وليس المكروه بمعنى عدم المراد، لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد، وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله.
وليس بمعنى المنهي عنه نهياً غير جازم لأن ذلك اصطلاح فقهي حادث بعد نزول القرآن، والقرآن لا يفسر الحادثة بالاصطلاحات.
(ذلك): إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة (سيئه) فالمكروه هو سىء ما تقدم، وهو القبائح المنهي عنها.
أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة: (سيئة).
و (مكروهاً): خبر كان على القراءة الأولى، وخبر ثان على القراءة الثانية.
وتقدير الكلام على القراءة الأولى:
كل ذلك المذكور كان سيئه- وهو المنهيات- مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن حسنه- وهو المأمورات- محبوب عنده.
وعلى الثانية كل ذلك المنهي عنه كان سيئه مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن المأمور به حسن عنده.
المعنى:
عرف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها- على ما تقدم في التقرير- أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض.
فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، وأنه- تعالى- لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن.
وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الامتثال ويرغبهم فيه. فإن الحسن تميل إليه النفوس، والقبيح تنفر منه.
وفي قوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ غاية الترغيب في الحسن والتنفير من القبيح، فإن الحسن جد الحسن ما كان حسناً عند الله تعالى، والقبيح جد القبيح ما كان قبيحا عنده. وفي اسم الرب تنبيه على أن العلم بالحسن والقبيح على وجه التفصيل والتدقيق- حتى يكون المأمور به حسناً قطعاً، والمنهي عنه في قبيحاً قطعاً- إنما هو قوله تعالى، وأن أوامره ونواهيه- تعالى- الجارية على مقتضى ذلك هي من مقتضى ربوبيته- تعالى- وتدبيره لخلقه.
...
مكانة هذه الأصول علما وعملاً:
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾:
لما بينت الأصول تمام البيان، وقررت غاية التقرير- جاءت هذه الآية للتنويه بها لحث العباد على تحصيل ما فيها من علم، والتحلي بما دعت إليه من عمل.
стр. 107
الحكمة هي العلم الصحيح، والعمل المتقن المبني على ذلك العلم.
وقال مالك بن أنس ﵁: «هي الفقه في دين الله والعمل به».
والقرآن حكمة لدلالته على ذلك كله.
(ذلك): إشارة إلى ما تضمنته الآيات المتقدمة من قوله تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلهاً آخر﴾ ومن في "مما" تبعيضية. ومن في "من الحكمة" بيانية، مجرورها بين المبهم، وهو ما في قوله "مما". والتقدير: ذلك الذي تقدم بعض الحكمة التي أوحاها إليك ربك.
المعنى:
هذا ضرب آخر من تأكيد العمل بما تقدم، والترغيب فيه: فبين تعالى أن ما تضمنته الآيات المتقدمة كله حكمة، فالمتحقق بما فيها من علم، والمتحلي بما حثت عليه من أعمال، هو الحكيم الذي كمل من جهته العلمية وجهته العملية، وتلك أعلى رتب الكمال للإنسان.
وفي ذكر أنها بعض من كل، تنبيه على جلالة كلها، وهو عموم ما أوحى الله تعالى إلى نبيه- ﵌.
وتنبيه أيضاً على أن شرح هذه الأصول فيما أفادته من علم وعمل، والتفقه فيها يرجع فيه إلى الوحي، ويعتمد في ذلك على بيانه.
وفيه بيان أن الوحي هو المرجع الوحيد لبيان دين الله تعالى وشرعه، وما أنزله لعباده من الحكمة، وذلك الوحي هو القرآن العظيم، وسنة النبي ﵌، الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم.
...
ختام الآيات:
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
لما كانت هذه الآيات في أصول الهداية، وأساس الهداية وشرطها هو التوحيد: ختمت الآيات بالنهي عن الشرك كما بدأت به.
(الإلقاء): هو الطرح.
و (الملوم): هو الذي يقال له لم فعلت القبيح؛ وما حملك عليه؛ ونحو هذا ...
و (المدحور): المبعد. وانتصبا على الحال.
المعنى:
نهى تعالى عن الشرك، وأن يعبد معه سواه، فالعبادة بالقلب واللسان والجوارح لا تكون إلاّ له.
وكما حذر في فاتحة الآيات بقعود المشرك في الدنيا مذموماً بالشرك الذي ارتكبه مخذولاً لا
стр. 108
ناصر له- كذلك حذر هنا بمآل المشرك في آخرته، بإلقائه في جهنم، ملوماً على ما قدم، مطروداً مبعداً في دركات الجحيم.
...
نظرة عامة في الآيات المتقدمة:
قد تضمنت هذه الآيات على قلّتها: الأصول التي عليها تتوقف حياة النوع البشري وسعادته:
من حفظ النفوس والعقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ﴾.
والأنساب، والأموال، والحقوق، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ... ﴾، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ ..
والأعراض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا .. ﴾، ﴿وَلَا تَقْفُ ... ﴾ ...
والدين الذي هو عمدة ذلك كله وفي حفظه حفظ لجميعها.
وفي افتتاح الآيات بقوله تعالى:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. وختمها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾، بيان من الله تعالى لخلقه، بأن الدين هو أصل هذه الكمالات كلها، وهو سياج وقايتها، وسور حفظها، وأن التوحيد هو ملاك (١) الأعمال وقوامها، ومنه بدايتها وإليه نهايتها.
وكذلك المسلم الموفق يبتدي حياته بكلمة التوحيد حتى يموت عليها.
فالله نسأل- كما منَّ علينا بها في البداية- أن يمن علينا بها في النهاية.
اللهم هذا لنا، وللمسلمين أجمعين.
القَول الحسَنُ
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ [الإسراء:٥٣ و ٥٤].
تمهيد:
اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان.
стр. 109
والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقّى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.
فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه.
فإذا حسن قويت روابط الإلفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر.
ويعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران.
وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك:
فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستعداد والتعاون، وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل.
وفي ذلك كل الشر لأبناء البشر.
فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم- هو القول الحسن.
ولهذا أمر الله تعالى نبيه- ﵌ أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين:
الأول: أنهم أضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلاّ للمؤمنين به.
الثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان.
و (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضاً بأحب الأسماء إليه.
وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء.
وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون أذاية لخصمة، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به.
стр. 110
وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدق تلميح إلى شيء قبيح.
وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم.
وقد جاء في الصحيح: «أن رهطا من اليهود دخلوا على النبي- ﵌ فقالوا: السام (١) عليكم ففهمتها عائشة- ﵂ فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله- ﵌: مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؛ فقال: قد قلت: وعليكم» (٢).
فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال- ﵌ القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
وأفاد قوله تعالى: ﴿أحسن﴾ بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.
فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال، ولو كلمة واحدة:
فرب كلمة واحدة أوقدت حرباً، وأهلكت شعباً، أو شعوباً.
ورب كلمة واحدة أنزلت أمناً وأنقذت أمة أو أمما.
وقد بين لنا النبي- ﵌ مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: «الكلمة الطيبة صدقة» (٣) و «اتقوا النار ولو بكلمة طيبة» (٤).
وهذا الأدب الإسلامي- وهو التروي عند القول، واجتناب السيء واختيار الأحسن- ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب،
стр. 111
وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم- والنبي ﵌ يقول: «المسلم أخو المسلم» (١) - إلاّ بتركهم هذا الأدب، وتركهم للتروي عند القول والتعمد السيء، بل للأسوأ في بعض الأحيان.
...
التحذير من كيد العدو الفتان:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
(نزغ الشيطان) وسوسته ليهيج الشر والفساد، وعداوته باعتقاده البغيض، وسعيه في جلب الشر والضر، وإبانته لعداوته بإعلانه لها كما علمنا القرآن.
وهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء، ويهيج غضبه ليقولها، ويهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الشر والفساد.
ولون آخر من نزغه، وهو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليه في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح حتى يقولها. فإذا قالها عاد لسامعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منها، ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته، ويهيج غضبه، حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه.
فحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا وإذا سمعوا، فيتباعدون عما فيه احتمال السوء فضلاً عن صريحه، ويحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له، ويتجاوزون عن سيئة الصريح ما أمكن التجاوز.
المحاسبة على الحال والظاهر والتفويض إلى الله تعالى في العواقب والسرائر:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة.
وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة، فما أكثر ما يضلل بعض بعضاً أو يفسقه أو يكفره، فيكون ذلك سبباً لزيادة شقة الخلاف اتساعاً، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمه. دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر.
فذكر الله تعالى عباده بأنه هو العالم ببواطن خلقه وسرائرهم وعواقب أمرهم، فيرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، بحكمته وعدله:
стр. 112
فلا يقطع لأحد بأنه من أهل النار لجهل العاقبة سواء كان من أهل الكفر، أو كان من أهل الفسق، أو كان من أهل الابتداع.
كما لا يقطع لأحد بالجنة كذلك، إلاّ من جاء النص بهم.
فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته: إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر، وسوء عاقبته.
ولا يقال للمبتدع: يا ضال، وإنما تبين البدعة وقبحها.
ولا يقال لمرتكب الكبيرة: يا فاسق، ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها.
فتقبح القبائح والرذائل في نفسها، وتجتنب أشخاص مرتكبها.
إذ رب شخص هو اليوم من أهل الكفر والضلال تكون عاقبته إلى الخير والكمال. ورب شخص هو اليوم من أهل الإيمان ينقلب- والعياذ بالله تعالى- على عقبه في هاوية الوبال. وخاطب الله تعالى نبيه ﵌: أنه لم يرسله وكيلاً على الخلق، حفيظاً عليهم، كفيلاً بأعمالهم (١).
فما عليه إلاّ تبليغ الدعوة، ونصرة الحق بالحق، والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم.
خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به، من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف.
فلا يحملنّهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلها، فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم ﵌.
ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه؛ فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه.
