وذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس، وصورها ودبرها. ولا يكون ذلك إلاّ بعلمه بها في جميع تفاصيلها وكيف يخفى عليه شيء وهو خلقها؟ ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الحبير﴾ [الملك: ١٤].؟!.
والصالحون في قوله تعالى: ﴿إن تكونوا صالحين﴾، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم (١).
وصلاح النفس وهو صفة لها .. خفي كخفائها؟ وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها:
فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة- وهي الجارية على سنن الشرع، وآثار النبي ﵌ حكمنا بصلاح نفسه، وأنه من الصالحين.
ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، وأنه ليس منهم.
ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلاّ هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ و١١٤].
فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا: أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلاّ بها، ولا يستحقه إلاّ أهلها.
стр. 72
ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؟ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا، لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح.
وقد قال النبي ﵌: «التقوى ههنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات (١). فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلاّ الله.
(والأوابون) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى.
والأوبة في كلام العرب هي الرجوع، قال عبيد:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَؤُوبُ
والتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلّا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائباً من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتفرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.
فنستفيد من الآية الكريمة: سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلِّص له- بفضل الله- من ذنبه. وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصاً في سجود الصلاة، فقمين (٢) - إن شاء الله تعالى- أن يستجاب له.
وشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصراً عليها، غير مشمر منها، ولا سائل من ربه - بصدق وعزم- التوبة منها، ويبقى معرضاً عنه ربه كما أعرض هو عنه، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له.
وجاء لفظ "الأوابين" جمعاً لأواب، وهو فعّال من أمثلة المبالغة، فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله: ذلك أن النفوس- بما
стр. 73
ركب فيها من شهوة، وبما فطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، لا تزال- إلاّ من عصم الله- في مقارفة ذنب، ومواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري ومن حيث لا تدري. وكل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، وإبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلاّ بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
ولما كان طروء الفساد متكرراً فالإصلاح بما ذكر يكون دائماً متكرراً.
والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها، والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.
ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من دَرَنِ المعاصي.
(والغفور) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. والمغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به.
ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، ومغفرته أكبر. وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعاً راجياً للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفوركثرة الرجوع.
وقد أكد الكلام بـ"إن" لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيءَ بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق؛ فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه، ويغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال ﵎ لهم غفوراً.
وإنما احتيج إلى هذا التأكيد في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة:
أحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر وأكثر.
والآخر رؤيته لطبعه البشري؛ وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما قال شاعرهم - أي البشر- لأن الشاعر العربي عبر عن طبع بشري:
سأَلْنَا فَأَعْطَيْتُمْ وَعُدْنَا فَعُدْتُمْ ... وَمَنْ أَكْثَرَ التِّسْآلَ يَوْماً سَيُحْرَمِ (١)
стр. 74
فيقوده القياس- وهو من طباع البشر أيضاً- الفاسد: إلى ترك الرجوع والسؤال، من الرب الكريم العظيم النوال.
فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة، فيستمر في حمأة (١) المعصية، وذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضياً لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات.
وقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال: إن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفوراً؟ لأن المقام للإضمار. لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر فقيل: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع.
وعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب- كغيره- بالأوبة، لتحصيل المغفرة، لأن فرض الأوبة إلى الله من المعاصي عام على الجميع.
وقد اشتملت الآية من فعل الشرط، وهو ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، وجواب الشرط، وهو ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ - على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه، وهما الصلاح المستفاد من الأول، والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني.
وما دام الإنسان مجاهداً في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملًا ورجاءً- بإذن الله- درجة الكمال.
ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين المكملين إنه المولى الغفور الكريم.
إيتاء الحقوق لأربابها
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) ٢٧ (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٣٠].
تمهيد
الناس كلهم في حاجة مشتركة إلى بعضهم. وما من أحد إلاّ وله حقوق على غيره، ولغيره حقوق عليه.
стр. 75
ولهذه الحاجة المشتركة والحقوق الممتزجة كان الاجتماع والتعاون ضروريين لحياة المجتمع البشري واطراد نظامه. وقيام كل واحد من أفراد المجتمع بما عليه من حقوق نحو غيره هو الذي يسد تلك الحاجة المشتركة بين الناس. وعندما يؤدي كل واحد حق غيره فليست خدمته له وحده، بل هي خدمة للمجتمع كله. وبالآخرة هي خدمة له هو في نفسه لأنه جزء من المجتمع وما يصيب الكل يعود على جزئه. فاذا تواردت أفراد المجتمع على هذه التأدية سعدت وسعد مجتمعنا بنيله حاجيات الحياة ولوازم البقاء والتقدم في العمران. أما إذا توانى الأفراد في القيام بالحقوق وقصروا في تأديتها إلى بعضهم فإن الحاجة المشتركة من العلم والثقافة وحفظ الصحة والأخلاق وأنواع الصناعة- تتعطل، وبتعطلها يختل نظام الاجتماع ويعود إلى الانحلال والتقهقر، وينحظ بأفراده إلى أسفل الدركات، فلهذا بعد ما أمر الله تعالى بإيتاء حقه- وهو توحيده في عبادته- أمر بإيتاء حقوق العباد، القريب منهم والبعيد.
...
حق القريب:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
ابتدأ بحق القريب لوجوه:
الأول أنه هو مقتضى طبيعة الترتيب.
الثاني: تأكيد حق القريب.
الثالث: إن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة أو بشعور العاطفة. وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب فابتدى به في الأمر ليكون تقبلها له أسهل ومبادرتها للامتثال أسرع، فاذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب ومرنت عليه اعتادت الايتاء وصار من ملكاتها فسهل عليها إيتاء كل حق ولو كان لأبعد الناس. وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو تصادم المنافع أو التشاحّ على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم أولا بالوبال، ويرجع ثانيا على مجتمعهم- والمجتمع مؤلف من الاسر- بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عام يشمل الأصل- وهو الأبوان- وما يتصل بالمرء من ناحيتهما
стр. 76
من أصولها وفصولهما، ويشمل الفصل- وهو الأبناء والبنات- وما يتصل به منهما من فصول (١).
غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا العموم.
(والحق) في قوله تعالى: ﴿حقه﴾ هو الثابت له شرعاً، المبين في آيات من الكتاب من صلة رحم، ونصيب إرث، [[ونفقة]] فرض، وندب، وإحسان بالقول والعمل، ومؤاساة عن محبة وعطف.
...
حق المسكين:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾:
قد ذكر في آية الزكاة الفقير والمسكين. والحق أنهما متغايران؟ والراجح أن الفقير من له بلغة لا تكفيه والمسكين من لا شيء له، فهو أشد حالًا من الفقير؟ ولذا لما أريد هنا ذكر أحدهما اقتصر عليه تنبيهاً بالأعلى في الفقر على الأدنى، فالمراد أهل الفقر والحاجة كلهم.
وحق المساكين ما ثبت لهم من الزكاة، وكذلك ما تدعو إليه الحاجة من تعليمهم، وإيوائهم، وتجهيز موتاهم، مما تقوم به الجمعيات الخيرية في هذا العصر .. فكل هذا مما تصرف إليه الزكاة، ويجب القيام به عند عدم الزكاة أو فنائها، أو قصورها عنه.
ويجب القيام به واجباً موزعاً على كل ما استطاع. فإذا لم يقم به المجتمع عاد الإثم على جميع الأفراد كل بقدر ما قصر فيما استطاع .. ثم ما إلى هذا من عموم الصدقة والإحسان.
...
حق ابن السبيل:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾:
(السبيل) هي الطريق، وابنها هو المسافر؟ لأنه منها أتى كما أتى الابن من أمه.
(وحقه) هو الثابت له في الزكاة، فيأخذ منها إذا قطع به ولم يكن معه ما يبلغه ولو كان غنياً في بلده، وعلى جماعة المسلمين تبليغه إذا لم تكن ثم زكاة. ومن حقه ضيافتها حسب السُّنة (٢) وإرشاده ودلالته على ما يريد معرفته من طريقه أو مرافقها.
стр. 77
وبذكر ابن السبيل والمسكين مع ذي القربى .. جمعت الآية القريب والبعيد من ذوي الحقوق.
وبذكر ابن السبيل والمسكين جمعت ذا الحاجة الثابتة وهو المسكين، والحاجة العارضة وهو ابن السبيل، وقدم الأول لأصالة حاجته، وفي ذكرهما أيضاً جمع ما بين القريب الدار، والبعيد الدار والمسافر.
كل هذا ليعلم أن ذا الحق يعطي حقه على كل حال، وبقطع النظر عن أي اعتبار.
وسمي هؤلاء الثلاثة بأسمائهم المذكورة ة لأنها ترقق عليهم القلوب، من القربة، والمسكنة، وغربة الطريق.
وسمي ما ينالونه (حقاً) .. ليشعر المكلف بتأكده، ويحذر المعطي من المنّ به، فلا ينكسر قلب آخذه!!
...
الإنفاق في غير وجهٍ شرعي:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾:
المال قوام الأعمال، وأداة الإحسان، وبه يمكن القيام بالحقوق: فصاحبه هو مالكه، ولكن الحقوق فيه تشاركه، ولا يقوم له بوجوه الحق إلاّ إذا أمسكه عن وجوه الباطل. ثم لا يقوم له بجميع تلك الوجوه إلاّ إذا أحسن التدبير في التفريق، وابتغى الحكمة في التوزيع.
