← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 952

الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (382 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأفسر البسملة بما يناسب ذلك المقصود من غير خروج عن مدلولات الكلمات من جهة اللغة ثم أشرع في السورة بعد ربط أولها بآخر ما قبلها، وَأُفَسِّرُ الكلمةُ سواء كانت من أسماء الله أو غيرها بحسب سَوَابِقِ الكلام ولواحِقِه، مع حفظ القانونِ اللغوي، وإنْ عَسُرَ استخراجُ ذلك من كلام اللغويين على من لم يمارس اللغة وأفسر الكلمة بكلمتين فأكثر بيانا لأنَّه لا تُقومُ كلمةٌ واحدةٌ مَقامَ كلمةٍ من القرآن أصلا وبذلك تظهر أسرار التخصيص لبعض الأسماء المترادفة كالسَّنَةِ والعَامِ والحَولِ والحجة ببعض الأماكن، ولا يقوم آخر مرادف له بمكان آخر، فإنَّ السياق نظرًا إلى أصل المعنى المشتق منه ذلك اللفظ فينضم إلى المعنى الموضوع له ذلك اللفظ معنى آخر من أصل الاشتقاق فلا يقوم المرادف مقامه لفوات ما أداه الاشتقاق كما دعا إلى ذلك السياق....." وقد بسط القول في مقدمة الكتاب (المختصر) بمثل ما بسطه في مقدمة الأصل (نظم الدرر) وهو لا يقوم بالاختصار بحذف جمل من الأصل فحسب، بل إنه ليحدث ضروبا من التقديم والتأخير وإعادة صياغة العبارة وإضافة أشياء على الأصل: كلمات وجمل وفقر ومن يناظر بين صنيعه في تفسيره الفاتحة في الأصل (نظم الدرر) ومختصره (دلالة البرهان) يدرك أن صنيعه في المختصر أقوم وأكثر تنسيقا من صنيعه في الأصل وهو لا يعنى في المختصر بالنقل من رسائل "الحرالي": مفتاح الباب المقفل، كمثل ما كانت عنايته بذلك في الأصل ولا يعنى - أيضًا - في المختصر بالنقل من كتاب " أبي جعفر بن الزبير":" البرهان" كما في الأصل في سورة الفاتحة (ق:٧) يبدا ببيان وجه تسميتها بالفاتحة وأم القرآن والأساس والمثاني والكنز والشافية ... ، ويعرض لعدد آياتها وموقف العلماء من ذلك عند تسميتها بالسبع المثاني ووجه اختيار العدد سبعة

стр. 72

وهو يذكر أن الصفات العلى سبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وإلى هذه الصفات ترجع جميع الأسماء التي نعرفها٠ (ق:٨/ب) وهذا منه على أصول الأشاعرة، وهذا التحديد لا مستند له من الكتاب والسنة أو أثر من آثار الصحابة رضوان الله عليهم. ويبين مقصودها ولا يخرج على ما في الأصل إلا بشيء من زيادة أو نقص يسير: يقول في المختصر: " مقصودها: اثبات استحقاق الله لجميع المحامد وصفات الكمال وملك الدنيا والآخرة، واستحقاق العبادة والاستعانة في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله ومدار هذا مراقبة العباد لربهم؛ لإفراده بالعبادة لأنه محيط بجميع صفات الكمال، ومختصٌُ بها، فهو مقصودها بالذَّات وغيره وسائلُ إليه، فإنَّه لابد في ذلك من إثبات إحاطته بكل شيءٍ، ولنْ يثبتَ حتَّى يعلمَ أنَّه المختصّ بأنَّه الخالقُ الملك المالك؛ لأنَّ المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحقّ، والمقصود من جمعهم تعريفهم بالملك، وبما يُرضيه، ولا يعرف ما يرضه إلاَّ بالرسل، ولن يكونَ ذلك إلاَّ بما ذكرعلمًا وعملاً. وأسماؤها تدلّّ على المراقبة: مقصودِها؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ لا يفتتحُ بمراقبة اللهِ لا اعتداد به، وهي أمّ كل خير وأساس كل معروف، ولا يعتد بها إلاَّ إذا ثنِّيتْ فكانت دائمة التكرر....." (١)

стр. 73

وهو من بعد أن يبين علاقة أسمائها بمقصودها يعمد إلى وجه بيان الافتتاح بالتسمية وعلاقة هذه التسمية بمقصودها (ق: ٩ / أ) وكيف أنَّ نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن الكريم، فصدرت الفاتحة بالبسملة، وكيف أنَّ تقديم الجار أفاد الوحدانية وأنَّه الإله، وأقاد اسمه الرحمن بيان الشرائع بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وأفاد اسمه الرحيم توفيق بعض المدعوين وخذلان بعضهم، وأنَّ هذا هو إجمال سورة الفاتحة التي هو إجمال تفصيل سائر القرآن. وبين وجه مشروعية التعوّذ في مفتتح القراءة وحكم هذا التعوذ عند العلماء والصيغة التى هي أوفق وما في صيغة التعوّذ من دلالات إشارية وما في بدء البسملة وختمها بحرف شفوي، ومن بعد بدأ في تحليل البسملة معنيا بتفسير الأسماء الحسنى فيها وهو هنا (ق:١١/ أ) لا ينقل عن "الحراليّ" كما كان فاعلا في الأصل: " نظم الدرر" كما أنّه هنا أكثر تنظيمًا لتداخل الكلام في الأصل بينما المختصر لم يمزج فيه كلامه بكلام "الحراليّ" فكان أقوم، ويبسط القول في تأويل البسملة أكثر مما بسطه في الأصل وهو يؤكد أنَّه" لا تكرار أصلا في شيءٍ من كتاب الله ، بل مهما وجدته فيه معادًا فلمعنى غير المتقدم أو لزيادة في معناه بالتأكيد لما اقتضاه من الحال، فلا تتم البلاغة إلا بالإعادة" (ق:١٤/أ) ويشير إلى الدلالة الإشارة لعدد حروف البسملة خطا وعددها نطقا فيقول: " وكون البسملة تسعة عشر حرفًا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنَّها دوافع للنقمة بالنار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي هنَّ اعظمُ العبادات " (١) وهذا مما ذكره في الأصل ويبين وجه الإتيان بالحمد من بعد البسملة وأنَّ هذا من مراعاة النظير، وهو هنا لا يكتفي بما جاء به في الأصل" نظم الدرر" بل يضيف إليه ما يوضحه

стр. 74

يقول: " ولمَّا كانت البسملةُ نوعًا من الحمدِ ناسبَ كلَّ المناسبة تعقيبها لتحصل التثنية باسم الحمد الكليّ الجامع لجميع أفراده، مقترنًا بـ"لام التعريف " الدَّالّة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله معرفًا لعباده كيف يحمدونه بعلمه بعجزهم عن الإتيان بما يليق به ؛ لهذا قال سيد الأولين والآخرين ﷺ : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فكأنَّه قيل: احمدوه؛ لأنَّه المستحقُّ لجميع المحامد وخصّوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم، لما ذكر من استشعار الرَّغبة إليْهِ والرّهبة منْه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى " (١) وقد عنى في المختصر "دلالة البرهان" بتفصيل القول في مدلول مادة الحمد (ق:١٦ / ب) وهو لم يفعل هذا في الأصل" نظم الدرر" في تفسيره سورة الفاتحة. وهو إذا ما كان في الأصل: " نظم الدرر" قد نقل مقالة "السعد التفتازاني" في وجه استفتاح خمس سور من القرآن الكريم بالحمد لله فإنَّه في المختصر"دلالة البرهان" يذكر ذلك إجمالا دون إشارة إلى مقالة "السعد " (ق:١٦/أ) وهو ينقل شيئًا قليلا عن "الحراليّ" من تفسيره بينما يبسط النقل عنه في تفسيره ورسالته " المفتاح" في الأصل: " نظم الدرر" ويبين لنا وجه وصف الله بقوله: "رب العالمين" وقد أفاض في بيان معنى العالمين، ثُمَّ يقرر: " أنَّ الإنسَ والجِنَّ عاجزونَ عنْ الإتيانِ بمثل البسملة والحمدلة، بل وعن الإتيان بكلمة توازي كلمة من كلماتها، وتغنى عنها في جميع مدلولاتها، وكذا كلّ آية من آياتِ القرآن العزيز، بل وكلّ كلمةٍ لا يمكنُ أنْ يكونَ في معناها في أسلوبها والحال والذي اقتضاها ما يقوم مقامها، ولو كان معدودًا من المترادف.