أحيانا الله عليهما، وأماتنا عليهما، وحشرنا في زمرة أهلهما. آمين.
...
دعاء غير الله
من دعا غير الله، فقد عبد ما دعاه وهو في عبادته من الخاسرين
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ
стр. 113
عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ و٥٧].
(الدعاء): هو النداء لطلب شيء من المدعو، ولذلك لا يدعو إلاّ العاقل، أو ما نزل منزلته مجازاً من الجمادات، أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من العجماوات (١).
وإذا كان لشيء معظم، ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية، وفوق الطاقة البشرية، فهو عبادة، ولا يكون إلاّ من المخلوق لخالقه، واذا لم يكن كذلك فهو عادة، وهو دعاء المخلوقين بعضهم بعضاً لغرض من الأغراض.
و (الزعم) القول بغير دليل.
(ومن دونه) أي غيره. (والملك) الاستيلاء على الشيء، والتمكن من التصرف فيه.
(وكشف الضر): إزالته.
﴿ولا تحويلاً﴾: نقلاً له إلى شخص آخر.
أمروا بالدعاء لتوقيفهم على خيبتهم فيه بظهور عجز من يدعون. وحذف مفعولا زعم، والتقدير: زعمتموهم آلهة؛ للعلم بهما؛ لأنهم ما دعوهم إلاّ لكونهم آلهة في زعمهم.
و ﴿لا يملكون﴾ وقع بعد الفاء ولم يجزم في جواب الأمر؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره:
فهم لا يملكون، وهذا لأن الفاء قصد بها العطف، ولم يقصد بها السببية (٢) - ولا يصح أن تقصد بها السببية- لأن ذلك يقتضي أن يكون عدم ملكهم متسبباً عن الدعاء، مثلها في قول الشاعر:
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلاَ أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ (٣)
فإن عدم العدول متسبب عن التوفيق.
وليس كذلك الأمر في هذه الآية؛ فإن عدم ملكهم متحقق، سواء دعوا أم لم يدعوا.
فلذلك امتنع النصب ووجب الرفع على التقدير المتقدم (٤).
стр. 114
المعنى:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، الذين اتخذوا آلهة من دون الله فعبدوها: ادعوا معبوداتكم هذه التي زعمتموها آلهة من دون الله، عندما ينزل بكم الضر، وانظروا:
هل تستطيع تلك المعبودات الباطلة أن تكشف وتزيل عنكم ذلك؟
أو أن تحوله عنكم إلى غيركم؟ فإنكم تجدونها عاجزة عن ذلك غير قادرة على شيء منه.
وإنما يقدر على ذلك الإله الحق، وهو الله الذي خلقها وخلقكم، فاعبدوه هو، وأقلِعوا عن عبادة ودعاء ما سواه.
الأحكام:
تدل الآية على أن دعاء غير الله- تعالى- لدفع الضر، ومثله جلب النفع، عبادة للمدعو:
فإن المشركن كانوا يتعبدون لآلهتهم بهذا الدعاء، الذي نهاهم الله تعالى عنه ببيان خيبتهم فيه، ووقوعه في غير محله.
وتسمية الدعاء عبادة ثابتة لغة وشرعاً بغير دليل:
منها حديث النعمان بن بشير عند أحمد وأصحاب السنن مرفوعاً: «الدعاء هو العبادة» (١).
وحديث أنس عند الترمذي مرفوعاً: «الدعاء مخ العبادة» (٢).
وهذا لأن العبادة هي الخضوع والتذلل، لمن بيده الخلق والتصرف والعطاء والمنع. ومظهر هذا الخضوع والتذلل هو الدعاء لدفع الضر، أو جلب النفع؛ فلذلك عبر عنه في الحديث الأول بأنه هو العبادة، أي معظمها وفي الثاني بأنه مخ العبادة أي خالصها.
ودلت الآية أيضاً على أنه لا يجوز دعاء غير الله من المخلوقين، أي مخلوق كان لدفع ضر، ومثله جلب نفع؛ لأن الآية نعت (٣) على المشركين دعاءهم من لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وهذا أمر يشترك فيه جميع المخلوقين، فلا مخلوق يستطيع كشف الضر أو تحويله عن نفسه ولا عن غيره. فلا مخلوق يجوز دعاؤه.
ودلت على أن كشف الضر أو تحويله- ومثله جلب النفع- إنما هو للمعبود الحق، لأن الآية استدلت عليهم في مقام الأمر بتوحيد الله، فأفاد ذلك قصر هذا التصرف عليه تعالى وحده.
стр. 115
استنتاج:
لما ثبت شرعاً، أن الدعاء عبادة- فمن دعا شيئاً فقد عبده ولو كان هو لا يسمي دعاءه عبادة- جهلاً منه، أو عناداً-؛ لأن العبرة بتسمية الشرع واعتباره لا بتسمية المكلف واعتباره. ألا ترى لو أن شخصاً قام للصلاة بدون وضوء مستحلا لذلك، فلما أنكرنا عليه قال: أنني لا أعتبر هذه الأفعال والأقوال عبادة، ولا أسميها صلاة. أترى ذلك يجيز فعله، ويدفع عنه تبعته؟؟ كلا!! ولا خلاف في ذلك بين المسلمين.
بل قد حكموا بردته إن كان يفعل ذلك ويراه حلالًا، لأنه يكون قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
فالداعي لغير الله تعالى يطلب منه قضاء حوائجه، قد عبد من دعاه وإن لم يعتبر دعاءه عبادة؛ لأن الله قد سماه عبادة.
وإذا استمر على فعله ذلك مستحلا له بعدم تعليمه وإرشاده، يكون قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وهو أن العبادة- والدعاء منها- لا تكون إلاّ لله فيحكم بردته، نظير مستحل الصلاة بلا وضوء، بلا فارق.
تطبيق:
إذا علمت هذه الأحكام، فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين الجزائريين وغير الجزائريين، تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقاً في هذا الضلال:
فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع، وتيسير الرزق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون. ويذهبون إلى الأضرحة التي شيدت عليها القباب، أو ظلمت بها المساجد فيدعون من فيها، ويدقون قبورهم، وينذرون لهم، ويستثيرون حميتهم، بأنهم خدامهم وأتباعم، فكيف يتركونهم؟؟ وقد يهددونهم بقطع الزيارة، وحبس [[النذور]].
وتراهم هنالك في ذل وخشوع وتوجه، قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم!!
فأعمالهم هذه من دعائهم وتوجههم كلها عبادة لأولئك المدعوين، وإن لم يعتقدوها عبادة؛ إذ العبرة باعتبار الشرع، لا باعتبارهم.
فياحسرتنا على أنفسنا كيف لبسنا الدين لباساً مقلوباً، حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال.
تحذير وإرشاد:
فليحذر قراؤنا من أن يتوجهوا بشيء من دعائهم لغير الله، وليحذروا غيرهم منه.
ولينشروا هذه الحقائق بين إخوانهم المسلمين، بما استطاعوا، عسى أن يتنبه الغافل، ويتعلم
стр. 116
الجاهل، ويقلع الضالون عن ضلالهم، ولو بطريق التدريج؛ وبذلك يكون قراؤنا قد أدوا أمانة العلم، وقاموا بفريضة النصح، وخدموا الإسلام والمسلمين.
...
نجاة المعبودين بهداهم وهلاك العابدين بضلالهم
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧].
﴿يبتغون﴾ يطلبون باعتناء واهتمام.
﴿الوسيلة﴾ سبب الوصول إلى البغية، والقرب من المطلوب، والوسيلة الموصلة إلى الله هي عبادته وطاعته بامتثال أوامره ونواهيه، والتزام محارمه واجتناب مكارهه، وهذا المعنى هو المراد هنا.
﴿أقرب﴾ أي في المكانة والمنزلة.
﴿يرجون رحمته﴾ ينتظرون إنعاماته لافتقارهم إليه.
﴿ويخافون عذابه﴾ يخشون عقوبته وانتقامه؛ لعلمهم بقوته وسلطانه، وقصورهم عن القيام بجميع واجب حقه.
﴿محذورا﴾، مخيفا متحرزاً منه.
﴿أولئك﴾: إشارة إلى المعبودين الذين وصفهم.
و ﴿يدعون﴾: ضميره للداعين، وأصله يدعونهم يبتغون خير أولئك.
و ﴿أيهم﴾، اسم موصول مضاف إلى ضمير المبتغين، وهو بدل بعض من كل من الواو في يبتغون.
و ﴿أقرب﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره "هو" والجملة صلة الموصول.
ويحتمل أن يكون أيهم استفهاماً مبتدأ وأقرب خبر. وتقدير الكلام: ينظرون أيهم أقرب.
قال ابن مسعود ﵁: «هي في نفر من الإنس، كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن، وبقي الإنس على عبادتهم».
وجاء عنه وعن غيره: أنها في الذين كانوا يعبدون الملائكة من العرب.
стр. 117
المعنى:
على الإعراب الثاني (١):
أولئك الجن والملائكة الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أرباباً قد أسلموا؛ فصاروا من عباد الله المؤمنين، يطلبون أسباب الزلفة والقرب عند ربهم، ينظرون من هو الذي يكون منهم أقرب مكانة باجتهاده وصالح عمله.
وعلى الإعراب الأول (٢):
يطلب الذي هو أقرب منهم أسباب الزلفة عند الله، فأحرى وأولى غيره.
ويرجون بأعمالهم الصالحة رحمته، ويخافون بمخالفتهم عذابه. إن عذاب ربك كان من حقه وشأنه أن يتقى ويحذر، لما فيه من عظيم الخزي وشديد الألم.
الأحكام:
أفادت الآية أن العبادة لا تنفع صاحبها إلاّ إذا كانت على الوجه الحق، وإلاّ فإنه لا يحصل منها إلاّ على الخيبة والوبال.
وأن المكلف لا يحمل شيئاً من إثم عمل غيره إذا لم يكن راضياً به، ولو كان ذلك العمل متسبباً عنه إذا لم يكن متسببا هو فيه.
