«انطلق نفر من أصحاب النبي ﵌ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء.
فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؛ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا (١).
فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين؛ فكأنما نشط من عقال (٢). فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.
فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي- ﵌ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌، فذكروا له. فقال: وما يدريك أنها رقية؟!. ثم قال: قد أصبتم؛ أقسموا واضربوا لي معكم سهما» (٣) فضحك رسول الله ﵌.
فثبت بهذين الحديثين أن في القرآن شفاء للأبدان.
وحصل عندنا من جميع ما تقدم أنه شفاء للأرواح والأبدان للأفراد والمجتمع.
مداواة الأبدان بالطب والقرآن:
ثبت عنه ﵌ الأمر بالتداوي قولًا وعملاً.
وثبت عنه الاستشفاء بالقرآن. ولا منافاة بينهما، فإن الإنسان مركب من روح من عالم النور، وجسم من عالم المادة المركبة.
فمن الحكمة الإلهية أن شرع الله لنا عند الأمراض على لسان رسول الله- ﵌ الجمع بين الأدوية المادية، التي هي المناسبة للبدن، والآيات القرآنية التي هي المناسبة للروح، مع ما في الأدوية القرآنية من اطمئنان القلب بالله، وقوته به، وانتعاشه بذكره، وفي ذلك من تقوية للروح ونعيمها ما يهون عليها ألم المرض، ويشفيها بإذن الله تعالى عليه.
ومثل الآيات القرآنية في ذلك، كل ما ثبت في السنة من الرقى النبوية المأثورة.
стр. 142
تحذير:
فرط قوم: فأهملوا الاستشفاء بالذكر المأثور، واقتصروا على الدواء المادي، فحرموا أنفسهم من خير كثير، إذا لم يكونوا له كالمنكرين.
وأفرط آخرون: فأهملوا الدواء المادي، وزهدوا الناس فيه وتزيدوا في جانب المأثور، حتى خرجوا عنه واتخذوا لهم من ذلك حرفة وموردا للمعاش. ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية والإجتماعية، التي هي المقصود بالمقام الأول من تنزيله مقتصرين على الوجه الذي وجد منه سبيلاً إلى الاسترزاق على ما أحدثوا فيه وما ابتدعوا، فعكسوا الأمر، وخالفوا السنة، ووقعوا في المحظور من عدة وجوه.
وهذان الطرفان مذمومان.
والعدل، هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك ويقف في الوارد عندما ورد ويتناوله على ما ورد.
تطبيق:
نزول الآيات في الكافرين، لا يمنع من تطبيقها على من شاركهم في مثل الحال الذي أنكرته عليهم من المؤمنين، لأن الوصف المذموم مذموم، سواء أكان المتصف به مؤمناً أم كان كافرا. فالذين تتلى عليهم الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وتوضح لهم الدلائل الشرعية، وهم لها معرضون، وعن تدبرها غافلون، وبها يتهاونون، يزدادون بكل مرة [[إثما]] بإعراضهم وغفلتهم وتهاونهم، فيخسرون بقدر ما يفوتهم من الهداية على حسب حالتهم، وإذا لم يكن كخسار الكافرين، فهو كخسار المعرضين، الغافلين، المتهاونين، وكفى به خساراً يتنزه عنه المؤمنون ويأباه الكافرون.
سلوك:
نتناول القرآن العظيم دواء من عند ربنا:
شفاء لأمراض عقولنا وأمراض نفوسنا، وأمراض مجتمعنا، فنتطلب ذلك منه؛ بتدبر وتفهم إشاراته، ووجوه دلالاته.
وشفاء أيضاً لأبداننا؛ فنفعل كما كان يفعل النبي- ﵌ إذا أوى إلى فراشه، على ما تقدم في حديث عائشة ﵂ وعلى ما جاء من نحو ذلك، مما ثبت عنه عليه وآله الصلاة والسلام، وانتهى إليه علمنا.
غير مقصرين ولا غالين، وعلى ربنا متوكلين.
سائلين الله أن يشفينا بالقرآن أجمعين. آمين يا رب العالمين.
стр. 143
صفتان من صفات النوع الإنساني: الإعراض عن النعمة واليئوس من الرحمة
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ و ٨٤].
تمهيد:
في النوع الإنساني غرائز غالبة عليه، لا يسلم منها إلاّ من عصم الله، أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي آيات القرآن العظيم بيان لكثير من تلك الغرائز، للتحذير من شرها، والتنبيه على سوء مغبتها، منها هذه الآية الكريمة.
المناسبة:
لما ذكر تعالى أن القرآن يكون شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلاّ خساراً، بين تعالى سبب خسار أولئك الظالمين، وهو إعراضهم عن الله، وبعدهم عنه، ويأسهم من رحمته. وعلم منه أن المؤمنين الذين كان القرآن لهم شفاء ورحمة هم على الضد منهم: فهم أهل إقبال على الله تعالى، وقرب منه، ورجاء فيه.
﴿أنعمنا﴾ أوصلنا أنواع الإحسان.
﴿الإنسان﴾ المراد به النوع، باعتبار مجموعه، فلا ينافي خروج أفراد كثيرين بالعصمة والتوفيق.
﴿أعرض﴾ صد بوجهه إلى ناحية أخرى، فأرى عرض وجهه، أي ناحية وجهه.
﴿نأى﴾ بعد.
﴿بجانبه﴾ بناحيته بشقه الأيمن أو الأيسر، والباء للتعدية أي أبعد جانبه.
﴿مسه﴾ أصابه.
﴿الشر﴾ البلايا والرزايا بأنواعها.
﴿يئوسا﴾ شديد اليؤس والقنوط، وعدم انتظار الفرج.
جيء بفعل الشرط وجوابه (١) ماضيين، لتحقق وقوعهما؛ ولذلك كان التعليق بـ "إذا" وجواب الشرط والفعل والمعطوف عليه، فيهما الصورة التامة للمعرض غاية الإعراض؛ فإنه يصرف عنك وجهه، وهذا مفاد الفعل الأول (٢) ويلوي عنك [[عطفه]] ويبعد جانبه، ويوليك ظهره،
стр. 144
وهذا مفاد الفعل الثاني (١). ثم هما كناية عن الاستكبار وعدم الاكتراث، وعدم الالتفات إلى مولي النعم، سواء حصلت هذه الصورة بالفعل أو لم تحصل.
المعنى:
أ- وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض تمام الإعراض.
إما بعدم قبول تلك النعمة استكباراً، أو تهاونا كما يكون من الذين يكفرون بالقرآن أو يخالفونه، وهو من أعظم نعم الله عليهم.
وإما بعدم القيام بحق الله في تلك النعمة، وعدم شكره عليها، كنعمة العقل، والبدن، والحال (٢) وغيرها ... ، إذا لم تُستعمل في طاعة الله، ولم يقم بحقه فيها.
ب- وإذا مس الإنسان الشر، ونزلت به المصائب، وحلت به النوائب، استولى عليه اليأس والقنوط، وانسدت في وجهه أبواب الرجاء.
توجيه:
يرتبط اليأس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين:
الأولى: أن من أعرض عن نعمة الله قطع صلته بخالقه، وذهب ممعنًا في بعده. فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء: يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب.
الثانية: أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده، مغضوب عليه، قد تَرَكَ فَتُرِكَ، وكان جزاؤه من جنس عمله.
انتقال واعتبار:
تلك حالة أهل الإعراض.
أما أهل الإقبال على الله تعالى والقبول لإنعامه، فإن قلوبهم عامرة بالله، وصلتهم متينة به؛ فإذا نزلت بهم المصائب، رجعوا إليه وانتظروا رحمته، فكان ذكره غناهم في الفقر، وأنسهم في الوحشة، ونعيمهم في الألم؛ وكان لهم من الرجاء أنواع رحمته، ما يهون عليهم جميع المصائب.
تبصير وتحذير:
بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين: الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة، ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم، على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح.
بصرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما ومن سوء عواقبهما، فإن الإعراض عن النعمة كفر بها
стр. 145
ومقتض لسلبها، وأن اليأس من رحمة الله جهل به، وكفر بما هو متقلب فيه من نعمه وموجب لانطماس القلب، وشلل البدن، وانقطاع الأعمال.
فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين، وليعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما.
سلوك:
على المرء أن يقبل نعم الله تعالى، ويقبل عليها إقبال المستعظم لها، العارف بحقها، وعظيم الفضل بها، ليقوم بشكرها، وذكر الله عندها، وليتفحصها، وليتأملها نعمة نعمة، ليشكر الله عليها واحدة واحدة بالقلب واللسان والأركان، حسب المستطاع.
حتى ما يكون من باب المصائب والآلام، فإنه يتناوله على أنه نعمة من الله تعالى، بما فيه من أجر وتمحيص، وما يحصل به من رجوع وإنابة، وما يكون منه من تربية وتدريب على السلوك اللازم في الحياة الفردية وإلاجتماعية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وليكن دائماً متمسكاً بحبل الرجاء في الله، تيسير الأسباب، وكشف الكروب، ودفع المكروه؛ فالرجاء حسن ظن في الرب، وقوة في القلب، وباعث على العمل، ومخفف أو مذهب للألم.
فيا لها من عظيم أجرها، جليل نفعها في الدنيا والدين.
فهنيئاً للشاكرين الراجين.
ويا ويح الكافرين- كفر عقيدة أو كفر نعمة- القانطين.
مباينة سلوك أهل الحق لسلوك أهل الباطل:
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.
قد استفيد بما تقدم تقسيم الخلق إلى قسمين: أهل إيمان ورجاء، وأهل كفر وقنوط؛ فجاء البيان في هذه الآية بأن كل فريق له مذهبه وطريقه الذي يكون عليه.
﴿شاكلته﴾ طريقته ومذهبه، المشاكلة اللائقة به، التي صارت له طبيعة وخلقا.
﴿أهدى سبيلاً﴾، أسد مذهباً، وأقوم طريقاً.
التعبير بالمضارع مع لفظة على، يفيد تجدد العمل وانبناءه على الخلق والطبيعة.
المعنى:
قل يا محمد- ﵌ كل فريق منا ومنكم يعمل في حياته على طريقته ومذهبه، فأعمالنا مباينة لأعمالكم، لأن طريقتنا مباينة لطريقتكم، فربكم أعلم بمن هو أقوم طريقاً، وأسد مذهباً، فيثيب المهتدين، ويعاقب الضالين.
