.

стр. 333

وكل ذلك يبرز وجهًا من المعنى العام للقصة، وأنَّ من وراء هذا العلم المكتسب علمًا أنفذ في باطن الحقائق، وأنَّ على كلِّ ذي علم أنْ يعلمَ أنَّ من فوق علمِه وإنْ تعاظم وتكاثر علمًا أسمى وأعظم وهذا يتناسب مع المعنى العام لسورة " الكهف " وما استفتحت به من الحمد على نعمة العلم الذي به قوام البقاء النافع والقويم في هذه الحياة. *** ومماعنى البقاعيّ بالنظر في تأويله وتدبر مناسبته لسياقه والمقصود من البيان الكلمات (سنة) و (عام) وحجة) و (حول) فهي كلمات يحسَلبُ أنها سواء في مدلولها، وقد جاءت من البيان القرآني في سياقات ومقاصد متنوعة جاءت كلمة (سنة) سبع مرات مفردة، وإحدى عشرة مرة مجموعة (سنين) : (البقرة:٩٦- المائدة: ٢٦ - يونس: ٥ – يوسف: ٤٢ , ٤٧ – الإسراء: ١٢ – الكهف: ١١ , ٢٥ – طه: ٤٠ – الحج: ٤٧ – المؤمنون: ١١٢ - الشعراء: ١٨ , ٢٠٥ – العنكبوت: ١٤ – الروم:٤ - السجدة: ٥ – الأحقاف: ١٥ –المعارج: ٤ وجات كلمة (عام) تسع مرات (البقرة:٢٥٩-٢٥٩-التوبة:٢٨ -٣٧-٣٧-١٢٦ يوسف:٤٩ العنكبوت:١٤ لقمان:١٤) وكلمة (الحول) جاءت في آيتين من سورة البقرة:ي:٢٣٣،٢٤٠) وكلمة (حجة) جاءت في آية القصص (ي:٢٧) والغالب عند أهل البيان أنَّ كلمة "سنة " أكثر ما تستعمل في الحول الذي فيه جدب وشدة، والعام بما فيه الرخاء والخصب، يقال أسنت القوم أصابهم الجدب، كما يقول الراغب في " المفردات " والبقاعيّ يشير في بعض المواضع إلى تلك الفروق من ذلك ما تراه عند تأويله قول الله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:٩٦)

стр. 334

يقول: "....والسنة: أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي. وهذا المعنى وإن كان موجودًا في الحول والعام والحجة غير أنّ مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة، فبلاغة القرآن الكريم لاتطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ. فهذا السياق لمَّا كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أيّ حالة كانت علماً منهم بأنَّها ولو كانت أسوأ الأحوال خيرٌ لهم مما بعد الموت لتحقُّقِ شقائهم عبّر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان، أو ما منه الدَّوران الذي فيه كدّ وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر. قال السهيلي في "الروض": وقد تسمى السنة دارًا في الخبر: إنّ بين آدم ﵇ ونوح ﵇ ألف دار أي سنة ثُمّ قال: فتأملْ هذا فإنّ العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجازالقرآن، والله المستعان)) (١) وفي قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:١٤) ينظر وجه البيان أولاً بالسنة وآخرًا بالعام، فيقول: " ... عبّر بلفظ " سنة" ذمًا لأيام الكفر، وقال " إلا خمسين ... عامًا" إشارة إلى أنَّ زمان حياته ﵇ بعد غرقهم كان رغدًا واسعًا حسنا بإيمان المؤمنين وخصب الأرض" (٢) فأيام المجاهدة أيام معاناة من جهته فالأنسب بها كلمة (سنة) وأيام مذمة من جهة فِعَالِهِم: الكفرَ، فكذلك يناسبها كلمة "سنة"، بما تحمله من أصل مادتها الذي بينتُه من قبل أمَّا مَا كان من بعد الطُّوفان بإغراق الكافرين ونجاة المؤمنين فهي أيام سعةٍ معنوية بالإيمان وسعةٍ حسيّة بخصب الأرض وكثرة النعم

стр. 335

وكأنّ البقاعيّ يذهبُ إلى أنّ الخمسين عامًا هي التي بقيها "نوح" ﵇ من بعد الطوفان. *** وجاء البيان بكلمة " حول" في قول الله ﷻ : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:٢٣٣) كلمة (حول) فيها معنى الانفصال والتَّغيِّير من نعت إلى نعت آخر، ومن هنا سميت الصِّفة المتغيرة حالا أي لايبقى على ما هو عليه بل يحول ويتغيَّير، والبقاعي يتدبَر معنى التحول في هذه الاية قائلا: " ولمَّا ذكر الرضاع ذكر مدَّته، ولمّا كان المقصود مجرَّد تحوّل الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثنى عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة، وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيقٍ ولا سعة عبّر بما يدلّ على مطلق التحوّل فقال (حولين) ... وكأنّه مأخوذ مما له قوة التّحوّل " (١)