وأن المكلف مطالب بأن يطلب أسباب القرب إلى الله بجدّ واجتهاد.
وأن يكون جامعاً بين الرجاء والخوف في سلوكه.
التطبيق:
نعرف كثيراً من الصالحين- رحمهم الله تعالى- قد شيدت عليهم القباب، ونذرت لهم النذور، وقصدوا لقضاء الحاجات، ودعوا في المهمات.
وكان ذلك كله مما أحدثه المحدثون بعدهم، وبالغ فيه المستغلون له، ممن ينتمون إليهم؛ فهم- إن شاء الله تعالى- برآء من إثم ذلك كله، وإنما إثمه على فاعليه.
عبرة وتحذير:
يأتي يوم القيامة أولئك الذين كانوا يدعون الملائكة والجن المسلمين وعباد الله الصالحين، ويحسبون أنهم ينفعونهم في ذلك اليوم، فيتبرأ منهم أولئك الذين كانوا يعبدونهم بدعائهم، ويتركونهم في ذلك الموقف العصيب (٣).
стр. 118
فما أمرّ خيبتهم يومذاك!! وما أعظم حسرتهم! ويا لها من عبرة لقوم يعقلون!
فحذار يا إخواننا من هذه العاقبة السيئة، وهذا الموقف المخزي، فبادروا إلى توحيد الله بالدعاء الذي هو مخ العبادة.
واقتصروا في جانب الصالحين وعلى محبتهم (والترضية) عليهم وسؤال الرحمة لهم والإقتداء بهم فيما كان منهم من طاعة وخير، ولا تعظموهم بما لا يكون إلاّ لله رب العالمين.
والله يبصرنا بالحق ويهدينا إليه، ويجعلنا من حزبه، ويميتنا عليه آمين يا رب العالمين.
...
الطور الأخير لكل أمة وعاقبته
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ [الإسراء: ٥٨].
تمهيد:
الأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطوار: طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم.
فيشمل الطور الأول:
نشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة.
ويشمل الطور الثاني:
إبتداء أخذها في التقدم والانتشار، وسعة النفوذ، وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها، وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك؛ بما كان فيها من مواهب، وما كان لها من استعداد، ما لديها من أسباب.
ويشمل الطور الثالث:
إبتداءها في التقهقر والضعف والانحلال، إلى أن يحل بها الفناء والاضمحلال، إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها في عالم السيادة والاستقلال.
وما من أمة إلاّ ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر، كما تختلف الأعمار.
...
هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا، أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية:
فذكر أعمار الأمم، مقدرة محددة بآجلها في مثل قوله تعالى:
стр. 119
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤].
وذكر إنشاء الأمم على إثر الهالكين في مثل قوله تعالى:
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)﴾ [الأنبياء: ١١].
وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى:
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩].
فإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا، واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة، والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه.
وذلك هو الطور الأول طور الشباب للأمة الإسرائيلية.
وذكر الطور الثاني وهو طور الكهولة واستكمال القوة، وحسن الحال، ورغد العيش في مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل:١١٢].
وذكر الطور الثالث طور الضعف وإلانحلال في مثل قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩].
وإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم، وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم. فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاث.
وإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته، جاء البيان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
(القرية) المساكن المجتمعة، ومادة (ق ر ى) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى. وتطلق القرية مجازا على السكان إطلاقاً لاسم المحل على الحال ومنه هذا.
و (الإهلاك) الإبادة والإفناء بالاستئصال كما فعل بعاد وثمود.
و ﴿قبل يوم القيامة﴾ أي في الدنيا.
و (العذاب الشديد) كأمراض الأبدان وفساد القلوب، وانحطاط الأخلاق، وافتراق الكلمة، وتسليط الظُّلاَّم، كما أرسل على بني إسرائيل عباداً أولي بأس شديد، فساءوا وجوههم، وجاسوا خلال ديارهم. وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط وجوائح الأرض، وجوائح السماء.
و ﴿في الكتاب﴾ أي اللوح المحفوظ. و ﴿مسطوراً﴾ أي مكتوبا أسطارا مبيناً.
стр. 120
﴿إن﴾ نافية. و ﴿من﴾ زيدت لاستغراق الجنس وتأكيد العموم.
و ﴿إلا﴾ أفادت مع إن النافية حصر كل قرية في أحد الأمرين من الهلاك والعذاب الشديد، ليعلم أن لا نجاة لكل قرية من أحدهما قطعا.
و ﴿أو﴾ تفيد أحد الشيئين المذكورين على الإبهام وعدم التعيين.
و ﴿ذلك﴾ إشارة المذكور من الهلاك والتعذيب.
المعنى
يقول تعالى: ما من قرية على وجه الأرض إلّا ولا بد أن يحل بها منا هلاك وفناء بما يبيدها ويفنيها، أو عذاب شديد لا يفنيها، ولكنه يذيقها أنواع الآلام وشديد النكال.
كان هذا قضاء سابقاً في علمنا، ماضيا في إرادتنا، مكتوباً أسطاراً في اللوح المحفوظ.
الأحكام:
أحكام الله تعالى قسمان:
أحكام شرعية، وهي التي فيها بيان ما شرعه لخلقه مما فيه انتظام أمرهم وحصول سعادتهم إذا ساروا عليه.
وأحكام قدرية وهي التي فيها بيان تصرفه في خلقه على وفق ما سبق في علمه وما سبق في إرادته.
والأحكام الشرعية تقع من العباد مخالفتها، فيتخلف مقتضاها من الفعل أو الترك.
والأحكام القدرية لا تتخلف أصلاً، ولا يخرج المخلوقات عن مقتضاها قطعاً.
وفي هذه الآية حكم من أحكامه القدرية، وهو أن كل قرية لا بد أن يصيبها أحد الأمرين المذكورين بما سبق من علمه، وما مضى من إرادته، فلا يتخلف هذا الحكم، ولا تخرج عنه قرية.
...
إيضاح وتعليل:
الله حكم عدل حكيم خبير؛ فما من حكم من أحكامه الشرعية إلاّ وله حكمته، وما من حكم من أحكامه القدرية إلاّ وله سببه وعلته.
لا لوجوب أو إيجاب عليه، بل بمحض مشيئته، ومقتضى عدله وحكمته.
وقد قضى على كل قرية بهذه العاقبة من الهلاك والعذاب الشديد في هذه الآية، وبين في غيرها سبب استحقاقها لهما فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩].
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
стр. 121
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١].
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨].
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
فأفادت هذه الآيات أن سبب الهلاك والعذاب هو الظلم، والفساد، والعتو، والتمرد، عن أمر الله ورسله، والكفر بأنعم الله.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
توجيه:
الطور الأخير للأمم هو الذي ذكر في الآيات كثيراً دون الطور الأول والثاني.
و وجه ذلك:
أنه هو الطور الذي ينتشر فيه الفساد، ويعظم فيه الظلم، وينتهي فيه الإعذار للأمة، ويحل فيه أجلها، فينزل بها ما تستحقه من هلاك أو عذاب فكرر ذكر هذا الطور لزيادة التحذير منه، والتخويف من سوء عاقبته، والحث على تدارك الأمر فيه بالإقلاع عن الظلم والفساد، والرجوع إلى طاعة الله وإعمال يد الإصلاح في جميع الشئون فيرتفع العذاب بزوال ما كان بنزوله من أسباب.
استنتاج وتطبيق:
القرى التي قضي عليها بالهلاك والاستئصال هذه، قد انتهى أمرها بالموت، وفاتت عن العلاج مثل عاد وثمود من الأمم البائدة.
وأما القرى التي قضي عليها بالعذاب الشديد، فهذه لا تزال بقيد الحياة فتداركها ممكن، وعلاجها متيسر: مثل الأمم الإسلامية الحاضرة: فمما لا شك إن فينا لظلمًا، وعتواً وفساداً وكفراً بأنعم الله، وإننا من جراء ذلك لفي عذاب شديد.
ولا نعني بهذا أن الأمم الإسلامية مخصوصة بهذا، بل مثلها وأقوى منها في أسباب العذاب والهلاك غيرها من أمم الأرض. وإن لهم لقسطهم من العذاب الشديد. وإذا لم يأت المقدار المماثل من الهلاك أو العذاب لما عندهم من أسبابهما؛ فلأنه لكل أمة أجل، ولما يأت ذلك الأجل بعد؛ فإذا جاء لا يستأخرون سعة ولا يستقدمون.
***
стр. 122
إرشاد واستنهاض:
قد ربط الله بين الأسباب ومسبباتها خلقاً وقدراً بمشيئته وحكمته، لنهتدي بالأسباب إلى مسبباتها، ونجتنبها باجتناب أسبابها.
وقد عرفنا في الآيات المتقدمة بأسباب الهلاك والعذاب لنتقي تلك الأسباب فنسلم، أو نقلع عنها فننجو؛ فإن بطلان السبب يقتضي بطلان المسبب.
وقد ذكر لنا في كتابه أمة أقلعت عن سبب العذاب فارتفع عنها بعد ما كاد (١) ينزل بها، ليؤكد لنا أن الإقلاع عن السبب ينجي من السبب، فقال تعالى:
﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
فمبادرتهم للإيمان وإقلاعهم عن الكفر، كشف عنهم العذاب.
وأرشدنا في ضمن هذا العلاج الناجع في كشف العذاب، وإبطال أسبابه، وهو الإيمان.
كما أرشدنا إليه أيضاً في قوله تعالى قبل هذا:
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. أي نجاها من العذاب. وذكر قوم يونس دليلًا على ذلك.
وأرشدنا إليها أيضاً في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب.
ولا ننهض بهذا العلاج العظيم إلاّ إذا قمنا متعاونين أفراداً وجماعات، فجعل كل واحد ذلك نصب عينيه، وبدأ به في نفسه، ثم فيمن يليه ثم فيمن يليه من عشيرته وقومه، ثم جميع أهل ملته. فمن جعل هذا من همه، وأعطاه ما قدر عليه من سعيه، كان خليقاً أن يصل إلى غايته أو يقرب منها.
ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك، وأخلاقنا من الفساد، وأعمالنا من المخالفات. ولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد ولنشرع في ذلك، غير محتقرين لأنفسنا، ولا قانطين من رحمة ربنا؛ ولا مستقلين لما نزيله كل يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره، يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله.
وليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا، وسنة نبينا، وسيرة صالح سلفنا. ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق، ويبصرنا في العلم، ويفقهنا في الدين، ويهدينا إلى الأخذ بأسباب القوة والعز
стр. 123
والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العاملين ببعيد، وما هو على الله بعزيز.
رجاء وتفاؤل:
إن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وإن ذلك، وإن كان يبدو- اليوم- قليلاً، لكنه- بما يحوطه من عناية الله، وما يبذل فيه من جهود المصلحين- سيكون بإذن الله كثيراً.
وعسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين.
حقق الله الآمال وسدد الأعمال، بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير.
...
التكريم الرباني للنوع الإنساني
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
﴿كرمنا﴾: الكرم ضد اللؤم ويوصف به الشيء لشرفه في ذاته بكمال صفاته، أو لحسن أفعاله، وما يصدر عنه من النفع لغيره.
فيقال: فرس كريم، وشجرة كريمة، وأرض كريمة، إذا أحسنت هذه الأشياء في ذواتها، وكملت فيها صفات أنواعها.
ويقال: نفس كريمة إذا كملت بمحاسن الأخلاق التي بها كمال النفوس.
وقالت بلقيس في كتاب سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ [النمل: ٢٩].
لأنه كان على أكمل ما تكون عليه الكتب من بيان اسم مرسله، وذكر اسم الله تعالى في أوله، وختمه على ما فيه.
هذا كله من كرم الذات بما كمل فيها من صفات.
ووصف جبريل ﵇ بأنه رسول كريم (١) لشرف ذاته الملكية، وحسن أفعاله بما كان على يده من نفع للخلق؛ بتبليغ الوحي والهدى.
وهذا من كرم الذات والأفعال وهو الكرم الكامل الذي يكون بشرف الذات ونفع الأفعال.
ويقال كرم الشيء بضم الراء لازماً، وبتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أكرمته وكرمته بمعنى واحد: أي فعلت له فعلاً فيه رفعة له ومنفعة.
стр. 124
﴿كرَّمنا بني أدم﴾ أي فعلنا لهم ما فيه رفعتهم ومنفعتهم، من إنعاماتنا عليهم.
و ﴿حملناهم﴾ من الحمل بمعنى الرفع أي أركبناهم ورفعناهم على المركوبات مثل قوله تعالى:
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢].
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣].
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣].
و ﴿الطيبات﴾ ما يطيب للأكل والشرب مما يلذ في الطعم، وتحمد عاقبته فلا يكون الطيب إلاّ حلالا؛ لأن غير الحلال- وإن لذ طعمه في بعض أقسامه- فإنه لا تحمد عاقبته؛ بما فيه من إثم وتبعة، وما يكون فيه من ضرر.
و ﴿فضلناهم﴾ من الفضل بمعنى الزيادة، أي صيرناهم ذوي فضل وزيادة في الكرامة، كما تقول: فضلت زيدا على عمرو في العطاء، أي صيرته ذا فضل وزيادة عليه فيه.
ومتعلق "حملناهم" محذوف، لقصد التعميم المناسب لمقام الامتنان بالتكريم مع الاختصار. تقديره: على كل ما يصلح لحملهم عليه.
المعنى:
يقول تعالى: ولقد أنعمنا على بني آدم نعماً عظيمة كثيرة.
في خلقتهم من تركيب أبدانهم، وأرواحهم وعقولهم.
وفي حياتهم بما مكنَّاهم منه من أسباب السلطان على غيرهم من الخلق من عالم الجماد والنبات والحيوان.
وتسخير هذه العوالم لهم يحصلون منها منافعهم، فأوصلنا إليهم هذه النعم، وكرمناهم بها، فنفعناهم، ورفعنا أقدارهم.
ومن هذا التكريم والإنعام الذي فيه المنفعة، وفيه الرفعة: أننا سخرنا لهم ما يركبونه في البر والبحر، ومكناهم من أسباب تسييره والانتفاع به.
وأننا بثثنا لهم على وجه الأرض أنواعا من المآكل والمشارب اللذيذة المباحة، من النبات والحيوان والجماد، فخلقناها صالحة لغذائهم، ومكناهم من أسباب تحصيلها وإصلاحها، والتفنن فيها.
فكان لهم بذلك كله زيادة بينة من نعمتنا، وفضل محقق على كثير من مخلوقاتنا.
...
مسائل:
المسألة الأولى:
تكريم الله تعالى لخلقه قسمان: أحدهما عام، والآخر خاص:
стр. 125
فأما العام، فهو إخراجه لهم من العدم إلى الوجود، وإعطاؤه لكل شيء منهم خلقته اللائقة به من تركيب أجزاء ذاته، وتعديل مادة تكوينه، ومن أعضائه- إذا كان من ذوي الأعضاء- التي يحتاج إليها في حياته، لجلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهدايته وإلهامه ما خلق، صالحاً لذلك إلى استعمال تلك الأعضاء، وطرق الجلب والدفع بها.
وأما الخاص، فهو تكريمه، وإنعامه على عباده المؤمنين بنعمة الإسلام في الدنيا، وبدار السلام في الأخرى.
والتكريم المذكور في هذه الآية من القسم الأول العام كما سيتبين في المسألة الرابعة .
المسألة الثانية:
جميع المخلوقات التي أخرجها الله تعالى من الوجود إلى العدم وإن كانت متساوية في أصل التكريم العام، فإنها متفاوتة فيه بحسب تفاوتها في شرف الذات، وكمال الخلقة:
فعالم النبات أكثر حظاً في التكريم من عالم الجماد، وعالم الحيوان أكثر حظاً منهما، ونوع الإنسان أكثر حظاً في التكريم العام من جميع الحيوانات.
المسألة الثالثة:
عظم حظ الإنسان من هذا التكريم.
من جهة ذاته: بحسن صورته واعتدال مزاجه.
ومن جهة روحه: بأنها من العالم النوراني العلوي، وبأنها مع اتصالها بالبدن قابلة للتجلي بأكمل الصفات، وأطهر الأخلاق.
ومن جهة عقله: الذي به أدرك الحقائق، وحصل المعارف، وعرف الأسباب ومسبباتها، ووجوه ارتباطاتها واتصالاتها، ونسبة بعضها من بعض؛ فملك، وساد، واستفاد، وأفاد.
المسألة الرابعة:
هذا التكريم المذكور في المسألة السابقة هو عام للنوع الإنساني من حيث هو إنسان لا فرق فيه بين من آمن ومن كفر؛ لأنه راجع للخلقة الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع، والتمكين من أسباب المنافع الذي هو ثابت لجميع النوع بما عنده من عقل وتفكير.
وهذا هو مقتضى العموم المستفاد من لفظ: "بني آدم". ومثل هذا التكريم في العموم: الحمل في البر والبحر، والرزق، لأنهما من جملة التكريم كما تقدم في فصل بيان المعنى.
المسألة الخامسة:
تفضيل الله تعالى لمن يشاء من خلقه قسمان:
تفضيل في الخلقة، وتفضيل في الجزاء والمثوبة.
стр. 126
فمن الأول: تفضيل بني آدم المذكور في هذه الآية بما كرموا به، وأعطوه في خلقتهم من الوجوه المتقدمة زائد على كثير من مخلوقات الله، مما كانت لهم به الرفعة والمنفعة لجميع نوعهم على العموم.
ومن الثاني: تفضيل المجاهدين على القاعدين في قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
المسألة السادسة:
اقتضى قوله تعالى: "وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ": أي بما كرمناهم به في خلقهم أنهم لم يفضلوا على جميع مخلوقات الله، وأن بعض المخلوقات أفضل منهم في الخلقة، وأكثر منهم كرماً في الجنس. فمن هو هذا المخلوق المفضل عليهم؛ وهذا ما نبينه في المسألة التالية.
المسألة السابعة:
إذا نظرنا في عوالم المخلوقات فإننا نجدها منقسمة إلى قسمين:
قسم مشاهد وقسم غير مشاهد، علمناه بالوحي الصادق من الكتاب والسنة.
فالقسم الأول: هو عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان. وهذا القسم كله قد فضل عليه الإنسان بميزة عقله التي ساد بها الجميع وبغيرها مما تقدم.
والقسم الثاني: هو الملائكة والجن. فأما الجن: فالإنسان أشرف منهم خلقة، وأكرم عنصراً، فهم ظلمانيون خلقوا من النار. وهو ترابي وروحه من عالم النور الذي هو عالم الملائكة؛ فلذا كان أهلًا لاصطفاء الرسل منه كما اصطفيت من الملائكة ولم يصطف من الجن رسول ولا نبي.
وأما الملائكة فخلقتهم أشرف من خلقة الإنسان وأكرم، لأنهم خلقوا من نور محض، منزهة أجسامهم النورانية عن كثافة الأجساد الإنسانية الترابية، وأخلاطها وظلمتها، فلم يفضل عليهم النوع الإنساني في خلقه، بل فضلوا عليه، فهم غير الكثير الذي فضل عليه الإنسان.
المسألة الثامنة:
المفاضلة تقع بين الملائكة وبني آدم على وجهين:
إما من جهة الخلقة وإما من جهة المثوبة:
فأما من جهة الخلقة فقد عرفنا في المسألة المتقدمة، أن الملائكة أفضل، والآية ظاهرة في ذلك ظهوراً بيناً. وأما من جهة الأجر والمثوبة فهو خارج عن معنى الآية وموضوعها، وأفضل الخلق- ﵌ أفضل منهم قطعا.
وفي المفاضلة بين الأنبياء والملائكة في الأجر والثواب، خلاف كبير وتفويض أمر ذلك إلى الله تعالى- في مقام التذكير- أسلم.