فوائد استدراج الضال لقبول الهداية:
أ- وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك، وهو على ناحيته، وإظهار التساوي معه أمام علم الله
стр. 146
وقدرته، وهذا من أنجع الأسباب في إنجاح الدعوة. وعليه في القرآن آيات كثيرة منها سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فينبغي لدعاة الحق أن يلزموه ولا يهملوه.
ب- والبراءة من أهل الباطل، وذلك بإعلان المباينة لهم، والمخالفة لهم في عملهم، وما انبنى عليه عملهم بأسلوب المناصفة الذي جاءت به الآية فتحصل البراءة مع الفائدة المتقدمة.
انبناء الأعمال على العقائد والأخلاق:
فإن الآية- وإن كانت بالخطاب الأول للمشركين، ثم لأمثالهم من الكافرين- تفيد أن كل أحد تبنى أعماله على مذهبه وطريقته، التي هي خلقه وطبيعته.
ونأخذ من هذا:
أن الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد، وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر، وفي الجسد مضغة (٩) إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله (٢).
فعل المؤمن ما يناسب إيمانه:
فإن كان يعمل على طريقته وطبيعته اللائقة به، ولا يليق بالمؤمن ولا يشاكله إلاّ الصدق في القول، والإحسان، والوفاء، والأمانة، فلا يظلم من ظلمه، ولا يخون من خانه، ولا يكذب على من كذب عليه، فلا تجري أفعاله في مقابلة الناقص على ما يشاكل ذلك الناقص، بل تجري أفعاله على ما يشاكله هو في إيمانه وكماله.
مراقبة الله في السلوك:
فإن علمنا بأنه أعلم بمن هو أهدى سبيلاً، يدعونا إلى المبالغة في تقويم سلوكنا، حتى نكون على الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإنه هو أهدى الطرق، وأقربها.
وما ذلك الصراط المستقيم إلاّ القرآن العظيم، والهدي النبوي الكريم وسلوك السلف الصالح، وذلك هو دين الإسلام.
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين الاستقامة، والنجاة يوم القيامة، بمنه وكرمه آمين.
стр. 147
القسم الثاني في سورة الفرقان
في هذا القسم:
١ - الفرقان.
٢ - كلام الظالمين في الكتاب الحكيم، والرسول الكريم، ورد رب العالمين.
٣ - منزلة الرسالة العلية والضرورات البشرية.
٤ - فتنة العباد بعضهم ببعض.
٥ - ندامة الظالم على تركه السبيل القويم، وصحبته للمضلين.
٦ - شكوى النبي الكريم، وتسليته وتثبيته.
٧ - تثبيت القلوب بالقرآن العظيم.
٨ - الحق والبيان في آيات القرآن.
٩ - حشر الكفار إلى النار.
١٠ - من إكرام الله تعالى عبده، تحميله أعباء الرسالة وحده.
١١ - عدم طاعة الكافرين، والجهاد بالقرآن العظيم.
١٢ - تعاقب الليل والنهار للتفكير والعمل.
١٣ - القرآن يصف عباد الرحمن.
١٤ - السجود والقيام.
١٥ - الدعاء بصرف العذاب.
١٦ - عدم الإسراف والتقتير.
١٧ - عبادة الله وحده، وعدم قتل النفس، والبعد عن الزنا.
١٨ - الوعيد على فعل هذه الموبقات.
١٩ - استثناء التائبين من المذنبين.
٢٠ - بشارة التائبين إلى رب العالمين.
٢١ - اجتناب شهادة الزور.
٢٢ - المرور باللغو مر الكرام.
٢٣ - قبول التذكير، والعمل به.
٢٤ - طلب الكمال والخير وقرور العين.
٢٥ - جزاء عباد الرحمن.
٢٦ - قيمة العباد عند ربهم بقدر عبادتهم.
стр. 148
الفرقان
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان:١و٢].
﴿تبارك﴾ مادة (ب ر ك) كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها: بروك الإبل، استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء. والبراكاء الثبات في الحرب، ومنها البركة بمعنى النماء والزيادة، ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن معنى الثبوت؛ وتبارك من البركة فمعناه تزايد خيره.
والله تعالى له الكمال، ومنة الإنعام، فتبارك: أي تزايد كماله وانعامه، فلا تحصى إنعاماته، ولا تحد كمالاته.
وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده؛ فيقتضي التنزه عن النقص.
فانتظم اللفظ ثلاثة معاني:
التنزه عن النقص، والاتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. (فتبارك: تقدس وتعاظم) الفعل الأول مفيد للأول والفعل الثاني مفيد للثاني والثالث.
﴿نزل﴾ مادة (ن ز ل) كلها ترجع إلى معنى الهبوط من عل، والحلول في أسفل.
ونزّل المضاعف أبلغ في المعنى من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا؛ لأنه نزله مفرقاً على نيف وعشرين سنة. وقد يفيد القوة في نزول واحد كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرفان: ٣٢].؛ لأن تنزيل الجملة أقوى من إنزال التفصيل.
﴿الفرقان﴾ أصله مصدر فرق بمعنى فصل. وهو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد، بما فيه من زيادة الألف والنون، كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك.
وهو هنا إسم من أسماء هذا الكتاب الكريم.
﴿نذيرًا﴾ مادة (ن ذ ر) كلها ترجع إلى الإعلام والتحتيم، فمنها: نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه وأعلم به ونذر بالعدو كفرح علم به وأنذره، أعلمه؛ ولا يستعمل إلا في إبلاع ما فيه تخويف، فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل.
﴿الذي نزل﴾ عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام لأن
стр. 149
الغرض بيان كمالات الله تعالى وإنعاماته، وتنزيل الفرقان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر، ومن آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته.
﴿عبده﴾ إضافة تشريف لأنه أكمل العباد.
المعنى:
تقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال وحزبيهما من الناس، مفصلاً آيات على محمد- ﵌ أكمل عباده؛ ليكون بذلك الكتاب- لجميع الإنس والجن- منذراً لهم يعلمهم بعذابه، ويخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده، ويخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة، ويدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام.
توحيد:
هذا الفعل وهو "تبارك" لا يسند إلاّ إلى الله تعالى؛ ذلك لأن العظمة الحقيقية بالكمال والإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلاّ له. وما من كامل من مخلوقاته إلاّ وهو- ﷻ الذي كمله. وما من منعم عليه منهم إلاّ وهو تعالى الذي أنعم عليه، وما من زكي منهم إلاّ وهو- سبحانه- الذي زكاه.
سلوك:
هذا الرب الكامل المكمل، المنعم المتفضل القدوس، هو الذي أنزل هذا الفرقان. فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال، وتظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاء التام، فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو بساط القدس، ومعراج الكمال، ومائدة الاكرام.
وقد سئلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن خلق النبي- ﵌ فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ (١)» (٢).
فقه واستنباط:
لما سمى الله كتابه الفرقان، علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل، ولكل هذا وذاك. فهو الحكم العدل، والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه على الحق، فيما هو عليه من عقد، أو قول، أو عمل.
فما تقابل حق وباطل، وما تعالجت حجة وشبهة إلاّ وفي هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما
стр. 150
بينهما (١). وإنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم، وصدق بصيرة، وحسن إخلاص.
فعلينا- إذن- أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه.
وأن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه ومراميه، مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لَآلِيه.
فإذا حكم قبلنا وسلمنا وكنا مع ما حكم له، وفارقنا ما حكم عليه؛ فالله سماه الفرقان، لنعلم أنه فارق بنفسه، ولنعمل بالفرق به، ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان، إلاّ بالعلم والعمل.
ولما جعل- تعالى- غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيراً، اقتضى ذلك أن نذارته تكون بالقرآن؛ لتقوم الحجة، وتتم الحكمة، وتحصل الفائدة وتشمل النعمة.
وقد صرح بهذا في قوله تعالى:
﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢].
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١،٩٢].
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
فعلينا- إذن- أن نعلم أن القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولها وفنونها من آياته، وهذا حظ العلم، وأن يكون اهتداؤنا في أنفسنا وهدينا لغيرنا به وهذا حظ العمل وهما ركنا الإيمان.
...
تطبيق وتحاكم:
في العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين (٢)، يتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير.
ولكل منهما- في سلوكها للقيام بتلك الخطة- سبيل.
وكل منهما تدعي أنها على الصواب، وأنها الأحق والأولى بنفع العباد.
стр. 151
فرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما، وننظر: كيف يفرق ما بينهما ومن هي المصيبة أو المخطئة. وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه.
وإنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل، لخطر الخطة التي تنازعا عليها، وعظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطىء، وصواب المصيب بها؛ ولأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن، فتنازعهما عليها تنازع عليه.
فأحق فصل أن نمثل به لنعلم فصله هو بين المتنازعين فيه.
وها نحن نعرض بعض حال كل طائفة في قيامها بالخطة، ثم نسوق آيات القرآن، وننظر من أسعد الطائفتين بها:
الطائفة الأولى:
يذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأوراد من وضعهم، لا مما ثبت عن النبي- ﵌ إلاّ قليلاً.
ولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة.
والطائفة الثانية:
يذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره، ويبينون لهم معانيه، ويحثونهم على التمسك به والرجوع إليه.
ويدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح، لرجوعها إلى القرآن لحكم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
ولا يطلبون عليهم في ذلك أجراً.
والله تعالى يقول في الحال الأول: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: ٤٥]. وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس.
ويقول- تعالى- في الحال الثاني لنبيه ﵌:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧].
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
ويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١].
ومن هم المهتدون؛ هم المتبعون للنبي- ﵌ لقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله.
стр. 152
وقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعو بالقرآن، ويذكر به، وأنه لا يسأل على ذلك أجراً.
بان- والحمد لله- بما ذكرنا حكم القرآن بين الطائفتين، واتضح طريق الحق في الدعوة والإرشاد لمن يريد سلوكه منهما.
والله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع (١) به والثبات عليه.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
...
كلام الظالمين في الكتاب الحكيم والرسول الكريم ورد رب العالمين
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٤ و٥ و٦].
﴿كفروا﴾ غطوا الحق بإنكاره وعدم الاعتراف والإعلان به. وكل من غطى شيئاً وستره فقد كفره. وسمي الليل كافراً لأنه يغطي الأشياء بظلامه، والزارع كافرًا لأنه يغطي البذار بالتراب (٢).
﴿إفك﴾: كذب مصروف عن وجه الحق، من أفَكه يَفِكه أَفْكًا أي صرفه.
﴿افتراه﴾: اختلقه واخترع صورته.
﴿جاءوا﴾: وردوه وانتهوا إليه.
﴿ظلمًا﴾: وضع الشيء في غير موضعه.