стр. 336

يعمد البقاعيّ إلى تبيانِ المقصودِ أوَّلاً بالآية وما ليس بالمقصود منها ثانيا، فيتبين له أنَّ القصد إلى معنى التَّحوُّلِ والتَّغيُّير الذي يطرأُ على الوليدِ بسبب الرضاعة، وهذان العامان هما من أكثر الأعوام التي يظهر فيها على الوليد تغير حاله في جميع مجالاتها الحسية والمعنوية، ولو أنك نظرت حاله عند ميلاده وحاله عند تمام فطامه لرأيت تحولا وتغيرًا لايتأتى لك أن ترى مثله في أي حولين يمران على الوليد من بعد، فهذه المدة هي أحق مدد عمره بمعنى التحول وزيادة على هذا لا يراد الإشارة إلى نعت متعلق بالزمان الذي يقع فيه الإرضاع من سعة نعمة أوضيقها حتى لايفهم أن الحكم متعلق بتلك الصفة من سعة أو ضيق وهذا من كمال حماية المستمع للبيان القرآني أن يفهم من البيان غير ما يراد منه، ومثل هذا عند فقهاء البيان من أصول البلاغة: ألا يؤتى السامع من سوء سوء إفهام الناطق (١) *** وجاء البيان بكلمة (حول) في السورة نفسها (ي:٢٤٠) ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة:٢٤٠) والبقاعيّ في هذه الآية لم يذكر شيئًا من عنده، مكتفيا بالنقل عن " الحرالّيّ " مبيّنا وجهًا من حكمة جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا مستكملة بحول، وأنّ الآية ليس فيها نسخ ووجه الحكمة بجعل فاصلتها ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) *** وجاء البيان بكلمة "حجة" في آية من سورة القصص:

стр. 337

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القصص:٢٧) يبيّنُ البقاعيّ وجه التأكيد في (إنّي) ووجه البيان بكلمة (أنكحك) ووجه الإشارة بقوله: (هاتين) ، ووجه جعلها ثمانيَ حججٍ، ثُم ينظر في اصطفاء كلمة حجج دون غيرها من الكلمات المقاربة من نحو سنة أو عام أو حول فيقول: " والتعبير بما هو من الحجّ الذي هو القصد تفاؤلا بأنَّها تكون من طيبها بمتابعة أمرالله وسعة رزقه وإفاضة النعمة ودفع النقمة أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كلّ واحدة منها إلى بيت الله الحرام " (١) يستحضر "البقاعي" من مادة الكلمة (حجج) معنى القصد الذي هو الأساس القائم في تصرفاتها، وما اكتسبه هذا المعنى من الوضع الشرعي لكلمة (حج) وإغراء بأن يكون هذا مما يجتهد في القصد إليه والعناية به وأن يستعر أنَّه في هذه الثماني بمنزل الحاجِّ الرَّاغِبِ عن كلّ شأنه والراغب في ما هو حظ سيده لايشغله عنه شيءٌ من أمر نفسه أو أمرِ غير سيده، وأن تكون علاقته بالأشياء من حوله علاقة الحاج بما حوله في الحرم مسالمة لاتتناهى ويستحضر أيضًا ما صحب هذا المعنى الشرعي من مدلولات تتقاذف في النفس من التفاؤل بالنعمة التي تلازمت مع الحج من دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وما يكون من نفي الفقر والبلاء. وهو يشير إلي احتمال أن يكون في هذا اشتراطٌ بحمله إلى الحج كلّ عام من هذه الثماني كذلك يتبين لك منهاج "البقاعي" في استشعار مدلولات الكلمة المكتسبة من ملابستها مضافة إلى ما هو منسول من جذرها الاشتقاقيّ وأصلها اللغوي الذي نبتت منه. ***

стр. 338

وينظر البقاعي أيضًا في مناسبة اصطفاء كلمة" إبليس" لسياقها وكلمة" الشيطان" لسياقها وكلٌ منهما مراد به شيءٌ واحد. في سورة: " البقرة" جاء البيان بكلمة " إبليس" في سياق الامتناع عن السجود (ي:٣٤) وفي" الأعراف" (ي:١١) والحجر (ي:٣١) والإسراء (ي: ٦١) وطه (ي:١١٦) وفي سياق إغواء آدم وحواء جاء البيان عنه نفسه بكلمة: " الشيطان" جاء في البقرة (ي:٣٦) والأعراف" (ي:٢٠) وطه (ي:١٢٠) فهذان اسمان لذاتٍ واحدةٍ غيرَ أنَّ القرآن الكريم يصطفي كلَّ اسمٍ في سياق غير الذي يصطفي فيه الآخر وذلك لتناسب مدلول مادة كل كلمة سياق وُرودِها ينقل " البقاعي" عند قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٣٤) عن " أبي الحسن الحَرَالِّيِّ" في هذا قوله: " إبليس": "من الإبلاس، وهو انقطاعُ سبب الرجاء الذي يكون عن اليأس من حيثُ قطع ذلك السبب " (١) وينقل عنه في قول الله : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة:٣٦) قوله: ((الشيطان: هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد الذي منه سمى الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق ... فهو من المعنيين مشتق كلفظ" إنسان" و" ملائكة)) (٢) لفظ الشيطان مشتق من أصلين أي منحوت منهما وهو مُسْتَرْضٍ هذا النَّهجَ في النَّحْتِ؛ لأنَّه يرى فيه جمعًا بين مدلولين في لفظ واحد يحصل من اجتماعهما تناسب عالٍ مع السياق والقصد، فيقول:

стр. 339

((ذكر الحق الإزلال منه ـ أي عدو الله ـ باسم الشيطان لا باسمه؛ لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة التى تقبل التلافي، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم ﵇ بالتوبة)) (١) البيان بكلمة "إبليس " في سياق ترك السجود دال على ما هو آخذ بخناق عدو الله في هذا السياق من اليأس وقطع الرجاء في أن يكون من أهل التفضيل والقرب، فأوحى اصطفاء هذه الكلمة: " إبليس" في هذا السياق بالصورة الجوانية لإبليس عندما أمر بالسجود عند امتناعه مما أمكر به، وهذا يصور لنا عظيم العذاب الذي أقيم فيه عدو الله بهذا فيعين فقهُ هذا العبدَ على أن يعرفَ الدوافعَ التى تحمل عَدُوَّ الله على أنَّ يقف من أبناء آدم ﵇ موقف العداء المُسْتَعر، فلا يأمن الإنسان له ولا يطمئن إلى ما يُغريه به من فتن الحياة الدنيا. والبيان بكلمة" الشيطان" في سياق إغواء أبينا آدم ﵇ دالٌّ على ما هو منتهٍ إليه جهادُه في إغواء أهل الطاعة: إنَّ أثره لمتناه متلاشٍ في سرعة، فكل محاولة منه مع من كان متسمًا بالفقه لحاله وموقفه إنَّما مصيرُها الاحتراقُ، وكلُّ محاولةٍ من محاولات الإغراء محترقة بالتوبة النصوح إذا ما ثاب الإنسان إليها، وليس أخسر ممن يحترق جهاده العظيم في الإغواء بكلمة صادقة يقولها المرء يصوِّر بها ما يعتلج في صدره من الندم والمخافة.

стр. 340

ويمكنك أن تستثمر مقالة " الحرالِّيِّ" فترى أن كلمة " إبليس" في دلالتها على " اليأس والتحير تشير إلى أنَّ عدوَّ الله في أوَّلِ أمره عندما أمر بالسجود كان حائرًا بين قياسات عقله وموازناته بين الطين والنار، ونداءات القلب بالتسليم للأمر الإلهي بالسجود، عاش أولاً في حيرة، ثُمَّ مال إلى صوت العقل وقياسه، فجهر قائلا: " أنا خيرٌ منه"، " أأسجد لمن خلقت طينًا"، أمَّا الملائكة فقد خضعت للتسليم المطلق لمراد الله منها، ولم تقف موقف التحير الذي وقفه " إبليس"، فترتَّبَ على ما مال إليه " عدو الله" أن طرد من رحمة الله ، وأحرق بغضبه تعالى عليه، فكان شيطانًا مدحورًا محروقًا بلعنة الله (١) ولعله ممَّا يقرب هذا أنَّ القرآنَ الكريم لا يطلق كلمة" إبليس" إلا على أول الشياطين وجودا وهو المأمور بالسجود. ولو أنَّ كلمة" إبليس" استخدمت في سياق الإغواء والإغراء لكان في هذا اقناطًا عظيمًا لبنى آدم، ولكن فيض الرحمانية والرحيمية تجلى في اصطفاء كلمة " الشيطان " في هذا السياق. وهذا من لطائف المعانى الإحسانية للقرآن الكريم التى لايلتفت إليها إلا أهل الإحسان في فقه بيان القرآن الكريم. ***

стр. 341

مجمل القول هنا أنَّ الكلمة في سياقها لاتستمد مدلولها ووجه دلالته عليه من مادتها الاشتقاقية التى تولدت منها فحسب، بل هي تستمد ذلك من روافد عديدة، منها المادة، والصورة التى تكون عليها، وموقعها الذي تقع فيه، ومنهاج أدائها، بل ومذهب رسمها وكتابتها ... إلخ وهذه الروافد لايتعاند عطاؤها بل يتساند ويتفاعل، وقد يكون بعضُها أظهرَ وأكثرَ، ولكنَّه لاينفى عطاءَ الآخَرِ. ولهذا فإنّه إذا ما كان " البقاعي" قد عُنى بِمَا بَيْن مدلول مادة الكلمة وسياقها والمغزى الذي ينصب له الكلام من تناسب وتناسج، فإنَّ له عنايةً أيضًا بمدلول صيغة الكلمة وهيئتها وتناسبه مع السياق والمقصد الذي يُقام الكلام من أجله، وهو باب وسيع فسيح، من أنَّ صيغ الكلمات وهيئاتها في العربية كثيرة بل متكاثرة، واستقصاءُ ذلك ووعيُه فوق ما تطيق النفسُ، وما يتسع له المقامُ، مما يقتضي اكتفاءً ببعضٍ غير قليل في تبيان منهاج " البقاعي " في تحقيق وتحرير القول في هذا بما يكشف عن بعضٍ من معالم الإعجاز البيان للقرآن الكريم - - - يتدبر البقاعى "المضارع" فى أوّل سورة البقرة: ﴿ألم * ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فيقول: ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم، فقال: "الذين يؤمنون بالغيب" ... "ويقيمون الصلاة" ... "ومما رزقناهم..ينفقون".. والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقهم على الدوام. قال "أبو حيان" وغيره فى قوله فى سورة "الحج": ﴿إن الذين كفروا ويصدون﴾ المضارع قد لايلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار. إنتهى ...