стр. 75

وهذا لا يعرفه إلا من تبحّرَ في علم الأدب لاسيّما مفردات اللغة، وتحقق المقامات التي سيقت لها الآياتُ، وما تقتضيه من الإجمال والتفصيل والمدح والذمّ وغيرهما مراتب كلّ من ذلك، أو تفهم ما ذكرته في تقليب المواد في أصل هذا الكتاب " (١) ونراه في تأويله قول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) يقول ما لم يقله في الأصل: " نظم الدرر" في هذا الموضع، فأحببت أن تسمع، يقول:

стр. 76

" (اهدنا) وأصل الهدى أن يتعدّى إلى مفعول أول بنفسه، وإلى ثان بحرف الجر، وهو إمَّا " إلى" وهي الأصل، كقوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: من الآية٥٢) أو "اللام" إشارة إلى أنّ الهادي عظيم التأثير في الهداية، ومنه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الاسراء: من الآية٩) وقد يتسع فيه، فيحذف الحرف إذا أريد تأثيرا أبلغ مما أريدَ باللام، فيتعدى بنفسه، للإشارة إلى تضمينه معنى"الزم" كقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ (الفتح: من الآية٢) وكهذا الحرف، فالمعنى أوضح لنا ببيان الطريق، وإيجاد التوفيق في كلّ شيءٍ يرضيك أنا وجميع عبادك بأن ترشدنا وتدلنا دلالة عظيمةً جدًا بلطفٍ ومدد بإضافة القوى التي نتمكن بها من معرفة المصلح، ونصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، وتنوّر بصائرننا، وتوفقنا لنلزم (الصراط) أي الطريق الأكمل بما أشعرت به "لام" الكمال، والتذكير، الواسع الواضح الذي يسْترط [أي بالسين المهملة] ويبتلعه بما له من الاتساع المكنى به عن سهولته ووضوحه بما أشار إليه تركيب حروفه، واختلاف القراء فيها مع التدبّر لصفاتها: انفتاح "سينه" الذي هوالأصل في هذه المادة في رواية" قنبل" عن "ابن كثير"ورويس" عن " يعقوب"، و"زايه" المتولد من إشراب "الصاد" في قراءة" حمزة"و"رائه" وصفير الأولين، و"الصاد" المبدل من "السين" عند الباقين

стр. 77

وإطباق "صاده" و "طائه" واستعلاؤهما، وجهر "الزاي" و"الراء" و"الطاء" وشدة "الطاء" وقلقلته، وما له من التفخيم، وتكرير "الراء" الذي ضارع به مع التفخيم المستعلية مع رخاوة" السين" و"الصاد" والزاي" وهمس الأولين، واستفال " السين" و"الزاي" و"الراء" وقيامه بين الشدة والرخاوة، فامتزج له بما أبانته هذه الحروف المتصفة بهذه الأوصاف المتضادة من اللين والشدة أمر عجيب ٌله سرٌّ غريب يحتاج إلى شرح طويل يشير [إلى] حديث: "الدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبَهُ " (١) وحديث: " إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" (٢) ونحوهما وإنّما قلت: إنَّ هذه المعاني مستفادة من هذه الحروف المرادة لخصوص هذا التأليف؛ لأنّ واضع هذه اللغة الحكيمة هو الله تعالى، وقد جعل سبحانه بحكمته بين الحروف الدَّالة والمعاني المفهومة منها مناسبة يفهمها أهل البصائر وكون الصفات الشديدة أكثرمن الرخوة في حروف هذه الكلمة مشير إلى أنَّه ينبغِي في حال السلوك أنْ يكون الخوفُ أغلبَ على السَّالك من الرجاء.... هذا مادلّتْ عليه الحروف أصلا وفرعًا من جهة الصفات، ودلّ اتحاد مخرجها، وهو "رأس اللسان " الذي هو أوسع المخارج وأخفاها، وهو مع كونه أوسطها أقرب الوسط إلى الختام [دلَّ] على أنَّه أوسعُ الأديان، وأسهلها , وأقربها إلى السَّاعةِ، فما بعده دينٌ ينتظر، ولا بعد نبيه نبيٌّ يبعثُ، وعلى أنَّهُ واحدٌ وإنْ تعدّدتْ فروعُهُ، وأنَّ الكثير إنما هو طرق الضلال......" (٣)

стр. 78

هذا الذي نقلته هنا لست بِالْوَاجِدِهِ في الأصل " نظم الدرر" في تفسيره سورة"الفاتحة" وهو كما ترى مهم، ممال يجعلك مستشعرا أنَّه وهو يختصر تفسيره في " دلالة البرهان" لم يكن قائما بحذف بعض ما كان في الأصل بل هو قائم بأمور من وراء الحذف هي جدُّ جليلة ومهمة مما يجعل الأصل غير مغن عن مختصره. - - -.. ﴿مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور﴾ ذلك عنوانه في كل النسخ المخطوطة التي اطلعت عليها أو على مصادر ذكرتها. والبقاعي نفسه يذكره بذلك الاسم في مواضع عدة من مؤلفاته وهو من بعد أن يذكر اسمه في مفتتحه يقول: ... "ويصلح أن يسمى: المقصد الأسمى في مطابقة اسم كل سورة للمسمى" (١) بدأ في تأليف هذا الكتاب في أثناء تأليفه كتاب "نظم الدرر" سنة سبعين وثمان مئة (٨٧٠) بالقاهرة يقول: " وكان ابتدائي فيه في نصف شوال سنة سبعين، وكان فراغي من مسودته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وسبعين وثمان مئة (٨٧١) ، وكان فراغي من هذه النسخة [نسخة المؤلف المودعة بمعهد المخطوطات بالقاهرة] ليلة الثلاثاء رابع عشر من شعبان من السنة كلّ ذلك بمنزلى ومسجدي في رحبة باب العيد من القاهرة المعزية". نسخ الكتاب المطبوعة والمخطوطة:. ظلَّ الكتاب مخطوطا إلى سنة ثمان وأربع مئة وألف من الهجرة حتى أخرجه موفقا إلى الخير الدكتور: عبد السميع محمد أحمد حسنين الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض محققا معلقا عليه ومخرجا أحاديثه في ثلاث مجلدات. وقد حققه على نسختين: نسخة المؤلف، مكتوبة في سنة إحدى وسبعين وثمان مئة وهي مودعة بمعهد المخطوطات بالقاهرة في (١٤٦ ق) ونسخة بدارالكتب المصرية تحت رقم (١٩٦٩١/ب) في (١٤٩ق) معرضا عن نسخة أخرى في دار الكتب المصرية لرداءتها ونسخة أخرى في الرباط بالمغرب والحق أن َّ المحقق قد أحسن إلى الكتاب وإلينا فجزاه الله خير الجزاء

стр. 79

وكنت قد أعددت دراستي للعالمية (الدكتوراة) على نسخة خطية هي النسخة رقم (١٩٦٩١ب) بدار الكتب المصرية وقد اعتمد عليها محقق الكتاب وهنالك نسخة أخرى مخطوطة بدار الكتب المصرية غير التي ذكرها المحقق رقم (٢٠٣٢٣/ب) نسخت عن (١٩٦٩١/ب) وخطها أجود نسخت سنة (١٣٥٦) ونسخة أخرى في مكتبة عاشر أفندي بتركيا = راجع فهرس نوادر المخطوطات للجزائري- ج:٢ص٤٨، ٦٩- (خ) دار الكتب المصرية هدف الكتاب: يبين البقاعي أنّ كتابه هذا قائم بتبيان مقاصد السور لتحقق معرفة الحق من تفسير كلّ آية من تلك السور وكأنَّ كتابه هذا يستكمل كتابه: (نظم الدرر) فهو كالمقدمة له، ولذا جعل رتبته أوله من حيث إنه كالتعريف، فهو معرفة إجمالية لتفسير السور، وكتابه (نظم الدرر) معرفة تفصيلية لتفسيرها فكتابه المصاعد هو مما يعرف بعلوم القرآن الكريم المساعدة لعلم تفسير القرآن الكريم، فهي مما يتحدث عن القرآن العظيم وليس مما يتحدث فيه، فكانه مما يعرف بفلسفة العلم وليس من العلم نفسه . منهجه فيه وخطته: جعل "البقاعي" لكتابه "المصاعد" مقدمة طويلة بين فيها اسم الكتاب واختراعه له والدافع إلى تأليفه مما وقع له بسبب كتابه (نظم الدرر) ذاكرا مواقف العلماء من تفسيره مدحا واعتراضا، ونقل بعض تقارظ العلماء تفسيره، ثم تحدث عن علم التناسب معرفا له ومبينا منزلته من علم البلاغة وغايته ومنفعته وغير ذلك مما عرض له (١) ثم بدأ في تناول السور القرآنية على النحو التالي: - يبين منزلة السورة من المكية والمدنية وآراء العلماء ويحدد الخلاف وفي سورة "الفاتحة" يبين ضابط المكي والمدني قائلا: " كلّ ما نزل قبل الهجرة فهو مكيّ، وكلّ ما نزل بعدها فهو مدنيّ، ولو كان النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقت نزوله في بلد آخر.....

стр. 80

ولم يأت ما نزل في شيءٍ من البلدين مرتبا في نسق واحد؛ لأنَّ ترتيب النزول كان باعتبار الحاجة والوقائع، ثمَّ نسخه ترتيب المصحف العثمانيّ المنقول من المصحف التي استنسخها " أبو بكر الصديق " ﵃ المنقول من الرقاع المكتوبة بين يدي سيدنا رسول الله صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ بأمره، وعلى حسب ما امر بترتيبه كما أمره الله به ، حيثُ كان يقول إذا أنزلت عليه الآية: ضعوها في سورة كذا بين آية كذا والآية التي قبلها " (١) يقول في سورة " آل عمران ": " مدنية إجماعًا، هكذا قالوا، وقال " النجم النسفي" في تيسيره: مكية في قول " عكرمة" و" الحسن البصريّ " مدنية في قول عامة أهل التفسير , وقال " الجعبري" في شرح الشاطبية: مدنية إلا خمس آيات فمكية " (٢) ويقول في سورة النساء: " مدنية إجماعا، كذا قال بعضهم، وقال " الأصبهاني " إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في " عثمان بن أبي طلحة " وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىأَهْلِهَا وَإِذَاحَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء:٥٨ وقيلَ نزلت عند هجرة النبيّ ﷺ وقيل السورة مكية، ولا خلاف أنّ منها ما نزل بالمدينة والظاهر الأول فإنّ في " البخاريّ " عن "عائشة " ﵃: ما نزلت سورة " النساء " إلا وأنا عند رسول الله ﷺ ، ولا خلاف أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما بنَى بها بالمدينة " (٣) وفي هذا المنهج إشارة منه إلى أن تحقيق معرفة ذلك معين على استبصار ملامح مقصود السورة ومعانيها. - - -