﴿زورًا﴾: شهادة بالباطل.
﴿أساطير﴾: جمع أسطورة أي أخبار وحكايات مسطورة في كتب الأوائل، ليست محل الثقة.
﴿اكتتبها﴾: أمر بكتابتها له، وافتعل يأتي للطلب كاحتجم وافتصد.
﴿تملى﴾: تلقى عليه ليحفظها فيلقيها على الناس.
стр. 153
﴿بكرة﴾ ما بين الفجر والطلوع.
﴿أصيلا﴾ ما بعد العصر إلى الغروب.
﴿السر﴾ الخفي من كل شيء.
﴿غفورا﴾ ستاراً للذنوب كثير التجاوز عنها.
﴿رحيمًا﴾ دائم الإفاضة للنعم.
المعنى:
وقال الذين أنكروا الحق- مع ظهوره وجحدوه مع وضوحه-: ما هذا الكلام الذي يتلوه محمد علينا، إلاّ كلام كذب مصروف عن وجه الحق، اخترعه وصوره، وأعانه عليه غيره أناس آخرون.
فقد سموا الحق الصراح والصدق الخالص إفكًا.
وجعلوا إخبار الأمين الذي كانوا يدعونه هم أمينًا، افتراء.
وجعلوا القرآن الذي عجزوا عن معارضته، كلاماً عادياً متعاوناً على تركيبه وتصويره، فسموا الشيء بغير اسمه، ووضعوا الوصف في غير موضعه، فانتهوا بذلك إلى ظلم عظيم أتوه ووقعوا فيه.
وقد شهدوا بالباطل فنسبوا للرسول- ﵌ ما هو بريء منه من الافتراء والاستعانة بغيره، فانتهوا إلى وزر عظيم تحملوه.
وقالوا- أيضاً-: هذا الذي يتلوه علينا، هو من أخبار الأوائل وكتبهم المسطورة التي سطروها من أعاجيب أحاديثهم، مما يتلهى به ولا يوثق بصحته، توصل إليها من غيره أمر فكتبت له فكاتبها له يمليها عليه دائما في طرفي النهار فيحفظها هو ويأتينا بها.
قل- يا محمد- أنزل هذا الذي أتلوه عليكم الخالق الذي يعلم الشيء الخفي والأمر المكتوم في العالم العلوي والعالم السفلي.
أمهلكم فلم يعاجلكم بالعذاب، وبقي يجدد لكم التذكير مع إعراضكم وعنادكم، وقبح صنيعكم، وسوء ردكم، إلاّ أنه من شأنه الصفح والتجاوز ودوام الإنعام والتفضل.
فهل لكم أن ترجعوا إلى هذا الرب الغفور الرحيم؟
مزيد بيان:
بهر العرب ما رأوا وما سمعوا من رجل كان بالأمس معرضاً عنهم تاركاً لهم وشأنهم، يشهد موسم الحج معهم ويحتسب مشاهد وثنيتهم، ولكنه لا يعاديهم ولا ينكر عليهم، ويسير بينهم بالصدق والجد والعفاف وكمال المروءة سيرة تخالف سيرتهم، فهم لذلك يحبونه ويعظمونه ويدعونه الأمين، لقبًا خصصوه به فصار يُدعى به بينهم.
فأصبح اليوم- وقد جاوز الأربعين- ينكر عليهم، ويسفه أحلامهم، ويقبح عبادتهم وما
стр. 154
يعبدون؛ ويصبر على أذاهم ولا يقابلهم بالمثل، ويستمر على دعوته غير مبال بهم، ولا حاسب شيئاً لكثرتهم، ولا لسطوتهم.
ومن كلامه مثل كلامهم في ألفاظه وفي تراكيبه، ثم هم يعجزون عن معارضته بمثل أقصر سورة منه.
ثم يشهدون الفرق بينه وبين كلام محمد نفسه؛ فهو إذا حدثهم بما اعتادوا من حديثه معهم، حتى إذا تلى عليهم القرآن جاءهم بما هو فوق كلامه وكلامهم، وما تقصر عن معارضته ألسنتهم.
بهرهم هذا، وهذا، وأخذ العناد بعقولهم، واستحوذت عليهم شياطينهم فحاروا فيما يقذفون به هذا الرسول وهذا الكتاب، فأخذوا يقولون عن الكتاب:
إنه إفك مفترى!! ورأوه أكبر مما كانوا يسمعون من كلام محمد فلم يكن ليأتي به وحده وهو فوق المعتاد من كلامه، فإذا هنالك أقوام يعينونه.
ومن هم الأقوام؟ وهو- بعد- في نفر قليل ممن آمن به، وهم هم في كثرتهم وتساندهم، وقد عجزوا عن الإتيان بشيء مثله، فالقليل أحرى بالعجز من الكثير.
ويقولون: إنه أساطير الأولين، وقد كان منهم من عرف شيئاً من أخبار الفرس وملوكهم، وكان يحدثهم بها، ويقصها عليهم، ويزعم لهم أنها مثل ما يأتي به محمد فقالوا- وقد علموا الفرق- هذه منها وهي مثلها!.
ولكن محمداً عرفوه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكيف اتصل بهاته التي زعموها أساطير؟
فاخترعوا وسيلة لذلك أنه يكتبها له غيره ويمليها عليه وهو يحفظها!! ومن هو هذا الذي يكتب ويملي عليه، وهم قد عرفوا مدخل محمد ومخرجه ومغداه ومجلسه، وعرفوا بلدتهم ومن يساكنهم فكيف لا يرونه ولا مرة بين يدي هذا الكاتب المملي، ولا يشاهدونه يوما في صحبته؟!.
فاخترعوا لذلك أنه يمليها عليه في طرفي النهار في ظلام من الوقت، وسكون من الناس.
وقالوا في الرسول- ﵌ إنه مفتر، يستعين على افترائه بغيره، ويتظاهر باستقلاله، وينسب لله ما هو من حكايات الأوائل وأوضاعهم، فكيذب عليه- تعالى- لديهم.
رد الله عليهم كل ما قالوا فيهما:
بأنه ظلم وزور.
وأن ما يتلوه عليه هذا النبي الكريم، من ذلك الكتاب الحكيم، ليس إلاّ من خالق المخلوقات، العالم بأسرارها.
أسلوب في البيان:
لقد جاءوا الظلم والزور في قولهم الأول وقولهم الثاني.
стр. 155
وقوله: "قل" أمر بما يرد قولهم الأول، وقولهم الثاني، غير أنه قصد إلى الإيجاز وعدم التكرار.
فجعل مع قولهم الأول الوصف وهو الظلم، واكتفى بذكره هنا عن إعادته.
وجعل مع قولهم الثاني الدليل: وهو إنزال من يعلم السر واكتفى بذكره هنا عن ذكره مع الأول فحذف من كل ما أثبت مع الآخر. وجعل الوصف مع الأول والدليل مع الثاني ترقياً من الدعوى للدليل.
وجه الدليل:
القرآن أعجز العرب ببلاغته، حتى عرفوا- وعرف العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم- أنه ليس مثله من طوق البشر. هذه هي الناحية الظاهرة في إعجاز القرآن والاستدلال به له ولمن أتي به ﵌.
وهنالك ناحية أخرى هي أعظم وأعم: وهي ناحيته العلمية التي يذعن لها كل ذي فهم من جميع الأمم، في كل قطر وفي كل زمن.
وهذه الناحية هي التي احتج بها في هذا الموطن:
فقد استدل على أن القرآن لا يمكن أن يكون أتى به محمد من عنده، ولا يمكن أن يستعين عليه بغيره، ولا أن يكون من أوضاع الأوائل، بأنه ينطوي على أشياء من أسرار هذا الكون لا يعلمها إلّا خالقه، فمن ذلك:
ما أنبأ به من أسرار الأمم الخالية، وبيّن من أسرار الكتب الماضية.
وما أنبأ من أحداث مستقبلة، وما ذكر من حقائق كونية، كانت لذلك العهد عند جميع البشر مجهولة؛ كالزوجية في كل شيء، وسبح الكواكب في الفضاء، وسير الشمس إلى مستقر مجهول معين عند الله لها.
وغير ذلك من أسرار العمران والاجتماع، وما تصلح عليه حياة الإنسان، مما تتوالى على تصديقه تجارب العلماء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم.
فكتاب اشتمل على كل هذه الأسرار لا يمكن أن يأتي به مخلوق.
ترغيب:
قد دعانا الله إلى العلم ورغبنا فيه في غير ما آية، وأعلمنا أنه خلق لنا ما في السموات وما في الأرض جميعاً.
وأمرنا بالنظر فيما خلقه لنا وأعلمنا هنا أن هذه المخلوقات أسرار بينها القرآن واشتمل عليها.
وكان ذلك من حجته العلمية على الخلق فكان في هذا ترغيب لنا في التقصي في العلم
стр. 156
والتعمق في البحث، لنطلع على كل ما نستطيع الاطلاع عليه من تلك الأسرار: أسرار آيات الأكوان والعمران، وآيات القرآن؛ فنزداد علماً وعرفاناً، ونزيد الدين حجة وبرهاناً، ونجني من هذا الكون جلائل ودقائق النعم، فيعظم شكرنا للرب الكريم المنعم.
فقهنا الله في كتابه، ووفقنا إلى الاهتداء به، والسير على سننه.
...
منزلة الرسالة العلية والضروريات البشرية
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].
لما طعنوا في رسالته، بأنه بشر يفعل ما يفعله البشر بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، رد الله عليهم بأن هذا هو حال جميع المرسلين من قبله، واحتج عليهم بما يعلمون من ذلك بما يسمعون من أهل الكتاب جيرانهم، وبما عندهم من أخبار عاد وثمود من بني جلدتهم.
(الإرسال) هو البعث لتبليغ شيء أو قضائه، وفي لسان الشرع: هو إنزال الله تعالى الوحي على من اصطفاه من خلقه لينذر به من أمره بإنذار. من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. فالرسالة وحي مع أمر بالتبليغ.
مفعول أرسلنا محذوف تقديره رجالًا، وعليه عاد الضمير في أنهم، وهو صاحب الحال، والحال هي الجملة التي بعد إلّا، والجملة الثانية حال بالعطف على الأولى. والاستثناء مفرغ من الأحوال.
وتقدير الكلام: وما أرسلنا قبلك رجالاً من المرسلين إلّا حالة أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق: أي ما أرسلناهم في حالة من الأحوال إلاّ في هذه الحال.
وإن واللام والحصر بما وإلا، [[كل]] هذه لتأكيد المعنى الذي سيق إليه الكلام، وهو إثبات أن رسول البشر لا يكون إلّا بشراً رداً على منكري ذلك المشركين.
وعبر بالمضارع في يأكلون ويمشون؛ لأن ذلك من ضروريات بشريتهم، فهو يتجدد ويتكرر منهم.
وأكل الطعام والمشي في الأسواق كناية عن البشرية، لأنهما وصفان لازمان لها.
المعنى:
وما ينكر عليك هؤلاء من أكلك الطعام، ومشيك في الأسواق، مع أنك رسول الله! وقد
стр. 157
علموا أنه ما من رسول كان قبلك إلا وهذه حالته، وما أنت إلاّ واحد منهم، فلا عيب عليك في ذلك، ولا حجة لهم عليك به.
تاريخ:
هذه المقالة شنشنة (١) قديمة من الأمم التي أرسلت إليها الرسل، فقابلتها بالجهل والعناد.
فقد قال لنوح قومه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧].
وقال لهود قومه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣].
ولصالح: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤].
ولشعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٦].
ولموسى وهارون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧].
وعن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم أنهم قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠].
فقال المشركون للنبي- ﵌ ما قاله أمثالهم لإخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
[[تعليل]]:
ما اعترض المعترضون على الرسل ببشريتهم إلّا من جهلهم، وسوء نظرهم، وغباوتهم.
١ - أما جهلهم: فقد جهلوا ما في البشرية من استعداد لنيل أرقى الكمالات.
وجهلوا ما تقتضيه الرسالة من مشاكلة بين الرسول والمرسل إليهم لتحصل المفاهمة والاتصال.
وجهلوا ما يؤهل به البشر لرتبة الرسالة من كمال في الروح، والعقل، والأخلاق، والسلوك، مما كان الرسل متصفين به كله أمام أعين أقوامهم.
٢ - وأما سوء نظرهم: فإنهم نظروا إلى بشرية الرسل فقاسوهم بهم، وقالوا لهم: أنتم مثلنا، مع وجود الفارق الواضح بينهم وبين الرسل في الصفات النفسية التي بها كمال الإنسان!
стр. 158
٣ - وأما غباوتهم: فإنهم لغلبة الجسمانيات على حسهم وإهمالهم استعمال عقولهم، لم يتفطنوا للكمال المشاهد الذي امتاز به الرسل بين أقوامهم.
تعليم:
هذه العلل التي صدر اعتراض المعترضين عنها، قد علمنا الله تعالى في كتابه العزيز ما يعصمنا منها:
١ - فعلمنا: أن الإنسان مستعد لأن تخضع له العوالم بما فيه من روح الله.
وأنه يلتحق بعالم الملائكة الأطهار بتلك الروح عندما تكون على أصل طهرها وقدسها.
علمنا هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٢٣]. فأخضع له ملائكته أشرف العوالم.
وبقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]. فاتصل بهم، وخاطبهم، وعلمهم.
فلا عجب أن يأتي المماثلون له من أبنائه في طهره وعصمته على سنته في الاتصال بالملائكة، ومخاطبتهم.
٢ - وعلمنا: أن الرسول لا يكون إلاّ من جنس المرسل إليهم، ليحصل الاتصال، ويمكن التلقي. وأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لأرسل لهم ملك، وأنهم لو أنزل عليهم بشر لكسي حلة البشرية ولا التلبس عليهم أمره، ولقالوا فيه مثل ما قالوا في المرسلين من البشر.
علمنا هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].
وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].
٣ - وعلمنا: أن البشر يؤهل للرسالة باصطفاء الله له، ومن مقتضى ذلك الاصطفاء تطهيره من أول نشأته من أوضار (١) البشرية، وظلم الجسمانية وتسفلها؛ فتبقى روحه على غاية الطهر، والعلوية النورانية مستعدة للاتصال بالملأ الأعلى، حتى تستكمل قواها فيأتيها الملك بالوحي. علمنا هذا بمثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعم: ٢٤]. وغيره كثير.
٤ - وعلمنا: أن الرسل وإن كانوا موافقين لنا في الخلقة البشرية، فإنهم مباينون لنا غاية المباينة في الخلقة النفسية، من حيث الطهر والكمال:
стр. 159
فنفوسهم بقيت على طهرها لم تدنس بشيء، ونفوسنا لا تخلو من تدنس، والموفق من داوم على غسلها بالتوبة وتحليتها بالصالحات.
وكمالهم فطري، ويبلغون فيه- بعملهم المتواصل، وعصمتهم الربانية- إلى الغايات التي لا تنال، وكمالنا ليس كذلك في الأمور الثلاثة: الفطرة، والعمل المتواصل، والعصمة.
علمنا هذه بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].
فبالنظر الصحيح فيما مَنَّ الله عليهم به، ندرك أنهم ليسوا مثلنا، وإن ساوونا في الخلقة البشرية.
٥ - وعلمنا: ألا ننظر إلى ظواهر الأمور دون بواطنها، وإلى الجسمانيات الحسية دون ما وراءها من معان عقلية، بل نعبر من الظواهر إلى البواطن، وننظر من المحسوس إلى المعقول، ونجعل حواسنا خادمة لعقولنا، ونجعل عقولنا هي المتصرفة الحاكمة بالنظر والتفكير.
علمنا هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. فلا ينظر إلى بهرجة (١) الكثرة، ولكن إلى حقيقة وحالة الشيء الكثير فيعتبر بحسبهما.
وبقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥، ١٦]. فلا يجوز أن نغتر بالمال، والقوة، والجاه، وأنواع النعيم إذا سيقت إلينا فنحسب أنها هي نفس الكرامة الربانية التي دعينا إلى العمل لنيلها، بل إنما نعدها كذلك إذا كان معها التوفيق إلى شكرها بالقيام بحقوقها، وصرفها في وجوهها.
ولا نغتر بحالة الضيق، والعسر، والضعف، فنحسب أنها إهانة من الله لصاحبها؛ بل علينا أن ننظر إلى ما معها من صبر ورجاء وبر، أو ضجر ويأس وفجور .. فنعلم حينئذ أنها مع الأولى للتمحيص والتثبت، ومع الأخيرة للزجر والعقاب بعدل وحكمة من أحكم الحاكمين.
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠].
فعلمنا أنه بشر، ولكنه خصص بالوحي إليه بتوحيد الله، وبما يقتضيه مقام الإيحاء إليه من طهر وكمال، حتى لا يحجب عنا بشريته التي نشاهدها بأبصارنا كمال حاله ومنزلته الذي ندركه ببصائرنا.
عقيدة:
الرسول إنسان ذو روح طاهرة نورانية علوية؛ بها تَأَتَّى له تلقي الوحي من الملائكة.
وذو جسد بشري تجري عليه ضروريات البشرية الخلقية دون نقائصها الكسبية، لأنه
стр. 160
مصرف بتلك الروح العلوية الظاهرة التي لا يصدر عنها إلاّ الخير، وبهذا الجسد البشري تأتى للبشر الأخذ عنه والإقتداء به.
ومأخذ هذه العقيدة من الآيات التي تلوناها في فصل التعليم المتقدم.
تحذير:
علينا أن نحذر من أن نعترض أو نحكم بالأنظار السطحية، دون بحث عن الحقائق، أو أن نلحق شيء بشيء دون أن نتحقق انتفاء جميع الفوارق؛ فقد انتشرت بعدم الحذر من هذين الأمرين جهالات، وارتكبت ضلالات.
وبالنظر السطحي ازدرى إبليس آدم فامتنع من السجود له واعترض على خالقه، فكانت عليه اللعنة إلى يوم الدين.
وبعد النظر إلى الفوارق، قال أحد ابني آدم لأخيه لما تقبل قربانه دونه هو: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، حتى ذكّره أخوه بوجود الفارق فقال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
حقيقة الأول ترجع إلى الجهل المركب. وحقيقة الثاني ترجع إلى القياس الفاسد، وهما أعظم أصول الفساد والضلال.
سلوك:
الأنبياء والمرسلون أكمل النوع الإنساني، وهم المثل الأعلى في كماله وقد كان أصل كمالهم بطهر أرواحهم وكمالها؛ فأقبل على روحك بالتزكية والتطهير، والترقية والتكميل، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالإقتداء بهم، والاهتداء بهديهم. وقد قال الله تعالى لنبينا- ﵊: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فاقرأ ما قصه القرآن العظيم من أقوالهم وأعمالهم، وأحوالهم وسيرهم، وتفقه فيه، وتمسك به؛ تكن إن شاء الله- تعالى- من الكاملين.
...
فتنة العباد بعضهم لبعض
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].
أفاد ما تقدم من الآية، أن الرسل يأكلون الطعام فيحتاجون للغذاء وتحصيله. وأنهم يمشون في الأسواق للسعي والتكسب، وأفاد آخر الآية الحكمة الربانية في ذلك؛ وهي أن يكون بذلك فتنة واختباراً للعباد، وتلك سنة الله تعالى في خلقه: فقد جعل بعضهم لبعض فتنة.
قال في "لسان العرب" (١) الأزهري وغيره: جماع معنى (الفتنة) الابتلاء، والامتحان،
стр. 161
والاختبار. وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد اهـ. ومنه قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. وقوله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
﴿أتصبرون﴾ الصبر حبس النفس على المكروه. والمكروه لها فعل ما فيه تعب، وترك ما فيه لذة. ويكون في المشروع والمقدور، ففي الأول بالقيام بالمأمورات، والترك للمنهيات. وفي الثاني بالرضا والتسليم في المصائب والبلايا للخالق، وعدم الاعتراض عليه، وعدم السعي في إزالتها بغير الوجه المأذون فيه.
و (البصير) هو المشاهد للأشياء ظاهرها وباطنها، ذواتها ونعوتها وأحوالها؛ مباديها وغاياتها وعواقبها.
الاستفهام في ﴿أتصبرون﴾ بمعنى الأمر أي اصبروا وخرج الأمر في صورة الاستفهام تنبيهاً على قلة الصبر في الوجود. فهو من الأمر المعدوم الذي يسأل عنه: هل يوجد؛ وفي ذلك بعث للهمم على تحصيله والتمسك به.
وجملة ﴿وكان﴾ الخ معطوفة على جملة ﴿وجعلنا﴾، وعدل عن مقتضى الظاهر وهو وكنا بصراء بالإضمار إلى ﴿وكان ربك بصيرا﴾ بالإظهار، للتنبيه على أن فتنته لعباده من مقتضى ربوبيته لهم، وحسن تدبيره فيهم. وموقع هذه الجملة بعد الجملة الأولى لبيان أن فتنته لهم هي من علم وبصر بصواب ذلك وحكمته. وأنه مطلع على حقيقة ما يكون منهم عند الاختيار ليجازيهم عليه، وفي هذا وعد ووعيد للممتحنين.
المعنى:
امتحنا بعضكم ببعض لتظهر حقائقكم عند الامتحان.
جعلنا الرسل يأكلون كما يأكل البشر، ويكسبون كما يتكسبون لنمتحن العباد بهم فيظهر من يتبعهم بالإيمان واليقين؛ لما معهم من الحق والكمال. ويصبر على ما يلحقه من اتباعهم من الجهد والبلاء، ممن يحتقرهم ويعرض عنهم لما يرى من بشريتهم.
كما جعلنا الأمم فتنة لرسلها وامتحانا لهم، ليظهر صبرهم على ما يلاقون منهم من إذاية وشر، فتعلو درجاتهم ويضاعف أجرهم.
وجعلنا الغني امتحاناً للفقيرحتى يظهر صبره على حاله، وكفه لعينه ويده عن شيء غيره.
كما جعلنا الفقير امتحاناً للغني حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه.
وجعلنا الصحيح فتنة للمريض حتى يظهر صبره على بلواه ورضاه بما أعطاه الله.
كما جعلنا المريض فتنة للصحيح حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه من العطف عليه، وعيادته، ومواساته.
стр. 162
وجعلنا الرعية فتنة للراعي حتى يظهر صبره على القيام بواجب رعايتها.
كما جعلنا الراعي فتنة للرعية ليظهر صبرها على طاعته.
وهكذا في جميع أقسام الناس.
أتصبرون على هذا الامتحان فإن الصبر عليه عزيز شديد؟
فاصبروا فإنه لا يخرجكم من هذا الامتحان خالصين خلوص الذهب الإبريز إلاّ الصبر.
وكان ربك يا محمد بصيراً عالماً بعاقبة الامتحان في عباده، مطلعاً على كل ما يكون منهم عند الامتحان ليجازيهم عليه.
سؤال وجوابه:
الله تعالى عالم بما يكون من عباده بعد امتحانهم، قبل أن يمتحنهم فما هي حكمة الامتحان؛ والجواب: أن الله تعالى إنما يحاسب عباده على ما عملوه وكسبوه واكتسبوه، بما عندهم من التمكن من الفعل والترك، وما عندهم من الاختيارة لا على علمه منهم قبل أن يعملوه، فلهذا يمتحنون لتظهر حقائقهم ويقع جزاؤهم على ما كسبت أيديهم باختيارهم.
ولا حجة لهم في تقدم علمه تعالى بما يكون منهم؛ لأن تقدم العلم لم يكن ملجئاً لهم على أعمالهم؛ ففي هذا الامتحان قيام حجة الله على العاملين أمام أنفسهم وأمام الناس، كما فيه إظهار لحقيقتهم لأنفسهم ولغيرهم.
تطبيق:
كما يفتن الفرد بالفرد، كذلك تفتن الأمة بالأمة: من ذلك أننا- معشر الأمة الإسلامية- قد فتنا بغيرنا من أمم الغرب، وفتنوا هم أيضاً بنا:
فنحن ندين بالإسلام وهو دين السعادة الدنيوية والأخروية ولكن حيثما كنا- إلاّ قليلاً- لسنا سعداء لا في مظاهر تديننا، ولا في أحوال دنيانا.
ففي الأولى: نأتي بما يبرأ منه الإسلام، ونصرح بأنه من صميمه.
وفي الثانية: ترانا في حالة من الجهل والفقر والذل والاستعباد يرثي لها الجماد.
قلما يرانا الغربيون على هذه الحالة ينفرون من الإسلام، ويسخرون منه، إلاّ من نظر منهم بعين العلم والإنصاف، فإنه يعرف أن ما نحن عليه هو ضد الإسلام. فكنا فتنة عظيمة عليهم، وحجاباً كثيفاً لهم عن الإسلام. فكنا- ويا للأسف- فتنة للقوم الظالمين.
وهم من ناحيتهم نراهم في عز وسيادة، وتقدم علمي وعمراني، فننظر إلى تلك الناحية منهم فنندفع في تقليدهم في كل شيء، حتى معائبهم ومفاسدهم، ونزدري كل شيء عندنا حتى أعز عزيز. إلاّ من نظر بعين العلم فعرف أن كل ما عندهم من خير، هو عندنا في ديننا وتاريخنا، وأن ذلك هو الذي تقدموا وسادوا به. وأن ما عندهم من شر هو شر على حقيقته، وأن ضرره فيهم هو
стр. 163
ضرره، وأنه لا يجوز أن يتابعوا عليه، فكانوا فتنة لنا حتى ينظر من ينظر بعين الحق للحقائق ممن تبهره الظواهر فتسلبه إدراكه فيغدو لا يفرق بين اللب والقشور.
إقتداء:
علمنا من هذه الآية وغيرها:
أن الله تعالى يمتحن عباده ويختبرهم ليظهر حقائقهم. فلنقتد به تعالى في هذا: فنبني أمورنا على الامتحان والاختبار، فلا نقرر علماً، ولا نصدر حكماً إلاّ بعد ذلك، وخصوصاً في معرفة الناس والحكم عليهم؛ فالظواهر كثيرا ما تخالف البواطن، والتصنّع والتكلّف قلّما يسلم منهما أحد، ولا يعصم من الخطأ مع هذه المغالطات كلها إلاّ الامتحان والاختبار فاعتصم بهما.
اهتداء:
كل من اتصل بك من أهلك، وبنيك، وأبيك، وأمك، وأصحابك، وعشيرتك، وقومك، وكل من ترتبط به برباط من أبناء جنسك، هو فتنة وامتحان لك:
هل تقوم بواجبك نحو من جلب خير له؟ أو دفع شر عنه؟ أو جلب خير منه لغيره؟ أو دفع شره عن غيره؟
وهل تكف يدك عن شيئه؟ وتكف بصرك عما متع به، وتسأل الله مما عنده من فضله؟.
وإنما تقوم بواجبك نحوه مما تقدم، وتكف يدك وعينك عنه، وتسأل الله مما عنده راضياً بما قسم لك، معتقداً الخير كل الخير في قسمه؛ إذا تدرعت بالصبر على إتيانه، وإن كان عليك ثقيلاً. والكف عما يطلب منك الانكفاف عنه، وإن كان منك قريباً، وفي طبعك لذيذاً.
وإنما يكون لك هذا الصبر، إذا كنت دائم اليقين بعلم الله بك، واطلاعه عليك، وأنه كان بك بصيراً.
هذه الحقائق كلها هدتنا هذه الآية الكريمة إليها:
هدتنا إلى أنا امتحنا ببعضنا، وأن الذي يخلصنا في هذا الامتحان، ويخرجنا سالمين هو الصبر.
وأن حالتنا في الامتحان منكشفة لمن سيجازينا عليها.
فلنهتد بهدايتها إلى ما هدتنا اليه، ولنتدرّع في هذا الامتحان العظيم بالصبر المتين، ولنستحضر في قلوبنا مراقبة الله لنا؛ لتثبت قدمنا في مقام الصبر بروح اليقين، فبذلك نخرج- إن شاء الله تعالى- من نار الفتنة ذهباً خالصاً نقياً، وجوهراً طيباً زكيا، فنسعد في الدارين برضى رب العالمين والله وليّ التوفيق.
стр. 164
ندامة الظالم على تركه السبيل القويم، وصحبته للمضلِّين
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ و٢٨ و٢٩].
لما سأل المشركون أن يروا الملائكة: أخبروا بأنهم سيرونهم في يوم يكون شره عليهم عظيماً.
وذكر في الآيات السابقة ما يكون في ذلك اليوم من حبوط أعمالهم، وتشقق السماء بالغمام، وتنزل الملائكة وغير ذلك.
وذكر في هذه الآية ما يكون في ذلك القوم من ندم الظالم وسوء حاله.
(الظلم) وضع الشيء في غير موضعه: كوضع الكفر موضع الإيمان، ووضع المعصية موضع الطاعة. وحق الله تعالى أن يؤمن به، ويوحّد، ويطاع، فمن كفر أو أشرك به أو عصاه فقد ظلم، وهو هنا الكافر والمشرك، لأنه الذي لم يتخذ مع الرسول سبيلا.
(الويلة): الهلكة كالويل بمعنى الهلاك. (فلان): يكنى به عن الأعلام كما يكنى بالهن عن الأجناس.
(الخليل): فعيل بمعنى فاعل وهو ما تخللت مودته القلب، وامزجت بالنفس، فكانت له مكانة منهما، وسلطان عليهما. هذا في جانب الخلق، وأما في جانب الله تعالى فبالمعنى الذي يليق بقدسه وتنزيهه، فإبراهيم- ﵇ خليل الرحمن بما له عنده تعالى من عظيم المنزلة، ورفعة الشأن، وقبول الدعوة، وما له عليه من جزيل الإنعام.
(الإضلال): الصد والصرف عن طريق الحق والنجاة.
(الذكر): القرآن العظيم، وفسر بالشهادتين، وبالإسلام؛ والقرآن فيه ذلك كله، وهو الذي سيأتي على الأثر، وذكر هجرهم له، ولذلك اخترناه في معنى الذكر هنا.
(الشيطان): الخبيث الشرير الذي استولى عليه، وتمكن منه خلق الإفساد والإضرار من الجن والإنس.
(الخذول): الكثير الخذل، أي التسليم والترك لمن نزل به البلاء في وقت الحاجة إلى إنقاذه.
شأن من وقع في غيظ وحسرة وندامة أن يعض يديه، ويأكل بنانه كأنه لما لم يجد شيئاً يطفي فيه غيظه، رجع على نفسه بذلك: فعض اليد لازم لحالة الحسرة والغيظ والندامة، فلذا يكنى به عنها من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم. وذلك لا يمنع من وجود العض منه حقيقة، بل وقوع ذلك هو الشأن الغالب.
стр. 165
وجملة ﴿يقول يا ليتني﴾ حالية فهو يعض حالة كونه قائلًا: يا ليتني، فبينت هذه الجملة ما يقول. كما بينت التي قبلها ما يعمل، فصورتاه في حاله الشنيع الفظيع.
و ﴿يوم﴾، منصوب بـ "أذكر" أو معطوف على يوم يرون الملائكة، كما عطف عليه: ويوم تشقق السماء.
و ﴿يوم يرون﴾ منصوب بـ "لذكر"، أو بيمنعون البشرى كما يدل عليه لا بشرى يومئذ للمجرمين.
والتنكير في قوله ﴿سبيلا﴾ للإفراد: أي سبيلًا واحداً لا تعدد فيه بخلاف ما كان عليه الظالم من سبل أهوائه المتعددة المتشعبة.
والألف في ﴿يا ويلنا﴾ منقلبة عن ياء المتكلم، والأصل يا ويلتي، نادى ويلته أي هلكته لتحضر في ذلك الوقت؛ لأنه وقتها. وليس نداؤها رغبة في حضورها، فالهلاك لا يرغب فيه، وإنما نادى الهلاك ليحضر لما حصل له من اليأس والقنوط من أسباب النجاة، فلم يبق له إلاّ الهلاك؛ كما يقول العليل للطبيب وقد أيس من معالجة جرح بيده مثلًا: اقطع، فهذا وقت القطع.
وهكذا يخرج كل نداء في حالة شدة لما لا يخلص منها، وإنما يزيد في اشتدادها كما ينادي الشقي: «يا شقوتاه» والمفتضح: «يا فضيحتاه» والمصاب: «يا مصيبتاه».
وكنى (بفلان) لأن لكل ظالم خليلاً له اسمه الخاص فلا يمكن التصريح بأسماء الجميع، فما بقي إلاّ الكناية عنها بفلان.
وجملة ﴿لقد أضلني﴾ بيان لسبب تمنيه السابق.
و"أل" في الشيطان والإنسان للجنس، فيدخل في جنس الشيطان خليل الظالم الذي صده عن الذكر، وقرين خليله من الجن الذي سوّل له ذلك وأعانه، وقرينه هو الذي زينه له ودعاه إليه.
والجملة من كلام الظالم لإعلان خيبته، وإظهار ألمه منها، لما وجد نفسه وحده مخذولاً ممن أضله وأغواه.
المعنى:
ويوم يعض الظالم لنفسه بالكفر لربه، أو الشرك على يديه ندماً وحسرة على تفريطه، وعدم اتباعه لسبيل الحق مع الرسول الذي أرسل إليه، وعلى توريطه لنفسه بصحبته لخليله وطاعته له، حتى صرفه عن الإيمان بالقرآن، بعدما جاءه وسمعه وتمكن من الإيمان به، فأغواه ذلك الخليل وقرينه، وقرينه هو حتى أردوه ثم خذلوه في ذلك اليوم العظيم في وقت الحسرة والندامة، فلم يجد منهم نصراً ولا معونة، كما هو شأن الشياطين في خذلان من يغووه ويردوه.
إلحاق واعتبار:
كما علينا أن نتبع سبيل الرسول- عليه وآله الصلاة والسلام- التي جاء بها من عند الله
стр. 166
تعالى، وهي الإسلام، كذلك علينا أن نتبع سبيله في القيام بشرائع الإسلام علماً وعملاً: في أبواب العبادات وأحكام المعاملات، وفي تطبيق أصول الإسلام وفروعه على الحياة العامة والخاصة. وهذه هي سنته التي كان عليها، وكان عليها أصحابه، وأهل القرن الثاني من التابعين، وأهل القرن الثالث من أتباع التابعين: تلك القرون المشهود لها بالخيرية على غيرها بلسان المعصوم.
وكما أن من عدل عن الإسلام ولم يسلك سبيله وقع في ضلال الكفر، كذلك من عدل من السنة ولم يسلك سبيلها وقع في ضلال الابتداع.
وكما أن من لم يتخذ مع الرسول سبيل الإسلام يندم أشد الندم ويتحسر أعظم الحسرة على ما كان من تفريطه.
كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل السنة إذ كل منهما قد ظلم نفسه، وفرط في سبيل نجاته.
فالآية، وإن كانت في الكافر والمشرك، فهي تتناول بطريق الاعتبار لكل الأهواء والبدع، وبهذا كانت الآية متناولة بوعظها وترهيبها جميع الخلق ممن لم يدخل في الإسلام، أو دخل فيه ولم يلزم سنة نبيه ﵌.
تحذير:
عندما تتخلل محبة شخص من الناس قلبك، وتمزج بروحك ويستولي بسلطان مودته عليك، تصير أقواله وأفعاله كلها عندك مرضية، وعيوبه ونقائصه عنك محجوبة، فتمسي طوع بنانه، ورهن إشارته، يوجهك حيث شاء ويصرفك عما أراد. وهذه حالة من أخطر الأحوال عليك، لأنك فيها قد سلبت تمييزك، وخسرت إرادتك، وصرت آلة في يد غيرك؛ فقد ترى الخير وتدعى إليه فيصرفك عنه، وقد ترى الشر وتحذر منه فيوقعك فيه.
وهب هذا الخليل كان مخلصاً لك، [[وحدباً]] عليك، فإنه غير معصوم من الخطأ والضلال. أما إذا كان شريراً مفسداً فهنالك الهلاك المحقق، والوبال الشديد.
وقد ذكر لنا الله تعالى في هذه الآية ما كان من سوء مثال الظالم بسبب انقياده لخليله، واتباعه له من غير روية وصدق تمييز.
يحذرنا من سلطان الخلة الذي يهمل معه شأن الإرادة والتمييز، ويعلمنا أن علينا أن نحافظ على إرادتنا وتمييزنا، ونظرنا لأنفسنا مع الصديق والعدو، ومع الخليل وغير الخليل، بل نحافظ عليها مع الخليل أكثر، لأنه مظنة الخوف بما له من المكانة في القلب والسلطان على النفس.
إرشاد:
لما كان خليل المرء بهذه المنزلة فعليك أن تختار من تخالل، فلا تخالَّ إلاّ من حسنت سريرته،
стр. 167
واستقامت سيرته، وغلب الصواب على أقواله وأعماله، ليكون دليلك إلى الخير، وسائقك إليه، مع محافظتك على إرادتك وتمييزك معه على كل حال.
علامة:
إذا أردت أن تعرف شر خلانك، وأحقهم بهجرك له وابتعادك عنه: فانظر فيما يرغبك هو فيه، وما يرغبك عنه.
فإذا وجدته يرغبك عن القرآن، وعما جاء به القرآن فإياك وإياه، فتلك أصدق علامة على خبثه وسوء عاقبة قربه، فابتعد عنه في الدنيا، قبل أن تعض على يديك على صحبتك له في الأخرى.
وإذا وجدته يرغبك في القرآن وما جاء به القرآن، فذلك الخليل الزكي الصادق، فاستمسك به، وحافظ عليه.
وإن خلة أسست على الرجوع إلى القرآن، والتحاب على القرآن، والتناصح بالقرآن؛ لخلة نافعة دنيا وأخرى، لأنها أسست على أساس التقوى.
وقد قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
...
شكوى النبي ﷺ وتسليته وتثبيته
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠].
لما ذكر تعالى ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن، والإعراض والصد عنه، وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة، على ما كان منهم من ذلك في الدنيا- ذكر ما قاله النبي- ﵌ من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره.
﴿مهجوراً﴾ متروكا مقاطعاً مرفوعاً عنه.
﴿الرسول﴾: محمد ﵌، و (قومه) قريش.
في قوله: ﴿يا رب﴾ إظهار لعظيم التجائه، وشدة اعتماده، وتمام تفويضه لمالكه ومدبر أمره، وموالي الإنعام عليه.
وفي التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفي التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب؛ بيان لعظيم جرمهم بتركهم للقرآن، وهو قريب منهم في متناولهم، وقد أتاهم به واحد منهم، أقرب الناس إليهم، فصدوا وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب، وهذا أقبح الصد وأظلمه.
стр. 168
وفي قوله: ﴿اتخذوا﴾ الخ ... بيان أنهم جعلوا الهجر ملازماً له ووصفاً من أوصافه عندهم. وذلك أعظم من أن يقال: هجروه، الذي يفيد وقوعه الهجران منهم دون دلالة على الثبوت والملازمة.
المعنى:
قال الرسول شاكياً لربه: إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم، قد صدوا عنه وتركوه، وثبتوا على تركه وهجره.
استنتاج واعتبار:
في شكوى النبي- ﵌ من هجرة القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه.
وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه.
ولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به؛ فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.
تنزيل:
ونحن- معشر المسلمين- قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين:
١ - بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها، وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقّدة، واشكالاتها المتعددة، واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة.
٢ - وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجرّدة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها.
٣ - وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوىء الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلّي عن هذه والتحلّي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها (١).
стр. 169
فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطُّع (١)، وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.
٤ - وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل.
فهجرنا ذلك كله إلى خريدة (٢) العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور!
٥ - ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلاّ بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه.
فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، بل يصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك!
وفي جامع الزيتونة- عمره الله تعالى- إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه -ويا للمصيبة- يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلاّ قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية.
فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن!
وعلمنا القرآن أن النبي- ﵌ هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه (٣)، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد- من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلاً عن غيرهم من أهل العلم، وفضلاً عن غيرها من كتب السنة (٤).
стр. 170
وكم وكم وكم بين القرآن!!! وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران!!!
بيان واستشهاد:
شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجهه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه؛ لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديا، وبلاؤهم متجاوزاً وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك.
وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم، في كتاب (أعلام الموقعين) عن حماد بن سلمة، ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة، عن معاذ بن جبل، قال:
«تكون فتن، فيكثر المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والمنافق والمؤمن.
فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﵌. فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة».
قال معاذ ثلاث مرات. أهـ.
فانظر في قطرنا وفي غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعاً للصلاة، ووضع كتباً من عنده، أو مما وضعه أسلافه من قبله، وروجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن.
وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباده عن كتاب الله. وإنما يدعى لله بكتاب الله، ولذلك سمي صنيع هذا الواضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير.
وهذا الحديث وإن كان موقوفا على معاذ، فهو في حكم المرفوع، لأنه بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلاّ بتوقيف من النبي ﵌. وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
سبيل النجاة:
لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوَّع الذي نذوقه ونقاسيه:
إلا بالرجوع إلى القرآن: إلى علمه وهديه.
وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه.
والتفقه فيه وفي السنة النبوية وشرحه وبيانه.
والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين.
وهذا أمر قريب على من قربه الله عليه، ميسر على من توكل على الله فيه.
стр. 171
وقد بدت طلائعه- والحمد لله- وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحانه من يحيي العظام وهي رميم.
...
التسلية والتثبيت
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
لما شكا- ﵊ قومه، سلَّاه الله تعالى وعزّاه، وأمره بالصبر والثبات، ووعده ورجاه.
(العدو): وزنه فعول يكون للواحد والجماعة.
(كاف): بمعنى مثل.
والإشارة في ﴿وكذلك﴾ للجعل المفهم مما تقدم: أي مثل ذلك الجعل للأعداء لك جعلنا لكل نبي إلخ ..