стр. 342

وهذا مما لامحيد عنه، وإلا لم يشمل هذا فى هذه السورة "المدنية" من تخلق به قبل الهجرة، وقوله : ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: من الآية٩١) قاطع فى ذلك. " (١) المضارع فى هذه الأفعال ملحوظ فيه معنى الحصول بعد أن لم يكن، ولذلك يشمل كل من وقع منه الفعل من قبل نزول الآية المدنية، وكل من يقع أو سيقع منه حتى قيام الساعة، ولم يؤت به وصفا، (المؤمنون – المقيمون – المنفقون) لإرادة الدلالة على التجدد الذى هو من خصائص الأفعال. والسياق سياق إبانة عمن يكون القرآن الكريم نافعا لهم، وهم المتقون صراطَ الغضوب عليهم وصراطَ الضالين وهؤلاء المتقون غير مقيد وجودهم بزمان معين فهذه الأفعال واقعة فى كل زمان يكون فيه المتقون، فكان الآنس به أن يأتى المضارع ليدل على ذلك الاستمرار، ولم يأت الماضى حتى لايتوهم أنَّ هذا خاص بمن وقعت منهم تلك الأفعال، أما غيرهم فلا، أو هم من دونهم فى اتقاء صراط المغضوب عليهم وصراط الضَّالّين ومن دونهم في الهداية بالقرآن الكريم، وذلك ما لايتناسب مع القصد الذى ترمى إليه الآيات فى مستهل سورة "البقرة". *** أما المضارع فى قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة:٩١) . فقد جاء على خلاف مقتضى الظاهر، فإن مقتضى الظاهر أن يقال: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل" لأن قوله (من قبل) دال على أن القتل المستنكر وقوعه قد كان من قبل الخطاب. يتدبَّرُ البقاعىّ هذا قائلا:

стр. 343

((ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم، بقوله مثبتا الجار، لأن ذلك كان منهم فى بعض الأزمان الماضية (من قبل) . وفى صيغة "المضارع" تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة، ورمز إلى أنَّهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم، لأن التقدير: وتصرُّون على قتلهم من بعد، وفيه إيماءٌ إلى حرصهم على قتل النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا تحذيرا مهم ... )) (١) . فالبقاعى يرى فى البيان بالمضارع هنا فى صحبة القرينة الدَّالة على وقوع الحدث فى الزمن الماضى دلالة على إرادة تصوير بشاعة ماوقع من أسلافهم، وأنَّهم راضون به، غير منكرين له، وأنَّهم بهذا كمن يشارك فى إيقاعه، وأنَّهم إذا ماحانت لهم فرصة. لايتوقفون فى انتهازها، فلايمنعهم منها إلا عجزهم أوخوفهم، وكأنَّ فعلهم مع النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا لن يقِلَّ عن فعل أسلافهم مع أنبيائهم ﵈، ففعل أسلافهم كأنَّه قام بعينه وصورته ودرجته فيهم. وفى هذا البيان لحالهم للمسلمين مالايخفى على عاقل. غير أنّ المنتسبين إلى الإسلام وراثة من كبار السّاسة والمثقفين ودعاة التنوير وأبناء العهد الجديد ونشطاء السلام لايرون هذا، فهم - عند أنفسهم الأمارة بالسوء - أثقب نظرًا، وهم أحق بأن تسمع كلمتهم من كلّ ما يُستنبط بأليات فهم قديمة من بيان نزل من خمسة عشر قرنا لقوم أقاموا في كبد الصحراء!!! *** وإذا ماكان المضارع (تقتلون) فى آية "البقرة" قد جاء فى صحبة قرينة دالة على وقوع القتل فى الزمن الماضى (من قبل) فإن المضارع قد يأتى معطوفا على فعل ماض ثم يعطف عليه ماض كما فى قوله :.