стр. 81

- يبين ما سميت به السورة وإن تعددت أسماؤها وذلك أنه يذهب إلى أنّ" اسم كلّ سورة مترجم عن مقصودها؛ لأنّ اسم كلّ شيءٍ تلحظ المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدَّال بالإجمال على تفصيل ما فيه " (١) وهو يبين لنا أسماء سورة الفاتحة قائلا: " فهذه السورة اسمها مع الفاتحة أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والأساس، والمثاني، والكنز والشافية والكافية والواقية، والشفاء، والرقية، والحمد، والشكر، والدعاء، والصلاة " (٢) ويقول في سورة البقرة: " وتسمى: السنام، والذروة، والزهراء، والفسطاط " ويقول في سورة" براءة ": " واسمها أيضًا التوبة، والفاضحة، والبحوث، والمبعثرة, والمثيرة، والحافرة، والمخزية، والمشردة، والمرشدة والمنكلة، والمدمدمة، وسورة البعوث، وسورة العذاب، والمقشقشة " (٣) ... - - - - يذكر عدد آيات كلِّ سورةٍ ومذاهبَ العلماءِ في ذلك ذاكرًا وجوهَ الاختلافِ ومواطنَه وهو يذكر في سورة "الفاتحة " أنَّ أهل العدّ خمسة: مدني ومكيّ وكوفي ّوبصريّ وشاميّ، ويُبيِّن رواة كلّ مذهب من مذاهب العدّ، ويبين أن موجب الاختلاف التوقيف كالقراءة. " قال أبو عمرو: وهذه الأعداد وإن كانت موقوفة على هؤلاء الأئمة فإنَّما لها – لاشك – مادة تتصل بها، وإن لم نعلمها، إذا كان كلّ واحدٍ منهم قد لقي غير واحد من الصحابة، وشاهده وسمع منه أو لقيَ منْ لقي الصحابة مع أنّهم لم يكونوا أهل رأي واختراع، بل كانوا أهل تمسك واتباع، وبالله التوفيق وقال السّخاويّ ما معناه: " ولو كان ذلك راجعا إلى الرأي لعدَّ الكوفيون (الر) آية، ولعدّوا (المر) كما عدُّوا (المص) ولعدّوا (طس) كما عدّوا (يس) ولعدّوا (كهيعص) آيتين، كما فعلوا في (حم. عسق)

стр. 82

ولعدَّ الشَّامِيُّ ﴿قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: من الآية١١)) كما عدَّ ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية٧) ومثل ذلك كثير ٠" (١) وليس يخفى على صاحب القرآن أن تقسيم السور إلى آيات لن يكون البتة راجعا إلى معيار لغوي نحوي أو معنوي، فإنَّ غير قليل من آياته قد جاء فيها المسند إليه في آية والمسند في أخرى، وجاء المعمول في آية وما تعلق به في آية أخرى، وهذا كثر لا يخفى على ذي قلب. وثَمّ أثر عن أم المؤمنين " عائشة " ﵃ أن عدد آي القرآن على عدد درجات الجنَّة. وكأن صاحب القرآن في الدنيا في جنة معنوية روحية لا يستشعر نعيمها إلا من كان له قلب معافى من داء الغفلة ونفس رضية مطمئنة بطاعة الله ، فهو كلما قرأ آية ارتقت روحه في مدارج ومعارج القرب الأقدس وهو يرتب على هذا موقفه من القول بالسجع في القرآن الكريم قائلا: " ومن هنا نعلم يقينًا أنه لا سجع في كتاب الله أصلا؛ فإنّه لا ريب عند من له أدنى مزاولة لذلك أنَّ " طس" أوفق عند الساجعين لـ"مبين" من "يس" لـ"حكيم"، فلو كان السجع مقصودًا لما وقع الإجماع من العادين على أنّ " طس" ليست بآية وعدّ بعضُهم "يس"آية ... " (٢) ` وقد بسط القول من مناقدة القول بالسجع في القرآن الكريم كمثل ما بسطه في نظم الدرر = وهو – ايضًا - يبين ما في السورة ما يشبه الفواصل ولم يعد فاصلة بإجماع العلماء ويحدد ذلك ويحدد روي السورة ومذاهب العلماء في هذا يقول في سورة "البقرة": " وعدد آيها مئتان وثمانون كوفي، وسبع بصري، وخمس فيما عداهما ٠ اختلافهما: إحدى عشرة آية٠

стр. 83

انفرد الكوفي بعدّ "الم" (ي:١) والشاميّ بعدّ " ولهم عذاب عظيم" (ي:٧) والبصري بعدّ"إلا خائفين" (ي:١١٤) و"قولا معروفا" (ي:٢٣٥) والمدنيّ الأول بعدّ "من الظلمات إلى النور " (ي:٢٥٧) والمدنيّ الأول، والمكيّ بعدّ " يسألونك ماذا ينفقون" (ي:٢١٩) والكوفيّ والشاميّ والمدني الأخير بعدّ " لعلكم تتفكرون" (ي:٢١٩) والمدنيّ الأخير والبصريّ والمكيّ بعدّ " الحي القيوم " (ي:٢٥٥) وأسقط الشاميّ "مصلحون" (ي:١١) والمدنيّ الأول" واتقون ياأولي الألباب" (ي:١٩٧) والمدني الأخير" في الآخرة من خلاف" (ي:٢٠٠) وفيها مايشبه الفاصلة: اثنا عشر، منها أحد عشر موضعا لم يعدها أحد بالإجماع والثاني عشر جاء فيه خلاف، وثم يبن هذه المواضع، ثمّ يبين رويّ السورة وأن رويَّها سبعة أحرف يجمعها قولك: قم لندبر (١) - - - - يذكر مقصود السورة، وهو في هذا يكاد ينقل ما في تفسيره، وقلما يزيد عليه, يقول في مقصود سورة الفاتحة: "ومقصودها: مراقبة العباد ربهم ٠فإنّ التزام اسمه تعالى وحده كما دلّ عليه تقديم الجار في كلّ حركة وسكون داع إلى ذلك وعلى ذلك دلت اسما ؤها ٠" (٢) - - - - يبين علاقة اسمها أو أسمائها بمقصودها، وهو في هذا أيضًا يذكر ما في تفسيره النظم وقلما يزيد عليه٠ يقول في سورة الفاتحة: " فهذه السورة اسمها مع الفاتحة أم القرى، وأم الكتاب والسبع المثاني ... فمدار هذه الأسماء – كما ترى – على أمر خفي كاف لكل مراد، وذلك هو المراقبة وكلّ شيءٍ لا يفتتح بها لا اعتداد به وهي أمّ كل خير وأساس كل معروف ولا يعتد بها إلا إذا ثنيت، فكانت دائمة التكرار، وهي كنز لكلّ مُنَى، شافية لكلّ داء، كافية لكلّ مهمّ وافية بكل مرام، واقية من كلّ سوء، شافية من كلّ سقام، رقية لكل مسلم

стр. 84

وهي إثبات الحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال والشكر الذي هو تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء فإنّه التوجه إلى المدعو والمراقبة أعظم توجه وأعظم مجامعها الصلاة وعلى قدر المقصود من كلّ سورة تكون عظمتها، ويعرف ذلك مما ورد في فضائلها، ويؤخذ من ذلك أسماؤها، ويدلّ على فضلها كثرتها، فلا سورة في القرآن أعظم من الفاتحة؛ لأنّه لا مقصود أعظم من مقصودها. وهي جامعة لجميع معاني القرآن، ولا يلزم من ذلك اتحاد مقصودها مع مقصوده بالذات، وإنْ توافقا في المآل، فإنّه فرقٌ بين الشيء وبين ما جمع ذلك الشيء، فمقصود القرآن: تعريف الخلق بالملك وبما يرضيه، ومقصود الفاتحة غاية ذلك، لكونها غاية له، وذلك هو المراقبة المذكورة المستفادة من التزام ذكره تعالى في كلّ حركة وسكون لاعتقاد أنَّه لا يكون شيءٌ إلا به، وعلى جلالة هذا المقصد جاءت فضائلها " (١) - - - - يورد الأحاديث في فضائل السور مع تخريجها، وهو يبين منهاجه في هذا قائلا: ... " وليعلم أنّي لا أذكر من ذلك - إن شاء الله - في الفضائل إلا ما صحَّ أو حسن، أو جاز ذكره إن كان ضعيفا، فلم ينزل إلى درجة الموضوع، ولم أذكر شيئا من الحديث الموضوع على "أبي" و"ابن عباس" ﵃ في فضائل كلّ السور: سورة سورة كما ذكره الواحديّ والزمخشريّ ومن تبعهما؛ لأنّ الموضوع لا يحلّ ذكره إلا على سبيل القدح في، والله الموفق" (٢) وقد يذكر بعض الأحاديث في فضائل الآيات، كما في فضائل " آية الكرسيّ " و " خواتيم سورة البقرة "٠ تلك أمور عامة قائمة في كلامه في شأن كل سورة من سور القرآن الكريم وقد أودع في أول حديثه عن سورة " الفاتحة " أمورًا أخرى مهمة جدًا في علوم القرآن الكريم غير التي ذكرتها من قبل منها:

стр. 85

= عرض لنفي الشعر عن القرآن الكريم، وعصمة رسول الله ﷺ منه، وذهب إلى أنّ النبيّ ﷺ لم يكن يستقيم على لسانه وزن بيت من الشعر وانَّه كان يتمثل به على هذا النحو = تحدث عن كيفية نزول الوحي بالقرآن وعن نزول الكتب السماوية في رمضان، ونزول القرآن الكريم منجما ... = بين فضل كلام الله على سائر الكلام، وفضل حامل القرآن الكريم = ذكر بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالقرآن الكريم من نحو: معنى إنزال القرآن الكريم على سبعة أحرف وإنزاله في سبعة أبواب وأنَّ لكلِّ آية ظهرا وبطنا وحدًا ومطلعًا واشتمال القرآن على جميع العلوم وفضيلة السواك عند القراءة واستحباب تحسين الصوت بالقرآن الكريم والمراد بحسن الصوت والنهي عن التلحين في قراءة القرآن الكريم والنهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو وعمَّا ينبغي لحامل القرآن الكريم من الأدب العالي وعن تجريد القرآن الكريم مما ليس منه وكراهة تصغير حجم المصحف الشريف وعن وجوب كتابته في شيء طاهر وتحريم قراءة القرآن الكريم منكوسا وكل مبحث من هذا يتسع القول فيه اتساعا لمن شاء أن يبحر في قاموسه المحيط = تحدث عن رفع القرآن الكريم من الصدور والمصاحف قبل يوم القيامة، وعن حفظ الله عزَّ وعلا كتابه العظيم من التحريف = ذكر ثواب قراءة القرآن الكريم مبينا المراد بالحرف المقابل بالحسنة، وثواب من علم ولده القرآن العظيم٠ ... = ذكرإعراب الكتاب العزيز بمعنى توضيحه، ونقط المصحف وضبطه بالشكل