المعنى:
مثلما جعلنا لك أعداء من قومك كفروا بك، وهجروا كتابك، وصدوا عنك، وبالغوا في أذيتك- جعلنا لكل نبي ممن نبأنا أعداء من أهل الذنب والإجرام.
فما أصابك إلاّ ما أصابهم، فاصبر كما صبروا. وكفى بربك هادياً يهديك إلى طريق الحق، ويبصرك الرشد، ويعرفك بما تؤدي به رسالة ربك.
فلا تتحّير في أمرك لما ترى من صدود قومك وناصراً ينصرك على أعدائك.
يأمره بالصبر ويثبته بالتأسي، ويعده بأنه يهديه في طريق التبليغ، وينصره على معارضيه حتى يتم أمر الله على يده.
ترهيب:
هؤلاء الذين سماهم الله تعالى أعداء لنبيه، ووصفهم بالإجرام، هم أولئك الذين هجروا القرآن وصدوا عنه، فهذا تخويف عظيم ووعيد شديد لكل من كان هاجرا للقرآن العظيم بوجه من وجوه الهجران.
إقتداء وتأس:
حق على حزب القرآن الداعين به، والداعين إليه، أن يقتدوا بالأنبياء والمرسلين في الصبر على الدعوة، والمضي فيها، والثبات عليها.
وأن يداووا أنفسهم عند ألمها واضطرابها، بالتأسي بأولئك السادة الأخيار.
стр. 172
بشارة:
قد وعد الله تعالى نبيه- بعد ما أمره بالتأسي والصبر- بالهداية والنصر.
وفي هذا بشارة للدعاة من أمته من بعده، السائرين في الدعوة بالقرآن وإلى القرآن على نهجه، أن يهديهم وينصرهم.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. معهم بالفضل والنصر والتأييد، وهذا عام للمجاهدين المحسنين، والحمد لله رب العالمين.
...
تثبيت القلوب بالقرآن العظيم
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢].
هذا اعتراض آخر من اعتراضاتهم الباطلة، نسقه مع ما تقدم منها ليجاب عنه، ويبين خطؤهم فيه، كما فعل بما تقدمه.
﴿لولا﴾ مع المضارع للتحضيض، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]. ومع الماضي للوم والتوبيخ، نحو ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]. وهي هنا مع الماضي فتكون للوم على عدم حصول المذكور وحصول ضده، والمقصود من اللوم هنا الاعتراض على عدم نزوله جملة واحدة، ونزوله مفرقاً. فالمعترض عليه هو نزوله مفرقاً.
﴿نزل﴾ يأتي مرادفاً لأنزل والتضعيف أخو الهمزة، ويأتي مفيداً للتكثير فيفيد تكرر النزول وتجديده.
وخرج على هذا قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ -من الكتاب- وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣].
وأما هنا فلا يصح حمله على التكثير المفيد للتدريج، لئلا يناقض قولهم جملة واحدة، فيكون من التضعيف المرادف للهمزة.
وعندي أن (نزَّل) المضاعف يرد لكثرة الفعل ولقوته؛ فجاء لكثرته في آية آل عمران المتقدمة، وجاء لقوته في هذه الآية؛ لأن إنزال الجملة مرة واحدة أقوى من إنزال كل جزء من الأجزاء بمفرده.
﴿كذلك﴾ الإشارة للإنزال المفرق المفهوم من قولهم ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾؛ لأنه في معنى: لِمَ نزل عليه جملة، ولم ينزل عليه مفرقاً؟
стр. 173
(التثبيت): ثبات الشيء إقامته ورسوخه دون اضطراب، وذلك من قوته، كما أن اضطراب المضطرب من ضعفه. فتفسير تثبيت الفؤاد هنا بتقويته تفسير بلازم معناه على أنه مراد منه أيضا أصل المعنى ، وهو السكون وعدم الاضطراب. فتثبيته- إذن- هو تسكينه وتقويته.
(الترتيل) مادة (ر ت ل) كلها ترجع إلى تناسق الشيء وحسن تنضيده: منه ثغر رتل بالتحريك، أي مفلج بين الأسنان فرج لا يركب بعضها بعضا.
وترتيل القرآن في التلاوة هو إلقاء حروفه حرفاً حرفاً، وكلماته كلمة كلمة، وآياته آية آية، على تؤدة ومهل. حتى يتبين للقارىء وللسامع، ولا يخفى عليه شيء منه.
وأما ترتيله في نزوله- وهو المراد هنا- فإنه: إنزاله آية وآيتين وآيات، مفرقاً نجوما على حسب الوقائع.
﴿وقال الذين كفروا﴾ وصل (١)؛ لأنه قيل من أقوالهم؛ فعطف على ما تقدم من مثله.
﴿كذلك لنثبت﴾ الأصل أنزلناه كذلك، فأوجز بحذف المتعلق لوجود ما يدل عليه من إعراضهم. وفصل؛ لأنه جواب عن اعتراضهم.
﴿ورتلناه﴾ وصل؛ لأنه معطوف على أنزلناه المحذوف.
والتنوين في ﴿ترتيلا﴾ تنوين تنويع وتعظيم، أي نوعاً من الترتيل عظيماً.
المعنى:
وقال الذين كفروا- وهم قريش، أو اليهود أو الجميع، وهو الظاهر، لأن قريشاً واليهود كان يتصل بينهم الكلام في شأن النبي- ﵌ وشأن القرآن. قالوا معترضين ومقترحين: لمَ لَمْ ينزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة وغيرها، ونزل عليه مفرقاً؛ فقال الله تعالى جواباً لهم: أنزلناه كذلك الإنزال مفرقاً؛ لنثبت به قلبك فيسكن ويطمئن، ونقويه فيصبر ويتحمل.
وأنزلناه مرتلاً ومفرقاً تفريقاً مرتباً، منزلاً كل قسم منه في الوقت المناسب لإنزاله والحالة الداعية إليه اللائقة به.
مزيد بيان للاعتراض والجواب:
أما اعتراضهم، فكان لأنهم سمعوا القرآن يذكر أن الكتاب أنزل على النبي- ﵌ كما أنزلت الكتب على الأنبياء- ﵈ من قبله بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. [العنكبوت: ٤٧]. فقالوا: لماذا نزل هذا الكتاب مفرقاً، ولم ينزل مثل تلك الكتب جملة واحدة؟!
стр. 174
وهم لما عجزوا عن معارضة أقصر سورة منه، أخذوا يباهتون بالباطل، ويعترضون بمثل هذا الاعتراض.
وأما الجواب، فكان ببيان حكمتين في إنزاله مفرقاً:
الحكمة الأولى: تثبيت قلبه ﵌.
والحكمة الثانية: تفريقه مرتبا على الواقع.
وكان في تينك الحكمتين مزيتان عظيمتان للقرآن العظيم على غيره من كتب الله تعالى؟
فكان ما اعترضوا به على أنه نقص فيه عنها هو كمال له عليها.
شرح الحكمة الأولى:
كان كل نجم ينزل من القرآن العظيم- والنجم القسم الذي ينزل معًا آية أو آيتين أو أكثر- يزداد به عجزهم وعنادهم ظهوراً، وتزداد حجة النبي- ﵌ وصدقه وضوحاً؛ فيزداد بذلك سكون قلبه وطمأنينته بظهور أمره على عدوه، وعلو كلمة الحق على كلمة الباطل.
وفي ذلك تقوية له، وأي تقوية! لا عن شك كان في قلبه أو تردد ولكن البراهين المتوالية، والحجج المتتالية، تزيد في سكون القلب واطمئنانه، وإن كان معقودا من أول أمره على اليقين. فهذا وجه من تثبيت فؤاده بالآيات المتفرقات في النزول.
وقد كان كل نجم من نجوم القرآن ينزل بشيء من العلم والعرفان، مما يرجع إلى العقائد أو الأخلاق أو الأحكام أو التذكير بالأمم الماضية وأخبار الرسل المقتدمين، أو باليوم الآخر أو بسنة الله في المكذبين، إلى غير ذلك من علوم القرآن؛ فيقوى قلبه عند نزول كل نجم بما يكتسبه منه من معرفة وعلم.
وكان يلقى من الجهد والعناء في تبليغ الرسالة ما تضعف عن تحمله القوى البشرية. فإذا نزل عليه القرآن، واتصل بالملك الروحاني النوراني، وقذف في قلبه ذلك الوحي القرآني، تقوى قلبه على تحمل أعباء الرسالة ومثاق التبليغ.
ولما كان البلاء والعناء في سبيل التبليغ متكرراً متجدداً، كان محتاجاً إلى تجديد تقوية قلبه، وكان ذلك مقتضياً لتفريق نزول الآي عليه، فهذه ثلاثة وجوه من التثبيت.
حظنا من العمل بهذه الحكمة:
قلوبنا معرضة لخطرات الوسواس، بل للأوهام والشكوك، فالذي يثبتها ويدفع عنها الاضطراب ويربطها باليقين هو القرآن العظيم.
ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم ومماحكات المتكلمين ومناقضاتهم، فما ازدادوا إلاّ شكا، وما ازدادت قلوبهم إلاّ مرضًا، حتى رجع كثير منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد
стр. 175
القرآن، وأدلة القرآن، فشفوا بعد ما كادوا، كإمام الحرمين (١)، والفخر الرازي (٢).
وقلوبنا معرضة لران (٣) المعصية التي تظلم منها القلوب وتقسو، حتى تحجب عنها الحقائق، وتطمس أمامها سبل العرفان.
فالذي يجلو عنها ذلك الران، ويزيل منها تلك القسوة، ويكشف لها حقائق العلم، ويوضح لها سبل المعرفة هو القرآن العظيم.
فقراؤه المتفقهون فيه، قلوبهم نيرة، مستعدة لتلقي العلوم والمعارف، مستعدة لسماع الحق وقبوله، لها من نور القرآن فرقان تفرق به بين الحق والباطل، وتميز به بين الهدى والضلال.
وقلوبنا معرضة للضعف عن القيام بأعباء التكليف، وما نحن مطالبون به من الأعمال، والذي يجدد لنا فيها القوة، ويبعث فيها الهمة، هو القرآن العظيم.
فحاجتنا إلى تجديد تلاوته وتدبيره، أكيدة جداً لتقوية قلوبنا باليقين، وبالعلم، وبالهمة، والنشاط، للقيام بالعمل.
شرح الحكمة الثانية:
من محاسن هذه الشريعة المطهرة، أنها نزلت بالتدريج المناسب.
وكما كان في تحريم الخمر.