فلذا بعدما أمر الله تعالى بإعطائه الحقوق لأربابها .. نهى عن تبذير المال الذي هو أجملها، وبه يمكن إعطاؤها.
(والتبذير) هو التفريق للمال في غير وجه شرعي، أو في وجه شرعي دون تقدير (١)، فيضر بوجه آخر:
فالانفاق في المنهيات تبذير وإن كان قليلاً.
стр. 78
والانفاق في المطلوبات ليس بتبذير ولو كان كثيرا إلا إِذا أنفق في مطلوب دون تقدير فأضر بمطلوب آخر: كمن أعطى قريباً، وأضاع قريباً آخر، أو أنفق في وجوه البر وترك أهله يتضورون بالجوع. وقد نبه النبي- ﵌ على هذا بقوله: «وابدأ بمن تعول» (١).
والإنفاق في المباحات إذا لم يضيع مطلوباً، ولم يؤد إلى ضياع رأس المال، بحيث كان ينفق في المباح من فائدته ليس بتبذير. فإذا توسع في المباحات وقعد عن المطلوبات، أو أداه إلى إفناء ماله فهو تبذير مذموم.
وأفادت النكرة وهي قوله: ﴿تبذيراً﴾ بوقوعه بعد النهي العموم. فهو نهي عن كل نوع من أنواع التبذير: القليل منه والكثير، حتى لا يستخف بالقليل. لأن من تساهل في القليل وصلت به العادة إلى الكثير.
...
إخوان الشياطن:
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
إن الشيطان يعمل، وأعماله كلها في الضلال والإضلال، فقد ضيع أعماله في الباطل، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير. وهو جاد في ذلك ضارٍ (٢) عليه لرسوخه في نفسه. والمبذر يضيع أمواله في الباطل، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير. وقد أخذت عادة التبذير بخناقه واستولت عليه؛ فهو أخو الشيطان لمشاركته له في وصفه، كمشاركة الأخ لأخيه. وهو أخوه بامتثاله لأمره، وصحبته له في الحال وفي المآل (٣)، وفي سوء العاقبة في العاجل والآجل.
المال، كما هو أداة لكل خير، كذلك هو أداة لكل شر: فالمبذر المفرق لماله في وجوه الباطل بالغ- لا محالة- بماله إلى شر كثير وفساد كبير؛ ولذلك وصف بأنه أخ الشيطان الذي هو أصل الشر والفساد.
ووصف الله تعالى الشيطان بقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾؛ لأنه أنعم عليه بنعمة، فبدلًا من أن يستعملها في طاعته في الخير قصرها على المعصية والشر.
стр. 79
وذكر هذا في وصف الشيطان بعد ما تقدم يفيد أنه من وصف المبذر أيضاً: فالمبذر أخو الشيطان، والشيطان كان لربه كفورًا؟ فالمبذر كان لربه كفوراً. ذلك لأن الله تعالى أنعم عليه بالمال الذي هو أداة لكل خير، وعون عظيم على الطاعة، فجعله أداة في الشر، واستعان به على المعصية.
ومكنه الله بالمال من نعمة القدرة على القيام بالحقوق فضيعها وقام بالشرور والمفاسد؛ وهذا من أقبح الكفر لنعمة ربه الذي كان به مضارعاً للشيطان معرضاً عن أخيه، والعياذ بالله.
...
حسن المقال، عند العجز عن النوال:
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
للمرء حالتان:
حالة وجد، وحالة عوز.
فلما علمنا الله تعالى ما نصنع في حالة الوجد من الإيتاء لذوي القربى واليتامى والمساكين- علمنا ما نصنع في حالة العوز من الرد الجميل، والقول اللين الحسن.
وقوله تعالى: ﴿تعرضن﴾ من الإعراض وهو الانصراف عن الشي، وهو كناية عن عدم العطاء؛ لأن من يأبى أن يعطي يعرض بوجهه، ولو إعراضا قليلاً. ولما كان الإعراض كناية عن عدم العطاء، فإنه يشمل عدم العطاء لمن هو أهل لأن يعطي مع عدم وجود السؤال.
وقول تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: (الابتغاء) هو الطلب باجتهاد، وذلك بالأخذ في الأسباب، والاعتماد على مسببها وهو الله تعالى ...
و (رحمة الرب) هنا رزقه، و (رجاؤها) هو انتظارها مع الأخذ في أسبابها بالقلب والعمل.
وابتغاء رحمة الرب ورجاؤها كناية عن حالة العوز والإعسار؛ لأن شأن المعوز المؤمن أن يكون كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، تقول: يسرت له القول: إذا لينته له، فالقول الميسور هو القول الملين.
و حاصل المعنى:
إن أعرضت عنهم فلا تعطهم لأنك لم تجد ما تعطيهم- وهي الحالة التي تكون فيها تطلب رحمة من ربك راجياً رزقه- فقل لهم قولاً ليناً سهلاً، فتواسيهم بالقول عند عدم السؤال، ولا تتركهم في ساحة الإهمال، وتردهم الرد الجميل عند السؤال، فتقول لهم: يرزق الله، ونحوه من لين الكلام.
و في الآية تعليم وتربية للمعسر من ناحيتين:
стр. 80
الأولى: معاملته لذوي القربى واليتامى والمساكين عند السؤال وعدمه. وعرف من الآية أنه مطالب بحسن المقال بدلاً مما عجز عنه من النوال.
والثانية: أدبه هو في نفسه والحالة التي ينبغي له أن يكون عليها: فإن حالة العسر حالة شدة وبلاء يحتاج المكلف أشد الحاجة أن يعرف دواءه فيها لسيرته العملية، وحالته النفسية، فأعطته هذه الآية الكريمة الدواء لها.
فأما في سيرته العملية فعليه أن يكون ساعياً في الأسباب حسب جهده، وذلك هو ما يفيده قوله: ﴿ابتغاء رحمة من ربك﴾.
وأن يكون مطمئن القلب بالله، معتمداً عليه، قوي الثقة فيه؛ وذلك ما يفيده قوله:
﴿ترجوها﴾.
و قد ذكر رحمة الرب- ﷻ لوجوه:
الأول: تقوية رجائه، فإنه يعلم سعة رحمة الله وغمره بها في كل حين. ومن ذا الذي لم يجد نفحات الرحمات في أكثر الأوقات في أحرج الساعات؟
الثاني: بعثه على الصبر والتسليم وعدم الضجر والسأم من الطلب والانتظار، فإنها رحمة الرب، ومن مقتضى ربوبيته تدبيره للخلق بحكمته.
فما جاء منه، كيف جاء وفي أي وقت جاء: أبطأ أم تأخر هو مقبول منه محمود منا عليه.
الثالث: بعث عاطفة الرحمة على غيره، فإن من كان يرجو رحمة ربه جدير بأن يكون رحيماً بعباده. ورحمته بعباد الله تعينه على القيام بما أمر به من حسن المقال عند العسر، وجميل النوال عند اليسر؛ وتكون سبباً له في رحمة الله إياه. والراحمون يرحمهم الرحمن، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
العدل في الإنفاق:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
لما أمرنا الله تعالى بالانفاق، علمنا كيف ننفق، وبين لنا أدب الإنفاق في هذه الكلمات.
إذ شبهت حالة وهيئة البخيل الذي لا يكاد يرشح بشيء، ولا يقدر لبخله على إخراج شيء من ماله .. بحاله وهيئة الذي جعل يده مغلولة مجموعة بغل إلى عنقه: فذاك لا تتوجه نفسه للبذل، ولا تمتد يده للعطاء، وهذا لا تمتد يده للتصرف. ونقل الكلام المركب الدال على المشبه به، فاستعمل في المشبه على طريق الاستعارة التمثيلية لتقبيح حالة البخيل.
و المعنى:
لا تبخل بالنفقة في حقوق الله، ولا تمسك إمساك المغلولة يده الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء.
стр. 81
وشبهت حالة المسرف الذي لا يبقي على شي، بحالة الشخص الباسط لكفيه فلا يمسكان عليه من شيء: فذاك يملك المال، ولكنه بسرفه لا يبقى له منه شيء، وهذا قد يمر الشيء على يده، ولكنه لا يبقى فيها شيء. ونقل المركب الدال على المشبه به إلى المشبه، استعارة تمثيلية أيضاً.
المعنى:
ولا تخرج جميع ما تملك مع حاجتك إليه، ولا تنفق جميع مالك. وبهذا يعلم أن "كل البسط" المنهى عنه هنا غير التبذير المنهي عنه في الآية المتقدمة: ذاك توزيع المال وتبديده في غير وجوهه، وهذا التجاوز في الإنفاق المطلوب والتوسع في الإنفاق المأذون حتى يبقى بلا شيء.
نهى تعالى بهذه الآية عن طرفي الإفراط والتفريط، وهما الإسراف.
فالمأمور به: هو العدل الوسط، فعلى ذي المال أن يأخذ في انفاقه بهذا الميزان، ليكون إنفاقه محمودا: فلا يمسك عما يستطيع، ولا يتجاوزه إلى ما لا يستطيع، أو إلى ما يوقعه في عسر وضرر.
وكان النهى عن البسط لأنه هو الذي فيه إسراف.
وأما أصل البسط الذي هو توسعه بحكمة، فغير منهي عنه لأنه لا ضرر فيه.
وحذر تعالى من سوء عاقبة الإسراف والتقتير بقوله: ﴿فتقعد ملوماً محسوراً﴾. فالبخيل الممسك ملوم من الله تعالى.