стр. 86

= ذكر جمع القرآن الكريم في عصر الصحابة ﵃ أجمعين ودقتهم في الجمع وعدد المصاحف التي نسخها عثمان ﵃ وغير ذلك من المسائل المهمة في علوم القرآن المجيد والكتاب في بابه فريد في بعض جوانبه متميز في بعضها أحسن الله إلى مؤلفه ومحققه وناشره.. - - -. ﴿الفتح القدسي في آية الكرسي﴾ الكتاب منسوب إليه في كشف الظنون (ص٤٤٣، ٤٤٤، ١٢٣٣) وهدية العارفين (١/٢٢) وتاريخ الأدب العربي لعمر فروح: (ج٣ص٨٧٢) ألفه سنة تسع وسبعين وثمان مئة (٨٧٩هـ) بالقاهرة قبل مغادرتها إلى دمشق بعام جاء في آخر نسخة خطية مودعة في خزانة (شستربتي) بأيرلندا ومنها صورة في المكتبة المركزية بجامعة الإمام بالرياض ولديَّ نسخة منه قوله: " فرغت من تعليق هذا" الفتح القدسي في آية الكرسي" ليلة الثلاثاء العاشرمن شعبان المكرم سنة تسع وسبعين وثمان مئة بمسجدي من رحبة باب العيد بالقاهرة المعزية وأنا في الحادية والسبعين من عمري والمشاغل كثيرة والأيام عسيرة.. " (١) قسم البقاعي الكتاب قسمين جاعلا كل قسم فصلا: االأول: في بيان فضل هذه الآية جامعا أحاديث كثيرة وآثارًا عديدة، وقد جعل عنوان هذا الفصل: " الفصل الأول فيما عليه المعوّل مما يعطاه قارئها من الأجر وينول ٠ الثاني: لبيان معاني هذه الآية وجعل عنوانه: " الفصل الثاني في إبراز المعاني من مفرداتها والمثاني " وهو من بعد الافتتاح حمدًا وصلاة وتسليما يشير إلى أنَّه قد ألَّف من قبل تفسيره نظم الدرر ويذكر شيئا من محاسنه وأنَّه أردفه بكتابه: "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور " "أحببت أنْ أفرد الكلام منهما في الآية العظمى بكتاب أسميه: " الفتح القدسي في آية الكرسي" وزدت عليه ما يشوق فيسوق أولى الهمم إليه "

стр. 87

في الفصل الأول حشد جمعا من الأحاديث والآثار،وكان معنيا بذكر راوي الحديث ومصدر روايته مستفتحا بحدث أبي بن كعب المشهور في فضل هذه السورة الذي رواه مسلم وأبوداود والقاسم بن سلام في فضائل القرآن الكريم، وغير هذا من أسفار السنة كما في مسند احمد والمستدرك وشعب الإيمان وشرح السنة.. وهو في " الفتح" يذكر أحاديث لم يذكرها في فضل الآية في كتابه " مصاعد النظر" وهو لا يكاد يعنى بالتعليق على هذه الأحاديث والفصل الثاني:" في إبراز المعانى من فرداتها والمثاني- كما يقول – وهو يبين مقصود الآية بأنه " التفرد بالملك المقتضي تمام العلم وشمول القدرة اللازم منه التفرد بالإلهية، فهي آية العلم والملك" ثم يبين علاقة اسمها بمقصودها واشتمالها على أمهات المسائل الإلهية حاوية لقواعد العقائد الدينية ومما بينه أن التوحيد ثلاث درجات: الأولى: الشهادة بكلمة الإخلاص عن اعتقاد صحيح، وهو التوحيد الجلي....... الثانية: توحيد الخاصة وهو الذي يصدر عن استدلال بالشواهد وعن براهين لائحة لا تمازجها ريبة بحال والثالثة: توحيد خاصة الخاصة: وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق بالشواهد، وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا، ولا فى التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة، فيكون مشاهدًا سبق الحق بحكمه وعمله ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها وإخفاءه إياها في رسومها لا يحقق معرفة العلل ويسلك سبيل إسقاط الحدث....

стр. 88

وهو في تقسيماته هذه لا يستند إلى كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا أثر عن صحابي،ومثل هذا لايقال اجتهادًا، فليس في المباحث العقدية اجتهاد إلا الاجتهاد في فهم النّص، ونصوص الكتاب والسنة في باب العقيدة قطعية الدلالة لا يقتقر المرء معها إلى تأويل يحتمل وجوهًا متنوعة أو متقابلة، لأن الاختلاف في باب العقيدة اختلاف في مجال الحق والباطل ومجال الصواب والخطأ، فللحق العقدي وجه واحد وطريق واحد ومصادر الفقه العقدي مصدران لا ثالث لهما قطعًا: الكتاب والسنة، وليس للإجماع والقياس مجال بخلاف مصادر الفقه الشرعي (السلوكي) فإنها أربعة عند الجمهور: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ونصوص الكتاب والسنة في باب التشريع متسعة الدلالة ومجال الاختلاف ليس بلازم أن يكون الصواب والخطأ قطعا والحلال والحرام قطعا،ومن هنا كان هنالك مجال للاجتهاد في التأويل. فما كان للبقاعيّ أن يذهب إلى تقسيم التوحيد تلك الأقسام من غير أن يتخذ له سندًا من الكتاب والسنة. ويعرض لما جاء عن الحلاج وابن عربي وابن الفارض فيسفه ما جاء عنهم،وموقفه منهما ليس هو موقفه من سائر الصوفية فإنه ليلقى غير قليل من كبارهم بالإجلال،ولاسيما سلفهم،ومن لا يقول بوحدة الوجود،والحلول الذي ظهر في مقولات ابن الفارض وابن عربي. ويبين معنى " جمع الجمع " عند القوم من الصوفية وعلاقته بدرجة "إلإحسان" والفرق بين "الذوق" و" العلم" وبين حكمة تفريق أدلة التوحيد في القرآن الكريم،وما جاء فيه من آيات الأحكام والقصص وهو معنى بتبيان موقع الآيببة في سياقها وبتفسير وتحليل مفردات الآية ولا سيما ما فيها من الأسماء الحسنى وتحليل جملها. يقول في بيان مناسبتها ما قبلها:

стр. 89

"ووجْهُ نَظْمِهَا بِمَا قَبْلَها أنَّه لمَّا ابتدأ الفاتحةَ بذكرِ الذَات بالاسم الأعظم الخاصّ الجامعِ لجميع الصفات ثُمَّ تعرَّفَ بالأفعال؛لأنّها مشاهدات،ُمَّ رقَّى الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثُمَّ أعلاه رجوعًا إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة [البقرة] بصفة الكلام؛لأنها أعظم المعجزات،وأبينها على غيب الذات، وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب، ثمَّ تعرّفَ بالأفعال، فأكثر منها فلمَّا لم يبقَ لَبْسٌ أثبتَ الوحدانيةَ بآيتها السابقة [ي:٢٥٤] التي حثَّ فيها على الإنفاق قبل هجوم يوم التلاق، يوم انقطاع الأحساب والتواصل بالأنساب يوم لاينجي عند الحساب إلا ماشرعه من الأسباب،وكذا ما قبلها مما شاكلها مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الرَّصف والترتيب فلما تمت الأمور وهالت تلك الزواجر، وتشوقت الأنفسُ، فتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب، وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم ... بيّن صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الضّدّ والتنزه عن الكفؤ والنّدّ والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتمّ انكشاف؛لأن تتوجّه الهمم لعيره،وان تنطق بغير إذنه، وأن يكون غير ما يريد؛ ليكون ذلك أدعَى إلى قبول أمره، والوقوف عند نهيه وزجره ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب لسؤال، فكانّه قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك، فمن الملك في ذلك اليوم، فذكر آية الكرسِيّ سيدة آي القرآن...."

стр. 90

وهذا يبيّن لك أنَّ اسم الجلالة في صدر آية الكرسيّ في تأويل البقاعي إنما هو مسند إليه، وخبره محذوف دلّ عليه السؤال المقدر المنسول من السياق الذي أقيمت فيه آية الكرسي، فكأن المعنى الله الملك ذلك اليوم،وهذا الباء يفيد القصر بتعريف الطرفين، فكأنه قيل لا ملك في ذلك اليوم إلا الله، لتأتي الجملة التالية مصرحة بما ألاحت به الأولى ومؤكدة مضمونها ففالت (لاإِله إلاَّ هو) يقول البقاعي:" فقال (الله) أي الملك الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى والجلال والإكرام هو الملك في ذلك اليوم، ثُمَّ بيّن ما تقدّم بأن أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص ... " فالبقاعي يشير إلى أنَّ الجمل المتوالية في بناء آية الكرسي قامت مقام التبيين والتفصيل لما أحكم في الجملة المصدرة بها هذه الآية،وهي جملة أفرد اسم الجلالة منها بالذكر. وهو في خواتيم تأويله الآية يقول:" كلّ جملة استؤنفت،فهي علّة لما قبلها،واردة على سبيل البيان لما ترتب عليه،والبيان متّحد،كما قال الزمخشريّ بالمبيَّن،فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها. ذلك نزيد مما تكاثر في تأويله سيدة آي القرآن الكريم. من هذا الكتاب نسخ خطية عديدة في خزائن المخطوطات وكنت قد اعتمدت منذ أكثرعشرين سنة مضت على النسخة الخطية رقم٠١٤- تفسير حليم بدار الكتب المصرية ٠ وهنالك نسخ أخرى منها: ... = نسخة مكتبة تشستر بتي رقم (٣٦٦٦م٤) ومنها نسخة مصورة بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام بالرياض، برقم (٣٦٦٦ / ف) في (١٩ق) كتبت في شعبان سنة تسع وسبعين وثمان مئة (٨٧٩) بإملاء المؤلف بالقاهرة ٠وفي خزانة كتبي نسخة منها = نسخة بمكتبة جستر بدبلن ٠مجلة المورد: ص١٩٩عد٢مج١) = نسخة في مكتبة أياصوفيا (نوادر المخطوطات – ج٢ص٤)