***
стр. 127
سلوك المكرمين:
إمتن الله تعالى على بني آدم بهذا التكريم لهم في شرف الخلقة ورفعتها، وكثرة المنفعة وتيسير أسبابها- تذكيراً لهم بنعمته ليشكروها، فيزيدهم منها؛ وتعريفاً لهم بشرف أنفسهم ليقدروها، فينتفعوا بها.
فهذان الأمران هما الحكمة المقصودة بهذا الامتنان. فلنتكلم عليها في الفصلين التاليين.
شكر العبد لنعمة ربه:
قد ابتدأنا بهذه الكرامة في الخلقة بدون سعي منا ولا عمل، وهو المبتدىء بالنعم قبل استحقاقها؛ فمن كبر هذه الكرامة وشكرها، كان من المكرمين. ومن لم يعرف قيمتها وكفرها كان من المهانين. ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨].
فلنقابل هذا التكريم في الخلقة بالشكر الجزيل: بأن نعقد قلوبنا على تعظيم النعمة به ونطلق ألسنتنا بالاعتراف والثناء على مسديه، ونستعمل هذه الخلقة الكريمة في مراضي ربنا وطاعته، متوسلين بشكر ما ابتدأنا به خالقنا من تكريم الخلقة، إلى ما وعد به الشاكرين من تكريم الجزاء والمثوبة بأنواع ألطافه وأنعامه وجزيل فضله وإكرامه؛ فسبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام.
معرفة العبد لقدر نفسه:
قد استودعنا خالقنا خلقة كريمة، فعلينا أن نعرف قيمتها، وأن نقدرها. وحق على من كرمه ربه أن يكرم نفسه:
أ- فعلينا أن نكرم أنفسنا بتكريم أرواحنا، بتنزيهها عن مساوىء الأخلاق، وتحليتها بمكارمها.
ب- وتكريم عقولنا، بتنزيهها عن الأوهام، والشكوك، والخرافات، والضلالات، وربطها على العلوم والمعارف وصحيح الاعتقادات.
جـ- وتكريم جوارحنا بتنزيهها عن المعاصي، وتجميلها بالطاعات؛ فنتحرى بأقوالنا وأفعالنا أكرم الأقوال، وأكرم الأعمال. ونترفع عن جميع الرذائل والدنايا ونتباعد عن كل مواطن السوء والسفالة.
د- ونحفظ كرامتنا وشرفنا أمام الله والناس. ونجتهد أن لا يمسها سوء لا منا، ولا من غيرنا.
فإذا قدرنا- هكذا- أنفسنا، وشكرنا- كما تقدم- ربنا، بلغنا- بإذن الله تعالى- أبعد الغايات من التكريم والتفضيل.
يسرنا الله، والمسلمين أجمعين لما يسر له عباده المكرمين المفضلين برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 128
الصلاة لأوقاتها
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].
﴿أقم﴾ أمر من أقام أي اجعلها قائمة، وذلك بحفظها والمحافظة عليها.
وحفظها صونها من الخلل في شروطها وأركانها، من أقوالها وأعمالها في الظاهر والباطن. والمحافظة عليها بالمداومة عليها في أوقاتها.
﴿الصلاة﴾ المراد الصلوات الخمس المكتوبة.
﴿لدلوك﴾ اللام لام الأجل والسببية. ﴿لدلوك﴾: هو الميل وبدايته عند الزوال، ونهايته بالغروب. و ﴿إلى﴾ لانتهاء الغاية؛ فغسق الليل هو نهاية غاية الإقامة.
(الغسق) هو ظلمة الليل، وبداية الظلمة بالغروب، وتمامها بعد مغيب الشفق عند اشتداد الظلمة.
﴿قرآن الفجر﴾، ما يقرأ به في صلاة الفجر- وهي الصبح- من القرآن، فسميت قرآنًا من تسمية الكل باسم جزئه، تنبيهاً على أهمية ذلك الجزء ومكانته.
﴿مشهوداً﴾ محضوراً.
أفادت اللام السببية، أن ميل الشمس سبب في وجوب الصلاة. و"إلى" عند التجرد عن القرائن لا يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها. لكن هنا قامت القرينة الشرعية- وهي مشروعية الصلاة في الليل- على أن ما بعد "إلى" داخل في حكم ما قبلها، فهو محل أيضاً لإقامة الصلاة فيه.
و ﴿قرآن الفجر﴾ منصوب عطفاً على الصلاة، وخصصت بالذكر؛ لأنها لم تكن عند ميل الشمس، ولا عند الغسق، بل تكون عند الوقت الذي أضيفت إليه وهو الفجر.
وجملة ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ تذييل لتأكيد إقامة صلاة الفجر.
المعنى:
أقم يا محمد- ﵌، وأمره أمر لأمته؛ لأنهم مأمورون بالإقتداء به- الصلاة؛ لأجل ميل الشمس: فأد الظهر والعصر، وفي غسق الليل فأد المغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر، إنها صلاة مشهودة.
بيان وتوجيه:
هذه الآية قد انتظمت أوقات الصلوات الخمس، ووجه ذلك بوجوه:
стр. 129
الأول:
إن الظهر تكون أول الميل، والعصر تكون وسطه.
وأن المغرب تكون عند أول الغسق، والعشاء تكون عند شدته بمغيب الشفق.
والصبح عند الفجر.
الثاني:
أن الظهر عند أول الميل، والعصر عند وسطه، والمغرب عند نهايته، والعشاء عند الغسق؛ أي اشتداد الظلمة بمغيب الشفق.
و الفرق بين الأول والثاني:
أن الأول اعتبر المغرب عند بداية الظلمة، والثاني اعتبرها عند تمام الميل، وهما في الواقع متلازمان؛ فإنه إذا تم الليل ابتدأت الظلمة.
الثالث:
ولم أره لأحد، واللفظ يحتمله:
أن ميل الشمس يبتديء بالزوال، وينتهي فيما يرى لنا بالبصر بمغيب الشفق، غير أن ميلها في الزوال والغروب مشاهد بمشاهدة ذاتها، وميلها بعد الغروب مستدل عليه بما يشاهد من أخذ الشفق في المغيب، إلى أن يغيب بتمامه؛ ولا شك أن ذلك نتيجة ميلها من وراء الأفق؛ فالصلوات الأربع على هذا واجبة لدلوك الشمس.
وأما غسق الليل: فهو اشتداد ظلمته، وذلك يكون على أتمه بعد مضي الثلث الأول من الليل؛ فيكون غسق الليل بهذا المعنى خارجاً عن حكم ما قبل؛ لأن وقت العشاء ينتهي بانقضاء الثلث الأول، فالأوقات تنتهي عند غسق الليل.
...
تفسير نبوي:
أخرج البخاري- رحمه الله تعالى- في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله- ﵌ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» (١) ثم يقول أبو هريرة فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
стр. 130
فاستشهد أبو هريرة بالآية على الحديث، ليبين أنه تفسير لها، وأن صلاة الفجر مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.
وجاء هذا عند أحمد عن ابن مسعود مرفوعاً إلى النبي ﵌ (١).
وجاء اجتماع الملائكة بأبسط من هذا عند مالك ﵀، فأخرج في موطئه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٢).
استنباط:
من تخصيص صلاة الفجر بجملة التذييل المؤكدة، وما اشتملت عليه من هذه المزية، أخذ جماعة من أهل العلم أفضليتها على غيرها.
فإن قلت: إن صلاة العصر أيضا لها من هذه المزية، كما تقدم في حديث مالك.
قلت: إن ثبوت هذه المزية للفجر قطعي بنص القرآن، ومتفق عليه في روايات الحديث بخلاف العصر، فقد جاء في بعض الروايات دون بعض (٣)، وتبقى الفجر ممتازة بتخصيصها بالتأكيد في نص الكتاب وكفى هذا مرجحا لها.
ترغيب وترهيب:
قد جاء عن النبي- ﵌ في الترغيب في امتثال هذا الأمر: ﴿أقم الصلاة﴾ وفي الترهيب من مخالفته من الأحاديث ما فيه مقنع ومزدجر.
فمما جاء فيهما حديث عبادة بن الصامت- ﵁ قال:
стр. 131
«سمعت رسول الله- ﵌ يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً- استخفافا (١) بحقهن- كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد: إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة». رواه مالك وغيره (٢)
ومما جاء في الترغيب حديث أبي هريرة- ﵁ قال:
«سمعت رسول الله ﵌ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل بقي من درنه (٣) شيء؛ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا». رواه الشيخان في صحيحهما (٤).
ومما جاء في الترهيب حديث جابر بن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:
«بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم وغيره بنحوه (٥).
وحديث بريدة ﵁ مرفوعاً:
«والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي، وابن حبان والحاكم (٦).
الأحكام:
قد قال بكفر تارك الصلاة جماعات كثيرة من الفقهاء والمحدثين سلفاً وخلفاً، مستدلين بحديث جابر، وحديث بريدة الصريحين في كفره.
وذهبت جماعات أخرى- كذلك- إلى عدم كفره على عظم جرمه، مستدلين بحديث عبادة ابن الصامت المتقدم، الصريح في جعله في المشيئة. والكافر مقطوع له بدخول النار.
стр. 132
ويجيبون عن حديث جابر وبريدة بأن المراد من كفر تارك الصلاة، هو الكفر العملي.
و الكفر قسمان:
اعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان.
وكفر عملي وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كذلك. وبهذا يجمع بين الأحاديث.
وكفى زاجراً للمرء عن ترك الصلاة أن يختلف في إيمانه هذا الاختلاف.
...
تعليم:
في ربط الصلاة بالأوقات، تعليم لنا، لنربط أمورنا بالأوقات، ونجعل لكل عمل وقته: فللنوم وقته، وللأكل وقته، وللراحة وقتها، ولكل شيء وقته.
ولذلك يضبط للإنسان أمر حياته، وتطرد له أعماله، ويسهل عليه القيام بالكثير من الأعمال.