ومن العباد إذاً من لم تلمه نفسه الخبيثة لموت قلبه. على أنه سيلوم هو نفسه بعد الموت. والمسرف ملوم من الجميع، ومن نفسه بعد ضياع ما في يده.
(والمحسور) المتعب المضنى، الذي انكشفت عنه القوة، ولم تبق به قدرة على شيء، تقول العرب: حسرت البعير أي أنضيته وأتعبته بالسير، حتى لم تبق به قدرة عليه (١).
والجمل لا يقطع الطريق ويصل إلى الغاية إلّا إذا حافط صاحبه على ما فيه من قوة، فسار به سيراً وسطاً. أما إذا أجهده واستنزف قوته، فإنه يسقط كليلاً محسوراً: فلا قطع طريقه، ولا وصل منزله، ولا أبقى جمله.
فكذلك الإنسان في طريق هذه الحياة محتاج إلى قوة المال، فإذا أنفقه بحكمة نفع به وانتفع، وبلغ غاية حياته هادئاً راضياً، وإذا بسط يده فيه كل البسط أتى عليه فانقطع النفع والانتفاع، ولم يبلغ غاية حياته إلاّ بأتعاب ومشاق.
وعلم من هذا أن قوله ﴿ملوماً﴾ يرجع للمقتر والمسرف. وقوله: ﴿محسوراً﴾ يرجع للمسرف فقط. ولكن لما كان المحسور هو الذي ذهبت قوته فلا قدرة له على شيء، فقد نقول: إن
стр. 82
البخيل أيضاً مبغوض من الناس مخذول منهم، فلا يجد في ملماته معيناً، ولا في نوائبه معزياً، فهو أيضاً ضعيف الجانب لا قوة له. فالمسرف ضيع المال، والبخيل ضيع الإخوان، فكلاهما مكسور الظهر، عديم الظهير.
...
والمخاطب بهذا الخطاب إما مفرد غير معيّن؛ فيشمل جميع المكلفين غير النبي- ﵌ لأنه كان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه النضير، وفدك، وخيبر (١)، ثم يصرف ما بقي في الحاجات حتى يأتي أثناء الحول، وليس عنده شيء، ولا كان ملوماً ولا محسوراً، بل كان على ذلك صباراً شكوراً مشكوراً.
وإما هو (٢) النبي- ﵌ والمراد أمته؛ وعادة العرب أن تخاطب سيد القوم، تريد القوم، وتعبر بالمتبوع عن أتباعه. ونظير هذه الآية في ذلك: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]، و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
فالنبي- ﵌ غير داخل في هذا الخطاب بإجماع.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ يعني الوالدين، وكان والداه عليهما الرحمة قد توفيا، فلم يدخلا في الخطاب قطعاً فكذلك هنا.
...
قال الإمام ابن العربي في تعليل عدم دخوله- ﵌ في هذا الخطاب:
لما هو عليه من الخلال، والجلال، وشرف المنزلة، وقوة النفس على الوظائف، وعظيم العزم على المقاصد.
فاما سائر الناس: فالخطاب عليهم وارد، والأمر والنهي- كما تقدم- إليهم متوجه.
إلاّ أفراداً أُخرجوا من ذلك بكمال صفاتهم، وعظيم أنفسهم، منهم أبو بكر الصديق؛ خرج عن جميع ما يملك للنبي ﵌ فقبله منه الله سبحانه، وأشار على أبي لبابة وكعب بالثلث من جميع ما لهم؛ لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم.
стр. 83
وأعيان الصحابة كانوا على هذا، فأجراهم النبي- ﵌ وائتمروا بأمر الله، واصطبروا على بلائه، ولم تتعلق قلوبهم بدنيا، ولا ارتبطت أبدانهم بمال منها، وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق، وعزوف أنفسهم عن التعلق بغضارة (١) الدنيا.
وقد كان من أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة: فما ادخر قط شيئاً لغد ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد، ولا ربط على الدنيا بيد.
فههنا ثلاثة أصناف من الخلق:
الأعم الأكثر، وهم أهل الحظوظ البشرية.
والقليل، وهم الذين ضعفت فيهم حظوظهم.
والأقل الأندر، وهم الذين زالت منهم تلك الحظوظ.
وقد أفادتنا السنة العملية المتقدّمة في كلام الإمام ابن العربي:
أن لأهل الصنف الثاني أن يخرجوا عن كثير من أموالهم على مقدار ما بقي من حظوظهم.
وأن لأهل الصنف الثالث أن يخرجوا منها كلها.
وأما أهل الصنف الأول فلا يخرجون عن الوسط الذي بينته الآية.
وقد جاءت الآية الكريمة على مقتضى حال الأعم الأكثر: لأنها قاعدة عامة في سياسة الإنفاق، وشأن القواعد العامة أن يعتبر فيها جانب الأعم الغالب، ولا يلتفت للنادر.
وقد وكل للنبي- ﵌ بيانه، فجاء مبيناً فيما تقدم من سننه.
وتقررت القاعدة واستثناؤها من الكتاب والسنة، وهما مصدر التشريع.
...
تفاوت الأرزاق من حكمة الخلاق:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
لما أرشدنا تعالى إلى السلوك الأقوم في العمل في باب الإنفاق، أرشدنا إلى العقد الصحيح في مسألة تفأوت الأرزاق، وفي ذلك تمام الهداية إلى الاستقامة في الظاهر والباطن.
وإن أحوال العباد في الغنى والفقر، والسعة والضيق، وتعاقبها عليهم بسرعة وبمهل وتفاوتهم فيها لما يخفى ولما يظهر من العلل- لأمر عجب عجاب، يحير الألباب!!.
فعلمنا الله تعالى في هذه الآية أن الرب- وهو الذي يربي المربوب في أحواله وأطواره، بمقتضى الصلاح والصواب- هو الذي يبسط ويوسع على من يشاء- ولا يشاء إلاّ ما هو حق، وعدل، وصواب، وإن خفي علينا وجهه.
﴿ويقدر﴾: أي يضيق على من يشاء، وكل أحد هو حقيق بالحال الذي هو فيه. وأنه كان
стр. 84
بعباده ﴿خبيراً﴾ مطلعاً على دواخل أمورهم، وبواطن أسرارهم من أنفسهم، ومما يرتبط بهم ومن سوابقهم ومصائرهم ﴿بصيراً﴾ منكشفة له جميع أمورهم.
وكما أنه بالعمل بآية الإنفاق ينتظم أمر العباد في معاشهم، كذلك بالإيمان بهذه العقيدة تزول حيرتهم، وتطمئن قلويهم فيما يرونه من أحوال الرزق في أنفسهم، وفي غيرهم.
والله يبصّر القلوب، ويقوِّم الأعمال، إنه سميع مجيب.
حفظ النفوس بحفظ النسل
وحفظ الفرج وعدم العدوان
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) " [الإسراء: ٣١ - ٣٣].
تمهيد
إن الأرواح الإنسانية كريمة الجوهرة لأنها من عالم النور؛ فقد خلقت من نفخ الملك. كما في حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيح:
«إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ... » (١).
والملائكة- كما في الصحيح- خُلقوا من النور، وأنها كريمة الخلقة أيضا لأنها فطرت على الكمال.
ولذا أضافها الله تعالى إلى نفسه في معرض الامتنان، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩].
стр. 85
دع ما يطرأ عليها بعد اتصالها بالبدن من تزكية ترقى بها في معارج الكمال، أو تدسية (١) تنحط بها إلى أسفل سافلين.
وبعد ارتباطها بالبدن .. يتكون منها المخلوق العظيم العجيب المسمى بالإنسان الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها، ويستثمرها ويعبرها إلى دار الكمال الحق، والحياة الدائمة الأبدية.
هذه النفوس البشرية جاءت الشرائع السماوية كلها بإيجاب حفظها، فكان حفظها أصلاً قطعيا، وكلية عامة في الدين. وجاءت هذه الآيات في تقرير هذا الحفظ من وجوه ثلاثة سنتكلم عليها واحداً واحداً.
...
حفظ النسل:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
العرب في زمان البعثة هم المخاطبون قبل الناس بالقرآن، وهم المؤمورون أول الناس- لعموم الرسالة- بالبلاغ، وعلى اهتدائهم كان يتوقف اهتداء غيرهم؛ فمن الحكمة توجه القصد إلى تطهيرهم من مفاسدهم.
وقد كانوا في الجاهلية منهم من يقتل البنات خشية الفقر، وليوفر ما ينفق عليهم لينفقه على نفسه وبيته وبنيه، ويرى النفقة عليهن ضائعة؛ لأنه لا ينتظر منهن سعياً للكسب ولا نصرة على العدو. وهذه هي الموءودة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ و٩].
على أنه قد كان من ساداتهم من يحيى الموءودة فيشتريها من عند أبيها، وينجيها من القتل: كزيد بن نفيل القرشي أبي سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، وصعصعة بن ناجية التميمي الصحابي جد الفرزدق الشاعر المشهور. وقد كان قتل البنات شائعاً فيهم مستفيضا في قبائل معدودة.
ومنهم- كما في لسان العرب- من كان يئد البنين عند المجاعة. فجاء النهي عن القتل في الآية متعلقا بلفظ الولد شاملاً للبنات والبنين، ومعه السبب الذي كان يحملهم على القتل، وهو خشية الإملاق أي خوف الفقر والإقتار.