стр. 91

= نسخة في مكتبة ولي الدين بتركيا (السابق:٢/٣٩) ... = نسخة في مكتبة بايزيد بتركيا (السابق) وقد حققه اد: سعود بن عبد الله الفنيسان الأستاذ بجامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ونشرته مكتبة الرشد بالرياض (١٤٢٠-١٩٩٩) وكنت قبل الاطلاع على تحقيق الدكتور (الفنيسان) قد بدأت في تحقيق الكتاب على نسخة جامعة الإمام ونسخة دار الكتب المصرية، ولعلّى استكمل ذلك - - - ﴿الأجوبة السَّرِيَّة في الألغاز الجزرية﴾ هذا الكتاب أجاب به عن ألغاز في علم القراءات لشيخه "الشمس بن الجزري أبو الخير (٧٥١-٨٣٣) صاحب النشر في القراءات العشر، وقد فرغ من إجاباته عن تلك الألغاز في سنة٨٦٩هـ في القاهرة ومن الكتاب نسخة خطية برقم (١١٢-٥٩٥٠- قراءات بمكتبة الأزهر) ومنها مصورة بدار الكتب المصرية (مكروفيلم) هي التي اطلعت عليها ***** ﴿الاستشهاد بآيات الجهاد﴾ هذا الكتاب كأنه الفهرس الموضوعي لآيات الجهاد يجمعها من غير ترتيب أو تعليق منه نسخة خطية برقم (١٣٧٦- تصوف) بدار الكتب المصرية، وهي النسخة التي قرأتها واعتمدت عليها ﴿الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة﴾ الكتاب نسبه إلى نفسه في تفسيره (نظم الدرر- ج١ص٢٧٧،ج٦ص٤٤٤) ونسب إليه في كشف الظنون (ص١٤٠، ٨٣٧) انتهى من تأليف بالقاهرة سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة.

стр. 92

يقول عنه صنفت في ذلك " الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة " بينت فيه أنَّ ذلك سنة مستقيمة لتأييد الملة الحنفية العظيمة، وأخرجت بذلك نصّ الشافعي وكلام النووي والرافعي " ... ويقول: إنه كان في غنى عن تأليف هذا الكتاب إلا أنَّ بعض الحاسدين شنّع عليه بسبب نقله في تفسيره عن التوراة والإنجيل والزبور، وكان الذي تولى كبر هذا التشنيع" البدر بن قطان" صهر" السخاويّ" فهاجمه البقاعي وهاجاه (١) . أقام الكتاب على فصول ثمانية، ومقدمة وخاتمة: في المقدمة رد على من شنعوا عليه وطال نفسه في هذا الفصول الثمانية تحدث فيها عن موقف العلماء من تفسيره وأورد أحد عشر تقريظا لكبار عصره لهذا التفسير (الأقوال:١٧-٤٢) ثم أوضح حكم النقل من التوراة والإنجيل والزبور، وأدلة هذا الحكم، وأسماء من سبقوه من أئمة أهل العلم وبعض من نقلوا ومصادر النقل ومواطنه وتحدث عن التبديل للكتب السماوية قبل القرآن العظيم، وأثر هذا على حكم الاطلاع عليها ... وفي الخاتمة ذكر محاسن تفسيره (نظم الدرر) (٢) ... ثمّ أورد تفسير " ابن النقيب " سورة " الكوثر"، وتفسيره هو لتلك السورة، وطلب من القارئ الموازنة بين التفسيرين. (٣) وقد ألف "السخاوي" كتابا يرد به على "البقاعي" سماه " الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل" (٤) حقق الدكتور "محمد مرسي الخولى" بعض هذا الكتاب من اول الفصل الثاني إلى آخر الثامن في مجلة " معهد المخطوطات العربية" (ص٣٧-٩٦- مج٢٦ج ٢عدد: المحرم:١٤٠١) من هذا الكتاب نسخة خطية برقم (١٢٦٩- تفسير- بدار الكتب المصرية وهي التي اتخذتها مرجعا

стр. 93

ونسخة أخرى برقم (٤٩- تفسير) بدار الكتب المصرية ٠ ***** ﴿الضوابط والإشارات لأجزاء علم القراءات﴾ نسب الكتاب إلى نفسه في هامش كتابه (إظهار العصر) (ج١ص٢٦٩-ت: محمد سالم العوفي) ونسب الكتاب إليه في كشف الظنون (ص١٠٩٠) وهدية العارفين: ج١ص٢٢٩ هذا الكتاب أو الرسالة هو نص (إجلاس) أعده ليلقيه بين يدي أساتذته حين أسندت إليه وظيفة تدريس القراءات في المدرسة المؤيدية وهي مدرسة واقعة في جامع (المؤيد) بجوار باب زويلة بالقاهرة أنشأها الملك المؤيد شيخ المحمودي الظاهري سنة تسع عشرة وثمان مئة (١) وكان هذا الإجلاس الذي هو بمثاب محاضرة علمية يتقرر على إثرها استحقاق التدريس بالمدرسة، وقد كان هذا الإجلاس في يوم الخميس سابع المحرم من سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وفي هذا اليوم والذي قبله اشتد المرض على السلطان " جقمق" وأصابه مايشبه الصرع فشاع في الناس أنَّه مات فارتاعوا وماجوا فكان سببا في أن امتنع كثير من الناس من حضور هذا إلإجلاس ومع ذلك كما يقول البقاعي حضره وجوه الناس وأعيانهم: القضاة الأربعة إلا المالكي والشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي وقريبه محب الدين إمام السلطان والشيخ حميد الدين ابن قاضي بغداد قاضي الحنفية بدمشق وشيخه "المشداليّ" ومن الطلبة والفضلاء ونواب القضاة وغيرهم خلق كثير لعلهم يزيدون على المئتين٠ (٢) ويذكرالبقاعي في (إظهارالعصر) نص ما كان قد عزم على قوله (٣) والذي جعله من بعد ذلك كتابًا انتهى منه سنة ست وستين وثمن مئة وهو مختصر لطيف في القراءات جاء فيه من بعد المقدمة تعريف علم القراءات وموضوعه وفائدته ويبين أن الكلام فيه ينحصر في وسائل وقاصد. تنحصر الوسائل في سبعة أجزاء:

стр. 94

الأول:الأسانيد والثاني: علم العربية ومنه مخارج الحروف وصفاتها والثالث الوقف والابتداء والرابع الفواصل وهي في عدد الآيات والخامس مرسوم الخط والسادس الاستعاذة والسابع التكبير وتنحصر المقاصد في جزئين: الأول الأصول والثاني: الفرش تنحصر الأصول في نحو عشرين بابا ... وينحصر الفرش في السور ثم بين وجه الضبط لأجزاء علم القراءت وهناك نسخة مخطوطة بالمكتبة الظاهرية بدمشق برقم (٧٤٢٢) ... ونسخة أخرى في مكتبة:" شهيد على" بتركيا (فهرس مكتبة شهيد على – ص:٢٥٦ مخطوط بدار الكتب ٠ ولم يتيسر لي الاطلاع على نسخة مخطوطة منه بمصر وقد حقق هذا الكتاب ونشره في مجلة (الإحياء) العدد السابع مسلسل التاسع عشر – رمضان ١٤١٦ الأستاذ: محمد رستم (ص:١٧٧-١٩٥) على نسخة واحدة هي نسخة في خزانة شيخ المحقق: الشيخ محمد بن الأمين أبو خبزة" ضمن مجموع في القراءات وهي في ورقتين مخطوطتين ... وقد بلغنى أنّ" محمد مطيع الحافظ" قد حققه ونشرته دار الفكر بدمشق سنة ١٤١٦هـ ولم يتيسر لى اقتناء هذا التحقيق *****. ........علوم الحديث والسنة..... على الرغم من أنَّ البقاعي كان تلميذًا لإمام من أئمة علوم السنة "ابن حجر العسقلاني" (ت:٨٥٢) إلاَّ أنَّه لم يكنْ معنِيًّا بالتأليف في علوم السُّنَّة النّبوية عنايته بالتأليف في التفسيرِ وعلومِ القرآن الكريم بل ولا عنايته بالتأليف في التاريخ والتراجم ومما بلغني من تأليفه في هذا وقرأته:. ﴿الإعلام بسن الهجرة إلى الشام﴾ . لم يكن البقاعيُّ أوَّل من ألَّفَ فِي ذلك الموضوعِ،فإنَّ فهارس الكتب زاخرة بمثل ذلك الكتاب. ألف الكتاب من قبل رحيله عن القاهرة إلى الشام، إذ فرغ منه يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر عام ثمانين وثمان مئة (٨٨٠)