أما إذا ترك أعماله غير مرتبطة بوقت، فإنه لا بد أن يضطرب عليه أمره، ويتشوش باله، ولا يأتي إلاّ بالعمل القليل ويحرم لذة العمل، وإذا حرم لذة العمل أصابه الكسل والضجر فقل سعيه، وكان ما يأتي به من عمل على قلته وتشويشه بعيدا عن أي إتقان.
وقد كان النبي ﷺ مقسماً لزمانه على أعماله، وفيه القدوة الحسنة؛ فقد روى عياض في "الشفا" عن علي- ﵁ قال:
«فكان- ﵌ إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: فجزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه.
ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس؛ فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنه شيئاً؛ فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين: منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم.
ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته. فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة.
لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون رواداً ولا يتفرقون إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلة» (١) اهـ.
стр. 133
فهكذا ينبغي للمسلم أن يقسم أوقاته على أعماله، ويعمرها كلها بالخير.
وكما ربط الله له صلاته بالأوقات، وهي من أمور دينه، كذلك يربط هو بالأوقات جميع أمور دنياه.
والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقصرنا على طاعته، ويفقهنا في أسرار دينه، ويوفقنا إلى اتباع سنة رسوله، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.
...
نافلة الليل وحسن عاقبتها
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
"من": للتبعيض. "الهجود": النوم. والهاجد: النائم، وجمعه هجود. ومنه قول الشاعر:
أَلَا طَرَقَتْنَا وَالرِّفاقُ هُجُودُ
(والتهجد) ترك الهجود: كالتحرج والتأثم، في ترك الإثم والحرج.
وبناء"تَفَعَّلَ" يكثر في التحصيل كتعلم وتقدم. وجاء قليلاً في معنى الترك، والمراد منه هنا ترك النوم للقيام بالعبادة.
(النافلة) قال الجوهري: «هي عطية التطوع من حيث لا تجب، ومنه نافلة الصلاة» اهـ، أي أن الصلاة مؤداة على وجه التطوع دون الوجوب، فلذا قيل فيها: نافلة.
وهي على كلام الجوهري بمعنى الشيء الزائد: فهي اسم غير مصدر.
وقال أبو البقاء وغيره: النافلة الزيادة، فهي مصدر كالعاقبة.
﴿عسى﴾، للرجاء وهي من الله تعالى على الوجوب؛ لأن إطماعه تعالى لعباده في الجزاء على أعمالهم هو من وعده، ومحال عليه تعالى أن يخلفه.
﴿مقاماً﴾ محل القيام. ﴿محموداً﴾ مثنياً عليه.
﴿من الليل﴾ متعلق بفعل محذوف دل عليه "تهجد"، تقديره: اسهر. والضمير في ﴿به﴾ عائد على القرآن، لتقدم ذكره ولا تراعى الإضافة.
والباء باء الأداة؛ لأن التهجد بمعنى التعبد يحصل بالقرآن، أي بالصلاة.
ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على الليل؛ فالباء بمعنى "في" أي فيه.
﴿نافلة﴾ مصدر منصوب بـ "تهجّد" لاتفاقهما في المعنى.
والتقدير: تنفل نافلة، وهذا يجري على الوجهين في معاد الضمير.
стр. 134
ويحتملٍ أن يكون حالاً، وهذا يجري على عود الضمير على القرآن بمعنى الصلاة.
﴿مقاما﴾، إما مصدر من غير لفظ عامله الذي هو "يبعثك"، بمعنى يقيمك من مرقدك. وإما ظرف أي يبعثك في مقام.
و ﴿محموداً﴾، صفة لمقام. ولكن الذي يحمد حقيقة هو القائم في المقام؛ فجعل الحمد للمقام توسعاً، تنبيها على عظم الحمد وكثرته؛ فإنه فاض على صاحب المقام حتى غمر مقامه.
المعنى:
إسهر بعضاً من الليل فتعبد بالقرآن في الصلاة، زيادة على تعبدك به في صلاة فرضك؛ فتكون على رجاء أن يبعثك ربك من مرقدك يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ فيقيمك مقاماً يحمدك فيه جميع الناس، لما يرون لك من فضل، وما يصل إليهم بسببك من خير.
مسائل:
المسألة الأولى: كيف يكون التهجد؟
لفظ التهجد يفيد ترك النوم للعبادة، فيشمل تركه كله أو بعضه: بأن لم ينم أصلاً. أو لم ينم أولًا ثم رقد. أو نام أولًا ثم قام.
لكن ثبت أن النبي- ﵌ كان ينام ثم يقوم، فبينت السنة العملية أن التهجد المطلوب هو القيام بعد النوم.
المسألة الثانية:
هل كان قيام الليل فرضا عليه- ﵌ دون أمته، بمقتضى قوله تعالى: ﴿نافلة لك﴾؟
أولًا- قد ذهب إلى هذا جماعة كثيرة من أهل العلم سلفاً وخلفاً.
ويرد عليه:
١ - أن توجيه الخطاب إليه لا يقتضي تخصيص الحكم له، كما في آية ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وآيات كثيرة.
٢ - ولأن قيام الليل يقع من غيره؛ فيسمى نافلة اتفاقاً.
٣ - ولحديث عائشة ﵂: «إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة- تعني سورة المزمل- قم الليل. فقام النبي ﵌ وأصحابه حَوْلاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا، حتى أنزل الله- في آخر هذه السورة- التخفيف، فصار قيامه تطوعاً بعد فرضه». رواه مسلم (١).
стр. 135
فهذا يدل على أنهم فهموا أن الأمر من قوله تعالى: "قم" لهم معه، مع أنه موجه إليه بخطاب الأفراد. وأنه كان فرضاً عليه وعلى الناس، فصار تطوعاً عليه وعلى الناس.
٤ - ولحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين وغيرهما: قام رسول الله- ﵌ حتى تورمت قدماه. وهذا لمداومته على القيام كل ليلة ببضع عشرة ركعة. فقيل له: قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (١).
فلو كانوا يعلمون أن قيام الليل واجب عليه، ويفهمونه من القرآن لما أنكروا- مشفقين عليه- أن يقوم بما هو واجب عليه، ولأن قوله: «أفلا أكون عبداً شكورا»، يفيد أنه متطوع بهذا القيام باختيار، ليؤدي شكر نعمة ربه عليه.
فإن قيل: إن السؤال والجواب راجعان إلى تورم قدميه، وذلك ناشىء على المداومة؟
قيل: إذا أنكرت الشيء الناشىء عن المداومة فقد أنكرت المداومة، والمداومة على الفرض لا تنكر، فبقى الدليل سالماً.
ثانيا؛ ولهذا كله، قال هؤلاء الموردون؟
إن قيام الليل تطوع ونفل في حقه وفي حق أمته.
وبقي للأولين أن يقولوا:
أ- إن قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ خاص به ﷺ اتفاقاً، وقد جعل جزاء لتهجده بالليل، ولما كان الجزاء خاصاً به فالعمل المجزي عنه خاص به. فلهذا حملنا قوله على معنى دون غيرك.
ب- ولما رأيناه واظب على التهجد ولم يتركه، حملناه على أنه كان مفروضاً عليه. وحملنا "نافلة" على معنى أنها فريضة زائدة فوق الصلوات الخمس.
فيقول المخالفون في هذا:
إنكم حملتم النافلة على الفريضة، وهذا خلاف أصل معناها الذي هو التطوع.
وأما ما ذكرتم من خصوص الجزاء به؛ فإنا نقول إن الخطاب موجه له في الأول وفي الآخر؛ ففي الأول لما لم يعارضنا معارض ألحقنا به أمته؛ وفي الثاني لما منعنا مانع، وهو اختصاصه بالمقام المحمود لم نلحقهم به. وبقي الجزاء مساوياً للعمل في صورة اللفظ حيث كان كل منهما موجها إليه.
وإذا تأملت في هذا البحث الذي سقناه أدركت أن القول بعدم الخصوصية هو الراجح،
стр. 136
فالآية حث وترغيب على قيام الليل للعموم، ووعد له- ﵌ بالمقام المحمود.
المسألة الثالثة: المقام المحمود والشفاعة
ما هو المقام المحمود ؟
هو مقامه ﵌، للشفاعة العظمى، يشفع للخلائق (١) وقد جهدوا من كرب الموقف. فجاءوا إلى كبراء الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يسألونهم أن يشفعوا لهم إلى ربهم، ليفصل القضاء، ويريحهم من كرب الموقف، فيتدافع الشفاعة أولئك الرسل- عليهم الصلاة والسلام- ويتنصلون منها بأعذار رهيبة للرب ﷻ ، حتى ينتهوا إليه- ﵌ فيتقدم فيشفع، ويسأل فيعطى. جاء هذا كله مفصلًا في الأحاديث الصحيحة المستفيضة (٢). فيحمده الخلق كلهم لما يرون من فضله عند ربه، ولما وصل إليهم من الخير المطلوب بسببه.
ثم له- ﵌ بعد هذه الشفاعة العظمى شفاعات أخرى بينتها صحاح الأحاديث.
ولعموم فضل هذه الشفاعة العظمى لأهل الموقف كلهم قال- ﵌ كمافي صحيح مسلم:
«أنا سيد الناس يوم القيامة» (٣). والسيد من يتولى أمر السواد، فظهر عموم سيادته بعموم نفعه.
وقد فسر المقام المحمود بمقام الشفاعة عبد الله بن عمر ﵄ رواه عنه البخاري في صحيحه (٤)، وفسره بها غيره (٥).
стр. 137
المسألة الرابعة: هل المقام المحمود خاص به ؟
قد علمت من المسألة السابقة أن مقام الشفاعة العظمى، وهي خاصة به فهو خاص به.
ويدل عليه حديث جابر الصحيح:
«من قال حين يسمع النداء- الأذان-: اللهم، رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته- حلت له شفاعتي يوم القيامة» (١). فهو ﷺ الموعود بالمقام المحمود.