(والمملق) هو الذي خرج ماله من يده فلم يبق بها شيء. ومن مادته الملقة وهي الصفاة الملساء. فنهوا عن هذا القتل الفظيع مع ذكر سببه، لتصوير حالتهم بوجه تام، وليتخلص من ذكر السبب إلى إبطاله ورده.
стр. 86
معالجة هذه الرذيلة بإبطال سببها وعظيم قبحها وسوء عاقبتها:
أبطل تعالى خوفهم من الفقر بقوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾؛ فأخبر أن رزق الجميع عليه، وأنه متكفل برزق خلقه بما يسر لهم من أسباب جلية أو خفية، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، والكبير والصغير.
كما أنه تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما في الآية السابقة، فهما مرتبطان بهذه المناسبة.
ومن ضلالهم: أنهم نظروا إلى قوة الكبير فحسبوه مرزوقاً من نفسه، فهداهم بقوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى أن الكبار مرزوقون من الله بتقديره وتيسيره.
ولما كان لا فرق بين الكبير والصغير في الحاجة إلى لطف الله، وضمان الرزق من الله، فلا وجه لخوف الفقر من وجود الأولاد وكثرتهم، لأنه ما من واحد منهم إلاّ ورزقه مضمون من خالقه ﷻ .
وبين تعالى فظاعة هذا القتل بقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾، بإضافة الأولاد إليهم، فإن الأولاد أفلاذ الأكباد، وقطعة من لحم المرء ودمه، ونسخة من ذاته، فمحبتهم فطرة، والعطف التام عليهم خلقة، فكيف يكون قبح وفظاعة فعل من بلغ بهم القتل!
وأي خير يُرجى من قاتل ولده لغيره من الناس، بعد ما جنى أفظع الجنايات على ألصق الناس به؟؟!
وبين تعالى سوء العاقبة لهذا القتل بقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾؛ أي إثماً كبيراً لما فيه من قتل النفس، وقطع النسل، وهلاك الجنس، وخراب العمران، وسوء الظن بالله، وعدم خشيته، وعدم الشفقة على خلقه.
يقال خطىء يخطأ خطئاً (١) إذا قصد الفعل القبيح ففعله. وأخطأ يُخطىء خطئاً (٢) إذا قصد شيئاً فأصاب غيره.
ومن مثل وعيد الآية ما ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﵌ سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» (٣).
стр. 87
عموم حكم الآية وترغيبها:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحكم يعم بعموم اللفظ. كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضي التخصيص، لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه، فالقتل حرام لأي سبب كان.
وهذا الفعل الذي كان في الجاهلية على الوجه المتقدم، وهو فعل مؤد إلى قطع النسل وخراب العمران- لا تسلم منه الأمم الأخرى في مختلف الأزمنة والبلدان:
إما بالقتل بعد الولادة.
وإما بإفساد الحمل بعد التخليق، وهو حرام باتفاق.
وقد يكون بالامتناع من التزوج.
أو بعد الإنزال في الفرج وهو العزل.
والآية كما نهت عن القتل، قد رغبت في النسل بذكر ضمان الرزق.
فعلى المؤمن أن يسعى لذلك من طريقه المشروع، وأن يتلقى ما يعطيه الله من نسل ابن أو بنت، بفرح، لنعمة الله وثقة برزق الله، وإيمان بوعده.
...
حفظ الفرج:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
في الزنا إراقة للنطفة، وسفح لها في غير محلها، فلو كان منها ولد لكان مقطوع النسب، مقطوع الصلة، ساقط الحق. فمن تسبب في وجوده على هذه الحالة فكأنه قتله. ولهذا بعدما نهى عن الزنا الذي هو كقتلهم، لأنه سبب لوجودهم غير مشروع؛ قال الجوهري: «قربته أقربه قربانًا، أي دنوت منه» (١). فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، في النهي أبلغ وآكد من ولا تزنوا؛ لأنه بمعنى ولا تدنوا من الزنا، وأفاد هذا تحريم الزنا، وتحريم الدنو منه، لا بالقلب ولا بالجوارح، فقد جاء في الصحيح:
«كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة. العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (٢)؛ فزنا هذه الجوارح دنو من الزنا الحقيقي، ومؤد إليه.
стр. 88
وقد حمى الشرع الشريف العباد من هذه الفاحشة بما فرض من الحجاب الشرعي، وهو ستر الحرة ما عدا وجهها وكفيها وجميع ثيابها عند الخروج بالتجلبب، وبما حرم من تطيب المرأة، وقعقعة حليها عند الخروج، وخلوتها بالأجنبي، واختلاط النساء بالرجال.
فتضافر النهي والتشريع على إبعاد الخلق عن هذه الرذيلة.
والمسلم المسلم، من تحرى مقتضى هذا النهي، وهذا التشريع في الترك والابتعاد.
معالجة هذه الرذيلة بتقبيحها وسوء عاقبتها:
بيَّن تعالى قبحها بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة هي الرذيلة التي تجاوزت الحد في القبح وعظم قبح الزنا مركوز في العقول من أصل الفطرة كان ولم يزل كذلك معروفاً.
ومن رحمة الله تعالى بخلقه أن ركز في فطرهم إدراك أصول القبائح والمحاسن، ليسهل انقيادهم للشرع عندما تدعوهم الرسل إلى فعل المحاسن وترك القبائح، وتأتيهم بما هو معروف في الحسن أو القبح لهم؛ فتبين لهم حكم الله فيه، وما لهم من الثواب أو العقاب عليه.
وبين تعالى سوء عاقبة الزنا بقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي بئس طريقاً طريقه، طريق مؤد إلى شرور ومفاسد كثيرة في الدنيا، وعذاب عظيم في الأخرى:
فهو طريق إلى هلاك الأبدان، وفساد الأعراض، وضياع الأموال، وخراب البيوت، وانقطاع الأنساب، وفساد المجتمع وانقراضه.
زيادة على ما فيه من معنى القتل للنفوس الذي تقدم في صدر الكلام.
فعلى المؤمن إذا وسوس له الشيطان بهذه الرذيلة أن يتعوذ بالله منه، ويستحضر قبحها والمفاسد التي تجر إليها، والإثم الكبير الذي يعقبها، وقبل ذلك كله حرمة النهي الشرعي عنها، فيكون ذلك له- بإذن الله- وقاية منها.
عدم العدوان:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
جاء أسلوب هذه الآيات تدرجاً من الخاص إلى العام: فقتل الأولاد قتل للنفس التي حرم الله، والزنا كالقتل للنفس كما قدمناه، وجيء هنا بالنهي الصريح عن قتل النفس، وأكد مقتضى النهي بوصف النفس بقوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
(والتحريم) هو المنع، فحرم الله معناه منع الله، والتقدير: حرم الله قتلها، فحذف لدلالة "لا تقتلوا" عليه. فالمنهي عنه هو القتل، والمحرم هو القتل، فتأكد المنع بالنهي والتحريم.
стр. 89
وفي إسناد التحريم إلى الله بعث للنفوس على الخشية من الإقدام على المخالفة، وتنبيه لها على ما يكفها عن الإقدام، وهو استشعار عظمة الله.
القتل المحرم:
وبين تعالى بقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أن القتل المحرم هو القتل الباطل، وأن القتل بالحق ليس بمنهي عنه. وبين الحق في الحديث الصحيح بقوله ﵌:
«لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة» (١) في غير هذه الثلاث مما جاء في بيانات أخرى عن بعض الأئمة، ويرجع إلى إحدى هذه الثلاث. أو يقال بتقدم هذا الحصر في الورود عليها، وهذا القتل الحق لا يتولاه أفراد الناس في بعضهم، وإنما يتولاه الإمام الذي إليه القيام بتنفيذ الأحكام وفصل الحقوق.
الرد عن العدوان بشرع القصاص:
القتل وسفك الدم عمل قديم في البشر، فلهم- على الجملة- ضراوة عليه وإلف به. وأعظم ما يكف الشخص عن نفس أخيه خوفه على نفسه. فلذلك شرع الله تعالى القصاص بين النفوس، وبين تعالى ذلك بقوله: ﴿ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾.
(المظلوم) من قتل عمداً عدواناً.
(والولي) هو القريب.
(والسلطان) هو التسلط.
و المعنى:
ومن قتل عمداً عدواناً، فقد جعلنا لقريبه تسلطاً بتمكينه من القصاص.
لا يحفظ النفوس إلاّ العدل:
كفاء النفس نفس. فلا يقتل إلاّ القاتل بما قتل دون غيره، ودون تمثيل به. وبين تعالى هذا بقوله: ﴿فلا يسرف في القتل﴾، أي لا يتجاوز القصاص المشروع؛ لأن الإسراف ظلم، ومثير للحفائط فيتسلسل الشر.
تسكين نفس الموتور:
الموتور هو من قتل قريبه، ولفقد القريب لوعة، ربما تذهب بالنفس إلى شر غاية، فذكر
стр. 90
بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. فإن قريب المقتول قد نصره الله إذ جعل له حق الاقتصاص، فإذا لم يستوف له في الدنيا استوفى له في الأخرى.
والمؤمن بيقينه لا يرى يوم القيامة إلاّ قريباً. وكفى بالله حسيباً.
حفظ الأموال باحترام الملكية
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٤و٣٥].