стр. 344

﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (فاطر:٩) الآية جاءت في صدر سورة " فاطر" التى " مقصودها: إثبات القدرة الكاملة لله اللازم منها تمام القدرة على البعث " (١) وجاءت في سياق تأكيد الله انَّ ما وعد به من البعثِ والجزاءِ حَقٌ، لامِرْيَةَ فيهِ، ونهيهِ عنِ الوقوعِ في غُرورِ الدُّنيا والشّيطانِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (فاطر:٥) جاء الفعل (تثير) المضارع معطوفا على الفعل (أرسل) وكان مقتضى الظاهر أن يقال: الله الذى أرسل الرياح فأثارت سحابا فسقناه.، أو: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا كما في سورة (الروم) : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الروم:٤٨) لكنَّ البيان القرآنى هنا عدل عن ذلك فأوقع المضارع معطوفا على ماض (أرسل) ومعطوفا عليه ماض (سقناه) وذلك مرجعه إلى طبيعة الحدث: (الإثارة) وموقعه من القصد الذى ترمى إليه الآية (كذلك النشور) فهذا القصد غير حاضر في آية الروم (ي:٤٨) ، وإن كان فيما بعدها (ي:٥٠) يقول البقاعى مجليا وجه البيان بالمضارع:

стр. 345

" ولما أخبر أنه لابد من إيجاد ماوعد به من البعث وغيره، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذِّب، وكان السبب فى الضلال المميت للقلوب الهوى الذى يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم، فيحول بينه وبين النفوذ، وكان السبب فى السحاب المغطى السماء الأرض المحيى لميت الحبوب الهواءُ، وكان السبب الإتيان به فى وقت دون آخر دالاً على القدرة بالإختيار، قال عاطفا على جملة ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ المبنى على النظر، وهو الإخرج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به (والله) ... (الذى) ولما كان المراد الإيجاد من العدم عبر بالماضى مسنداً إليه، لأنَّه الفاعل الحقيقى، فقال: (أرسل الرياح) أى أوجدها من العدم مضطربة فيها، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لاثابته كالأرض، وأسكنها مابين الخافقين لصلاح مكان الأرض. ولما كانت أثارتها تتجدد كلَّما أراد أن يسقىَ أرضًا، قال مسندا إلى الرياح؛ لأنَّها السبب، معبرا بالمضارع حكاية للحال، لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة. وهكذا تفعل العرب فيما فيه غرابة للسامع على ذلك، وحثا له على تدبره وتصوره (فتثير) أى بتحريكه لها إذا أراد (سحابا) أى أنه أجرى سنته أن تظهر حكمته بالتدريج، ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث وكان التعبير بالمضارع يَرُدُّ التَّعَنُّتَ عبر بالمضارع. ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه لمكان دون مكان من العظمة بمكان التفت عن الغيبة، وجعله فى مظهر العظمة، فقال (فسقناه) أى السحاب، معبرا بالماضى تنبيها على أن كلَّ سوق كان بعد إثارتها فى الماضى والمستقبل منه وحده أو بواسطة من إقامة لذلك من جنده من الملائكة أو غيرهم، لا من غيره، ودلَّ على أنَّه لافرق بين البعد والقرب بحرف الغاية، فقال (إلى بلدٍ ميّتٍ) .

стр. 346

ولما كان السبب فى الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال: ﴿فأحيينا به الأرض﴾ ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذى هم به مكذبون قال رافعا للمجاز بكل تقدير وموضحا كل الإيضاح للتصوير: (بعد موتها ... كذلك ... النشور) (١) . لاحظ "البقاعِيّ" دلالة المضارع على تصوير الحدث، وإقامته بين عينى المخاطب كأنَّه يقع، فلا يحجزه عن التبصر فيه والاعتبار إلا حاجز من نفسه وجاء البيان بالمضارع فى الفعل الذى حدثه فى الكون أدلّ على وقوع البعث الذى السياق له وهو حدث الإثارة (فتثير) وهذه الإثارة مثلها إثارة الموتى من أجداثهم، فمن أثار سحابا ليحيى به أرضا ميتة قادر على إثارة الموتى من قبورهم فى تلك الأرض، فكان المضارع هنا هو القادر على تحقيق القصد، وكان هو الأنس بالسياق، ولم يمنع من إقامته فى مقامه أن سبقه ماض وتبعه ماض، فالتناسق الشكلى العقيم لايدفع عن العناية بإقامة التناسق الدلالى النبيل الكريم. ليس المهم إذن أنْ نقولَ إنَّ المضارع يصوّر الحدث ويستحضره بين ناظرىْ المخاطب، ولكنَّ الأهمَّ هو إدراك التناسق بين السياق والقصد والفعل المُصْطَفَى ليكون العدولُ فيه من الماضى إلى المضارع، فليس كل فعل من أفعال الآية بالصَّالح لأنْ يقعَ فيه ذلك العدولُ من الماضى إلى المضارع، بل المرجع فى هذا إلى طبيعة حدث هذا الفعل وعلاقته بالسياق والقصد المنصوب له الكلام.

стр. 347

ومن البيِّنِ أنَّ بعضَ البلاغِيينَ يجعلُ مثلَ هذا التَّصريف البيانِيّ القائم على العُدُولِ من"الماضي" في (أرسلَ الرياحَ) إلى"المضارع" في (فتثير سحابًا) من قبيل الالتفات الذي هو من شجاعة العربية، ولايقصرُ "الالتفات" على التصرف في أنواع " الضمير" المتحدة المرجع على ما عليه جمهور البلاغيين. وممن يعُدُّ مثلَ هذه الآية من "الالتفات" " الضياء بن الأثير" (ت:٦٣٧هـ) في " المثل السائر "، وقد فصّل القول في منهاجه في كتابي ﴿قراءة في المثل السَّائر﴾ *** ويتدبر"البقاعى" موقع "المضارع" بين اسمى فاعلين فى قول الحق ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام:٩٥) يشير إلى أن معنى (فالق الحب والنوى) فاطره وشاقه عن الزرع والنبات، وعبَّر بذلك، لأنَّ الشئ قبل وجوده كان معدوما والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة، فإذا أخرج من العدم المحض والفناء الصرف، فكانَّه بحسب التخيل والتوهم سبق ذلك العدم " (١) ففلق الحب والنوى إنَّما هو ضربٌ من الإحياء أى إخراج حى من ميت، لأنَّ فى النبات نموًّا، ومن هنا " فسر الحق معنى الفلق وبينه، إشارة إلى الإعتناء به وقتا بعد وقت، بقوله "يخرج" على سبيل التجديد والاستمرار تثبيتا لأمر البعث (الحي ... من الميت) ... ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها؛ لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن الشئ إلا مثله - أن الفاعل الطبيعة والخاصية، عطف على فالق زيادة فى البيان قوله معبرا باسم الفاعل الدال على الثبات، لأنه لا منازعه لهم فيه، فلم تدع الحاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد (وخرج الميت... من الحى) (٢)

стр. 348

المضارع فى:: (يخرج الحى) يكشف عن حقيقة قوله: (فالق) ، وفى البيان بالمضارع هنا تناسب مع السياق الخاص بالآية، وهو البعث، كما لايخفى، ومع السياق العام، والمقصود الأعظم لسورة "الأنعام" وهو الإيجاد الأول، والحمد لله عليه، فجمع بين الإيجادين: الأول تصريحاً، والثانى تلميحاً، وفى الوقت نفسه يتناسب البيان بالمضارع فى "يخرج الحى" مع طبيعة حركة وتجدّد وتنوّع الحدث، فلما انكشف بهذا معنى (فالق) عدل إلى اسم الفاعل (مخرج) فعطفه على اسم الفاعل (فالق) والبيان باسم الفاعل فى (مخرج الميت) يتناسب أيضا مع طبيعة المُخْرَجِ: "الميت" فهو ثابتٌ لايتحرك، ومنقضٍ لايتجدد، كما أنَّه يتناسب مع حال المخاطبين، فهم ليسوا بحاجة إلى استحضار ذلك الحدث فى عيونهم بالمضارع، لينفذ إلى قلوبهم إن اعتبروا؛ لأنهم لاينكرونه حتى يأتى البيان بالمضارع معلنا أنَّ من قَدِر على ماترى أبصاركم يقدر على ماتخبرون به صدقا وحقا ومن ثم كان البيان باسم الفاعل (مخرج الميت) وعطفه على اسم الفاعل نظيرة (فالق) لاعلى المضارع قبله (يخرج الحى) . *** ما مضى جاء "المضارع" فى صحبة "اسم فاعل"، وقد يأتى "المضارع" فى صحبة "اسم مفعول" كما فى قول الله : ﴿اصْبِرْ عَلَى ما يَقُولُونَ واذْكُر عَبْدَنا داودَ ذا الأَيْدِ إنَّهُ أوَّابٌ * إنَّا سَخَّرْنا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعَشِىِّ والإشْراقِ * والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وأتَيْنَاه الحِكْمَةَ وفَصْلَ الْخِطابِ" (ص:١٧-٢٠) جعل تسبيح الجبال فى صورة "المضارع" (يسبحن) وحشر الطير فى صورة اسم المفعول (محشورة) وفى هذا تناسب وتآخ مع السياق والمقصود منه وطبيعة الحدث فى كل وفاعله ومفعوله، يقول البقاعى:

стр. 349

" لما كان وجود التسبيح من الجبال شيئا فشيئا أعجب، لأنهما جماد عبر بالفعل المضارع، فقال مصورا لتلك الحال معبرا بضمير الإناث إشارة إلى أنَّها بعد مالها من الصلابة صارت فى غاية اللين والرخاوة يسبح كل جبل منها بصوت غير مشبه الصوت الآخر، لأنَّ ذلك أقرب إلى التمييز والعلم بتسبيح كل على انفراده "يسبحن" ولم يقل مسبحة أو تسبح؛ لئلا يظن أن تسبيحها بصوت واحد يشكل الأمر فى بعضها، وهو يمكن أن يكون استئنافًا، وأن يكون حالا بمعنى أنَّهنَّ يَنْقَدْنَ له بالتسبيح قولا وحالا انقياد المختار المطيع له ولما كان فى سياق الأوبة، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذى إلف إلى ماألفه مع أنَّه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال: "بالعشىّ" أى تقوية للعامل وتذكيرًا للغافل، ولما كان فى سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال: "والإشراق" أى وقت ارتفاع الشمس عند انتشار عند الناس، وليس الإشراق طلوع الشمس، وانما هو صفاؤها وضوؤها، وشروقها طلوعها.... ولما أخبر عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له أتبعها أخفها وأكثرها انتقالا، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات، لأنَّه أدلُّ على القدرة، فقال معبرا باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنَّها فى شدة الاجتماع كأنَّها شئٌ واحِدٌ ذكر حالها فى وصف صالح للواحد وجعله مؤنثا إشارة إلى ماتقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية والقبول لتصريف الأحكام "والطير" أى سخرناها له حال كونها "محشورة" أى مجموعة إليه كُرْهًا من كل جانب دفعة واحدة بما دلَّ عليه التعبير بالاسم دون الفعل، وهو أدلُّ على القدرة، وهى أشدُّ نفرة من قومك وأعسر ضَبْطًا منهم ...