وكما كان في العدد المفروض عليه الثبات للعدو في آيات الأنفال (٤).
وكما كان في مشروعية قيام الليل في آيات سورة المزمل (٥).
стр. 176
وما كان ليكون هذا التدريج بغير تفريق الآيات في التنزيل.
ومن محاسنها نسخ الحكم عند انتهاء المصلحة التي اقتضت تشريعه وانقضاء زمنها لحكم آخر أنسب منه للبقاء في الأزمان.
كما كان في آيتي المتوفى عنها في سورة البقرة (١).
وما كان ذلك ليأتي إلاّ بتفريق الآيات في الإنزال.
وكانت الوقائع تقع، والحوادث تحدث، والشبه تعرض، والاعتراضات ترد .. فكانت الآيات تنزل بما تتطلبه تلك الوقائع من بيان، وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام، وما تستدعيه تلك الشبه من رد، وتلك الاعتراضات من إبطال، إلى غير ما ذكرنا من:
مقتضيات نزول الآيات المعروفة بأسباب النزول.
وفي بيان الواقعة عند وقوعها، وذكر حكم الحادثة عند حدوثها، ورد الشبهة عند عروضها، وإبطال الاعتراض عند وروده- ما فيه من تأثير في النفوس، ووقع في القلوب، ورسوخ في العقول، وجلاء في البيان، وبلاغة في التطبيق، واستيلاء على السامعين.
وما كان هذا كله ليأتي لولا تفريق الآيات في التنزيل، وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب، وهذا التنضيد الغريب، الذي بلغ الغاية من الحسن والمنفعة، حتى أنه ليصح أن يعد وحده وجهاً من وجوه الإعجاز.
حظنا من العمل بهذه الحكمة:
أن نقرأ القرآن ونتفهمه، حتى تكون آياته على طرف ألسنتنا، ومعانيه نصب أعيننا، لنطبق آياته على أحوالنا، وننزلها عليها كما كانت تنزل على الأحوال والوقائع.
فإذا حدث مرض قلبي أو اجتماعي طلبنا دواءه في القرآن وطبقناه عليه.
وإذا عرضت شبهة أو ورد اعتراض، طلبنا فيه الرد والإبطال.
وإذا نزلت نازلة طلبنا فيه حكمها، وهكذا نذهب في تطبيقه وتنزيله على الشؤون والأحوال إلى أقصى حد يمكننا.
إقتداء:
انظر إلى هذه الحكمة في هذا الترتيل: كيف كان تنزل [[آياته]] على حسب الوقائع؟
أليس في هذا قدوة صالحة لأئمة الجُمَع وخطبائها: في توخيهم بخطبهم الوقائع النازلة، وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال؟
بلى والله، بلى والله!
стр. 177
ولقد كانت الخطبة النبوية، والخطب السلفية كلها على هذا المنوال، تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال.
وأما هذه الخطب المحفوظة المتلوة على الأحقاب والأجيال فما هي إلاّ مظهر من مظاهر قصورنا وجمودنا.
فإلى الله المشتكى وبه المستعان.
...
الحق والبيان في آيات القرآن
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].
لما رد تعالى اعتراضاتهم، وأبطل شبهاتهم .. أخبر تعالى بأنه لا يزال القرآن كذلك: يدمغ باطلهم بحقه فيزهقه، ويصدع غشاء تمويههم بصادق بيانه فيمزقه؛ لطمأنة قلب نبيه- ﵌ وتثبيته ووعد له بدوام النصر والتأييد.
(المثل) هو الشبه. هذا أصله، ثم يطلق على الكلام الذي قيل أول ما قيل في مقام، ثم لحسنه وإيجازه حفظ وجرى على الألسنة، وصار يقال في كل مقام يشابه مقاله الأصلي الذي قيل فيه أولاً لمشابهة المقام الثاني للمقام الأول.
ثم صار يطلق أيضاً على كل كلام فيه بيان لشيء وتصوير له، سواء أطابق ذلك البيان والتصوير الواقع وأتى بالحق، أم لم يطابق الواقع ولم يأت الحق. وهذا المعنى هو المراد هنا.
فإن المشركين جاءوا بكلمات في حق الله تعالى، وفي حق كتابه، وفي حق ملائكته، وفي حق نبيه لم يطابقوا فيها الواقع، ولا أتوا فيها بحق:
كقولهم في الله وملائكته: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١].
وفي نبيه: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧].
وفي القرآن: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان:٥]. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
فهذه هي أمثالهم التي ضربوها فضلوا.
وجاء القرآن بعد كلماتهم الباطلة بكلمات الحق الدامغة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [الفرقان: ٦]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
فهذه هي أمثال الله التي جاءت بالحق وأحسن تفسيرا.
стр. 178
(التفسير): الكشف عن المعنى .
وصلت الجملة لمشاركتها لما قبلها في الخبرية، والمخبر عنهم والموضوع المتحدث عنه مما جاءوا به من الباطل، وما رد عليهم من الحق.
وجملة ﴿جئناك﴾ خالية من كاف الخطاب المفعول في: ﴿لا يأتونك﴾. والحصر بالنفي وإلاّ في تلك الحال- والتقدير: ولا يأتونك بمثل في حال من أحوالك إلاّ في حال مجيئنا لك بالحق وأحسن تفسيراً.
والتعبير بالمضارع في ﴿يأتونك﴾ يفيد الحدوث وتجدد الإتيان منهم.
والتعبير بالماضي في ﴿جئناك﴾ مع أنه في معنى المستقبل يفيد تحقق المجيء، وهو المناسب لمقام الوعد والتثبيت.
المعنى:
ولا يأتيك يا محمد، هؤلاء المشركون وأمثالهم، بكلام يحسنونه ويزخرفونه، يصورون به شبهة باطلة، أو اعتراضاً فاسداً، إلاّ جئناك بالكلام الحق الذي يدمغ باطلهم، ويدحض شبههم وينقض اعتراضهم، ويكون أحسن بياناً وأكمل تفصيلاً.
إهتداء:
إذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شُبَه الضالين واعتراضاتهم، ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه.
وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية، ومزيد دراية وخبرة.
ولا نحسب شبهة ترد على الإسلام، إلاّ وفي القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة.
فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن، ولا إخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلاّ واجديها فيها.
وكيف لا نجدها في آيات ربنا التي هي الحق وأحسن تفسيراً؟!
إقتداء:
لنقتد بالقرآن فيما نأتي به من كلام في مقام الحجاج، أو مقام الإرشاد.
فلنتوخ دائماً الحق الثابت بالبرهان أو بالعيان، ولنفسره أحسن التفسير ولنشرحه أكمل الشرح، ولنقربه إلى الأذهان غاية التقريب.
وهذا يستدعي صحة الإدراك، وجودة الفهم ومتانة العلم لتصور الحق ومعرفته.
стр. 179
ويستدعي حسن البيان وعلوم اللسان لتصوير الحق وتجليته والدفاع عنه.
فللإقتداء بالقرآن في الإتيان بالحق وأحسن بيان، علينا أن نحصل هذه كلها، ونتدرب فيها، ونتمرن عليها، حتى نبلغ إلى ما قدر لنا منها.
هذا ما على أهل الدعوة والإرشاد، وخدمة الإسلام والقرآن.
فأما ما على عموم المسلمين من هذا الإقتداء: فهو دوام القصد إلى الإتيان بالحق، وبذل الجهد في التعبير بأحسن لفظ وأقربه.
ومن أخلص قصده في شيء وجعله من وكده أُعين- بإذن الله تعالى- عليه.
...
حشر الكفار إلى النار
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ [الفرقان: ٣٤].
لما أبطل شبههم، بيّنَ مآلهم وجزاءهم.
(الحشر) السوق والجمع، (المكان) المنزل، (والسبيل) الطريق.
فصلت الجملة (١) لأنها بيان لحالهم في الآخرة، وهو غير الموضوع المتقدم.
عرف المسند إليه بالإشارة في قوله: ﴿أولئك شر مكانًا﴾؛ للتنبيه على أن المشار إليه وهو "الذين" المتقدم، حقيق بما بعد إسم الإشارة من قوله: ﴿شر مكانًا وأضل سبيلاً﴾؛ بسبب ما اتصف به المشار إليه المتقدم، مما دلت عليه الصلة، وهو حشرهم على وجوههم إلى جهنم، الذي ما أصابهم إلاّ بما قدمت أيديهم. في الحقيقة هم أحقاء بكونهم شراً مكاناً، وأضل سبيلاً، بسبب ما أداهم إلى ذلك الحشر، فاكتفي بذكر المسبب عن السبب (٢).
وأفعل التفضيل (٣) لم يذكر معه المفضل عليه؛ ليفيد أن مكانهم شر مكان من أمكنة الشر، وسبيلهم أضل سبيل من سبل الضلال.
وإسناد الضلال للسبيل مجاز.
المعنى:
هؤلاء المشركون القائلون للمقالات المتقدمة، ومن كان على شاكلتهم في الكفر والعناد
стр. 180
الذين يجمعون ويساقون إلى جهنم مقلوبين على وجوههم: أولئك شر مكاناً ومستقرا، فإنهم أهل النار، وأضل طريقاً فإنهم سلكوا طريق الكفر الذي أداهم إلى ذلك المستقر.
حديث:
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- أن رجلًا قال: «يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؛ قال- ﵌: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟!» (١).
فقه:
من هذا الحديث علمنا: أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره، ولو كان غير معتاد في الدنيا؛ لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم.
توجيه:
رفعوا وجوههم في الدنيا عن السجود لله، فأذل الله تلك الوجوه فمشوا عليها في المحشر.
ورفعوا رؤوسهم كبراً عن الحق، فنكسها الله يوم القيامة.
ومشوا في طريق النظر والاستدلال مشياً مقلوباً، فمشوا في الآخرة مشياً مقلوباً.
فكان ما نالهم من سوء تلك الحال جزاء وفاقاً لما أتوا من قبح الأعمال، وما ربك بظلام للعبيد.
تحذير:
فيما يذكره الله- تعالى- من هذا الجزاء العادل، تخويف عظيم لنا من سوء الأعمال التي تؤدي إلى سوء الجزاء، وخصوصا من مثل ما ذكر فيما تقدم من ترك السجود والكبر على الحق والنظر المقلوب.
عصمنا الله والمسلمين أجمعين بالعلم والدين، وهدانا سنن المرسلين آمين يا رب العالمين.
...
من إكرام الله تعالى عبده تحميله أعباء الرسالة وحده
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ [الفرقان: ٥١].
قد استفيد من الآيات المتقدمة ما كان يكابده النبي- ﵌ من إذاية