مال الشخص: هو ما كان ملكاً له:
(واليتيم): هو من عدم أباه، من اليتم بمعنى الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة. ومن عدم أباه فقد عدم ناصره. فإذا بلغ النكاح فقد بلغ القوة، فاستغنى عن الناصر، فلا يقال فيه يتيم في اللغة.
واعتبر الشرع الشريف وجود قوة العقل فمنع استغلاله، ودفع ماله إليه بعد البلوغ حتى يؤنسَ منه الرشد.
(والتي هي أحسن): الفعلة والخصلة التي هي أنفع.
والبلوغ إلى الشيء: الوصول والانتهاء إليه.
(والأشد): جمع شدة كأنعم جمع نعمة، فالأشد هو القوى. وبلوغ الأشد هو بلوغ القوى، والوصول إلى الحالة التي تحصل فيها القوى للإنسان، القوى البدنية، والقوى العقلية. ولا يقال في الشخص قد بلغ أشده إلاّ إذا حصل على قواه من الجهتين. فأما القوى البدنية فعلامة حصولها هو البلوغ. وأما القوى العقلية فعلامة حصولها هو الرشد الذي يظهر في حسن التصرف.
وقد جمع العلامتين قوله تعالى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٥].
فابتداء الأشد من البلوغ إذا كان معه رشد، ولا يزال يتدرج حتى يستكمل في الأربعين، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥]. فالأربعون هي سن الاستكمال، والاستواء، والتمام في القوى، وهي السن التي بعث الله فيها النبي- ﵌ للعالمين بشيرا ونذيرا.
стр. 91
ولا يزال الإنسان في قوته- ما لم تعرض الطوارىء- إلى الخمسين، ثم يأخذ في التراجع.
...
مال المرء كقطعة من بدنه، ويدافع عنه كما يدافع عن نفسه، وبه دوام أعماله في حياته. فالأموال مقرونة بالنفوس في الاعتبار؛ فقرنت في النظم آية حفظ الأموال بآيات حفظ النفوس، كما قرن بينهما النبي- ﵌ في قوله:
«فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» (١).
...
نهى تعالى عن قربان مال اليتيم إلاّ بالوجه الذي هو أنفع، فلا بد لكافل اليتيم من النظر والتحري عند التصرف في ماله: حتى يعرف ما هو ضار وما هو نافع، وما هو لا ضار ولا نافع، وما هو أنفع؛ فلا يتصرف إلاّ بما هو نافع. فإذا تعارض وجهان نافعان تحرى أنفعهما لليتيم. وفي هذا النهي- بطريق الأحرى- تحريم أخذ مال اليتيم بالباطل، والتعدي عليه ظلماً.
ومثل اليتيم في وجهي النهي المتقدمين غيره؛ فكل ذي ولاية أو أمانة على مال غيره يجب عليه أن يتحرى التحري المذكور.
كما يحرم على كل أحد أن يتعدى على مال غيره.
وإنما خص اليتيم بالذكر، لأنه ضعيف لا ناصر له، والنفوس أشد طمعاً في مال الضعيف؛ فالعناية به أوكد، والعقوبة عليه أشد.
ومن تأدب بأدب الآية في مال الضعيف كاليتيم، كان حقيقاً أن يتأدب بأدبها في مال غيره.
ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال الحكم الشرعي فيه داعيا إلى امتثاله في غيره بالمساواة، أو الأحروية.
وأجاز تعالى لولي اليتيم أن يتصرف في ماله بالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فيجوز له تنميته لليتيم بوجوه التجارة.
стр. 92
الولاية والاستقلال:
الولاية على اليتيم واستقلاله حالتان كلتاهما حق وخير إذا كانت كل واحدة منهما فى وقتها المناسب لها، وكل واحدة منهما تكون ظلماً وشراً إذا كانت في غير وقتها المناسب لها. فلذا بين تعالى الحالتين ووقتهما بما قبل (حتى) وما بعدها: فوقت عدم بلوغ الأشد هو وقت الولاية.
فمن الفروض الكفائية على الأمة أن يكون أيتامها مكفولين غير مهملين. ووقت بلوغ الأشد- ببلوغ الحلم والرشد- هو وقت استقلال من كان يتيما ووقت دفع ماله إليه، فلا يجوز حينئذ الاستيلاء على ماله والسيطرة عليه.
...
الوفاء بالعهد:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
أوفى بعهده إذا أتى بما التزم تاماً وافياً. والعهد من عهد إليه بالشيء إذا أعلمه به. قال تعالى: ﴿وعهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ (١) أي أعلمناه.
فالعهد هو الإعلام بالالتزام، أو الإعلام بما يلتزم.
فمن الأول: عاهدت زيداً على كذا، أي أعلمته بالتزامي له، وتعاهد القوم على الموت أي أعلم بعضهم بعضاً بالتزامه.
ومن الثاني: عهد الله إلى العباد أي إعلامهم بما عليهم أن يلزموه.
وقول عبد الله بن عمر ﵁: «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم» (٢). أي إعلامه لنا وإعلامنا لكم بما يلتزم.
(والمسؤول) من سأل، وسأل بمعنى طلب: إما طلب علماً، وإما طلب شيئاً، فإن كانت الأولى تعدى الفعل إلى المفعول الثاني بعن، تقول: سألته عن كذا فأجابني، وإن كانت الثانية تعدى الفعل إليه بنفسه تقول سألته ثوبا فأعطانيه.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
стр. 93
إذا كان من الأولى فالأصل مسؤولاً عنه فحذف إيجازاً لظهور المراد.
وإذا كان من الثاني فلا حذف ومعناه حيئنذ مطلوب أي مطلوب الوفاء به.
الوفاء بالعهد شرط ضروري لحصول السعادتين:
عهد الله تعالى لعباده هو ما شرعه لهم من دينه، فوفاؤهم بعهده قيام بأعباء ذلك الدين الكريم، وانتظام شؤونهم في هذه الحياة- أفراداً وجماعات وأمماً- متوقف على الوفاء من بعضهم لبعض بما بينهم من عهود؛ فالوفاء ضروري لنجاة العباد مع خالقهم؛ ولسلامتهم من الشرور والفوضى والفتن. وضروري- إذن- لتحصيل سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
ولمكانة هذا الأصل وضرورته تكرر في الكتاب والسنة الأمر به على وجه عام بين الأفراد والأمم، بلا فرق بين الأجناس والملل. وجاء هنا في آية الوصاية باليتيم- وهي آية حفظ الأموال باحترام الملكية- لوجهين:
الأول: أن الكافل لليتيم قد أعلن بكفالته- بلسان حاله- أنه ملتزم لحفظه في بدنه وماله، فهذا عهد منه يطالب بالوفاء به، ويسأل عن ذلك الوفاء.
الثاني: أن الآية في حفظ الأموال وعدم التعدي على ملك أحد.
والناس يتعاملون بحكم الضرورة، ويبنون تعاملهم على تبادل الثقة والعهود المبذولة من بعضهم لبعض بلسان المقال أو بلسان الحال، فأمروا بالوفاء بالعهد الذي هو أساس للتعامل، وفي ذلك سلامة مال كل أحد من التعدي عليه.
ولا ينافي هذا عموم اللفظ الذي يقتضي الأمر بالوفاء عاماً، لأنه باق على عمومه وإنما يدخل فيه هذان الوجهان المذكوران في ارتباط النظم دخولا أولياً.
ومن بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتي باللفظ مفيداً للعام، ومقوياً للخاص.
...
الترغيب في الوفاء، والترهيب من الخيانة:
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
إذ كان مسؤول بمعنى مطلوب، أي مطلوب الوفاء به، فإنه مطلوب في الفطرة، وفي الشريع؛ فالعباد فطروا على استحسان الوفاء، ومطالبة بعضهم بعضاً به، والشرع طالبهم بالوفاء وشرعه لهم، ووعدهم الثواب عليه- ففي قوله: ﴿إن العهد كان مسؤولاً﴾ ترغيب لهم في الوفاء بحسنه ومشروعيته وحسن الجزاء عليه. ويتضمن هذا الترغيب التخويف من ترك المطلوب.
وإذا كان مسؤول بمعنى مسؤول عنه، فإن المعنى أن الله تعالى يسأل العباد يوم القيامة عن عهودهم: هل أوفوا بها ليجازيهم على الوفاء بحسن الجزاء، وعلى الخيانة بالعذاب والإهانة؟
стр. 94
فينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، ويقال: «هذه غدرة فلان»، كما جاء في الصحيح (١) الآية على هذا- أيضاً- ترغيب وترهيب.
...
إيفاء الحقوق عند التعامل:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
(إيفاء الكيل): إتمامه.
(والقسطاس): هو الآلة التي يحصل بها الإيفاء من المكيال والميزان على تعدد أنواعهما.
(والمستقيم): الصحيح الذي لا عيب فيه مما يجعله غير صالح للوفاء بالعدل، ككسره أو اعوجاجه أو أي خلل في تركيبه.
"والخير" النافع.
(والتأويل): مصدر أول بمعنى رجع من آل يؤول أوْلًا، بمعنى: رجع، وهو هنا بمعنى المرجع والمآل، أي العاقبة.
الأمر بإيفاء الكيل من موضوع ما قبله: في الأمر بحفظ الأموال واحترام الملكية.