стр. 350

" كل" أي كل واحد من الجبال والطير " له أوَّاب" أي رجَّاعٌ؛ لأجل "داود" ﵇ خاصة عن مألوفه، لابمعنى آخر مما ألفته، فكلَّما رجع هو عن حكمه، وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير وجعل الخبر مفردًا [اي أواب] إشارة إلى أنها في الطواعية في التأديب قد بلغت الغاية حتى كأنَّها الشيء الواحد ولم يجعل مؤنثًا إشارة إلى شدة زَجَلِهَا بالتأديب وعظمته، والإفراد ـ أيضًا ـ يفيد الحكم على كلِّ فردٍ، ولو جمع لطَرَقَهُ احتمال أن الحكم على المجمع بقيد المجموع، فكأنَّ داود ﵇ يفهم تسبيح الجبال والطير، وينقاد له كلّ منهما إذا أمره بالتسبيح، وكلّ من تحقق بحاله ساعده كلّ شيءٍ – قاله القشيري ففى هذا إشارة إلى النبى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بأنَّا متى شئنا جعلنا قومك معك فى التسخير هكذا، فلا تيأس منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم، فإنَّا جعلناهم كذلك لتروِّض نفسك بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالا، وعلوا ورفعة وكمالا إلى غير ذلك من الحكم التى لاتسعها العقول. ولاتيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك، فإنهم لايَعْدُونَ أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة أو الطير نفرة وطيشا وخفة، فمتى شئنا جعاناهم لك مثل ماجعلنا الجبال والطير مع داود ﵇، بل أمرهم أيسر وشأنهم أهون" (١)

стр. 351

السياق الذى تحدَّرت فيه هذه الآيات للتدليل على كمال القدرة والهيمنة المطلقة لله على الأكوان: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (صّ:٣) إلى آخر الآيات، وفى عطف قوله (اذكر عبدنا داود....) على "اصبر" دلالة على أنَّ فى قصة "داود" ﵇ مايؤكد طلاقة القدرة والهيمنة، ولذلك اصطفيت هذه القصة فى هذا الموقع من السياق، واصطفيت هذه الأحداث من قصص داود ﵇ هنا لما لها من عظيم التناسب والتناسج مع السياق، وهذا من علم التناسب القرآنى بمكان رفيع. السياق كما قلت للدلالة على كمال القدرة والهيمنة الإلهية المطلقة على الأكوان كلها، والذى يتناسب مع هذا السياق إنما هو إبراز حدث التسبيح من الجبال فى صورة التجديد والحدوث الاستمرارى، ذلك أن صدوره منها مرة واحدة دليل بيِّنٌ على القدرة والهيمنة، فكيف حين يكون متجددا مستمرا؟! أليس ذلك إعلاءً للتدليل على كمال القدرة والهيمنة وإعجازها؟ والذى أعطاها ذلك إنَّما هو المضارع المسند إلى الجبال المعبر عنها بضمير إناث، ويتناسب أيضا مع السياق إذ يوحى بغاية اللين والخضوع، وهى أجمد جامد وأقسى قاس، كما أبرز "البقاعى" تناسب البيان بالعشى والإشراق وتناسب ماعليه النظم فى تسبحن دون تسبح أو مسبحة. أما حدث الحشر فإبرازه فى صورة اسم المفعول هو الذى يتجاوب مع السياق أولا، ومع طبيعة الحدث ثانيا وطبيعة الطير ثالثا، فالقدرة على الحشر تكتمل حين يكون الحشر دفعة واحدة ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان:٢٨) ويعليه إذا ماكان المحشور من شأنه الخفة والنفور كالطير.

стр. 352

وبديع أن كان إبراز الحدث فى صورة اسم مشتق يزيده أن كان اسم مفعول الذى لا يكون فعله إلا مبنيا لما لم يسم فاعله، ليفهم أن فاعل ذلك لن يكون إلا الله ، وليفهم أن الطير كأنَّها من شدة الهيمنة عليها تسعى بنفسها، فتحشر، ومن ثم أسند الحدث لها، فدلَّ هذا على أنَّ من قدر على هذا فهو أقدر على حشر من هم أقل نفرة من الطير، وفى هذا تدليل على البعث والحشر العظيم، وسياق البعث فى هذه السُّورة سياق عريض وسبيل مُلَحَّبٌ. السياق – إذن – وطبيعة الحدث وفاعله أو مفعوله هو المستوجب صيغة معينة لكلِّ عنصر، وأنَّ كلَّ عنصر فى البيان خاضع لهيمنة مبدأ موحد وروح واحد هو السياق والمقصود الأعظم. وقد رايت البقاعي يتلبث عند كثير من مدلولات هيئة الكلمة القرآنية ويتدبر تناسب وجوه هذه الهيئة مع السياق والقصد، وكأنَّه ناظر في هذا إلى مقالة الإمام " عبد القاهر ": " لايكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسًا ما، وأن تصفها وصفًا مجملا، وتقول فيها قولاً مُرسلاً، بل لاتكون من معرفتها في شيء حتى تفصِّلَ القول وتحصّل، وتضع اليد على الخصائص التى تعرضُ في نظم الكلم وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئًا شيئًا، وتكون معرفتك معرفة الصَّنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيطٍ من الإبريسم الذي في الديباج، وكلّ قطعة من القطع المنجورة في الباب المُقَطَّعِ، وكلّ آجرَّةٍ من الآجرِّ الذي في البناء البديعِ " (١) ***

стр. 353

الذي مضى كان نظرا في صيغة الفعل المضارع والماضي المجرد، أو الذي ليس لمجرده استعمال أوغلبة استعمال في معناه، فلم يكن البيان بالمجرد عدولا عن المزيد لأمر منظور في التجرد والزيادة، ولم أغفل النظر فيما صاحب هذين الفعلين من صيغ أفعال وأسماء كان يَجْمُلُ حسن التدبُّر على أن توفَّى في هذا المقام حقَّها من تدبُّر التناسب، فلا يكون هذا من قبيل الخلط البغيض , فإنَّ التبصر فيه إنَّما كان غيرَ مسوقٍ إليه سوقًا رئيسًا بل هو من مستتبعات النظر. وبنا حاجة إلى أن تكون لنا من بعد هذا محاولة لتدبر البيان بالفعل المضارع والماضي المزيد المنظور إلى صيغة الزيادة فيه وتناسب مدلولها مع السياق والقصد المسوق له الكلام يتوقف" البقاعي" متدبرًا البيان القرآني الكريم بصيغة الفعل المجرد (فعل) في باب الصالحات، وبصيغة الفعل (افتعل) في باب السيئات في قول الله : (البقرة: من الآية٢٨٦) ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ... يقول البقاعي: " لها" أي خاصًا بها " ما كسبت" وذكر الفعل مجردًا في الخير إيماءً إلى أنّه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه، ولو مع الكسل بل ومجرد نيته. قال" الحَرَالَّيُّ": وصيغة " فعل" مجردة تعبر عن أدنى الكسب، فلذلك من همَّ بحسنةٍ، فلم يعملها كتبت له حسنة ٠ انتهى " وعليها" أي بخصوصها " ما اكسبت " فشرط في الشَّرِّ صيغة الافتعال الدَّالة على الاعتمال إشارة إلى أنَّ من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها، وإلى أنَّ الإثم لايكتب إلا مع التصميم والعزم القوي الذي إنْ كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من هم بسيئةٍ، فلم يعملْها لم تكتبْ عليه. وربَّما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام " (١) *** ويقول في قول الله :

стр. 354

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:١١) " وصيغة الافتعال من " كسب " تستعمل في الذّنب إشارة إلى أنَّ الاثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قويّ صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط وتجرد في " الخير " إشارة إلى أنّ الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته" (١) ويبقى النظر في قول البقاعي: " وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام " وهو قول عَلِيٌّ: لم يأت الجمع بين " كسب" و" اكتسب" في غير هذه الآية الكريمة، والذي هو غالب اتيان الفعل المجرد: " كسب " مفردًا مرادًا به الخير حينًا ومرادًا به الشرُّ حينًا آخر. مادة: " ك - س - ب " جاءت سبعًا وستين مرة، كان للفعل المجرد منها " ثنتين وستين " مرة، وكان للفعل المزيد " اكتسب" "خمس " مرات الفعل المجرد جاء حديثًا عما هو سيئة في مواضع منها قوله : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٨١) ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٢٥) ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:٤١) وغير ذلك كثير، وهو صريح في البيان عن اتيان السوء بالفعل المجرد" كسب" وجاء الفعل " اكتسب" مفردًا مع السوء، كما في قوله تعالى:

стр. 355

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:١١) أما قول الله ﷻ في سورة النساء (ي:٣٢) وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) فليس الفعل المزيد هنا متمحضًا للخير أو الشر، بل هو جامع لهما. والبقاعي لم يبين وجه مناسبة البيان بصيغة " افتعل" للسياق والقصد في سورة " النساء" ولكنه اكتفى بقوله: " ولمَّا نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل، وهما من أعمال الجوارح ليصير الظاهر طاهرًا عن المعاصي الوخيمة، نهى عن التمنى الذي هو مقدمة الأكل؛ ليكون نهيًا عن الأكل بطرق الأولى.... والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أيْ في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء....أو بالقوة العملية كالعفة.....أو الفضائل البدنية كالصحة ... أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء.....
следующие страницы →