стр. 95

يقول: " هذا كتاب كتبته لمَّا أردت النُّقلةَ من مِصَرَ لأمور أنكرتها، وفتَنٍ أبْصَرتُها أذكرتني ما رواه بعض المؤرخين في السيرة النبوية أنّ النبيَّ ﷺ قال لمَّا منَّ على أختِ" عديّ بن حاتم" ﵄: " ارحَمُوا عزِيزَ قومٍ ذلَّ وغنيًّا افتقرَ، وعالمًا ضاعَ بينَ جهَّالٍ" وأسميته: ﴿الإعلام بسَنِّ الهِجْرَةِ إِلَى الشَّامِ﴾ لأمر اقتضى ذلك " (١) والكتاب قد عُنِيَ بتحقيقه: محمد مجير الحسيني، ونشره عام ١٤١٨، وكنت قد اعتمدت على نسخة خطية بدار الكتب، فلما اقتنيت المحققة راجعة ما عندي عليها بدأ الكتاب بتحديد المكان الجغرافيّ للشام معتمدا على مصادر عدة متنوعة ككتاب (تهذيب الأسماء واللغات) للنووي، و (البلدان) للذهبي. وأفاض في مدح الشام ومحاسن أهلها، وذكر عدة أحاديث في فضل الشام، وفي ذمِّ مصر وأهلها، وكان مما ذكر حديثًا يجمع بين فضائل الشام ومسالب مصر وأهلها يقول: " وروى الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن الربيع بن بلال بسند حسن – إن شاء الله – إن سلم من الانقطاع بين الصحابي والراوي له عنه يعقوب بن عتبة الثقفي، وإن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: " دخل إبليس العراق، فقضَى حاجته، ودخل الشام فطردوه حتّى بلغ جبل بُساق، ودخَلَ مصْرَ فباضَ، وفرخ ونصب عَبقريّه" وقال الحافظ أبو محمود المفدسي: "إسناده قويّ". انتهى. وقد بيّن المحقق "محمد الحسيني" ما في هذا الحديث من مطاعنَ عند أهل العلم.

стр. 96

وذكر البقاعي أيضا: " في فضائل الإمام أبي الحسن على بن محمد الربعيّ عن واثلة بن الأسقع (١) قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ستكون دمشق في آخر الزمان أكثر المدن أهلاً، وتكون لأهلها معقلا، وأكثر أبدالا، ومساجد ورجالا، وأفلَّ كفرًا. وإنَّ مصر أكثر المدن فراعنة وكفارًا، وأكثر ظلمًا وفجورًا، وأكثر زنًا وسحرًا، فإذا عمّرت أكنافها بعث الدال، فويل لأهلها من أتباعه وأشياعه. " ذكر المحقق أنَّ الحديث رواه " الربعيّ" (ص/٤٤) مطولاً، وابن عساكر (٢/٥٤) مختصرُا ليس فيه ذكرُ مِصْرَ، كلاهما من طريق "محمد بن أحمد بن إبراهيم "بإسناده إلى واثلة. ومحمد بن أحمد بن إبراهيم قال عنه ابن عساكر: "رجل مجهول" فالحديث غير ثابت (٢) وفي رسالة للسيوطيّ عنوانها: " ﴿الخبر الدّال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال﴾ من حديث "واثلة"﵃ ليس فيه ذكر مصر وأهلها، وهو مقصور على ذكر" دمشق" وأهلها (٣) والمحققون على أنَّ كلَّ حديثٍ يروى عن النبيّ في عدة الأولياء والأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب ... ليس في ذلك شيءٌ صحيح عن النبيّ ﷺ ، ولم ينطق السلف بشيءٍ من هذه الألفاظ إلا لفظ" الأبدال"، وروي فيهم حديث أنهم أربعون رجلا، وأنهم بالشام، وهو في مسند أحمد ﵃ من حديث عليّ ﵃، وهو حديثٌ منفطع ليس بثابت.

стр. 97

ومعلوم أنَّ سيدنا " عليًا" ﵃ ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ﵃ ومن معه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر سيدنا معاوية ﵃ دون عسكر سيدنا " عليّ" ﵃ وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد ﵃ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: " تمْرُقُ مارِقَةٌ من الدِّينِ على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحقِّ " (مسلم: الزكاة:٢/٧٤٥-حديث رقم:١٥٠) وهؤلاء المارقة هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لمَّا حصلتِ الفرقةُ بين المسلمين في خلافة " عليّ بن أبي طالب " ﵃ فقتلهم، فدلَّ الحديثُ الصّحيحُ على أنَّ " عليًا" ﵃ أولَى بالحقِّ من معاوية ﵃، فكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما في الشام مع معاوية ﵃؟ " (١) يقول "ابن القيّم" أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلّها باطلة (٢) وقد كان للتصوف الفلسفيّ الذي اتخذ الجدل والكلام عبادة آثارًا سيئة جدًا على رقيّ الأمّة، فقد أخلد كثير من المسلمين في أزمان غابرة إلى تلك الترهات والسمادير التي كان يروجها دهاقين التصوف الفلسفي، أمَّا التصوف السلوكي التعبدي على هدي الكتاب والسنة الصحيحة لا يحيد ولا يزيد ولا يحرف ولا يؤول فإنّه الطريق المستقيم – إن شاء الله ربّ العالمين

стр. 98

وأصحاب هذا السبيل لا يكادون يبرزون بصدورهم إلى العامة في المحافل، ولا يوهمون الناس بأنَّهم أهلُ الوصول والقبول، وأنهم يحتجبون عن الناس مخافة عليهم من أنوارهم التي تشرق من قلوبهم على أنوارهم، إنّهم إلى الخفاء بأحوالهم مع الله أقرب، إنهم يقيمون نصب أعينهم وفي قلوبهم العامرة بالخوف من الله هدي رسول الله ﷺ الذي رواه " مسلم "﵃ بسنده عن "سعد بن أبي وقاص" ﵃ قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول:إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيّ" (مسلم: الزهد: حديث رقم:١١/٢٩) وكلُّ عالمٍ بالكتاب والسنة عامل بهما هو على هذا الصراط المستقيم،ومن عَدَاهم فهو الضال المُضِلّ. مقطع القول أنَّ البقاعيّ قد عنِي بحشد كثير من الأحاديث التي تدلّ على فضل الشام والترغيب في سكناه، ولم يتحرز من الموضوعة والضعيفة، وكان حريًا به، وهو المحدث أن يقتصر على ما قوي سنده ففيه متسع لمبتغاه. *** ﴿إنارة الفِكْرِ بِما هُوَ الحَقُّ من كَيْفِيّةِ الذِّكْر﴾ ِ نُسِبَ إليهِ في كشف الظنون (١/١٧٠) ومعجم المصنفين (٢/٢٧٨) وهدية العارفين (١/٢٢) حقق الكتاب "سليمان الحرش" سنة ١٤٢١ عن نسخة (أيرلند شستر يتي) ونشرته مكتبة (العبيكان) بالرياض ألّفَ "البقاعِيّ" الكتاب في " دمشق" سنة (٨٨١) ناهيا عن المنكر، أمرًا بالمعروفٍ في شأن أحكام وآداب ذكر الله في المساجد

стр. 99

يقول: " إنّي لمَّا رجعتُ من مصر بعد طول الغيبة إلى دمشق راجيا حسن الأوبة بقلة المناكر، وكثرة الناصر على الظالم ... وجدتها قد تغيّرَ أهلها.... فوجدتُ في جامعها الأعظم [الجامع الأمويّ] قومًا يتحلقون ويهللون بصوت واحد من بعد صلاة الجمعة إلى العصر ذكرًا يخرجونه عن وجهه إلى حيز المعصية بالأصوات المزعجة ... " (١) ويقصّ علينا بعض ما كان منهم معه لمَّا نهاهم عن المنكر. ويغلب عليه في هذا الكتاب النقل من كتاب (المدخل) لابن الحاج وقد ألف "السيوطيّ" تلميذ "البقاعيّ رسالة عنوانها: " نتيجة الفكر في الجهر بالذكر " يقرر فيها أنَّه لا كراهةَ فِي ما اعتاده السادة الصوفية من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل، وقد نشرت ضمن كتابه (الحاوي للفتاوي - الجزء الثاني) . وهذه الرسالة كالمناقضة رسالة "البقاعيّ" "إنارة الفكر" والغالب على " السيوطي" أنّه لم يفرق بين حكم الشيء في ذاته، وحكمه على كيفية معينة، فلم يقل أحد بانَّ الجهر بالذكر مطلقا أو في المساجد في غير أوقات الصلوات غير مباح، ولكن ما يجري من ذلك على أيدي المنتسبين إلى التصوف هو أمر أقل ما فيه أنّه معطلٌ بعض ما بنيت له المساجد من الصلاة وتعليم القرآن والعلم النافع. .......أصول الدين: العقيدة....... للبقاعيّ في علوم العقيدة وعلم الكلام تأليف عدة وقد كان البقاعي على مذهب أصحاب أبي الحسن الأشعريّ، وكان شديدًا في مناقضة القائلين بوحدة الوجود والقائلين بالاتحاد وكان يكثر من التشنيع عليهم والمناداة بضلالهم كلَّما سنحت له الفرصة في أي مؤلف من مؤلفاته ولاسيما تفسيره، وأفرد لهم رسائل في هذا: ومن مؤلفاته في العقيدة ماهو مطبوع وماهو مخطوط وماهو مفقود، من غير المفقود: ﴿تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد﴾

стр. 100

ذكر هذا الكتاب له في تفسيره نظم الدرر: ج٢٢ص٢٤٥، وهو منسوب إليه في كشف الظنون (ص٣٥٥) من هذا الكتاب نسخة خطية بالخزانة الزكية بدار الكتب المصرية ونسخة في مكتبة: جستر بتي بدبلن (مجلة المورد العراقية ص٢٠٠ عد٢ مج٣) حقق الكتاب ونشره مع كتاب آخر الشيخ: عبد الرحمن الوكيل" تحت عنوان اختلقه، "مصرع التصوف " سنة:١٣٧٣هـ، وما كان للشيخ الوكيل ﵀ أن يفعل فإنَّ ذلك العنوان لا يدل على موقف البقاعيّ من التصوف، والكتابان ليس فيهما إلا تهديم للقائلين بوحدة الوجود،والاتحاد والحلول، وأكثر المنسوبين إلى التصوف لا يقولون بذلك، لا يرون صواب من يقول به، والبقاعي لا يناصب الصوفية جميعا عداءًا بل هو متخذ موقف العداء ممن يقول بما قال به ابن الفارض وابن عربي من وحدة الوجود والاتحاد والحلول. فالكتاب قائمٌ لنقض قصيدة "ابن الفارض" المسماة: بـ " التأئية الكبرى " أو " نظم السلوك " وهي في واحد وستين وسبع مئة بيت (٧٦١بيتٍ) من البحر الطويل أولها: سقتْنِي حُميَّا الحبّ راحةُ مقلتي وكأسي محيَّا من عن الحسنِ جَلَّتِ وقد تظاهر على شرحها كثير من الشراح الصوفيين أولهم "سعد الدين الفرغانيّ" المسمَّى شرحه بـ:" منتهى المدارك ومشتهى لبِّ كل كامل وعارف وسالك "مخطوط بمعهد المخطوطات بالقاهرة وقد عمد "البقاعي" إلى ما في هذه القصيدة من مناقضة لما جاء به الكتاب والسنة ومجاوزة لحقائق الشرع ومنطق العقل المعافى من داء الشرك وهو يصدر كلامه ببيان أنَّ طريق الفقهاء هي طريق كبار الصوفية القائمة على الكتاب والسنة وهو التصوف السلوكي، وما عليه ابن الفارض وابن عربي هو التصوف الفلسفيّ ويقرر أنّ العلماء حاكمون بكفر الرجلين: ابن عربي وابن الفارض بل يذهب إلى أنّ من توقف في تكفيرهما هو كافر، ويطعن في شهادة سبط ابن الفارض لجده مبينا ما يفيد الولاية للعبد من الكتاب والسنة ٠ *** ﴿تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي﴾

стр. 101

نَسَبَ الكتاب لنفسه في تفسيره " نظم الدرر " ج٢٢ص٢٤٥ ومن الكتاب نسخة خطية بالخزانة الزكية بدار الكتب المصرية وهو مطبوع مع كتاب: " تحذير العباد" السابق ذكره في كتاب عنوانه " مصرع التصوف " بتحقيق: عبد الرحمن الوكيل" سبقت الإشارة إليه. يقول البقاعيّ في أوله: " وسميت هذه الأوراق: " تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي" وإنْ شئتَ فسمها: " النصوص من كفر الفصوص" فرغ من تأليفه في شوال من سنة أربع وستين وثمان مئة (٨٦٤) بالقاهرة وهوإذا ما كان جاعلا كتابه" تحذير العباد " لنقض قصيدة " ابن الفارض " " التائية الكبرى " فإنّه جاعل كتابه " تنبيه الغبي " لنقض كتاب: " فصوص الحكم " وهو يُحَدِّدُ مَدارَ كلامِ " ابن عربي " في الفصوص " بأنَّه الوحدة المطلقة أي انَّه لاشيءَ سِوَى هذا العالم وأنَّ الأله أمر ٌكلىٌّ لاوجود له إلا في ضمن جزئياته ويقررُ أنَّ ما قد يبدو من كلام "ابن عربي" على غير هذا فهو خداع وتلبيسٌ، رافضًا تأويلَ كلامِه , فليسَ كلُّ كلامٍ يُؤَوَّلُ ويُصرفُ عن ظاهره. وهو في هذا داخل في باب الاحتياط ودفع المفسدة الذي يجبُ علَى كلِّ مسلمٍ أن يعتصمَ به في باب العقيدة , فإنَّ أول ما يجب الحفاظ عليه نقيًّا صافيًا هو التوحيدُ المُجرَّدُ من كلِّ شائِبَةِ شِرْكٍ. وعلى العلماء وولاة الأمر حَمْلُ النَّاسِ بالحكمة والموعظة الحسنة وتبيان الحق إلى الأخذ بتلك الحَيْطةِ وألا يُتركَ النَّاسُ على ما تُسَوِّلُ لهم شياطينهم من الإنس والجن، فيؤخذ على كلّ من أصَرّ على إضلال الناس وصرفهم عمَّا جاء به الكتب والسنة. والبقاعي يتتبع مقالات " ابن عربي " في الفصوص مبرزًا ما فيها ممَّا يُخالِفُ عقيدة الإسلام وهو يُقرِّرُ أنّه ما اعتمد إلاَّ على نسخة من الفصوص أحضرها له واحدٌ ممن يعتقد في "ابن عربي" ويتعصب له، وهذا من تدقيقات البقاعي وحيطته في البحث العلمي وتوثيق مصادره

стр. 102

لقي كتاب البقاعيّ " تنبيه الغبي" معارضة من بعض أهل العلم كتلميذه "السيوطي" (ت:٩١١هـ) فألَّف كتابا عارضه به عنوانه: " تنبيه الغبي يتبرئة ابن عربي" وقد حققه " محمد إبراهيم سليم " سنة خمس عشرة وأربع مئة والف (١٤١٥) والسيوطي لم يُبَيِّنْ وجهَ الحقِّ في مقالات ابن عربي التي نقضها البقاعي وكان جديرا به أن ينقض مقالات البقاعي , ويبين لنا المعنى الصحيح من كلام ابن عربي والدليل على صحة ما يقول , ولكن السيوطي اكتفى بذكر العلماء المؤيدين ابن عربي , وكانَّ القول يُسْتَدَلُّ على أنَّه الحقُّ يمن قاله ومن أيَّده لا بما حَواه الكلام من الحق، وهذا من العجز عن وجود ما يؤيد الكلام من نفسه مما يدل على أنّ الكلام نفسه ليس فيه ما يقطع بأحقيته ليس أحد يكون كلامه دليلا على شيء غير كلام الله ثُمّ كلام نبيه ﷺ ، فإذا ما قيل: قال الله ﷻ ، أو قال رسوله ﷺ ، وتوثقت نسبة الكلام إليه، فقد قام الدليل قياما قاهرًا على من كان بهما مؤمنًا، وإلا فنحن بحاجةٍ إلى أن نقيم الدليل لمن لم يؤمن بهما من الكلام نفسه لا من مقام القائل، ومن ثَمَّ سمعنا الحقَّ يدعو إلى تدبر كلامه والنظر فيه ليقف المرء على أنَّه كلام الله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:٨٢) (١)

стр. 103

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (صّ:٢٩) منهج السيوطي في كتابه هذا بعيد عن المنهج العلمي بينما منهج البقاعي قائم بأصول البحث العلمي وتحقيق القضايا العلمية. كان على السيوطي أنْ يعمد إلى كلّ نصٍّ ذكره البقاعي من فصوص الحكم لابن عربي يبرهن به على كفره , فيكشف لنا عن وجه الحقِّ الذي غاب عن البقاعي إن كان فيه حقٌّ , ووجه دلالته على ذلك الحق، بدلا من ذكر أسماء من يعتقد ولاية ابن عربي من العلماء. قد كان من سفسطة الكافرين معارضة الحق بالطعن فيمن أيده وليس في الحق نفسه ﴿فَقَالَ الْملأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود:٢٧) السيوطي يذهب إلى أنَّ المتصدي لتكفير " ابن عربي " لم يخف سوء الحساب، وأن يقال له: هل ثبت عندك في نصٍّ أنّه كافر؟، فإن قال: كتبه تدلّ على كفره، أَفَأَمِنَ أن يُقالَ له: هل ثبت عندك بالطريق المقبول في نقل الأخبار أنَّه قال هذه الكلمة بِعينها؟ وأنه قصد بها معناها المتعارف؟ والأول لا سبيل إليه لعدم مستند يعتمد عليه في ذلك، ولا عبرة بالاستفاضة الآن، وعلى تقدير ثبوت أصل الكتاب عنه فلا بد من ثبوت كل كلمة كلمة؛ لاحتمال أنْ يُدَسّ في الكتاب ما ليس من كلامه من عدوّ أوْ ملحد ... والثاني: وهو أنّه قصد بهذه الكلمة [كذا] لا سبيل إليه أيضًا ومن ادَّعاه كفر؛ لأنَّه من أمور القلب التي لا يطلع عليها إلا الله -

стр. 104

وقد سال بعض أكابر العلماء بعض الصوفية في عصره ما حملكم على أن ْاصطلحتم على هذه الألفاظ التي يستبشع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدعيه من لا يحسنه، ويدخل فيه من ليس من أهله" (١) هذا الحجاج من السيوطي مثير للضحك، فهو أقرب إلى اللجاجة منه إلى المجادلة بالتي هي أحسن التي حثَّ عليها القرآن العظيم، وما كان للسيوطي أن يلقى بنفسه في مثل هذا المكشوف عواره هو يعلمُ أنَّ أهل العلم إنَّما يحكمون على أقوال الناس وأفعالهم لا ما في قلوبهم فذلك أمره إلى الله ليس لك من أخيك إلا قوله وفعله أمَّا قلبه فلربه والأقوال والأفعال هى مرآة ما في القلوب والمترجمة عنها، فلا ينطق أحد بغير اضطرار شرعي كلمة كفر وإلحاد ثمَّ يقول للناس: أشققتم عن قلبي لتحكموا علىّ بذلك؟ إنَّ الذي شقَّ عن قلبه إنما هو لسانه وقلمه، فالذي يعلن أنَّ فرعون – عليه اللعنة - مؤمن ألا يكون بهذا منكرًا صريح القرآن وقطعيه؟ سواء قال ذلك ابن عربي أو غيره، المهم قائل ذلك لاشكَّ في أن قوله هذا مقالة كفر تحتمل التأويل الراجح أو المرجوح؛ لأنّ من كان كذلك لا يؤوَّل قولُه، فما الذي يحمله على ذلك؟!!! في فصوص الحكم: فصّ حكمة علوية في كلمة مٌوسَوِيَّة في شأن التقاط "موسى" من التابوت ومقالة امرأته عليها الرضوان: " قٌرَّتُ عَينٍ لى ولك" (القصص:٩) مبينا كيف كان موسى ﵇ قرة عين فرعون.