والمكيلات والموزونات مورد عظيم للتعامل، ومعرضة تعريضاً كبيراً للبخس، والتطفيف، وأخذ مال الناس بالزيادة، أو بالتنقيص: إما بفعل الشخص، وإما بفساد الآلة. فأمر تعالى بإيفاء الكيل، وأمر باختيار الآلة الصالحة لذلك، وبين أن الوفاء يكون عند الكيل بقوله: ﴿إذا كلتم﴾، على سبيل التأكيد حتى لا يتأخر الوفاء عن الكيل، بأن يكمل ما نقص، أو يرد ما زاد، وأن الذي يفصل الحق، ويطيب النفوس هو الوفاء وقت الكيل.
...
الترغيب في إيفاء الكيل:
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:
رغب تعالى في الإيفاء بوجهين:
стр. 95
الأول: أنه (خير) فيفيد العدل والحق، وأكل الحلال، وراحة البال.
وفيه حصول الثقة التي هي رأس مال التاجر.
وفيه حفظ نظام التعامل الذي هو ضروري للحياة. وهذه كلها وجوه نفع وخير.
الثاني: أنه (أحسن) عاقبة.
عاجلًا في نفس الشخص، وأخلاقه وفي عرضه، وسمعته، وفي سلامته من المطالبات، والمنازعات.
وآجلاً بحسن جزائه عند الله بما أعد للموفين من الأجر العظيم.
...
تركيب على هذا الترغيب:
هذان الوجهان اللذان رغب الله تعالى بهما في الوفاء، ينبغي للعاقل أن يجعلهما نصب عينيه في كل ما يتناوله ويعمله؛ فيقتصر على ما هو خير ينفعه في الحال، وحسن العاقبة بنفعه وعدم ضرره في المآل.
والله يوفقنا إلى خير الأقوال والأعمال، إنه الكريم الواسع النوال.
...
العلم والأخلاق
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
العلم الصحيح، والخلق المتين، هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان، وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة، من أصول التكليف؛ فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما. فجيء بهما بعده، ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى.
ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.
آية العلم:
(القفو): اتباع الأثر، تقول: قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. والمتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه، ولا نهاية سيره.
فالقفو: اتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق الاتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا.
ولكونه اتباعاً بغير علم، جاء فى كلام العرب بمعني قول الباطل قال جرير:
وَطَالَ حِذَارِي خِيفَةَ الْبَيْنِ وَالنَّوَى ... وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ مُتَقَوِّفِ (١)
стр. 96
(والعلم)، إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حساًّ ومشاهدة، أو كانت برهاناً عقلياً: كدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع.
فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن. هذا هو الأصل.
ويطلق العلم أيضاً على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جداً. كما قال تعالى عن إخوة يوسف ﵇:
﴿وما شهدنا إلاّ بما علمنا وما كنا للغيب حافظين﴾ [يوسف: ٨٣]. فسمى القرآن إدراكهم لما شاهدوا علماً؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.
(والسمع): القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن.
(والبصر): القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين. وقدم السمع على البصر، لأن به إدراك العلوم وتعلم النطق، فلا يقرأ ولا يكتب إلاّ من كان ذا سمع وقتاً من حياته.
(والفؤاد): القلب، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان تفيد ثبوت خبرها لاسمها، وكونها على صورة الماضي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط.
ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الإسم للخير؛ فالجوارح مستحقة للسؤال، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة.
(والمسؤول): الموجه إليه السؤال ليجيب.
(وأولئك): إشارة إلى هذه الثلاثة (١). وضمير كان عائد على كل، وضمير (عنه) عائد على ما، وضمير مسؤولاً عائد على ما عاد عليه ضمير كان.
والتقدير: كل واحد من هذه الثلاثة: السمع، والبصر، والفؤاد، كان مسؤولاً عما ليس لك به علم.
стр. 97
العقل ميزة الإنسان وأداة علمه:
يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك، ويمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل، وعقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير.
وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجاباً وسلباً، وارتباط بعضها ببعض نفياً وثبوتاً. وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول.
فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف ما دام مفكراً.
ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير- امتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته، ونظم معيشته بمكتشفاته ومستنبطاته: فمن المشي على الأقدام، إلى التحليق في الجو، مثلا. وبقي سائر الحيوان على الحال التي خُلق عليها دون أي انتقال.
وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها، ويستقيم تنظيمه لها- تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول، وقسمي العلوم والآداب.
وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام، بل قرون مدنيتهم: عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا؛ فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم، وأناروا بالعلم عمرهم. ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم؛ فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها.
و كما نرى الغرب في مدنيته اليوم:
ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية وأدتها بأمانة.
وعرف علوم المسلمين ومكتشفاتهم، فجاء هو أيضاً بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده وثمرة تفكيره ونظره فيها.
وقد كانت مكتشفاته أكثر من مكتشفات جميع من تقدمه- كما كانت مكتشفات صدر هذا القرن أكثر من مكتشفات عجز (١) القرن الماضي- لتكاثر المعلومات؛ فإن المكتشفات تضم إلى المعلومات، فتكثر المعلومات، فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها.
وهكذا يكون كل قرن- ما دام التفكير عَمَّالًا- أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله.
فإذا قلت معلوماته قلت اكتشافاته. وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى.
واذا كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها .. بقي حيث هو جامداً، ثم لا يلبث أن تتلاشى من
стр. 98
ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل؛ لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئاً فشيئاً. وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة، عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية- بسنة الله- بسقوطها.
وإذا لم يصح إدراكه للحقائق، أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها- كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفساداً في فساد. ولا ينشأ عن هذين إلاّ الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول. وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئياً وكلياً من قريب أو من بعيد.
وهذا هو طور انحطاط الأمم، الانحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم، ويفشو الجهل، وتنتشر فيها الفوضى بأنواعها، فتتخذ رؤوسا جهالاً لأمور دينها وأمور دنياها، فيقودونها بغير علم، فيَضلون ويُضلون، ويَهلكون ويُهلكون، ويفسدون ولا يصلحون (١).
وما أكثر هذا- على أخذه في الزوال بإذن الله- في أمم الشرق والإسلام اليوم.
...
العلم وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات:
سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطاً وثيقاً: يستقيم باستقامته ويعوجُّ باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه؛ لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات، واعتقاداته ثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره ونظره.
وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف: فمنها ما هو قوي معبر، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار.
فالأول: العلم وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه، وهو علم الاعتبار.
ويليه الظن، وهو إدراك لأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلاّ ذاك. وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ العلم مجازا.
والثاني: الوهم، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجوح.
والشك، وهو إدراك الأمر على وجهين، أو وجوه متساوية في الاحتمال، وكلا هذين لا يعول عليه.
стр. 99
ولما كان الإنسان- بما فطر عليه من الضعف والاستعجال- كثيراً ما يبني أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه، وعلى ظنونه حيث لا يكتفي بالظن، وفي هذا البناء الضرر والضلال .. بين الله تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم، ولا يصح منهم البناء لأقوالهم، وأعمالهم، واعتقاداتهم، إلاّ على إدراك واحد وهو العلم، فقال تعالى:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ أي لا تتبع ما لا علم لك به فلا يكن منك اتباع بالقول، أو بالفعل، أو بالقلب، لما لا تعلم؛ فنهانا عن أن نعتقد إلاّ عن علم أو نفعل إلاّ عن علم، أو نقول إلاّ عن علم.
فما كل ما نسمعه وما كل ما نراه نطوي عليه عقد قلوبنا، بل علينا أن ننظر فيه، ونفكر، فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه، وإلاّ تركناه حيث هو، في دائرة الشكوك والأوهام، أو الظنون التي لا تعتبر.
ولا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله نقوله. فكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع، كما جاء في الصحيح (١).
بل علينا أن نعرضه على محك الفكر؛ فإن صرنا منه على علم قلناه، مراعين فيه آداب القول الشرعية، ومقتضيات الزمان، والمكان، والحال، فقد أمرنا أن نحدث الناس، بما يفهمون- وما حدث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلاّ كان عليهم فتنة- وإلاّ طرحناه.
ولا كل فعل ظهر لنا نفعله. بل حتى نعلم حكم الله تعالى فيه، لنكون على بيّنة من خيره وشره، ونفعه وضره.
فما أمر تعالى إلاّ بما هو خير وصلاح لعباده، وما نهى تعالى إلاّ عما هو شر وفساد لهم، أو مؤد إلى ذلك.
وإذا كان من المباحات نظرنا في نتائجه وعواقبه ووازنا بينها، فإذا علمنا بعد هذا كله من أمر ذلك الفعل ما يقتضي فعله فعلناه وإلاّ تركناه.
فلا تكون عقائدنا- إذا تمسكنا بهذا الأصل الإسلامي العظيم- إلاّ حقاً.
ولا تكون أقوالنا إلاّ صدقاً.
ولا تكون أفعالنا إلاّ سداداً.
ولعمر الله إنه ما دخل الضلال في عقائد الناس، ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم، ولا كان الفساد والشر في أفعالهم، إلاّ بإهمالهم، أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم.
стр. 100
المعنى:
نهينا عن أن نتبع ما ليس لنا به علم، فالذي نتبعه هوما لنا به علم؛ أي لنا به علم يقتضي اتباعه بأن يكون من عقائد الحق، وأقوال الصدق، وأفعال السداد.
فأما ما كان من عقائد الحق في أمر الدين، أو في أمر الدنيا، فلا حظر في اعتقاد شيء منه.
وأما ما كان من أفعال السداد فكذلك.
وأما ما كان من أقوال الصدق ففيه تفصيل: إذ ليس كل قول صدق يقال.
فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته: لأنها غيبة محرمة، ولا يجابه بها في حضوره لأنها أذاة؛ إلاّ إذا ووجه بها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة، التي من أولها ألا تكون في الملأ.
وهكذا يحدث في مثل هذه الأصول الكلية عندما يتفقه فيها، أن ينظر فيما جاء من الآيات والأحاديث مما في البيان لها، والتفصيل في مفاهيمها.
...
تفريع:
الفرع الأول:
من اتبع ما ليس به علم فاعتقد الباطل في أمر الدين، أو في حق الناس، أو قال الباطل كذلك فيهما، أو فعل المحظور ... فهو آثم من جهتين:
(١) اتباعه ما ليس له به علم. (٢) واعتقاده أو قوله للباطل وفعله للمحظور.
ومن اعتقد حقاً من غير علم، أو قال في الناس صدقاً عن غير علم، أو فعل غير محظور عن غير علم فإنه- مع ذلك- آثم من جهة واحدة، وهي اتباعه ما ليس له به علم، ومخالفته لمقتضى هذا النهي.
الفرع الثاني:
المقلد في العقائد الذي لا دليل عنده أصلاً، وإنما يقول: سمعت الناس يقولون فقلت. هذا آثم لاتباعه ما ليس له به علم. فأما إذا كان عنده دليل إجمالي كاستدلاله بوجود المخلوق على وجود خالقه فقد خرج من الإثم، لتحصيل هذا الاستدلال له العلم.
والمقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها، يصدق عليه باعتبار الأدلة التي يجهلها أنه متبع ما ليس له به علم، ولكنه له علم من ناحية أخرى وهي علمه بأن التقليد هو حكم الله تعالى في حق مثله من العوام، بما أمر تعالى من سؤال أهل العلم، وما رفع عن العاجز من الإصر (١)، وهو من العامة العاجزين عن درك أدلة الأحكام.
стр. 101
نصيحة على هذا الفرع:
أدلة العقائد مبسوطة في القرآن العظيم بغاية البيان، ونهاية التيسير. وأدلة الأحكام أصولها مذكورة كلها فيه، وبيانها وتفاصيلها في سنة النبي ﵌ الذي أرسل ليبيّن للناس ما نزل إليهم.
فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم؛ إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم. ولن يجد العامي الأدلة لعقائد سهلة قريبة إلاّ في كتاب الله، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه.
أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريق العلم إلى عباده وهم في أشد الحاجة إليه.
لقد كان من نتيجة هذا ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه.
ومما ينبغي لأهل العلم أيضاً- إذا أفتوا أو أرشدوا- أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاويهم ومواعظهم، ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم ويذيقوهم حلاوته، ويعرفوهم منزلته، ويجعلوه منهم دائما على ذكر، وينيلوهم العلم والحكمة من قريب، ويكون لفتواهم ومواعظهم رسوخ في القلوب، وأثر في النفوس.
فإلى القرآن والسنة- أيها العلماء- إن كنتم للخير تريدون.
الفرع الثالث:
المجتهد إذا أفتى مستنداً إلى ما يفيد الظن من أخبار الآحاد، أو الأقيسة أو النصوص الأخرى الظنية الدلالة- هل هو متبع لغير العلم؟
الجواب لا؛ بل هو متبع العلم، وذلك من ثلاثة وجوه:
الأول: أن كل دليل يكون ظنياً بمفرده- يصير يقيناً إذا عرض على كليات الشرع ومقاصده، وشهدت له الصواب، وهذا هو شأن المجتهدين في الأدلة الفردية.
الوجه الثاني: أن المجتهد يعتمد في الأخذ بالأدلة الظنية لما له من العلم بالأدلة الشرعية الدالة على اعتبارها.
الوجه الثالث: أن تلك الأدلة بمفردها تفيد الظن القوي، الذي يكون جزماً ويسمى- كما تقدم- علماً، فما اتبع المجتهد إلاّ العلم.
стр. 102
الفرع الرابع:
لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي- ﵌ من الحديث الضعيف؛ لأنه ليس لنا علم به.
فإذا كان الحكم ثابتاً بالحديث الصحيح مثل قيام الليل، ثم وجدنا حديثاً في فضل قيام الليل بذكر ثواب عليه مما يرغب فيه- جاز عند الأكثر أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديداً على وجه الترغيب.
ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه، وهذا هو معنى قولهم:
(الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال)، أي في ذكر فضائلها المرغبة فيها لا في أصل ثبوتها.
فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه، لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله، باتفاق من أهل العلم أجمعين.
الفرع الخامس:
أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب، فلا نقول فيها إلاّ ما كان لنا به علم: بما جاء في القرآن العظيم، أو ثبت في الحديث الصحيح.
وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الالتفات إلى شيء من ذلك.
ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش، والكرسي، واللوح، والقلم، وأشراط الساعة، وما لم يصل إليه علم البشر.
...
سؤال الجوارح يوم الهول الأكبر:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
من قال ما لم يسمع، سئل يوم القيامة سمعه فشهد عليه.
ومن قال: رأيت ولم ير سئل بصره فشهد عليه.
ومن قال: عرفت، ولم يعرف، أو اعتقد ما لم يعلم، سئل فؤاده فشهد عليه: لأنه في هذه الأحوال الثلاثة قد اتبع ما ليس له به علم. وهذه الشهادة كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢].
هذه الثلاثة تسئل على وجوه منها ما تقدم، وهو الذي يرتبط به هذا الكلام بما تقدم من النهي.
стр. 103
ومنها سؤال السمع: لم سمع ما لا يحل؛ ولم لم يسمع ما يجب؟
وسؤال البصر: لم رأى ما لا يحل؛ وعن جمع أعمال البصر، من نظر البغض والاحتقار ونحو ذلك؟
وسؤال الفؤاد: عما اعتقد؛ وعما قصد؛ وجميع أعمال القلوب؟
فوائد ختام الآية:
فختام هذه الآية تأكيد للنهي السابق.
وتفصيل لطرق العلم، وتنبيه على لزوم حفظها واحدة واحدة.
وترهيب للإنسان من اتباع ما لم يعلم بما يؤول إليه أمره من فضيحة يوم القيامة، وخزي بشهادة جوارحه عليه.
فالله نسأل أن يجعلنا متبعين للعلم في جميع ما نعمل، ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
...
آية الأخلاق
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٧ و٣٨ و٣٩].
(المرح): مشية فيها خفة ونشاط، واختيال، ناشئة عن شدة فرح بالنفس. تقول العرب: أمرح الكلأ الفرس فمرح فهو فرس مرح وممراح، إذا شبع فأخذ يمشي بخفة ونشاط واختيال. ويقال: مرح الرجل إذا اختال في مشيته ونظر في عطفيه، ولا يكون ذلك إلاّ لفرحه بنفسه وإعجابه بها.
و (خرق الأرض): ثقبها.
و (الطول): ارتفاع القامة.
نصب مرحاً بتمش؛ لأنه متضمن له تضمن الكلي لجزئيه؛ إذ المرح جزئي من جزئيات المشي، فكأنه قال: لا تمرح مرحاً. ونظيره قول الشاعر:
стр. 104
يُعْجِبُهُ السَّخُونُ والْبَرُودُ ... وَالتَّمْرُ، حُبًّا مَا لَهُ مَزِيدُ (١)
فنصب حباً بيعجب؛ لأن الإعجاب متضمن للحب.
أو نصب على أنه حال كجاءني زيد ركضاً.
ونصب طولًا على أنه تمييز، أي من جهة الطول. والتقدير: ولن يبلغ طول الجبال.
المعنى
حب الإنسان لنفسه غريزة فيه، وذلك يحمله على الإعجاب والفرح بها، وبكل ما يصدر عنها. ويستخفه ذلك حتى يتركه يمشي بين الناس مختالًا متبختراً، وهذه هي مشية المرح التي نهى الله تعالى في هذه الآية عنها.
ولما كانت هي فرعاً عن الإعجاب بالنفس والفرح بها، فالنهي منصبٌّ على أصلها كما انصبَّ عليها.
ولما كانت هذه العلة ناشئة عن علة العجب، أعقب الله تعالى بيان الداء الذي نهى بذكر الدواء الذي يقلعه من أصله، فقال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. فذكر الإنسان بضعفه بين مخلوقين عظيمين من فوقه ومن تحته، فإذا ضرب برجليه الأرض في مرحه فهو لا يستطيع خرقها. وإذا تطاول بعنقه في اختياله فهو لن يبلغ طول الجبال، فقد أحاط به العجز من ناحيتيه.
وذكر الإنسان لضعفه وعجزه أنجع دواء لمرض إعجابه بنفسه.
نعم، الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله، ولكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحاً، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه، ونقائص بشريته، فلا يدعه يعجب فلا يكون من المرحين، فما مرح إلاّ وهو محروم من نور العقل مفتون بمادة الجسم، فذكر بضعف هذا الجسم وصغارته.
العجب أصل الهلاك:
إذا أعجب المرء بنفسه عمي عن نقائصها، فلا يسعى في إزالتها، ولهى عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها؛ فعاش ولا أخلاق له، مصدراً لكل شر، بعيدا عن كل خير.
وعن العجب بالنفس ينشأ الكبر على الناس، والإحتقار لهم، ومن احتقر الناس لم ير لهم
стр. 105
حقاً، ولم يعتقد لهم حرمة، ولم يراقب فيهم إلاًّ (١) ولا ذمة، وكان عليهم- مثل ما كان على نفسه- أظلم الظالمين.