تنبيه وإلحاق:
قد جعل الله تعالى جزاء نبيه- ﵌ على تهجده، وخلوته بربه في مناجاته، هذا المقام الذي يحمده فيه الخلق، ويتقبل فيه شفاعته، ويستجيب دعوته، ويفتح عليه فيه بمحامد من ذكره، لم يفتح عليه بها قبل.
ففي هذا تنبيه للمؤمنين على حسن عاقبة القائمين لربهم في جنح الليل، وما يكون لهم من مقامات عند ربهم على حسب منازلهم. فكما كان المؤمنون ملحقين بنبيهم- ﵌ في مشروعية هذه العبادة، كذلك هم ملحقون به في حسن الجزاء عليها.
وان كان قد خصص هو ﵇ بذلك الجزاء الأعظم؛ فلهم جزاؤهم: من مقامات القرب، والزلفى، والقبول، والرضا، على ما يناسب منازلهم، جزاء بما كانوا يعملون.
جعلنا الله من العابدين له المخلصين في أقوالهم وأفعالهم، وأوردنا حوض النبي- ﵌ ورزقنا شفاعته.
...
القرآن شفاء ورحمة
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
تمهيد:
لما جاء في الآية السابقة الإخبار بمجيء الحق، وفي مجيئه صحة الأرواح والأبدان والأحوال. وبزهوق الباطل، وفي ذهابه ذهاب العلل والأمراض. كذلك جاء في هذه الآية بذكر القرآن، والإخبار عما فيه من الشفاء والرحمة؛ تنبيها على أنه هو الشافي من أمراض الباطل وعلله، وأنه هو مصدر الحق وحجة ناصره، ومحصل الرحمة لأتباعه والمتمسكين به.
﴿من﴾ لابتداء الغاية، أو للتبعيض، لأنه نزل مبعضاً، فكل بعض نزل منه شفاء ورحمة.
стр. 138
(الشفاء) البراء من المرض مرض الأبدان، أو مرض النفوس.
(الرحمة) النعمة.
(الظلم) وضع الشيء في غير محله: كوضع الكفر موضع الإيمان.
(الخسار) النقص والضياع يكون في الأموال، يقال: خسر ماله إذا ضيعه. ويكون في النفوس، فيقال: خسر نفسه إذا ضيعها ولم يستعملها فيما خُلقت له من الطاعة والكمال. ويكون في الدين فيقال: خسر دينه إذا ضيعه ولم يعمل به، فخاسر القرآن من ضيعه ولم يؤمن به.
قرنت جملة ننزل بالواو مع أن ما قبلها إنشائية؛ وذلك على وجهين:
الأول: أن تكون معطوفة على جاء الحق، أي وقل: ننزل. فعطفت الخبرية على الخبرية التي لها محل، وهو المفعولية بالقول.
الثاني: أن تكون (الواو) للاستئناف: وهي في الحقيقة صلة في الكلام لتقويته، وقرنت جملة لا يزيد بالواوة لأنها معطوفة على جملة الصلة.
وعبر بالمضارع في ﴿ننزل﴾ و ﴿يزيد﴾: قصد المعنى للتجدد؛ لأن الآيات كانت تنزل شيئاً فشيئاً.
وتنكير ﴿شفاء﴾ و ﴿رحمة﴾ للتعظيم.
وقدم (الشفاء)، لأنه برء من النقص، على (الرحمة)، لأنها حصول الكمال، تقديم التحلية وآيات القرآن سبب في حصول الشفاء، فجعلت هي شفاء على طريق المبالغة تنبيهاً على تحقق حصوله بها.
المعنى:
وننزل عليك يا محمد- بحسب الوقائع والمناسبات- آيات من القرآن العظيم، هي شفاء يستشفي بها المؤمنون، ونعمة عظيمة أنعمنا بها عليهم يؤمنون بها ويحلون حلالها، ويحرمون حرامها، ويعملون بما فيها فينالون سعادة الدنيا والآخرة.
أما الكافرون الظالمون الذين قابلوا بالكفر ما يجب أن يقابل بالإيمان، وقابلوا بالرد ما يجب أن يقابل بالقبول، فإن نزول تلك الآيات يكون سبباً في زيادة خسارهم، وضياع الخير عليهم، إذ كل آية من تلك الآيات كانت كافية في شفائهم لو استشفوا بها، ونزول الرحمة عليهم لو اهتدوا بها إلى الإسلام.
لكنهم يقابلون كل آية بالكفر والجحود، فيخسرون في كل مرة كنزاً عظيماً. وهكذا يزداد خسارهم بقدر كفرهم المتجدد بنزول الآيات.
تنظير:
وصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء في مواضع من كتابه منها هذه، ومنها قوله تعالى في:
стр. 139
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. ومنها:
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤].
وأفادت الآيات كلها أنه شفاء لأهل الإيمان الذين يؤمنون دون غيرهم، فإنهم بإعراضهم عنه كانوا من الخاسرين.
وجاءت آية يونس بتقييد الشفاء بها في الصدور الذي هو مستقر العقائد، لأن ذلك هو المقصود الأول من هداية القرآن، وأصل لغيره، فإنه إذا شفيت الصدور من عقائد السوء، ونزعات الشكوك، واعتقدت الحق، وارتبطت على اليقين؛ زكت النفوس واستقام سلوك الإنسان فرده وجماعاته، ورقي درجات الكمال.
فلا ينافي ذلك أن القرآن شفاء أيضاً للنفوس من سىّء الأخلاق كما هو مقتضى الإطلاق في آية الإسراء هذه، وآية السجدة، لأن الأخلاق ناشئة عن العقائد ولازمة لها، ولأنهما كليهما لا تكمل النفس الإنسانية إلاّ بالشفاء فيهما. ولا ينافي أيضاً حصول الشفاء للأبدان بالقرآن في بعض الأحوال كما هو مقتضى الإطلاق أيضاً، ومقتضى ما سيأتي من الآثارة وإن كان هذا ليس هو المقصود بالقصد الأول من شفاء القرآن.
تقسيم:
الأمراض الإنسانية قسمان:
أمراض أرواح وأمراض أبدان، وكلاهما أنواع.
وأمراض الأرواح المقصودة بالذات هنا ترجع إلى نوعين:
الأول مرض العقول: بجمود النظر، وفساد الإدراك، وتقليد الآباء، واعتقاد الباطل، والشك في الحق.
والثاني مرض النفوس: بفساد الأخلاق، وانحطاط الصفات. أما الأعمال فهي تابعة لهما فتصلح بصلاحهما وتفسد بفسادهما.
والقرآن قد جاء داعياً إلى النظر، والتفكر، والاعتبار، والتدبير، مبيناً بما ساق من حجج رسله الطريق الأقوم في الإدراك الصحيح، والسبيل الأسدَّ في الفهم والتفهيم، ناعيا على المقلدين تقليدهم، كاشفاً لأهل الباطل عن باطلهم، ذاكراً من قواطع البراهين البينة الواضحة، ما لا يبقى معه خفاء في الحق ولاريب.
وجاء أيضاً مبيناً للأخلاق الفاسدة، وذاكراً سوء أثرها وقبح مغبتها، مبيناً كذلك الأخلاق الصحيحة وعظيم نفعها، وحسن عاقبتها. فهذا شفاؤه للنفوس والعقول، وهو راجع إلى تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق وبهما سلامة الأرواح وكمالها وعليهما قوام الهيئة الاجتماعية وانتظامها. على أن القرآن هو شفاء للاجتماع البشري، كما هو شفاء لأفراده: فقد شرع من أصول
стр. 140
العدل، وقواعد العمران، ونظم التعامل، وسياسة الناس، ما فيه العلاج الكافي، والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله.
شفاء العقائد والأخلاق .
شفاء العقائد والأخلاق أساس الأعمال والمجتمع. هذه الأمراض لا تكاد تخلو آيات القرآن من معالجتها، وبيان ما هو شفاء لها. ولا شفاء لها إلاّ بالقرآن، والبيان النبوي راجع إلى القرآن. ومن طلب شفاءها في غير القرآن فإنه لا يزيدها إلاّ مرضا.
فهذه الأمم الغربية بسجونها، ومشانقها، ومحاكمها، وقوتها، قد امتلأت بالجنايات والفظائع المنكرة التي تقشعر منها الأبدان.
وهذه الممالك الإسلامية التي تقيم الحدود القرآنية كالمملكة الحجازية، والمملكة اليمانية، قد ضرب الأمن رواقه عليهما، واستقرت السكينة فيهما دون سجون ولا مشانق، مثل أولئك؛ وما ذلك إلاّ لأنهم داووا الملك بدواء القرآن فكان الشفاء التام.
شفاء الأبدان:
وأما الأمراض البدنية، فقد قال- ﵌: «ما أنزل الله داء إلاّ أنزل له شفاء» رواه البخاري من طريق أبي هريرة (١).
وقال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برىء بإذن الله تعالى» رواه مسلم من طريق جابر (٢).
وثبت عنه- ﵌ أنه استشفى واسترقى ببعض آيات القرآن العظيم (٣)، وأقر على ذلك من فعله من أصحابه.
روى البخاري من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
«كان رسول الله- ﵌ إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده. (قالت عائشة): فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به. قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أوى إلى فراشه» (٤).
وروى الشيخان، واللفظ للبخاري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
стр. 141
«انطلق نفر من أصحاب النبي ﵌ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء.
فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؛ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا (١).
فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين؛ فكأنما نشط من عقال (٢). فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.
فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي- ﵌ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌، فذكروا له. فقال: وما يدريك أنها رقية؟!. ثم قال: قد أصبتم؛ أقسموا واضربوا لي معكم سهما» (٣) فضحك رسول الله ﵌.
فثبت بهذين الحديثين أن في القرآن شفاء للأبدان.
وحصل عندنا من جميع ما تقدم أنه شفاء للأرواح والأبدان للأفراد والمجتمع.
مداواة الأبدان بالطب والقرآن:
ثبت عنه ﵌ الأمر بالتداوي قولًا وعملاً.
وثبت عنه الاستشفاء بالقرآن. ولا منافاة بينهما، فإن الإنسان مركب من روح من عالم النور، وجسم من عالم المادة المركبة.
فمن الحكمة الإلهية أن شرع الله لنا عند الأمراض على لسان رسول الله- ﵌ الجمع بين الأدوية المادية، التي هي المناسبة للبدن، والآيات القرآنية التي هي المناسبة للروح، مع ما في الأدوية القرآنية من اطمئنان القلب بالله، وقوته به، وانتعاشه بذكره، وفي ذلك من تقوية للروح ونعيمها ما يهون عليها ألم المرض، ويشفيها بإذن الله تعالى عليه.
ومثل الآيات القرآنية في ذلك، كل ما ثبت في السنة من الرقى النبوية المأثورة.
стр. 142
تحذير:
فرط قوم: فأهملوا الاستشفاء بالذكر المأثور، واقتصروا على الدواء المادي، فحرموا أنفسهم من خير كثير، إذا لم يكونوا له كالمنكرين.
وأفرط آخرون: فأهملوا الدواء المادي، وزهدوا الناس فيه وتزيدوا في جانب المأثور، حتى خرجوا عنه واتخذوا لهم من ذلك حرفة وموردا للمعاش. ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية والإجتماعية، التي هي المقصود بالمقام الأول من تنزيله مقتصرين على الوجه الذي وجد منه سبيلاً إلى الاسترزاق على ما أحدثوا فيه وما ابتدعوا، فعكسوا الأمر، وخالفوا السنة، ووقعوا في المحظور من عدة وجوه.
وهذان الطرفان مذمومان.
والعدل، هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك ويقف في الوارد عندما ورد ويتناوله على ما ورد.
تطبيق:
نزول الآيات في الكافرين، لا يمنع من تطبيقها على من شاركهم في مثل الحال الذي أنكرته عليهم من المؤمنين، لأن الوصف المذموم مذموم، سواء أكان المتصف به مؤمناً أم كان كافرا. فالذين تتلى عليهم الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وتوضح لهم الدلائل الشرعية، وهم لها معرضون، وعن تدبرها غافلون، وبها يتهاونون، يزدادون بكل مرة [[إثما]] بإعراضهم وغفلتهم وتهاونهم، فيخسرون بقدر ما يفوتهم من الهداية على حسب حالتهم، وإذا لم يكن كخسار الكافرين، فهو كخسار المعرضين، الغافلين، المتهاونين، وكفى به خساراً يتنزه عنه المؤمنون ويأباه الكافرون.
سلوك:
نتناول القرآن العظيم دواء من عند ربنا:
شفاء لأمراض عقولنا وأمراض نفوسنا، وأمراض مجتمعنا، فنتطلب ذلك منه؛ بتدبر وتفهم إشاراته، ووجوه دلالاته.
وشفاء أيضاً لأبداننا؛ فنفعل كما كان يفعل النبي- ﵌ إذا أوى إلى فراشه، على ما تقدم في حديث عائشة ﵂ وعلى ما جاء من نحو ذلك، مما ثبت عنه عليه وآله الصلاة والسلام، وانتهى إليه علمنا.
غير مقصرين ولا غالين، وعلى ربنا متوكلين.
سائلين الله أن يشفينا بالقرآن أجمعين. آمين يا رب العالمين.
стр. 143
صفتان من صفات النوع الإنساني: الإعراض عن النعمة واليئوس من الرحمة
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ و ٨٤].
تمهيد:
في النوع الإنساني غرائز غالبة عليه، لا يسلم منها إلاّ من عصم الله، أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي آيات القرآن العظيم بيان لكثير من تلك الغرائز، للتحذير من شرها، والتنبيه على سوء مغبتها، منها هذه الآية الكريمة.
المناسبة:
لما ذكر تعالى أن القرآن يكون شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلاّ خساراً، بين تعالى سبب خسار أولئك الظالمين، وهو إعراضهم عن الله، وبعدهم عنه، ويأسهم من رحمته. وعلم منه أن المؤمنين الذين كان القرآن لهم شفاء ورحمة هم على الضد منهم: فهم أهل إقبال على الله تعالى، وقرب منه، ورجاء فيه.
﴿أنعمنا﴾ أوصلنا أنواع الإحسان.
﴿الإنسان﴾ المراد به النوع، باعتبار مجموعه، فلا ينافي خروج أفراد كثيرين بالعصمة والتوفيق.
﴿أعرض﴾ صد بوجهه إلى ناحية أخرى، فأرى عرض وجهه، أي ناحية وجهه.
﴿نأى﴾ بعد.
﴿بجانبه﴾ بناحيته بشقه الأيمن أو الأيسر، والباء للتعدية أي أبعد جانبه.
﴿مسه﴾ أصابه.
﴿الشر﴾ البلايا والرزايا بأنواعها.
﴿يئوسا﴾ شديد اليؤس والقنوط، وعدم انتظار الفرج.
جيء بفعل الشرط وجوابه (١) ماضيين، لتحقق وقوعهما؛ ولذلك كان التعليق بـ "إذا" وجواب الشرط والفعل والمعطوف عليه، فيهما الصورة التامة للمعرض غاية الإعراض؛ فإنه يصرف عنك وجهه، وهذا مفاد الفعل الأول (٢) ويلوي عنك [[عطفه]] ويبعد جانبه، ويوليك ظهره،
стр. 144
وهذا مفاد الفعل الثاني (١). ثم هما كناية عن الاستكبار وعدم الاكتراث، وعدم الالتفات إلى مولي النعم، سواء حصلت هذه الصورة بالفعل أو لم تحصل.
المعنى:
أ- وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض تمام الإعراض.
إما بعدم قبول تلك النعمة استكباراً، أو تهاونا كما يكون من الذين يكفرون بالقرآن أو يخالفونه، وهو من أعظم نعم الله عليهم.
وإما بعدم القيام بحق الله في تلك النعمة، وعدم شكره عليها، كنعمة العقل، والبدن، والحال (٢) وغيرها ... ، إذا لم تُستعمل في طاعة الله، ولم يقم بحقه فيها.
ب- وإذا مس الإنسان الشر، ونزلت به المصائب، وحلت به النوائب، استولى عليه اليأس والقنوط، وانسدت في وجهه أبواب الرجاء.
توجيه:
يرتبط اليأس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين:
الأولى: أن من أعرض عن نعمة الله قطع صلته بخالقه، وذهب ممعنًا في بعده. فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء: يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب.
الثانية: أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده، مغضوب عليه، قد تَرَكَ فَتُرِكَ، وكان جزاؤه من جنس عمله.
انتقال واعتبار:
تلك حالة أهل الإعراض.
أما أهل الإقبال على الله تعالى والقبول لإنعامه، فإن قلوبهم عامرة بالله، وصلتهم متينة به؛ فإذا نزلت بهم المصائب، رجعوا إليه وانتظروا رحمته، فكان ذكره غناهم في الفقر، وأنسهم في الوحشة، ونعيمهم في الألم؛ وكان لهم من الرجاء أنواع رحمته، ما يهون عليهم جميع المصائب.
تبصير وتحذير:
بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين: الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة، ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم، على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح.
بصرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما ومن سوء عواقبهما، فإن الإعراض عن النعمة كفر بها
стр. 145
ومقتض لسلبها، وأن اليأس من رحمة الله جهل به، وكفر بما هو متقلب فيه من نعمه وموجب لانطماس القلب، وشلل البدن، وانقطاع الأعمال.
فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين، وليعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما.
سلوك:
على المرء أن يقبل نعم الله تعالى، ويقبل عليها إقبال المستعظم لها، العارف بحقها، وعظيم الفضل بها، ليقوم بشكرها، وذكر الله عندها، وليتفحصها، وليتأملها نعمة نعمة، ليشكر الله عليها واحدة واحدة بالقلب واللسان والأركان، حسب المستطاع.
حتى ما يكون من باب المصائب والآلام، فإنه يتناوله على أنه نعمة من الله تعالى، بما فيه من أجر وتمحيص، وما يحصل به من رجوع وإنابة، وما يكون منه من تربية وتدريب على السلوك اللازم في الحياة الفردية وإلاجتماعية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وليكن دائماً متمسكاً بحبل الرجاء في الله، تيسير الأسباب، وكشف الكروب، ودفع المكروه؛ فالرجاء حسن ظن في الرب، وقوة في القلب، وباعث على العمل، ومخفف أو مذهب للألم.
فيا لها من عظيم أجرها، جليل نفعها في الدنيا والدين.
فهنيئاً للشاكرين الراجين.
ويا ويح الكافرين- كفر عقيدة أو كفر نعمة- القانطين.
مباينة سلوك أهل الحق لسلوك أهل الباطل:
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.
قد استفيد بما تقدم تقسيم الخلق إلى قسمين: أهل إيمان ورجاء، وأهل كفر وقنوط؛ فجاء البيان في هذه الآية بأن كل فريق له مذهبه وطريقه الذي يكون عليه.
﴿شاكلته﴾ طريقته ومذهبه، المشاكلة اللائقة به، التي صارت له طبيعة وخلقا.
﴿أهدى سبيلاً﴾، أسد مذهباً، وأقوم طريقاً.
التعبير بالمضارع مع لفظة على، يفيد تجدد العمل وانبناءه على الخلق والطبيعة.
المعنى:
قل يا محمد- ﵌ كل فريق منا ومنكم يعمل في حياته على طريقته ومذهبه، فأعمالنا مباينة لأعمالكم، لأن طريقتنا مباينة لطريقتكم، فربكم أعلم بمن هو أقوم طريقاً، وأسد مذهباً، فيثيب المهتدين، ويعاقب الضالين.
فوائد استدراج الضال لقبول الهداية:
أ- وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك، وهو على ناحيته، وإظهار التساوي معه أمام علم الله