стр. 105

" وكان قرة عين لـ"فرعون" بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهرا، ليس فيه شيءٌ من الخبث؛ لأنه قبضه عند إيمانه قبل أنْ يكتسب شيئًا من الآثام، والإسلام يجبُّ ما قبله، وجعله آية على عنايته بمن شاء حتى لا يِيْأَسَ أحدٌ من رحمة الله ﷻ ؛ فإنَّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. " ألا تشق هذه المقالة صدر قائلها وتكشف عما في قلبه؟ أليست هذه صريحة في انّه ينكر ما جاء به القرآن الكريم والسنة الصحيحة من كفر فرعون وأنَّه من أصحاب النار؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود:٩٦-٩٩) ألم يقرأ صاحب فصوص الحكم قول الله (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) ؟ أليست هذه قاطعة بأنَّ فرعون يقدم قومه إلى نار جهنم؟ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (المزمل:١٦) إنَّ صاحب الفصوص يذهب إلى أبعد من هذا حين يرى أنَّ المجرمين في الدنيا يصلون في الآخرة إلى عين القرب من الله وذلك عند حديثه عن قول الله : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ (مريم:٨٦)

стр. 106

يقول: " وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم بها [كذا] فهو يأخذ بنواصيهم، والريح تسوقهم – وهي عين الأهواء التي كانوا عليها – إلى جهنم وهي البعد الذي كانوا يتوهمونه، فلمَّا ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق؛ لأنهم مجرمون، فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنّة، وإنما أخذوه بما استحقه حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم [كذا] ؛لأنَّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة، فما مشوا بنفوسهم، وإنَّما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب" (١) ماذا يقول السيوطي في هذا؟ أيمكن لعاقل أن يتأوله على ما يمكن أن يحسب حاسب أن يطوف حول معنى من معاني القرآن الكريم؟!! أيّ تحريف للكلم عن مواضعه أعظم وأجرم من هذا؟ ومن هذا الإلحاد والتحريف للكلم عن ومواضعه والقول على الله بغير علم والقول في القرآن الكريم بالرأي الفاسد الضال المضل والمؤذن في الناس بما يُعربد في صدر هذا الضال المحرف المارق ما قاله عند قول الله في شأن قوم هود: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الاحقاف:٢٤)

стр. 107

يقول: " ألا ترى عادًا قوم هود كيف قالوا: هذا عارضٌ ممطرنا" فظنوا خيرًا بالله وهو عند ظنّ عبده به [كذا] فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتمُّ وأعلى في القرب، فإنَّه إذا أمطرهم، فذلك حظّ الأرض، وسقي الحبّ، فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بُعد، فقال لهم: بل هو ما ستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة [كذا] فإنَّ بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة، والمسالك الوعرة والسُّدف والمُدْلَهِمَّة، وفي هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه [كذا] إلا أنّه يوجعهم لفرقة المألوف " (١) ليس لعاقل ناصحٍ نفسه وأمته أن يزعم أنَّ مقالات "صاحب فصوص الحكم" هذه ليس من الضلال المبين، ولا تنادي على قائلها بصريح الكفر. مجادلة " السيوطي " بأنَّه لا دليل على أنَّ هذا قاله " ابن عربي " هي إلى التضليل أقرب، فسواء قالها هو أو نسبت إليه فإنَّ هذه المقالة مقالة كفر صريح فمن أنشأها ومن رواها معتقدا صوابها ومن هو راض بها هو ساقط في الكفر؛ لأنَّه دفعٌ وردٌّ ونقضٌ لما هو قائم في كتاب الله قياما لا يحتمل أدنى تأويل على غير ظاهره الصراح٠ ولـ "إبراهيم بن محمد الحلبيّ " (ت:٩٥٢) رسالة: " تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي" يرد فيها على السيوطي. لم يتيسر لي الاطلاع عليها بسطت القول هنا لأمور: ـ علاقة هذا بتأويل البيان القرآني الكريم على غير الوجه والمنهاج القويم.

стр. 108

ـ أنَّ كثيرًا من المرجفين بالفتنة في الأمَّة من العلمانيين القائمين على مقاليد الثقافة والإعلام في ديارنا يجاهدون في نشر آثار الملاحدة والمارقين والمحرفين القول عن مواضعه من أمثال: "ابن عربي" و"ابن سبعين" و"إخوان الصفا" فتظاهرت المؤسسات الثقافية في وزارتي " الثقافة " و " الإعلام " على تيسير ولوج هذا التراث التخريبي الإلحادي إلى مكتبات الشبيبة والدَّهماء الذين لا يُحسن كثيرمنهم فَهْم مقال صَحَفيٍّ فضلا عن أن يفقهوا ما في آثار أولئك المخربين من أضاليل، ولو أنَّك سألت وزير الثقافة نفسه ووزير الإعلام نفسه عن معنى شيءٍ مما تنشره وزارة كلِّ من تلك الأباطيل لكان الصمت ملاذه، فكيف بمن لا يحسن قراءة كتاب من كتب وزارة التربية والتعليم على ضحالتها وفقرها الثقافي والعلميّ؟!!! ما كنت إلى أن أثير الغبار في وجه ابن عربي وأشياعه لو أنَّ تراثه مطمور في المكتبات وخزائن المخطوطات لا ينظر فيه إلا أهل العلم القادرين على تمييز الحق من الباطل، أمَّا أن تعمل المؤسسات الحكومية على نشر ترثهم تاركة تراث العلماء المحققين كالشافعيّ والبقاعيّ والخطَّابيّ وأبي بكر بن العربي الفقيه المالكي، والشاطبي، والبيهقي وابن تيمية وابن القيم والشوكانيّ ومن ناصرهم في حماية عقيدة التوحيد من تلك الأضاليل التي دسَّها كثير من الملحدين، فإنَّ الأمر يفتقر إلى مجاهدة ومجالدة مرضاة لرب العالمين، وإنَّ السكوت عن التصدي لباطلهم مرضاة للشيطان مغضبة للرحمن. *** ﴿تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان﴾ نسبه إلى نفسه في نظم الدرر (ج٢٠ص١٧٧،ج٢٢ص١٤١) ونُسِبَ إليه في (كشف الظنون: ص٥١٣) فرغ منه سنة ثلاث وثمانين وثمان مئة (٨٨٣هـ) بدمشق يناقش فيه مقالة: " ليس في إمكان الله أن يبدع عالما أبدع من هذا العالم"وكان"الغزالى" قد ذكر ذلك في بعض مؤلفاته، فأثارت جدلا

стр. 109

يقول "البقاعي" عند تفسيره قول الله : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (التغابن:٣) " خلقُ الإنسانٍ في أحسن تقويم لا ينفي أن يكون للنوع الذي جُعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس لا نهاية لأحسنية بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من الذوات , فقدرة الله لا تتناهى، فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام "الغزالى" أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإن كان قد عَلِمَ أنَّه اعْتُرض عليه في ذلك، وأجاب عنه في الكتاب الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها؛ فإنّه لا عبرة بذلك الجواب أيضًا، فإنَّ ذلك ينحَلُّ إلى أنَّه لا يقدر على أن يخلقَ أحسن من هذا العالم، وهذا لايقوله أحدٌ. وهذا لا ينقص مقدار "الغزالي" فإنَّ كلَّ أحد يؤخذ من كلامه ويردّ، كما قال الإمام "مالك" ﵃، وعزاه "الغزالي" نفسُه إلى "ابن عبَّاس" – ﵄ وقال الإمام "الشافعيّ" ﵃: " صنفتُ هذه الكتب وما ألوت فيها جهدًا، وإني لأعلم أنَّ فيها الخطأ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء: من الآية٨٢) (١) ويقول عند تفسيره قول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:١٢) "فإنّ من قدر على إيجاد ذرّةٍ من العدمِ قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لانهاية له؛ لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير

стр. 110

﴿ً ... مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ... ﴾ (الملك: من الآية٣) وإيَّاك أن تَلْتَفِتَ إِلى منْ قالَ: إنَّه ليسَ فِي الإمْكانِ أبْدَعَ من هذا العالمِ؛ فإنّه مذهبٌ فلسفيّ خبيتٌ، والآيةُ نصّ في إبطاله، وإن نسبه بعضُ الملحدين إلى "الغزاليّ" فإنّي لا أشك في أنّه مدسوسٌ عليه!!! ، فإنَّه مذهبٌ فلسفيّ خبيثٌ بشهادة " الغزالىّ" كما بينت في كتابي: " تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان" وكتابي: " دلالة البرهان على أنّ في الإمكان أبدع مما كان" وكتابي: " إطباق الأغلال في أعناق الضلا ل" ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين " ابن عربي" وأودعه" فصوصه" وغير ذلك من كتبه، واستند فيه في بعضها إلى "الغزاليّ" إتقانًا لمكره – أعاذنا الله من شره – و"الغزاليّ" بريءٌ منه بشهادة ما وجد من عقائده في "الإحياء" وغيره" (١) وقوله عند تفسيره قول الله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم ٍ﴾ (التين:٤) "وصيغة " افعل" لا تدلّ على ما قاله الزنادقة وإن عُزِيَ ذلك إلى بعض الأكابر من قولهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ لأنّ الدرجة الواحدة تتفاوت إلى ما لايدخل تحت حصر، كتفاوت الإنسان في صوره وألوانه وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه. وقد بيّنت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته: " تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان " وأوضحته غاية الإيضاح والبيان، وجرت فيه فتنٌ تصُمّ الآذان، ونصرَ اللهُ الحقّ بموافقة الأعيان، وقهر أهل الطغيان، ثمّ أردفتُهُ بكتاب " دلالة البرهان على أنّ في الإمكان أبدع مما كان" ثُمَّ شفيت الأسقام ودمغت الأخصام وخسأتُ الأوهام بـ" القول الفارق بين الصادق والمنافق" وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع.
следующие страницы →