وإبليس اللعين- نعوذ بالله تعالى منه- كان أصل هلاكه، من عجبه بنفسه، وأنه خلق من النار، وأنه خير من آدم، فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين.
ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق:
تربية النفوس تكون بالتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل.
والعجب هو أساس الرذائل، فأول الترك تركه.
وهو المانع من اكتساب الفضائل فشرط وجودها تركه كذلك.
ومن لم يكن معجباً بنفسه، كان بمدرجة التخلق بمحاسن الأخلاق والتنزه عن نقائصها، لأن الإنسان مجبول على محبة الكمال وكراهة النقص، فإذا سلم من العجب فإن تلك الجبلة (٢) تدعوه إلى ذلك التخلق والتنزه، فإذا نبه على نقصه لم تأخذه العزة، وإذا رغب في الكمال كانت له إليه هزة، فلا يزال بين التذكيرات الإلهية، والجبلة الإنسانية الخلقية، يتهذب، ويتشذب، حتى يبلغ ما قدر له من كمال.
ولهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة- وهي أصول في علم الأخلاق- عَنْوَنَّا عليها بآية الأخلاق.
...
تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز:
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وإن التكاليف الإسلامية كلها شرعت لسوقه إليها؛ ولما كانت أصولها قد تضمنتها الآيات السابقة أمراً ونهياً بطريق الإطناب والتفصيل؛ أعيد الحديث عنها في هذه الآية بطريق الإيجاز والإجمال، قصداً للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها. وهذا من بديع التأكيد، لاشتماله على السابق مع شيء جديد.
(السىّء): هو القبيح، والقبائح المنهي عنها فيما تقدم قبيحة لذاتها، ولنهي الله تعالى عنها.
و (المكروه) هو المبغوض المسخوط عليه، وهو ضد المحبوب المرضي عنه.
والمحاسن محبوبة لله أمر بها ويثيب عليها ويرضى على فاعلها، والمقابح مبغوضة له تعالى، نهى عنها، ويعاقب عليها، ويسخط على مرتكبها.
стр. 106
وليس المكروه بمعنى عدم المراد، لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد، وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله.
وليس بمعنى المنهي عنه نهياً غير جازم لأن ذلك اصطلاح فقهي حادث بعد نزول القرآن، والقرآن لا يفسر الحادثة بالاصطلاحات.
(ذلك): إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة (سيئه) فالمكروه هو سىء ما تقدم، وهو القبائح المنهي عنها.
أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة: (سيئة).
و (مكروهاً): خبر كان على القراءة الأولى، وخبر ثان على القراءة الثانية.
وتقدير الكلام على القراءة الأولى:
كل ذلك المذكور كان سيئه- وهو المنهيات- مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن حسنه- وهو المأمورات- محبوب عنده.
وعلى الثانية كل ذلك المنهي عنه كان سيئه مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن المأمور به حسن عنده.
المعنى:
عرف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها- على ما تقدم في التقرير- أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض.
فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، وأنه- تعالى- لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن.
وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الامتثال ويرغبهم فيه. فإن الحسن تميل إليه النفوس، والقبيح تنفر منه.
وفي قوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ غاية الترغيب في الحسن والتنفير من القبيح، فإن الحسن جد الحسن ما كان حسناً عند الله تعالى، والقبيح جد القبيح ما كان قبيحا عنده. وفي اسم الرب تنبيه على أن العلم بالحسن والقبيح على وجه التفصيل والتدقيق- حتى يكون المأمور به حسناً قطعاً، والمنهي عنه في قبيحاً قطعاً- إنما هو قوله تعالى، وأن أوامره ونواهيه- تعالى- الجارية على مقتضى ذلك هي من مقتضى ربوبيته- تعالى- وتدبيره لخلقه.
...
مكانة هذه الأصول علما وعملاً:
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾:
لما بينت الأصول تمام البيان، وقررت غاية التقرير- جاءت هذه الآية للتنويه بها لحث العباد على تحصيل ما فيها من علم، والتحلي بما دعت إليه من عمل.
стр. 107
الحكمة هي العلم الصحيح، والعمل المتقن المبني على ذلك العلم.
وقال مالك بن أنس ﵁: «هي الفقه في دين الله والعمل به».
والقرآن حكمة لدلالته على ذلك كله.
(ذلك): إشارة إلى ما تضمنته الآيات المتقدمة من قوله تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلهاً آخر﴾ ومن في "مما" تبعيضية. ومن في "من الحكمة" بيانية، مجرورها بين المبهم، وهو ما في قوله "مما". والتقدير: ذلك الذي تقدم بعض الحكمة التي أوحاها إليك ربك.
المعنى:
هذا ضرب آخر من تأكيد العمل بما تقدم، والترغيب فيه: فبين تعالى أن ما تضمنته الآيات المتقدمة كله حكمة، فالمتحقق بما فيها من علم، والمتحلي بما حثت عليه من أعمال، هو الحكيم الذي كمل من جهته العلمية وجهته العملية، وتلك أعلى رتب الكمال للإنسان.
وفي ذكر أنها بعض من كل، تنبيه على جلالة كلها، وهو عموم ما أوحى الله تعالى إلى نبيه- ﵌.
وتنبيه أيضاً على أن شرح هذه الأصول فيما أفادته من علم وعمل، والتفقه فيها يرجع فيه إلى الوحي، ويعتمد في ذلك على بيانه.
وفيه بيان أن الوحي هو المرجع الوحيد لبيان دين الله تعالى وشرعه، وما أنزله لعباده من الحكمة، وذلك الوحي هو القرآن العظيم، وسنة النبي ﵌، الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم.
...
ختام الآيات:
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
لما كانت هذه الآيات في أصول الهداية، وأساس الهداية وشرطها هو التوحيد: ختمت الآيات بالنهي عن الشرك كما بدأت به.
(الإلقاء): هو الطرح.
و (الملوم): هو الذي يقال له لم فعلت القبيح؛ وما حملك عليه؛ ونحو هذا ...
و (المدحور): المبعد. وانتصبا على الحال.
المعنى:
نهى تعالى عن الشرك، وأن يعبد معه سواه، فالعبادة بالقلب واللسان والجوارح لا تكون إلاّ له.
وكما حذر في فاتحة الآيات بقعود المشرك في الدنيا مذموماً بالشرك الذي ارتكبه مخذولاً لا
стр. 108
ناصر له- كذلك حذر هنا بمآل المشرك في آخرته، بإلقائه في جهنم، ملوماً على ما قدم، مطروداً مبعداً في دركات الجحيم.
...
نظرة عامة في الآيات المتقدمة:
قد تضمنت هذه الآيات على قلّتها: الأصول التي عليها تتوقف حياة النوع البشري وسعادته:
من حفظ النفوس والعقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ﴾.
والأنساب، والأموال، والحقوق، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ... ﴾، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ ..
والأعراض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا .. ﴾، ﴿وَلَا تَقْفُ ... ﴾ ...
والدين الذي هو عمدة ذلك كله وفي حفظه حفظ لجميعها.
وفي افتتاح الآيات بقوله تعالى:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. وختمها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾، بيان من الله تعالى لخلقه، بأن الدين هو أصل هذه الكمالات كلها، وهو سياج وقايتها، وسور حفظها، وأن التوحيد هو ملاك (١) الأعمال وقوامها، ومنه بدايتها وإليه نهايتها.
وكذلك المسلم الموفق يبتدي حياته بكلمة التوحيد حتى يموت عليها.
فالله نسأل- كما منَّ علينا بها في البداية- أن يمن علينا بها في النهاية.
اللهم هذا لنا، وللمسلمين أجمعين.
القَول الحسَنُ
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ [الإسراء:٥٣ و ٥٤].
تمهيد:
اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان.
стр. 109
والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقّى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.
فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه.
فإذا حسن قويت روابط الإلفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر.
ويعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران.
وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك:
فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستعداد والتعاون، وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل.
وفي ذلك كل الشر لأبناء البشر.
فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم- هو القول الحسن.
ولهذا أمر الله تعالى نبيه- ﵌ أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين:
الأول: أنهم أضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلاّ للمؤمنين به.
الثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان.
و (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضاً بأحب الأسماء إليه.
وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء.
وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون أذاية لخصمة، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به.
стр. 110
وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدق تلميح إلى شيء قبيح.
وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم.
وقد جاء في الصحيح: «أن رهطا من اليهود دخلوا على النبي- ﵌ فقالوا: السام (١) عليكم ففهمتها عائشة- ﵂ فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله- ﵌: مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؛ فقال: قد قلت: وعليكم» (٢).
فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال- ﵌ القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
وأفاد قوله تعالى: ﴿أحسن﴾ بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.
فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال، ولو كلمة واحدة:
فرب كلمة واحدة أوقدت حرباً، وأهلكت شعباً، أو شعوباً.
ورب كلمة واحدة أنزلت أمناً وأنقذت أمة أو أمما.
وقد بين لنا النبي- ﵌ مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: «الكلمة الطيبة صدقة» (٣) و «اتقوا النار ولو بكلمة طيبة» (٤).
وهذا الأدب الإسلامي- وهو التروي عند القول، واجتناب السيء واختيار الأحسن- ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب،